Полный текст (863 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
قالوا: والخطابة شيء في جميع الأمم، وبكلّ الأجيال «١» إليه أعظم الحاجة، حتى أن الزّنج مع الغثارة «٢» ، ومع فرط الغباوة، ومع كلال الحد وغلظ الحس وفساد المزاج، لتطيل الخطب، وتفوق في ذلك جميع العجم، وإن كانت معانيها أجفى وأغلظ، وألفاظها أخطل وأجهل «٣» . وقد علمنا أن أخطب الناس الفرس وأخطب الفرس أهل فارس، وأعذبهم كلاما وأسهلهم مخرجا وأحسنهم دلّا «٤» وأشدهم فيه تحكما، أهل مرو، وأفصحهم بالفارسية الدريّة، وباللغة الفهلوية، أهل قصبة الأهواز، فأما نغمة الهرابذة «٥» ، ولغة الموابدة «٦» ، فلصاحب تفسير الزمزمة «٧» .
قالوا: ومن أحبّ أن يبلغ في صناعة البلاغة، ويعرف الغريب، ويتبحر في اللغة، فليقرأ كتاب كاروند. ومن احتاج إلى العقل والأدب، والعلم بالمراتب والعبر والمثلات «٨» ، والألفاظ الكريمة، والمعاني الشريفة، فلينظر في سير الملوك. فهذه الفرس ورسائلها وخطبها والفاظها، ومعانيها. وهذه يونان ورسائلها وخطبها، وعللها وحكمها، وهذه كتبها في المنطق التي قد جعلتها الحكماء بها تعرف السقم من الصحة، والخطأ من الصواب، وهذه كتب الهند في حكمها وأسرارها، وسيرها وعللها، فمن قرأ هذه الكتب، وعرف نور تلك العقول، وغرائب تلك الحكم، عرف أين البيان والبلاغة، وأين تكاملت تلك الصناعة. فكيف سقط على جميع الأمم من المعروفين بتدقيق المعاني، وتخيّر الألفاظ، وتمييز الأمور، أن يشيروا بالقنا والعصي، والقضبان والقسي.
стр. 562
كلا، ولكنكم كنتم رعاة بين الإبل والغنم، فحملتم القنا في الحضر بفضل عادتكم لحملها في السفر، وحملتموها في المدر بفضل عادتكم لحملها في الوبر، وحملتموها في السلم بفضل عادتكم لحملها في الحرب. ولطول إعتيادكم لمخاطبة الإبل، جفا كلامكم، وغلظت مخارج أصواتكم، حتى كأنكم إذا كلمتم الجلساء إنما تخاطبون الصمّان. وإنما كان جل قتالكم بالعصي. ولذلك فخر الأعشى على سائر العرب فقال:
ولسنا نقاتل بالعصي ولا نرامي بالحجارة
إلا علالة أو بدا ... هة قارح نهد الجزاره»
وقال آخر:
فإن تمنعوا منا السلاح فعندما ... سلاح لنا لا يشترى بالدراهم
جنادل أملاء الأكفّ كأنها ... رؤوس رجال حلّقت بالمواسم «٢»
وقال جندل الطهوي:
حتى إذا دارت رحى لا تجري ... صاحت عصي من قنا وسدر
وقال آخر:
دعا ابن مطيع للبياع فجئته ... إلى بيعة قلبي لها غير آلف
فناولني خشناء لما لمستها ... بكفي ليست من أكفّ الخلائف
من الششنات الكزم «٣» أنكرت مسها ... وليست من البيض الرفاق اللطائف
معاودة حمل الهراوي لقومها ... فرورا إذا ما كان يوم التسايف «٤»
стр. 563
وقال آخر:
ما للفرزدق من عز يلوذ به ... إلا بني العمّ في أيديهم الخشب
قالوا: وإنما كانت رماحكم من مرّان، واسنتكم من قرون البقر، وكنتم تركبون الخيل في الحرب اعراء. فإن كان الفرس ذا سرج فسرجه رحالة من أدم، ولم يكن ذا ركاب، والرّكاب من أجود آلات الطاعن برمحه، والضارب بسيفه. وربما قام فيهما أو اعتمد عليهما. وكان فارسهم يطعن بالقناة الصماء، وقد علمنا أن الجوفاء أخف محملا، وأشد طعنة. ويفخرون بطول القناة ولا يعرفون الطعن بالمطاردة «١» ، وإنما القنا الطوال للرّجالة، والقصار للفرسان، والمطارد لصيد الوحش. ويفخرون بطول الرمح وقصر السيف، فلو كان المفتخر بقصر السيف الراجل دون الفارس، لكان الفارس يفخر بطول السيف، وإن كان الطول في الرمح إنما صار صوابا لأنه ينال به البعيد، ولا يفوته العدو، ولأن ذلك يدل على شدة أسر الفارس وقوة أيده. فكذلك السيف الطويل العريض.
وكنتم تتخذون للقناة زجّا وسنانا حين لم يقبض الفارس منكم على أصل قناته، ويعتمد عند طعنته بفخذه، ويستعن بحمية فرسه.
وكان أحدكم يقبض على وسط القناة ويخلف منها مثل ما قدم، فإنما طعنكم الرزة «٢» والنهزة «٣» ، والخلس والزج «٤» .
وكنتم تتساندون في الحرب، وقد أجمعوا على أن الشركة ردية في ثلاثة أشياء: في الملك، والحرب، والزوجة.
وكنتم لا تقاتلون بالليل، ولا تعرفون البيات «٥» ولا الكمين، ولا الميمنة ولا
стр. 564
الميسرة، ولا القلب ولا الجناح، ولا الساقة ولا الطليعة «١» ولا النفّاضة ولا الدّراجة «٢» ، ولا تعرفون من آلة الحرب الرتيلة ولا العرادة «٣» ، ولا المجانيق، ولا الدّبابات «٤» ولا الخنادق، ولا الحسك، ولا تعرفون الأقبية ولا السراويلات، ولا تعليق السيوف، ولا الطبول ولا البنود ولا التجافيف «٥» ، ولا الجواشن «٦» ولا الخوذ، ولا السواعد ولا الأجرس، ولا الوهق «٧» ولا الرمي بالبنجكان، والزرق بالنفط والنيران.
وليس لكم في الحرب صاحب علم يرجع إليه المنحاز، ويتذكره المنهزم. وقتالكم أما سلّة وأما مزاحفة. والمزاحفة على مواعد متقدمة، والسّلة مسارقة وفي طريق الإستلاب والخلسة.
قالوا: والدليل على أنكم لم تكونوا تقاتلون قول العامري:
يا شدّة ما شددنا غير كاذبة ... على سخينة لولا الليل والحرم
ويدلك على ذلك ايضا قول عبد الحارث بن ضرار:
وعمرو إذ أتانا مستميتا ... كسونا رأسه عضبا صقيلا «٨»
فلولا الليل ما آبوا بشخص ... يخبّر أهلهم عنهم قليلا
стр. 565
وقال أمية بن الأسكر:
ألم تر أن ثعلبة بن سعد ... غضاب، حبذا غضب الموالي
تركت مصرفا لما التقينا ... صريعا تحت أطراف العوالي
ولولا الليل لم يفلت ضرار ... ولا رأس الحمار أبو جفال
الرد على الشعوبية
قلنا: ليس فيما ذكرتم من هذه الأشعار دليل على أن العرب لا تقاتل بالليل. وقد يقاتل بالليل والنهار من تحول دون ماله المدن وهول الليل. وربما تحاجز الفريقان وإن كل واحد منهم يرى البيات «١» ، ويرى أن يقاتل إذا بيتوه.
وهذا كثير. والدليل على أنهم كانوا يقاتلون بالليل قول سعد بن مالك في قتل كعب بن مزيقيا الملك الغساني:
وليلة تبّع وخميس كعب ... أتونا، بعد ما نمنا، دبيبا
فلم نهدد لبأسهم ولكن ... ركبنا حدّ كوكبهم ركوبا «٢»
بضرب يفلق الهامات منه ... وطعن يفصل الحلق الصليبا
وقال بشر بن أبي خازم:
فأما تميم تميم بن مر ... فألفاهم القوم روبى نياما
يقول: شربوا الرائب من اللبن فسكروا منه، وهو اللبن الذي قد أدرك ليمخض. يقال منه راب يروب روبا ورؤوبا. ورؤبة اللبن: خميرة تلقى فيه من الحامض. ورؤبة الليل: ساعة منه. يقال أهرق عنا من رؤبة الليل. وقال بعضهم: منه قول الشاعر:
فألفاهم القوم روبى نياما
стр. 566
ويقال: روبى: خثراء الأنفس مختلطون. ويقال شربوا من الرائب فسكروا.
