Полный текст (863 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أرى خلل الرماد وميض جمر ... فيوشك أن يكون له اضطرام
فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها الكلام
فقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام
فإن كانوا لحينهم نياما ... فقل قوموا فقد طال المنام
وقال بعض المولدين:
إذا نلت العطيّة بعد مطل ... فلا كانت، وإن كانت جزيله
فسقيا للعطية ثم سقيا ... إذا سهلت، وإن كانت قليله
وللشعراء ألسنة حداد ... على العورات موفية دليله
ومن عقل الكريم إذا اتقاهم ... وداراهم مداراة جميله
إذا وضعوا مكاويهم عليه، ... وإن كذبوا، فليس لهنّ حيله «١»
وقالوا: «مذاكرة الرجال تلقيح لألبابها» .
ومما قالوا في صفة اللسان قول الأسدي، أنشدنيها ابن الأعرابي:
وأصبحت أعددت للنائبا ... ت عرضا بريئا وعضبا صقيلا «٢»
ووقع لسان كحد السنا ... ن ورمحا طويل القناة عسولا «٣»
وقال الأعشى:
وأدفع عن أعراضكم وأعيركم ... لسانا كمقراض الخفاجيّ ملحبا
الملحب: القاطع.
الخفاجي: رجل اسكاف منسوب إلى خفاجة.
стр. 142
وقال ابن هرمة:
قل للذي ظل ذا لونين يأكلني ... لقد خلوت بلحم عادم البشم
إياك لا ألزمن لحييك من لجمي ... نكلا ينكل قرّاصا من اللجم «١»
إني امرؤ لا أصوغ الحلي تعمله ... كفّاي، لكن لساني صائغ الكلم
وقال الآخر:
إني بغيت الشعر وابتغاني ... حتى وجدت الشعر في مكاني
في عيبة مفتاحها لساني
وأنشد:
إني وإن كان ردائي خلقا ... وبرنكاني سملا قد أخلقا «٢»
قد جعل الله لساني مطلقا
[الفصاحة واللحن]
قال أبو عثمان «٣» : والعتّابيّ حين زعم أن كلّ من أفهمك حاجته فهو بليغ فلم يعن أن كل من أفهمنا من معاشر المولدين والبلديين قصده ومعناه، بالكلام الملحون، والمعدول عن جهته، والمصروف عن حقه، إنه محكوم له بالبلاغة كيف كان بعد أن نكون قد فهمنا عنه. ونحن قد فهمنا معنى كلام النبطي الذي قيل له: لم اشتريت هذه الأتان؟ قال: «اركبها وتلد لي» . وقد علمنا أن معناه كان صحيحا.
وقد فهمنا قول الشيخ الفارسي حين قال لأهل مجلسه: «ما من شر من دين» وإنه قال حين قيل له: ولم ذاك يا أبا فلان؟ قال: «من جرّى يتعلقون» . وما نشك أنه قد ذهب مذهبا، وأنه كما قال.
стр. 143
وقد فهمنا معنى قول أبي الجهير الخراساني النخاس، حين قال له الحجاج أتبيع الدواب المعيبة من جند السلطان؟ قال: «شريكاننا في هوازها، وشريكاننا في مداينها. وكما تجيء نكون» . قال الحجاج: ما تقول، ويلك! فقال بعض من قد كان اعتاد سماع الخطأ وكلام العلوج بالعربية حتى صار يفهم مثل ذلك: يقول: شركاؤنا بالأهواز وبالمدائن يبعثون إلينا بهذه الدواب، فنحن نبيعها على وجوهها.
وقلت لخادم لي: في أي صناعة أسلموا هذا الغلام؟ قال: «في أصحاب سند نعال» يريد: في أصحاب النعال السندية. وكذلك قول الكاتب المغلاق للكاتب الذي دونه: «اكتب لي قل خطين وريحني منه» .
فمن زعم أن البلاغة أن يكون السامع يفهم معنى القائل، جعل الفصاحة واللكنة، والخطأ والصواب، والاغلاق والإبانة، والملحون والمعرب، كله سواء، وكله بيانا. وكيف يكون ذلك كله بيانا، ولولا طول مخالطه السامع للعجم وسماعه للفاسد من الكلام، لما عرفه. ونحن لم نفهم عنه إلا للنقص الذي فينا. وأهل هذه اللغة وأرباب هذا البيان لا يستدلون على معاني هؤلاء بكلامهم كما لا يعرفون رطانة الرومي والصقلبي، وإن كان هذا الاسم إنما يستحقونه بأنّا نفهم عنهم كثيرا من حوائجهم. فنحن قد نفهم بحمحمة الفرس كثيرا من إرادته. وكذلك الكلب، والحمار، والصبي الرضيع.
وإنما عنى العتابي إفهامك العرب حاجتك على مجاري كلام العرب الفصحاء. وأصحاب هذه اللغة لا يفقهون قول القائل منا: «مكره أخاك لا بطل» . و: «إذا عز أخاك فهن» . ومن لم يفهم هذا لم يفهم قولهم: ذهبت إلى أبو زيد، ورأيت أبي عمرو. ومتى وجد النحويون أعرابيا يفهم هذا وأشباهه بهرجوه ولم يسمعوا منه، لأن ذلك يدل على طول إقامته في الدار التي تفسد اللغة وتنقص البيان. لأن تلك اللغة إنما انقادت واستوت، واطردت وتكاملت، بالخصال التي اجتمعت لها في تلك الجزيرة، وفي تلك الجيرة.
ولفقد الخطأ من جميع الأمم.
стр. 144
ولقد كان بين زيد بن كثوة يوم قدم علينا البصرة، وبينه يوم مات بون بعيد، على أنه قد كان وضع منزله في آخر موضع الفصاحة وأول موضع العجمة، وكان لا ينفك من رواة ومذاكرين.
وزعم أصحابنا البصريون عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: لم أر قرويين أفصح من الحسن والحجاج، وكان- زعموا- لا يبرّئهما من اللحن.
وزعم أبو العاصي أنه لم ير قرويا قط لا يلحن في حديثه، وفيما يجري بينه وبين الناس، إلا ما تفقده من أبي زيد النحوي، ومن أبي سعيد المعلم.
وقد روى أصحابنا أن رجلا من البلديين قال لأعرابي: «كيف أهلك» قالها بكسر اللام. قال الأعرابي: صلبا. لأنه أجابه على فهمه، ولم يعلم أنه أراد المسألة عن أهله وعياله.
وسمعت ابن بشير وقال له أبو الفضل العنبريّ: إني عثرت البارحة بكتاب، وقد التقطته، وهو عندي، وقد ذكروا أن فيه شعرا، فإن أردته وهبته لك. قال ابن بشير: أريده إن كان مقيّدا. قال: والله ما أدري أمقيّد هو أم مغلول. ولو عرف التقييد لم يلتفت إلى روايته.
وحكى الكسائي أنه قال لغلام بالبادية: من خلقك؟ وجزم القاف، فلم يدر ما قال، ولم يجبه، فرد عليه السؤال فقال الغلام: لعلك تريد من خلقك.
وكان بعض الأعراب إذا سمع رجلا يقول نعم في الجواب، قال: «نعم وشاء؟» ، لأن لغته نعم. وقيل لعمر بن لجأ: قل «إنا من المجرمين منتقمين» . قال: (إنّا من المجرمين منتقمون) .
وأنشد الكسائي كلاما دار بينه وبين بعض فتيان البادية فقال:
عجب ما عجب أعجبني ... من غلام حكمي أصلا
قلت هل أحسست ركبا نزلوا ... حضنا ما دونه قال هلا «١»
стр. 145
قلت بيّن ما هلا هل نزلوا ... قال حوبا ثم ولى عجلا «١»
لست أدري عندها ما قال لي ... أنعم ما قال لي أم قال لا
تلك منه لغة تعجبني ... زادت القلب خبالا خبلا «٢»
قال أبو الحسن: قال مولى زياد: أهدوا لنا همار وهش. قال: أي شيء تقول ويلك؟ قال: «أهدوا لنا أيرا» ، يريد: أهدوا لنا عيرا. قال زياد:
ويلك، الأول خير.
وقال الشاعر يذكر جارية له لكناء:
أكثر ما أسمع منها بالسحر ... تذكيرها الأنثى وتأنيث الذكر
والسوأة السوآء في ذكر القمر
فزياد قد فهم عن مولاه، والشاعر قد فهم عن جاريته ولكنهما لم يفهما عنهما من جهة افهامهما لهما، ولكنهما لما طال مقامهما في الموضع الذي يكثر فيه سماعهما لهذا الضرب، صارا يفهمان هذا الضرب من الكلام.
[مديح اللسان]
ذكر ما قالوا في مديح اللسان بالشعر الموزون واللفظ المنثور، وما جاء في الأثر وصح به الخبر.
