← Адаб

Адаб · id 10614

البيان والتبيين

الجاحظ

Полный текст (863 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وقال الأشهب بن رميلة «١» : قال الأقارب لا تغررك كثرتنا ... وأغن نفسك عنا أيها الرجل علّ بنيّ يشدّ الله أعظمهم ... والنبع ينبت قضبانا فيكتهل وكان فرس الأخنس بن شهاب تسمى «العصا» ، والأخنس فارس العصا. وكان لجذيمة الأبرش فرس يقال لها «العصا» . ولبني جعفر بن كلاب «شحمة» و «الغدير» و «العصا» . فشحمة فرس جزء بن خالد. والعصا فرس عوف بن الأحوص. والغدير فرس شريج بن الأحوص. والعصا أيضا فرس شبيب بن كعب الطائي. وقال بعضهم أو بعض خطبائهم: وليس عصاه من عراجين نخلة ... ولا ذات سير من عصي المسافر ولكنها إما سألت فنبعة ... وميراث شيخ من جياد المخاصر والرجل يتمنى إذا لم تكن له قوة وهو يجد العجز، فيقول: «لو كان في العصا سير» . ولذلك قال حبيب بن أوس: ما لك من همة وعزم ... لو أنه في عصاك سير ربّ قليل جنى كثيرا ... كم مطر بدؤه مطير صبرا على النائبات صبرا ... ما صنع الله فهو خير وإذا لم يجعل المسافر في عصاه سيرا سقطت إذا نعس من يده.

стр. 597

وسئل عن قوله: (ولي فيها مآرب أخرى) ، قال: لست أحيط بجميع مآرب موسى ﷺ ، ولكني سأنبئكم جملا تدخل في باب الحاجة إلى العصا. من ذلك أنها تحمل للحية، والعقرب، وللذئب، وللفحل الهائج، ولعير العانة في زمن هيج الفحول، وكذا فحول الحجور «١» في المروج. ويتوكأ عليها الكبير الدالف، والسقيم المدنف، والأقطع الرجل، والأعرج، فإنها تقوم مقام رجل أخرى. وقال أعرابي مقطوع الرجل: الله يعلم أني من رجالهم ... وإن تخدّد عن متنيّ أطماري «٢» وإن رزيت يدا كانت تجمّلني ... وإن مشيت على زج ومسمار والعصي تنوب للأعمى عن قائده، وهي للقصّار والفاشكار والدبّاغ. ومنها المفأد للملّة «٣» والمحراك للتنّور. قال الشاعر: إذا كان ضرب الخبز مسحا بخرقة ... وأحمد دون الطارق التنّور كأنه كره أن ينفض عنها الرماد بعصا فيستدل على أنه قد أنضج خبزته. يصفه بالبخل. وهي لدق الجص والجبسين والسمسم. وقال الشمّاخ بن ضرار: وأشعث قد قدّ السّفار قميصه ... يجر شواء بالعصا غير منضج ولخبط الشجر، وللفيج «٤» وللمكاري، فإنهما يتخذان المخاصر، فإذا طال الشوط وبعدت الغاية استعانا في حضرهما وهرولتهما في اضعاف ذلك بالأعتماد على وجه الأرض.

стр. 598

وهي تعدّل من ميل المفلوج، وتقيم من إرتعاش المبرسم ويتخذها الراعي لغنمه، وكل راكب لمركبه، ويدخل عصاه في عروة المزود، ويمسك بيده الطرف الآخر، وربما كان أحد طرفيها بيد رجل والطرف الآخر بيد صاحبه وعليها حمل ثقيل. وتكون إن شئت وتدا في حائط، وإن شئت ركزتها في الفضاء وجعلتها قبلة، وإن شئت جعلتها مظلة، وإن جعلت فيها زجا كانت عنزة «١» ، وإن زدت فيها شيئا كانت عكازا، وإن زدت فيها شيئا كانت مطردا «٢» ، وإن زدت فيها شيئا كانت رمحا. والعصا تكون سوطا وسلاحا. وكان رسول الله ﷺ يخطب بالقضيب، وكفى دليلا على عظم غنائها، وشرف حالها. وعلى ذلك الخلفاء وكبراء العرب من الخطباء. وقد كان مروان بن محمد حين أحيط به دفع البرد والقضيب إلى خادم له، وأمره أن يدفنهما في بعض تلك الرمال، ودفع إليه بنتا له، وأمره أن يضرب عنقها. فلما أخذ الخادم في الأسرى قال: إن قتلتموني ضاع ميراث النبي ﷺ ، فأمنوه على أن يسلم ذلك لهم وقال الشاعر في صفة قناة: وأسمر عاتر فيه سنان ... شراعيّ كساطعة الشعاع «٣» وقال آخر: هونة في العنان تهتزّ فيه ... كاهتزاز القناة تحت العقاب

стр. 599

ومما يجوز في العصا قول الشاعر: للهام ضرابون بالمناصل ... ضرب المذيد غرّب النّواهل وقال عباس بن مرداس: نطاعن عن أحسابنا برماحنا ... ونضربهم ضرب المذيد الخوامسا وقال الآخر: دافع عني جلبي وحشّي ... فهي كعود النبعة الأجشّ وقال نصيب الأسود: ومن يبق مالا عدّة وصيانة ... فلا الدهر مبقيه ولا الشح وافره ومن يك ذا عود صليب يعده ... ليكسر عود الدهر فالدهر كاسره وقال آخر: تخيرت من نعمان عود أراكة ... لهند فمن هذا يبلّغه هندا خليلي عوجا بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا وقولا لها ليس الضلال أجارنا ... ولكنما جرنا لنلقاكم عمدا وقال آخر: فتلك ثيابي لم تدنّس بغدرة ... ووري زنادي في ذرى المجد ثاقب ولو صادفت عودا سوى عود نبعة ... وهيهات أفنته الخطوب النوائب وقال آخر: عصا شريانة دهنت بزبد ... تدقّ عظامه عظما فعظما وليس هذا مثل قول لقيط بن زرارة: إذا دهنوا رماحهم بزبد ... فإن رماح تيم لا تضير

стр. 600

وقال صالح بن عبد القدوس: لا تدخلن بنميمة ... بين العصا ولحائها وقال شبل بن معبد البجلي: برتني صروف الدهر من كلّ جانب ... كما يبترى دون اللحاء عسيب وقال أوس بن حجر: لحونهم لحو العصا فطردنهم ... إلى سنة جرذانها لم تحلّم وقال الرّقاشي في صفة القناة التي تبرى منها القسي: من شقق خضر بروصيات «١» ... صفر اللحاء وخلوقيات «٢» جدلن حتى إضن كالحيات ... رشائقا غير مؤبنات «٣» أنّفهنّ متمطّرات «٤» ... عمرو بن عصفور على استثبات وقال محمد بن يسير: ومشمّرين عن السّواعد حسّر ... عنها بكل رشيقة التوتير «٥» ليس الذي تشوي يداه رمية ... فيهم بمعتذر ولا معذور «٦» عطف السّيات موانع في عطفها ... تعزى إذا نسبت إلى عصفور «٧» ذهب إلى قوله: في كفه معطية منوع