وقال عياض السيديّ:
ونحن نجلنا لابن ميلاء نحره ... بنجلاء من بين الجوانح تشهق «١»
ويوم بني الديان نال أخاهم ... بأرماحنا بالسيّ موت محدّق «٢»
ومنا حماة الجيش ليلة أقبلت ... أياد يزجّيها الهمام محرّق «٣»
وقال آخر:
وعلى شتير راح منا رائح ... بأبي قبيصة كالفنيق المقرّم «٤»
يردي بشرحاف المغاور بعد ما ... نشر النهار سواد ليل مظلم «٥»
وقال عياض السيدي:
لحمام بسطام بن قيس بعدما ... جنح الظلام بمثل لون العظلم
وقال أوس بن حجر:
باتوا يصيب القوم ضيفا لهم ... حتى إذا ما ليلهم أظلما
قروهم شهباء ملمومة ... مثل حريق النار أو أضرما
والله لولا قرزل ما نجا ... وكان مثوى خدك الأخرما
نجاك جياش هزيم كما ... أحميت وسط الوبر الميسما «٦»
стр. 567
وبعد فهل قتل ذواب الأسدي عتيبة بن الحارث بن شهاب إلا في وسط الليل الأعظم، حين تبعوهم فلحقوهم.
وكانوا إذا أجمعوا للحرب دخّنوا بالنهار، وأوقدوا بالليل. قال عمرو بن كلثوم وذكر وقعة لهم:
ونحن غداة أوقد في خزاز ... رفدنا فوق رفد الرافدينا
وقال خمخام السدوسي:
وأنا بالصّليب ببطن فج ... جميعا واضعين به لظانا
ندخّن بالنهار ليبصرونا ... ولا نخفي على أحد أتانا
وأما قولهم: «ولا يعرفون الكمين» فقد قال أبو قيس بن الأسلت:
وأحرزنا المغانم واستبحنا ... حمى الأعداء والله المعين
بغير خلابة مكر ... مجاهرة ولم يخبأ كمين
وأما ذكرهم للركب «١» ، فقد أجمعوا على أن الرّكب كانت قديمة، إلا أن ركب الحديد لم تكن في العرب إلا في أيام الأزارقة. وكانت العرب لا تعود نفسها إذا أرادت الركوب أن تضع أرجلها في الركب. وإنما كانت تنزو نزوا.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: «لا تخور قوة ما كان صاحبها ينزو وينزع» ، يقول: لا تنتكث قوته ما دام ينزع في القوس، وينزو في السرج من غير أن يستعين بركاب.
قال عمر: «الراحة عقلة، وإياكم والسمنة فإنها عقلة «٢» » .
стр. 568
ولهذه العلة قتل خالد بن سعيد بن العاصي، حين غشيه العدو وأراد الركوب ولم يجد من يحمله. ولذلك قال عمر حين رأى المهاجرين والأنصار قد أخصبوا، وهمّ كثير منهم بمقاربة عيش العجم: «تمعددوا وآخشوشنوا «١» ، واقطعوا الركب، وانزوا على الخيل نزوا» . وقال: «احفوا وانتعلوا، إنكم لا تدرون متى تكون الجفلة «٢» » .
وكانت العرب لا تدع اتخاذ الركاب للرحل فكيف تدع الركاب للسرج؟! ولكنهم كانوا وإن اتخذوا الركب فإنهم كانوا لا يستعملونها إلا عندما لا بد منه، كراهة أن يتّكلوا على بعض ما يورثهم الاسترخاء والتفنخ «٣» ويضاهوا أصحاب الترفة والنعمة «٤» . قال الأصمعي: قال العمري: كان عمر بن الخطاب يأخذ بيده اليمنى أذن فرسه اليسرى. ثم يجمع جراميزه ويثب، فكأنما خلق على ظهر فرسه. وفعل مثل ذلك الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهو يومئذ وليّ عهد هشام، ثم أقبل على مسلمة بن هشام فقال له: أبوك يحسن مثل هذا؟ فقال مسلمة: لأبي مائة عبد يحسنون مثل هذا. فقال الناس: لم ينصفه في الجواب.
وزعم رجال من مشيختنا أنه لم يقم أحد من ولد العباس بالملك إلا وهو جامع لأسباب الفروسية.
وأما ما ذكروا من شأن رماح العرب فليس الأمر في ذلك على ما يتوهمون.
للرماح طبقات: فمنها النيزك «٥» ، ومنها المربوع، ومنها المخموس «٦» ، ومنها التام، ومنها الخطل وهو الذي يضطرب في يد صاحبه لأفراط طوله. فإذا أراد الرجل أن يخبر عن شدة أمر صاحبه ذكره، كما ذكر متمّم بن نويرة أخاه
стр. 569
مالكا، فقال: «كان يخرج في الليلة الصنبر عليه الشملة الفلوت «١» ، بين المزادتين النضوحين، على الجمل الثفال، معتقل الرمح الخطل» . قالوا له:
وابيك إن هذا لهو الجلد. ولا يحمل الرمح الخطل منهم إلا الشديد الأيّد «٢» ، والمدلّ بفضل قوته عليه، الذي إذا رآه الفارس في تلك الهيئة هابه وحاد عنه، فإن شد عليه كان أشدّ لاستخذائه له «٣» .
والحال الأخرى أن يخرجوا في الطلب بعقب الغارة، فربما شدّ على الفارس المولّي فيفوته بأن يكون رمحه مربوعا أو مخموسا، وعند ذلك يستعملون النيازك.، والنيزك أقصر الرماح. وإذا كان الفارس الهارب يفوت الفارس الطالب زجه بالنيزك، وربما هاب مخالطته فيستعمل الزج دون الطعن، صنيع ذؤاب الأسدي بعتيبة بن الحارث بن شهاب.
وقال الشاعر:
واسمر خطّيا كأنّ كعوبه ... نوى القصب قد أربى ذراعا على العشر
وقال آخر:
هاتيك تحملني وأبيض صارما ... ومحرّبا في مارن مخموس «٤»
وقال آخر:
فولوا وأطراف الرماح عليهم ... قوادر، مربوعاتها وطوالها
وهم قوم الغارات فيهم كثيرة، وبقدر كثرة الغارات كثر فيهم الطلب، والفارس ربما زاد في طول رمحه ليخبر عن فضل قوته، ويخبر عن قصر سيفه ليخبر عن فضل نجدته. قال كعب بن مالك:
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها إذا لم تلحق
стр. 570
وقال آخر:
إذا الكماة تنحوا أن يصيبهم ... حدّ الظبات وصلناها بأيدينا
وقال رجل من بني نمير:
وصلنا الرفاق المرهفات بخطونا ... على الهول حتى أمكنتنا المضارب
وقال حميد بن ثور الهلالي:
ووصل الخطا بالسيف والسيف بالخطا ... إذا ظن أن السيف ذو السيف قاصر
وقال آخر:
الطاعنون في النحور والكلى ... شزرا ووصالو السيوف بالخطى «١»
وأما ما ذكروا «من اتخاذ الزّج لسافلة الرمح، والسنان لعاليته» فقد ذكروا أن رجلا قتل أخوين في نقاب «٢» ، أحدهما بعالية الرمح، والآخر بسافلته.
وقدم في ذلك راكب من قبل بني مروان على قتادة يستثبت الخبر من قبله، فأثبته له.
وقال الآخر:
إن لقيس عادة تعتادها ... سلّ السيوف وخطى تزدادها
وقد وصفوا أيضا السيوف بالطول. وقال عمارة بن عقيل:
بكل طويل السيف ذي خيزرانة ... جريء على الأعداء معتمد الشطب «٣»
стр. 571
وجملة القول أنا لا نعرف الخطب إلا للعرب والفرس. فأما الهند فإنما لهم معان مدونة، وكتب مخلدة، لا تضاف إلى رجل معروف، ولا إلى عالم موصوف، وإنما هي كتب متوارثة، وآداب على وجه الدهر سائرة مذكورة.