قال الشاعر:
أرى الناس في الأخلاق أهل تخلق ... وأخبارهم شتى فعرف ومنكر
قريبا تدانيهم إذا ما رأيتهم ... ومختلفا ما بينهم حين تخبر
فلا تحمدن الدهر ظاهر صفحة ... من المرء ما لم تبل ما ليس يظهر
стр. 146
فما المرء إلا الأصغران: لسانه ... ومعقوله، والجسم خلق مصور
وما الزين في ثوب تراه وإنما ... يزين الفتى مخبوره حين يخبر
فإن طرّة راقتك منه فربما ... أمر مذاق العود والعود أخضر
وقال سويد بن أبي كاهل في ذلك:
ودعتني برقاها إنها ... تنزل الأعصم من رأس اليفع «١»
تسمع الحدّاث قولا حسنا ... لو أرادوا مثله لم يستطع
ولسانا صيرفيا صارما ... كذباب السيف ما مسّ قطع «٢»
وقال جرير:
وليس لسيفي في العظام بقية ... وللسيف أشوى وقعة من لسانيا
وقال آخر:
وجرح السيف تدمله فيبرا ... ويبقى الدهر ما جرح اللسان
وقال آخر:
أبا ضبيعة لا تعجل بسيئة ... إلى ابن عمك واذكره بإحسان
أما تراني وأثوابي مقاربة ... ليست بخز ولا من حر كتان «٣»
فإن في المجد همّاتي وفي لغتي ... علوية ولساني غير لحّان
وفيما مدحوا به الأعرابي إذا كان أديبا، أنشدني ابن أبي كريمة، أو ابن كريمة، واسمه أسود:
ألا زعمت عفراء بالشام إنني ... غلام جوار لا غلام حروب
стр. 147
وإني لأهذي بالأوانس كالدمى ... وإني بأطراف القنا للعوب
وإني على ما كان من عنجهيتي ... ولوثة أعرابيتي لأديب «١»
وقال ابن هرمة:
لله درّك من فتى فجعت به ... يوم البقيع حوادث الأيام
هش إذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدب الخدام
فإذا رأيت شقيقه وصديقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحام
وقال كعب بن سعد الغنوي:
حبيب إلى الزوار غشيان بيته ... جميل المحيا شبّ وهو أديب
إذا ما تراءاه الرجال تحفظوا ... فلم تنطق العوراء وهو قريب «٢»
وقال الحارثي.
وتعلم أني ماجد وتروعها ... بقية أعرابية في مهاجر
وقال الآخر:
وإن امرأ في الناس يعطى ظلامة ... ويمنع نصف الحق منه لرائع
أألموت يخشى أثكل الله أمّه ... أم العيش يرجو نفعه وهو ضائع
ويطعم ما لم يندفع في مريئه ... ويمسح أعلى بطنه وهو جائع
وأن العقول فاعلمن أسنة ... حداد النواحي أرهفتها المواقع «٣»
ويقولون: «كأن لسانه لسان ثور» .
وحدثني من سمع أعرابيا يمدح رجلا برقة اللسان فقال: «كأن والله لسانه أرق من ورقة، وألين من سرقة» «٤» .
стр. 148
وقال النبي صلّى الله عليه وآله لحسان بن ثابت: ما بقي من لسانك؟ فأخرج لسانه حتى ضرب بطرفه أرنبته. ثم قال: «والله ما يسرني به مقول من معد، والله إن لو وضعته على حجر لفلقه، أو على شعر لحلقه» .
قال: وسمعت أعرابيا يصف بلسانه رجل، فقال: «كان يشول بلسانه شولان البروق، ويتخلل به تخلل الحية» . وأظن هذا الأعرابي أبا الوجيه العكليّ.
يشول: يرفع. البروق: الناقة إذا طلبت الفحل فإنها حينئذ ترفع ذنبها.
وإنما سمي شوّال شوّالا لأن النوق شالت بأذنابها فيه. فإن قال قائل: قد يتفق أن يكون شوّال في وقت لا تشول الناقة بذنبها فيه، فلم بقي هذا الاسم عليه، وقد ينتقل ما له لزم عنه، قيل له: إنما جعل هذا الاسم له سمة حيث اتفق أن شالت النوق بأذنابها فيه، فبقي عليه كالسمة، وكذلك رمضان إنما سمي لرمض الماء فيه وهو في شدة الحر، فبقي عليه في البرد. وكذلك ربيع، إنما سمي لرعيهم الربيع فيه، وإن كان قد يتفق هذا الاسم في وقت البرد والحر.
قال: ووصف أعرابي رجلا فقال: أتيناه فأخرج لسانه كأنه مخراق لاعب «١» .
قال وقال العباس بن عبد المطلب للنبي صلّى الله عليه وآله: يا رسول الله، فيم الجمال؟ قال: في اللسان.
قال: وكان مجاشع بن دارم خطيبا سليطا، وكان نهشل بكيئا منزورا «٢» ، فلما خرجا من عند بعض الملوك عذله مجاشع في تركه الكلام، فقال له نهشل: إني والله لا أحسن تكذابك ولا تأثامك، تشول بلسانك شولان البروق، وتخلل تخلل الباقرة.
وقالوا: أعلى جميع الخلق مرتبة الملائكة، ثم الإنس، ثم الجن.
стр. 149
وإنما صار لهؤلاء المزية على جميع الخلق بالعقل، وبالاستطاعة على التصرف، وبالمنطق.
قال: وقال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة، أو بهيمة مهملة.
قال: وقال رجل لخالد بن صفوان: ما لي إذا رأيتكم تتذاكرون الأخبار وتتدارسون الآثار، وتتناشدون الأشعار، وقع عليّ النوم؟ قال: لأنك حمار في مسلاخ إنسان «١» .
وقال صاحب المنطق «٢» : حد الإنسان الحي الناطق المبين.
وقال الأعور الشني «٣» :
وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
ولما دخل ضمرة بن ضمرة، على النعمان بن المنذر، زرى عليه، للذي رأى من دمامته وقصره وقلته. فقال النعمان: «تسمع بالمعيديّ لا أن تراه» .
فقال: أبيت اللعن! إن الرجال لا تكال بالقفزان، ولا توزن بالميزان، وليست بمسوك يستقى بها، وإنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، إن صال صال بجنان، وإن قال قال ببيان» .
واليمانية تجعل هذا للصقعب النهدي. فإن كان ذلك كذلك فقد أقروا بأن نهدا من معد «٤» .
стр. 150
وكان يقال: «عقل الرجل مدفون تحت لسانه» .
أبو الحسن: قال: قال الحسن: «لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام تفكر، فإن كان له قال، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل من وراء لسانه، فإن همّ بالكلام تكلم به له أو عليه» .
قال أبو عبيدة: قال أبو الوجيه: حدثني الفرزدق قال: كنا في ضيافة معاوية بن أبي سفيان، ومعنا كعب بن جعيل التغلبي، فقال له يزيد: إن ابن حسان- يريد عبد الرحمن بن حسان- قد فضحنا! فاهج الأنصار. قال: أرادّي أنت إلى الإشراك بعد الإيمان، لا أهجو قوما نصروا رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولكني أدلك على غلام منا نصراني كأن لسانه لسان ثور. يعني الأخطل.
وقال سعد بن أبي وقاص، لعمر ابنه حين نطق مع القوم فبذّهم، وقد كانوا كلموه في الرضا عنه. قال: هذا الذي أغضبني عليه، إني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: «يكون قوم يأكلون الدنيا بألسنتهم، كما تلحس الأرض البقرة بلسانها» .
قال: وقال معاوية لعمرو بن العاص: «يا عمرو، إن أهل العراق قد أكرهوا عليّا على أبي موسى، وأنا وأهل الشام راضون بك، وقد ضم إليك رجل طويل اللسان، قصير الرأي، فأجد الحز، وطبق المفصل، ولا تلقه برأيك كله» .
والعجب من قول ابن الزبير للأعراب: «سلاحكم رث، وحديثكم غث. وكيف يكون هذا وقد ذكروا أنه كان من أحسن الناس حديثا، وأن أبا نضرة وعبيد الله بن أبي بكرة إنما كانا يحكيانه. فلا أدري إلا أن يكون حسن حديثه هو الذي ألقى الحسد بينه وبين كلّ حسن الحديث.
وقد ذكروا أن خالد بن صفوان تكلم في بعض الأمر، فأجابه رجل من أهل المدينة بكلام لم يظن خالد أن ذلك الكلام كان عنده، فلما طال بهما المجلس كأن خالدا عرض له ببعض الأمر، فقال المدني: «يا أبا صفوان، ما لي من ذنب إلا إتفاق الصناعتين» . ذكر ذلك الأصمعي.