стр. 601

وهذا مثل قوله: خرقاء إلا أنها صناع وهذا مثل قوله: غادر داء ونجا صحيحا ومثل قوله: حتى نجا من جوفه وما نجا فإذا طال قيام الخطيب صار فيه انحناء وجنأ «١» وقال الأسدي: أنا ابن الخالدين إذا تلاقى ... من الأيام يوم ذو ضجاج كأن اللغب والخطباء فيه ... قسيّ مثقّف ذات اعوجاج وعلى هذا المعنى قال الشماخ بن ضرار: فأضحت تفالى بالستار كأنها ... رماح نحاها وجهة الريح راكز «٢» وقال العماني: عات يرى ضرب الرجال مغنما ... إذا رأى مصدّقا تجهّما وهزّ في الكفّ، وأبدى المعصما ... هراوة نبعية أو سلما تترك ما رام رفاتا رمما وقال أمية بن الأسكر «٣» : هلا سألت بنا إن كنت جاهلة ... ففي السؤال من الأنباء شافيها تخبرك عنا معد إن هم صدقوا ... ومن قبائل نجران يمانيها

стр. 602

وبالجياد تجرّ الجيل عابسة ... كأن مذرور ملح في هواديها «١» قوم إذا قذع الأقوال طاف بهم ... ألقى العصي عصي الجهل باريها قال والرجل إذا لم يكن معه عصا فهو باهل. وناقة باهل وباهلة، إذا كانت بغير صرار «٢» . وقال الراجز: أبهلها ذائدها وسبحا «٣» ... ودقت المركوّ حتى ابلندحا «٤» احتجنا إلى أن نذكر ارتفاق بعض الشعراء من العرجان بالعصي، عند ذكرنا العصا وتصرفها في المنافع. والذي نحن ذاكروه من ذلك في هذا الموضع قليل من كثير ما ذكرناه في كتاب العرجان. فإذا أردتموه فهو هناك موجود إن شاء الله. قالوا: ولما شاع هجاء الحكم بن عبدل الأسدي لمحمد بن حسان بن سعد وغيره من الولاة والوجوه، هابه أهل الكوفة، واتقى لسانه الكبير والصغير، وكان الحكم اعرج لا تفارقه عصاه، فترك الوقوف بأبوابهم وصار يكتب على عصاه حاجته ويبعث بها مع رسوله فلا يحبس له رسول، ولا يؤخر عنه لقراءة الكتاب، ثم تأتيه الحاجة على أكثر مما قدّر، وأوفر مما أمّل، فقال يحيي بن نوفل: عصا حكم في الدار أول داخل ... ونحن عن الأبواب نقصى ونحجب وأما قول بشر بن أبي خازم: لله درّ بني الحدّاء من نفر ... وكلّ جار على جيرانه كلب إذا غدوا وعصيّ الطّلح أرجلهم ... كما تنصّب وسط البيعة الصّلب

стр. 603

إنما يعني أنهم كانوا عرجانا، فأرجلهم كعصي الطلح، وعصي الطلح معوجة. وكذلك قال معدان الأعمى، في قصيدته الطويلة التي صنف فيها الغالية والرافضة، والتميمية، والزيدية «١» : والذي طفّف الجدار من الذعر ... وقد بات قاسم الأنفال «٢» فغدا خامعا بوجه هشيم ... ويساق كعود طلح بال وقال بعض العرجان ممن جعل العصا رجلا: ما للكواعب يا دهماء قد جعلت ... تزورّ عني وتطوي دوني الحجر لا أسمع الصوت حتى أستدير له ... ليلا طويلا يناغيني له القمر وكنت أمشى على رجلين معتدلا ... فصرت أمشي على رجل من الشجر وقال رجل من بني عجل: وشى بي واش عند ليلى سفاهة ... فقالت له ليلى مقالة ذي عقل وخبرها أني عرجت فلم تكن ... كورهاء تجترّ الملامة للبعل وما بي من عيب الفتى غير أنني ... جعلت العصا رجلا أقيم بها رجلي وقال أبو ضبة في رجله: وقد جعلت إذا ما نمت أوجعني ... ظهري وقمت قيام الشارف الظهر «٣» وكنت أمشي على رجلين معتدلا ... فصرت أمشي على رجل من الشجر

стр. 604

وقال أعرابي من بني تميم: وما بي من عيب الفتى غير أنني ... ألفت قناتي حين أوجعني ظهري قال: ودخل الحكم بن عبدل الأسدي وهو أعرج، على عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وهو أمير الكوفة وكان أعرج، وكان صاحب شرطه اعرج، فقال ابن عبدل: ألق العصا ودع التخامع والتمس ... عملا فهذي دولة العرجان «١» لأميرنا وأمير شرطتنا معا ... لكليهما يا قومنا رجلان فإذا يكون أميرنا ووزيرنا ... وأنا فإن الرابع الشيطان ومما يدل على أن للعصا موقعا منهم، وأنها تدور مع أكثر أمورهم قول مزرد بن ضرار: فجاء على بكر ثفال يكدّه ... عصاه استه، وجء العجاية بالفهر «٢» ويقولون إعتصى بالسيف، إذا جعل السيف عصاه، وإنما اشتقوا للسيف اسما من العصا، لأن عامة المواضع التي تصلح فيها السيوف تصلح فيها العصي، وليس كل موضع تصلح فيه العصا يصلح فيه السيف. وقال الآخر: ونحن صدعنا هامة ابن محرّق ... كذلك نعصى بالسيوف الصوارم وقال عمرو بن الأطنابة «٣» : وفتى يضرب الكتيبة بالسي ... يف إذا كانت السيوف عصيا

стр. 605

وقال عمرو بن محرز: نزلوا إليهم والسيوف عصيهم ... وتذكروا دمنا لهم وذحولا «١» وقال الفرزدق همام بن غالب بن صعصعة: إن ابن يوسف محمود خلائقه ... سيّان معروفه في الناس والمطر هو الشهاب الذي يرمي العدو به ... والمشرفيّ الذي تعصى به مضر يقال عصى بالسيف واعتصى به. وقال العريان بن الأسود، في ابن له مات: ولقد تحمل المشاة كريما ... ليّن العود ماجد الأعراق ذاك قولي ولا كقول نساء ... معولات يبكين بالأوراق وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵀: «إن البحر خلق عظيم يركبه خلق صغير، دود على عود» . وقال واثلة السدوسي: رأيتك لما شبت أدركك الذي ... يصيب سراة الأزد حين تشيب سفاهة أحلام وبخل بنائل ... وفيك لمن عاب المزون عيوب لقد صبرت للذل أعواد منبر ... تقوم عليها، في يديك قضيب وقد أوحشت منكم رزاديق فارس ... وبالمصر دور جمّة ودروب وأنشد الأصمعي: أعددت للضيفان كلبا ضاريا ... وهراوة مجلوزة من أرزن «٢» ومعاذرا كذبا ووجها باسرا ... وتشكيا عض الزمان الألزن «٣»

стр. 606

وشذاة مرهوب الأذى قاذورة ... خشن جوانبه دلوظ ضيزن «١» وبكف محبوك اليدين عن العلا ... والباع مسودّ الذراع مقحزن «٢» وتجنيا لهم الذنوب واتقي ... بغليظ جلد الوجنتين عشوزن «٣» وقال جرير: تصف السيوف وغيركم يعصى بها ... يا ابن القيون وذاك فعل الصيقل وقال الراعي: تبيت ورجلاها أوانان لاستها ... عصاها استها حتى يكلّ قعودها وقال أعرابي للحطيئة: ما عندك يا راعي الغنم؟ قال عجراء «٤» من سلم قال: إني ضيف! قال للضيفان أعددتها. وقال الشّماخ بن ضرار: إلى بقر فيهنّ للعين منظر ... وملهى لمن يلهو بهنّ أنيق رعين الندى حتى إذا وقد الحصى ... ولم يبق من نوء السماك بروق تصدّع شعب الحي وانشقّت العصا ... كذاك النوى بين الخليط شقوق وقال امرؤ القيس: قولا لدودان عبيد العصا ... ما غرّكم بالأسد الباسل وقال علي بن الغدير: وإذا رأيت المرء يشعب أمره ... شعب العصا ويلجّ في العصيان فاعمد لما تعلو فما لك بالتي ... لا تستطيع من الأمور يدان

