← Адаб

Адаб · id 10614

البيان والتبيين

الجاحظ

Полный текст (863 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأول هذه القصيدة قوله: أبا دلف دلفت حاجتي ... إليك وما خلتها بالدلوف ويظنون أن الخريمي إنما احتذى في هذا البيت على كلام أيوب بن القريّة حين قال له بعض السلاطين: ما أعددت لهذا الموقف؟ قال: «ثلاثة حروف كأنهن ركب وقوف: دنيا، وآخرة، ومعروف» . [شبيب بن شيبة] وحدثني صالح بن خاقان، قال: قال شبيب بن شيبة: «الناس موكّلون بتفضيل جودة الابتداء، وبمدح صاحبه، وأنا موكل بتفضيل جودة القطع، وبمدح صاحبه. وحظ جودة القافية وإن كانت كلمة واحدة، أرفع من حظ سائر البيت» . ثم قال شبيب: «فإن ابتليت بمقام لا بد لك فيه من الإطالة، فقدم أحكام البلوغ في طلب السلامة من الخطل، قبل التقدم في أحكام البلوغ في شرف التجويد. وإياك أن تعدل بالسلامة شيئا، فإن قليلا كافيا خير من كثير غير شاف» . ويقال إنهم لم يروا خطيبا قط بلديا إلا وهو في أول تكلفه لتلك المقامات كان مستتقلا مستصلفا أيام رياضته كلها، إلى أن يتوقح وتستجيب له المعاني، ويتمكن من الألفاظ، إلا شبيب بن شيبة، فإنه قد ابتدأ بحلاوة ورشاقة، وسهولة وعذوبة، فلم يزل يزداد منها حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل الكلام ما لا يبلغه الخطباء المصاقع بكثيره. قالوا: ولما مات شبيب بن شيبة أتاهم صالح المري «١» ، في بعض من أتاهم للتعزية، فقال: «رحمة الله على أديب الملوك، وجليس الفقراء، وأخي المساكين» .

стр. 107

وقال الراجز «١» : إذا غدت سعد على شبيبها ... على فتاها وعلى خطيبها من مطلع الشمس إلى مغيبها ... عجبت من كثرتها وطيبها [عودة إلى مفهوم البلاغة عند العتابي وعمرو بن عبيد وابن المقفع] حدثني صديق لي قال: قلت للعتابيّ: ما البلاغة؟ قال: كل من أفهمك حاجته من غير إعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ، فإن أردت اللسان الذي يروق الألسنة، ويفوق كل خطيب، فإظهار ما غمض من الحق، وتصوير الباطل في صورة الحق. قال: فقلت له: قد عرفت الإعادة والحبسة، فما الاستعانة؟ قال: أما تراه إذا تحدث قال عند مقاطع كلامه: يا هناه، ويا هذا، ويا هيه، واسمع مني واستمع إلي، وافهم عني، أو لست تفهم، أو لست تعقل. فهذا كله وما أشبهه عيّ وفساد. قال عبد الكريم بن روح الغفاري، حدثني عمر الشمري، قال: قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: ما بلغ بك الجنة، وعدل بك عن النار، وما بصرك مواقع رشدك وعواقب غيك. قال السائل: ليس هذا أريد. قال: من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يستمع، ومن لم يحسن الاستماع لم يحسن القول. قال: ليس هذا أريد. قال: قال النبي صلّى الله عليه وآله: «أنا معشر الأنبياء بكاء» أي قليلو الكلام. ومنه قيل رجل بكيء. وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله. قال: قال السائل: ليس هذا أريد. قال: كانوا يخافون من فتنة القول، ومن سقطات الكلام، ما لا يخافون من فتنة السكوت ومن سقطات الصمت. قال السائل: ليس هذا أريد. قال عمرو: فكأنك إنما تريد تخير اللفظ، في حسن الإفهام، قال: نعم. قال: إنك إن أوتيت تقرير حجة الله في عقول المكلفين، وتخفيف المؤونة على المستمعين وتزيين تلك المعاني

стр. 108

في قلوب المريدين، بالألفاظ المستحسنة في الآذان، المقبولة عند الأذهان، رغبة في سرعة استجابتهم، ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة، على الكتاب والسنة، كنت قد أوتيت فصل الخطاب واستوجبت على الله جزيل الثواب. قلت لعبد الكريم من هذا الذي صبر له عمرو هذا الصبر؟ قال: قد سألت عن ذلك أبا حفص فقال: ومن كان يجترىء عليه هذه الجرأة إلا حفص بن سالم. قال عمر الشمري: كان عمرو بن عبيد لا يكاد يتكلم، فإذا تكلم لم يكد يطيل. وكان يقول: لا خير في المتكلم إذا كان كلامه لمن شهده دون نفسه. وإذا طال الكلام عرضت للمتكلم أسباب التكلف، ولا خير في شيء يأتيك به التكلف. وقال بعضهم- وهو من أحسن ما اجتبيناه ودوّناه- لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك. وكان مويس بن عمران «١» يقول: لم أر أنطق من أيوب بن جعفر، ويحيى بن خالد. وكان ثمامة يقول: لم أر أنطق من جعفر بن يحيى بن خالد. وكان سهل بن هارون يقول: لم أر أنطق من المأمون أمير المؤمنين. وقال ثمامة: سمعت جعفر بن يحيى يقول لكتّابه: «إن استطعتم أن يكون كلامكم كله مثل التوقيع فافعلوا» . وسمعت أبا العتاهية يقول: «لو شئت أن يكون حديثي كله شعرا موزونا لكان» .

стр. 109

وقال إسحاق بن حسان بن قوهيّ «١» : لم يفسّر البلاغة تفسير ابن المقفع احد قط. سئل ما البلاغة؟ قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة. فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا وخطبا، ومنها ما يكون رسائل. فعامة ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها، والإشارة إلى المعنى، والإيجاز، هو البلاغة. فأما الخطب بين السماطين، وفي إصلاح ذات البين، فالإكثار في غير خطل، والإطالة في غير إملال، وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته. كأنه يقول: فرّق بين صدر خطبة النكاح وبين صدر خطبة العيد، وخطبة الصلح وخطبة التواهب، حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه، فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك، ولا يشير إلى مغزاك، وإلى العمود الذي إليه قصدت، والغرض الذي إليه نزعت. قال: فقيل له: فإن مل السامع الإطالة التي ذكرت أنها حق ذلك الموقف؟ قال: إذا أعطيت كلّ مقام حقه، وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام، وأرضيت من يعرف حقوق الكلام، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو، فإنه لا يرضيهما شيء. وأما الجاهل فلست منه وليس منك. ورضا جميع الناس شيء لا تناله. وقد كان يقال: «رضا الناس شيء لا ينال» . قال: والسنّة في خطبة النكاح أن يطيل الخاطب ويقصر المجيب. ألا ترى أن قيس بن خارجة بن سنان، لما ضرب بصفيحة سيفه مؤخّرة راحلتي الحاملين في شأن حمالة داحس والغبراء «٢» ، وقال: ما لي فيها أيها العشمتان «٣» ؟ قالا له: بل ما عندك؟ قال: عندي قرى كلّ نازل، ورضا كل

стр. 110

ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل وأنهى فيها عن التقاطع؟ قالوا: فخطب يوما إلى الليل فما أعاد فيها كلمة ولا معنى فقيل لأبي يعقوب: هلا اكتفى بالأمر بالتواصل عن النهي عن التقاطع؟ أو ليس الأمر بالصه هو النهي عن القطيعة؟ قال: أو ما علمت أن الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والكشف. قال: وسئل ابن المقفع عن قول عمر ﵀: «ما يتصعدني كلام كما تتصعدني خطبة النكاح» قال: ما أعرفه إلا أن يكون أراد قرب الوجوه من الوجوه، ونظر الحداق من قرب في أجواف الحداق. ولأنه إذا كان جالسا معهم كانوا كأنهم نظراء وأكفاء، فإذا علا المنبر صاروا سوقة ورعية. وقد ذهب ذاهبون إلى أن تأويل قول عمر يرجع إلى أن الخطيب لا يجد بدا من تزكية الخاطب، فلعله كره أن يمدحه بما ليس فيه، فيكون قد قال زورا وغرّ القوم من صاحبه. ولعمري إن هذا التأويل ليجوز إذا كان الخطيب موقوفا على الخطابة. فأما عمر بن الخطاب، ﵀، وأشباهه من الأئمة الراشدين، فلم يكونوا ليتكلفوا ذلك إلا فيمن يستحق المدح. وروى أبو مخنف، عن الحارث الأعور «١» ، قال: «والله لقد رأيت عليا وإنه ليخطب قاعدا كقائم، ومحاربا كمسالم» . يريد بقوله: قاعدا، خطبة النكاح. وقال الهيثم بن عديّ: لم تكن الخطباء تخطب قعودا إلا في خطبة النكاح. [توشيح الخطب بآي القرآن والأشعار] وكانوا يستحسنون أن يكون في الخطب يوم الحفل، وفي الكلام يوم الجمع آي من القرآن، فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار والرقة، وسلس الموقع.

