Полный текст (408 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
هاجر أقام بالمدينة عشر سنين، فعلى قول من وضع هذا الحديث يكون لفاطمة يوم مات النبي ﷺ عشر سنين وأشهر.
وقال عنه الحافظ ابن حجر: فاطمة ولدت قبل ليلة الإسراء بالإجماع، وقال الذهبي: فاطمة ولدت قبل النبوة فضلًا عن الإسراء، كل هذا يدل على أن راوي هذا الحديث واضح كذبه، فقد ذكر ولادتها بعد التوقيت الصحيح بسنين طويلة.
سابعًا: من علامات الوضع في الحديث: أن يكون الخبر مخالفًا لسنة الله في الكون والإنسان، وذلك مثل حديث: "ابنتي فاطمة حوراءُ آدميةٌ، لم تحض ولم تطمث، وإنما سماها الله فاطمة؛ لأن الله تعالى فطمَهَا وحجبَهَا عن النار"، قال ابن عراق تعقيبًا على هذا الحديث: أخرجه الخطيب من حديث ابن عباس، وقال: ليس بثابت، وفيه غير واحد من المجهولين.
ثامنًا: أن يكون الخبر ركيكًا؛ هذه علامة من علامات الوضع الراجعة إلى متن الحديث: أن يكون الخبر ركيكًا في معناه؛ سواء اجتمعت مع ركاكة المعنى ركاكة في اللفظ أو لا، قال الحافظ ابن حجر: المدار في الركة ركة المعنى، فحينما وجدت دلت على الوضع، وإن لم ينضم إليها ركةُ اللفظ؛ لأن هذا الدين كله محاسن، والركة ترجع إلى الرداءة، أما ركاكةُ اللفظِ؛ فلا تدل على ذلك؛ لاحتمال أن يكون رواه بالمعنى؛ فغيَّرَ ألفاظه بغير فصيح.
تاسعًا: من علامات الوضع: أن يشتمل الحديث على إفراط ومبالغة في الثواب العظيم على العمل اليسير، أو اشتماله على المبالغة بالوعيد الشديد على الأمر الحقير.
وأكثر ما يكون ذلك في أخبار القصاص وحكايات المتصوفين، مثال ذلك حديث "من سمع سورة " يس " عدلت له عشرين دينارًا في سبيل الله، ومن قرأها عدلت له عشرين حجة، ومن كتبها وشربها أدخلت جوفه ألف يقين، وألف نور، وألف رحمة، وألف رزق، وألفَ هداية، ونزعت منه كل غل".
стр. 317
قال عنه الإمام الشوكاني: رواه الخطيب عن علي ﵁ مرفوعًا، وهو ضعيف.
ومثال الثاني؛ أن يكون فيه وعيد شديد على العمل اليسير، حديث "من لم يداوم على أربع قبل الظهر، لم تنله شفاعتي" قال ابن عراق الدمشقي: سئل عنه الحافظ ابن حجر، فقال: لا أصل له.
ومن ذلك خبر "من أعان تارك الصلاة بلقمة، فكأنما أعان على قتل الأنبياء كلهم" قال الشوكاني: قال السيوطي في (الذيل): موضوع.
عاشرًا: من علامات الوضع: أن يكون الراوي رافضيًّا والحديث في فضائل آل البيت؛ لأن الروافض متعصبون لآل البيت، وذلك مثل حديث "خلقت أنا وعلي من نور، وكنا على يمين العرش، قبل أن يخلق آدم بألفي عام، ثم خلق الله آدم، فانقلبنا في أصلاب الرجال، ثم جعلنا في صلب عبد المطلب، ثم شق أسماء نا من اسمه، فالله محمود، وأنا محمد، والله الأعلى، وهذا علي" قال الشوكاني: هو موضوع، وضعه جعفر بن أحمد بن علي، وكان رافضيًّا وضاعًا.
وقد يعرف الوضع أيضًا، وهذا رقم حادي عشر والأخير: يعرف الوضع بقرائن في الراوي؛ وهذه الأشياء ترجع إلى الراوي أو المروي أو فيهما معًا، ومثال ذلك ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التيمي، أنه قال: كنت عند سعد بن طريف فجاء ابنه من الكُتَّابِ يبكي، فقال: ما لك؟ قال: ضربني المعلم، قال: لأخزينه اليوم، الحديث الذي سبقه، فقال الحديث، حدثني عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: "معلمو صبيانكم شراركم؛ أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المسكين" هذا كلام واضح أنه موضوع من كلام الراوي، وسع ي د بن طريف هذا المذكور في السند، قال فيه يحي بن معين: لا يحل لأحدٍ أن يرويَ عنه، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث، وراوي القصة عنه سيفُ بن عمر، قال فيه الحاكم: اتهم بالزندقة، وهو في الرواية ساقط.
стр. 318
حكم رواية الحديث الموضوع
إذا كانت هذه الأحاديث الموضوعة بهذه الكثرة، على اختلاف أسبابها، وعلى اختلاف علامات الوضع، فهل يجوز روايةُ الحديث الموضوع؟
الحقيقة: لا تجوز رواية الحديث الموضوع، إلا إذا جاء مقترنًا ببيان وضعه، والنص على كذبه، حتى لا يعتقد الناس في صحته، ويعملون بمقتضاه، ويأخذ ابن الجوزي ﵀ على بعض العلماء، روايةَ الموضوع من غير تبيينٍ لدرجتِه، أو كشف وضعه، ويعتبرُهُ من تلبيس إبليس عليهم، يقول ابن الجوزي: ومن تلبيس إبليس على علماء المحدثين رواية الحديث الموضوع من غير أن يبينوا أنه موضوع، وهذه جناية منهم على الشرع، ومقصودهم ترويج أحاديثهم وكثرة رواياتهم.
وقد قال ﷺ : ((من روى عني حديثًا، يُرَى أنه كذب -أو يرى- أنه كذب، فهو أحد الكاذِبَين، أو الكاذِبِين)) يقرئ الحديث بالتشكيلتين.
((ي ُ رى)) أي: يظن أنه كذب، حتى مجرد أن تظن أن هذا كذب على رسول الله، فمن ينقله يعتبر مشاركًا في الكذب على رسول الله، ((أو يَرَى)) ويعلم أنه كذب تكون المصيبة والإثم أعظم، ((فهو أحد الكاذ ِ ب َ ين)) كأن الذي يكذب، الذي ينقل الحديث عن الكذابين وقائله الذي كذب أولًا، أو ((هو أحد الكاذ ِ ب ِ ين)) كأن الكاذبين هم جملة، وهو واحد منهم.
هكذا قال العلماء سلفًا وخلفًا، لا يحل رواية الحديثِ الموضوع في أيِّ بابٍ من الأبواب، سواء كان في الحلال والحرام، أو في الترغيب أو في الترهيب، أو في
стр. 319
القصص أو نحو ذلك، إلا مقترنًا ببيان أنه موضوع ومكذوب؛ سواء كان في الحلال والحرام، أو في التواريخ، أو في أيِّ نوعٍ من أنواعِ الموضوعاتِ.
وفي حكم الموضوعات الإسرائيليات، التي أُلْصِقَت كذبًا وزورًا على النبي ﷺ وأن فاعل ذلك يستوجب التأديب والعقاب، بل يستوجب الضرب الشديد والحبس الطويل كما نقل عن الإمام البخاري، بل بالغ بعض العلماء؛ فأحل دمَ من يكذب على رسول الله ﷺ فقد نقل شيخنا الدكتور محمد أبو شهبة هذا الرأي عن يحيى بن معين -رحم الله الجميع.
هذه خلاصة حكم رواية الحديث الموضوع.
الأحاديث الموضوعة في فضائل سور القرآن
ولشيخنا الشيخ أبو شهبة في هذا المجال نقل عن عمر بن الخطاب وعن علمائنا ورجالنا، يحذرونا أشد التحذير من رواية هذه الأحاديث الموضوعة؛ لأنها تفسد عقائد الأمة وتؤثر في من يقرؤها؛ إذ إنه يرى في هذه الأحاديث طعنا في ديننا وثقافتنا الإسلامية.
ولا مانع أن نمر سريعًا على ما نقل عن بعض هؤلاء الفرق، التي نقلت أحاديث ودسوها في كتب التفسير، هناك الخوارج والقدرية والفرق الأخرى وضعوا أحاديث تؤيد مذاهبهم، قال شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية: ثم إنه لسبب تطرف هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية ثم الفلاسفة ثم القرامطة وغيرهم فيما هو أبلغ من هذا، وتفاقم الأمر في الفلاسفة؛ فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي العالم منها عجبه.
فالرافضة مثلًا يقولون في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: ١)، يقولون هما أبي بكر وعمر، ويقولون في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (الزمر: ٦٥)، يقولون: أي بين أبي بكر وعمر، وعلي في الخلافة: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾
стр. 320
كأن الخطاب إن أشركت أب ابكر وعمر في الخلافة، وقالوا في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (البقرة: ٦٧) قالوا: المراد عائشة، وقالوا في قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ (التوبة: ١٢) قالوا: هم طلحة والزبير، وقالوا في قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ (الرحمن: ١٩) والآية: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ (الرحمن: ٢٢) ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ علي وفاطمة، ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ الحسن والحسين، وقالوا: إنما وليكم في قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: ٥٥) قالوا: هو علي.
ويذكرون الحديث الموضوع بإجماع أهل العلم، في أن عليًّا تصدق بخاتمه، وهو في الصلاة، وسنذكر ذلك فيما يستقبل -إن شاء الله.
في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (البقرة: ١٥٧) قالوا: نزلت في علي لما أصيب بحمزة، ومما يقارب هذا ما ذكروه أيضًا في قوله: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (آل عمران: ١٧)، إن ﴿الصَّابِرِينَ﴾ رسول ﷺ ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ أبو بكر ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ عمر، ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ عثمان ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ علي، مع أن الصفات طيبة، لكن هذا لم يرد فيه تحديد، هناك كلام كثير نغض الطرف عنه الآن، ولنعد إلى نماذج من الأحاديث الموضوعة الأخرى.