ولليونانيين فلسفة وصناعة منطق، وكان صاحب المنطق نفسه بكيّ اللسان، غير موصوف بالبيان، مع علمه بتمييز الكلام وتفصيله ومعانيه، وبخصائصه. وهم يزعمون أن جالينوس كان أنطق الناس، ولم يذكروه بالخطابة، ولا بهذا الجنس من البلاغة، وفي الفرس خطباء، إلا أن كل كلام للفرس، وكل معنى للعجم، فإنما هو عن طول فكرة وعن اجتهاد رأي، وطول خلوة، وعن مشاورة ومعاونة، وعن طول التفكر ودراسة الكتب، وحكاية الثاني علم الأول، وزيادة الثالث في علم الثاني، حتى اجتمعت ثمار تلك الفكر عند آخرهم. وكلّ شيء للعرب فإنما هو بديهة وإرتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكر ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام، وإلى رجز بوم الخصام، أو حين يمتح على رأس بئر، أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة أو المناقلة، أو عند صراع أو في حرب، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب، وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني إرسالا «١» ، وتنثال الألفاظ انثيالا، ثم لا يقيّده على نفسه، ولا يدرسه أحدا من ولده. وكانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر، وله أقهر، وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه من البيان أرفع، وخطباؤهم للكلام أوجد، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ، ويحتاجوا إلى تدارس، وليس هم كمن حفظ علم غيره، واحتذى على كلام من كان قبله، فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم، والتحم بصدورهم، واتصل بعقولهم، من غير تكلّف ولا قصد، ولا تحفظ ولا طلب. وإن شيئا هذا الذي في أيدينا جزء منه لبالمقدار الذي لا يعلمه إلا من أحاط بقطر السحاب وعدد التراب، وهو الله الذي يحيط بما كان، والعالم بما سيكون.
стр. 572
ونحن- أبقاك الله- إذا دعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيد والإرجاز، ومن المنثور والإسجاع، ومن المزدوج وما لا يزدوج، فمعنا العلم أن ذلك لهم شاهد صادق من الديباجة الكريمة، والرونق العجيب، والسبك والنحت، الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم، ولا أرفعهم في البيان أن يقول مثل ذلك إلا في اليسير، والنبذ القليل.
ونحن لا نستطيع أن نعلم أن الرسائل التي بأيدي الناس للفرس، أنها صحيحة غير مصنوعة، وقديمة غير مولّدة، إذ كان مثل ابن المقفع وسهل بن هارون، وابي عبيد الله، وعبد الحميد وغيلان، يستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل، ويصنعوا مثل تلك السير.
وأخرى: أنك متى أخذت بيد الشعوبي فأدخلته بلاد الأعراب الخلّص، ومعدن الفصاحة التامة، ووقفته على شعر مفلق، أو خطيب مصقع، علم أن الذي قلت هو الحق، وأبصر الشاهد عيانا. فهذا فرق ما بيننا وبينهم.
فتفهّم عني، فهمك الله، ما أنا قائل في هذا، ثم اعلم أنك لم ترقوما قط أشقى من هؤلاء الشعوبية ولا أعدى على دينه، ولا أشد استهلاكا لعرضه، ولا أطول نصبا، ولا أقل غنما من أهل هذه النحلة. وقد شفى الصدور منهم طول جثوم الحسد على أكبادهم، وتوقد نار الشنآن في قلوبهم، وغليان تلك المراجل الفائرة، وتسعّر تلك النيران المضطرمة. ولو عرفوا أخلاق أهل كل ملة، وزيّ اهل كل لغة وعللهم، على اختلاف شاراتهم «١» وآلاتهم، وشمائلهم وهيئاتهم، وما علة كل شيء من ذلك، ولم اجتلبوه ولم تكلفوه، لأراحوا أنفسهم، ولخفت مؤونتهم على من خالطهم.
[عصا سليمان وعصا موسى]
والدليل على أن أخذ العصا مأخوذ من أصل كريم، ومعدن شريف، ومن المواضع التي لا يعيبها إلا جاهل، ولا يعترض عليها إلا معاند، اتخاذ
стр. 573
سليمان بن داود ﷺ العصا لخطبته وموعظته، ولمقاماته، وطول صلاته، ولطول التلاوة والانتصاب، فجعلها لتلك الخصال جامعة. قال الله وقوله الحق: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ
. والمنسأة هي العصا.
قال أبو طالب حين قام يذم الرجل الذي ضرب زميله بالعصا فقتله حين تخاصما في حبل وتجاذبا:
أمن أجل حبل لا أباك علوته ... بمنسأة قد جاء حبل واحبل
وقال آخر
إذا دببت على المنسأة من كبر ... فقد تباعد عنك اللهو والغزل
قال أبو عثمان: وإنما بدأنا بذكر سليمان ﷺ لأنه من أبناء العجم، والشعوبية إليهم أميل، وعلى فضائلهم أحرص، ولما أعطاهم الله أكثر وصفا وذكرا.
وقد جمع الله لموسى بن عمران ﵇ في عصاه من البرهانات العظام، والعلامات الجسام، ما عسى أن يفي ذلك بعلامات عدة من المرسلين وجماعة من النبيين. قال الله ﵎ فيما يذكر من عصاه: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما
، إلى قوله تعالى:
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى.
فلذلك قال الحسن بن هاني في شأن خصيب وأهل مصر حين اضطربوا عليه:
فإن تك من فرعون فيكم بقية ... فإن عصا موسى بكف خصيب
ألم تر أن السحرة لم يتكلفوا تغليط الناس والتمويه عليهم إلا بالعصي، ولا عارضهم موسى إلا بعصاه.
стр. 574
وقال الله : وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ. قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ.
وقال الله : قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ. قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ. وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ. فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
. ألا ترى أنهم لما سحروا أعين الناس واسترهبوهم بالعصي والحبال، لم يجعل الله للحبال من الفضيلة في اعطاء البرهان ما جعل للعصا، وقدرة الله على تصريف الحبال في الوجوه، كقدرته على تصريف العصا.
وقال الله ﵎: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ. وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ
. فبارك كما ترى على تلك الشجرة، وبارك في تلك العصا، وإنما العصا جزء من الشجر.
وقال : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها. أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها.
[أصل العصا الشجرة المباركة]
وقالت الحكماء: إنما تبنى المدائن على الماء والكلأ والمحتطب. فجمع بقوله: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها
النجم والشجر، والملح واليقطين، والبقل والعشب. فذكر ما يقوم على ساق وما يتفنن وما يتسطح، وكل ذلك مرعي، ثم قال على النسق: مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
، فجمع بين الشجر والماء والكلأ والماعون كله، لأن الملح لا يكون إلا بالماء، ولا تكون النار إلا من الشجر.
стр. 575
وقال الله ﵎: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
. وقال: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ. نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
. والمرخ «١» والعفار «٢» ، والسواس «٣» والعراجين، وجميع عيدان النار، وكل عود يقدح على طول الإحتكاك فهو غني بنفسه، بالغ للمقوي وغير المقوي «٤» وحجر المرو يحتاج إلى قراعة الحديد، وهما يحتاجان إلى العطبة «٥» ، ثم إلى الحطب. والعيدان هي القادحة، وهي المورية، وهي الحطب.
قال الله : الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ.
والماعون الماء والنار والملح والكلأ. وقال الأسدي:
وكأن أرحلنا بجو محصّب ... بلوى عنيزة من مقيل الترمس
في حيث خالطت الخزامى عرفجا ... يأتيك قابس اهلها لم يقبس
وإنما وصف خصب الوادي ولدونة عيدانه، ورطوبة الورق. وهذا خلاف قول عمرو بن عبد هند:
فإن السنان يركب المرء حدّه ... من العر أو يعدو على الأسد الورد
وأن الذي ينهاكم عن طلابها ... يناغي نساء الحي في طرّة البرد
يعلّل والأيام تنقص عمره ... كما تنقص النيران من طرف الزند
وذكر الله النخلة فجعلها شجرة، فقال: أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ.
وذكر رسول الله ﷺ حرمة الحرم فقال: «لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها» .
стр. 576
وقال الله : وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ.