стр. 111

قال الهيثم بن عديّ: قال عمران بن حطّان: إن أول خطبة خطبتها، عند زياد- أو عند ابن زياد- فأعجب بها الناس، وشهدها عمي وأبي. ثم إني مررت ببعض المجالس، فسمعت رجلا يقول لبعضهم: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن. وأكثر الخطباء لا يتمثلون في خطبهم الطوال بشيء من الشعر ولا يكرهونه في الرسائل، إلا أن تكون إلى الخلفاء. وسمعت مؤمّل بن خاقان، وذكر في خطبته تميم بن مرّ، فقال: «إن تميما لها الشرف العود، والعز الأقعس، والعدد الهيضل «١» . وهي في الجاهلية القدام، والذروة والسنام. وقد قال الشاعر: فقلت له وأنكر بعض شأني ... ألم تعرف رقاب بني تميم وكان المؤمّل وأهله يخالفون جمهور بني سعد في المقالة، فلشدة تحدّبه على سعد وشفقته عليهم، كان يناضل عند السلطان كل من سعى على أهل مقالتهم، وإن كان قوله خلاف قولهم، حدبا عليهم. وكان صالح المريّ، القاص العابد، البليغ، كثيرا ما ينشد في قصصه وفي مواعظه، هذا البيت: فبات يروّي أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرجل وأنشد الحسن في مجلسه، وفي قصصه وفي مواعظه: ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء وأنشد عبد الصمد بن الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي، الخطيب القاص السجّاع، أما في قصصه، وأما في خطبة من خطبه، ﵀:

стр. 112

أرض تخيّرها لطيب مقيلها ... كعب بن مامة وابن أمّ دواد جرت الرياح على محلّ ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد فأرى النعيم وكلّ ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد وقال أبو الحسن: خطب عبيد الله بن الحسن «١» على منبر البصرة في العيد وأنشد في خطبته: أين الملوك عن حظّها غفلت ... حتى سقاها بكأس الموت ساقيها تلك المدائن بالآفاق خالية ... أمست خلاء وذاق الموت بانيها قال: وكان مالك بن دينار يقول في قصصه: «ما أشد فطام الكبير» . وهو كما قال القائل: وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم ومثله أيضا قول صالح بن عبد القدوس: والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذي الضنى عاد إلى نكسه وقال كلثوم بن عمرو العتابيّ: وكنت امرأ لو شئت أن تبلغ المدى ... بلغت بأدنى نعمة تستديمها ولكن فطام النفس أثقل محملا ... من الصخرة الصماء حين ترومها [جهارة الصوت والتشديق في الخطب] وكانوا يمدحون الجهير الصوت، ويذمون الضئيل الصوت، ولذلك تشادّقوا في الكلام، ومدحوا سعة الفم، وذموا صغر الفم.

стр. 113

قال: وحدثني محمد بن يسير الشاعر قال: قيل لأعرابي: ما الجمال؟ قال: طول القامة وضخم الهامة، ورحب الشدق، وبعد الصوت. وسأل جعفر بن سليمان أبا المخش عن ابنه المخش، وكان جزع عليه جزعا شديدا، فقال: صف لي المخشّ. فقال: كان أشدق خرطمانيا «١» ، سائلا لعابه، كأنما ينظر من قلتين «٢» ، وكأن ترقوته بوان أو خالفة «٣» ، وكأن منكبه كركرة جمل ثفال «٤» . فقأ الله عينيّ إن كنت رأيت قبله أو بعده مثله. قال: وقلت لأعرابي: ما الجمال؟ قال: «غؤور العينين، واشراف الحاجبين، ورحب الشدقين» . وقال دغفل بن حنظلة النسابة، والخطيب العلامة، حين سأله معاوية عن قبائل قريش، فلما انتهى إلى بني مخزوم قال: «معزى مطيرة، علتها قشعريره، إلا بني المغيرة، فإن فيهم تشادق الكلام، ومصاهرة الكرام» . وقال الشاعر في عمرو بن سعيد الأشدق: تشادق حتى مال بالقول شدقه ... وكل خطيب لا أبا لك أشدق وأنشد أبو عبيدة: وصلع الرؤوس عظام البطون ... رحاب الشداق غلاظ القصر «٥» قال: وتكلم يوما عند معاوية الخطباء فأحسنوا، فقال: والله لأرمينهم بالخطيب الأشدق! قم يا يزيد فتكلم.

стр. 114

وهذا القول وغيره من الأخبار والأشعار، حجة لمن زعم أن عمرو بن سعيد لم يسم الأشدق للفقم ولا للفوه. وقال يحيى بن نوفل، في خالد بن عبد الله القسري: بلّ السراويل من خوف ومن وهل ... واستطعم الماء لما جدّ في الهرب وألحن الناس كلّ الناس قاطبة ... وكان يولع بالتشديق في الخطب ويدلّك على تفضيلهم سعة الأشداق، وهجائهم ضيق الأفواه، قول الشاعر: لحى الله أفواه الدّبى من قبيلة ... إذا ذكرت في النائبات أمورها وقال آخر: وأفواه الدبى حاموا قليلا ... وليس أخو الحماية كالضجور وإنما شبه أفواههم بأفواه الدبى، لصغر أفواههم وضيقها. وعلى ذلك المعنى هجا عبدة بن الطبيب حيي بن هزّال وابنيه، فقال: تدعو بنّييك عبّادا وحذيمة ... فا فأرة شجها في الجحر محفار وقد كان العباس بن عبد المطلب جهيرا «١» جهير الصوت. وقد مدح بذلك، وقد نفع الله المسلمين بجهارة صوته يوم حنين، حين ذهب الناس عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، فنادى العباس: يا أصحاب سورة البقرة، هذا رسول الله. فتراجع القوم، وأنزل الله النصر وأتى بالفتح. ابن الكلبيّ عن أبيه عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: كان قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، يمكو حول البيت، فيسمع ذلك من حراء. قال الله : وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً ، فالتصدية: التصفيق. والمكاء: الصفير أو شبيه بالصفير. ولذلك قال عنترة:

стр. 115

وحليل غانية تركت مجدلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم وقال العجير السلولي في شدة الصوت: ومنهن قرعي كلّ باب كأنما ... به القوم يرجون الأذين نسور فجئت وخصمي يصرفون نيوبهم ... كما قصّبت بين الشفار جزور لدى كلّ موثوق به عند مثلها ... له قدم في الناطقين خطير فظل رداء العصب ملقى كأنه ... سلى فرس تحت الرجال عقير «١» لو ان الصخور الصم يسمعن صلقنا ... لرحن وفي أعراضهن فطور «٢» الصلق: شدة الصوت. وفطور: شقوق. وقال مهلهل: ولولا الريح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذكور والصريف: صوت احتكاك الأنياب، والصليل صوت الحديد ها هنا. وفي شدة الصوت قال الأعشى في وصف الخطيب بذلك: فيهم الخصب والسماحة والنج ... دة جمعا والخاطب الصلّاق «٣» وقال بشار بن برد في ذلك يهجو بعض الخطباء: ومن عجب الأيام أن قمت ناطقا ... وأنت ضئيل الصوت منتفخ السحر ووقع بين فتى من النصارى وبين ابن فهريز المطران «٤» كلام، فقال له الفتى:

стр. 116

ما ينبغي أن يكون في الأرض رجل واحد أجهل منك! وكان ابن فهريز في نفسه أكثر الناس علما وأدبا، وكان حريصا على الجثلقة. فقال للفتى: وكيف حللت عندك هذا المحل؟ قال: لأنك تعلم أنا لا نتخذ الجاثليق «١» إلا مديد القامة، وأنت قصير القامة، ولا نتخذه إلا جهير الصوت جيد الحلق، وأنت دقيق الصوت رديء الحلق، ولا نتخذه إلا وهو وافر اللحية عظيمها وأنت خفيف اللحية صغيرها، وأنت تعلم أنا لا نختار للجثلقة إلا رجلا زاهدا في الرياسة، وأنت أشد الناس عليها كلبا، وأظهرهم لها طلبا. فكيف لا تكون أجهل الناس وخصالك هذه كلها تمنع من الجثلقة، وأنت قد شغلت في طلبها بالك، وأسهرت فيها ليلك. وقال أبو الحجناء في شدة الصوت: إني إذا ما زبّب الأشداق ... والتجّ حولي النقع واللقلاق «٢» ثبت الجنان مرجم ودّاق المرجم: الحاذق بالمراجمة بالحجارة. والودّاق الذي يسيل الحجارة كالودق من المطر. وجاء في الحديث: « «من وقي شرّ لقلقه وقبقبه وذبذبه وقي الشر» . يعني لسانه وبطنه وفرجه. وقال عمر بن الخطاب في بواكي خالد بن الوليد بن المغيرة: «وما عليهن أن يرقن من دموعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة» . وجاء في الأثر: «ليس منا من حلق أو صلق، أو سلق، أو شق» . ومما مدح به العماني هارون الرشيد، بالقصيد دون الرجز، قوله: جهير العطاس شديد النّياط ... جهير الرواء جهير النغم ويخطو على الأين خطو الظليم ... ويعلو الرجال بجسم عمم

стр. 117

النياط: معاليق القلب. والأين: الاعياء. والظليم: ذكر النعام. ويقال إنه لعمم الجسم، وإن جسمه لعمم، إذا كان تاما. ومنه قيل نبت عمم وأعتم النبت، إذا تم. وكان الرشيد إذا طاف بالبيت جعل لإزاره ذنبين عن يمين وشمال، ثم طاف بأوسع من خطو الظليم، وأسرع من رجع يد الذئب. وقد أخبرني إبراهيم بن السندي بمحصول ذرع ذلك الخطو، إلا إني أحسبه فراسخ فيما رأيته يذهب إليه. وقال إبراهيم: ونظر إليه أعرابي في تلك الحال والهيئة فقال: خطو الظليم ريع ممسى فانشمر ريع: فزع. ممسى: حين المساء. انشمر: جد في الهرب. وحدثني إبراهيم بن السندي قال: لما أتى عبد الملك بن صالح وفد الروم وهو في بلادهم، أقام على رأسه رجالا في السماطين لهم قصر وهام ومناكب وأجسام، وشوارب وشعور، فبينا هم قيام يكلمونه ومنهم رجل وجهه في قفا البطريق إذ عطس عطسة ضئيلة، فلحظه عبد الملك، فلم يدر أي شيء أنكر منه، فلما مضى الوفد قال له: ويلك، هلا إذ كنت ضيق المنخر كزّ الحيشوم، أتبعتها بصيحة تخلع بها قلب العلج؟! وفي تفضيل الجهارة في الخطب يقول شبّة بن عقال بعقب خطبته عند سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس: ألا ليت أمّ الجهم والله سامع ... ترى، حيث كانت بالعراق، مقامي عشية بذّ الناس جهري ومنطقي ... وبذّ كلام الناطقين كلامي وقال طحلاء يمدح معاوية بالجهارة وبجودة الخطبة: ركوب المنابر وثابها ... معنّ بخطبته مجهر تريع إليه هوادي الكلام ... إذا ضلّ خطبته المهذر

стр. 118

معن: تعن له الخطبة فيخطبها مقتضبا لها. تريع: ترجع إليه. هوادي الكلام: أوائله. فأراد أن معاوية يخطب في الوقت الذي يذهب كلام المهذر فيه. والمهذر: المكثار. وزعموا أن أبا عطية عفيفا النصري، في الحرب التي كانت بين ثقيف وبين بني نصر، لما رأى الخيل بعقوته يومئذ دوائس نادى: يا صباحاه! أتيتم يا بني نصر. فألقت الحبالى أولادها من شدة صوته. قالوا: فقال ربيعة بن مسعود يصف تلك الحرب وصوت عفيف عقاما ضروسا بين عوف ومالك ... شديدا لظاها تترك الطفل أشيبا وكانت جعيل يوم عمرو أراكة ... أسود الغضى غادرن لحما مترّبا «١» ويوم بمكروثاء شدت معتّب ... بغاراتها قد كان يوما عصبصبا «٢» فأسقط أحبال النساء بصوته ... عفيف وقد نادى بنصر فطرّبا وكان أبو عروة، الذي يقال له أبو عروة السباع، يصيح بالسبع وقد احتمل الشاة، فيخليها ويذهب هاربا على وجهه. فضرب به الشاعر المثل- وهو النابغة الجعدي- فقال: وأزجر الكاشح العدو إذا اغتا ... بك عندي زجرا على أضم زجر أبي عروة السباع إذا ... أشفق أن يلتبسن بالغنم وأنشد أبو عمرو الشيباني لرجل من الخوارج يصف صيحة شبيب بن يزيد ابن نعيم. قال أبو عبيدة وأبو الحسن: كان شبيب يصيح في جنبات الجيش إذا أتاه، فلا يلوي أحد على أحد. وقال الشاعر فيه: إن صاح يوما حسبت الصخر منحدرا ... والريح عاصفة والموج يلتطم قال أبو العاصي: أنشدني أبو محرز خلف بن حيان، وهو خلف الأحمر مولى الأشعريين، في عيب التشادق:

стр. 119

له حنجر رحب وقول منقح ... وفصل خطاب ليس فيه تشادق إذا كان صوت المرء خلف لهاته ... وأنحى بأشداق لهن شقاشق وقبقب يحكي مقرما في هبابه ... فليس بمسبوق ولا هو سابق «١» وقال الفرزدق: شقاشق بين أشداق وهام وأنشد خلف: وما في يديه غير شدق يميله ... وشقشقة خرساء ليس لها نعب متى رام قولا خالفته سجية ... وضرس كقعب القين ثلّمه الشعب وأنشد أبو عمرو وابن الأعرابي: وجاءت قريش قريش البطاح ... هي العصب الأوّل الداخلة يقودهم الفيل والزندبيل ... وذو الضرس والشفة المائلة ذو الضرس وذو الشفة، هو خالد بن سلمة المخزومي الخطيب. والزندبيل أبان والحكم ابنا عبد الملك بن بشر بن مروان. يعني دخولهم على ابن هبيرة. والزندبيل: الأنثى من الفيلة، فيما ذكر أبو اليقظان بن حفص. وقال غيره: هو الذكر. فلم يقفوا من ذلك على شيء. وقال الشاعر في خالد بن سلمة المخزومي: فما كان قائلهم دغفل ... ولا الحيقطان ولا ذو الشّفه قوله «دغفل» يريد دغفل بن يزيد بن حنظلة الخطيب الناسب. والحيقطان: عبد أسود، وكان خطيبا لا يجارى.

стр. 120

وأنشد بعض أصحابنا: وقافية لجلجتها فرددتها ... لذي الضرس لو أرسلتها قطرت دما وقال الفرزدق: أنا عند الناس أشعر العرب، ولربما كان نزع ضرس أيسر عليّ من أن أقول بيت شعر. قال: وأنشدنا منيع: فجئت ووهب كالخلاة يضمّها ... إلى الشدق أنياب لهن صريف «١» فقعقعت لحيي خالد واهتضمته ... بحجة خصم بالخصوم عنيف أبو يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير، قال: سئل (الحارث) بن أبي ربيعة «٢» عن علي بن أبي طالب ﵁ فقال: كم كان له ما شئت من ضرس قاطع في العلم بكتاب الله، والفقه في السنة، والهجرة إلى الله ورسوله، والبسطة في العشيرة، والنجدة في الحرب، والبذل للماعون. وقال الآخر: ولم تلفني فهّا ولم تلف حجتي ... ملجلجة أبغي لها من يقيمها «٣» ولا بتّ أزجيها قضيبا وتلتوي ... أراوغها طورا وطورا أضيمها «٤» وأنشدني أبو الرديني العكلي: فتى كان يعلو مفرق الحق قوله ... إذا الخطباء الصيد عضّل قيلها «٥»