ونبدأ بأشهر ما ورد في هذا النوع من الأحاديث الموضوعة.
نقول: لا نقصدُ في ذكر الأحاديث الموضوعة في مجال التفسير، أن نستقْصِيَ كل ما ذُكِر، إنما نشير إلى نماذج منها، وعلى سبيل الإجمال ودون تفصيل، فإن الحقيقة التي لا تخفى، ولا تغيب، أننا لو أردنا استقصاء، واستقراء كل ما ورد من الأحاديث الموضوعة أو الإسرائيليات مما يسمى الدخيل والموضوعات في
стр. 321
كتب التفسير، فإنها تحتاج إلى عشرات الساعات، وبما أننا محكمون بمنهج محدد، فسنورد نماذج على سبيل الذكر والمثال، لا على سبيل الحصر والإحصاء.
من تلك الأحاديث: الأحاديث الموضوعة في فضائل سور القرآن، ومنها أيضًا سنعرفُ بعد ذلك ما وَرَدَ في أسبَابِ النُّزُولِ، فإنَّ العَاقِلَ عندما يستقرئُ كتبَ التفسير، يرى الكَمَّ الكثيرَ، والقدرَ الهائلَ في الموضوعاتِ؛ إما فِي فَضَائلِ السور، أو في فواتح السور، أو في قصص الأنبياء، أو في أسباب النزول، على كل حال معظم ما أورده المفسرون في فضلِ سورِ القرآنِ أحاديث موضوعة، وانتبه أخَا الإسلام ليست كلُّ الأحاديث التي وردت في فضائلِ السورِ موضوعة، هناك سور صح في فضلها أحاديث بينها الإمام السيوطي، ونحن إذا رجعنا إلى هذه الأحاديث سنرى أنها صحيحة في بعض السور، وقليل من الآيات.
إنما الحديث الذي شَمَلَ كُلَّ السورِ المائة والأربع عشرة سورة، ال حديث ال مشهور المروي عن أُبَي بن كعب هو حديث موضوع -إن شاء الله.
والأحاديث التي وردت وصحَّتْ في فضائل بعض السور، هي كما بينَهَا الإمام السيوطي، بقوله: واعلم أن السورَ التي صَحَّتْ الأحاديث في فضلها هي الفاتحة، والزهراوان - البقرة وال عمران - وسورة الأنعام، والسبع الطوال -الطول جمع طول ى، والطوال جمع طويلة - وهي البقرة وأل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف وبراءة أو الأنفال مع براءة، على كل حال مجملًا، وسورة الكهف، وسورةُ يس، والدخان، والملك، والزلزلة، والنصر، والكافرون، والإخلاص، والمعوذتين، وما عداها لم يصح فيه شيء.
نتحفظ قليلًا على كلام الإمام السيوطي، فأحاديث الفاتحة صحيحة والزهراوين والأنعام والكهف، أما حديث يس؛ فقد صححه البعض وحسنه آخرون
стр. 322
وضعفه آخرون، وكذلك ما ورد في الدخان والملك والزلزلة، أما سورة النصر والإخلاص والمعوذتين؛ فالأحاديث فيها صحيحة، ومعظمها متفق عليه.
على كل حال: من الأحاديث الموضوعة في فضائل السور؛ ما ذكره أبو السعود، وعند الانتهاء من سورة " يونس "، ذكر حديث في فضلها ورفعه إلى النبي ﷺ : "من قرأ سورة يونس، أعطيَ لَهُ من الأجرِ عشرَ حسناتِ، بعدد من صدق يونس، وكذب به، وبعدد من غرق مع فرعون".
والأحاديث تناولت جميع السور وهي أحاديث معروفة، حديث أُبَي بن كعب ﵁ وضعت في فضائل السور جملة شاملة لكل السور من الأحاديث، وواضعُوهَا قصدوا ترغيب الناس في قراءة القرآن، وزعموا أن في ذلك حسبةً إلى الله تعالى، وهذا غلط وقصدهم فاسد، وزعمهم باطل؛ لأن كُلَّ هذا داخل تحت وعيد الحديث: ((من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار))، ولا فرق بين الكذب على رسول الله، والكذب له.
أما حديث أُبَي بن كعب الطويل، فهذا الحديث يروى عن أُبَي بن كعب عن النبي ﷺ ، وسند هذا الحديث كما ذكره العلماء؛ ف قد بحث مؤمل بن إسماعيل حتى وصل إلى من اعترف بوضعه، قال مؤمل: حدثني شيخٌ بهذا الحديث، هذا أصل الحديث المنسوب كذبًا إلى أُبي، قال مؤمل: حدثني شيخ بهذا الحديث، فقلتُ له: من حدَّثَكَ بهذا؟ قال: رجل بالمدائن، وهو حي فسرتُ إليهِ، فَقُلْتُ: من حدَّثَكَ بِهَذا؟ قال: حدثني شيخ بواسط، فسرتُ إليه فقلتُ: من حدَّثَكَ بِهَذا؟ قال: حدثني شيخٌ بالبصرة، فسرتُ إليه فقلتُ: من حدَّثَكَ بِهَذا؟ قال: حدثني شيخ بعبَّادَان، فسرتُ إليه فأخذ بيدي، فأدخلني بيتًا، فإذا فيه قومٌ من المتصوفةِ ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ هو الذي حدثني، فسألته قلت: يا
стр. 323
شيخ من حدَّثَكَ بهذا؟ قال: لم يحدثن ي أحد. ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن - أي: انصرفوا عنه - فوضَعْنَا لَهُم هذا الحديث؛ ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن.
وقد روي هذا الحديث من طريق علي بن زيدِ بن جدعَان، وعطاء بن أبي ميمونة كلاهما عن زِرِّ بن حبيش عن أُبَي بن كعب، ومن طريق هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه، عن أبي أمامة عن أُبَي بن كعب، ومن طريقٍ آخر، والحديث بجميع طرقه باطل موضوع.
وروي عن ابن المبارك أنه قال: أظنه من وَضْعِ الزنَادِقَة، ومن ذلك أيضًا: حديث عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن حديث مشابه؛ إلَّا أنه مسندٌ إلى ابن عباس، يشبهُ الحديثَ الذي ينسب إلى أُبَي بن كعب، وهو فِي فضائلِ القرآن سورةً سورة أيضًا، فقد سئل عنه واضعه نوح بن أبي مريم، الذي سبق القول بأنه جامع؛ إذ إ نه جمع لجمعه علومًا كثيرة، سبحان الله تلقى العلوم عن علماء لكنه كان كذبًا؛ أخذ الفقه عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى، وأخذ التفسير عن الكلبي، وعلم السير والمغازي عن محمد بن إسحاق، وأخذ الحديث عن حجاج بن أطأة، قيل: إنه كان جامع ً الكل شيء إلا الصدق؛ كما سبق أن أشرت.
فنوح بن أبي مريم قال: رأيت الناس قد اعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذه الأحاديث حسبةً، يقول الدكتور محمد أبو شهبة: وقد خطأ المحدثون من ذكر هذه الأحاديث من المفسرين في كتبهم؛ كالإمام الثعلبي والإمام الواحدي والزمخشري، والنسفي والبيضاوي وأبي السعود، والحقيقة أن أصحاب هذه الكتب، وهم من القدامى نقلت منهم هذه الأحاديث؛ سواء ذكرها المفسرون في أواخر السور؛ لأنها كالوصف لها،
стр. 324
أو في بيان فضلها في أوائل السور، والنسفي والبيضاوي وأ بو السعود كل هؤلاء ذكروها في كتبهم.
ولكن من أبرز سنده وذكره كالثعلبي والواحدي فهو أبسط لعذره لعل عذره يقبل؛ إذ أحال ناظره على الكشف عن السند، والبحث عن الرواة، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه، أما من لم يبرز السند، وأورد الحديثَ بصيغةِ الجزم فخطؤه كبير، بل وخطؤه أفحش وعذره أبعد، كالمتأخرين والزمخشري جاء من بعدهِم، والنسفي، والبيضاوي، وأب والسعود.
قال الإمام ابن الجوزي: وقد فرَّقَ هذا الحديث أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره فذكر عند كل سورة منه ما خصَّها من القول، وتبعه أبو الحسن الواحدي في ذلك، قال: ولا أعجب منهُمَا؛ لأنهما ليسا من أصحابِ الحديث، وإنما عجبتُ من أبي بكر بن أبي داود في كتابه الذي صنفه بعنوان (فضائل القرآن)، وذكر الحديث، وهو يعلم أنه حديثٌ محالٌ مصنوعٌ بلا شك.
يقول شيخنا الدكتور أبو شهبة: رجعت إلى (تفسير الثعلبي) ووجدته يبرز السند كاملًا تارةً، وتارةً يقول: عن أُبَي بن كعب، قال: قال النبي ﷺ وذكر لنا أمثلة من سورة " هود "، قال: قال النبي: "من قرأ سورة هود أعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد من صدق نوحًا، وهودًا، وصالحًا، ولوطًا، وموسى" وفي صدر سورة " يوسف "، قال: وعن أُبَي بن كعب، قال: قال النبي ﷺ : "اقرءوا سورة يوسف؛ فإنه ما من مسلم تلاها وعلَّم أهله إلا هَوَّنَ الله عليه سكرات الموت، وأعطاه القوة ألا يحسد أحدًا" والواحدي يذكر الفضائل في أول السور؛ ليكون أدعى إلى عناية القارئ وتنشيطه.
стр. 325
الزمخشري ومن تبعه يذكر الفضائل في أواخر السور، ولما سئل الزمخشري عن هذا، فأجاب بأن الفضائل صفات، وهي تستدعي الموصوف، والموصوف مقدم على صفته، كما أنهم لا يذكرون شيئًا من السند حتى الصحابي، وإليك مثالًا مما ذكره الزمخشري من هذا الحديث الطويل عقب كل سورة؛ ليكون القارئ على حذر منها.