وتقول العرب ليس شيء أدفأ من شجر، ولا أظل من شجر.
ولم يكلّم الله موسى إلا من شجرة، وجعل أكبر آياته في عصاه، وهي من الشجر. ولم يمتحن الله جل وعز صبر آدم وحواء، وهما أصل هذا الخلق وأوله، إلا بشجرة. ولذلك قال: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ
. وجعل بيعة الرضوان تحت شجرة. وقال: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ.
وسدرة المنتهى التي عندها جنة المأوى شجرة.
وشجرة سرّ تحتها سبعون نبيا لا تعبل ولا تسرف «١» .
وحين اجتهد ابليس في الاحتيال لآدم وحوا صلى الله عليهما، لم يصرف الحيلة إلا إلى الشجرة، وقال: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى.
وفيما يضرب بالأمثال من العصي قالوا: قال جميل بن بصبهري حين شكا إليه الدهاقين «٢» شر الحجاج. قال أخبروني أين مولده؟ قالوا الحجاز. قال ضعيف معجب. قال فمنشؤه؟ قالوا الشام. قال ذلك شر. ثم قال ما أحسن حالكم إن لم تبتلوا معه بكاتب منكم، يعني من أهل بابل. فابتلوا بزاذان فروخ الأعور. ثم ضرب لهم مثلا فقال: إن فأسا ليس فيها عود ألقيت بين الشجر، فقال بعض الشجر لبعض: ما ألقيت هذه ها هنا لخير. قال: فقالت شجرة عادية إن لم يدخل في است هذه عود منكن فلا تخفنها.
وقال يزيد بن مفرّغ:
العبد يقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه الملامه
стр. 577
وقال: أخذه من الفلتان الفهمي، حيث قال:
العبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الاشارة
وقال مالك بن الرّيب:
العبد يقرع بالعصا ... والحر يكفيه الوعيد
وقال بشار بن برد:
الحر يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الردّ
وقال آخر
فاحتلت حين صرمتني ... والمرء يعجز لا المحاله
والدهر يلعب بالفتى ... والدهر أروغ من ثعاله «١»
والمرء يكسب ماله ... بالشّحّ يورثه الكلاله «٢»
والعبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه المقاله
[منافع العصا ومرافقها]
ومما يدخل في باب الانتفاع بالعصا أن عامرا بن الظرب العدواني، حكم العرب في الجاهلية، لما أسنّ واعتراه النسيان، أمر ابنته أن تقرع بالعصا إذا هو فهّ «٣» عن الحكم، وجار عن القصد، وكانت من حكيمات بنات العرب حتى جاوزت في ذلك مقدار صحر بنت لقمان، وهند بنت الخس، وجمعة بنت حابس ابن مليل الاياديين.
وكان يقال لعامر: ذو الحلم، ولذلك قال الحارث بن وعلة:
وزعمتم أن لا حلوم لنا ... إن العصا قرعت لذى الحلم
стр. 578
وقال المتلمس في ذلك:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلا ليعلما
وقال الفرزدق بن غالب:
نإن كنت أستأني حلوم مجاشع ... فإن العصا كانت لذي الحلم تقرع
ومن ذلك حديث سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، واعتزام لملك على قتل أخيه إن هو لم يصب ضميره، فقال له سعد: أبيت اللعن تدعني حتى أقرع بهذه العصا أختها؟ فقال له الملك: وما علمه بما تقول العصا؟ فقرع بها مرة وأشار بها مرة، ثم رفعها ثم وضعها، ففهم المعنى فأخبره ونجا من القتل.
وذكر العصا يجري عندهم في معان كثيرة. تقول العرب: «العصا من العصية، والأفعى بنت حية» ، تريد أن الأمر الكبير يحدث عن الأمر الصغير.
ويقال: «طارت عصا فلان شققا» . وقال الأسدي:
عصيّ الشمل من أسد أراها ... قد انصدعت كما انصدع الزجاج
ويقال: «فلان شق عصا المسلمين» ، ولا يقال شق ثوبا ولا غير ذلك مما يقع عليه اسم الشق. وقال العتّابي في مديح بعض الخلفاء:
إمام له كف يضمّ بنانها ... عصا الدين ممنوعا من البري عودها
وعين محيط بالبرية طرفها ... سواء عليه قربها وبعيدها
وقال مضّرس الأسدي:
فألقت عصا التسيار عنها وخيمت ... بأرجاء عذب الماء بيض محافره
وقال أيضا:
فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قرّ عينا بالأياب المسافر
стр. 579
ويقال لبني أسد: «عبيد العصا» يعني أنهم كانوا ينقادون لكل من حالفوا من الرؤساء. وقال بشر بن أبي خازم:
عبيد العصا لم يتقوك بذمة ... سوى سيب سعدى إن سيبك واسع
وتسمي العرب كل صغير الرأس: «رأس العصا» .
وكان عمر بن هبيرة صغير الرأس، فقال سويد بن الحارث:
من مبلغ رأس العصا إن بيننا ... ضغائن لا تنسى وإن قدم الدهر
وقال آخر:
فمن مبلغ رأس العصا أن بيننا ... ضغائن لا تنسى وإن قيل سلّت
رضيت لقيس بالقليل ولم تكن ... أخا راضيا لو أن نعلك زلّت
وكان والبة صغير الرأس، فقال ابو العتاهية في رأس والبة ورؤوس قومه:
رؤوس عصيّ كن من عود أثلة ... لها قادح يبرى وآخر مخرب
والدليل على أنهم كانوا يتّخذون المخاصر في مجالسهم كما يتخذون القنا والقسي في المحافل، قول الشاعر في بعض الخلفاء:
في كفه خيزران ريحه عبق ... من كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضى حياء ويغضى من جلالته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
وقال الآخر:
مجالسهم خفض الحديث وقولهم ... إذا ما قضوا في الأمر وحي المخاصر
وقال الآخر:
يصيبون فصل القول في كلّ خطبة ... إذا وصلوا أيمانهم بالمخاصر
стр. 580
وحدثني بعض أصحابنا قال: كنا منقطعين إلى رجل من كبار أهل العسكر، وكان لبثنا يطول عنده، فقال له بعضنا: إن رأيت أن تجعل لنا إمارة إذا ظهرت لنا خففنا عنك ولم نتبعك بالقعود، فقد قال أصحاب معاوية لمعاوية مثل الذي قلنا لك فقال: أمارة ذلك أن أقول إذا شئتم. وقيل ليزيد مثل ذلك فقال: إذا قلت على بركة الله. وقيل لعبد الملك مثل ذلك فقال: إذا ألقيت الخيزرانة من يدي. فأيّ شيء تجعل لنا أصلحك الله؟ قال: إذا قلت يا غلام الغداء.
وفي الحديث أن رجلا ألحّ على النبي ﷺ في طلب بعض المغنم وفي يده مخصرة، فدفعه بها، فقال يا رسول الله أقصني. فلما كشف النبي له عن بطنه احتضنه فقبل بطنه.
وفي تثبيت شأن العصا وتعظيم أمرها، والطعن على من ذم عاملها، قالوا: كانت لعبد الله بن مسعود عشر خصال: أولها السواد، وهو سرار النبي ﷺ . فقال له النبي: «إذنك علي أن يرفع الحجاب، وتسمع سوادي» . وكان معه مسواك النبي ﷺ ، وكانت معه عصاه.
قال ودخل عمير بن سعد على عمر بن الخطاب، حين رجع إليه من عمل حمص، وليس معه إلا جراب وإداوة وقصعة وعصا، فقال له عمر: ما الذي أرى بك، من سوء الحال أو تصنع؟ قال: وما الذي ترى بي، ألست صحيح البدن، معي الدنيا بحذافيرها؟ قال: وما معك من الدنيا؟ قال: معي جرابي أحمل فيه زادي، ومعي قصعتي أغسل فيها ثوبي، ومعي إداوتي أحمل فيها مائي لشرابي، ومعي عصاي إن لقيت عدوا قاتلته، وإن لقيت حية قتلتها، وما بقي من الدنيا فهو تبع لما معي.
وقال الهيثم بن عدي، عن شرقي بن القطامي وسأله سائل عن قول الشاعر:
لا تعدلنّ أتاويين تضربهم ... نكباء صر بأصحاب المحلات «١»
стр. 581
قال: والمحلات: الدلو، والمقدحة، والقربة، والفأس. قال: فأين أنت عن العصا؟ والصفن خير من الدلو وأجمع.