стр. 121

وقال الخريمي في تشادق علي بن الهيثم: يا علي بن هيثم يا سماقا ... قد ملأت الدنيا علينا نفاقا خل لحييك يسكنان ولا تضرب ... على تغلب بلحييك طاقا لا تشادق إذا تكلمت واعلم ... أن للناس كلهم أشداقا وكان علي بن الهيثم جوادا، بليغ اللسان والقلم. وقال أبو يعقوب الخريمي: ما رأيت كثلاثة رجال يأكلون الناس أكلا حتى أذا رأوا ثلاثة رجال ذابوا كما يذوب الملح في الماء، والرصاص في النار: كان هشام بن محمد علامة نسابة، وراوية للمثالب عيابة، فإذا رأى الهيثم بن عدي ذاب كما يذوب الرصاص في النار. وكان علي بن الهيثم مفقعانيا صاحب تفقيع وتقعير، ويستولي على كلام أهل المجلس لا يحفل بشاعر ولا بخطيب، فإذا رأى موسى الضبي ذاب كما يذوب الرصاص عند النار. وكان علويه المغني واحد الناس في الرواية وفي الحكاية، وفي صنعة الغناء وجودة الضرب، وفي الإطراب وحسن الحلق، فإذا رأى مخارقا ذاب كما يذوب الرصاص عند النار. ثم رجع بنا القول إلى ذكر التشديق وبعد الصوت. قال أبو عبيدة: كان عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب، رديفا للملوك، ورحّالا إليهم، وكان يقال له عروة الرحال، فكان يوم أقبل مع ابن الجون، يريد بني عامر، فلما انتهى إلى واردات مع الصبح، قال له عروة: إنك قد عرفت طول صحبتي لك، ونصيحتي إياك، فأذن لي فأهتف بقومي هتفة. قال: نعم، وثلاثا. فقام فنادى: يا صباحاه! ثلاث مرات. قال: فسمعنا شيوخنا يزعمون أنه أسمع أهل الشعب، فتلببوا للحرب، وبعثوا الربايا، ينظرون من أين يأتي القوم. قال: وتقول الروم: لولا ضجة أهل رومية وأصواتهم، لسمع الناس جميعا صوت وجوب القرص في المغرب.

стр. 122

وأعيب عندهم من دقة الصوت وضيق مخرجه وضعف قوته، أن يعتري الخطيب البهر والارتعاش، والرعدة والعرق. قال أبو الحسن: قال سفيان بن عيينة: تكلم صعصعة عند معاوية فعرق، فقال معاوية: بهرك القول! فقال صعصعة: «إن الجياد نضاحة بالماء» . والفرس إذا كان سريع العرق، وكان هشا، كان ذلك عيبا. وكذلك هو في الكثرة، فإذا أبطأ ذلك وكان قليلا قيل: قد كبا، وهو فرس كاب. وذلك عيب أيضا. وأنشدني ابن الأعرابي، لأبي مسمار العكلي، في شبيه بذلك قوله: لله در عامر إذا نطق ... في حفل أملاك وفي تلك الحلق «١» ليس كقوم يعرفون بالسرق ... من خطب الناس ومما في الورق يلفقون القول تلفيق الخلق ... من كل نضاح الذفارى بالعرق إذا رمته الخطباء بالحدق (والذفارى هنا: يعني بدن الخطيب. والذفريان للبعير، وهما اللحمتان في قفاه) . وإنما ذكر خطب الأملاك لأنهم يذكرون أنه يعرض للخطيب فيها من الحصر أكثر مما يعرض لصاحب المنبر. ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵀: «ما يتصعدني كلام كما تتصعدني خطبة النكاح» . وقال العماني: لا ذفر هش ولا بكابي ... ولا بلجلاج ولا هياب الهش: الذي يجود بعرقه سريعا، وذلك عيب. والذفر: الكثير العرق.

стр. 123

والكابي: الذي لا يكاد يعرق، كالزند الكابي الذي لا يكاد يوري. فجعل له العماني حالا بين حالين إذا خطب، وخبر أنه رابط الجأش، معاود لتلك المقامات. وقال الكميت بن زيد- وكان خطيبا-: «إن للخطبة صعداء، وهي على ذي اللب أرمى» . وقولهم: أرمى وأربى سواء يقال: فلان قد أرمى على المائة وأربى. ولم أر الكميت أفصح عن هذا المعنى ولا تخلّص إلى خاصته. وإنما يجترىء على الخطبة الغر الجاهل الماضي، الذي لا يثنيه شيء، أو المطبوع الحاذق، الواثق بغزارته واقتداره، فالثقة تنفي عن قلبه كل خاطر يورث اللجلجة والنحنحة، والانقطاع والبهر والعرق. وقال عبيد الله بن زياد، وكان خطيبا، على لكنة كانت فيه: «نعم الشيء الأمارة، لولا قعقعة البرد، والتشزن للخطب» «١» . وقيل لعبد الملك بن مروان: عجل عليك الشيب يا أمير المؤمنين! قال: «وكيف لا يعجل عليّ وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين» . يعني خطبة الجمعة وبعض ما يعرض من الأمور. وقال بعض الكلبيين. فإذا خطبت على الرجال فلا تكن ... خطل الكلام تقوله مختالا واعلم بأن من السكوت إبانة ... ومن التكلم ما يكون خبالا [بشر بن المعتمر يقنن أصول البلاغة] مرّ بشر بن المعتمر بإبراهيم بن جبلة بن مخرمة السّكوني الخطيب، وهو

стр. 124

يعلم فتيانهم الخطابة، فوقف بشر فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد أو ليكون رجلا من النظّارة، فقال بشر: اضربوا عما قال صفحا واطووا عنه كشحا. ثم دفع إليهم صحيفة من تحبيره وتنميقه، وكان أول ذلك الكلام: خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرا، وأشرف حسبا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش الخطاء، وأجلب لكلّ عين وغرّة، من لفظ شريف ومعنى بديع. وأعلم ان ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول، بالكد والمطاولة والمجاهدة، وبالتكلف والمعاودة. ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا قصدا، وخفيفا على اللسان سهلا، وكما خرج من ينبوعه ونجم من معدنه. وإياك والتوعّر، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك. ومن أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما، فإن حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما، وعما تعود من أجله أن تكون أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس إظهارهما، وترتهن نفسك بملابستهما وقضاء حقهما. فكن في ثلاث منازل، فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقا عذبا، وفخما سهلا، ويكون معناك ظاهرا مكشوفا، وقريبا معروفا، أما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وإما عند العامة إن كنت للعامة أردت. والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتّضع بأن يكون من معاني العامة. وإنما مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة، مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المال. وكذلك اللفظ العامي والخاصيّ. فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك، وبلاغة قلمك، ولطف مداخلك، واقتدارك على نفسك، إلى أن تفعم العامة معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الاكفاء، فأنت البليغ التام. قال بشر: فلما قرئت على إبراهيم قال لي: أنا أحوج إلى هذا من هؤلاء الفتيان.

стр. 125

قال أبو عثمان «١» : أما أنا فلم أر قط أمثل طريقة في البلاغة من الكتّاب، فإنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا، ولا ساقطا سوقيا. وإذا سمعتموني أذكر العوامّ فإني لست أعني الفلاحين والحشوة «٢» والصناع والباعة، ولست أعني أيضا الأكراد في الجبال. وسكان الجزائر في البحار، ولست أعني من الأمم مثل الببر والطيلسان «٣» ، ومثل موقان وجيلان «٤» ، ومثل الزنج وأشباه الزنج. وإنما الأمم المذكورون من جميع الناس أربع: العرب، وفارس، والهند، والروم. والباقون همج وأشباه الهمج. وأما العوام من أهل ملتنا ودعوتنا، ولغتنا وأدبنا وأخلاقنا، فالطبقة التي عقولها وأخلاقها فوق تلك الأمم ولم يبلغوا منزلة الخاصة منا. على أن الخاصة تتفاضل في طبقات أيضا. ثم رجع بنا القول إلى بقية كلام بشر بن المعتمر، وإلى ما ذكر من الأقسام. قال بشر: فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك ولا تعتريك ولا تسمح لك عند أول نظرك وفي أول تكلّفك، وتجد اللفظة لم تقع موقعها ولم تصر إلى قرارها وإلى حقها من أماكنها المقسومة لها، والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها، ولم تتصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها، نافرة من موضعها، فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن، والنزول في غير أوطانها، فإنك إذا لم تتعاط قرض الشعر الموزون، ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور، لم يعبك بترك ذلك أحد. فإن أنت تكلفتهما ولم تكن حاذقا مطبوعا ولا محكما لشأنك، بصيرا بما عليك وما لك، عابك من أنت أقل عيبا منه، ورأى من هو دونك أنه فوقك. فإن ابتليت بأن تتكلّف القول، وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطباع في أول وهلة، وتعاصى عليك بعد إجالة الفكرة، فلا تعجل ولا تضجر، ودعه بياض يومك وسواد ليتلك، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك، فإنك لا تعدم الإجابة