ومن أمثال ذلك ما ذكره في آخر سورة آل عمران عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة آل عمران، أعطيَ بكل آية منها أمانًا على جسر جهنم" وعنه ﵊ قال: "من قرأ السورة التي يذكر فيها " آل عمران " يوم الجمعة، صلَّى اللهُ عليه وملائكته حتى تحجب الشمس" وفي آخر " المائدة " عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورةَ المائدةِ أعطيَ من الأجرِ عشرَ حسنات، ومحيَ عنه عشرُ سيئات، ورفع له عشر درجات، بعددِ كل يهوديٍّ ونصرانيٍّ يتنفس في الدنيا" أحاديث كثيرة.
ورغم أن سورة البقرة والفاتحة وآل عمران والكهف صحت في فضلها أحاديث، فقد أخرجوا أيضًا جُمَلًا من الأحاديث الموضوعة في هذه السور، وقبل أن نترك كلام أُبي، أو الحديث المسند إلى أُبَي، نقول: إن هناك أحاديث موضوعة عن غير أُبَي بن كعب؛ فبعض المفسرين قد يذكر في فضائلِ السورِ أحاديث عن غير أبي، كالذي ذكره الزمخشري والبيضاوي في فضل الفاتحة، قالا: وعن حذيفة بن اليمان: أن النبي ﷺ قال: "وإن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتمًا مقضيًّا، فيقرأ صبيٌّ من صبيانِهِم في الكُتَّاب: الحمد لله رب العالمين، فيرفع الله عنهم العذاب أربعين سنة" قال ولي الدين العراقي: في سنده الجويباري، ومأمون الهروي كذَّبَان، فهو من وضع أحدهما.
وقد يذكر المفسرون في فضائل الآيات ما لا يعرفه المحدثون؛ وذلك مثل ما ذكره الزمخشري وتبعه النسفي وغيره في فضل آية الكرسي من قوله: "ما قرئت هذه
стр. 326
الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يومًا، ولا يدخله ساحرٌ، ولا ساحرة، أربعين ليلة، يا علي علمها ولدك، وأهلك وجيرانك، فما نزلت آية أعظم منها" وإن كانت آية الكرسي فعلًا لها أحاديث أخرى في فضلها، لكن هذا النص من الأحاديث الموضوعة.
وكذلك الحديث الذي ذكره بعده، وهو أن الصحابة تذاكروا أفضل ما في القرآن، فقال لهم علي ﵁ أين أنتم من آية الكرسي؟، ثم قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا علي سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال الطور، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي".
فقد قال الحافظ في تخريج أحاديث (الكشاف) لم أجدهما؛ الحافظ ابن حجر.
وهذا لا يعني أن كل ما ذكر في فضائل السور ضعيف كما أشرت؛ فقد صح في بعض السور كما سبقت الإشارة، وصح في آية الكرسي وفي الآيتين من آخر سورة البقرة، فقد جاء الحديث: ((من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه)) فقد رواه البخاري ومسلم، وأيضًا الحديث الآخر: ((أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يؤتهن نبيٌّ قبلي)) وا لحديث أخرجه النسائي وأحمد.
وأيضًا ينبغي أن يعلم أنه ليس كل ما ذكره الزمخشري، وأمثاله عن أُبَي بن كعب يكون موضوعًا؛ فقد يذكر عن أُبَي بن كعب ما هو صحيح أو حسن، وذلك مثل ما ذكره في تفسير سورة الفاتحة، حيث قال عن رسول الله ﷺ أنه قال لأُبَيِّ بن كعب: ((ألا أخبرك بسورة لم ينزل في التوراة والإنجيل والقرآن مثلها؟)) قلت: بلى يا رسول الله، قال: ((فاتحة الكتاب، إنها السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته)) أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي والحاكم وصححه على شرط مسلم.
стр. 327
وتفسير الحافظ ابن كثير من أجَلِّ ما يعتمد عليه في أحاديث الفضائل ما صح منها وما لم يصح، والسور التي صحت في فضلها الأحاديث الفاتحة، والزهراوان، والسبع الطوال، والكهف، ويس -كما قلنا- والإخلاص والمعوذتان، وطبعًا الإمام ابن كثير عمدة في ذكر الأحاديث ويصحح منها الصحيح ويضعف منها الضعيف.
ما جاء في فضل يونس ﵇، وما ورد في إهلاك قوم لوط
فإلى نماذج أخرى نستكمل منها هذا النوع من الأحاديث في فضائل السور؛ يروي لنا زملاؤنا في كتبهم ما ورد أيضًا من الأحاديث؛ ما جاء في فضل سيدنا يونس ﵇ فقد أخرج أبو السعود رواية عن النبي ﷺ : "لا تفضلوني على يونس بن متى، فإنه كان له كل يوم مثل عمل أهل الأرض" وهذا الحديث طبعًا غير الحديث الصحيح الوارد في (الصحيحين) ((ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)) فطبعًا الزيادة هذه في الحديث الأول غير صحيحة، أدخلت على الحديث الجملة "كان يرفع له كل يوم مثل عمل أهل الأرض" أبدًا كلام غير صحيح. فالشيخان وأصحاب السنن لم يوردوا لنا هذه الجملة.
ورد في إهلاك قوم لوط عند قوله تعالى في الحجارة التي ألقيت عليهم: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (هود: ٨٣) قال: إنهم -يعني قوم لوط- بسبب ظلمهم مستحقون لها، وهم لابسون بها؛ أي: بالحجارة التي عذبوا بها، وفيه وعيد شديد لأهل الظلم كافة، وعن رسول الله أنه سأل جبريل ﵇ فقال: "يعني ظالمي أمتك، وما من ظالم منهم إلا وهو يعرض علي هـ حجر، يسقط عليه من ساعة إلى ساعة".
وهذا الخبر الذي أورده أبو السعود في تفسير الآية مردود من وجهين؛ أولهما: أن الحكم باقٍ على عمومه، أما قوله في الحديث يعني: "ظالمي أمتك" فتخصيص
стр. 328
يحتاج إلى دليل ولا دليل، ثانيهما: أن الخبر مجهول الأصل لا يعرف له سند، وفيه يقول الحافظ ابن حجر: ذكره الثعلبي من غير سند.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٥٧). قال بعض المفسرين: إنه لم يعطَ الاسترجاع أمة إلا هذه الأمة، فأكرمهم الله تعالى إذا أصابتهم مصيبة، وهذا عندنا ضعيف، هذا قول الحافظ ابن حجر، وهذا عندي ضعيف؛ لأن قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ (البقرة: ١٥٦) إشارة إلى أنا مملكون لله، وهو الذي خلقنا وأوجدنا، وقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: ١٥٦) إشارة إلى أنه لا بد من الحشر والقيامة، ومن المحال: أن أمة من الأمم لا يعرفون ذلك، فمن عرف عند نزول بعض المصائب أو عرف بأنه لا بد في العاقبة من رجوعه إلى الله تعالى، فهناك تحصل السلوى التامة عند تلك المصيبة، ومن المحال: أن يكون المؤمن بالله غير عارف بذلك. ومن ذلك نرى الخبر الذي أورده أبو السعود ضعيف سندًا متنًا.
ما قيل عن عقوق الوالدين
نختم بما قيل عن عقوق الوالدين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: ٢٣، ٢٤).
فعند تفسير هاتين الآيتين ذكر أبو السعود عددًا من الأخبار عن النبي ﷺ : "رضا اللهِ في رضا الوالدين، وسُخْطُهُ في سخطهما" هذا الحديث رواه الهيثمي في (مجمع الزوائد) في رواية البزار عن ابن عمر، قال: في إسناده عصمة بن محمد، وهو متروك.
стр. 329
وقال يحيى بن معين عنه: إنه كذاب يضع الحديث، هذا راوي الحديث الذي فيه عصمة بن محمد، ورواه السيوطي في (الجامع الصغير) معزو في الطبراني في (الكبير) عن ابن مسعود، وتعقبه المناوي بأن المتهم به عصمة بن محمد كما قال الهيثمي، وروى الترمذي في (سننه) هذا الحديث بإسناد آخر مرفوعًا وموقوفًا؛ بيد أنه رجح الموقوف فقد ثبت عنه أنه رواه من حديثِ خالد بن الحارث عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا، ثم ساقه من حديث محمد بن جعفر عن شعبة به نحوه ولم يرفعه، قال: وهذا أصح.
وهكذا رواه أصحاب شعبة عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعَهُ غير خالد بن الحارث، وهو ثقة مأمون، وهكذا يبدو أن الوقف به أشبه، وإذا علم أن الحديث موقوف فمن الخطأ رفعه كما توهم أبو السعود وغيره، على أن في سند المرفوع ما يمنع قبوله كما سبق بيانه.
ومن الأحاديث التي قيلت في عقوق الوالدين ونقلها أبو السعود أيضًا هذا الحديث "يفعل البار ما شاء أن يفعل، فلن يدخل النار، ويفعل العاق ما شاء أن يفعل، فلن يدخل الجنة" هذه الأحاديث التي وردت في عقوق الوالدين ضعيفة أو غير صحيحة، فهذا الحديث ذكره اب ن عمران من رواية الديلمي من حديث الحسين بن علي، وقال: فيه عيسى بن عبد الله، وأصرم بن حوشب؛ الأول متهم بالكذب، والثاني: منكر الحديث، قال عنه يحيى: كذاب خبيث، وقال البخاري ومسلم والنسائي عنه: متروك، وقال ابن حبان: إنه كان يضع الحديث.
стр. 330
وذكر الشوكاني هذا الحديث ضمن (الأحاديث الموضوعة في الفوائد المجموعة) وقال عنه: في إسناده كذاب، وبناء على هذا فإن الحديث لا يصح من حيث السند ولا من حيث المتن، فهو كذلك من حيث المتن لا يصح؛ لأنه يدل بظاهره على أن البار بوالديه لن يدخل النار بأي حال من الأحوال، وهذا لم يقل به مسلم، فدخول النار لا يمتنع على أيِّ إنسانٍ مهما كان إلا برحمة من الله تعالى، حتى يقال: إن البار لن يدخلها، ولو ارتكب من المعاصي ما شاء، وكذلك دخول الجنة لا يرحم منه أي إنسان نطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، حتى يقال: إن العاق لن يدخلها، ولو عمل من الطاعات ما شاء.