стр. 607

وقال الآخر وهجاجة لا يملأ الليل صدره ... إذا النكس أغضى طرفه غير أروع «١» صحيح بريء العود من كل أبنة ... وجمّاع نهب الخير في كل مجمع وقال مسكين الدارمي: تسمو بأعناق وتحبسها ... عنا عصيّ الذادة العجر حباب بن موسى، عن مجالد، عن الشعبي، عن زحر بن قيس قال: قدمت المدائن بعد ما ضرب علي بن أبي طالب ﵀، فلقيني ابن السوداء «٢» وهو ابن حرب، فقال لي: ما الخبر؟ قلت: ضرب أمير المؤمنين ضربة يموت الرجل من أيسر منها ويعيش من أشد منها. قال: لو جئتمونا بدماغه في مائة صرة لعلمنا أنه لا يموت حتى يذودكم بعصاه. وقال الله ﵎: وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ الآية. وقال الشاعر: رأيت الغانيات نفرن مني ... نفار الوحش من رام مفيق رأين تغيري وأردن لدنا ... كغصن البان ذي الفنن الوريق وقال أبو العتاهية: عريت من الشباب وكان غضا ... كما يعرى من الورق القضيب ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما صنع المشيب وقال الآخر:

стр. 608

ولئن عمرت لقد عمرت كأنني ... غصن تينيه الرياح رطيب وكذاك حقا من يعمّر يبله ... كرّ الزمان عليه والتقليب حتى يعود من البلى وكأنه ... في الكفّ أفوق ناصل معصوب «١» مرط القذاذ فليس فيه مصنع ... لا الريش ينفعه ولا التعقيب «٢» وقال عروة بن الورد: أليس ورائي أن أدبّ على العصا ... فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي وأنشد: عصوا بسيوف الهند واعتركت بهم ... براكاء حرب لا يطير غرابها «٣» وقال لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع وقال الآخر: نقيم العصا ما كان فيها لدونة ... وتأبى العصا في يبسها أن تقوّما وقال الآخر: إن الغصون إذا قوّمتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قومتها الخشب وقال جرير: ما للفرزدق من عزّ يلوذ به ... إلا بني العم في أيديهم الخشب سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ... ونهر تيرى فما تدريكم العرب

стр. 609

وقال جرير في هجائه بني حنيفة: أصحاب نخل وحيطان ومزرعة ... سيوفهم خشب فيها مساحيها «١» قطع الدبار وسقي النخل عادتهم ... قدما وما جاوزت هذا مساعيها «٢» لو قيل اين هوادي الخيل ما عرفوا ... قالوا لأعجازها هذي هواديها أو قلت إن حمام الموت آخذكم ... أو تلجموا فرسا قامت بواكيها لما رأت خالدا بالعرض اهلكها ... قتلا واسلمها ما قال طاغيها دانت واعطت يدا للسلم طائعة ... من بعد ما كاد سيف الله يفنيها وقال سلامة بن جندل: كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب ويقال للخاطب إذا كان مرغوبا فيه كريما: ذاك الفحل الذي لا يقرع أنفه. لأن الفحل اللئيم إذا هبّ على الناقة الكريمة ضربوا وجهه بالعصا. وقال الآخر: كأنها إذ رفعت عصاها ... نعامة أوحدها رألاها «٣» وممن أضافوه إلى عصاه داود ملكين اليشكري، وكان ولي شرط البصرة. وجاء في الحديث أن أبا بكر ﵀ أفاض من جمع وهو يخرش بعيره بمحجنه. وقال الأصمعي: المحجن: العصا المعوجّة.

стр. 610

وفي الحديث المرفوع: «أنه طاف بالبيت يستلم الأركان بمحجنه» . والخرش: أن يضربه بمحجنه ثم يجذبه إليه، يريد بذلك تحريكه. وقال الراعي: فألقى عصا طلح ونعلا كأنها ... جناح السّمانى رأسه قد تصوّعا والعصا أيضا فرس شبيب بن كريب الطائي. أبو الحسن، عن علي بن سليم قال: كان شبيب بن كريب الطائي يصيب الطريق في خلافة علي بن أبي طالب ﵀، فبعث اليه أحمر بن شميط العجلي وأخاه في فوارس، فهرب شبيب وقال: ولما أن رأيت ابني شميط ... بسكة طيىء والباب دوني تجللت العصا وعلمت أني ... رهين مخيّس أن يثقفوني «١» ولو أنظرتهم شيئا قليلا ... لسأقوني إلى شيخ بطين شديد مجالز الكتفين صلب ... على الحدثان مجتمع الشؤون وقال النجاشي لأم كثير بن الصلت: ولست بهندي ولكن ضيعة ... على رجل لو تعلمين مزير «٢» واعجبتني للسوط والنوط والعصا ... ولم تعجبيني خلّة لأمير «٣» وقال أعشى بني ربيعة: وكان الخلائف بعد الرسو ... ل لله كلهم خاشعا شهيدين من بعد صدّيقهم ... وكان ابن صخر هو الرابعا

стр. 611

وكان ابنه بعده خامسا ... مطيعا لمن قبله سامعا ومروان سادس من قد مضى ... وكان ابنه بعده سابعا وبشر يدافع عبد العزيز ... مضى ثامنا ذا وذا تاسعا وايهم ما يكن سائسا ... لها لم يكن أمرها ضائعا فأما تريني حليف العصا ... فما كنت من رثية خامعا «١» فساومني الدهر حتى اشترى ... شبابي وكنت له مانعا وقال عوف بن الخرع: ألا أبلغا عني جريحة آية ... فهل أنت عن ظلم العشيرة مقصر وإن ظعن الحيّ الجميع لطيّة ... فأمرك معصيّ وشربك مغور «٢» أفي صرمة عشرين أو هي دونها ... قشرتم عصاكم فانظروا كيف تقشر «٣» زعمتم من الهجر المضلل انكم ... ستنصركم عمرو علينا ومنقر «٤» فيا شجر الوادي ألا تنصرونهم ... وقد كان بالمرّوت رمت وسخبر «٥» ألم تجعلوا تيما على شعبتي عصا ... فما ينطق المعروف إلا معذر «٦» وقال رجل من محارب يرثي ابنه: ألم يك رطبا يعصر القوم ماءه ... وما عوده للكاسرين بيابس وقال حاجب بن زرارة: «والله ما القعقاع برطب فيعصر، ولا يابس فيكسر» .

