Полный текст (863 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
بالمذهبات المعجبا ... ت لمفحم منا وشاعر
أهل التجاوب في المحا ... فل والمقاول بالمخاصر
وأيضا إن حمل العصا والمخصرة دليل على التأهب للخطبة، والتهيؤ للإطناب والإطالة، وذلك شيء خاص في خطباء العرب، ومقصور عليهم، ومنسوب إليهم. حتى أنهم ليذهبون في حوائجهم والمخاصر بأيديهم، ألفا لها، وتوقعا لبعض ما يوجب حملها، والإشارة بها.
وعلى ذلك المعنى أشار النساء بالمآلي «١» وهن قيام في المناحات، وعلى ذلك المثال ضربن الصدور بالنعال.
وإنما يكون العجز والذلة في دخول الخلل والنقص على الجوارح، وأما الزيادة فيها فالصواب فيه. وهل ذلك إلا كتعظيم كور العمامة، وإتخاذ القضاة القلانس العظام في حمّارة القيظ، وإتخاذ الخلفاء العمائم على القلانس فإن كانت القلانس مكشوفة زادوا في طولها وحدة رؤوسها، حتى تكون فوق قلانس جميع الأمة.
وكذلك القناع، لأنه أهيب. وعلى ذلك المعنى كان يتقنّع العباس بن محمد وعبد الملك بن صالح، والعباس بن موسى وأشباههم. وسليمان بن أبي جعفر، وعيسى بن جعفر، وإسحاق بن عيسى، ومحمد بن سليمان ثم الفضل بن الربيع، والسندي بن شاهك وأشباههما من الموالى. لأن ذلك أهيب في الصدور، وأجل في العيون.
والمقنع أروع من الحاسر، لأنه إذا لم يفارقه الحجاب وإن كان ظاهرا في الطرق كان أشبه بمباينة العوام وسياسة الرعية.
وطرح القناع ملابسة وابتذال، ومؤانسة ومقاربة. والدليل على صواب
стр. 632
هذا العمل من بني هاشم، ومن صنائعهم ورجال دعوتهم، وإنهم قد علموا حاجة الناس إلى أن يهابوهم، وإن ذلك هو صلاح شأنهم- إن رسول الله ﷺ كان أكثر الناس قناعا.
والدليل على أن ذلك قد كان شائعا في الأسلاف المتبوعين أنا نجد رؤوساء جميع أهل الملل، وأرباب النحل، على ذلك. ولذلك اتخذوا في الحروب الرايات والأعلام، وإنما ذلك كله خرق سود وحمر وصفر وبيض.
وجعلوا اللواء علامة للعقد والعلم في الحرب مرجعا لصاحب الجولة. وقد علموا أنها وإن كانت خرقا على عصي إن ذلك أهيب في القلوب وأهول في الصدور، وأعظم في العيون. ولذلك أجمعت الأمم رجالها ونساؤها على إطالة الشعور، لأن ذا الجمة أضخم هامة وأطول قامة، وإن الكاسي أفخم من العاري. ولولا أن حلق الرأس طاعة وعبادة، وتواضع وخضوع، وكذلك السعي ورمي الجمار، لما فعلوا ذلك.
وفي الحديث أنه لا يفتح عموريّة إلا رجال ثيابهم ثياب الرهبان وشعورهم شعور النساء.
وكل ما زادوه في الأبدان، ووصلوه بالجوارح، فهو زيادة في تعظيم تلك الأبدان.
والعصي والمخاصر مع الذي عددناه، ومع ذلك الذي ذكرناه ونريد ذكره من خصال منافعها، كله باب واحد.
والمغنّي قد يوقّع بالقضيب على أوزان الأغاني، والمتكلم قد يشير برأسه ويده على أقسام كلامه وتقطيعه. ففرقوا ضروب الحركات على ضروب الألفاظ وضروب المعاني. ولو قبضت يده ومنع حركة رأسه، لذهب ثلثا كلامه.
وقال عبد الملك بن مروان: لو ألقيت الخيزرانة من يدي لذهب شطر كلامي.
وأراد معاوية سحبان وائل على الكلام، وكان قد اقتضبه إقتضابا، فلم
стр. 633
ينطق حتى أتوه بمخصرة، فرطلها «١» بيده فلم تعجبه حتى أتوه بمخصرة من بيته.
والمثل المضروب بعصا الأعرج، يقولون: «أقرب من عصا الأعرج» ويضربون المثل بعصا النهدي. قال علقمة بن عبدة في صفة فرس أنثى:
سلاءة كعصا النهدي غلّ لها ... منظّم من نوى قرّان معجوم «٢»
ويضربون المثل برميح أبي سعد. وكان أبو سعد أعرج، وفد في وفد عاد. قال ذو الأصبع العدواني:
إن تكن شكّتي رميح أبي سع ... د فقد أحمل السلاح معا
وقال عباس بن مرداس:
جزى الله خيرا خيرنا لصديقه ... وزوّده زادا كزاد أبي سعد
وزوّده صدقا وبرا ونائلا ... وما كان في تلك الوفادة من حمد
وقال الآخر:
فآب بجدوى زامل وابن زامل ... عدوّك، أو جدوى كليب بن وائل
ويقولون: «لو كان في العصا سير» . ويقولون: «ما هو إلا أبنة عصا، وعقدة رشاء» . ويقولون: أخرج عوده كعصا البقّار، وأخرج أيضا عوده كعصا الحادي.
وكان أبو العتاهية أهدى إلى أمير المؤمنين المأمون عصا نبع، وعصا شريان، وعصا آبنوس، وعصا أخرى كريمة العيدان، شريفة الأغصان، وأردية قطرية، وركاء يمانية، ونعالا سبتية «٣» ، فقبل من ذلك عصا واحدة ورد الباقي.
стр. 634
وبعث إليه مرة أخرى بنعل وكتب إليه في ذلك:
نعل بعثت بها لتلبسها ... تسعى بها قدم إلى المجد
لو كنت أقدر أن أشركها ... خدي جعلت شراكها خدي
فقبلها.
الكلبي عن أبي صالح، عن أبن عباس، أن الشجرة التي نودي منها موسى ﵇ عوسج، وأنه نودي من جوف العوسج، وأن عصاه كانت من آس الجنة، وأنها كانت من العود الذي في وسط الورقة، وكان طولها طول موسى ﵇. وقالوا: من العليق.
وقال الآخر:
صفراء من نبع كلون الورس ... أبدؤها بالدهن قبل نفسي
وأنشد الأصمعي عن بعض الأعراب:
ألا قالت الخنساء يوم لقيتها ... كبرت ولم تجزع من الشّيب مجزعا
رأت ذا عصا يمشي عليها وشيبة ... تقنّع منها رأسه ما تقنعا
فقلت لها لا تهزئي بي فقلما ... يسود الفتى حتى يشيب ويصلعا
وللقارح اليعبوب خير علالة ... من الجذع المجرى وأبعد منزعا «١»
وقال إسحاق بن سويد:
في رداء النبي أقوى دليل ... ثم في القعب والعصا والقضيب
وقال أبو الشيص الأعمى في هارون الرشيد:
يا بني هاشم أفيقوا فإن ال ... ملك منكم حيث العصا والرداء
ما لهارون في قريش كفيّ ... وقريش ليست لهم أكفاء
стр. 635
وقال آخر:
على خشبات الملك منه مهابة ... وفي الحرب عبل الساعدين قروع
يشقّ الوغى عن رأسه فضل نجدة ... وأبيض من ماء الحديد وقيع
ومما يجوز في العصا قول أبي الشيص:
أنعي فتىّ مصّ الثرى بعده ... بقيّة الماء من العود
أنعي فتى الجود إلى الجود ... ما مثل من أنعي بموجود
ومن هذا الباب قول عبد الله بن جدعان:
فلم أر مثلهم حيّين أبقى ... على الحدثان إن طرقت طروقا «١»
وأضرب عند ضنك الأمر منهم ... وأسلكهم لأحزنه طريقا
شريت صلاحهم بتلاد مالي ... فعاد الغصن معتدلا وريقا «٢»
ويقولون للرجل إذا أثرى وأفاد وكثرت نعمته: «ضع عصاك» ، و «قد وضع عصاه» .
وقال أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل:
ونجرّ الأذيال في نعمة زو ... ل تقولان ضع عصاك لدهر
ويقولون للمستوطن في البلد والمستطيب للمكان: «قد ألقى عصاه» .
وقال زهير بن أبي سلمى:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاصر المتخيّم
стр. 636
كتاب الزهد
نبدأ على اسم الله وعونه بشيء من كلام النسّاك في الزهد، وبشيء من ذكر أخلاقهم ومواعظهم.