على كل حال: ليست الطاعات محصورة في بر الوالدين، ولا المعاصي محصورة في عقوق الوالدين.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله أعلم.
стр. 331
الدرس: ١٩ نماذج من الأحاديث الموضوعة في التفسير (٢) .
стр. 332
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع عشر
(نماذج من الأحاديث الموضوعة في التفسير (٢))
تابع ما قيل عن عقوق الوالدين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
كنا قد تكلمنا عن الأحاديث الموضوعة، وخاصة ما يتعلق ببر الوالدين، وهناك كثرة من الأحاديث التي أوردها المفسرون في بر الوالدين، ومن ذلك ما أخرجه أبو السعود في ت فسيره لقول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ١١٦)، فقد أخرج في هذه الآية، قال: قال رجل لرسول الله ﷺ : "إن أبويا بلغا من الكبر، وإني أَلِي منهما ما ولِيَ مني في الصغر، فهل قضيتهما حقهما؟ قال: لا؛ فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك، وأنت تريد -أو تنتظر- موتهما". هذا الحديث قال عنه الحافظ ابن حجر حين تعرض له في تخريجه لأحاديث (الكشاف): لم أجده.
من الأحاديث الضعيفة أيضًا في عقوق الوالدين: ما أخرجه كثير من المفسرين رووا: أن شيخًا أتى النبي ﷺ فقال: إن ابني هذا له مالٌ كثيرٌ، وإ نه لا ينفق عليَّ من مالِهِ، فنزل جبريل ﵇ قال: إن هذا الشيخ قد أنشأَ في ابنه أبياتًا، ما قُرِعَ سمعٌ بمثلها، فاستشهدها فأنشدها الشيخ فقال:
غَذَوْتُك مَوْلُودًا ومُنْتُك يَافعًا ... تُعلُّ بما أُحْنُو عَلَيكَ وتَنْهَلُ
إذَا لَيْلةٌ ضَافَتْك بالسُّقْمِ لَم أَبِتْ ... لسُقْمِكَ إلَّا باكِيًا أَتَملْمَلُ
كَأَنِّي أنا الْمَطْرُوقُ دُونَكَ بالذي ... طُرِقتَ به دُوني وعَيْنِيَ ت هـ ملُ
فَلَمَّا بَلَغْتَ السِّنَّ والغَايَةَ الَّتي ... إليْها مَدَى مَا كُنْتُ فِيك أُؤَمِّلُ
جَعَلْتَ جزَائي غلْظَةً وفَظَاظَةً ... كأَنّك أنتَ المُنْعمُ الْمُتَفَضِّلُ
فَلَيْتَكَ إذ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبوَّتي ... فَعَلْتَ كَمَا الجَارُ المجاورُ يَفْعَلُ
وأنشد هذه الأبيات، فغضب رسول الله ﷺ فقال: "أنت ومالك لأبيك" ذكر هذه الرواية أبو السعود وغيره، هذا الحديث فيه ضعف وانقطاع، يقول صاحب
стр. 333
كتاب (تمييز الطيب من الخبيث) أخرجه ابن ماجه، والطبراني في (الأوسط) و (الصغير) من طريق المنكدر بن محمد المنكدر عن أبيه عن جابر، والمنكدر هذا ضعفوه من قِبَلِ حفظه، وهو في الأصل صدوق، لكن في السند من لا يعرف، والحديث عند البزار منقطع، قال شيخنا بعد إيراده من طرق كثيرة: وهو قوي.
وهذا الحديث أورده القاضي أبو بكر بن العربي من نفس الطريق في (أحكام القرآن)، وقال تعقيبًا عليه: قال سليمان: لا يروى هذا الحديث عن محمد بن المنكدر بهذا التمام والشعر إلا بهذا الإسناد تفرد به عبد الله بن خلصة.
كما أورد هذا الحديث ابنُ جرير في (المطالب العالية) من رواية بن أبي عمر عن الشعبي، وعنه قال حبيب الرحمن تعقيبًا عليه في كتابه (المطالب العالية)، ضعف البوصيري السند؛ لضعف محمد بن أبي ليلى، وإذا ثبت أن الحديث ضعيف السند منقطع غير متصل لا نعلم صحةَ نسبِهِ إلى رسول الله ﷺ فمن الخطأ البَيِّنِ رفعُهُ إلى المعصوم ﵊ على أنه قد روي في بر الوالدين في (الصحيحين) وغيرهما ما يغني عن هذه الأحاديث، فقد ورد في فضل البر ما لا يحصى كثرة من الأحاديث، وصح عن العقوق أنه من أكبر الكبائر، وأقبح الذنوب.
الآثار والأحاديث الموضوعة والضعيفة في أسباب نزول الآيات
ننتقل بعد ذلك إلى أسباب وأحاديث أخرى لها صلةٌ بمثل هذا:
نَرى كثيرًا من المفسرين حول الموضوع والضعيف من أسباب النزول، قد أوردوا كثيرًا من الأسباب، فذكَرُوا في تفاسيرهم أسبابًا للنزول، ولم يلتزموا الصحة فيما ذكروهُ من أسباب، بل إنهم سودوا كتبهم بما هو ضعيف السند، أو واهي الأساس، وربما ذكروا ما يتعارض مع نصٍّ من نصوص الإسلام، أو يتنافى مع الإجماع.
стр. 334
من تلك الروايات في قوله حول هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (هود: ٥) قال أبو السعود عند تفسير هذه الآية: روي عن بن عباس ﵄ أنها نزلت في الأخنس بن شريق، وكان رجلًا حلوَ المنطق حسنَ السياق للحديث، يُظْهِرُ لرسول الله ﷺ المحبة، ويضمر في قلبه الحقد والبغضاء، هذا السبب ذكره الواحدي عن الكلبي بدون إسناد، والكلبي هذا متهم بالكذب من علماء الجرح والتعديل، قال أبو النضر: الكلبي تركه يحيى بن معين، وابن مهدي، ثم قال البخاري: قال علي: حدثنا يحيى عن سفيان، قال لي الكلبي: كل ما حدثتك عن أبي صالح، فهو كذب. انظر: (ميزان الاعتدال) للذهبي، وذكره أيضًا ابن الجوزي في (الموضوعات) في تفسيره (زاد المسير) وبيَّن أنه حديث ضعيف، وقال: رواه أبو صالح عن ابن عباس ﵄ ومعلوم: أن طريق أبي صالح عن ابن عباس من أوهى الطرق.
وقال الحافظ ابن حجر: إن ما ذكره أبو السعود سبب في نزول الآية، وفي أنها نزلت في المنافقين بعيدٌ جدًّا عن الصواب؛ لأن الآية مكيةٌ، والنفاق إنما حدثَ بالمدينةِ، فكيف يتسنَّى القول: بأنها نزلت با لمنافقين، هذا ما أورده البعض.
في قوله -جل وعلا-: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ (الرعد: ٣١)، قال أبو السعود في سبب نزول هذه الآية، قيل: إن أبا جهل وأضرابه قالوا لرسول الله ﷺ : " إن كنت نبيًّا سَيِّر بقرآنك الجبال عن مكة، حتى تتسع لنا، ونتخذ فيها البساتين والقطائع، وقد سُخِّرَتْ لداود ﵇ فلست بأهون على الله منه، إن كنت نبيًّا كما زعمت، أو سخر لنا به الريح كما سخرت لسليمان ﵇ لنتَّجِرَ عليها إلى الشام؛ فقد شق
стр. 335
علينا قطع المسافة البعيدة، أو ابعث لنا رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا" فنزلت الآية.
قال عنه الحافظ ابن حجر، بعد أن ذكر هذا الكلام بالنص: لم أجدْهُ بهذا السياق، وذكره الطبري ابن جرير بنحوه، حيث أخرج في تفسيره روايات عديدة حول هذا المعنى بسندٍ ضعيفٍ، وكذا الواحدي في أسبابه، بهذا المعنى مطولًا بسندٍ فيه ضعف، حيث أخرجَهُ من طريق عبد الجبار بن عمر الإيلي عن عبد الله بن عطاء عن جدته أم عطاء مولاة الزبير، فابن عمر ضعيف، عنده مناكير، كما قال عنه الإمام البخاري، وابن عطاء قال عنه الحافظ ابن حجر في (التقريب): صدوق يخطئ ويدلس.
وإضافة إلى ما سبق: ف إن السورة مدنية في قول أكثر العلماء، كذا قال صاحب (الإتقان)، وعلى هذا إذا كانت السورة مدنية؛ فإن ما ذكره أبو السعود سببًا لنزولِ الآية، يحول دون صحتِهِ الواقع التاريخي لزمن النزول، فسورةُ " الرعد " مدنيةٌ نزلت بالمدنية، وأبو جهل كان بمكةَ، فكيف يتسنَّى القول ب أنها نزلت في أبي جهل.
أيضًا من الأسباب في قوله -تبارك تعالى-: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ (الإسراء: ٧٣)، أوردوا في سبب نزولها أحاديث، وأسباب واهية، فهذا أبو السعود يقول: نزلت في ثقيف، إذ قالوا للنبي ﷺ : "لا ندخل في أمرك، حتى تعطينا خصالًا نفتخر بها على العرب؛ لا نحشر، ولا نعشر، ولا ننحني في صلاتنَا، وكل رِبًا لنا فهو لنا، وكل رِبًا علينا فهو موضوع عنَّا، وأن تمتعنَا باللاتِ سنة، وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة، فإذا قالت العرب: لما فعلت؟ فقل: إن الله أمرني بذلك" (تفسير أبي السعود).