стр. 126

والمواتاة، إن كانت هناك طبيعة، أو جريت من الصناعة على عرق. فإن تمنّع عليك بعد ذلك من غير حادث شغل عرض، ومن غير طول إهمال، فالمنزلة الثالثة أن تتحول من هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك، وأخفّها عليك، فإنك لم تشتهه ولم تنازع إليه إلا وبينكما نسب، والشيء لا يحنّ إلا إلى ما يشاكله، وإن كانت المشاكلة قد تكون في طبقات، لأن النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة، كما تجود به مع الشهوة والمحبة. فهذا هذا. وقال: ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ولكل حالة من ذلك مقاما، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات. فإن كان الخطيب متكلما تجنّب ألفاظ المتكلمين، كما أنه إن عبر عن شيء من صناعة الكلام واصفا أو مجيبا أو سائلا، كان أولى الألفاظ به ألفاظ المتكلمين، إذ كانوا لتلك العبارات أفهم، وإلى تلك الألفاظ أميل، وإليها أحنّ وبها أشغف، ولأن كبار المتكلمين ورؤساء النظارين كانوا فوق أكثر الخطباء، وأبلغ من كثير من البلغاء. وهم تخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا في ذلك سلفا لكلّ خلف، وقدوة لكل تابع. ولذلك قالوا العرض والجوهر، وأيس وليس «١» ، وفرقوا بين البطلان والتلاشي، وذكروا الهذية والهوية والماهية وأشباه ذلك. وكما وضع الخليل بن أحمد «٢» لأوزان القصيد وقصار الأرجاز ألقابا لم تكن العرب تتعارف تلك الأعاريض بتلك الألقاب، وتلك الأوزان بتلك الأسماء، كما ذكر الطويل، والبسيط، والمديد، والوافر، والكامل، وأشباه ذلك، وكما ذكر الأوتاد

стр. 127

والأسباب، والخرم والزحاف. وقد ذكرت العرب في أشعارها السناد والإقواء والإكفاء، ولم أسمع بالإيطاء. وقالوا في القصيد والرجز والسجع والخطب، وذكروا حروف الرويّ والقوافي، وقالوا هذا بيت وهذا مصراع. وقد قال جندل الطهوي حين مدح شعره: لم أقو فيهن ولم أساند وقال ذو الرمة: وشعر قد أرقت له غريب ... أجنبه المساند والمحالا وقال أبو حزام العكليّ «١» : بيوتا نصبنا لتقويمها ... جذول الربيئين في المربأه بيوتا على الها لها سجعة ... بغير السناد ولا المكفأه وكما سمى النحويون، فذكروا الحال والظروف وما أشبه ذلك، لأنهم لو لم يضعوا هذه العلامات لم يستطيعوا تعريف القرويين وأبناء البلديين علم العروض والنحو. وكذلك أصحاب الحساب قد اجتلبوا أسماء جعلوها علامات للتفاهم. قالوا: وقبيح بالخطيب أن يقوم بخطبة العيد أو يوم السماطين، أو على منبر جماعة، أو في سدة دار الخلافة، أو في يوم جمع وحفل، أما في إصلاح بين العشائر، واحتمال دماء القبائل، واستلال تلك الضغائن والسخائم، فيقول كما قال بعض من خطب على منبر ضخم الشأن، رفيع المكان: «ثم إن الله بعد أن أنشأ الخلق وسوّاهم ومكّن لهم، لاشاهم فتلاشوا» . ولولا أن المتكلم افتقر إلى أن يلفظ بالتلاشي لكان ينبغي أن يؤخذ فوق يده.

стр. 128

وخطب آخر في وسط دار الخلافة، فقال في خطبته: «وأخرجه الله من باب الليسية، فأدخله في باب الأيسية» . وقال مرة أخرى في خطبة له: «هذا فرق ما بين السارّ والضارّ، والدفاع والنفاع» . وقال مرة أخرى: «فدلّ ساتره على غامره، ودل غامره على منحله» . فكاد إبراهيم بن السّندي يطير شققا، وينقد غيظا. هذا وإبراهيم من المتكلمين، والخطيب لم يكن من المتكلمين. وإنما جازت هذه الألفاظ في صناعة الكلام حين عجزت الأسماء عن اتساع المعاني. وقد تحسن أيضا ألفاظ المتكلمين في مثل شعر أبي نواس وفي كل ما قالوه على وجه التظرّف والتملّح، كقول أبي نواس: وذات خد مورّد ... قوهية المتجرد «١» تأمّل العين منها ... محاسنا ليس تنفد فبعضها قد تناهى ... وبعضها يتولد والحسن في كل عضو ... منها معاد مردد وكقوله: يا عاقد القلب مني ... هلا تذكّرت حلا تركت مني قليلا ... من القليل أقلا يكاد لا يتجزا ... أقلّ في اللفظ من لا وقد يتملح الأعرابي بأن يدخل في شعره شيئا من كلام الفارسية، كقول العماني للرشيد، في قصيدته التي مدحه فيها:

стр. 129

من يلقه من بطل مسرند ... في زغفة محكمة بالسرد «١» تجول بين رأسه والكرد يعني العنق. وفيها يقول أيضا: لما هوى بين غياض الأسد ... وصار في كفّ الهزبر الورد آلى يذوق الدهر آب سرد «٢» وكقول الآخر: ودلهني وقع الأسنة والقنا ... وكافر كوبات لها عجر قفد «٣» بأيدي رجال ما كلامي كلامهم ... يسومونني مردا وما أنا والمرد ومثل هذا موجود في شعر (أبي) العذافر الكندي وغيره، [ويمكن] أيضا أن يكون الشعر مثل شعر بحر وشاذ، وأسود بن أبي كريمة. وكما قال يزيد ابن ربيعة بن مفرغ «٤» . آب است نبيذ است ... عصارات زبيب است سميّه روسبيد است «٥» وقال أسود بن أبي كريمة: لزم الغرّام ثوبي ... بكرة في يوم سبت «٦»

стр. 130

فتمايلت عليهم ... ميل زنكي بمستي «١» قد حسا الداذي صرفا ... أو عقارا بايخست «٢» ثم كفتم دور باد ... ويحكم آن خركفت «٣» إن جلدي دبغته ... أهل صنعاء بجفت «٤» وأبو عمرة عندي ... آن كوربد نمست «٥» جالس! ندر مكناد ... أيا عمد ببهشت «٦» [طبقات الكلام] وكما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميا، وساقطا سوقيا، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريبا وحشيا، إلا أن يكون المتكلم بدويا أعرابيا، فإن الوحشيّ من الكلام يفهمه الوحشي من الناس، كما يفهم السوقيّ رطانة السوقي. وكلام الناس في طبقات كما أن الناس أنفسهم في طبقات. فمن الكلام الجزل والسخيف، والمليح والحسن، والقبيح والسمج، والخفيف والثقيل، وكله عربي، وبكلّ قد تكلموا، وبكلّ قد تمادحوا وتعايبوا. فإن زعم زاعم أنه لم يكن في كلامهم تفاضل، ولا بينهم في ذلك تفاوت، فلم ذكروا العييّ والبكيء، والحصر والمفحم، والخطل والمسهب، والمتشدّق، والمتفيهق، والمهمار، والثرثار، والمكثار والهمار، ولم ذكروا الهجر والهذر، والهذيان والتخليط وقالوا: رجل تلقّاعة «٧» ، وفلان يتلهيع في خطبته «٨» . وقالوا: فلان