стр. 612

وقال حماد عجرد: وجروا على ما عوّدوا ... ولكل عيدان عصاره وقال أيضا: فأنت أكرم من يمشي على قدم ... وانضر الناس عند المحل اغصانا لو مجّ عود على قوم عصارته ... لمج عودك فينا المسك والبانا وقال آخر: إنا وجدنا الناس عودين: طيبا ... وعودا خبيثا ما يبض «١» على العصر تزين الفتى أخلاقه وتشينه ... وتذكر أخلاق الفتى حيث لا يدري وقال المؤمّل بن أميل: كانت تقيّد حين تنزل منزلا ... فاليوم صار لها الكلال قيودا والناس كالعيدان يفضل بعضهم ... بعضا كذاك يفوق عود عودا وقالت ليلى الأخيلية: نحن الأخايل لا يزال غلامنا ... حتى يدبّ على العصا مذكورا [الشعوبية تطعن على عصا الأنبياء] . أنظر- أبقاك الله- في كم فنّ تصرّف فيه ذكر العصا من أبواب المنافع والمرافق، وفي كم وجه صرفته الشعراء وضرب به المثل. ونحن لو تركنا الإحتجاج لمخاصر البلغاء، وعصي الخطباء، لم نجد بدا من الإحتجاج لجلة

стр. 613

المرسلين، وكبار النبيين، لان الشعوبية قد طعنت في جملة هذا المذهب على قضيب النبي ﷺ وعنزته، وعلى عصاه ومخصرته، وعلى عصا موسى، لأن موسى ﷺ قد كان اتخذها من قبل أن يعلم ما عند الله فيها، وإلام يكون صيّور أمرها «١» . ألا ترى أنه لما قال الله : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ، قال: قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى . وبعد ذلك قال: قالَ أَلْقِها يا مُوسى. فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى . ومن يستطيع أن يدّعي الإحاطة بما فيها من مآرب موسى إلا بالتقريب وذكر ما خطر على البال؟! وقد كانت العصا لا تفارق يد سليمان بن داود ﵇ في مقاماته وصلواته، ولا في موته ولا في أيام حياته، حتى جعل الله تسليط الأرضة عليها وسليمان ميّت وهو معتمد عليها، من الآيات عند من كان لا يعلم أن الجن لم تكن تعلم إلا ما تعلم الإنس. ولو علم القوم أخلاق كل ملة، وزي أهل كل لغة وعللهم في ذلك، واحتجاجهم له، لقل شغبهم، وكفونا مؤونتهم. هذه الرهبان تتخذ العصيّ، من غير سقم ولا نقصان في جارحة. ولا بد للجاثليق من قناع ومن مظلة وبرطلّة، ومن عكّاز ومن عصا، من غير أن يكون الداعي إلى ذلك كبرا ولا عجزا في الخلقة. وما زال المطيل القيام بالموعظة أو القراءة أو التلاوة يتخذ العصا عند طول القيام، ويتوكأ عليها عند المشي. كأن ذلك زائد في التكهل والزمانة «٢» ، وفي نفي السخف والخفة.

стр. 614

[السمات والأزياء] [المخصرة] وبالناس حفظك الله أعظم الحاجة إلى أن يكون لكل جنس منهم سيما، ولكل صنف منهم حلية وسمة يتعارفون بها. وقال الفرزدق بن غالب: له ندب مما يقول ابن غالب ... يلوح كما لاحت وسوم المصدق وقال آخر: أنار حتى صدقت سماته ... وظهرت من كرم آياته وأنشدني أبو عبيدة: سقاها ميسم من آل عمرو ... إذا ما كان صاحبها جحيشا «١» وذكر بعض الأعراب ضروبا من الوسم، فقال: بهنّ من خطّافنا خبط وسم «٢» ... وحلق في أسفل الذفرى نظم معها نظام مثل خط بالقلم ... وقرمة ولست ادري من قرم عرض وخبط للمحليها المسم «٣» وقال ﵎: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ. وكما خالفوا بين الأسماء للتعارف، قال الله : وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ . فعند العرب العمّة وأخذ المخصرة من السيما.

стр. 615

وقد لا يلبس الخطيب الملحفة ولا الجبة ولا القميص ولا الرداء. والذي لا بد منه العمة والمخصرة. وربما قام فيهم وعليه إزاره قد خالف بين طرفيه. وربما قام فيهم وعليه عمامته، وفي يده مخصرته، وربما كانت قضيبا وربما كانت عصا، وربما كانت قناة. وفي القنا ما هو اغلظ من الساق، وفيها ما هو أدق من الخنصر. وقد تكون محكّكة الكعوب مثقّفة من الإعوجاج، قليلة الأبن. وربما كان العود نبعا وربما كان من شوحط، وربما كان من آبنوس، ومن غرائب الخشب ومن كرائم العيدان، ومن تلك الملس المصفاة. وربما كانت لبّ غصن كريم، فإن للعيدان جواهر كجواهر الرجال ولولا ذلك لما كانت في خزائن الخلفاء والملوك. ومنها ما لا تقربه الأرضة ولا تؤثر فيه القوادح والعكّازة إذا لم يكن في اسفلها زجّ فهي عصا، لأن أطول القنا أن يقال رمح خطل، ثم رمح بائن، ثم رمح مخموس، ثم رمح مربوع «١» ، ثم رمح مطرد، ثم عكازة، ثم عصا. ثم من العصي نصب المساحي والمرور «٢» والقدم والفؤوس والمعاول والمناجل، والطبرزينات «٣» . ثم يكون من ذلك نصب السكاكين والسيوف والمشامل «٤» وكل سهام نبعية، وغير ذلك من العيدان، مما امتدحها أوس بن حجر أو الشّماخ بن ضرار، أو احد من الشعراء، فإنما هي من عصا. وكل قوس بندق فإنما جيء بقناتها من بروض، ومدح ببريها وصنعتها عصفور القواس. وقال الرقاشي:

стр. 616

أنعت قوسا نعت ذي انتقاء ... جاء بها جالب بروضاء بعد اعتيام منه وانتصاء «١» ... كافية الطول على انتهاء مجلوزة الأكعب في استواء ... سالمة من أبن السيساء فلم تزل مساحل البراء ... تأخذ من طوائف اللحاء حتى بدت كالحية الصفراء ... ترنو إلى الطائر في السماء بمقلة سريعة الأقذاء ... ليست بكحلاء ولا زرقاء وقال الآخر: قد اغتدي ملث الظلام بفتية ... للرمي قد حسروا له عن أذرع متنكبين خرائطا لبنادق ... ما بين مضفور وبين مرسع بأكفهم قضبان بروض قد غدوا ... للطير قبل نهوضها للمرتع تقذي منيات الطيور عيونها ... يوما إذا رمدت بأيدي النزّع «٢» صفر البطون كأن ليط متونها ... سرق الحرير نواضر لم تسلع «٣» وكانت العنزة التي تحمل بين يدي رسول الله ﷺ وربما جعلوها قبلة- أشهر وأذكر من أن يحتاج في تثبيتها إلى ذكر الإسناد. [القلائد] وكانت سيما أهل الحرم إذا خرجوا إلى الحلّ في غير الأشهر الحرم، أن يتقلدوا القلائد، ويعلقوا عليهم العلائق «٤» . وإذا أوذم أحدهم الحج «٥» تزيا بزي الحاج، وإذا ساق بدنة أشعرها «٦» . وخالفوا بين سمات الإبل والغنم،

стр. 617

واعلموا البحيرة بغير علم السائبة «١» ، واعلموا الحامي بغير علم سائر الفحول «٢» . وكذلك الفرع والوصيلة والرجيبة والعتيرة من الغنم «٣» وكذلك سائر الأغنام السائمة. وإذا كانت الإبل من حباء ملك غرزوا في أسنمتها الريش والخرق ولذلك قال الشاعر. يهب الهجان بريشها ورعائها ... كالليل قبل صباحه المتبلّج «٤» وإذا بلغت الإبل ألفا فقئوا عين الفحل، فإن زادت فقئوا العين الأخرى فذلك المفقأ والمعمّى. وقال شاعرهم: فقأت لها عين الفحيل تعيّفا ... وفيهن رعلاء المسامع والحامي وقال آخر: وهبتها وأنت ذو إمتنان ... يفقأ فيها أعين البعران وقال الآخر: فكان شكر القوم عند المنن ... كيّ الصحيحات وفقء الأعين وإذا كان الفحل من الإبل كريما قالوا فحيل، وإذا كان الفحل من النخل كريما قالوا فحّال. قال الراعي: كانت نجائب منذر ومحرّق ... أماتهن وطرقهن فحيلا