стр. 336
هذا السبب ذكره الواحدي أيضًا في أسبابه دون سند، عن عطاء عن ابن عباس، وعنه قال الحافظ ابن حجر: لم أجده، وذكره الثعلبي عن ابن عباس من غير سند.
وتتوالى أسباب النزول الضعيفة والإسرائيليات، وما أكثرها، نوجز منها أيضًا هذه المواقف التي وردت معنا في المنهج.
ف أيضًا حول سورة ﴿ق وَالقرآن الْمَجِيدِ﴾ (ق: ١)، ذكروا حول جبل " ق " المزعوم وحدوث الزلازل التي تحصل كلامًا ضعيفًا أو باطلًا لا يعقل ولا يقبل؛ فمن ذلك ما ذكره بعضهم في تفسير قوله تعالى: ﴿ق وَالقرآن الْمَجِيدِ﴾ ذكر صاحب (الدر المنثور) وغيره روايات كثيرة، عن ابن عباس ﵄ قال: "خلق الله من وراء هذه الأرض، بحرًا محيطًا بها، ثم خلق من وراء هذا البحر جبلًا يقال له: " ق " سماء الدنيا مرفوعة عليه، ثم خلق الله تعالى من وراء هذا الجبل أيضًا مثل تلك الأرض سبع مرات، واستمر على هذا حتى عد سبع أراضين، وسبعة أبحر، وسبعة أجبل، وسبع سماوات؛ وهذا الأثر لا يصح سنده عن ابن عباس، وفيه انقطاع، ولعل البلاء فيه من المحذوف.
ولو سلمنَا صحته عنه؛ فقد أخذه ابن عباس من الإسرائيليات.
وأخرج بن أبي الدنيا، وأبو الشيخ عنه أيضًا، قال: "خلق الله جبلًا يقال له: " ق " محيط بالعالم، وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض، فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل قريةً، أمر ذلك الجبل فيحرك العرق الذي يلي تلك القرية، فيزلزلهَا ويحركهَا، فمن ثم تتحرك القرية دون القرية" وكل ذلك كما قال القرافي: لا وجود له، ولا يجوز اعتمادُ ما لا دليل عليه، وهو من خرافات بني إسرائيل الذين يقع في كلامهم الكذب والتغيير والتبديل، دست على هؤلاء الأئمة، أو
стр. 337
تقبلوها بحسن نية، ورووها لغرابَتِها لا اعتقادًا بصحتها، ونحمد الله أن وُجِدَ في علماء الأمة من ردَّ هذا الباطل وتنبه له، قبل أن تتقدم العلوم الكونية، كما هي عليه اليوم.
ومن العجيب: أن يتعقب كلام القرافي ابن حجر الهيتمي، فقال: ما جاء عن ابن عباس مروي من طرق خرجها الحفاظ، وجماعة ممن التزموا تخريج الصحيح، وقول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه حكمه حكم المرفوع إلى النبي ﷺ .
وأنا أقول للشيخ الهيتمي: إن تخريجَ من التزم الصحةَ ليس بحجة، وكم من ملتزمٍ شيئًا لم يفِ بِهِ، والشخص قد يسهو ويغلط مع عدالَتِهِ، وأنظار العلماء تختلف؛ هذا كلام شيخنَا أبو شهبة، يقول: انظر العلماء تختلف، والإمام الحاكم على جلالته، صحح أحاديث حكم عليها الإمام الذهبي وغيره بالوضع، وكذلك ابن جرير على جلالة قدرِهِ أخرج رواياتٍ في تفسيره حكم عليها الحفاظ بالوضع والكذب، ولو سلمنَا صحتهَا عن ابن عباس فلا ينافي ذلك أن تكون من الإسرائيليات الباطلة، كما قال العلماء غير مرة.
وأما أن لها حكم الرفع فغير مُسَلَّم؛ لأن المحققين من أئمة الحديث على أن ما لا مجال للرأي فيه له حكم الرفع؛ إذا لم يكن الصحابي ممن عُرِفَ بأنه يأخذ عن مسلمةِ أهلِ الكتاب، وابن عباس ممن أخذ عنهم، فلا يسلَّمُ لكلامه أن يكون له حكم الرفع، ثم يقول الشيخ أبو شهبة: أقول للهيتمي، ومن يرى رأيه: أي فائدةٍ نجنيهَا من وراء هذه المرويات التي لا تتقبلها عقول تلاميذ المدارس فضلًا عن العلماء، اللهم إلا أننا نفتح با لانتصار لها بابًا للطعن في عصمة النبي ﷺ وإذا جاز هذا في عصور الجهل والخرافات فلا يجوز اليوم؛ وقد أصبح رواد الفضاء يطوفونَ حولَ الأرض، ويرونها معلقة في الفضاء بلا عمد ولا جبال ولا
стр. 338
بحار ولا صخرة استقرت عليها الأرض، فهذه الإسرائيليات مخالفة للحس والمشاهدة قطعًا، فكيف نتعلق بها؟
وهو يقصد بكلمة عصور الجهل والخرافات، المراد عصور جهل أهل الكتاب الذين بدل وا وغيروا، أما عصور المسلمين وحكم المسلمين فهي -بفضل الله- زاهية، وعصور تقدم وازدهار.
يقول شيخنا: ورحم الله الإمام الألوسي حيث قال: والذي أذهب إليه ما ذهب إليه القرافي؛ من أنه لا وجود لهذا الجبل بشهادة الحِس، فقد قطعوا هذه الأرض برَّهَا وبحرهَا على مدار السرطان مرات، فلم يشاهدوا ذلك، والطعن في صحةِ الأخبارِ، وإن كانَ جماعةٌ من رواتِهَا ممن التزم تخريجَ الصحيح أهون من تكذيب الحس، وأمْرُ الزلازل لا يتوقف أمرها على ذلك الجبل، بل هي من الأبخرة المتولدة من شدة حرارة جوف الأرض، وطلبها والخروج مع صلابة الأرض، فيحصل هذا الاهتزاز، وإنكار ذلك مكابرة عند من له عرق من الإنصاف.
هذا كلام العلامة الألوسي، وهو على كل حال ليس متخصصًا في علوم الفيزياء والطبيعة، لكن هذا اجتهاده، والمشاهد والحس الذي نراه يبين أنه لا صلة ب هذه الجبال والبحار التي ذكرت؛ فهي خرافات وأباطيل نقلت عن بني إسرائيل.
يقول شيخنا: ولا أدري لو أن الإمام الجليل الألوسي عاش في عصرنا هذا، ووقف على ما وقفنا عليه من عجائبِ الرحلات الفضائية ماذا كان يقول؟ إن كل مسلم ينبغي أن يكون له من العقل الواعي المتفتح والنظر الثاقب البعيد ما لهذا الإمام الكبير.
وإليك ما قاله عالم حافظ ناقد سبق الإمام الألوسي بنحو خمسة قرون؛ ألا وهو الإمام ابن كثير، المتوفى سنة أربعمائة أربعة وسبعين قبل الإمام الألوسي بخمسة
стр. 339
قرون، فقد قال في تفسيره عند هذه الآية، وقد روي عن السلف أنهم قالوا: " ق " جبل محيط بجميع الأرض يقال له جبل "ق"، وكأن هذا -والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم مما لا يصدق ولا يكذب، وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم، كما افتري في هذه الأمة مع جلالة قدر علمائِهَا وحفظاهَا وأئمتهَا أحاديث عن النبي ﷺ وما بالعهد من قدم، فكيف بأمر بني إسرائيل مع طول المدى وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، وتبديل كتبِ الله وآياته؟
وإنما أباحَ الشارع الروايةَ عنهم في قوله: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) فيما قد يجوزه العقل، فأما فيما تحيله العقول، ويحكم عليه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل والله أعلم. هذا كلام العلامة ابن كثير.
قال: وقد أكثر كثير من السلف من المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف من الحكاية عن كتب أهل الكتاب في تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم ولله الحمد والمنة، حتى إن الإمام ابن أبي حاتم الرازي أورد هنا أثرًا غريبًا لا يصحُ سنده عن ابن عباس، ثم ساق السند والمتن الذي سبق ذكره، ثم قال: ف إسناد هذا الأثر فيه انقطاع؛ أي: راوٍ سقط من رواته.
والذي رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄-في قوله: ﴿ق﴾ هو اسم من أسماء الله والذي ثبت عن مجاهد، وهو من تلاميذ ابن عباس الملازمين له الناشرين لعلمِهِ، أنه حرفٌ من حروف الهجاء، كقوله تعالى: ﴿ص﴾ (ص: ١) ﴿ن﴾ (القلم: ١) ﴿حم﴾ (غافر: ١) ﴿طس﴾ (النمل: ١) ﴿الم﴾ (البقرة: ١)، فهذه تبعد ما تقدم عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما.
стр. 340
ولننقل إلى سبب آخر مما أورده المفسرون، حول قوله تعالى: ﴿ن * وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (القلم: ١، ٢) فقد ورد فيها إسرائيليات؛ ففي قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ ذكروا أنه الحوت الذي على ظهره الأرض ويسمى اليهموت، وقد ذكر ابن جرير، والسيوطي روايات عن ابن عباس؛ منها: "أول ما خلق الله القلم؛ فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء، وخلقت منه السموات، ثم خلق النون فبسطت الأرض عليه، فاضطرب النون فمادت الأرض؛ أي: تحركت ومالت، فأثبتت أو أثبتت بالجبال".
وقد روي عن ابن عباس أيضًا في معنى ﴿ن﴾ أنه الدواة، ولعل هذا هو الأقرب والمناسب لذكر القلم، وقد أنكر الزمخشري، ورود ﴿ن﴾ بمعنى الدواة في اللغة، ور وي عنه أيضًا أنه الحرف الذي في آخر كلمة الرحمن؛ أي: روي عن ابن عباس هذا، وأن هذا الاسم الجليل فرق في ﴿الر﴾ (الحجر: ١) و ﴿حم﴾ (غافر: ١) و ﴿ن﴾ (القلم: ١) واضطراب النقل عنه يقلل الثقة بما روي عنه؛ ولا سيما الأثر الأول عنه، والظاهر أنه افتراء عليه أو هو من الإسرائيليات ألصق به ﵁.