عوف «١» ، عن الحسن قال: «لا تزول قدما ابن آدم حتى يسأل عن ثلاث: شبابه فيما ابلاه، وعمره فيما أفناه، وماله من أين كسبه، وفيما أنفقه» .
قالوا: وقال يونس بن عبيد: سمعت ثلاث كلمات لم أسمع بأعجب منهن: قول حسان بن أبي سنان: ما شيء أهون من ورع، إذا رابك شيء فدعه. وقول ابن سيرين: ما حسدت أحدا على شيء قط. وقول مورّق العجلي:
لقد سألت الله حاجة منذ أربعين سنة، ما قضاها ولا يئست منها. فقيل لمورق: ما هي؟ قال: ترك مالا يعنيني.
стр. 637
وقال أبو حازم الأعرج: إن عوفينا من شر ما أعطينا لم يضرنا ما زوي عنا.
وقال أبو عبد الحميد: لم أسمع أعجب من قول عمر: «لو أن الصبر والشكر بعيران ما باليت أيهما أركب» .
وقال ابن ضبارة: أنا نظرنا فوجدنا الصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذاب الله.
وقال زياد عبد (عبد الله بن) عياش بن أبي ربيعة: أنا من أن أمنع الدعاء أخوف من أن أمنع الإجابة.
وقال له عمر بن عبد العزيز: يا زياد، إني أخاف الله مما دخلت فيه.
قال: لست أخاف عليك أن تخاف، وإنما أخاف عليك ألا تخاف.
وقال بعض النساك: كفى موعظة أنك لا تموت إلا بحياة، ولا تحيا إلا بموت.
وهو الذي قال: أصحب من ينسى معروفة عندك.
وهو الذي قال: «لا تجعل بينك وبين الله منعما، وعدّ النعم منه عليك مغرما» .
ودخل سالم بن عبد الله، مع هشام بن عبد الملك البيت، فقال له هشام: سلني حاجتك. فقال: أكره أن أسأل في بيت الله غير الله.
وقيل لرابعة القيسية: لو كلمت رجال عشيرتك فاشتروا لك خادما تكفيك مهنة بيتك؟ قالت: «والله إني لأستحي أن أسأل الدنيا من يملك الدنيا فكيف أسألها من لا يملكها؟!» .
وقال بعض النساك: دياركم أمامكم، وحياتكم بعد موتكم.
وقال السموأل بن عاديا اليهودي:
стр. 638
ميتا خلقت ولم أكن من قبلها ... شيئا يموت فمتّ حين حييت
وقال أبو الدرداء: «كان الناس ورقا لا شوك فيه، وهم اليوم شوك لا ورق فيه» .
الحسن بن دينار قال: رأى الحسن رجلا يكيد بنفسه، فقال: «إن آمرأ هذا آخره لجدير أن يزهد في أوله، وإن آمرأ هذا أوله لجدير أن يخاف آخره» .
قال أبو حازم: الدنيا غرت أقواما فعملوا فيها بغير الحق، فلما جاءهم الموت خلفوا مالهم لمن لا يحمدهم، وصاروا إلى من لا يعذرهم. وقد خلفنا بعدهم، فينبغي لنا أن ننظر إلى الذي كرهناه منهم فنجتنبه، وإلى الذي غبطناهم به فنستعمله.
موسى بن داود، رفع الحديث قال: «النظر إلى خمسة عبادة: النظر إلى الوالدين، والنظر إلى البحر، والنظر إلى المصحف، والنظر إلى الصخرة، والنظر إلى البيت» .
عبد الله بن شداد، قال: «أربع من كنّ فيه فقد برىء من الكبر: من اعتقل البعير، وركب الحمار، ولبس الصوف، وأجاب دعوة الرجل الدون» .
وذكر عند أنس الصوم فقال: «ثلاث من أطاقهن فقد ضبط أمره: من تسحر، ومن قال «١» ومن أكل قبل أن يشرب» .
وقال أبو سعيد، عبد الكريم العقابي: من أخر السحور وقدم الفطور، وأكل قبل أن يشرب، وشرب ثم لم يأكل، فقد ضبط أمره.
стр. 639
وقال الجمّاز «١» : ليس يقوى على الصوم إلا من كبر لقمه، وأطاب أدمه.
مجالد بن سعيد، عن الشعبي، قال: حدثني مرّة الهمداني «٢» - قال مجالد: وقد رأيته- وحدثنا اسماعيل بن أبي خالد «٣» أنه لم ير مثل مرة قط، كان يصلي في اليوم والليلة خمسمائة ركعة.
وكان مرّة يقول: لما قتل عثمان ﵀: حمدت الله ألا أكون دخلت في شيء من قتله، فصليت مائة ركعة. فلما وقع الجمل وصفين حمدت الله ألا أكون في شيء من تلك الحروب، وزدت مائة ركعة. فلما كانت وقعة النهر وإن حمدت الله إذ لم أشهدها، وزدت مائة ركعة فلما كانت فتنة ابن الزبير حمدت الله إذ لم أشهدها، وزدت مائة ركعة.
وأنا أسأل الله أن يغفر لمرة. على أنا لا نعرف لبعض ما قال وجها، لأنك لا تعرف فقيها من أهل الجماعة لا يستحل قتال الخوارج، كما أنا لا نعرف أحدا منهم لا يستحل قتال اللصوص. وهذا أبن عمر، وهو رئيس الحلسية «٤» بزعمهم، قد لبس السلاح لقتال نجدة «٥» .
وقيل لشريح: الحمد لله الذي سلمك من القتال في شيء من هذه الفتن. قال: فكيف أصنع بقلبي وهواي.
стр. 640
قال الحسن: قتل الناقة رجل واحد، ولكن الله عم القوم بالعذاب، لأنهم عموه بالرضا.
وسئل عمر بن عبد العزيز عن قتلة عثمان وخاذليه وناصريه فقال: تلك دماء كفّ الله يدي عنها، فأنا لا أحب أن أغمس لساني فيها.
ودخل أبو الدرداء على رجل يعوده، فقال له: كيف تجدك؟ فقال:
أفرق من الموت. قال: فمن أصبت الخير كله؟ قال: من الله. قال: فلم تفرق ممن لم تصب الخير كله إلا منه؟! ولما قذف ابراهيم ﵇ في النار قال له جبريل ﵇: ألك حاجة يا خليل الله؟ قال: أما إليك فلا.
قال: ورأى بعض النساك صديقا له من النساك مهموما، فسأله عن حاله ذلك فقال: كان عندي يتيم أحتسب فيه الأجر، فمات. قال: فاطلب يتيما غيره فإن ذلك لا يعدمك إن شاء الله. قال أخاف: أن لا أصيب يتيما في سوء خلقه. فقال: أما أني لو كنت مكانك لم أذكره سوء خلقه.
قال: ودخل بعض النساك على صاحب له وهو يكيد بنفسه، فقال له:
طب نفسا فإنك تلقى ربا رحيما. قال: أما ذنوبي فإني أرجو أن يغفرها الله لي، وليس اغتمامي إلا لمن أدع من بناتي. قال له صاحبه: الذي ترجوه لمغفرة ذنوبك فارجه لحفظ بناتك.
قال: وكان مالك بن دينار يقول: لو كانت الصحف من عندنا لأقللنا الكلام.
وقال يونس بن عبيد: لو أمرنا بالجزع لصبرنا.
وكان يقول: كسبت في هذه السوق ستين ألف درهم، ما منها درهم إلا وأنا أخاف أن أسأل عنه.
стр. 641
قال: وسمع عمرو بن عبيد، عبد الرحيم بن صديقة يقول: قال الحطيئة: إنما أنا حسب موضوع: فقال عمرو: كذب ترحه الله، ذلك التقوى.
وقال أبو الدرداء: نعم صومعة المؤمن منزل يكفّ فيه نفسه وبصره وفرجه. وإياكم والجلوس في هذه الأسواق، فإنها تلغي وتلهي.