стр. 618

[الثياب] وكان الكاهن لا يلبس المصبّغ، والعرّاف لا يدع تذليل قميصه وسحب ردائه، والحكم لا يفارق الوبر. وكان لحرائر النساء زيّ، ولكل مملوك زيّ، ولذوات الرايات زي، وللإماء زي. وكان الزبرقان يصبغ بصفرة. وذكره الشاعر فقال: وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون ستّ الزبرقان المزعفرا «١» وكان أبو أحيحة سعيد بن العاص إذا اعتمّ لم يعتمّ معه أحد، هكذا في الشعر. ولعل ذلك أن يكون مقصورا في بني عبد شمس. وقال أبو قيس بن الأسلت: وكان أبو أحيحة قد علمتم ... بمكة غير مهتضم ذميم إذا شدّ العصابة ذات يوم ... وقام إلى المجالس والخصوم فقد حرمت على من كان يمشي ... بمكة غير مدّخل سقيم وكان البختريّ غداة جمع ... يدافعهم بلقمان الحكيم بأزهر من سراة بني لؤي ... كبدر الليل راق على النجوم هو البيت الذي بنيت عليه ... قريش السر في الزمن القديم «٢» وسطت ذوائب الفرعين منهم ... فأنت لباب سرهم الصميم وقال غيلان بن خرشة للأحنف: يا أبا بحر، ما بقاء ما فيه العرب؟ قال: إذا تقلدوا السيوف، وشدوا العمائم واستجادوا النعال، ولم تأخذهم حمية الأوغاد. قال وما حمية الأوغاد؟ قال أن يعدّوا التواهب ذلا. وقال الأحنف: استجيدوا النعال فإنها خلاخيل الرجال. والعرب تسمي السيوف بحمائلها أردية.

стр. 619

وقال علي بن أبي طالب ﵁ قولا أحسن من هذا، قال: «تما جمال المرأة في خفّها، وتمام جمال الرجل في كمّته «١» » . ومما يؤكد ذلك قول مجنون بني عامر: أأعقر من جرا كريمة ناقتي ... ووصلي مفروش لوصل منازل إذا جاء قعقعن الحليّ ولم أكن ... إذا جئت أرجو صوت تلك الصلاصل ولم تغن سيجان العراقين نقرة ... ورقش القلنسى بالرجال الأطاول والعصابة والعمامة سواء. وإذا قالوا سيد معمم فإنما يريدون أن كل جناية يجنيها الجاني من تلك العشيرة فهي معصوبة برأسه. وقال دريد بن الصّمّة: أبلغ نعيما وعوفا إن لقيتهما ... إن لم يكن كان في سمعيهما صمم فلا يزال شهاب يستضاء به ... يهدي المقانب ما لم تهلك الصمم عاري الأشاجع معصوب بلمته ... أمر الزعامة في عرنينه شمم وقال الكناني: تنخّبتها للنسل وهي غريبة ... فجاءت به كالبدر خرقا معمّما فلو شاتم الفتيان في الحي ظالما ... لما وجدوا غير التكذّب مشتما ولذلك قيل لسعيد بن العاصي: «ذو العصابة» . وقد قال القائل: كعاب أبوها ذو العصابة وابنه ... وعثمان ما أكفاؤها بكثير يقولها خالد بن يزيد وقال عمر بن الخطاب ﵀: «العمائم تيجان العرب» .

стр. 620

قال: وقيل لأعرابي: إنك لتكثر لبس العمامة؟ قال: إن شيئا فيه السمع والبصر لجدير أن يوقي من الحر والقر. وذكروا العمامة عند أبي الأسود الدؤلي فقال: «جنّة في الحرب، ومكنّة من الحر، ومدفأة من القر، ووقار في النديّ، وواقية من الأحداث، وزيادة في القامة، وهي بعد عادة من عادات العرب» . وقال عمرو بن امرىء القيس: يا مال والسيد المعمّم قد ... يبطره بعد رأيه السرف نحن بما عندنا وأنت بما عن ... دك راض والرأي مختلف [القناع] وكان من عادة فرسان العرب في المواسم والجموع، وفي أسواق العرب، كأيام عكاظ وذي المجاز وما أشبه ذلك، التقنّع، إلا ما كان من أتى سليط طريف بن تميم، أحد بني عمرو بن جندب، فإنه كان لا يتقنع ولا يبالي أن تثبت عينه جميع فرسان العرب، وكانوا يكرهون أن يعرفوا فلا يكون لفرسان عدوهم همّ غيرهم. ولما أقبل حمصيصة الشيباني يتأمل طريفا قال طريف: أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلي عريفهم يتوسّم فتوسموني أنني أنا ذاكم ... شاك سلاحي في الحوادث معلم تحتي الأغرّ وفوق جلدي نثرة ... زغف ترد السيف وهو مثلم ولكل بكريّ إلي عداوة ... وأبو ربيعة شانىء ومحلّم فكان هذا من شأنهم. وربما مع ذلك أعلم نفسه الفارس منهم بسيما. كان حمزة يوم بدر معلما بريشة نعامة حمراء. وكان الزبير معلما بعمامة صفراء. ولذلك قال درهم بن زيد:

стр. 621

إنك لاق غدا غواة بني الملك ... اء فانظر ما أنت مزدهف يمشون في البيض والدروع كما ... تمشي جمال مصاعب قطف «١» فأبد سيماك يعرفوك كما ... يبدون سيماهم فتعترف وكان المقنع الكندي الشاعر، واسمه محمد بن عمير، كان الدهر مقنعا. والقناع من سيما الرؤساء. والدليل على ذلك والشاهد الصادق، والحجة القاطعة، أن رسول الله صلى ﷺ كان لا يكاد يرى إلا مقنّعا. وجاء في الحديث: «حتى كأن الموضع الذي يصيب رأسه من ثوبه ثوب دهان» . وكان المقنع الذي خرج بخراسان يدّعي الربوبية، لا يدع القناع في حال من الحالات. وجهل بإدعاء الربوبية من طريق المناسخة، فادعاها من الوجه الذي لا يختلف فيه الأحمر والأسود، والمؤمن والكافر، إن باطله مكشوف كالنهار. ولا يعرف في شيء من الملل والنحل القول بالتناسخ إلا في هذه الفرقة من الغالية. وهذا المقنع كان قصّارا من أهل مرو، وكان أعور ألكن. فما أدري أيهما أعجب، أدعواه بأنه رب، أو إيمان من آمن به وقاتل دونه؟! وكان اسمه عطاء. [العمامة] وقال الآخر: إذا المرء أثرى ثم قال لقومه ... أنا السيد المفضى إليه المعمّم ولم يعطهم شيئا أبوا أن يسودهم ... وهان عليهم رغمه وهو ألوم وقال الآخر: إذا كشف اليوم العماس عن استه ... فلا يرتدي مثلي ولا يتعمم «٢»