وإليك ما قاله إمام حافظ؛ وهو الإمام ابن القيم إمام حافظ ناقد من مدرسة اشتهرت بأصالة النقد، قال في أثناء كلامه على الأحاديث الموضوعة: ومن هذا حديث أن ﴿ق﴾ جبل من زمردة خضراء، محيط بالدنيا، كإحاطةِ الحائط بالبستان، والسماء واضعة أكنافها عليه، ومن هذا حديث أن الأرض على صخرة، والصخرة على قرن ثور، فإذا حرك الثور قرنه تحركت الصخرة؛ فهذا من وضع أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء بالرسل.
وقال الإمام أبو حيان في تفسيره لا يصح من ذلك شيء ما عدا كونه اسمًا من أسماء حروف الهجاء، ولعل هذا الرأي بأن ﴿ق﴾ و ﴿ن﴾ إنما هي أسماء
стр. 341
من أسماء الحروف، هو الرأي الراجح في فواتح السور من أمثال: ﴿الم﴾ و ﴿حم﴾ وغيرها، فهي أسماء مسمياتُهَا الحروف الهجائية؛ لتكون بمثابةِ الدليلِ على إعجاز القرآن، والدليل على كونِهِ من عندِ اللهِ -جل وعلا- كأن الله يقول: إن القرآن مؤلَّفٌ من جنس هذه الحروف، ومن كلمات من هذه الحروف، وقد تحدى به النبي ﷺ الإنس والجن فعجزوا، وما ذلك إلا لأنه ليس من كلام بشر، وإنما هو من عند خالق القوى والقدر.
إذا ما انتقلنا إلى الأحاديث الموضوعة والأسباب التي أوردها المفسرون سنراها كثيرة، نجتزئ منها أيضًا ما أوردوه في فضائل السور والآيات، ولعل هذا العنوان سبق بإيجاز.
فقد أورد المفسرون ما يتعلق بأسباب النزول، وفيما يتعلق بفضائل السور، وفيما يتعلق بسيرةِ النبي ﷺ كقصةِ الغرانيق، وتزوجه ﵊ بالسيدة زينب بنت جحش ﵂ ومن هذه الموضوعات ما هو خفي دقيق لا يدركه إلا الحفاظ المتقنون العارفون بقواعد الجرح والتعديل وتواريخ الرجال، ومنهَا مَا لا يدركه من ليسَ له قدمٌ ثابتةٌ في حفظ الحديث ونقده، والعلم برجاله وأحوال رواته؛ لأن ذلك يصادم المعقول، ويناقض ما أجمع عليه العلماء من عصمةِ الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فلذلك رد العلماء النقاد هذه الأكاذيب التي يكذبها القل والنظر، ولم يت وسعوا في نقلها وروايتها، فكان على الجميع أن يستدرك ما فاتهم، وأن نتوسع نحن في نقد ما أوردوه سواء من جهة السند أو من جهة المتن.
ومن هذه المرويات المختلقة ما أجمع العلماء على الحكمِ بوضعه واختلاقه، ولكن الوقوف على كلامِهِم وكتبهم ليس متيسرًا، ولا سهلًا على كل قارئ؛ فمن ثم وقع فيما وقع فيه الكثيرون من الاغترار بهذه المرويات وأمثالها، ولذلك
стр. 342
إتمامًا للفائدة وإكمالًا للبحث كان لزامًا أن نتعرض لما علمناه من الموضوعات، ونكشف عما قاله العلماء في تزييف هذه الموضوعات.
الأحاديث الموضوعة في فضائل السور والآيا ت:
وضعت أحاديث كثيرة في فضائل السور والآيات، وقصد واضعوها ترغيب الناس في قراءة القرآن، وزعموا أن في ذلك حسبة إلى الله تعالى، وهذا غلط وسوء قصد وزعم باطل؛ لأن الحديث واضح وهو قول نبينا محمد ﷺ : ((من كذب علي متعمد ً افليتبوأ مقعده من النار))، حديث متفق عليه.
من الأحاديث في فضائل السور حديث أبي بن كعب ولعلني ذكرته فيما مضى باختصار، هذا الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ في فضائل القرآن سورة سورة، فقد بحث مؤمل بن إسماعيل حتى وصل إلى من اعترف بوضع هذا الحديث، قال مؤمل: حدثني شيخ بهذا الحديث فقلتُ له: مَن حَدَّثَكَ بهذا؟، قال: رجل بالمدائن، وهو حي، فسرتُ إليه فقلتُ: مَن حَدَّثَكَ بهذا؟، قال: حدثني شيخ بواسط، فسرتُ إليه فقلتُ: مَن حَدَّثَكَ بهذا؟، قال: حدثني شيخ بالبصرة، فسرتُ إليه فقلتُ: مَن حَدَّثَكَ بهذا؟، فقال: حدثني شيخ بعبادان، فسرتُ إليه فأخذ بيدي فأدخلني بيتًا، فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ الذي حدثني، فقلتُ: يا شيخ مَن حَدَّثَكَ بهذا؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن؛ فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن الكريم.
وهذا الحديث روي من طرق كثيرة؛ روي من طريق علي بن زيد بن جدعان وعطاء بن أبي ميمونة كلاهما عن ذر بن حبيش عن أبي بن كعب، ومن طريق
стр. 343
هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، ومن طريق آخر؛ والحديث بجميع طرقه باطل موضوع. وا بن المبارك روي عنه أنه قال: أظنه من وضع الزنادقة.
ومن ذلك أيضًا حديث عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، فقد سئل عنه واضعه نوح بن أبي مريم، فقال: رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذه الأحاديث حسبة، ونوح بن أبي مريم هذا هو ملقب بالجامع لجمعه علوم ً اكثيرة؛ درس الفقه عن أبي حنيفة وا بن أبي ليلى، ودرس التفسير عن الكلبي، والمغازي والسير عن محمد بن إسحاق، والحديث عن حجاج بن أرطاء، قيل: إ نه قيل إنه كان جامع ً الكل شيء إلا الصدق وسبقت الإشارة إلى مثل هذا.
على كل حال: إن المحدثين قد خطئوا من ذكر هذه الأحاديث في تفاسيرهم، كالثعلبي في (الكشف والبيان) والواحدي في ت فسيره وأسباب نزوله، والزمخشري والنسفي والبيضاوي وأبي السعود وغيرهم كثير وكثير، إلا أننا نلتمس العذر القليل للسابقين، فمن أبرز السند وذكره كالثعلبي والواحدي فعذره أيسر؛ إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده، أما من لم يبرز السند وأورده بصيغة الجزم فخطأه كبير وعذره كبير؛ كالزمخشري والنسفي والبيضاوي وأبي السعود وغيرهم إلى آخره.
ننتقل بعد ذلك إلى ما أورده المفسرون، هناك أحاديث موضوعة عن غير أبي بن كعب، ففي فضائل السور ذكر الزمخشري والبيضاوي في فضل الفاتحة،
стр. 344
قالا: وعن حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "وإن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتمًا مقضيًّا، فيقرأ صبيًّا من صبيانهم في الكتاب، الحمد لله رب العالمين، فيرفع الله عنهم العذاب أربعين سنة" قال ولي الدين العراقي: في سنده الجويباري، ومأمون الهروي وهما كذابان، فهذا الكلام من وضع أحدهما، إلى آخر ما يورده المفسرون حول بعض الآيات.
أيضًا أوردوا في فضل آية الكرسي كلام ً اكثير ً اوأحاديث موضوعة كثيرة. راجع (الكشاف) فيما أورده، فقد أورد حول هذه الآية " ما قرئت هذه الآية في دار، إلا إهتجرتها الشياطين ثلاثين يومًا، ولا يدخله اساحر ولا ساحرة، أربعين ليلة، يا علي علمها ولدك وأهلك وجيرانك، فما نزلت آية أعظم منها".
ومع هذه الأحاديث الموضوعة فلا يخفى أن سورة الفاتحة وآية الكرسي، قد ورد في فضلهما أحاديث صحيحة كثيرة، ليس المقام الآن مقام ذكرها.
مما ينبغي أن نشير إليه أن المفسرين قد يذكرون أحاديث صحيحة في الفضائل، فلا يظن إخواننا طلاب العلم أن جميع ما أورده المفسرون؛ كالزمخشري والبيضاوي والنسفي وغيرهم في الفضائل موضوع، فهناك أحاديث في غاية الصحة، هناك ((من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه)) متفق عليه.
وهناك أيضًا: ((أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز من تحت العرش، لم يؤتهن نبي قبلي))، وهناك الأحاديث في الفاتحة ((ألا أخبرك بسورة لم ينزل في التوراة والإنجيل والقرآن مثلها؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: فاتحة الكتاب؛ إنها السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته)) وتفسير الحافظ ابن كثير والعلامة الألوسي كلاهما، من أجل ما يعتمد عليه في أحاديث الفضائل ما صح منها وما لم يصح.
стр. 345
ولا يخفى أن السور التي صحت في فضلها الأحاديث هي الفاتحة والزهراوان -أي البقرة وآل عمران - والأنعام والسبع الطوال مجملة وسورة الكهف وسورة يس، والدخان والملك والزلزلة على اختلاف في تصحيح هذه الأحاديث أو تحسينها وسورة النصر والكافرون والإخلاص والمعوذتان، وما عدا هذه السور لم يصل إلى علمنا أنه صح فيها شيء يرقى إلى درجة الصحة، وأصح ما ورد في فضائل السور ما ورد في سورة الإخلاص والبقرة، والحمد لله وردت أحاديث كثيرة حسان، وبعضها اختلف العلماء في تحسينها أو تضعيفها، لكن لم تصل إلى حد الوضع.