وقال الحسن: يا ابن آدم، بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا. يا ابن آدم، إذا رأيت الناس في الخير فنافسهم فيه، وإذا رأيتهم في الشر فلا تغبطهم به. الثواء ها هنا قليل، والبقاء هناك طويل. أمتكم آخر الأمم وأنتم آخر أمتكم، وقد أسرع بخياركم فماذا تنتظرون؟ آلمعاينة؟ فكأن قد. هيهات هيهات، ذهبت الدنيا بحاليها، وبقيت الأعمال قلائد في أعناق بني آدم، فيالها موعظة لو وافقت من القلوب حياة! أما أنه والله لا أمة بعد أمتكم، ولا نبيّ بعد نبيكم، ولا كتاب بعد كتابكم. أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم، وإنما ينتظر بأولكم أن يلحق آخركم. من رأى محمدا ﷺ فقد رآه غاديا رائحا، لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة. رفع له علم فشمر إليه. فالوحاء والنجاء النجاء. علام تعرّجون. أتيتم ورب الكعبة. قد أسرع بخياركم وأنتم كل يوم ترذلون، فماذا تنتظرون. إن الله تعالى بعث محمدا ﵇ على علم منه، إختاره لنفسه، وبعثه برسالته، وأنزل عليه كتابه، وكان صفوته مع خلقه، ورسوله إلى عباده، ثم وضعه من الدنيا موضعا ينظر إليه أهل الأرض، وآتاه منها قوتا وبلغه، ثم قال:
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
، فرغب أقوام عن عيشه، وسخطوا ما رضي له ربه، فأبعدهم الله واسحقهم. يا ابن آدم، طأ الأرض بقدمك فإنها عما قليل قبرك، واعلم أنك لم تزل في هدم عمرك مذ سقطت من بطن أمك. فرحم الله رجلا نظر فتفكر، وتفكر فاعتبر، واعتبر فأبصر، وابصر فصبر. قد أبصر أقوام فلم يصبروا فذهب الجزع بقلوبهم ولم يدركوا ما طلبوا، ولم يرجعوا إلى ما فارقوا. يا ابن آدم، أذكر قوله: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ
стр. 642
فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً. اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
. عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. خذوا صفاء الدنيا وذروا كدرها، فليس الصفو ما عاد كدرا، ولا الكدر ما عاد صفوا. دعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم. ظهر الجفاء وقلت العلماء، وعفت السنة وشاعت البدعة. لقد صحبت أقواما ما كانت صحبتهم إلا قرّة العين، وجلاء الصدر. ولقد رأيت أقواما كانوا من حسناتهم أشفق من أن ترد عليهم، منكم من سيئاتكم أن تعذبوا عليها، وكانوا فيما أحلّ الله لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرم عليكم منها. ما لي أسمع حسيسا ولا أرى أنيسا. ذهب الناس وبقي النسناس «١» . لو تكاشفتم ما تدافنتم. تهاديتم الأطباق ولم تتهادوا النصائح. قال إبن الخطاب: رحم الله امرأ أهدى إلينا مساوينا. أعدوا الجواب فإنكم مسؤولون. المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه ولكن أخذه من قبل ربه. إن هذا الحق قد جهد أهله وحال بينهم وبين شهواتهم، وما يصبر عليه إلا من عرف فضله، ورجا عاقبته. فمن حمد الدنيا ذم الآخرة، وليس يكره لقاء الله إلا مقيم على سخطه. يا ابن آدم، ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال.
وكان إذا قرىء: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ
قال: عم ألهاكم؟! ألهاكم عن دار الخلود، وجنة لا تبيد. هذا والله فضح القوم، وهتك الستر وأبدى العوار «٢» .
تنفق مثل ديتك في شهواتك سرفا، وتمنع في حق الله درهما. ستعلم يا لكع «٣» . الناس ثلاثة: مؤمن، وكافر، ومنافق. فأما المؤمن فقد ألجمه الخوف، ووقمه ذكر العرض. وأما الكافر فقد قمعه السيف، وشرده الخوف، فأذعن بالجزية، وأسمح بالضريبة. وأما المنافق ففي الحجرات والطرقات، يسرون غير ما يعلنون، ويضمرون غير ما يظهرون. فاعتبروا إنكارهم ربهم بأعمالهم الخبيثة. ويلك! قتلت وليه ثم تتمنى عليه جنته!
стр. 643
وكان يقول: رحم الله رجلا خلا بكتاب الله فعرض عليه نفسه، فإن وافقه حمد ربه وسأله الزيادة من فضله، وإن خالفه إعتتب وأناب «١» ، ورجع من قريب. رحم الله رجلا وعظ أخاه وأهله فقال: يا أهلي، صلاتكم صلاتكم، زكاتكم زكاتكم، جيرانكم جيرانكم، إخوانكم إخوانكم، مساكنكم مساكنكم، لعل الله يرحمكم. فإن الله ﵎ أثنى على عبد من عباده فقال: وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا
. يا ابن آدم: كيف تكون مسلما ولم يسلم منك جارك، وكيف تكون مؤمنا ولم يأمنك الناس.
وكان يقول: لا يستحق أحد حقيقة الإيمان حتى لا يعيب الناس بعيب هو فيه، ولا يأمر بإصلاح عيوبهم حتى يبدأ بإصلاح ذلك من نفسه، فإنه إذا فعل ذلك لم يصلح عيبا إلا وجد في نفسه عيبا آخر ينبغي له أن يصلحه. فإذا فعل ذلك شغل بخاصة نفسه عن عيب غيره. وإنك ناظر إلى عملك يوزن خيره وشره، فلا تحقرنّ شيئا من الخير وإن صغر، فإنك إذا رأيته سرّك مكانه. ولا تحقرن شيئا من الشر وإن صغر، فإنك إذا رأيته ساءك مكانه.
وكان يقول: رحم الله أمرأ كسب طيّبا وأنفق قصدا، وقدّم فضلا. وجهوا هذه الفضول حيث وجهها الله، وضعوها حيث أمر الله، فإن من كان قبلكم كانوا يأخذون من الدنيا بلاغهم ويؤثرون بالفضل. ألا أن هذا الموت قد أضرّ بالدنيا ففضحها، فلا والله ما وجد ذولب فيها فرحا. فإياكم وهذه السبل المتفرقة، التي جماعها الضلالة وميعادها النار. أدركت من صدر هذه الأمة قوما كانوا إذا أجنّهم الليل فقيام على أطرافهم، يفترشون وجوههم، تجري دموعهم على خدودهم، يناجون مولاهم في فكاك رقابهم «٢» . إذا عملوا الحسنة سرتهم وسألوا الله أن يتقبلها منهم، وإذا عملوا سيئة ساءتهم وسألوا الله أن يغفرها لهم. يا بن آدم، إن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس ها هنا شيء يغنيك، وإن
стр. 644
كان يغنيك ما يكفيك فالقليل من الدنيا يغنيك. يا بن آدم، لا تعمل شيئا من الحق رياء، ولا تتركه حياء.
وكان يقول: إن العلماء كانوا قد استغنوا بعلمهم من أهل الدنيا، كانوا يقضون بعلمهم على أهل الدنيا ما لا يقضي أهل الدنيا بدنياهم فيها، وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم لأهل العلم رغبة في علمهم، فأصبح أهل العلم اليوم يبذلون علمهم لأهل الدنيا رغبة في دنياهم، فرغب أهل الدنيا بدنياهم عنهم، وزهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم.
وكان يقول: لا أذهب إلى من يواري عني غناه ويبدي لي فقره ويغلق دوني بابه ويمنعني ما عنده، وادع من يفتح لي بابه ويبدي لي غناه ويدعوني إلى ما عنده.
وكان يقول: يا بن آدم، لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر.
مؤمن متّهم، وعلج أغتم «١» وأعرابيّ لا فقه له، ومنافق مكذّب، ودنياويّ مترف، نعق بهم ناعق فاتبعوه، فرّاش نار وذبّان طمع.
والذي نفس الحسن بيده ما أصبح في هذه القرية مؤمن إلا وقد أصبح مهموما حزينا، وليس لمؤمن راحة دون لقاء الله، والناس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم، فصار المؤمن إلى إيمانه، والمنافق إلى نفاقه. أي قوم، إن نعمة الله عليكم أفضل من أعمالكم، فسارعوا إلى ربكم، فإنه ليس لمؤمن راحة دون الجنة، ولا يزال العبد بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همّه.
وقال الحسن في يوم فطر، وقد رأى الناس وهيئاتهم: إن الله ﵎ جعل رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق أقوام ففازوا وتخلّف آخرون فخابوا. فالعجب من الضاحك والله ان لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه، ومسيء بإساءته، عن اللاعب في اليوم الذي يفوز فيه
стр. 645
المحسنون، ويخسر فيه المبطلون. أما والله لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه ومسيء بإساءته عن ترجيل شعر وتجديد ثوب «١» .
وحدّث عن عمر بن الخطاب ﵀ أنه قال:
الناس طالبان: فطالب يطلب الدنيا فارفضوها في نحره، فإنه ربما أدرك الذي طلب منها فهلك بما أصاب منها، وربما فاته الذي طلب منها فهلك بما فاته منها. وطالب الآخرة، فإذا رأيتم طالب الآخرة فنافسوه.