وقال النمر بن تولب:
أفرغت في حوضها صفني لتشربه ... في دائر خلق الأعضاد أهدام
وأما العصا فلو شئت أن أشغل مجلسي كله بخصالها لفعلت.
وتقول العرب في مديح الرجل الجلد، الذي لا يفتات عليه بالرأي: «لا ذلك الفحل لا يقرع أنفه» . وهذا كلام يقال للخاطب إذا كان على هذه الصفة، ولأن الفحل اللئيم إذا أراد الضراب ضربوا أنفه بالعصا.
وقد قال أبو سفيان بن حرب بن أمية، عندما بلغه من تزوج النبي ﷺ بأم حبيبة، وقيل له: مثلك تنكح نساؤه بغير إذنه؟! فقال: «ذلك الفحل لا يقرع انفه» .
والحمار الفاره يفسده السوط وتصلحه المقرعة. وأنشد لسلامة بن جندل:
أنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب «١»
وقال الحجاج: «والله لأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل» . وذلك أن الأشجار تعصب أغصانها، ثم تخبط بالعصي لسقوط الورق وهشيم العيدان:
ودخل أبو مجلّز على قتيبة بخراسان، وهو يضرب رجالا بالعصي، فقال:
أيها الأمير، إن الله قد جعل لكل شيء قدرا، ووقّت فيه وقتا، فالعصا للأنعام والبهائم العظام، والسوط للحدود والتعزير، والدرة للأدب، والسيف لقتال العدو والقود.
стр. 582
ثم قال الشرقيّ: ولكن دعنا من هذا، خرجت من الموصل وأنا أريد الرقة مستخفيا، وأنا شاب خفيف الحاذ، فصحبني من أهل الجزيرة فتى ما رأيت بعده مثله، فذكر أنه تغلبي، من ولد عمرو بن كلثوم، ومعه مزود وركوة وعصا، فرأيته لا يفارقها، وطالت ملازمته لها، فكدت من الغيظ أرمي بها في بعض الأودية، فكنا نمشي فإذا أصبنا دواب ركبناها، وإن لم نصب الدواب مشينا، فقلت له في شأن عصاه، فقال لي: إن موسى بن عمران ﷺ حين آنس من جانب الطور نارا، وأراد الإقتباس لأهله منها، لم يأت النار في مقدار تلك المسافة القليلة إلا ومعه عصاه، فلما صار بالوادي المقدس من البقعة المباركة قيل له: الق عصاك، واخلع نعليك. فرمى بنعليه راغبا عنهما، حين نزّه الله ذلك الموضع عن الجلد غير الذكي، وجعل الله جماع امره من أعاجيبه وبرهاناته في عصاه، ثم كلمه من جوف شجرة ولم يكلمه من جوف إنسان ولا جان.
قال الشرقي إنه ليكثر من ذلك وإني لأضحك متهاونا بما يقول، فلما برزنا على حمارينا تخلّف المكاري فكان حماره يمشي، فإذا تلكأ أكرهه بالعصا، وكان حماري لا ينساق، وعلم أنه ليس في يدي شيء يكرهه، فسبقني الفتى إلى المنزل فاستراح واراح، ولم أقدر على البراح، حتى وافاني المكاري، فقلت: هذه واحدة.
فلما أردنا الخروج من الغد لم نقدر على شيء نركبه، فكنا نمشي فإذا أعيا توكأ على العصا. وربما أحضر ووضع طرف العصا على وجه الأرض فاعتمد عليها ومرّ كأنه سهم زالج، حتى انتهينا إلى المنزل وقد تفسخت من الكلال، وإذا فيه فضل كثير، فقلت هذه ثانية.
فلما كان في اليوم الثالث، ونحن نمشي في أرض ذات أخاقيق «١» وصدوع، إذ هجمنا على حية منكرة فساورتنا، فلم تكن عندي حيلة إلا خذلانه
стр. 583
واسلامه إليها، والهرب منها، فضربها بالعصا فثقلت، فلما بهشت له «١» ورفعت صدرها ضربها حتى وقذها «٢» ، ثم ضربها حتى قتلها، فقلت: هذه ثالثة، وهي أعظمهن.
فلما خرجنا في اليوم الرابع، وقد والله قرمت إلى اللحم «٣» وأنا هارب معدم، إذا أرنب قد اعترضت، فخذفها بالعصا، فما شعرت إلا وهي معلقة وأدركنا ذكاتها «٤» ، فقلت: هذه رابعة.
واقبلت عليه فقلت لو أن عندنا نارا لما أخرت أكلها إلى المنزل. قال فإن عندك نارا! فأخرج عويدا من مزوده، ثم حكه بالعصا فأورت إيراء المرخ والعفار عنده لا شيء، ثم جمع ما قدر عليه من الغثاء والحشيش فأوقد ناره وألقى الأرنب في جوفها، فأخرجناها وقد لزق بها من الرماد والتراب ما بغّضها إلي، فعلقها بيده اليسرى ثم ضرب بالعصا على جنوبها واعراضها ضربا رقيقا، حتى انتثر كل شيء عليها، فأكلناها وسكن القرم، وطابت النفس، فقلت: هذه خامسة.
ثم أنا نزلنا بعض الخانات، وإذ البيوت ملاء روثا وترابا، ونزلنا بعقب جند وخراب متقدم، فلم نجد موضعا نظل فيه، فنظر إلى حديدة مسحاة «٥» مطروحة في الدار، فأخذها فجعل العصا نصابا لها، ثم قام فجرف جميع ذلك التراب والروث، وجرّد الأرض بها جردا، حتى ظهر بياضها، وطابت ريحها فقلت: هذه سادسة.
وعلى أي حال لم تطب نفسي أن أضع طعامي وثيابي على الأرض، فنزع والله العصا من حديدة المسحاة فوتدها في الحائط، وعلق ثيابي عليها، فقلت: هذه سابعة.
стр. 584
فلما صرت إلى مفرق الطرق، وأردت مفارقته، قال لي: لو عدلت فبتّ عندي كنت قد قضيت حقّ الصحبة، والمنزل قريب. فعدلت معه فأدخلني في منزل يتصل ببيعة. قال: فما زال يحدثني ويطرفني ويلطفني الليل كله، فلما كان السحر أخذ خشيبة ثم أخرج تلك العصا بعينها فقرعها بها، فإذا ناقوس ليس في الدنيا مثله، وإذا هو أحذق الناس بضربه، فقلت له: ويلك، أما أنت مسلم وأنت رجل من العرب من ولد عمرو بن كلثوم؟ قال: بلى. قلت فلم تضرب بالناقوس؟ قال: جعلت فداك! إن أبي نصراني، وهو صاحب البيعة، وهو شيخ ضعيف، فإذا شهدته بررته بالكفاية.
فإذا هو شيطان مارد، وإذا أظرف الناس كلهم وأكثرهم أدبا وطلبا، فخبرته بالذي أحصيت من خصال العصا، بعد أن كنت هممت أن أرمي بها، فقال: والله لو حدثتك عن مناقب نفع العصا إلى الصبح لما استنفدتها.
تفسير شعر غنيّه الأعرابية، في شأن ابنها.
وذلك إنه كان لها ابن شديد العرامة «١» ، كثير التفلت إلى الناس، مع ضعف أسر ودقة عظم، فواثب مرة فتى من الأعراب فقطع الفتى أنفه، فأخذت غنية دية أنفه فحسنت حالها بعد فقر مدقع. ثم واثب آخر فقطع أذنه فأخذت الدية فزادت دية أذنه في المال وحسن الحال. ثم واثب بعد ذلك آخر فقطع شفته فأخذت دية شفته. فلما رأت ما قد صار عندها من الإبل والغنم والمتاع والكسب بجوارح ابنها حسن رأيها فيه، فذكرته في أرجوزة لها تقول فيها:
أحلف بالمروة يوما والصّفا ... إنك خير من تفاريق العصا
فقيل لأبن الأعرابي: ما تفاريق العصا؟ قال: العصا تقطع ساجورا «٢» وتقطّع عصا الساجور فتصير أوتادا، ويفرّق الوتد فيصير كل قطعة شظاظا «٣» .