هيا بنا ننتقل إلى جزء آخر من الأحاديث الموضوعة في أسباب النزول؛ فمن الأحاديث والآثار الموضوعة في كتب التفاسير وما يتعلق بأسباب النزول ما سأذكره في هذه الروايات.
من ذلك قصة الغرانيق، وقصة زواج النبي ﷺ بالسيدة زينب بنت جحش ﵂ سبق الكلام تفصيلًا عن قصة السيدة زينب، لكن لا مانع أن نزيد من بيان ما فيها من دخيل، وردود العلماء على هذه الشبهة التي أكثر المفسرون فيما رووا من الأحاديث الباطلة والموضوعة في هذه القصة.
وما روي في سببِ نزولِ قوله تعالى أيضًا: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (البقرة: ١٤)، روى ابن عباس: أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه، حينما خرجُوا ذات يوم، فاستقبلهم نفرٌ من الصحابة، فقال ابن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد الصديق ﵁ فقال: مرحبًا بالصديق سيدٍ بني تميم، وثاني رسول الله في الغار، وأخذ بيد عمر فقال: مرحبًا بالفاروق، ثم أخذ بيد علي فقال: مرحبًا بابن عم النبي وختنه - الختن؛ أي: زوج الابنة فهو زوج السيدة فاطمة رضي الله تعالى عنها- سيد بني هاشم، ما خلا رسول الله ﷺ ثم افترقوا، فقال ابن أبي لأصحابه: انظروا كيف أرد هؤلاء؟ فإذا قابلتموهم فافعلوا مثل ما فعلت.
стр. 346
وهذا من رواية السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال ابن حجر في تخريج أحاديث (الكشاف) هو سلسلة الكذب لا سلسلة الذهب، وآثار الوضع لائحة عليه، وسورة " البقرة " نزلت في أوائل الهجرة، وتزوج علي بفاطمة كان في السنة الثانية، انظر: كيف نقد الحافظ القصة من جهة السند والمتن، وهذا يرد مزاعم المستشرقين وأتباعهم من أنهم عنوا بنقد السند دون المتن، وقد ذكر هذا السبب الثعلبي، والواحدي، والزمخشري والنسفي في تفاسيرهِم، ولم يتنبه أحد منهم إليه، وتنبه له شيخ المفسرين ابن جرير فلم يذكره، وكذا ذكره السيوطي في (الدر) إلا أنه قال: بسندٍ واهٍ، وكان عليه ألا يذكره ما دامَ سندهَا واهيًا، وقد سمعتَ مقالة الحافظ ابن حجر فيه.
من ذلك أيضًا من أسباب النزول الموضوعة: ما ذكره بعض المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ (البقرة: ١٠٤)، فقد روى أبو نعيم في (الدلائل) من رواية محمد بن مروان السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: ﴿رَاعِنَا﴾ بلسان اليهود السب القبيح، فكانت اليهود تقولها لرسول الله ﷺ سرًّا، فلما سمعها أصحابه أعلنوا بِهَا، فكانوا يقولونها، ويضحكون منها، فسمعها سعد بن معاذ منهم، فقال: لئن سمعتها من رجل منكم لأضربن عنقَهُ فنزلت.
قال الحافظ ابن حجر في تخريجه: السدي الصغير متروك وكذا شيخه، أقول: وهي سلسلة الكذب -كما تقدم- وقد ذكر هذا الزمخشري والبيضاوي الألوسي وغيرهم.
ومن ذلك ما ذكره المفسرون أيضًا كالزمخشري والنسفي والخازن وغيرهم في سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: ٥٥)، فقد ذكروا: أنها نزلت في سيدنا علي، انظر: كلام الشيعة، وتعصب الفرق، قالوا: إنها نزلت في سيدنا علي ﵁ حينما مر به سائل
стр. 347
وهو في الصلاة، فطرح له خاتمَهُ وتصدق به عليه، وهو راكع، وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع، كما حكم عليه بالوضع أيضًا الإمام ابن تيمية، وغيره من الأئمة وأثر التشيع ظاهر عليه، وجميع أسانيده لا تخلو من ضعف وجهالة.
والمعروف عن صحابة النبي ﷺ رضوان الله عليهم، أنهم ما كانوا يشتغلون في الصلاة بغيرها، بل كانوا في غاية الخشوع والاستغراق في الصلاة، والركوع هنا على معناه اللغوي؛ وهو الخشوع والخضوع، وهذا السبب ذكره ابن كثير في ت فسيره، وحكم على كل طرقِهِ بالضعفِ أو بالوضعِ؛ حيث جاء من طريق الكلبي.
إذا ما انتقلنا إلى قصة عظيمة الأثر، لها صدى واسع في كتب التفاسير، والتقطها المستشرقون ونسجوا منها خيوطًا كثيرة؛ ألا وهي قصة الغرانيق، فإن هذه القصة ذُكِرَت في كتب التفسير وغيرهَا، ولا يخفَى على عالمٍ أنها من نسجِ أعداءِ الإسلام، وأنها من الموضوعات، فسنبدأ بها.
ونقو ل: إن بعض المفسرين ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيد * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الحج: ٥٢ - ٥٤)، ويتعلق بهذه الآيات أيضًا ما ورد في تفسير قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (النجم: ١، ٢) إلى أن وصلنا إلى الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْآخرى﴾ (النجم: ١٩، ٢٠) الآيات.
ذكر بعض المفسرين في سبب هذه الآيات ما قاله السيوطي أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر من طرق بسند صحيح -كما زعموا- زعموا أن السند
стр. 348
صحيح، ذكروا عن سعيد بن جبير قال: قرأ النبي ﷺ بمكة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْآخرى﴾ ألقى الشيطان على لسانه "تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى" فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجدوا وسجد"، فنزلت الآيات.
وأخرجه البزار وابن مردويه بوجهٍ آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما نحسبه وقال: لا يروى إلا متصلًا بهذا الإسناد، وبعد أن ذكر له طرقًا كثيرة، قال: وكلها إما ضعيفة وإما منقطعةٌ سوى طريق سعيد بن جبير الأولى، وهذا الطريق وطريقان آخران مرسلان عند ابن جرير هم معتمدُ المصححين للقصة كابن حجر والسيوطي.
والحق يقال: إن هذه القصة غيرُ ثابتة لا من جهة النقل، ولا من جهة العقل والنظر؛ أما من جهة النقل: فقد طعن فيها كثير من المحققين والمحدثين، قال الإمام البيهقي -وهو من كبار رجال السنة-: هذه القصة غير ثابتة من جهةِ النقلِ، وقال القاضي عياض في كتابه (الشفا): إن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون، والمولعون بكل غريبٍ، المتلقفون من الصحف كل صحيحٍ وسقيم، ومن حُكِيَت عنهم هذه المقالة من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة وواهية.
وإذا ما أردنا أن نتابع أقوال العلماء النقاد؛ فيقول أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعرفه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل، وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وأحاديث الكلبي مما لا يجوز الرواية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله أعلم.
стр. 349
الدرس: ٢٠ نماذج من الأحاديث الموضوعة في التفسير (٣) - والدخيل في التفسير بالرأي .
стр. 350
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العشرون
(نماذج من الأحاديث الموضوعة في التفسير (٣) - والدخيل في التفسير بالرأي)
تابع الآثار والأحاديث الموضوعة والضعيفة في أسباب نزول الآيات
الحمد لله رب العالمين، وصلي الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
وكذلك أنكر هذه القصة القاضي أبو بكر بن العربي، وطعن فيها من جهة النقل، ولما سئل محمد بن إسحاق بن خزيمة عن هذه القصة، قال: هذا من وضع الزنادقة، وصنف في ذلك كتابًا، كما قال الإمام الرازي في تفسيره وفي الألوسي أيضًا نقلًا عن (تفسير البحر) أنه محمد بن إسحاق جامع السيرة، ولكن تبين لنا أن ابن إسحاق جامع السيرة ذكرها في (سيرته)؛ فربما كان ابن خزيمة هو الشخص الآخر.
على كل حال ذهب إلى أن هذه القصة موضوعة الأئمة؛ منهم: الإمام أبو منصور الماتريدي في كتاب (حصص الأتقياء) حيث قال: الصواب أن قوله: "تلك الغرانيق العلا" من جملة إيحاء الشياطين إلى أوليائه من الزنادقة؛ حيث إنهم يلقوا بين الضعفاء وأرقاء الدين هذا الكلام؛ ليرتابوا في صحة الدين، وحضرة الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية.
فهكذا نري أن العلماء قد أنكروها، وقضوا بوضعها، ونحن أذا أوجزنا القول؛ نقول: إن هذه القصة لم يخرجها أحد ممن التزم الصحيح، والتحقيق العلمي يثبت أن حديث الغرانيق مكذوبٌ مختلق وضعه الزنادقة الذين يحاولون إفساد الدين، والطعن في خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﵊ والقصة مصادمة للقرآن فقولهم: إن الشيطان تسلط على النبي ﷺ بالزيادة هذا كذب؛ لأن الله تعالي يقول: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (الحجر: ٤٢)، ليس هناك أحدٌ أحق بهذه العبودية من الأنبياء؛ فبطلان القصة من جهه العقل واضح، وقد أجمعت الأمة وقام الدليل على عصمة النبي ﷺ من مثل هذا.
стр. 351
ومع ما ذكرنا من قول المحققين في القصة؛ فالإمام ابن حجر حكمت الصنعة والقواعد الاصطلاحية عليه؛ فقال: القصة سندها صحيح، وجعل لها أصلًا هكذا قال في (الفتح) ولكن الحق: إن كان سندها صح في بعض الروايات؛ فالمتن لا محالة يخالف العقل والنقل، فإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما فيها على احتمال ما يقول ابن حجر؛ لأن فيها ما يستنكر، وهو قولهم: إن الشيطان ألقى على لسان النبي تلك الغرانيق العلا؛ فهذا لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه ﷺ أن يرد على لسانه لفظٌ أو حرف أو يزيد في القرآن شيئًا ليس منه لا عمدًا ولا سهوًا؛ لأن ذلك يخالف العصمة، والنبي ﵊ كان يرتل القرآن ترتيلًا؛ فهذا الكلام الذي ذهب إليه البعض كلامٌُ غير صحيح والقصة مختلقة، ومردود عليها، ولم يخرجها أحد من أصحاب الصحاح.