стр. 151
قال فضّال الأزرق: قال رجل من بني منقر: تكلم خالد بن صفوان في صلح بكلام لم يسمع الناس قبله مثله، فإذا أعرابي في بتّ «١» ، ما في رجليه حذاء، فأجابه بكلام وددت والله أني كنت متّ وإن ذلك لم يكن، فلما رأى خالد ما نزل بي قال: يا أخا منقر، كيف نجاريهم، وإنما نحكيهم، وكيف نسابقهم وإنما نجري على ما سبق إلينا من أعراقهم، فليفرخ روعك فإنه من مقاعس، ومقاعس لك. فقلت: يا أبا صفوان، والله ما ألومك على الأولى، ولا أدع حمدك على الأخرى.
قال أبو اليقظان: قال عمر بن عبد العزيز: «ما كلمني رجل من بني أسد إلا تمنيت أن يمد له في حجته حتى يكثر كلامه فأسمعه» .
وقال يونس بن حبيب «٢» : ليس في بني أسد إلا خطيب، أو شاعر، أو قائف، أو زاجر، أو كاهن، أو فارس. قال: وليس في هذيل إلا شاعر أو رام، أو شديد العدو.
الترجمان بن هريم بن عدي بن أبي طحمة «٣» قال: دعي رقبة بن مصقلة، أو كرب بن رقبة إلى مجلس ليتكلم فيه، فرأى مكان أعرابي في شملة، فأنكر موضعه، فسأل الذي عن يمينه عنه فخبره أنه الذي أعدوه لجوابه، فنهض مسرعا لا يلوي على شيء، كراهة أن يجمع بين الديباجتين فيتضع عند الجميع.
وقال خلاد بن يزيد: لم يكن أحد بعد أبي نضرة أحسن حديثا من سلم ابن قتيبة. قال: وكان يزيد بن عمر بن هبيرة يقول: احذفوا الحديث كما يحذفه سلم بن قتيبة.
стр. 152
ويزعمون أنهم لم يروا محدثا قط صاحب آثار كان أجود حذفا وأحسن اختصارا للحديث من سفيان بن عيينة «١» . سألوه مرة عن قول طاوس في ذكاة الجراد، فقال: ابنه عنه: «ذكاته «٢» صيده» .
[مديح قوة العارضة]
وكانوا يمدحون شدة العارضة، وقوة المنة، وظهور الحجة، وثبات الجنان، وكثرة الريق، والعلو على الخصم، ويهجون بخلاف ذلك.
قال الشاعر:
طباقاء لم يشهد خصوما ولم يعش ... حميدا ولم يشهد حلالا ولا عطرا
وقال أبو زبيد الطائيّ:
وخطيب إذا تمعرت الأو ... جه يوما في مأقط مشهود «٣»
طباقاء، يقال للبعير إذا لم يحسن الضراب: جمل عياياء، وجمل طباقاء. وهو ها هنا للرجل الذي لا يتجه للحجة. الحلال: الجماعات.
ويقال حي حلال إذا كانوا متجاورين مقيمين. والعطر هنا: العرس المأقط: الموضع الضيق، والمأقط: الموضع الذي يقتتل فيه. وقال نافع بن خليفة الغنوي:
وخصم لدى باب الأمير كأنهم ... قروم فشا فيها الزوائر والهدر
دلفت لهم دون المنى بملمة ... من الدرّ في أعقاب جوهرها شذر
إذا القوم قالوا أدن منها وجدتها ... مطبّقة يهماء ليس لها خصر
القروم: الجمال المصاعب. الزوائر: الذين يزثرون. والهدر: صوته عند هيجه، ويقال له الهدير. دلفت، أي نهضت نهوضا رويدا. والدليف:
стр. 153
المشي الرويد. قوله أدن منها، أي قللها واختصرها. وجدتها مطبقة، أي قد طبقتهم بالحجة. واليهماء: الأرض التي لا يهتدى فيها الطريق. ويهماء ها هنا، يعني التي لا يهتدي إليها ويضل الخصوم عندها، (والأيهم من الرجال: الحائر الذي لا يهتدي لشيء. وأرض يهماء، إذا لم يكن فيها علامة) .
وقال الأسلع بن قصاف الطّهويّ:
فداء لقومي كل معشر حارم ... طريد ومخذول بما جرّ مسلم «١»
هم أفحموا الخصم الذي يستقيدني ... وهم فصموا حجلي وهم حقنوا دمي «٢»
بأيد يفرّجن المضيق وألسن ... سلاط وجمع ذي زهاء عرمرم
إذا شئت لم تعدم لدى الباب منهم ... جميل المحيا واضحا غير توأم
الزهاء: الكثرة، ها هنا. والعرموم من العرامة، وهي الشراسة والشدة.
التوأمان: الأخوان المولودان في بطن.
وقال التميميّ في ذلك:
أما رأيت الألسن السلاطا ... إن الندى حيث ترى الضغاطا «٣»
والجاه والأقدام والنشاطا
ذهب في البيت الأخير إلى قول الشاعر:
يسقط الطير حيث ينتثر الح ... بّ وتغشى منازل الكرماء
وإلى قول الآخر:
يرفضّ عن بيت الفقير ضيوفه ... وترى الغنى يهدي لك الزوارا
стр. 154
وأنشدوا في المعنى الأول:
وخطيب قوم قدموه أمامهم ... ثقة به متخمّط تيّاح
جاوبت خطبته فظل كأنه ... لما خطبت مملّح بملاح
المتخمط: المتكبر مع غضب. والتياح المتيح: الذي يعرض في كل شيء ويدخل فيما لا يعنيه. وقوله مملّح بملاح، أي متقبّض كأنه ملح من الملح.
وأنشد أيضا:
أرقت لضوء برق في نشاص ... تلألأ في مملأة غصاص
النشاص: السحاب الأبيض المرتفع بعضه فوق بعض، وليس بمنبسط.
تلألأ، التلألؤ: ظهور البرق في سرعة. مملأة بالماء غصاص: قد غصت بالماء.
لواقح دلّح بالماء سحم ... تمج الغيث من خلل الخصاص
اللواقح: التي قد لقحت من الريح. والدلح: الدانية الظاهرة المثقلة بالماء. سحم: سود. والخصاص، ها هنا: خلل السحاب.
سل الخطباء هل سبحوا كسبحي ... بحور القول أو غاصوا مغاصي
لساني بالنثير وبالقوافي ... وبالأسجاع أمهر في الغواص
(النثير: الكلام المنثور. القوافي: خواتم أبيات الشعر. الأسجاع:
الكلام المزدوج على غير وزن) .
من الحوت الذي في لجّ بحر ... مجيد الغوص في لجج المغاص
لعمرك إنني لأعف نفسي ... وأستر بالتكرم من خصاصي «١»
стр. 155
وأنشد لرجل من بني ناشب بن سلامة بن سعد بن مالك بن ثعلبة:
لنا قمر السماء وكل نجم ... يضيء لنا إذا القمران غارا «١»
ومن يفخر بغير ابني نزار ... فليس بأول الخطباء جارا «٢»
وأنشد للأقرع «٣» :
إني امرؤ لا أقيل الخصم عثرته ... عند الأمير إذا ما خصمه ظلعا
ينير وجهي إذا جد الخصام بنا ... ووجه خصمي تراه الدهر ملتمعا «٤»
وأنشد:
تراه بنصري في الحفيظة واثقا ... وإن صدّ عني العين منه وحاجبه
وإن خطرت أيدي الكماة وجدتني ... نصورا إذا ما استيبس الريق عاصبه
عاصبه: يابسه، يعتصم به حتى يتم كلامه. الكماة: جمع كميّ، والكميّ الرجل المتكمّي بالسلاح، يعني المتكفر به المتستر. ويقال كمى الرجل شهادته يكميها، إذا كتمها وسترها. وقال ابن أحمر وذكر الريق والاعتصام به:
هذا الثناء وأجدر أن أصاحبه ... وقد يدوّم ريق الطامع الأمل
وقال الزبير بن العوام، وهو يرقّص عروة ابنه:
أبيض من آل أبي عتيق ... مبارك من ولد الصدّيق
ألذه كما ألذ ريقي
стр. 156
وقالت امرأة من بني أسد:
ألا بكر الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
فمن كان يعيا بالجواب فإنه ... أبو معقل لا حجر عنه ولا صدد
أثاروا بصحراء الثوية قبره ... وما كنت أخشى إن تناءى به البلد
تناءى: تبعد. والثوية: موضع بناحية الكوفة. ومن قال الثوية فهي تصغير الثوية.