فإذا كان رأس الشظاظ كالفلكة صار للبختيّ مهارا، وهو العود الذي يدخل في
стр. 585
أنف البختي، وإذا فرّق المهار جاءت منه تواد «١» . والسواجير تكون للكلاب والأسرى من الناس. وقال النبي ﷺ : «يؤتى بناس من ها هنا يقادون إلى حظوظهم بالسواجير» . وإذا كانت قناة فكل شقّة منها قوس بندق، فإن فرقت الشقة صارت سهاما، فإن فرقت السهام صارت حظاء، وهي سهام صغار. قال الطرماح:
أكلب كحظاء الغلام.
والواحدة حظوة وسروة، فإن فرقت الحظاء صارت مغازل، فإن فرّق المغزل شعب به الشعّاب أقداحه المصدوعة، وقصاعه المشقوقة. على أنه لا يجد لها أصلح منها. وقال الشاعر:
نوافذ أطراف القنا قد شككنه ... كشكّك بالشّعب الإناء المثلّما
فإذا كانت العصا صحيحة ففيها من المنافع الكبار والمرافق الأوساط والصغار ما لا يحصيه أحد، وإن فرّقت ففيها مثل الذي ذكرنا وأكثر. فأيّ شيء يبلغ في المرفق والرد مبلغ العصا.
وفي قول موسى: وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
دليل على كثرة المرافق فيها، لأنه لم يقل: ولي فيها مأربة أخرى، والمآرب كثيرة. فالذي ذكرنا قبل هذا داخل في تلك المآرب.
ولا نعرف شعرا يشبه معنى شعر غنية بعينه لا يغادر منه شيئا. ولكن زعم بعض أصحابنا أن أعرابيين ظريفين من شياطين الأعراب حطمتهما السنة، فانحدرا إلى العراق، واسم أحدهما حيدان، فبيناهما يتماشيان في السوق إذا فارس قد أوطأ دابته رجل حيدان فقطع أصبعا من أصابعه، فتعلقا به حتى أخذا منه أرش الأصبع «٢» ، وكانا جائعين مقرورين، فحين صار المال في أيديهما قصدا لبعض الكرابج «٣» فابتاعا من الطعام ما أشتهيا، فلما أكل صاحب حيدان وشبع أنشأ يقول:
стр. 586
فلا غرث ما كان في الناس كربج ... وما بقيت في رجل حيدان أصبع
وهذا الشعر وشعر غنية من الظرف الناصع الذي سمعت به، وظرف الأعراب لا يقوم له شيء.
وناس كثير لا يستعملون في قتالهم إلا العصيّ، منهم الزنج: قنبلة ولنجويه والنمل والكلاب، وتكفو وتنبو. على ذلك يعتمدون في حروبهم.
ومنهم النبط، ولهم بها ثقافة وشدة وغلبة، واثقف ما تكون الأكراد إذا قاتلت بالعصي. وقتال المخارجات «١» كلها بالعصي، ولهم هناك ثقافه ومنظر حسن، ولقتالهم منزلة بين السلامة والعطب.
والناس يضربون المثل بقتال البقّار بقناته. ويقال في المثل: «ما هو إلا ابنة عصا، وعقدة رشا «٢» » .
ويقال للراعي: «إنه لضعيف العصا» إذا كان قليل الضرب بها للإبل، شديد الإشفاق عليها. وقال الراعي
ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس أصبعا
فإذا كان الراعي جلدا قويا عليها قالوا: صلب العصا. ولذلك قال الراجز:
صلب العصا باق على أذاتها
وقال الآخر في معنى الراعي:
لا تضرباها وأشهرا العصيا
ويقولون: قد أقبل فلان ولانت عصاه، إذا أصابه السّواف «٣» فرجع وليس معه إلا عصاه لأنه لا يفارقها كانت له ابل أم لم تكن.
стр. 587
ويقولون: كلما قرعت عصا بعصا، وعصا على عصا، وعصا عصا قالوا خذوا فلانا بذلك. وقال حميد بن ثور:
اليوم تنزع العصا من ربها ... ويلوك ثني لسانه المنطيق
ويكتب مع قوله:
تغشى العصا والزجر إن قيل حل ... يرسلها التغميض إن لم ترسل
وقال آخر:
هذا ورود بزّل وسدس «١» ... يغلي بها كلّ مسيم مرغس
ردّت من الغور وأكناف الرسي ... من عشب أحوى وحمض مورس
وذائد جلد العصا دلهمس «٢» ... إن قيل قم قام وإن قيل أجلس
داست سماطي عفر مدعّس «٣»
ويدل على شدة قتالهم بالعصا قول بشامة بن حزن النهشلي:
فدى لرعاء بالنّحيرة ذبّبوا ... بأعصيهم والماء برد المشارب «٤»
تألى نعيم لا تجوز بحوضه ... فقلت تحلّل يا نعيم بن قارب «٥»
فإن زيادا لم يكن ليردّها ... وسبرة عن ماء النضيح المقارب
اغرّك أن جاءت ظماء وباشرت ... بأعناقها برد النصاب الصّباصب «٦»
تناولن ما في الحوض ثم امترينه ... بجرع وأعناق طوال الذوائب «٧»
стр. 588
ويقول فلان ضعيف العصا، إذا كان لا يستعمل عصاه. ولذلك قال البعيث:
وأنت بذات السّدر من أم سالم ... ضعيف العصا مستضعف متهضّم
وقال آخر:
وما صاديات حمن يوما وليلة ... على الماء يغشين العصيّ حوان
لوائب لا يصدرن عنه لوجهة ... ولا هن من برد الحياض دوان
يرين حباب الماء والموت دونه ... فهن لأصوات السقاة روان
بأوجع مني جهد شوق وغلّة ... إليك ولكنّ العدوّ عداني
وقال آخر:
فما وجد ملواح من الهيم حلّئت ... عن الماء حتى جوفها يتصلصل «١»
تحوم وتغشاها العصي وحولها ... أقاطيع أنعام تعلّ وتنهل
بأعظم مني غلّة وتعطّفا ... إلى الورد إلا أنني أتجمل
ويقال: «ضرب فلان ضرب غرائب الإبل» وهي تضرب عند الهرب وعند الخلاط، وعند الحوض، أشد الضرب. وقال الحارث بن صخر:
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... كما ذيد عن ماء الحياض الغرائب
وقال آخر:
للهام ضرابون بالمناصل «٢» ضرب المذيد غرب النواهل وفي جواهر العصا تفاوت. ويقولون: ما هي إلا غصن بان.
стр. 589
وقال ابن أحمر:
رود الشباب كأنها غصن ... بحرام مكّة ناعم نضر «١»
وقال آخر:
أما تريني قائما في جلّ «٢» ... جمّ الفتوق خلق «٣» هملّ «٤»
محاذرا أبغض عن تحتلّي ... عند اعتلال دهرك المعتلّ
فقد أرى في اليلمق الرّفلّ «٥» ... أصون للإنس جميل الدلّ
لدنا كخوط البانة المبتلّ «٦»
وتكون العصا محراثا، وتكون مخصرة، وتكون المخصرة قضيب حنيرة «٧» وعود ساجور، ثم تكون تودية.
ويقال للرجل إذا كان فيه أبنة: «فلان يخبا العصا» . وقال الشاعر:
زوجك زوج صالح ... لكنه يخبأ العصا
وفي الأمثال: «فحذفه بالقول كما تحذف الأرنب بالعصا» .
وقال أياس بن قتادة العبسمي:
سأنحر أولاها وأحذف بالعصا ... على أثرها إني إذا قلت عازم
وقال ابن كناسة في شرط الراعي على صاحب الإبل: «ليس لك أن تذكر
стр. 590
أمي بخير ولا شر، ولك حذفة بالعصا عند غضبك أصبت أم أخطأت، ولي مقعدي من النار، وموضع يدي من الحار والقار» .
وكان العتبي يحدث في هذين بحديثين: أحدهما قوله عن الأعرابي: «وكان إذا خرست الألسن عن الرأي حذف بالصواب كما تحذف الأرنب بالعصا» .