وحدث عن عمر بن الخطاب ﵀ أنه قال:
يا أيها الناس، أنه أتى عليّ حين وأنا أحسب أنه من قرأ القرآن أنه إنما يريد به الله وما عنده. ألا وقد خيل إلي أن أقواما يقرأون القرآن يريدون به ما عند الناس. ألا فأريدوا الله بقراءتكم، وأريدوه بأعمالكم، فإنما كنا نعرفكم إذ الوحي ينزل، وإذ النبي ﷺ بين أظهرنا، فقد رفع الوحي وذهب النبي ﵇، فإنما أعرفكم بما أقول لكم. ألا فمن أظهر لنا خيرا ظننا به خيرا وأثنينا عليه، ومن أظهر لنا شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه. إقدعوا «٢» هذه النفوس عن شهواتها، فإنها طلعة «٣» ، وإنكم ألا تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية. إن هذا الحق ثقيل مرىء، وإن الباطل خفيف وبيء، وترك الخطيئة خير من معالجة التوبة. ورب نظرة زرعت شهوة، وشهوة ساعة أورثت حزنا طويلا.
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد فكأنك بالدنيا لم تكن وكأنك بالآخرة لم تزل.
وقال أبو حازم الأعرج: وجدت الدنيا شيئين: شيئا هو لي لن أعجله دون أجله ولو طلبته بقوة السموات والأرض، وشيئا هو لغيري لم أنله فيما مضى ولا
стр. 646
أناله فيما بقي. يمنع الذي لي من غيري، كما منع الذي لغيري مني. ففي أي هذين أفني عمري، وأهلك نفسي.
ودخل على بعض الملوك من بني مروان فقال: أبا حازم، ما المخرج مما نحن فيه؟ قال: تنظر إلى ما عندك فلا تضعه إلا في حقه، وما ليس عندك فلا تأخذه إلا بحقه. قال: ومن يطيق ذلك يا أبا حازم؟ قال: فمن أجل ذلك ملئت جهنم من الجنة والناس أجمعين. قال: ما مالك؟ قال: مالان. قال:
ما هما؟ قال: الثقة بما عند الله، واليأس مما في أيدي الناس. قال: أرفع حوائجك إلينا. قال: هيهات، قد رفعتها إلى من لا تختزل الحوائج دونه، فإن أعطاني منها شيئا قبلت، وإن زوى عنى منها شيئا رضيت.
وقال الفضيل بن عياض: يا ابن آدم، إنما يفضلك الغني بيومك. أمس قد خلا، وغد لم يأت، فإن صبرت. يومك أحمدت أمرك، وقويت على غدك.
وإن عجزت يومك أذممت أمرك، وضعفت عن غدك. وإن الصبر يورث البرء، وإن الجزع يورث السقم، وبالسقم يكون الموت، وبالبرء تكون الحياة.
وقال الحسن: أيا فلان، أترضى هذه الحال التي أنت عليها للموت إذا نزل بك؟ قال: لا. قال: افتحدّث نفسك بالإنتقال عنها إلى حال ترضاها للموت إذا نزل بك؟ قال: حديثا بغير حقيقة. قال: أفبعد الموت دار فيها مستعتب «١» ؟ قال: لا. قال: فهل رأيت عاقلا رضي لنفسه بمثل الذي رضيت به لنفسك؟! قال عيسى بن مريم ﷺ : «ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، وإلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميت قلوبهم، وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم» .
стр. 647
ورأوه يخرج من بيت مومسة، فقيل له: يا روح الله ما تصنع عند هذه؟
قال: «إنما يأتي الطبيب المرضى» .
وقال حين مر ببعض الخلق فشتموه، ثم مر بآخرين فشتموه فكلما قالوا شرا قال خيرا، فقال له رجل من الحواريين: كلما زادوك شرا زدتهم خيرا حتى كأنك إنما تغريهم بنفسك، وتحثهم على شتمك! قال: «كل إنسان يعطي مما عنده» .
وقال: «ويلكم يا عبيد الدنيا، كيف تخالف فروعكم أصولكم، وعقولكم أهواءكم. قولكم شفاء يبرىء الداء، وعملكم داء لا يقبل الدواء.
لستم كالكرمة التي حسن ورقها، وطاب ثمرها، وسهل مرتقاها، بل أنتم كالسّمرة التي قل ورقها وكثر شوكها، وصعب مرتقاها. ويلكم يا عبيد الدنيا، جعلتم العمل تحت أقدامكم، من شاء أخذه، وجعلتم الدنيا فوق رؤوسكم لا يستطاع تناولها، لا عبيد أتقياء، ولا أحرار كرام، ويلكم أجراء السوء، الأجر تأخذون، والعمل تفسدون. سوف تلقون ما تحذرون يوشك رب العمل أن ينظر في عمله الذي أفسدتم، وفي أجره الذي أخذتم. ويلكم غرماء السوء تبدأون بالهدية قبل قضاء الدين، بالنوافل تطوعون، وما أمرتم به لا تؤدون.
إن رب الدين لا يقبل الهدية حتى يقضي دينه» .
وكان أبو الدرداء يقول: «أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب، واحذر أن تظلم من لا ناصر له إلا الله» .
وقال وزر العبد:
لعمر أبي المملوك ما عاش أنه ... وإن أعجبته نفسه لذليل
يرى الناس أنصارا عليه وما له ... من الناس إلا ناصرون قليل
شيخ من أهل البادية قال: المعرض بالناس أتقى صاحبه ولم يتق ربه. وكان بكر بن عبد الله يقول: «أطفئوا نار الغضب بذكر نار جهنم» . وقال: «من كان له من نفسه واعظ عارضه ساعة الغفلة، وحين الحمية» .
стр. 648
وقال علي للأشتر: «أنظر في وجهي» ، حين جرى بينه وبين الأشعث ابن قيس ما جرى.
وكانت العجم تقول: «إذا غضب الرجل فليستلق، وإذا أعيا فليرفع رجليه» .
وقال أبو الحسن: كان لرجل من النساك شاة، وكان معجبا بها، فجاء يوما فوجدها على ثلاث قوائم فقال: من صنع هذا بالشاة؟ قال غلامه: أنا.
قال: ولم؟ قال: أردت أن أغمك. قال: لا جرم لأغمن الذي أمرك بغمي، إذهب فأنت حر.
سعيد بن عامر «١» ، عن محمد بن علقمة، قال سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو يقول: ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاضه من ذلك الصبر إلا كان ما عاضه الله أفضل مما انتزع منه. ثم قرأ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد «٢» عن أصحابه قالوا: حضرت عمرو بن عبيد الوفاة فقال لعديله: نزل بي الموت ولم أتأهب له. اللهم إنك تعلم أنه لم يسنح لي أمران لك في أحدهما رضا لي في الآخر هوى إلا اخترت رضاك على هواي، فاغفر لي.
ولما خبر أبو حازم سليمان بن عبد الملك بو عبد الله للمذنبين، قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال أبو حازم: قريب من المحسنين.
قال: وخرج عثمان بن عفان ﵀ من داره فرأى في دهليزه أعرابيا في بت، أشغى «٣» ، غائر العينين، مشرف الحاجبين، فقال يا أعرابي: أين ربك؟ قال: بالمرصاد. وكان الأعرابي عامر بن عبد قيس، وكان ابن عامر سيره إليه.
стр. 649
قال: وغدا أعرابي من طيىء مع امرأة له، فاحتلبا لبنا ثم قعدا يتمجعان «١» ، فقالت امرأته: أنحن أنعم عيشا أم بنو مروان؟ قال: هم أطيب طعاما منا، ونحن أردأ كسوة منهم، وهم أنعم منا نهارا، ونحن أظهر منهم ليلا.
قال: وعظ عمر بن الخطاب رجلا فقال: لا يلهك الناس عن نفسك، فإن الأمر يصير إليك دونهم! ولا تقطع النهار سادرا «٢» فإنه محفوظ عليك ما عملت. وإذا أسأت فأحسن، فإني لم أر شيئا أشد طلبا ولا أسرع دركا من حسنة حديثة لذنب قديم.
قال: كان هلال بن مسعود يقول: زاهدكم راغب، ومجتهدكم مقصر، وعالمكم جاهل، وجاهلكم مغترّ.