وقال أوس بن حجر في فضالة بن كلدة:
أبا دليجة من يوصي بأرملة ... أم من لأشعث ذي طمرين طملال
أم من يكون خطيب القوم إن حفلوا ... لدى الملوك أولي كيد وأقوال
و «هدمين: وهما ثوبان خلقان. يقال ثوب أهدام، إذا كان خلقا.
والطملال: الفقير. وقال أيضا فيه:
ألهفي على حسن آلائه ... على الجابر الحي والحارب
ورقبته حتمات الملو ... ك بين السّرادق والحاجب «١»
ويكفي المقالة أهل الدحا ... ل غير معيب ولا عائب «٢»
رقبته، أي انتظاره إذن الملوك. وجعله بين السرادق والحاجب ليدل على مكانته من الملوك. وأنشد أيضا:
وخصم غضاب ينغضون رؤوسهم ... أولي قدم في الشغب صهب سبالها «٣»
ضربت لهم أبط الشمال فأصبحت ... يردّ غواة آخرين نكالها
ابط الشمال، يعني الفؤاد، لأنه لا يكون إلا في تلك الناحية. وقال شتيم بن خويلد «٤» :
стр. 157
وقلت لسيدنا يا حلي ... م إنك لم تأس أسوا رفيقا
أعنت عديا على شأوها ... تعادي فريقا وتبقي فريقا
زحرت بها ليلة كلها ... فجئت بها مؤيدا خنفقيقا
تأسو: تداوي، أسوا وأسى، مصدران. والآسي: الطبيب. ومؤيد:
داهية. خنفقيق: داهية أيضا. الشأو: الغلوة لركض الفرس.
وأنشد لآدم مولى بلعنبر، يقولها لابنه:
يا بأبي أنت ويا فوق البئب ... يا بأبي خصيك من خصي وزب
أنت الحبيب وكذا قول المحب ... جنبك الله معاريض الوصب
حتى تفيد وتداوي ذا الجرب ... وذا الجنون من سعال وكلب
والحدب حتى يستقيم ذو الحدب ... وتحمل الشاعر في اليوم العصب
على مباهير كثيرات التعب ... وإن أراد جدل صعب أرب
خصومة تثقب أوساط الركب ... أظلعته من رتب إلى رتب
حتى ترى الأبصار أمثال الشهب ... يرمى بها أشوس ملحاح كلب
مجرب الشدات ميمون مذبّ
الوصب: المرض. والعصب: الشديد. يقال يوم عصب وعصيب وعصبصب، إذا كان شديدا. مباهير: متاعيب قد علاهم البهر. أرب، يقال رجل أريب وأرب، وله أرب، إذا كان عاقلا أديبا حازما. أظلعته يقال ظلع الرجل، إذا خمع في مشيه. الرتبة: واحدة الرتب والرتبات، وهي الدرج.
أي تخرجه من شيء إلى شيء. والأشوس: الذي ينظر بمؤخر عينه.
ملحاح: ملح، من الإلحاح على الشيء. كلب، أي الذي قد كلب.
مذب. أي يذب عن حريمه وعن نفسه.
وقالت ابنة وثيمة، ترثي أباها وثيمة بن عثمان:
الواهب المال التلا ... د ندى ويكفينا العظيمه
ويكون مدرهنا إذا ... نزلت مجلحة عظيمه
стр. 158
واحمر آفاق السما ... ء ولم تقع في الأرض ديمه
وتعذّر الآكال حتى ... كان أحمدها الهشيمه
لا ثلة ترعى ولا ... إبل ولا بقر مسيمه
ألفيته مأوى الأرا ... مل والمدفّعة اليتيمه
والدافع الخصم الألدّ ... إذا تفوضح في الخصومه
بلسان لقمان بن عا ... د وفصل خطبته الحكيمه
ألجمتهم بعد التدا ... فع والتجاذب في الحكومه
التلاد: القديم من المال. والطارف: المستفاد. والمدره: لسان القوم المتكلم عنهم. مجلحة، أي داهية مصممة. احمرّ آفاق السماء، أي اشتد البرد وقل المطر وكثر القحط. وديمة: واحدة الديم، وهي الأمطار الدائمة مع سكون. تعذر: تمنع. الآكال: جمع أكل، وهو ما يؤكل. والهشيمة: ما تهشم من الشجر، أي وقع وتكسر. الثلة: الضأن الكثيرة، ولا يقال للمعزى ثلة، ولكن حيلة، فإذا اجتمعت الضأن والمعزى قيل لهما ثلة. مسيمة، أي صارت في السوم ودخلت فيه، والسوم: الرعي. وسامت تسوم، أي رعت ترعى. ومنه قول الله: وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ.
[لقمان بن عاد]
وكانت العرب تعظم شأن لقمان بن عاد «١» الأكبر والأصغر لقيم بن لقمان في النباهة والقدر، وفي العلم والحكم، وفي اللسان والحلم. وهذان غير لقمان الحكيم المذكور في القرآن على ما يقوله المفسرون. ولارتفاع قدره وعظم شأنه، قال النمر بن تولب:
لقيم بن لقمان من أخته ... فكان ابن أخت له وابنما
стр. 159
ليالي حمّق فاستحصنت ... عليه فغر بها مظلما
فغرّ بها رجل محكم ... فجاءت به رجلا محكما
وذلك أن أخت لقمان قالت لأمرأة لقمان: إني امرأة محمقة، ولقمان رجل محكم منجب، وأنا في ليلة طهري، فهبي لي ليلتك. ففعلت فباتت في بيت امرأة لقمان، فوقع عليها فأحبلها بلقيم، فلذلك قال النمر بن تولب ما قال:
والمرأة إذا ولدت الحمقى فهي محمقة، ولا يعلم ذلك حتى يرى ولد زوجها من غيرها أكياسا.
وقالت امرأة ذات بنات:
وما أبالي أن أكون محمقه ... إذا رأيت خصية معلّقه
وقال آخر:
أزرى بسعيك أن كنت امرأ حمقا ... من نسل ضاوية الأعراق محماق
ضاوية الأعراق، أي ضعيفة الأعراق نحيفتها. يقال رجل ضاو، وفيه ضاوية، إذا كان نحيفا قليل الجسم. وجاء في الحديث: «اغتربوا لا تضووا» . أي لا يتزوج الرجل القرابة القريبة، فيجيء ولده ضاويا. والفعل منه ضوي يضوى ضوى. والأعراق: الأصول. والمحماق: التي عادتها أن تلد الحمقى.
ولبغضهم البنات قالت إحدى القوابل:
أيا سحاب طرّقي بخير ... وطرّقي بخصية وأير «١»
ولا ترينا طرف البظير
стр. 160
وقال الآخر «١» في إنجاب الأمهات، وهو يخاطب بني أخوته:
عفاريتا عليّ وأخذ مالي ... وعجزا عن أناس آخرينا
فهلا غير عمكم ظلمتم ... إذا ما كنتم متظلمينا
فلو كنتم لكيّسة أكاست ... وكيس الأم أكيس للبنينا
ولكن أمكم حمقت فجئتم ... غثاثا ما نرى فيكم سمينا
وكان لنا فزارة عمّ سوء ... وكنت له كشر بني الأخينا
ولبغض البنات هجر أبو حمزة الضبّي خيمة امرأته، وكان يقيل ويبيت عند جيران له، حين ولدت امرأته بنتا، فمرّ يوما بخبائها وإذا هي ترقصها وتقول:
ما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظل في البيت الذي يلينا
غضبان ألا نلد البنينا ... تالله ما ذلك في أيدينا
وإنما نأخذ ما أعطينا ... ونحن كالأرض لزارعينا
ننبت ما قد زرعوه فينا
قال: فغدا الشيخ حتى ولج البيت فقبل رأس امرأته وابنتها.
وهذا الباب يقع في كتاب الإنسان، وفي فصل ما بين الذكر والأنثى، تاما، وليس هذا الباب مما يدخل في باب البيان والتبيين، قد يجري السبب فيجري معه بقدر ما يكون تنشيطا لقارىء الكتاب، لأن خروجه من الباب إذا طال لبعض العلم، كان ذلك أروح على قلبه، وأزيد في نشاطه إن شاء الله.
وقد قال الأول في تعظيم شأن لقيم بن لقمان:
قومي أصبحيني فما صيغ الفتى حجرا ... لكن رهينة أحجار وأرماس
قومي اصبحيني فإن الدهر ذو غير ... أفنى لقيما وأفنى آل هرماس «٢»
стр. 161
اليوم خمر ويبدو في غد خبر ... والدهر من بين إنعام وابآس
فاشرب على حدثان الدهر مرتفعا ... لا يصحب الهم قرع السن بالكاس
وقال أبو الطمحان القينيّ «١» في ذكر لقمان:
إن الزمان ولا تفنى عجائبه ... فيه تقطع ألّاف وأقران
أمست بنو القين أفراقا موزعة ... كأنهم من بقايا حيّ لقمان
وقد ذكرت العرب هذه الأمم البائدة، والقرون السالفة. ولبعضهم بقايا قليلة، وهم أشلاء في العرب متفرقون مغمورون، مثل جرهم وجاسم ووبار، وعملاق، وأميم، وطسم وجديس، ولقمان والهرماس، وبني الناصور وقيل بن عتر، وذي جدن. وقد يقال في بني الناصور إن أصلهم من الروم، فأما ثمود فقد خبر الله عنهم فقال: وثمودا فما أبقى، وقال: فهل ترى لهم من باقية. فأنا أعجب من مسلم يصدق بالقرآن، يزعم أن قبائل العرب من بقايا ثمود.