стр. 131

يخطىء في جوابه، ويحيل في كلامه، ويناقض في خبره. ولولا أن هذه الأمور قد كانت تكون في بعضهم دون بعض لما سمي ذلك البعض البعض الآخر بهذه الأسماء. وأنا أقول: إنه ليس في الأرض كلام هو أمتع ولا آنق، ولا ألذ في الأسماع، ولا أشد اتصالا بالعقول السليمة، ولا أفتق للسان، ولا أجود تقويما للبيان، من طول استماع حديث الأعراب العقلاء الفصحاء، والعلماء البلغاء. وقد أصاب القوم في عامة ما وصفوا، إلا أني أزعم أن سخيف الألفاظ مشاكل لسخيف المعاني. وقد يحتاج إلى السخيف في بعض المواضع، وربما أمتع بأكثر من امتاع الجزل الفخم من الألفاظ، والشريف الكريم من المعاني. كما أن النادرة الباردة جدا قد تكون أطيب من النادرة الحارة جدا. وإنما الكرب الذي يختم على القلوب، ويأخذ بالأنفاس، النادرة الفاترة التي لا هي حارة ولا باردة، وكذلك الشعر الوسط، والغناء الوسط، وإنما الشأن في الحار جدا والبارد جدا. وكان محمد بن عباد بن كاسب يقول: والله لفلان أثقل من مغن وسط وأبغض من ظريف وسط. ومتى سمعت- حفظك الله- بنادرة من كلام الأعراب، فإياك أن تحكيها إلا مع أعرابها ومخارج ألفاظها، فإنك إن غيّرتها بأن تلحن في إعرابها وأخرجتها مخارج كلام المولدين والبلديين، خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير. وكذلك إذا سمعت بنادرة من نوادر العوام، وملحة من ملح الحشوة والطغام، فإياك وأن تستعمل فيها الإعراب، أو تتخير لها لفظا حسنا، أو تجعل لها من فيك مخرجا سريا، فإن ذلك يفسد الامتاع بها، ويخرجها من صورتها، ومن الذي أريدت له، ويذهب استطابتهم إياها واستملاحهم لها. ثم اعلم أن أقبح اللحن لحن أصحاب التقعير والتقعيب، والتشديق والتمطيط والجهورة والتفخيم. وأقبح من ذلك لحن الأعاريب النازلين على طرق السابلة، وبقرب مجامع الأسواق.

стр. 132

ولأهل المدينة ألسن ذلقة، وألفاظ حسنة، وعبارة جيدة. واللحن في عوامهم فاش، وعلى من لم ينظر في النحو منهم غالب. واللحن من الجواري الظراف، ومن الكواعب النواهد، ومن الشواب الملاح، ومن ذوات الخدور الغرائر، أيسر. وربما استملح الرجل ذلك منهن ما لم تكن الجارية صاحبة تكلف، ولكن إذا كان اللحن على سجية سكان البلد. وكما يستملحون اللثغة إذا كانت حديثة السن، ومقدودة مجدولة، فإذا أسنت واكتهلت تغير ذلك الاستملاح. وربما كان اسم الجارية غليّم أو صبيّة أو ما أشبه ذلك، فإذا صارت كهلة جزلة، وعجوزا شهلة، وحملت اللحم وتراكم عليها الشحم، وصار بنوها رجالا وبناتها نساء، فما أقبح حينئذ أن يقال لها: يا غليم كيف أصبحت؟ ويا صبية كيف أمسيت. ولأمر ما كنّت العرب البنات فقالوا: فعلت أم الفضل، وقالت أم عمرو وذهبت أم حكيم. نعم حتى دعاهم ذلك إلى التقدم في تلك الكنى وقد فسرنا ذلك كله في كتاب الأسماء والكنى، والألقاب والأنباز «١» : وقد قال مالك بن أسماء «٢» في استملاح اللحن من بعض نسائه: أمغطّى مني على بصر لل ... حب أم أمنت أكمل الناس حسنا وحديث ألذه هو مما ... ينعت الناعتون يوزن وزنا منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وأحلى الحديث ما كان لحنا [عيون المعاني] وهم يمدحون الحذق والرفق، والتخلص إلى حبات القلوب، وإلى

стр. 133

إصابة عيون المعانى. ويقولون: أصاب الحق في الجملة. ويقولون: قرطس فلان، وأصاب القرطاس، إذا كان أجود إصابة من الأول. فإن قالوا: رمى فأصاب الغرّة، وأصاب عين القرطاس، فهو الذي ليس فوقه أحد. ومن ذلك قولهم: فلان يفلّ الحزّ، ويصيب المفصل، ويضع الهناء مواضع النقب. وقال زرارة بن جزء، حين أتى عمر بن الخطاب ﵀ فتكلم عنده ورفع حاجته إليه. أتيت أبا حفص ولا يستطيعه ... من الناس إلا كالسنان طرير فوفقني الرحمن لما لقيته ... وللباب من دون الخصوم صرير قروم غيارى عند باب ممنّع ... تنازع ملكا يهتدي ويجور فقلت له قولا أصاب فؤاده ... وبعض كلام الناطقين غرور وفي شبيه بذلك يقول عبد الرحمن بن حسان حيث يقول: رجال أصحاء الجلود من الخنا ... وألسنة معروفة أين تذهب وفي إصابة فصّ الشيء وعينه، يقول ذو الرمة في مديح بلال بن أبي بردة الأشعري: تناخي عند خير فتى يمان ... إذا النكباء عارضت الشمالا «١» وخيرهم مآثر أهل بيت ... وأكرمهم وإن كرموا فعالا وأبعدهم مسافة غور عقل ... إذا ما الأمر في الشبهات عالا «٢» ولبّس بين أقوام فكل ... أعدّ له الشغازب والمحالا «٣» وكلهم ألدّ له كظاظ ... أعدّ لكل حال القوم حالا «٤» فصلت بحكمة فأصبت منها ... فصوص الحق فانفصل انفصالا

стр. 134

وكان أبو سعيد الرأي، وهو شرشير المدني يعيب أبا حنيفة، فقال الشاعر: عندي مسائل لا شرشير يحسنها ... عند السؤال ولا أصحاب شرشير ولا يصيب فصوص الحقّ نعلمه ... إلا حنيفية كوفية الدور ومما قالوا في الإيجاز، وبلوغ المعاني بالألفاظ اليسيرة، قول ثابت فطنة: ما زلت بعدك في هم يجيش به ... صدري وفي نصب قد كاد يبليني لا أكثر القول فيما يهضبون به ... من الكلام، قليل منه يكفيني «١» إني تذكرت قتلى لو شهدتهم ... في غمرة الموت لم يصلوا بها دوني وقال رجل من طي ومدح كلام رجل فقال: «هذا كلام يكتفى بأولاه، ويشتفى بأخراه» . وقال أبو وجزة السعدي، من سعد بن بكر، يصف كلام رجل: يكفي قليل كلامه وكثيره ... ثبت إذا طال النضال مصيب ومن كلامهم الموجز في أشعارهم العكلي، في صفة قوس: في كفه معطية منوع ... موثقة صابرة جزوع وقال الآخر، ووصف سهم رام أصاب حمارا، فقال: حتى نجا من جوفه وما نجا «٢» وقال الآخر وهو يصف ذئبا:

стр. 135

أطلس يخفي شخصه غباره ... في شدقه شفرته وناره «١» هو الخبيث عينه فراره ... بهم بني محارب مزداره «٢» ووصف الآخر ناقة فقال: خرقاء إلا أنها صناع يصف سرعة نقل يديها ورجليها، إنها تشبه المرأة الخرقاء، وهي الخرقاء في أمرها الطياشة. وقال الآخر ووصف سهما صاردا، فقال: ألقى على مفطوحها مفطوحا ... غادر داء ونجا صحيحا المفطوح الأول للقوس، وهو العريض، وهو ها هنا موضع مقبض القوس. والمفطوح الثاني: السهم العريض. يعني أنه ألقى على مقبض القوس سهما عريضا. وقال الآخر: إنك يا ابن جعفر لا تفلح ... الليل أخفى والنهار أفضح وقالوا في المثل: «الليل أخفى للويل» . وقال رؤبة يصف حمارا: حشرج في الجوف سحيلا وشهق ... حتى يقال ناهق وما نهق الحشرجة: صوت الصدر. والسحيل: صوت الحمار إذا مدّه. والشهيق: أن يقطّع الصوت. وقال بعض ولد العباس بن مرداس السّلمي، في فرس أبي الأعور السلمي:

стр. 136

جاء كلمع البرق جاش ناظرة ... يسبح أولاه ويطفو آخره فما يمس الأرض منه حافره قوله: جاش ناظره، أي جاش بمائه. وناظر البرق: سحابه. يسبح، يعني يمد ضبعيه، فإذا مدهما علا كفله. وقال الآخر: إن سرك الأهون فابدأ بالأشد وقال العجّاج: مكّن السيف إذا السيف انأطر ... من هامة الليث إذا ما الليث هر كجمل البحر إذا خاض جسر ... غوارب اليمّ إذا اليم هدر حتى يقال حاسر وما حسر قالوا: جمل البحر سمكة طولها ثلاثون ذراعا. يقول: هذا الرجل يبعد كما تبعد هذه السمكة بجسارة، لا يردها شيء، حتى يقال كاشف وما انكشف البحر. يقال: البحر حاسر وجازر. يقول: حتى يحسب الناس من ضخم ما يبدو من هذا الجمل، أن الماء قد نضب عنه، وإن البحر حاسر. وقال آخر: يا دار قد غيّرها بلاها ... كأنما بقلم محاها أخربها عمران من بناها ... وكرّ ممساها على مغناها وطفقت سحابة تغشاها ... تبكي على عراصها عيناها قوله: أخربها عمران من بناها، يقول: عمّرها بالخراب. وأصل العمران مأخوذ من العمر، وهو البقاء، فإذا بقي الرجل في داره فقد عمرها. فيقول: إن مدة بقائه فيها وقام مقام العمران في غيرها، سمي بالعمران. وقال الشاعر: يا عجّل الرحمن بالعذاب ... لعامرات البيت بالخراب يعني الفار. يقول: هذا عمرانها، كما يقول الرجل: «ما نرى من خيرك ورفدك، إلا ما يبلغنا من خطبك علينا، وفتّك في أعضادنا» .

стр. 137

وقال الله : هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ . والعذاب لا يكون نزلا، ولكن لما قام العذاب لهم في موضع النعيم لغيرهم، سمي باسمه. وقال الآخر: فقلت أطعمني عمير تمرا ... فكان تمري كهرة وزبرا «١» والتمر لا يكون كهرة ولا زبرا، ولكنه على ذا. وقال الله : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ، وليس في الجنة بكرة ولا عشي، ولكن على مقدار البكر والعشيات. وعلى هذا قول الله : وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ . والخزنة: الحفظة. وجهنم لا يضيع منها شيء فيحفظ ولا يختار دخولها إنسان فيمنع منها، ولكن لما قامت الملائكة مقام الحافظ الخازن سميت به. قوله: ممساها، يعني مساءها. ومغناها: موضعها الذي أقيم فيه. والمغاني: المنازل التي كان بها أهلوها. وطفقت، يعني ظلت. تبكي على عراصها عيناها، عيناها ها هنا للسحاب. وجعل المطر بكاء من السحاب على طريق الاستعارة، وتسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه. ويقال لكل جوبة منفتقة ليس فيها بناء: عرصة. وقال أبو عمرو بن العلاء: اجتمع ثلاثة من الرواة فقال لهم قائل: أي نصف بيت شعر أحكم وأوجز؟ فقال أحدهم: قول حميد بن ثور الهلالي: وحسبك داء أن تصح وتسلما ولعل حميدا أن يكون أخذه عن النمر بن تولب، فإن النمر قال: يحبّ الفتى طول السلامة والغنى ... فكيف ترى طول السلامة يفعل وقال أبو العتاهية:

стр. 138

أسرع في نقص امرىء تمامه ذهب إلى كلام الأول: «كل ما أقام شخص، وكل ما ازداد نقص، ولو كان الناس يميتهم الداء، إذا لأعاشهم الدواء» . وقال الثاني من الرواة الثلاثة: بل قول أبي خراش الهذلي «١» : نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي وقال الثالث من الرواة: بل قول أبي ذؤيب الهذلي: وإذا ترد إلى قليل تقنع فقال قائل: هذا من مفاخر هذيل: أن يكون ثلاثة من الرواة لم يصيبوا في جميع أشعار العرب إلا ثلاثة أنصاف، اثنان منها لهذيل وحدها. فقيل لهذا القائل: إنما كان الشرط أن يأتوا بثلاثة أنصاف مستغنيات بأنفسها، والنصف الذي لأبي ذؤيب لا يستغنى بنفسه، ولا يفهم السامع معنى هذا النصف حتى يكون موصولا بالنصف الأول، لأنك إذا أنشدت رجلا لم يسمع بالنصف الأول وسمع: وإذا ترد إلى قليل تقنع قال: من هذه التي ترد إلى قليل فتقنع. وليس المضمن كالمطلق. وليس هذا النصف مما رواه هذا العالم، وإنما الرواية قوله: والدهر ليس بمعتب من يجزع ومما مدحوا به الإيجاز والكلام الذي هو كالوحي والإشارة، قول أبي دؤاد ابن حريز الإياديّ: يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء

стр. 139

فمدح كما ترى الإطالة في موضعها، والحذف في موضعه. ومما يدل على شغفهم وكلفهم، وشدة حبهم للفهم والإفهام، قول الأسدي في صفة كلام رجل نعت له موضعا من تلك السباسب التي لا أمارة فيها، بأقلّ اللفظ وأوجزه، فوصف إيجاز الناعت، وسرعة فهم المنعوت له، فقال: بضربة نعت لم تعد غير أنني ... عقول لأوصاف الرجال ذكورها وهذا كقولهم لابن عباس: أنّى لك هذا العلم؟ قال: «قلب عقول، ولسان سؤول» . وقال الراجز: ومهمهين قدفين مرتين ... جبتهما بالنعت لا بالنعتين «١» ظهراهما مثل ظهور الترسين ... قطعته بالأمّ لا بالسمتين وقالوا في التحذير من ميسم الشعر، ومن شدة وقع اللسان، ومن بقاء أثره على الممدوح والمهجو، قال امرؤ القيس بن حجر: ولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد وقال طرفة بن العبد: بحسام سيفك أو لسانك والكلم ... الأصيل كأرغب الكلم قال: وأنشدني محمد بن زياد «٢» : لحيت شماسا كما تلحى العصي ... سبّا لو أن السب يدمي لدمي

стр. 140

من نفر كلهم نكس دني ... محامد الرذل مشاتيم السّري مخابط العكم مواديع المطي ... متارك الرفيق بالخرق النّطي «١» وأنشد محمد بن زياد: تمنى أبو العفّاق عندي هجمة ... تسهّل مأوى ليلها بالكلاكل ولا عقل عندي غير طعن نوافذ ... وضرب كأشداق الفصال الهوادل وسب يود المرء لو مات قبله ... كصدع الصفا فلّقته بالمعاول الهجمة: القطعة من النوق فيها فحل. والكلكل: الصدر. والفصال: جمع فصيل، وهو ولد الناقة إذا فصل عنها. والهوادل: العظام المشافر. والعقل ها هنا الدية. والعاقلة: أهل القاتل الأدنون والأبعدون. والصفا: جمع صفاة وهي الصخرة. وقال طرفة: رأيت القوافي يتّلجن موالجا ... تضايق عنها إن تولّجها الأبر وقال الأخطل: حتى أقروا وهم مني على مضض ... والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر وقال العمانيّ: إذ هن في الريط وفي الموادع ... ترمى إليهنّ كبذر الزارع الريط: الثياب، واحدها ريطة، والريطة: كل ملاءة لم تكن لفقين. والحلة لا تكون إلا ثوبين. والموادع: الثياب التي تصون غيرها، واحدها ميدعة. وقالوا: «الحرب أولها شكوى، وأوسطها نجوى، وآخرها بلوى» . وكتب نصر بن سيار، إلى ابن هبيرة، أيام تحرك أمر السواد بخراسان:

стр. 141

أرى خلل الرماد وميض جمر ... فيوشك أن يكون له اضطرام فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها الكلام فقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام فإن كانوا لحينهم نياما ... فقل قوموا فقد طال المنام وقال بعض المولدين: إذا نلت العطيّة بعد مطل ... فلا كانت، وإن كانت جزيله فسقيا للعطية ثم سقيا ... إذا سهلت، وإن كانت قليله وللشعراء ألسنة حداد ... على العورات موفية دليله ومن عقل الكريم إذا اتقاهم ... وداراهم مداراة جميله إذا وضعوا مكاويهم عليه، ... وإن كذبوا، فليس لهنّ حيله «١» وقالوا: «مذاكرة الرجال تلقيح لألبابها» . ومما قالوا في صفة اللسان قول الأسدي، أنشدنيها ابن الأعرابي: وأصبحت أعددت للنائبا ... ت عرضا بريئا وعضبا صقيلا «٢» ووقع لسان كحد السنا ... ن ورمحا طويل القناة عسولا «٣» وقال الأعشى: وأدفع عن أعراضكم وأعيركم ... لسانا كمقراض الخفاجيّ ملحبا الملحب: القاطع. الخفاجي: رجل اسكاف منسوب إلى خفاجة.