مسلمة بن محارب قال: قال عامر بن عبد قيس: الدنيا والدة للموت، ناقضة للمبرم، مرتجعة للعطية، وكل من فيها يجري إلى ما لا يدري، وكل مستقر فيها غير راض بها، وذلك شهيد على أنها ليست بدار قرار.
قال الحسن: من أيقن بالخلف جاد بالعطية.
وقال أسماء بن خارجة: إذا قدمت المودة سمج الثناء.
وقال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القرظيّ: عظني. قال:
لا أرضى نفسي لك، إني لأصلي بين الفقير والغني فأميل على الفقير واوسع للغني.
قال: وقال الحسن: ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل.
قال: كان أبو بكر ﵀ إذا قيل له: مات فلان، قال: «لا إله إلا الله» . وكان عثمان يقول: «فلا إله إلا الله» .
стр. 650
وركب سليمان بن عبد الملك يوما في زي عجيب، فنظرت إليه جارية له فقالت: إنك لمعني ببيتي الشاعر. قال: وما هما؟ فأنشدته:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيب ... كان في الناس غير أنك فان
قال: ويلك نعيت إليّ نفسي.
قال: صام رجل سبعين سنة، ثم دعا الله بحاجة فلم يستجب له، فرجع لنفسه فقال: «منك أتيت» . فكان إعترافه أفضل من صومه.
وقال: من تذكر قدرة الله لم يستعمل قدرته في ظلم عباد الله.
وقال الحسن: إذا سرّك أن تنظر إلى الدنيا بعدك فانظر إليها بعد غيرك.
وكان الحسن يقول: ليس الإيمان بالتحلي ولا التمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال.
قال: مات ذر بن أبي ذر الهمداني، من بني مرهبة، وهو ذر بن عمر بن ذر فوقف على قبره فقال: يا ذر، والله ما بنا إليك من فاقة، وما بنا إلى أحد سوى الله من حاجة. يا ذر، شغلني الحزن لك عن الحزن عليك. ثم قال: اللهم إنك وعدتني بالصبر على ذر صلواتك ورحمتك. اللهم وقد وهبت ما جعلت لي من أجر على ذر لذر فلا تعرفه قبيحا من عمله، اللهم وقد وهبت له إساءته إلي فهب لي إساءته إلى نفسه، فإنك أجود وأكرم.
فلما أنصرف عنه التفت إلى قبره وقال: يا ذر، قد أنصرفنا وتركناك ولو أقمنا ما نفعناك! سحيم بن حفص قال: قال هانيء بن قبيصة، لحرقة بنت النعمان، ورآها تبكي: ما لك تبكين؟ قالت: رأيت لأهلك غضارة، ولم تمتليء دار قط فرحا إلا امتلأت حزنا.
قال: ونظرت امرأة أعرابية إلى امرأة حولها عشرة من بنيها كأنهم الصقور، فقالت: لقد ولدت أمكم حزنا طويلا.
стр. 651
وقال النبي ﷺ لأزواجه: «أسرعكن بي لحاقا أطولكن يدا» . فكانت عائشة تقول: أنا تلك، أنا أطولكن يدا. فكانت زينب بنت جحش، وذلك أنها كانت امرأة كثيرة الصدقة، وكانت صناعا تصنع بيديها وتبيعه وتتصدق به.
قال الشاعر:
وما إن كان أكثرهم سواما ... ولكن كان أطولهم ذراعا
قال: كان الحسن يقول: ما أنعم الله على عبد نعمة إلا وعليه فيها تبعة، إلا ما كان من نعمته على سليمان ﷺ ، فإن الله قال عند ذكره: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
قال: باع عبد الله بن عتبة بن مسعود أرضا بثمانين ألفا، فقيل له: لو اتخذت لولدك من هذا المال ذخرا. قال: «إنما أجعل هذا المال ذخرا لي عند الله، واجعل الله ذخرا لولدي» . وقسم المال.
وقال رجل: صحبت الربيع بن خثيم سنتين فما كلمني إلا كلمتين، قال لي مرة: أمك حية؟ وقال لي مرة أخرى: كم في بني تميم من مسجد؟
وقال أبو فروة: كان طارق صاحب شرط خالد بن عبد الله القسري مر بابن شبرمة، وطارق في موكبه، فقال ابن شبرمة:
فإن كانت الدنيا تحبّ فإنها ... سحابة صيف عن قليل تقشّع
اللهم لي ديني ولهم دنياهم. فاستعمل ابن شبرمة بعد ذلك على القضاء فقال ابنه: أتذكر قولك يوم مر طارق في موكبه؟ فقال: يا بني، إنهم يجدون مثل أبيك، ولا يجد أبوك مثلهم. يا بني، إن أباك أكل من حلوائهم وحط في أهوائهم.
قال الحسن: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن خاف الناس أخافه الله من كل شيء.
وقال الحسن ما أعطى رجل من الدنيا شيئا إلا قيل له خذه ومثله من الحرص
стр. 652
قال: مر مروان بن الحكم في العام الذي بويع بزرارة بن جزيء الكلابي، وهم على ماء لهم، فقال: كيف أنتم آل جزي؟ قالوا: بخير زرعنا الله فأحسن زرعنا، وحصدنا فأحسن حصادنا.
قال الحسن: يا ابن آدم، إنما أنت عدد فإذا مضى يوم فقد مضى بعضك.
وقال الحسن: يا بن آدم، إن كان يغنيك من الدنيا ما يكفيك فأدنى ما فيها يغنيك. وإن كان لا يغنيك منها ما يكفيك فليس فيها شيء يغنيك.
قال: نزل الموت بفتى وكان فيه رمق، فرفع رأسه فإذا أبواه يبكيان عند رأسه، فقال: مالكما تبكيان؟ قالا: تخوفا عليك من الذي كان من إسرافك على نفسك. فقال: لا تبكيا، فو الله ما يسرني أن الذي بيد الله بأيديكما.
أبو الحسن، عن علي بن عبد الله القرشي قال: قال قتادة: يعطى الله العبد على نية الآخرة ما شاء من الدنيا والآخرة، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا.
عوانة قال: قال الحسن: قدم علينا بشر بن مروان أخو الخليفة وأمير المصرين، وأشبّ الناس، فأقام عندنا أربعين يوما ثم طعن في قدميه فمات، فأخرجناه إلى قبره، فلما صرنا إلى الجبّان «١» إذا نحن بأربعة سودان يحملون صاحبا لهم إلى قبره، فوضعنا السرير فصلينا عليه، ووضعوا صاحبهم فصلوا عليه، ثم حملنا بشرا إلى قبره وحملوا صاحبهم إلى قبره، ودفنا بشرا ودفنوا صاحبهم، ثم انصرفوا وانصرفنا، ثم التفت التفاتة فلم أعرف قبر بشر من قبر الحبشي. فلم أر شيئا قط كان أعجب منه.
وقال عبد الله بن الزبعري:
والعطيات خساس بيننا ... وسواء قبر مثر ومقل
стр. 653
وتقول الحكماء: ثلاثة أشياء يستوي فيها الملوك والسوقة، والعلية والسّفلة: الموت، والطّلق، والنّزع.
وقال الهيثم بن عدي، عن رجاله، بينا حذيفة بن اليمان وسلمان الفارسي يتذاكران أعاجيب الزمان، وتغير الأيام، وهما في عرصة أيوان كسرى، وكان أعرابي من غامد يرعى شويهات له نهارا، فإذا كان الليل صيرهن إلى داخل العرصة، وفي العرصة سرير رخام كان كسرى ربما جلس عليه، فصعدت غنيمات الغامدي على سرير كسرى، فقال سلمان: ومن أعجب ما تذاكرنا صعود غنيمات الغامدي على سرير كسرى.
قال: لما انصرف علي بن أبي طالب ﵁ من صفين مرّ بمقابر فقال:
السلام عليكم أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات. أنتم لنا سلف فارط، ونحن لكم تبع، وبكم عما قليل لاحقون. اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز بعفوك عنا وعنهم.
الحمد لله الذي جعل الأرض كفاتا، أحياء وأمواتا. والحمد لله الذي خلقكم وعليها يحشركم، ومنها يبعثكم، وطوبى لمن ذكر المعاد، وأعد للحساب، وقنع بالكفاف.
وقال عمر ﵀ «استغفروا الدموع بالتذكّر» .
وقال الشاعر:
سمعن بهيجا أوجفت فذكرنه ... ولا يبعث الأحزان مثل التذكّر
وقال أعرابي:
لا تشرفنّ يفاعا إنه طرب ... ولا تغنّ إذا ما كنت مشتاقا
стр. 654
قال ابن الأعرابي: سمعت شيخا أعرابيا يقول: إني لأسر بالموت، لا دين ولا بنات.