وكان أبو عبيدة يتأول قوله: وَثَمُودَ فَما أَبْقى
، إن ذلك إنما وقع على الأكثر، وعلى الجمهور الأكبر. وهذا التأويل أخرجه من أبي عبيدة سوء الرأي في القوم، وليس له أن يجيء إلى خبر عام مرسل غير مقيد وخبر مطلق غير مستثنى منه، فيجعله خاصا كالمستثنى منه. وأي شيء بقي لطاعن أو متأول بعد قوله: فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ
. فكيف يقول ذلك إذا كنا نحن قد نرى منهم في كل حي باقية. معاذ الله من ذلك.
ورووا أن الحجاج قال على المنبر يوما: تزعمون أنّا من بقايا ثمود، وقد قال الله : وَثَمُودَ فَما أَبْقى.
فأما الأمم البائدة من العجم، مثل كنعان ويونان وأشباه ذلك، فكثير ولكن العجم ليس لها عناية بحفظ شأن الأموات ولا الأحياء.
стр. 162
وقال المسيّب بن علس، في ذكر لقمان:
وإليك أعملت المطية من ... سهل العراق وأنت بالفقر
أنت الرئيس إذا هم نزلوا ... وتواجهوا كالأسد والنمر
لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة البدر
ولأنت أجود بالعطاء من ال ... ريان لما جاد بالقطر
ولأنت أشجع من أسامة إذ ... نقع الصراخ ولج في الذعر «١»
ولأنت أبين حين تنطق من ... لقمان لما عيّ بالأمر
وقال لبيد بن ربيعة الجعفري:
واخلف قسا ليتني ولو أنني ... وأعيا على لقمان حكم التدبر
فإن تسألينا كيف نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحّر
السحر: الرئة. والمسحر: المعلل بالطعام والشراب. والمسحر: المخدوع كما قال أمرؤ القيس:
أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب
أي نعلل. فكأنا نخدع ونسحر بالطعام والشراب.
وقال الفرزدق:
لئن حومتي هابت معدّ حياضها ... لقد كان لقمان بن عاد يهابها
وقال الآخر «٢» :
إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجىء بزاد
بخبز أو بلحم أو بتمر ... أو الشيء الملفف في البجاد «٣»
تراه يطوّف الآفاق حرصا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
стр. 163
وقال أفنون التغلبي:
لو أنني كنت من عاد ومن إرم ... ربيت فيهم ولقمان وذي جدن
وقال الآخر «١» :
ما لذة العيش والفتى ... للدهر والدهر ذو فنون
أهلك طسما وقبل طسم ... أهلك عادا وذا جدون
وأهل جاس ومأرب بع ... د حيّ لقمان والتقون
واليسر للعسر، والتغنّي ... للفقر، والحي للمنون
[ذم فضول الكلام ومدح الصمت]
قال: وهم وإن كانوا يحبون البيان والطلاقة، والتحبير والبلاغة، والتخلص والرشاقة، فإنهم كانوا يكرهون السلاطة والهذر، والتكلف، والإسهاب والإكثار، لما في ذلك من التزيد والمباهاة، واتباع الهوى، والمنافسة في الغلو. وكانوا يكرهون الفضول في البلاغة، لأن ذلك يدعو إلى السّلاطة، والسلاطة تدعو إلى البذاء. وكل مراء في الأرض فإنما هو من نتاج الفضول.
ومن حصّل كلامه وميزه، وحاسب نفسه، وخاف الإثم والذم، أشفق من الضراوة وسوء العادة، وخاف ثمرة العجب وهجنة النفج، وما في حب السمعة من الفتنة، وما في الرّياء من مجانبة الإخلاص.
ولقد دعا عبادة بن الصامت بالطعام، بكلام ترك فيه المحاسنة، فقال شدّاد بن أوس «٢» : إنه قد ترك فيه المحاسنة، فاسترجع ثم قال: «ما تكلمت بكلمة منذ بايعت رسول الله صلّى الله عليه وآله إلا مزمومة مخطوطة» .
стр. 164
قال: وروى حمّاد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن إبراهيم «١» قال:
«إنما يهلك الناس في فضول الكلام، وفضول المال» .
وقال: دع المعاذر، فإن أكثرها مفاجر» . وإنما صارت المعاذر كذلك لأنها داعية إلى التخلص بكلّ شيء.
وقال سلّام بن أبي مطيع: قال لي أيوب «٢» : «إياك وحفظ الحديث» خوفا عليه من العجب.
وقال إبراهيم النخعيّ: «دع الاعتذار، فإنه يخالط الكذب» .
قالوا: ونظر شاب وهو في دار ابن سيرين إلى فرش في داره، فقال: ما بال تلك الآجرة أرفع من الآجرة الأخرى؟ فقال ابن سيرين: «يا ابن أخي إن فضول النظر تدعو إلى فضول القول» .
وزعم إبراهيم بن السندي قال: أخبرني من سمع عيسى بن علي يقول:
«فضول النظر من فضول الخواطر، وفضول النظر تدعو إلى فضول القول، وفضول القول تدعو إلى فضول العمل، ومن تعوّد فضول الكلام ثم تدارك استصلاح لسانه، خرج إلى استكراه القول، وإن أبطأ أخرجه إبطاؤه إلى أقبح من الفضول» .
قال أبو عمرو بن العلاء: أنكح ضرار بن عمرو الضبي ابنته معبد بن زرارة، فلما أخرجها إليه قال لها: «يا بنية أمسكي عليك الفضلين» . قالت:
وما الفضلان؟ قال: فضل الغلمة، وفضل الكلام.
وضرار بن عمرو هو الذي قال: «من سره بنوه ساءته نفسه» . وهو الذي لما قاله له المنذر: كيف تخلصت يوم كذا وكذا، وما الذي نجاك؟ قال:
«تأخير الأجل، وإكراهي نفسي على المق الطوال» .
стр. 165
المقّاء: المرأة الطويلة. والمق: جماعة النساء الطوال. والمق أيضا:
الخيل الطوال.
وكان أخوته قد استشالوه حتى ركب فرسه ورفع عقيرته بعكاظ، فقال:
«ألا إن خير حائل أم «١» فزوجوا الأمهات» . وذلك أنه صرع بين القنا، فأشبل عليه أخوته لأمه حتى أنقذوه «٢» .
قال: وكان أعرابي يجالس الشعبي «٣» فيطيل الصمت، فسئل عن طول صمته فقال: «أسمع فأعلم، وأسكت فأسلم» .
وقالوا: «لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب» .
وقالوا: «مقتل الرجل بين لحييه وفكيه» .
وأخذ أبو بكر الصديق، ﵀، بطرف لسانه وقال: «هذا الذي أوردني الموارد» .
وقالوا: ليس شيء أحقّ بطول سجن من لسان.
وقالوا: اللسان سبع عقور.
وقال النبي ﵇: «وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم» .
وقال ابن الأعرابي، عن بعض أشياخه: تكلم رجل عند النبي ﵇ فخطل في كلامه، فقال النبي صلّى الله عليه وآله: «ما أعطي العبد شرا من طلاقة اللسان» .
стр. 166
وقال العائشي، وخالد بن خداش: حدثنا مهدي بن ميمون، عن غيلان ابن جرير، عن مطرّف بن عبد الله بن الشّخير وعن أبيه قال: قدمنا على رسول الله صلّى الله عليه وآله في وفد فقلنا: يا رسول الله، أنت سيدنا، وأنت أطولنا علينا طولا «١» ، وأنت الجفنة الغراء «٢» . فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «أيها الناس، قولوا بقولكم ولا يستفزنكم الشيطان، فإنما أنا عبد الله ورسوله» .
قال: وقال خالد بن عبد الله القسري، لعمر بن عبد العزيز: من كانت الخلافة زانته فقد زيّنتها، ومن كانت شرفته فقد شرّفتها. فأنت كما قال الشاعر:
وتزيدين أطيب الطيب طيبا ... أن تمسّيه أين مثلك أينا
وإذا الدر زان حسن وجوه ... كان للدر حسن وجهك زينا
فقال عمر: إن صاحبكم أعطي مقولا، ولم يعط معقولا.