стр. 622

قال: وكان مصعب بن الزبير يعتم القفداء، وهو أن يعقد العمامة في القفا. وكان محمد بن سعد بن أبي وقاص، الذي قتله الحجاج، يعتم الميلاء. وقال الفرزدق: ولو شهد الخيل ابن سعد لقنعوا ... عمامته الميلاء عضبا مهندا وقال ثمعلة بن أخضر الضبي: جلبنا الخيل من أكناف فلج ... ترى فيها من الغزو أقورارا «١» بكل طمرّة وبكل طرف ... يزين سواد مقلته العذارا «٢» حوالي عاصب بالتاج منا ... جبين أغر يستلب الدوارا رئيس ما ينازعه رئيس ... سوى ضرب القداح إذا استشارا وأنشد: إذا لبسوا عمائمهم لووها ... على كرم وإن سفروا أناروا يبيع ويشتري لهم سواهم ... ولكن بالطعان هم تجار إذا ما كنت جار بني تميم ... فأنت لأكرم الثقلين جار وأنشد: وداهية جرها جارم ... جعلت رداءك فيها خمارا ولذكر العمائم مواضع. قال زيد بن كثوة العنبري: منعت من العهّار أطهار امه ... وبعض الرجال الماعين زناء فجاءت به عبل القوام كأنما ... عمامته فوق الرجال لواء «٣»

стр. 623

لأن العمامة ربما جعلوها لواء. ألا ترى أن الأحنف بن قيس، يوم مسعود ابن عمرو، حين عقد لعبس بن طلق اللواء، إنما نزع عمامته من رأسه فعقدها له. وربما شدوا بالعمائم أوساطهم عند المجهدة، وإذا طالت العقبة «١» ولذلك قال شاعرهم: فسيروا فقد جنّ الظلام عليكم ... فباست امرىء يرجو القرى عند عاصم دفعنا إليه وهو كالذيخ خاظيا ... نشدّ على أكبادنا بالعمائم وقال الفرزدق: بني عاصم إن تلجئوها فإنكم ... ملاجىء للسوءات دسم العمائم وقال الآخر: خليليّ شدّا لي بفضل عمامتي ... على كبد لم يبق إلا صميمها [النعال] العرب تلهج بذكر النعال، والفرس تلهج بذكر الخفاف. وفي الحديث المأثور: «إن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينهون نساءهم عن لبس الخفاف الحمر والصفر، ويقولون: هو من زينة نساء آل فرعون» . وأما قول شاعرهم: إذا اخضرّت نعال بني غراب ... بغوا ووجدتهم أشرى لئاما فلم يرد صفة النعل، وإنما أراد أنهم إذا أخضرت الأرض وأخصبوا طغوا وبغوا. كما قال الآخر: وأطول في دار الحفاظ إقامة ... وأوزن أحلاما إذا البقل أجهلا

стр. 624

ومثل قوله: يا ابن هشام أهلك الناس اللبن ... فكلهم يسعى بسيف وقرن وأما قول الآخر: وكيف أرجّي أن أسود عشيرتي ... وأمي من سلمى أبوها وخالها رأيتكم سودا جعادا، ومالك ... مخصّرة بيض سباط نعالها فلم يذهب إلى مديح النعال في انفسها، وإنما ذهب إلى سباطة أرجلهم وأقدامهم، ونفى الجعودة والقصر عنهم. وقال النابغة: رقاق النعال طيّب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب يصونون أجسادا قديما نعيمها ... بخالصة الأردان خضر المناكب «١» قال: وبنو الحارث بن سدوس لم ترتبط حمارا قط، ولم تلبس نعلا قط إذا نقبت. وقد قال قائلهم: ونلقي النعال إذا نقبت ... ولا نستعين بأخلاقها «٢» ونحن الذؤابة من وائل ... إلينا تمد بأعناقها وهم رهط خالد بن المعمّر، الذي يقول فيه شاعرهم: معاوي أمّر خالد بن معمر ... فإنك لولا خالد لم تؤمّر وقائلهم الذي يقول: أغاضبة عمرو بن شيبان إن رأت ... عديدين من جرثومة ودخيس «٣» فلو شاء ربي كان أير أبيكم ... طويلا كأير الحارث بن سدوس

стр. 625

وكان عمر جعل رياسة بكر لمجزأة بن ثور، فلما استشهد مجزأة جعلها أبو موسى لخالد بن المعمر، ثم ردها عثمان إلى شقيق بن مجزأة بن ثور، فلما خرج أهل البصرة إلى صفين تنازع شقيق وخالد الرياسة، فصيرها عند ذلك علي إلى حضين بن المنذر، فرضي كل واحد منهما وكان يخاف أن يصيّرها إلى خصمه، فسكنت بكر وعرف الناس صحة تدبير علي في ذلك. وأما قول الآخر: يا ليت لي نعلين من جلد الضبع ... وشركا من أستها لا تنقطع «١» كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع فهذا كلام محتاج، والمحتاج يتجوز. وأما قول النجاشي لهند بن عاصم: إذا الله حيا صالحا من عباده ... كريما فحيا الله هند بن عاصم وكلّ سلولي إذا ما لقيته ... سريع إلى داعي الندى والمكارم ولا يأكل الكلب السروق نعالهم ... ولا تنتقي المخّ الذي في الجماجم قال يونس: كانوا لا يأكلون الأدمغة، ولا ينتعلون إلا بالسبت. وقال كثير: إذا نبذت لم تطّب الكلب ريحها ... وإن وضعت في مجلس القوم شمّت وقال عتيبة بن مرداس، وهو ابن فسوة: إلى معشر لا يخصفون نعالهم ... ولا يلبسون السبت ما لم يخصّر وإذا مدح الشاعر النعل بالجودة فقد بدأ بمدح لابسها قبل أن يمدحها. قال الله ﵎ لموسى: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ

стр. 626

طُوىً . وقال بعض المفسرين: كانت من جلد غير ذكي. وقال الزبيري: ليس كما قال، بل اعلمه حق المقام الشريف، والمدخل الكريم. ألا ترى أن الناس إذا دخلوا إلى الملوك ينزعون نعالهم خارجا. قال: وحدثنا سلام بن مسكين قال: ما رأيت الحسن إلا وفي رجليه النعل رأيته على فراشه وهي في رجليه، وفي مسجده وهو يصلي وهي في رجليه. وكان بكر بن عبد الله تكون نعله بين يديه فإذا نهض إلى الصلاة لبسها. وروي ذلك عن عمرو بن عبيد، وهاشم الأوقص، وحوشب، وكلاب، وعن جماعة من أصحاب الحسن. وكان الحسن يقول: «ما أعجب قوما يروون أن رسول الله ﷺ صلى في نعليه فلما انفتل من الصلاة علم أنه قد كان وطىء على كذا وكذا، وأشباها لهذا الحديث، ثم لا ترى أحدا منهم يصلي منتعلا» . وأما قوله: وقام بناتي بالنعال حواسرا ... وألصقن وقع السبت تحت القلائد فإن النساء ذوات المصائب إذا قمن في المناحات كن يضربن صدورهن بالنعال. وقال محمد بن يسير: كم أرى من مستعجب من نعالي ... ورضائي منها بلبس البوالي كل جرداء قد تحيّفها الخصف ... بأقطارها، بسرد النقال «١» لا تداني وليس تشبه في الخل ... قة إن أبرزت نعال الموالي لا ولا عن تقادم العهد منها ... بليت لا ولا لكرّ الليالي ولقد قلت حين أوثر ذا الو ... د عليها بثروتي وبمالي