علي بن الحسن قال: قال صالح المري: دخلت دار الموريانيّ فاستفتحت ثلاث آيات من كتاب الله، استخرجتها حين ذكرت الحال، فيها قوله : فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا
، وقوله: وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
، وقوله: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا.
قال: فخرج اليّ أسود من ناحية الدار فقال: يا أبا بشر، هذه سخطة المخلوق، فكيف سخطة الخالق! قال: وأصاب ناسا مطر شديد وظلمة وريح، ورعد وبرق، فقال رجل من النساك: اللهم إنك قد أريتنا فدرتك فأرنا رحمتك.
عوانة قال: قال عبد الله بن عمر: فاز عمر بن أبي ربيعة بالدنيا والآخرة: غزا في البحر فأحرقوا سفينته فاحترق.
قال: وطلق أبو الخندق امرأته أم الخندق، فقالت: أتطلقني بعد طول الصحبة؟ فقال: ما دهاك عندي غيره.
وكان أبو اسحاق يقول: ما ألأمها من كلمة.
قال: مرّ عمر بن الخطاب ﵀ بقوم يتمنون، فلما رأوه سكتوا، قال: فيم كنتم؟ قالوا: كنا نتمنى. قال: فتمنوا وأنا أتمنى معكم قالوا: فتمنّ.
قال: أتمنى رجالا ملء هذا البيت مثل أبي عبيدة بن الجراح، وسالم مولى أبي حذيفة. إن سالما كان شديد الحب لله، لو لم يخف الله ما عصاه. وقال رسول الله ﷺ : «لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» .
شعبة، عن عمرو بن مرّة قال: قدم وفد من أهل اليمن على أبي بكر ﵀، فقرأ عليهم القرآن فبكوا، فقال ابو بكر: هكذا كنا، حتى قست القلوب.
стр. 655
وقال أبو بكر: «طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام «١» » .
قال سعد بن مالك، أو معاذ «٢» : «ما دخلت في صلاة فعرفت من عن يميني ولا من عن شمالي، وما شيّعت جنازة قط إلا حدثت نفسي بما يقال له وما يقول، وما سمعت رسول الله ﷺ قال شيئا قط إلا علمت أنه كما قال.
قال أبو الدرداء: أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث: أضحكني مؤمّل الدنيا والموت يطلبه، وغافل ولا يغفل عنه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط ربه أم راض. وأبكاني هول المطلع، وإنقطاع العمل، وموقفي بين يدي الله لا يدري أيأمر بي إلى الجنة أم إلى النار.
سحيم بن حفص، قال: رأى أياس بن قتادة العبشمي شيبة في لحيته، فقال: «أرى الموت يطلبني، وأراني لا أفوته. أعوذ بك من فجاءات الأمور، وبغتات الحوادث. يا بني سعد، إني قد وهبت لكم شبابي فهبوا لي شيبتي» .
ولزم بيته، فقال له أهله: تموت هزلا! قال: «لأن أموت مؤمنا مهزولا أحب إلي من أن أموت منافقا سمينا» .
وذكر قوم ابليس فلعنوه وتغيظوا عليه، فقال أبو حازم الأعرج: وما ابليس؟! لقد عصي فما ضرّ، وأطيع فما نفع.
قال: وقال بكر بن عبد الله المزني: الدنيا ما مضى منها فحلم، وما بقي منها فأماني.
قال: ودخل أبو حازم مسجد دمشق، فوسوس إليه الشيطان، إنك قد أحدثت بعد وضوئك. قال: أوقد بلغ هذا من نصيحتك! وقال بعض الطيّاب:
عجبت من ابليس في كبره ... وخبث ما أبداه من نيته
تاه على آدم في سجدة ... وصار قوّادا لذريته
стр. 656
قال: فأنشدتها مسمع ابن عاصم فقال: وأبيك لقد ذهب مذهبا.
الفضل بن مسلم قال: قال مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير: لا تنظروا إلى خفض عيشهم، ولين ملابسهم، ولكن أنظروا إلى سرعة ظعنهم وسوء منقلبهم.
قال أبو ذرّ: لقد أصبحت وإن الفقر أحبّ إلي من الغنى، والسقم أحبّ إلي من الصحة، والموت أحب إلي من الحياة. قال دهثم: «لكني لا أقول ذلك. قال: قال داود ﷺ : اللهم لا صحة تطغيني، ولا مرضا يضنيني ولكن بين ذينك «١» » .
قال الحسن: إن قوما جعلوا تواضعهم في ثيابهم، وكبرهم في صدورهم، حتى لصاحب المدرعة بمدرعته «٢» ، أشدّ فرحا من صاحب المطرف بمطرفه «٣» .
قال: وقال داود النبي ﵇: «إن لله سطوات ونقمات» . فإذا رأيتموها فداووا قروحكم بالدعاء، فإن الله ﵎ يقول: (لولا رجال خشع، وصبيان رضع، وبهائم رتع، لصببت العذاب صبا) .
قال: اشترى صفوان بن محرز بدنة بتسعة دنانير، فقيل له. أتشتري بدنة بتسعة دنانير وليس عندك غيرها؟ قال: سمعت الله ﵎ يقول:
لَكُمْ فِيها خَيْرٌ.
وقيل لمحمد بن سوقة «٤» : تحج وعليك دين؟ قال: هو أقضى للدين.
قال: ولقي ناسك ناسكا ومعه خف فقال: ما تصنع بهذا؟ قال عدة للشتاء.
قال: كانوا يستحيون من هذا.
стр. 657
قال أبوذر: تخضمون ونقضم «١» ، والموعد لله.
قال الزبير: يكفينا من خضمكم القضم ومن نصّكم العنق «٢» .
وقال أيمن بن خريم «٣» :
رجوا بالشقاق الأكل خضما فقد رضوا ... أخيرا من أكل الخضم أن يأكلوا قضما
وقال عمرو لمعاوية: من أصبر الناس؟ قال: من كان رأيه رادا لهواه.
وتواصفوا حال الزاهد بحضرة الزهري، فقال الزهري: «الزاهد من لم يغلب الحرام صبره، ولا الحلال شكره» .
قال: وذكر عند أعرابي رجل بشدة الإجتهاد، وكثرة الصوم، وطول الصلاة، فقال: هذا رجل سوء، أو ما يظن هذا أن الله يرحمه حتى يعذب نفسه هذا التعذيب.
قال أبو بكر: ما ظنك بخالق الكرامة لمن يريد كرامته وهو عليه قادر؟
وما ظنك بخالق الهوان لمن يريد هوانه وهو عليه قادر؟
وزعم أبو عمرو الزعفراني، قال: كان عمرو بن عبيد عند حفص بن سالم، فلم يسأله أحد من أهله وحشمه حاجة إلا قال: لا. فقال عمرو: أقلّ من قول لا، فإنه ليس في الجنة لا.
قال: وقل عمرو: كان رسول الله ﷺ إذا سئل ما يجد أعطى، وإذا سئل ما لا يجد قال: يصنع الله.
قال: وقال عمرو بن الخطاب ﵀: «أكثروا لهن من قول لا، فإن نعم يضريهن على المسألة» . قال: وإنما يخص بذلك عمر النساء.
стр. 658
قال الحسن: أدركت أقواما كانوا من حسناتهم أشفق من أن ترد عليهم، منكم من سيئاتكم أن تعذبوا عليها.
قال أبو الدرداء: من يشتري مني عادا وأموالها بدرهم.
ودخل علي بن أبي طالب ﵁ المقابر فقال: «أما المنازل فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، وأما الأزواج فقد نكحت. هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم قال: «والذي نفسي بيده لو أذن لهم في الكلام لأخبروا أن خير الزاد التقوى» .
قال أبو سعيد الزاهد: عيرت اليهود عيسى بن مريم ﷺ بالفقر فقال:
«من الغنى أتيتم» .
وقال آخر: لو لم يعرف من شرف الفقر إلا أنك لا ترى أحدا يعصي الله ليفتقر. وهذا الكلام بعينه مدخول.
قال: سأل الحجاج أعرابيا عن أخيه محمد بن يوسف، كيف تركته؟
فقال: تركته بضا عظيما سمينا. قال: لست عن هذا أسألك. قال تركته ظلوما غشوما. قال: أو ما علمت أنه أخي؟ قال: أتراه بك أعز مني بالله! وقال بعضهم: نجد في زبور داود: «من بلغ السبعين اشتكى من غير علة» .
جعفر بن سليمان قال: قال محمد بن حسان النبطي: لا تسأل نفسك العام ما أعطتك في العام الماضي.