وقال الشاعر:
لسانك معسول ونفسك شحّة ... ودون الثريا من صديقك مالكا
وأخبرنا بإسناد له، أن أناسا قالوا لابن عمر: ادع الله لنا بدعوات.
فقال: «اللهم ارحمنا وعافنا وارزقنا» . فقالوا: لو زدتنا يا أبا عبد الرحمن.
قال: نعوذ بالله من الإسهاب.
وقال أبو الأسود الدؤلي «٣» ، في ذكر الإسهاب، يقولها في الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة، والحارث هو القباع، وكان خطيبا من وجوه
стр. 167
قريش ورجالهم. وإنما سمي القباع لأنه أتي بمكتل «١» لأهل المدينة، فقال إن هذا المكتل لقباع! فسمي به. والقباع: الواسع الرأس القصير. وقال الفرزدق فيه لجرير:
وقبلك ما أعييت كاسر عينه ... زيادا فلم تقدر عليّ حبائله
فأقسمت لا آتيه تسعين حجة ... ولو كسرت عنق القباع وكاهله
وقال أبو الأسود:
أمير المؤمنين جزيت خيرا ... أرحنا من قباع بني المغيرة
بلوناه ولمناه فأعيا ... علينا ما يمر لنا مريرة
على أن الفتى نكح أكول ... ومسهاب مذاهبه كثيرة
وقال الشاعر «٢» :
إياك إياك المراء فإنه ... إلى الشر دعّاء وللصرم جالب
وقال أبو العتاهية:
والصمت أجمل بالفتى ... من منطق في غير حينه
كلّ امرىء في نفسه ... أعلى وأشرف من قرينه
وكان سهل بن هارون يقول: «سياسة البلاغة أشد من البلاغة، كما أن التوقي على الدواء أشد من الدواء» .
وكانوا يأمرون بالتبين والتثبت، وبالتحرز من زلل الكلام، ومن زلل الرأي، ومن الرأي الدبريّ. والرأي الدبري هو الذي يعرض من الصواب بعد مضي الرأي الأول وفوت استدراكه.
وكانوا يأمرون بالتحلم والتعلم، وبالتقدم في ذلك أشد التقدم.
стр. 168
وقال الأحنف: قال عمر بن الخطاب: «تفقهوا قبل أن تسودوا» . وكان يقول ﵀: «السؤدد مع السواد» .
وأنشدوا لكثّير عزّة:
وفي الحلم والإسلام للمرء وازع ... وفي ترك طاعات الفؤاد المتيّم
بصائر رشد للفتى مستبينة ... وأخلاق صدق علمها بالتعلم
الوازع: الناهي، والوزعة: جمع وازع، وهم الناهون والكافون.
وقال الأفوه الأودي:
أضحت قرينة قد تغير بشرها ... وتجهمت بتحية القوم العدا
ألوت بإصبعها وقالت إنما ... يكفيك مما لا ترى ما قد ترى
وأنشد «١» :
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك تعذر إن وعظت ويقتدى ... بالقول منك ويقبل التعليم
قالوا: وكان الأحنف بن قيس أشد الناس سلطانا على نفسه.
وقالوا: وكان الحسن أترك الناس لما نهي عنه. وقال الآخر:
لا تعذراني في الإساءة إنه ... شرار الرجال من يسيء فيعذر
وقال الكميت بن زيد الأسدي:
ولم يقل بعد زلة لهم ... عدّوا المعاذير إنما حسبوا
وأنشدني محمد بن يسير، للأحوص بن محمد:
стр. 169
قامت تخاصرني بقنّتها ... خود تأطر غادة بكر
كلّ يرى أن الشباب له ... في كلّ مبلغ لذة عذر
تخاصرني: آخذ بيدها وتأخذ بيدي. والقنة: الموضع الغليظ من الأرض في صلابة. والخود: الحسنة الخلق. تأطر: تتثنى. والغادة: الناعمة الليّنة.
وقال جرير في فوت الرأي:
ولا يتقون الشر حتى يصيبهم ... ولا يعرفون الأمر إلا تدبّرا
قال: ومدح النابغة ناسا بخلاف هذه الصفة، فقال:
ولا يحسبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب
لازب ولازم، واحد، واللازب في مكان آخر: اليابس. قال الله : مِنْ طِينٍ لازِبٍ
. واللزبات: السنون الجدبة.
وأنشد:
هفا هفوة كانت من المرء بدعة ... وما مثله من مثلها بسليم
فإن يك أخطأ في أخيكم فربما ... أصاب التي فيها صلاح تميم
قال: وقال قائل عند يزيد بن عمر بن هبيرة: والله ما أتى الحارث بن شريح بيوم خير قط. قال: فقال الترجمان بن هريم: «إلا يكن أتى بيوم خير فقد أتى بيوم شر» . ذهب الترجمان بن هريم إلى مثل معنى قول الشاعر:
وما خلقت بنو زمّان إلا ... أخيرا بعد خلق الناس طرّا
وما فعلت بنو زمّان خيرا ... ولا فعلت بنو زمّان شرّا
ومن هذا الجنس من الأحاديث، وهو يدخل في باب الملح، قال الأصمعي: «وصلت بالعلم، ونلت بالملح» .
стр. 170
وقال رجل مرة: «أبي الذي قاد الجيوش، وفتح الفتوح، وخرج على الملوك، واغتصب المنابر» . فقال له رجل من القوم: لا جرم، لقد أسر وقتل وصلب! قال: فقال له المفتخر بأبيه: دعني من أسر أبي وقتله وصلبه، أبوك أنت حدث نفسه بشيء من هذا قط؟
[البيان منزلة بين الإسهاب والإيجاز]
قد سمعنا رواية القوم واحتجاجهم، وأنا أوصيك ألا تدع التماس البيان والتبيين إن ظننت أن لك فيها طبيعة، وإنهما يناسبانك بعض المناسبة، ويشاكلانك في بعض المشاكلة، ولا تهمل طبيعتك فيستولي الإهمال على قوة القريحة، ويستبد بها سوء العادة. وإن كنت ذا بيان وأحسست من نفسك بالنفوذ في الخطابة والبلاغة، وبقوة المنّة يوم الحفل، فلا تقصر في التماس أعلاها سورة «١» ، وأرفعها في البيان منزلة. ولا يقطعنّك تهييب الجهلاء، وتخويف الجبناء، ولا تصرفنك الروايات المعدولة عن وجوهها، المتأولة على أقبح مخارجها.
وكيف تطيعهم بهذه الروايات المعدولة، والأخبار المدخولة، وبهذا الرأي الذي ابتدعوه من قبل أنفسهم، وقد سمعت الله ﵎، ذكر داود النبي صلوات الله عليه، فقال: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ
إلى قوله:
وَفَصْلَ الْخِطابِ
. فجمع له بالحكمة البراعة في العقل، والرجاحة في الحلم، والاتساع في العلم، والصواب في الحكم، وجمع له بفصل الخطاب تفصيل المجمل، وتلخيص الملتبس، والبصر بالحزّ في موضع الحز، والحسم في موضع الحسم.
وذكر رسول الله صلّى الله عليه وآله شعيبا النبي ﵇، فقال: «كان شعيب خطيب الأنبياء» . وذلك عند بعض ما حكاه الله في كتابه، وجلاه لأسماع عباده.
стр. 171
فكيف تهاب منزلة الخطباء وداود ﵇ سلفك، وشعيب إمامك مع ما تلوناه عليك في صدر هذا الكتاب من القرآن الحكيم، والآي الكريم. وهذه خطب رسول الله صلّى الله عليه وآله مدونة محفوظة، ومخلدة مشهورة، وهذه خطب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ﵃.
وقد كان لرسول الله شعراء ينافحون عنه وعن أصحابه بأمره، وكان ثابت ابن قيس بن الشماس الأنصاري خطيب رسول الله صلّى الله عليه وآله، لا يدفع ذلك أحد.
فأما ما ذكرتم من الإسهاب والتكلف، والخطل والتزيد، فإنما يخرج إلى الإسهاب المتكلف، وإلى الخطل المتزيد.
فأما أرباب الكلام، ورؤساء أهل البيان، والمطبوعون المعددون، وأصحاب التحصيل والمحاسبة، والتوقي والشفقة، والذين يتكلمون في صلاح ذات البين، وفي إطفاء نائرة، أو في حمالة «١» ، أو على منبر جماعة، أو في عقد أملاك بين مسلم ومسلمة- فكيف يكون كلام هؤلاء يدعو إلى السلاطة والمراء، وإلى الهذر والبذاء، وإلى النفج والرياء. ولو كان هذا كما يقولون لكان علي ابن أبي طالب، وعبد الله بن عباس أكثر الناس فيما ذكرتم. فلم خطب صعصعة بن صوحان عند علي بن أبي طالب، وقد كان ينبغي للحسن البصري أن يكون أحقّ التابعين بما ذكرتم؟
قال الأصمعي: قيل لسعيد بن المسيب «٢» : ها هنا قوم نساك يعيبون إنشاد الشعر. قال: «نسكوا نسكا أعجميا» .