стр. 627

من يغالي من الرجال بنعل ... فسوائي إذا بهن يغالي أو بغاهن للجمال فإني ... في سواهن زينتي وجمالي في أخائي وفي وفائي ورائي ... وعفافي ومنطقي وفعالي ما وقاني الخفي وبلّغني الحا ... جة منها، فإنني لا أبالي وقال خلف الأحمر: سقى حجاجنا نوء الثريا ... على ما كان من مطل وبخل هم جمعوا النعال فأحرزوها ... وسدوا دونها بابا بقفل إذا أهديت فاكهة وشاة ... وعشر دجائج بعثوا بنعل ومسواكين طولهما ذراع ... وعشر من رديّ المقل خشل «١» فإن أهديت ذاك ليحملوني ... على نعل فدقّ الله رجلي وقال كثير: كأن ابن ليلى حين يبدو فينجلي ... سجوف الخباء عن مهيب مشمّت مقارب خطو لا يغير نعله ... رهيف الشراك سهلة المتسمت إذا طرحت لم تطّب الكلب ريحها ... وإن وضعت في مجلس القوم شمت وقال بشار: إذا وضعت في مجلس القوم نعلها ... تضوّع مسكا ما أصابت وعنبرا ولما قال علي بن أبي طالب ﵁ لصعصعة بن صوحان في المنذر بن الجارود ما قال: قال صعصعة: «لئن قلت ذاك يا أمير المؤمنين أنه لنظّار في عطفيه، تفّال في شراكيه، تعجبه جمرة برديه» . وذم رجل ابن التوأم فقال: «رأيته مشحّم النعل، درن الجورب، مغضّن الخفّ، دقيق الجربان «٢» » .

стр. 628

وقال الهيثم: يمين لا يحلف بها الأعرابي أبدا: أن يقول لا أود لك الله صادرا ولا أصدر لك واردا، ولا حططت رحلك، ولا خلعت نعلك. وقال آخر: علق الفؤاد بريّق «١» الجهل ... وابرّ واستعصى على الأهل وصبا وقد شابت مفارقه ... سفها وكيف صبابة الكهل أدركت معتصري «٢» وأدركني ... حلمي ويسّر قائدي نعلي [إختلاف الأزياء] قال ابن عباس ﵀ في تعظيم شأن عصا موسى ﵇: «الدابة ينشق عنها الصفا، معها عصا موسى، وخاتم سليمان، تمسح المؤمن بالعصا وتختم الكافر بالخاتم» . وجعل الله ﵎ أكبر آداب النبي ﵇ في السّواك، وحضّ عليه ﷺ . والمسواك ألا يكون إلا عصا. وقال أبو الوجيه: قضبان المساويك البشام، والضّرو «٣» ، والعتم «٤» والأراك، والعرجون، والجريد، والإسحل. وقد يلبس الناس الخفاف والقلانس في الصيف كما يلبسونها في الشتاء، إذا دخلوا على الخلفاء وعلى الأمراء، وعلى السادة والعظماء، لأن ذلك أشبه بالإحتفال، وبالتعظيم والإجلال، وأبعد من التبذل والإسترسال، وأجدر أن يفصلوا بين مواضع أنسهم في منازلهم ومواضع إنقباضهم.

стр. 629

وللخلفاء عمّة، وللفقهاء عمة، وللبقالين عمة، وللأعراب عمة، وللصوص عمة، وللأبناء عمة، وللروم والنصارى عمة، ولأصحاب التشاجي «١» عمة. ولكل قوم زي: فللقضاة زي، ولأصحاب القضاة زي، وللشرط زي، وللكتّاب زي، ولكتاب الجند زي. ومن زيهم أن يركبوا الحمير وإن كانت الهماليج «٢» لهم معرضة. وأصحاب السلطان ومن دخل الدار على مراتب: فمنهم من يلبس المبطّنة، ومنهم من يلبس الدّرّاعة، ومنهم من يلبس القباء، ومنهم من يلبس البازيكند ويعلق الخنجر، ويأخذ الجرز، ويتخذ الجمّة «٣» . وزي مجالس الخلفاء في الشتاء والصيف فرش الصوف. وترى أن ذلك أكمل وأجزل وأفخم وأنبل. ولذلك وضعت ملوك العجم على رؤوسها التيجان، وجلست على الأسرة، وظاهرت بين الفرش. وهل يملأ عيون الأعداء ويرعب قلوب المخالفين، ويحشو صدور العوام إفراط التعظيم إلا تعظيم شأن السلطان، والزيادة في الأقدار، وإلا الآلات. وهل دواؤهم إلا في التهويل عليهم؟ وهل تصلحهم إلا إخافتك إياهم؟ وهل ينقادون لما فيه الحظ لهم ويسلسون بالطاعة التي فيها صلاح أمورهم إلا بتدبير يجمع المهابة والمحبة. وكانت الشعراء تلبس الوشي والمقطعات «٤» والأردية السود، وكل ثوب مشهر. وقد كان عندنا منذ نحو خمسين سنة شاعر يتزيا بزي الماضين، وكان

стр. 630

له برد أسود يلبسه في الصيف والشتاء، فهجاه بعض الطياب من الشعراء فقال في قصيدة له: بع بردك الأسود قبل البرد ... في قرة تأتيك صما صرد وكان لجربان «١» قميص بشار الأعمى وجبته لبنتان، فكان إذا أراد نزع شيء منها أطلق الأزرار فسقطت الثياب على الأرض، ولم ينزع قميصه من جهة رأسه قط. وقدّويه العدوي الشحّاجيّ، لم يلبس قط قميصا، وهو اليوم حي، وهو شيخهم، وهو شيخ كبير. وسعيد بن العاصي الجواد الخطيب، لم ينزع قميصه قط. فقدويه الشحاجي ضد سعيد بن العاصي الأموي. وقال الحطيئة: سعيد فلا يغررك قلة لحمه ... تخدّد عنه اللحم فهو صليب وكان شديد السواد نحيفا. ومن شأن المتكلمين أن يشيروا بأيديهم وأعناقهم وحواجبهم. فإذا أشاروا بالعصي فكأنهم قد وصلوا بأيديهم أيديا أخر. ويدل على ذلك قول الأنصاري حيث يقول: وسارت لنا سيارة ذات سؤدد ... بكوم المطايا والخيول الجماهر «٢» يؤمون ملك الشام حتى تمكنوا ... ملوكا بأرض الشام فوق المنابر يصيبون فصل القول في كل خطبة ... إذا وصلوا إيمانهم بالمخاصر وقال الكميت بن زيد: ونزور مسلمة المهذّ ... ب بالمؤبدة السوائر