стр. 142

وقال ابن هرمة: قل للذي ظل ذا لونين يأكلني ... لقد خلوت بلحم عادم البشم إياك لا ألزمن لحييك من لجمي ... نكلا ينكل قرّاصا من اللجم «١» إني امرؤ لا أصوغ الحلي تعمله ... كفّاي، لكن لساني صائغ الكلم وقال الآخر: إني بغيت الشعر وابتغاني ... حتى وجدت الشعر في مكاني في عيبة مفتاحها لساني وأنشد: إني وإن كان ردائي خلقا ... وبرنكاني سملا قد أخلقا «٢» قد جعل الله لساني مطلقا [الفصاحة واللحن] قال أبو عثمان «٣» : والعتّابيّ حين زعم أن كلّ من أفهمك حاجته فهو بليغ فلم يعن أن كل من أفهمنا من معاشر المولدين والبلديين قصده ومعناه، بالكلام الملحون، والمعدول عن جهته، والمصروف عن حقه، إنه محكوم له بالبلاغة كيف كان بعد أن نكون قد فهمنا عنه. ونحن قد فهمنا معنى كلام النبطي الذي قيل له: لم اشتريت هذه الأتان؟ قال: «اركبها وتلد لي» . وقد علمنا أن معناه كان صحيحا. وقد فهمنا قول الشيخ الفارسي حين قال لأهل مجلسه: «ما من شر من دين» وإنه قال حين قيل له: ولم ذاك يا أبا فلان؟ قال: «من جرّى يتعلقون» . وما نشك أنه قد ذهب مذهبا، وأنه كما قال.

стр. 143

وقد فهمنا معنى قول أبي الجهير الخراساني النخاس، حين قال له الحجاج أتبيع الدواب المعيبة من جند السلطان؟ قال: «شريكاننا في هوازها، وشريكاننا في مداينها. وكما تجيء نكون» . قال الحجاج: ما تقول، ويلك! فقال بعض من قد كان اعتاد سماع الخطأ وكلام العلوج بالعربية حتى صار يفهم مثل ذلك: يقول: شركاؤنا بالأهواز وبالمدائن يبعثون إلينا بهذه الدواب، فنحن نبيعها على وجوهها. وقلت لخادم لي: في أي صناعة أسلموا هذا الغلام؟ قال: «في أصحاب سند نعال» يريد: في أصحاب النعال السندية. وكذلك قول الكاتب المغلاق للكاتب الذي دونه: «اكتب لي قل خطين وريحني منه» . فمن زعم أن البلاغة أن يكون السامع يفهم معنى القائل، جعل الفصاحة واللكنة، والخطأ والصواب، والاغلاق والإبانة، والملحون والمعرب، كله سواء، وكله بيانا. وكيف يكون ذلك كله بيانا، ولولا طول مخالطه السامع للعجم وسماعه للفاسد من الكلام، لما عرفه. ونحن لم نفهم عنه إلا للنقص الذي فينا. وأهل هذه اللغة وأرباب هذا البيان لا يستدلون على معاني هؤلاء بكلامهم كما لا يعرفون رطانة الرومي والصقلبي، وإن كان هذا الاسم إنما يستحقونه بأنّا نفهم عنهم كثيرا من حوائجهم. فنحن قد نفهم بحمحمة الفرس كثيرا من إرادته. وكذلك الكلب، والحمار، والصبي الرضيع. وإنما عنى العتابي إفهامك العرب حاجتك على مجاري كلام العرب الفصحاء. وأصحاب هذه اللغة لا يفقهون قول القائل منا: «مكره أخاك لا بطل» . و: «إذا عز أخاك فهن» . ومن لم يفهم هذا لم يفهم قولهم: ذهبت إلى أبو زيد، ورأيت أبي عمرو. ومتى وجد النحويون أعرابيا يفهم هذا وأشباهه بهرجوه ولم يسمعوا منه، لأن ذلك يدل على طول إقامته في الدار التي تفسد اللغة وتنقص البيان. لأن تلك اللغة إنما انقادت واستوت، واطردت وتكاملت، بالخصال التي اجتمعت لها في تلك الجزيرة، وفي تلك الجيرة. ولفقد الخطأ من جميع الأمم.

стр. 144

ولقد كان بين زيد بن كثوة يوم قدم علينا البصرة، وبينه يوم مات بون بعيد، على أنه قد كان وضع منزله في آخر موضع الفصاحة وأول موضع العجمة، وكان لا ينفك من رواة ومذاكرين. وزعم أصحابنا البصريون عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: لم أر قرويين أفصح من الحسن والحجاج، وكان- زعموا- لا يبرّئهما من اللحن. وزعم أبو العاصي أنه لم ير قرويا قط لا يلحن في حديثه، وفيما يجري بينه وبين الناس، إلا ما تفقده من أبي زيد النحوي، ومن أبي سعيد المعلم. وقد روى أصحابنا أن رجلا من البلديين قال لأعرابي: «كيف أهلك» قالها بكسر اللام. قال الأعرابي: صلبا. لأنه أجابه على فهمه، ولم يعلم أنه أراد المسألة عن أهله وعياله. وسمعت ابن بشير وقال له أبو الفضل العنبريّ: إني عثرت البارحة بكتاب، وقد التقطته، وهو عندي، وقد ذكروا أن فيه شعرا، فإن أردته وهبته لك. قال ابن بشير: أريده إن كان مقيّدا. قال: والله ما أدري أمقيّد هو أم مغلول. ولو عرف التقييد لم يلتفت إلى روايته. وحكى الكسائي أنه قال لغلام بالبادية: من خلقك؟ وجزم القاف، فلم يدر ما قال، ولم يجبه، فرد عليه السؤال فقال الغلام: لعلك تريد من خلقك. وكان بعض الأعراب إذا سمع رجلا يقول نعم في الجواب، قال: «نعم وشاء؟» ، لأن لغته نعم. وقيل لعمر بن لجأ: قل «إنا من المجرمين منتقمين» . قال: (إنّا من المجرمين منتقمون) . وأنشد الكسائي كلاما دار بينه وبين بعض فتيان البادية فقال: عجب ما عجب أعجبني ... من غلام حكمي أصلا قلت هل أحسست ركبا نزلوا ... حضنا ما دونه قال هلا «١»

стр. 145

قلت بيّن ما هلا هل نزلوا ... قال حوبا ثم ولى عجلا «١» لست أدري عندها ما قال لي ... أنعم ما قال لي أم قال لا تلك منه لغة تعجبني ... زادت القلب خبالا خبلا «٢» قال أبو الحسن: قال مولى زياد: أهدوا لنا همار وهش. قال: أي شيء تقول ويلك؟ قال: «أهدوا لنا أيرا» ، يريد: أهدوا لنا عيرا. قال زياد: ويلك، الأول خير. وقال الشاعر يذكر جارية له لكناء: أكثر ما أسمع منها بالسحر ... تذكيرها الأنثى وتأنيث الذكر والسوأة السوآء في ذكر القمر فزياد قد فهم عن مولاه، والشاعر قد فهم عن جاريته ولكنهما لم يفهما عنهما من جهة افهامهما لهما، ولكنهما لما طال مقامهما في الموضع الذي يكثر فيه سماعهما لهذا الضرب، صارا يفهمان هذا الضرب من الكلام. [مديح اللسان] ذكر ما قالوا في مديح اللسان بالشعر الموزون واللفظ المنثور، وما جاء في الأثر وصح به الخبر. قال الشاعر: أرى الناس في الأخلاق أهل تخلق ... وأخبارهم شتى فعرف ومنكر قريبا تدانيهم إذا ما رأيتهم ... ومختلفا ما بينهم حين تخبر فلا تحمدن الدهر ظاهر صفحة ... من المرء ما لم تبل ما ليس يظهر
следующие страницы →