وقد زعمتم أن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: «شعبتان من شعب النفاق: البذاء، والبيان. وشعبتان من شعب الإيمان: الحياء، والعيّ» . ونحن نعوذ بالله أن يكون القرآن يحث على البيان ورسول الله صلّى الله عليه وآله يحث على العيّ، ونعوذ بالله أن
стр. 172
يجمع رسول الله صلّى الله عليه وآله بين البذاء والبيان. وإنما وقع النهي على كل شيء جاوز المقدار، ووقع اسم العي على كل شيء قصر عن المقدار. فالعي مذموم والخطل مذموم، ودين الله ﵎ بين المقصر والغالي.
وهاهنا روايات كثيرة مدخولة، وأحاديث معلولة. رووا أن رجلا مدح الحياء عند الأحنف، وأن الأحنف قال ثمّ: يعود ذلك ضعفا. والخير لا يكون سبا للشر. ولكننا نقول: إن الحياء اسم لمقدار من المقادير ما زاد على ذلك المقدار فسمه ما أحببت. وكذلك الجود اسم لمقدار من المقادير، فالسرف اسم لما فضل عن ذلك المقدار. وللحزم مقدار، فالجبن اسم لما فضل عن ذلك المقدار. وللإقتصاد مقدار، فالبخل اسم لما خرج عن ذلك المقدار.
وللشجاعة مقدار، فالتهور والخدب اسم لما جاوز ذلك المقدار.
وهذه أحاديث ليست لعامتها أسانيد متصلة، فإن وجدتها متصلة لم تجدها محمودة، وأكثرها جاءت مطلقة ليس لها حامل محمود ولا مذموم. فإذا كانت الكلمة حسنت استمتعنا بها على قدر ما فيها من الحسن. فإن أردت أن تتكلف هذه الصناعة، وتنسب إلى هذا الأدب، فقرضت قصيدة، أو حبرت خطبة، أو ألّفت رسالة، فإياك أن تدعوك ثقتك بنفسك، أو يدعوك عجبك بثمرة عقلك إلى أن تنتحله وتدعيه، ولكن اعرضه على العلماء في عرض رسائل أو أشعار أو خطب، فإن رأيت الأسماع تصغي له، والعيون تحدج إليه، ورأيت من يطلبه ويستحسنه، فانتحله. فإن كان ذلك في ابتداء أمرك، وفي أول تكلفك فلم تر له طالبا ولا مستحسنا، فلعله أن يكون ما دام ريّضا قضيبا «١» ، أن يحل عندهم محل المتروك. فإذا عاودت أمثال ذلك مرارا، فوجدت الأسماع عنه منصرفة، والقلوب لاهية، فخذ في غير هذه الصناعة، واجعل رائدك الذي لا يكذبك حرصهم عليه، أو زهدهم فيه.
стр. 173
وقال الشاعر:
إن الحديث تغر القوم خلوته ... حتى يلجّ بهم عي وإكثار
وفي المثل المضروب: «كل مجر في الخلاء مسرّ» ، ولم يقولوا مسرور. وكل صواب.
فلا تثق في كلامك برأي نفسك، فإني ربما رأيت الرجل متماسكا وفوق المتماسك، حتى إذا صار إلى رأيه في شعره، وفي كلامه، وفي ابنه، رأيته متهافتا وفوق المتهافت.
وكان زهير بن أبي سلمى، وهو أحد الثلاثة المتقدمين، يسمي كبار قصائده «الحوليات» .
وقال نوح بن جرير: قال الحطيئة: «خير الشعر الحوليّ المنقّح» .
قال وقال: البعيث الشاعر، وكان أخطب الناس: «إني والله ما أرسل الكلام قضيبا خشيبا «١» ، وما أريد أن أخطب يوم الحفل إلا بالبائت المحكك» .
وكنت أظن أن قولهم «محكك» كلمة مولدة، حتى سمعت قول الصعب بن علي الكناني:
أبلغ فزارة أن الذئب آكلها ... وجائع سغب شرّ من الذيب
أزل أطلس ذو نفس محككة ... قد كان طار زمانا في اليعاسيب «٢»
وتكلم يزيد بن أبان الرقاشي، ثم تكلم الحسن، وأعرابيان حاضران فقال أحدهما لصاحبه: كيف رأيت الرجلين؟ فقال: أما الأول فقاص مجيد، وأما الآخر فعربي محكك.
قال: ونظر أعرابي إلى الحسن، فقال له رجل: كيف تراه؟ قال: أرى خيشوم حرّ.
стр. 174
قالوا: وأرادوا عبد الله بن وهب الراسبي «١» على الكلام يوم عقدت له الخوارج الرياسة فقال: «وما أنا والرأي الفطير، والكلام القضيب» ! ولما فرغوا من البيعة له قال: «دعوا الرأي يغبّ، فإن غبوبه يكشف لكم عن محضه» .
وقيل لابن التوأم الرقاشي: تكلم. فقال: «ما أشتهي الخبز إلا بائتا» .
قال: وقال عبيد الله بن سالم لرؤبة: مت يا أبا الجحاف إذا شئت.
قال: وكيف ذاك؟ قال: رأيت اليوم عقبة بن رؤبة ينشد شعرا له أعجبني.
قال: فقال رؤبة: نعم إنه ليقول ولكن ليس لشعره قران. وقال الشاعر:
مهاذبة مناجبة قران ... منادبة كأنهم الأسود
يريد بقوله «قران» التشابه والموافقة.
وقال عمر بن لجأ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك! قال: وبم ذلك؟
قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمه.
قال: وذكر بعضهم شعر النابغة الجعدي، فقال: «مطرف بآلاف، وخمار بواف «٢» » . وكان الأصمعي يفضله من أجل ذلك. وكان يقول:
«الحطيئة عبد لشعره» . عاب شعره حين وجده كله متخيرا منتخبا مستويا، لمكان الصنعة والتكلف، والقيام عليه.
وقالوا: لو أن شعر صالح بن عبد القدوس «٣» وسابق البربري»
كان مفرقا في أشعار كثيرة، لصارت تلك الأشعار أرفع مما هي عليه بطبقات،
стр. 175
ولصار شعرهما نوادر سائرة في الآفاق. ولكن القصيدة إذا كانت كلها أمثالا لم تسر، ولم تجر مجرى النوادر. ومتى لم يخرج السامع من شيء إلى شيء لم يكن لذلك عنده موقع.
قال: وقال بعض الشعراء لرجل: أنا أقول في كلّ ساعة قصيدة، وأنت تقرضها في كل شهر. فلم ذلك؟ قال: لأني لا أقبل من شيطاني مثل الذي تقبل من شيطانك.
قال: وأنشد عقبة بن رؤبة (أباه رؤبة) بن العجاج شعرا وقال له: كيف تراه؟ قال: يا بنيّ إن أباك ليعرض له مثل هذا يمينا وشمالا فما يلتفت إليه.
وقد رووا مثل ذلك في زهير وابنه كعب.
قال: وقيل لعقيل بن علّفة: لم لا تطيل الهجاء؟ قال: «يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق» .
وقيل لأبي المهوّش: لم لا تطيل الهجاء؟ قال: لم أجد المثل النادر إلا بيتا واحدا، ولم أجد الشعر السائر إلا بيتا واحدا.
قال: وقال مسلمة بن عبد الملك لنصيب الشاعر: ويحك يا أبا الحجناء، أما تحسن الهجاء؟ قال: أما تراني أحسن مكان عافاك الله: لا عافاك الله! ولاموا الكميت بن زيد على الإطالة، فقال: «أنا على القصار أقدر» .
وقيل للعجاج: ما لك لا تحسن الهجاء؟ قال: هل في الأرض صانع إلا وهو على الإفساد أقدر.
وقال رؤبة: «الهدم أسرع من البناء» .
وهذه الحجج التي ذكروها عن نصيب والكميت والعجاج ورؤبة، إنما ذكروها على وجه الاحتجاج لهم. وهذا منهم جهل إن كانت هذه الأخبار صادقة وقد يكون الرجل له طبيعة في الحساب وليس له طبيعة في الكلام،
стр. 176
وتكون له طبيعة في التجارة وليست له طبيعة في الفلاحة، وتكون له طبيعة في الحداء أو في التغيير، أو في القراءة بالألحان، وليت له طبيعة في الغناء وإن كانت هذه الأنواع كلها ترجع إلى تأليف اللحون. وتكون له طبيعة في الناي وليس له طبيعة في السرناي «١» ، وتكون له طبيعة في قصبة الراعي ولا تكون له طبيعة في القصبتين المضمومتين، ويكون له طبع في صناعة اللحون ولا يكون له طبع في غيرهما، ويكون له طبع في تأليف الرسائل والخطب والأسجاع ولا يكون له طبع في قرض بيت شعر. ومثل هذا كثير جدا.