стр. 631

بالمذهبات المعجبا ... ت لمفحم منا وشاعر أهل التجاوب في المحا ... فل والمقاول بالمخاصر وأيضا إن حمل العصا والمخصرة دليل على التأهب للخطبة، والتهيؤ للإطناب والإطالة، وذلك شيء خاص في خطباء العرب، ومقصور عليهم، ومنسوب إليهم. حتى أنهم ليذهبون في حوائجهم والمخاصر بأيديهم، ألفا لها، وتوقعا لبعض ما يوجب حملها، والإشارة بها. وعلى ذلك المعنى أشار النساء بالمآلي «١» وهن قيام في المناحات، وعلى ذلك المثال ضربن الصدور بالنعال. وإنما يكون العجز والذلة في دخول الخلل والنقص على الجوارح، وأما الزيادة فيها فالصواب فيه. وهل ذلك إلا كتعظيم كور العمامة، وإتخاذ القضاة القلانس العظام في حمّارة القيظ، وإتخاذ الخلفاء العمائم على القلانس فإن كانت القلانس مكشوفة زادوا في طولها وحدة رؤوسها، حتى تكون فوق قلانس جميع الأمة. وكذلك القناع، لأنه أهيب. وعلى ذلك المعنى كان يتقنّع العباس بن محمد وعبد الملك بن صالح، والعباس بن موسى وأشباههم. وسليمان بن أبي جعفر، وعيسى بن جعفر، وإسحاق بن عيسى، ومحمد بن سليمان ثم الفضل بن الربيع، والسندي بن شاهك وأشباههما من الموالى. لأن ذلك أهيب في الصدور، وأجل في العيون. والمقنع أروع من الحاسر، لأنه إذا لم يفارقه الحجاب وإن كان ظاهرا في الطرق كان أشبه بمباينة العوام وسياسة الرعية. وطرح القناع ملابسة وابتذال، ومؤانسة ومقاربة. والدليل على صواب

стр. 632

هذا العمل من بني هاشم، ومن صنائعهم ورجال دعوتهم، وإنهم قد علموا حاجة الناس إلى أن يهابوهم، وإن ذلك هو صلاح شأنهم- إن رسول الله ﷺ كان أكثر الناس قناعا. والدليل على أن ذلك قد كان شائعا في الأسلاف المتبوعين أنا نجد رؤوساء جميع أهل الملل، وأرباب النحل، على ذلك. ولذلك اتخذوا في الحروب الرايات والأعلام، وإنما ذلك كله خرق سود وحمر وصفر وبيض. وجعلوا اللواء علامة للعقد والعلم في الحرب مرجعا لصاحب الجولة. وقد علموا أنها وإن كانت خرقا على عصي إن ذلك أهيب في القلوب وأهول في الصدور، وأعظم في العيون. ولذلك أجمعت الأمم رجالها ونساؤها على إطالة الشعور، لأن ذا الجمة أضخم هامة وأطول قامة، وإن الكاسي أفخم من العاري. ولولا أن حلق الرأس طاعة وعبادة، وتواضع وخضوع، وكذلك السعي ورمي الجمار، لما فعلوا ذلك. وفي الحديث أنه لا يفتح عموريّة إلا رجال ثيابهم ثياب الرهبان وشعورهم شعور النساء. وكل ما زادوه في الأبدان، ووصلوه بالجوارح، فهو زيادة في تعظيم تلك الأبدان. والعصي والمخاصر مع الذي عددناه، ومع ذلك الذي ذكرناه ونريد ذكره من خصال منافعها، كله باب واحد. والمغنّي قد يوقّع بالقضيب على أوزان الأغاني، والمتكلم قد يشير برأسه ويده على أقسام كلامه وتقطيعه. ففرقوا ضروب الحركات على ضروب الألفاظ وضروب المعاني. ولو قبضت يده ومنع حركة رأسه، لذهب ثلثا كلامه. وقال عبد الملك بن مروان: لو ألقيت الخيزرانة من يدي لذهب شطر كلامي. وأراد معاوية سحبان وائل على الكلام، وكان قد اقتضبه إقتضابا، فلم

стр. 633

ينطق حتى أتوه بمخصرة، فرطلها «١» بيده فلم تعجبه حتى أتوه بمخصرة من بيته. والمثل المضروب بعصا الأعرج، يقولون: «أقرب من عصا الأعرج» ويضربون المثل بعصا النهدي. قال علقمة بن عبدة في صفة فرس أنثى: سلاءة كعصا النهدي غلّ لها ... منظّم من نوى قرّان معجوم «٢» ويضربون المثل برميح أبي سعد. وكان أبو سعد أعرج، وفد في وفد عاد. قال ذو الأصبع العدواني: إن تكن شكّتي رميح أبي سع ... د فقد أحمل السلاح معا وقال عباس بن مرداس: جزى الله خيرا خيرنا لصديقه ... وزوّده زادا كزاد أبي سعد وزوّده صدقا وبرا ونائلا ... وما كان في تلك الوفادة من حمد وقال الآخر: فآب بجدوى زامل وابن زامل ... عدوّك، أو جدوى كليب بن وائل ويقولون: «لو كان في العصا سير» . ويقولون: «ما هو إلا أبنة عصا، وعقدة رشاء» . ويقولون: أخرج عوده كعصا البقّار، وأخرج أيضا عوده كعصا الحادي. وكان أبو العتاهية أهدى إلى أمير المؤمنين المأمون عصا نبع، وعصا شريان، وعصا آبنوس، وعصا أخرى كريمة العيدان، شريفة الأغصان، وأردية قطرية، وركاء يمانية، ونعالا سبتية «٣» ، فقبل من ذلك عصا واحدة ورد الباقي.

стр. 634

وبعث إليه مرة أخرى بنعل وكتب إليه في ذلك: نعل بعثت بها لتلبسها ... تسعى بها قدم إلى المجد لو كنت أقدر أن أشركها ... خدي جعلت شراكها خدي فقبلها. الكلبي عن أبي صالح، عن أبن عباس، أن الشجرة التي نودي منها موسى ﵇ عوسج، وأنه نودي من جوف العوسج، وأن عصاه كانت من آس الجنة، وأنها كانت من العود الذي في وسط الورقة، وكان طولها طول موسى ﵇. وقالوا: من العليق. وقال الآخر: صفراء من نبع كلون الورس ... أبدؤها بالدهن قبل نفسي وأنشد الأصمعي عن بعض الأعراب: ألا قالت الخنساء يوم لقيتها ... كبرت ولم تجزع من الشّيب مجزعا رأت ذا عصا يمشي عليها وشيبة ... تقنّع منها رأسه ما تقنعا فقلت لها لا تهزئي بي فقلما ... يسود الفتى حتى يشيب ويصلعا وللقارح اليعبوب خير علالة ... من الجذع المجرى وأبعد منزعا «١» وقال إسحاق بن سويد: في رداء النبي أقوى دليل ... ثم في القعب والعصا والقضيب وقال أبو الشيص الأعمى في هارون الرشيد: يا بني هاشم أفيقوا فإن ال ... ملك منكم حيث العصا والرداء ما لهارون في قريش كفيّ ... وقريش ليست لهم أكفاء

стр. 635

وقال آخر: على خشبات الملك منه مهابة ... وفي الحرب عبل الساعدين قروع يشقّ الوغى عن رأسه فضل نجدة ... وأبيض من ماء الحديد وقيع ومما يجوز في العصا قول أبي الشيص: أنعي فتىّ مصّ الثرى بعده ... بقيّة الماء من العود أنعي فتى الجود إلى الجود ... ما مثل من أنعي بموجود ومن هذا الباب قول عبد الله بن جدعان: فلم أر مثلهم حيّين أبقى ... على الحدثان إن طرقت طروقا «١» وأضرب عند ضنك الأمر منهم ... وأسلكهم لأحزنه طريقا شريت صلاحهم بتلاد مالي ... فعاد الغصن معتدلا وريقا «٢» ويقولون للرجل إذا أثرى وأفاد وكثرت نعمته: «ضع عصاك» ، و «قد وضع عصاه» . وقال أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ونجرّ الأذيال في نعمة زو ... ل تقولان ضع عصاك لدهر ويقولون للمستوطن في البلد والمستطيب للمكان: «قد ألقى عصاه» . وقال زهير بن أبي سلمى: فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاصر المتخيّم
следующие страницы →