أبو إسحاق بن المبارك قال: قيل لخالد بن يزيد بن معاوية: ما أقرب شيء؟ قال: الأجل. قيل: فما أبعد شيء؟ قال: الأمل. قيل: فما أوحش شيء؟ قال: الميت. قيل: فما آنس شيء؟ قال: الصاحب المواتي:
وقال آخر: نسي عامر بن عبد الله بن الزبير عطاءه في المسجد، فقيل له: قد أخذ. فقال: سبحان الله، وهل يأخذ أحد ما ليس له.
стр. 659
جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السائب، عن عبدة الثقفي قال: لا يشهد علي الليل بنوم أبدا، ولا يشهد علي النهار بأكل أبدا. فبلغ ذلك عمر ابن الخطاب فعزم عليه، فكان يفطر في العيدين وأيام التشريق.
وقال الحسن بن أبي الحسن: يكون الرجل عالما ولا يكون عابدا، ويكون عابدا ولا يكون عاقلا. وكان مسلم بن يسار عالما عابدا عاقلا.
وقال عبادة بن الصامت: من الناس من أوتي علما ولم يؤت حلما وشداد بن أوس أوتي علما وحلما.
قال إبراهيم: كان عمرو بن عبيد عالما عاقلا عابدا، وكان ذا بيان، وصاحب قرآن.
إبراهيم بن سعد، عن أبي عبد الله القيسي قال: أبو الدرداء: لا يحرز المؤمن من شرار الناس إلا قبره.
وقال عيسى بن مريم صلوات الله عليه: «الدنيا لابليس مزرعة، وأهلها له حراثون» .
عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر قال: «ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب» .
قال عمر ﵀: «لولا أن أسير في سبيل الله، وأضع جبهتي لله، وأجالس أقواما ينتقون أحسن الحديث كما ينتقى أطايب التمر، لم أبال أن أكون قد مت» .
قال عامر بن عبد قيس: ما آسي من العراق إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، وتجاوب المؤذنين، وأخوان لي منهم الأسود بن كلثوم.
قال مورّق العجلي: ضاحك معترف بذنبه خير من باك مدلّ على ربه.
وقال: خير من العجب بالطاعة، أن لا تأتي بطاعة.
стр. 660
قالوا: كان الربيع بن خثيم يقول: لا تطعم إلا صحيحا ولا تكس إلا جديدا، ولا تعتق إلا سويا.
قال بعض الملوك لبعض العلماء: ذم لي الدنيا. فقال: أيها الملك، الآخذة لما تعطى، الموّرثة بعد ذلك الندم، السالبة ما تكسو، المعقبة بعد ذلك الفضوح، تسد بالأراذل مكان الأفاضل، وبالعجزة مكان الحزمة. تجد في كل من كل خلفا، وترضى من كل بكل بدلا. تسكن دار كل قرن قرنا، وتطعم سؤر كل قوم قوما.
وكان سعيد بن أبي عروبة يطعم المساكين السكر، ويتأول قوله : «ويطعمون الطعام على حبه» .
قال: وكان محمد بن علي إذا رأى مبتلى أخفى الإستعاذة. وكان لا يسمع من داره: يا سائل بورك فيك، ولا يا سائل خذ هذا. وكان يقول:
سموهم بأحسن أسمائهم.
قال: وتمنى قوم عند يزيد الرقاشي، فقال يزيد: سأتمنى كما تمنيتم.
قالوا: تمن قال: ليتنا لم نخلق، وليتنا إذ خلقنا لم نمت، وليتنا إذ متنا لم نبعث، وليتنا إذ بعثنا لم نحاسب، وليتنا إذ حوسبنا لم نعذب، وليتنا إذ عذبنا لم نخلد.
قال: وقال رجل لأم الدرداء: إني أجد في قلبي داء لا أجد له دواء، وأجد قسوة شديدة، وأملا بعيدا. قالت: أطلع القبور، واشهد الموتى.
ابن عون قال: قلت للشعبي: أين كان علقمة «١» من الأسود «٢» ؟
قال: كان الأسود صوّاما قواما، وكان علقمة مع البطيء وهو يسبق السريع.
стр. 661
قال: وقيل لغالب بن عبد الله الجهضمي: أنا نخاف على عينيك العمى من طول البكاء. قال: هو لهما شهادة.
محمد بن طلحة بن مصرّف، عن محمد بن جحادة، قال: لما قتل الحسين ﵁ أتى قوم الربيع بن خثيم فقالوا: لنستخرجن اليوم منه كلاما. فقالوا: قتل الحسين. قال: الله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.
وأتته بنية له فقالت: يا أبه، أذهب ألعب؟ قال: إذهبي فقولي خيرا وافعلي خيرا.
وقال أبو عبيدة: استقبل عامر بن عبد قيس رجل في يوم حلبة، فقال:
من سبق يا شيخ؟ قال: المقربون.
عليّ بن سليم، قال: قيل للربيع بن خثيم: لو أرحت نفسك؟ قال:
راحتها أريد، إن عمر كان كيّسا.
وقال أبو حازم: ليتق الله أحدكم على دينه، كما يتقي على نعله.
جعفر بن سليمان الضّبعي، قال: أتى مطّرف بن عبد الله بن الشّخّير، فجلس مجلس مالك بن دينار وقد قام، فقال أصحابه: لو تكلمت؟ قال هذا ظاهر حسن، فإن تكونوا صالحين فإنه كان للأوّابين غفورا.
وقال رجل لآخر وباع ضيعة له: أما والله لقد أخذتها ثقيلة المؤونة قليلة المعونة. فقال الآخر: وأنت والله لقد أخذتها بطيئة الإجتماع، سريعة التفرق.
واشترى رجل من رجل دارا فقال لصاحبه: لو صبرت لاشتريت منك الذراع بعشرة دنانير. قال: وأنت لو صبرت لبعتك الذراع بدرهم.
ورأى ناسك ناسكا في المنام فقال له: كيف وجدت الأمر يا أخي؟
قال: وجدنا ما قدمنا، وربحنا ما أنفقنا وخسرنا ما خلفنا.
стр. 662
وقال بكر بن عبد الله المزني: اجتهدوا في العمل، فإن قصر بكم ضعف فكفوا عن المعاصي.
قال: وقال أعرابي: أنه ليقتل الحبارى جوعا ظلم الناس بعضهم لبعض.
قال: قيل لمحمد بن علي «١» : من أشد الناس زهدا؟ قال: من لا يبالي الدنيا في يد من كانت.
وقيل له: من أخسر الناس صفقة؟ قال: من باع الباقي بالفاني.
وقيل له: من أعظم الناس قدرا؟ قال: من لا يرى الدنيا لنفسه قدرا.
الأصمعي، عن شيخ من بكر بن وائل، أن ها؟؟؟ نيء بن قبيصة، أتى حرقة بنت النعمان وهي باكية، فقال لها: لعل أحدا آذاك؟ قالت: لا، ولكني رأيت غضارة في أهلكم، وقلما امتلأت دار سرورا إلا امتلأت حزنا.
وقالوا: يهرم ابن آدم وتشبّ له خصلتان: الحرص والأمل.
الأصمعي، قال: قال محمد بن واسع: ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث بلغة من عيش ليس لأحد فيها علي منة ولا لله فيها علي تبعة وصلاة في جمع أكفي سهوها ويدخر لي أجرها، وأخ في لله إذا ما اعوججت قوّمني.
وقال آخر: ما آسى من العراق إلا على ثلاث: ليل الحزيز ورطب السكر، وحديث ابن أبي بكرة.
وقال آخر: إذا سمعت حديث أبي نضرة، وكلام ابن أبي بكرة، فكأنك مع ابن لسان الحمّرة «٢» .
وقال أبو يعقوب الخريمي الأعور: تلقاني مع طلوع الشمس سعيد بن وهب، فقلت: أين تريد؟ قال: أدور على المجالس فلعلي أسمع حديثا
стр. 663
حسنا. ثم لم أجاوز بعيدا حتى تلقاني أنس بن أبي شيخ، فقلت له: أين تريد؟ قال: عندي حديث حسن فأنا أطلب له إنسانا حسن الفهم، حسن الإستماع. قال: قلت: حدثني فأنا كذاك. قال: أنت حسن الفهم رديء الإستماع، وما أرى لهذا الحديث إلا اسماعيل بن غزوان «١» .