وأما الحديث الآخر فذكر أن قوما أضلوا الطريق، فاستأجروا أعرابيا يدلهم على الطريق، فقال: إني والله لا أخرج معكم حتى أشرط لكم واشترط عليكم. قالوا فهات مالك. قال «يدي مع أيديكم في الحار والقار، ولي موضعي من النار موسع علي فيها، وذكر والدي عليكم محرم» . قالوا: فهذا لك فما لنا عليك إن أذنبت؟ قال: «أعراضة لا تؤدي إلى عتب، وهجرة لا تمنع من مجامعة السفرة» . قالوا: فإن لم تعتب؟ قال: «فحذفة بالعصا أخطأت أم أصابت» .
وهذان الحديثان لم أسمعهما من عالم، وإنما قرأتهما في بعض الكتب من كتب المسجديين.
ولأهل المدينة عصيّ في رؤوسها عجر لا تكاد أكفهم تفارقها إذا خرجوا إلى ضياعهم ومتنزهاتهم، ولهم فيها أحاديث حسنة، وأخبار طيبة.
وكان الأفشين يقول: «إذا ظفرت بالعرب شدخت رؤوس عظمائهم بالدبوس» والدبوس شبيه بهذه العصا التي في رأسها عجرة وقال جحشويه:
يا رجلا هام بلباد ... معتدل كالغصن مياد
هام به غسان لما رأى ... أيرا له مثل عصا الحادي
ولم يزل يهوى ابو مالك ... كل فتى كالغصن منآد
يعجبه كل متين القوى ... للطعن في الأدبار معتاد
وقالوا في تغميض الناقة عينها، كي تركب العصا إلى الحوض، وهو في معنى قول ابي النجم:
стр. 591
تغشى العصا والزجر أن قيل حل ... يرسلها التغميض إن لم ترسل
وهذا مثل قول الهذلي:
ولأنت أشجع من أسامة «١» إذ ... شدّوا المناطق تحتها الحلق
حدّ السيوف على عواتقهم ... وعلى الأكف ودونها الدّرق «٢»
كغماغم الثيران بينهم ... ضرب تغمض دونه الحدق
وقال حميد بن ثور الهلالي:
اليوم تنتزع العصا من ربها ... ويلوك ثني لسانه المنطيق
ويقال: رجل كالقناة، وفرس كالقناة. وقال الشاعر:
متى ما يجىء يوما إلى المال وارثي ... يجد جمع كف غير ملأى ولا صفر
يجد فرسا مثل القناة وصارما ... حساما إذا ما هزّ لم يرض بالهبر
وجاء في الحديث: أجدبت الأرض على عهد عمر ﵀ حتى ألقت الرعاء العصيّ، وعطّلت النعم، وكسر العظم. فقال كعب «٣» : يا أمير المؤمنين، إن بني اسرائيل كانوا إذا أصابتهم السنة استسقوا بعصبة الأنبياء.
فكان ذلك سبب استسقائه بالعباس بن عبد المطلب.
وساورت حية أعرابيا فضربها بعصاه وسلم منها، فقال:
لولا الهراوة والكفان أنهلني ... حوض المنية قتّال لمن علقا «٤»
أصمّ منهرت الشدقين ملتبد ... لم يغذ إلا المنايا مذ لدن خلقا «٥»
كأن عينيه مسماران من ذهب ... جلاهما مدوس الألان فائتلقا «٦»
стр. 592
وقال الحجاج بن يوسف لأنس بن مالك: «والله لأقلعنك قلع الصّمغة، ولأعصبنك عصب السّلمة، ولأضربنك ضرب غرائب الإبل ولأجردنك تجريد الضب» .
وقال عمر بن الخطاب ﵀ لأبي مريم الحنفي: «والله لا أحبك حتى تحبّ الأرض الدم المسفوح» . لأن الأرض لا تقبل الدم، فإذا جف الدم تقلّع جلبا «١» .
ولقد أسرف المتلمّس حيث يقول:
أحارث أنا لو تساط «٢» دماؤنا ... تزايلن حتى لا يمس دم دما
وأشد سرفا منه قول أبي بكر الشيباني، قال: كنت أسيرا مع بني عم لي من بني شيبان، وفينا من موالينا جماعة في أيدي التغالبة، فضربوا أعناق بني عمي وأعناق الموالي على وهدة من الأرض، فكنت والذي لا إله إلا هو، أرى دم العربي ينماز من دم المولى، حتى أرى بياض الأرض بينهما، فإذا كان هجينا «٣» قام فوقه، ولم يعتزل عنه.
وأنشد الأصمعي:
يذدن وقد ألقيت في قعر حفرة ... كما ذيد عن حوض العراك غرائبه «٤»
وقال العباس بن مرداس:
نقاتل عن أحسابنا برماحنا ... فنضربهم ضرب المذيد الخوامسا
وقال الفرزدق بن غالب:
ذكرت وقد كادت عصا البين تنشطي ... حبالك من سلمي وذو الّلب ذاكر
стр. 593
وقال الأسدي:
إذا المرء أولاك الهوان فأوله ... هوانا وإن كانت قريبا أواصره
ولا تظلم المولى ولا تضع العصا ... على الجهل إن طارت إليك بوادره
وقال جرير بن عطية:
ألا رب مصلوب حملت على العصا ... وباب استه عن منبر الملك زائل
وقالوا في مديح العصا نفسها مع الأغصان وكريم جوهر العصي والقسي:
إذا قامت لسبحتها تثنّت ... كأن عظامها من خيزران
وقال المؤمل بن أميل:
القوم كالعيدان يفضل بعضهم ... بعضا كذاك يفوق عود عودا
لو تستطيع عن القضاء حيادة ... وعن المنية أن تصيب محيدا
كانت تقيّد حين تنزل منزلا ... فاليوم صار لها الكلال قيودا
وقال آخر:
واسلمها الباكون إلا حمامة ... مطوقة بانت وبان قرينها
تجاوبها أخرى على خيزرانة ... يكاد يدنّيها من الأرض لينها
وقال آخر:
ألا أيها الركب المخبون هل لكم ... بأخت بني هند عتيبة من عهد
أألقت عصاها واستقربها النوى ... بأرض بني قابوس أم ظعنت بعدي
وقال آخر:
ألا هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على غصن غضّ النبات من الرند «١»
стр. 594
وقال آخر في امرأة رآها في شارة «١» وبزة، فظن بها جمالا، فلما سفرت إذا هي غول:
فأظهرها ربي بمن وقدرة ... عليّ ولولا ذاك متّ من الكرب
فلما بدت سبّحت من قبح وجهها ... وقلت لها الساجور خير من الكلب «٢»
وقال النبي ﷺ : «يؤتى بقوم من ها هنا يقادون إلى حظوظهم في السواجير» . والساجور يسمى الزمّارة. قالوا: وفي الحديث: «فأتى الحجاج بسعيد بن جبير «٣» ، وفي عنقه زمّارة» .
وقال بعض المسجّنين:
ولي مسمعان وزمارة ... وظلّ مديد وحصن أمق «٤»
وكم عائد لي وكنم زائر ... لو أبصرني زائرا قد شهق
المسمعان: قيدان. وسمى الغلّ الذي في عنقه زمّارة.
وأما قول الوليد:
اسقني يا زبير بالقرقاره ... قد ظمئنا وحنّت الرّمّاره «٥»
اسقني اسقني فإن ذنوبي ... قد أحاطت فما لها كفّاره
فإن الزمارة ها هنا: المزمار.
وقال أيضا صاحب الزمارة في صفة السجن:
стр. 595
فبتّ بأحصنها منزلا ... ثقيلا على عنق السالك
ولست بضيف ولا في كراء ... ولا مستعير ولا مالك
وليس بغصب ولا كالرهون ... ولا يشبه الوقف عن هالك
ولي مسمعان فأدناهما ... يغني ويمسك في الحالك
وأقصاهما ناظر في السما ... ء عمدا وأوسخ من عارك «١»
المسمعان ها هنا أحدهما قيده، والآخر صاحب الجرس.
قال: وأخبرني الكلابي قال: قاتلت بنو عم لي بعضهم بعضا، فجعل بعضهم ينضم إلى بعض لواذا مني، وليس لي في ذلك هجيرى إلا قولي:
قد جعلت تأوى إلى خمّانها «٢» ... وكرسها العاديّ من أعطانها «٣»
فلما طلبوا القصاص، قلت: دونكم يا بني عمي حقكم، فأنا اللحم وأنتم الشفرة، إن وهبتم شكرت، وإن اعتقلتم عقلت، وإن اقتصصتم صبرت.