وكان عبد الحميد الأكبر، وابن المقفع، مع بلاغة أقلامهما وألسنتهما لا يستطيعان من الشعر إلا ما يذكر مثله.
وقيل لابن المقفع في ذلك، فقال: الذي أرضاه لا يجيئني، والذي يجيئني لا أرضاه» .
وهذا الفرزدق وكان مستهترا بالنساء، وكان زير غوان، وهو في ذلك ليس له بيت واحد في النسيب مذكور، مع حسده لجرير. وجرير عفيف لم يعشق امرأة قط، وهو مع ذلك أغزل الناس شعرا.
وفي الشعراء من لا يستطيع مجاوزة القصيد إلى الرجز، ومنهم من لا يستطيع مجاوزة الرجز إلى القصيد، ومنهم من يجمعها كجرير وعمر بن لجأ، وأبي النجم، وحميد الأرقط، والعماني. وليس الفرزدق في طواله بأشعر منه في قصاره.
وفي الشعراء من يخطب وفيهم من لا يستطيع الخطابة، وكذلك حال الخطباء في قريض الشعر. والشاعر نفسه قد تختلف حالاته.
وقال الفرزدق: أنا عند الناس أشعر الناس وربما مرت علي ساعة ونزع ضرس أهون عليّ من أن أقول بيتا واحدا.
стр. 177
وقال العجاج: لقد قلت أرجوزتي التي أولها:
بكيت والمحتزن البكيّ ... وإنما يأتي الصبا الصبي
أطربا وأنت قنسري «١» ... والدهر بالإنسان دواري
وأنّا بالرمل، في ليلة واحدة، فانثالت عليّ قوافيها انثيالا، وإني لأريد اليوم دونها في الأيام الكثيرة فما أقدر عليه.
وقال لي أبو يعقوب الخريمي: خرجت من منزلي أريد الشماسية، فابتدأت القول في مرثية لأبي التختاخ، فرجعت والله وما أمكنني بيت واحد.
وقال الشاعر:
وقد يقرض الشعر البكيّ لسانه ... وتعيي القوافي المرء وهو خطيب
[أقوال بليغة]
من القول في المعاني الظاهرة باللفظ الموجز من ملتقطات كلام الناس.
قال بعض الناس: «من التوقي ترك الإفراط في التوقي» .
وقال بعضهم: «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون» .
وقال الشاعر:
قدر الله وارد ... حين يقضى وروده
فأرد ما يكون إن ... لم يكن ما تريده
وقيل لأعرابي في شكاته: كيف تجدك؟ قال: «أجدني أجد ما لا أشتهي وأشتهي ما لا أجد، وأنا في زمان من جاد لم يجد، ومن وجد لم يجد» .
стр. 178
وقيل لابن المقفع ألا تقول الشعر؟ قال: الذي يجيئني لا أرضاه، والذي أرضاه لا يجيئني.
وقال بعض النساك: «أنا لما لا أرجو أرجى مني لما أرجو» .
وقال بعضهم: «أعجب من العجب، ترك التعجب من العجب» .
وقال عمر بن عبد العزيز لعبد بني مخزوم: «إني أخاف الله فيما تقلدت» . قال: لست أخاف عليك أن تخاف، وإنما أخاف عليك ألا تخاف.
وقال الأحنف لمعاوية: أخافك إن صدقتك، وأخاف الله إن كذبتك.
وقال رجل من النساك لصاحب له وهو يكيد بنفسه: أما ذنوبي فإني أرجو لها مغفرة الله، ولكني أخاف على بناتي الضيعة. فقال له صاحبه: فالذي ترجوه لمغفرة ذنوبك فارجه لحفظ بناتك.
وقال رجل من النساك لصاحب له: ما لي أراك حزينا؟ قال: كان عندي يتيم أربّيه لأوجر فيه، فمات وانقطع عنا أجره. إذ بطل قيامنا بمؤونته. فقال له صاحبه! فاجتلب يتيما آخر يقوم لك مقام الأول. قال: أخاف ألا أصيب يتيما في سوء خلقه! قال له صاحبه: أما أنا فلو كنت في موضعك منه لما ذكرت سوء خلقه.
وقال آخر: وسمعه أبو هريرة النحوي وهو يقول: ما يمنعني من تعلم القرآن إلا أني أخاف أن أضيعه. قال: أما أنت فقد عجلت له التضييع، ولعلك إذا تعلمته لم تضيعه.
وقال عمر بن عبد العزيز لرجل: من سيّد قومك؟ قال: أنا. قال: لو كنت كذلك لم تقله!
[ما قيل في الحق والباطل]
وقالوا في حسن البيان، وفي التخلّص من الخصم بالحقّ والباطل، وفي تخليص الحق من الباطل، وفي الإقرار بالحق، وفي ترك الفخر بالباطل.
стр. 179
قال أعرابي وذكر حماس بن ثامل فقال:
برئت إلى الرحمن من كلّ صاحب ... أصاحبه إلا حماس بن ثامل
وظني به بين السماطين أنه ... سينجو بحق أو سينجو بباطل
وقال العجير السلوليّ:
وإن ابن زيد لابن عمي وإنه ... لبلّال أيدي جلّة الشول بالدم
طلوع الثنايا بالمطايا وإنه ... غداة المرادي للخطيب المقدم
يسرك مظلوما ويرضيك ظالما ... ويكفيك ما حملته حين تغرم
الشول: جمع شائلة، وهي الناقة التي قد جف لبنها. وإذا شالت بذنبها بعد اللقاح فهي شائل، وجمعها شوّل. المرادي: المصادم والمقارع، يقال رديت الحجر بصخرة أو بمعول، إذا ضربته بها لتكسره. والمرادة: الصخرة التي يكسر بها الحجارة. وقال ابن ربع الهذلي «١» :
أعين ألا فابكي رقيبة إنه ... وصول لأرحام ومعطاء سائل
فأقسم لو أدركته لحميته ... وإن كان لم يترك مقالا لقائل
وقال بعض اليهود، وهو الربيع بن أبي الحقيق من بني النضير «٢» :
سائل بنا خابر أكمائنا ... والعلم قد يلقى لدى السائل
إنّا إذا مالت دواعي الهوى ... وأنصت السامع للقائل
واعتلج الناس بألبابهم ... نقضي بحكم عادل فاصل
لا نجعل الباطل حقا ولا ... نلطّ دون الحق بالباطل
نكره أن تسفه أحلامنا ... فنخمل الدهر مع الخامل
وقال آخر وذكر حماسا أيضا:
стр. 180
أتاني حماس بابن ماه يسوقه ... ليبغيه خيرا وليس بفاعل
ليعطي عبسا مالنا، وصدورنا ... من الغيظ تغلي مثل غلي المراجل
وقافية قيلت لكم لم أجد لها ... جوابا إذا لم تضربوا بالمناصل
فأنطق في حق بحق ولم يكن ... ليرحض عنكم قالة الحق باطلي
ليرحض، أي ليغسل. والراحض: الغاسل. والمرحاض: الموضع الذي يغسل فيه.
وقال عمرو بن معديكرب:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرّت
الجرار: عود يعرض في فم الفصيل، أو يشق به لسانه، لئلا يرضع.
فيقول: قومي لم يطعنوا بالرماح فأثني عليهم، ولكنهم فروا فأسكت كالمجرّ الذي في فمه الجرار.
وقال أبو عبيدة: صاح رؤبة في بعض الحروب التي كانت بين تميم والأزد: يا معشر بني تميم، أطلقوا من لساني.
قال: وأبصر رجلا منهم قد طعن فارسا طعنة، فصاح: «لا عيّا ولا شللا!» والعرب تقول: «عي أبأس من شلل» . كأن العي فوق كلّ زمانة.
وقالت الجهنيّة:
ألا هلك الحلو الحلال الحلاحل ... ومن عنده حلم وعلم ونائل «١»
وذو خطب يوما إذا القوم أفحموا ... تصيب مرادي قوله ما يحاول
بصير بعورات الكلام إذا التقى ... شريجان بين القوم: حق وباطل
أتيّ لما يأتي الكريم بسيفه ... وإن أسلمته جنده والقبائل
وليس بمعطاء الظلامة عن يد ... ولا دون أعلى سورة المجد قابل «٢»
следующие страницы →