من هنا نستطيع أن نقول: فما معني الآية إذًا: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ (الحج: ٥٢) فالإجابة: ذكر العلماء الأئمة في تفسيرها وجهين؛ الأول: أن التمني بمعني القراءة، ورد في (صحيح البخاري) تعليقًا إلا أنه جعله مرجوحًا لا راجحًًا، وهو تفسير التمني بالتشهي وبالقراءة؛ إلا أن الإلقاء لا بالمعنى الذي ذكره هؤلاء المبطلون بل بمعني إلقاء الأباطيل والشبه، مما يحتمله الكلام؛ فالشيطان يلقي الأباطيل والشبه، ولا يكون مرادا للمتكلم، ولا يحتمله، ولكن يُدَّعَي أن ذلك يؤدي إليه، ونسبة الإلقاء إلى الشيطان حينئذ؛ لأنه يثير الشبهات بالوساوس والعراقيل؛ فيكون المعني: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا حَدث قومه عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل الله فيه هداية لهم قام في وجهه مشاغبون معارضون يتقوَّلُونَ عليه ما لم يَقُلْهُ، ويحرِّفُون الكَلِمَ عن مواضعِهِ، وينشرون ذلك بين الناس، ولا يزال الأنبياء يجاهدونهم ويجاهدون في سيبل الحق حتى ينتصر؛ فينسخُ الله ما يلقي الشيطان
стр. 352
من شبه، ويثبت الحق ويقويه، وقد وضع الله هذه السنة في الخلق؛ ليتميز الخبيثُ من الطيب؛ فيفتتن ضعفاءُ الإيمان الذين في قلوبهم مرض، ثم يمحص الله الحق ويظهره، ويقبله من أراد الله له الهداية، وهم الذين أوتوا العلم؛ فيعلمون أنه الحق من ربهم، وتخبت له قلوبهم.
ثانيًا: أن المراد به -بالتمني- تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما كان ويكون، والأمنية من هذا المعني كأن المعني: وما أرسل الله من رسول ولا نبي ليدعو قومه إلى هدًى جديدًا وشرعًا سابقًا إلا وغاية مقصودِة وجل أمانيه أن يؤمن قومه، وأن يصدقوا بالهداية التي جاء بها، وكان نبينا ﷺ من ذلك في المقام الأعلى؛ فكان شديد الحرص على إيمان قومه، وكان إذا أعرضوا عنه حزن فقال له ربه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (الكهف: ٦) ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: ١٠٣) ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ (يس: ٧٦) مثل هذه الآيات تبين أن النبي كان يريد هدايتهم، والمعني: وما أرسلنا من رسول ولا نبي إلا إذا تمني هذه الأمنية السامية، وهي هداية قومه ألقى الشيطان في سبيله العثرات، وأقام بينه وبين مقصده العقبات، ووسوس في صدور الناس؛ فثاروا في وجهه، وجادلوه بالسلاح حين وبالقول حين آخر، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها ونالوا منه، وهو قليل الأتباع ظنوا أن الحق في جانبهم، وقد يستدرجهم الله جريًا على سنته يجعل الحرب بينهم وبين المؤمنين سجالا؛ فينخدع بذلك الذين في قلوبهم شك ونفاق، ولكن سرعان ما يمحو الله ما ألقاه الشيطان من الشبهات، ويزيل العراقيل، وينشئ من ضعفِ أنصار الآيات قوة ويبدلهم من ذلهم عزة، وتكون في النهاية كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى؛ ليعلم الذين أوتوا العلم أن ما جاء به الرسل هو الحق؛ فتخبت له قلوبهم، وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط
стр. 353
مستقيم. نعود بعد ذلك إلى الشبهات التي أثارها بعض الزنادقة، وبعض المعادين للإسلام حول قصة السيدة زينب بنت حجش ﵂ وقد سبق الكلام فيها، وفي هذه القصة وتفنيد أقوالهم، لكن لا مانع من تكمله الردود في هذا الأمر؛ ليتضح الموقف، ونكون على بينةٍ من هذا الأمر؛ فالآية التي في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (الأحزاب: ٣٧).
روى المبطلون كلامًا كثيرًا سبق ذكره: أن الرسول ﵊ ذهب إلى بيتِ زيدٍ في غيبته، فرأى زينب، والريح كشفت عن ستر بيتها فرآها في حسنها؛ فوقع حبها في قلبه؛ من هذا الكلام الخبيث الذي ذكره المبطلون، ونحن نعلم أنه لمَّا حضر زيد أخبرته بكلامِ رسول الله، فذهب زيد وقال: بلغني أنك أتيت منزلي فهلَّا دخلت يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك فأفارقها، هذا كلام أورده بعض المفسرين، قال له الرسول ﵊: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ فنزلت الآية.
يبقي لنا ما هو الشيء الذي عاتبه ربه فيه وهو قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ الرسول ﵊ هو الذي زوجها لزيد بن حارثة مولاه، وكانت معلومة يعرفها رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فلما تزوجها زيد كرهت ذلك، ثم رضيت بما صنعَ رسول الله وأمره فزوجها إياه، ثم أعلم الله رسوله بعد أن تزوجها زيد بأن زينب ستكون من أزواجه؛ فكان يستحي أن يعلن الرسول ﷺ ذلك.
فلما حدث بين سيدنا زيد وزوجه بعض الأمور، وأشتكي إلى رسول الله ﷺ أمره الرسول أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشي رسول الله أن
стр. 354
يعيب عليه الناس ويقولوا: تزوج محمد امرأة ابنه، وكان قد تبني زيدًا، وهذا هو السبب الصحيح في هذه الرواية.
وابن أبي حاتم والطبري رووا بسندهم قالوا: أعلم الله نبيه أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد يشكوها، قال له النبي: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، قال الله: قد أخبرتك أني مزوجكها، وتخفي في نفسك ما الله مُبديه؛ فالذي أخفاه النبي ﵊ هو أن الله أخبره بأنها ستكون من زوجاته، وخشي النبي أن العرب يلومون هذا التصرف؛ لأن العرب كانوا من عادتهم التبني، وكانت العرب تلحق الابن المتبنى بالعصبي، وتجري عليه حقوقه في الميراث، وتحرم زوجته على الوالد أو الأب الذي تبناه، وكانت تلك العادة متأصلة في نفوسهم.
فلما أخبر الله رسوله بذلك، وأن الله سيزوج رسوله منها؛ خشي النبي لومَ العرب وعتابهم، فيما ألفوها وتعودوه، وأن الإسلام سيقضي على حرمه زوجة الابن المتبنى، وسيقضي بأن زوجه الابن المتبني ليست كزوجة الابن العصبي، وبينت الآيات القرآنية أن ذلك: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (الأحزاب: ٣٨).
فواضح في هذه الآيات: أن زواجَ رسول الله من السيدة زينب كان بأمرٍ من الله، وأن الله أراد يبطل ما تعود عليه العرب من حرمه زوجة المتبني، فلما قضي الله ذلك أتم أمره، وأظهر هذا الأمر، وكان جبريل قد أخبر النبي ﷺ بأن زينب ستكون زوجة له، وسيبطل الله بزواجه منها عادة العرب، ولكن النبي وجد غضاضةً على نفسه أن يأمر زيدا بطلاقِهَا، فتشيع المقالة بين الناس أن محمدًا تزوج حليلة ابنه، وبذلك يصير عرضةً للقيل والقال من أعدائه، وهو في دعوته لدين
стр. 355
الله أحوج إلى تأييد المؤيدين، فهذا المقدار من خشية الناس حتى أخفى ما أخبره الله به، وهو نكاحها، وهو ما عاتبه الله عليه.
وقد صرح الله في القرآن في كلامه بالسبب الباعث على هذا الزواج فقال: ﴿لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ هذا هو التفسير الذي يتفق مع الحق والواقع، أما المستشرقون والمبشرون وأعداء الإسلام فقد نسجوا من تلك الروايات الباطلة المختلقة الواهية ثوبًا من الكذب والخيال؛ طعنًا في الدين، وطعنًا في رسولنا محمد ﷺ .
هيا بنا ننتقل إلى بعض الأسباب التي وردت؛ وهي ضعيفة؛ لنستكمل بذلك الموضوعات في أسباب النزول:
هناك أيضًا في قوله -جل وعلا-: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (الإنسان: ٨، ٩) أورد غالب المفسرين في سبب نزول هذه الآية روايات عن سيدنا علي وعن الحسن والحسين؛ فقد روي عن ابن عباس: أن الحسن والحسين مرضا؛ فعادهما جدهما رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر، وعادهما من عادهما من الصحابة، جاءوا لزيارتهم فقالوا لعلي ﵁ لو نذرت على ولديك؛ أي: تقدم نذرًا فنذر عليٌ وفاطمة وفضلة جاريةٌ كانت لهما، نذروا إن برآ -يعني: إن شفاهما الله أن يصوموا ثلاثة أيام شكرًا لله، فألبس الله الغلامين ثوب العافية، فاستقرض سيدنا عليًّا ثلاثة آصع؛ أي: قدرًا من الطحين، أو من القمح، استعار ذلك من رجل يهودي شمعون الخيبري، فجاء بها فقامت السيدة فاطمة إلى صاع فطحنته، وخبزت منه خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم؛ ليفطرُوا فوقف بالباب سائل؛ السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا مسكين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا شيئًا من الطعام.
وفي اليوم الثاني جاء يتيم فأعطوه الأقراص الخمسة كذلك، وفي اليوم الثالث جاء أسيرٌ فعل مثل الأولين، وبات عليٌ وفاطمة من غير طعام، هكذا ورد الكلام،
следующие страницы →