قال: وسألت يونس عن قوله: (نسيا منسيا) ، قال: تقول العرب إذا ارتحلوا عن المنزل ينزلونه: انظروا أنساءكم. وهي العصا، والقدح، والشظاظ، والحبل. قال فقلت: إني ظننت هذه الأشياء لا ينساها أربابها إلا لأنها أهون المتاع عليهم. قال ليس ذلك كذلك، المتاع الجافي يذكر بنفسه، وصغار المتاع تذهب عنها العيون. وإنما تذهب نفوس العامة إلى حفظ كل ثمين وإن صغر جسمه، ولا يقفون على أقدار فوت الماعون عند الحاجة وفقد المحلات في الأسفار.
وقال يونس: المنسي ما تقادم العهد به ونسي حينا لهوانه. ولم تكن مريم لتضرب المثل في هذا الموضع بالأشياء النفيسة التي الحاجة إليها أعظم من الحاجة إلى الشيء الثمين في الأسواق.
стр. 596
وقال الأشهب بن رميلة «١» :
قال الأقارب لا تغررك كثرتنا ... وأغن نفسك عنا أيها الرجل
علّ بنيّ يشدّ الله أعظمهم ... والنبع ينبت قضبانا فيكتهل
وكان فرس الأخنس بن شهاب تسمى «العصا» ، والأخنس فارس العصا.
وكان لجذيمة الأبرش فرس يقال لها «العصا» .
ولبني جعفر بن كلاب «شحمة» و «الغدير» و «العصا» . فشحمة فرس جزء بن خالد. والعصا فرس عوف بن الأحوص. والغدير فرس شريج بن الأحوص.
والعصا أيضا فرس شبيب بن كعب الطائي.
وقال بعضهم أو بعض خطبائهم:
وليس عصاه من عراجين نخلة ... ولا ذات سير من عصي المسافر
ولكنها إما سألت فنبعة ... وميراث شيخ من جياد المخاصر
والرجل يتمنى إذا لم تكن له قوة وهو يجد العجز، فيقول: «لو كان في العصا سير» . ولذلك قال حبيب بن أوس:
ما لك من همة وعزم ... لو أنه في عصاك سير
ربّ قليل جنى كثيرا ... كم مطر بدؤه مطير
صبرا على النائبات صبرا ... ما صنع الله فهو خير
وإذا لم يجعل المسافر في عصاه سيرا سقطت إذا نعس من يده.
стр. 597
وسئل عن قوله: (ولي فيها مآرب أخرى) ، قال: لست أحيط بجميع مآرب موسى ﷺ ، ولكني سأنبئكم جملا تدخل في باب الحاجة إلى العصا. من ذلك أنها تحمل للحية، والعقرب، وللذئب، وللفحل الهائج، ولعير العانة في زمن هيج الفحول، وكذا فحول الحجور «١» في المروج. ويتوكأ عليها الكبير الدالف، والسقيم المدنف، والأقطع الرجل، والأعرج، فإنها تقوم مقام رجل أخرى.
وقال أعرابي مقطوع الرجل:
الله يعلم أني من رجالهم ... وإن تخدّد عن متنيّ أطماري «٢»
وإن رزيت يدا كانت تجمّلني ... وإن مشيت على زج ومسمار
والعصي تنوب للأعمى عن قائده، وهي للقصّار والفاشكار والدبّاغ.
ومنها المفأد للملّة «٣» والمحراك للتنّور. قال الشاعر:
إذا كان ضرب الخبز مسحا بخرقة ... وأحمد دون الطارق التنّور
كأنه كره أن ينفض عنها الرماد بعصا فيستدل على أنه قد أنضج خبزته.
يصفه بالبخل.
وهي لدق الجص والجبسين والسمسم.
وقال الشمّاخ بن ضرار:
وأشعث قد قدّ السّفار قميصه ... يجر شواء بالعصا غير منضج
ولخبط الشجر، وللفيج «٤» وللمكاري، فإنهما يتخذان المخاصر، فإذا طال الشوط وبعدت الغاية استعانا في حضرهما وهرولتهما في اضعاف ذلك بالأعتماد على وجه الأرض.
стр. 598
وهي تعدّل من ميل المفلوج، وتقيم من إرتعاش المبرسم ويتخذها الراعي لغنمه، وكل راكب لمركبه، ويدخل عصاه في عروة المزود، ويمسك بيده الطرف الآخر، وربما كان أحد طرفيها بيد رجل والطرف الآخر بيد صاحبه وعليها حمل ثقيل.
وتكون إن شئت وتدا في حائط، وإن شئت ركزتها في الفضاء وجعلتها قبلة، وإن شئت جعلتها مظلة، وإن جعلت فيها زجا كانت عنزة «١» ، وإن زدت فيها شيئا كانت عكازا، وإن زدت فيها شيئا كانت مطردا «٢» ، وإن زدت فيها شيئا كانت رمحا.
والعصا تكون سوطا وسلاحا. وكان رسول الله ﷺ يخطب بالقضيب، وكفى دليلا على عظم غنائها، وشرف حالها. وعلى ذلك الخلفاء وكبراء العرب من الخطباء.
وقد كان مروان بن محمد حين أحيط به دفع البرد والقضيب إلى خادم له، وأمره أن يدفنهما في بعض تلك الرمال، ودفع إليه بنتا له، وأمره أن يضرب عنقها. فلما أخذ الخادم في الأسرى قال: إن قتلتموني ضاع ميراث النبي ﷺ ، فأمنوه على أن يسلم ذلك لهم وقال الشاعر في صفة قناة:
وأسمر عاتر فيه سنان ... شراعيّ كساطعة الشعاع «٣»
وقال آخر:
هونة في العنان تهتزّ فيه ... كاهتزاز القناة تحت العقاب
стр. 599
ومما يجوز في العصا قول الشاعر:
للهام ضرابون بالمناصل ... ضرب المذيد غرّب النّواهل
وقال عباس بن مرداس:
نطاعن عن أحسابنا برماحنا ... ونضربهم ضرب المذيد الخوامسا
وقال الآخر:
دافع عني جلبي وحشّي ... فهي كعود النبعة الأجشّ
وقال نصيب الأسود:
ومن يبق مالا عدّة وصيانة ... فلا الدهر مبقيه ولا الشح وافره
ومن يك ذا عود صليب يعده ... ليكسر عود الدهر فالدهر كاسره
وقال آخر:
تخيرت من نعمان عود أراكة ... لهند فمن هذا يبلّغه هندا
خليلي عوجا بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجارنا ... ولكنما جرنا لنلقاكم عمدا
وقال آخر:
فتلك ثيابي لم تدنّس بغدرة ... ووري زنادي في ذرى المجد ثاقب
ولو صادفت عودا سوى عود نبعة ... وهيهات أفنته الخطوب النوائب
وقال آخر:
عصا شريانة دهنت بزبد ... تدقّ عظامه عظما فعظما
وليس هذا مثل قول لقيط بن زرارة:
إذا دهنوا رماحهم بزبد ... فإن رماح تيم لا تضير
стр. 600
وقال صالح بن عبد القدوس:
لا تدخلن بنميمة ... بين العصا ولحائها
وقال شبل بن معبد البجلي:
برتني صروف الدهر من كلّ جانب ... كما يبترى دون اللحاء عسيب
وقال أوس بن حجر:
لحونهم لحو العصا فطردنهم ... إلى سنة جرذانها لم تحلّم
وقال الرّقاشي في صفة القناة التي تبرى منها القسي:
من شقق خضر بروصيات «١» ... صفر اللحاء وخلوقيات «٢»
جدلن حتى إضن كالحيات ... رشائقا غير مؤبنات «٣»
أنّفهنّ متمطّرات «٤» ... عمرو بن عصفور على استثبات
وقال محمد بن يسير:
ومشمّرين عن السّواعد حسّر ... عنها بكل رشيقة التوتير «٥»
ليس الذي تشوي يداه رمية ... فيهم بمعتذر ولا معذور «٦»
عطف السّيات موانع في عطفها ... تعزى إذا نسبت إلى عصفور «٧»
ذهب إلى قوله:
في كفه معطية منوع
следующие страницы →