هشام، قال: أخبرني رجل من أهل البصرة قال: ولد للحسن بن أبي الحسن غلام، فقال له بعض جلسائه: بارك الله لك في هبته، وزادك في أحسن نعمته. فقال الحسن: الحمد لله على كل حسنة، وأسأل الله الزيادة في كل نعمة، ولا مرحبا بمن إن كنت عائلا «٢» أنصبني، وإن كنت غنيا أذهلني، لا أرضى بسعيي له سعيا، ولا بكدي له في الحياة كدا، حتى أشفق عليه من الفاقة بعد وفاتي، وأنا في حال لا يصل إلي من همه حزن، ولا من فرحه سرور.
قال الحسن للمغيرة بن مخارش التميمي: إن من خوّفك حتى تلقى الأمن، خير لك ممن أمنك حتى تلقى الخوف.
وقال عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: ما أحسن الحسنة في أثر الحسنة، وأقبح السيئة في أثر السيئة.
الحسن قال: ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من أمر نحن فيه.
قال: وكان الحسن إذا ذكر الحجاج قال: يتلو كتاب الله على لخم وجذام، ويعظ عظة الأزارقة، ويبطش بطش الجبارين.
وكان يقول: اتقوا الله، فإن عند الله حجاجين كثيرا.
وقال سنان بن سلمة بن قيس: اتقوا الله، فإن عند الله أياما مثل شوّال.
стр. 664
وقال خالد بن صفوان: بت ليلتي كلها أتمنى، فكبست البحر الأخضر بالذهب الأحمر، فإذا الذي يكفيني من ذلك رغيفان، وكوزان، وطمران.
وكان الحسن يقول: إنكم لا تنالون ما تحبون، إلا بترك ما تشتهون، ولا تدركون ما تؤملون إلا بالصبر على ما تكرهون.
ودخل قوم على عوف بن أبي جميلة في مرضه، فأقبلوا يثنون عليه، فقال: دعونا من الثناء، وأمدونا بالدعاء.
وقال أبو حازم: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب، ونحن لا نتوب حتى نموت.
وكان الحسن يقول: يا ابن آدم، نهارك ضيفك فأحسن إليه، فإنك إن أحسنت إليه إرتحل بحمدك، وإن أنت أسأت إليه إرتحل بذمك. وكذلك ليلك.
وقيل لبعض العلماء: من أسوأ الناس حالا؟ قال: عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، القائل عند موته: دخلتها جاهلا، وأقمت فيها حائرا، وأخرجت منها كارها- يعني الدنيا.
وقيل لآخر: من أسوأ الناس حالا؟ قال: من قويت شهوته وبعدت همته، واتسعت معرفته وضاقت مقدرته.
وقيل لآخر: من شرّ الناس؟ قال: من لا يبالي أن يراه الناس مسيئا وقيل لآخر: من شر الناس؟ قال: القاسي. فقيل: أيما شر، الوقاح «١» أم الجاهل، أم القاسي؟؟ قال: القاسي.
وذكر أبو صفوان، عن البطّال أبي العلاء، من بني عمرو بن تميم قال:
قيل له قبل موته: كيف تجدك يا أبا العلاء؟ قال: أجدني مغفورا لي. قالوا:
قل إن شاء الله. قال: قد شاء الله. ثم قال:
стр. 665
أوصيكم بالجلّة التلاد «١» ... فإنما حولكم الأعادي
قال ابن الأعرابي: كان العباس بن زفر لا يكلم أحدا حتى تنبسط الشمس، فإذا إنفتل عن مصلاه ضرب الأعناق، وقطع الأيدي والأرجل. وكان جرير بن الخطفي لا يتكلم حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قذف المحصنات.
قال: ومرت به جنازة فبكى وقال: أحرقتني هذه الجنائز! قيل: فلم تقذف المحصنات؟ قال: يبدو لي ولا أصبر.
وكان يقول: أنا لا أبتدي ولكن أعتدي.
الحسن بن الربيع الكندي بإسناد له، قال: قال رجل للنبي ﷺ : دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس. قال: «إزهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس» .
قال: وبلغني عن القاسم بن مخيمرة الهمداني، أنه قال: إني لأغلق بابي فما يجاوزه همي.
وقال أبو الحسن: وجد في حجر مكتوب: يا بن آدم، لو إنك رأيت يسير ما بقي من أجلك لزهدت في طول ما ترجو من أملك، ولرغبت في الزيادة في عملك، ولقصرت في حرصك وحيلك. وإنما يلقاك غدا ندمك لو قد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وتبرأ منك القريب، وانصرف عنك الحبيب، فلا أنت إلى أهلك بعائد، ولا في عملك بزائد.
وقال عيسى بن مريم صلوات الله عليه: «تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير العمل، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل» .
قال: أوحى الله ﵎ إلى الدنيا: من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه.
стр. 666
وقال: من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها.
قال: مر عيسى بن مريم ﵇ بقوم يبكون، فقال: ما بالهم يبكون، فقالوا: على ذنوبهم. قال: «أتركوها يغفر لكم» .
قال: وقال زياد بن أبي زياد، مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة:
دخلت على عمر بن عبد العزيز، فلما رآني تزحل عن مجلسه «١» وقال: إذا دخل عليك رجل لا ترى لك عليه فضلا فلا تأخذ عليه شرف المجلس.
وقال الحسن: «إن أهل الدنيا وإن دقدقت بهم الهماليج «٢» ، ووطىء الناس أعقابهم، فإن ذل المعصية في قلوبهم» .
قالوا: وكان الحجاج يقول إذا خطب: «إنا والله ما خلقنا للفناء، وإنما خلقنا للبقاء، وإنما ننقل من دار إلى دار» . وهذا من كلام الحسن.
ولما ضرب عبد الله بن علي تلك الأعناق قال له قائل: هذا والله جهد البلاء؟ فقال عبد الله: ما هذا وشرطة الحجام إلا سواء. وإنما جهد البلاء فقر مدقع بعد غنى موسع.
وقال آخر: أشدّ من الخوف الشيء الذي من أجله يشتد الخوف.
وقال آخر: أشد من الموت ما يتمنى له الموت، وخير من الحياة ما إذا فقدته أبغضت له الحياة.
وقال أهل النار: (يا مالك ليقض علينا ربك) ، فلما لم يجابوا إلى الموت قالوا: (أفيضوا علينا من الماء) .
стр. 667
وقالوا: ليس في النار عذاب أشد على أهله من علمهم بأنه ليس لكرمهم تنفيس، ولا لضيقهم ترفيه، ولا لعذابهم غاية. ولا في الجنة نعيم أبلغ من علمهم أن ذلك الملك لا يزول.
قالوا: قارف الزّهريّ ذنبا، فاستوحش من الناس وهام على وجهه، فقال له زيد بن علي: يا زهري، لقنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أشد عليك من ذنبك! فقال الزهري: (الله أعلم حيث يجعل رسالاته)) فرجع إلى ماله وأهله وأصحابه.
قال ابن المبارك: أفضل الزهد أخفاه.
الأوزاعي، عن مكحول قال: إن كان في الجماعة الفضيلة فإن في العزلة السلامة.
اسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن دينار، قال: قال النبي ﷺ : «إن الله كره لكم العبث في الصلاة، والرفث في الصيام، والضحك في المقابر» .
وقال أردشير خرّه: احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع.
قال واصل بن عطاء: المؤمن إذا جاع صبر، وإذا شبع شكر.
وقيل لعامر بن عبد قيس: ما تقول في الإنسان؟ قال: ما عسى أن أقول فيمن إذا جاع ضرع، وإذا شبع طغى.
قال: ونظر أعرابي في سفره إلى شيخ قد صحبه، فرآه يصلي فسكن إليه، فلما قال: أنا صائم، إرتاب به، وأنشأ يقول:
صلى فأعجبني وصام فرابني ... نحّ القلوص «١» عن المصلّي الصائم
وهو الذي يقول:
لم يخلق الله مسجونا تسائله ... ما بال سجنك إلا قال: مظلوم
стр. 668
الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت «١» ، عن يحيى بن جعدة «٢» ، قال:
كان يقال: اعمل وأنت مشفق، ودع العمل وأنت تحبه.
قال: وقيل لرابعة القيسية: هل عملت عملا قط ترين أنه يقبل منك؟
قالت: إن كان شيء فخوفي من أن يردّ عليّ.
وقال محمد بن كعب القرظيّ، لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين لا تنظرن إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك تريد أن تجوز عنك.
الحسن قال: كان من كان قبلكم أرقّ منكم قلوبا وأصفق ثيابا، وأنتم أرقّ منهم ثيابا وأصفق منهم قلوبا.
عبد الله بن المبارك قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح بن عبد الله الحكمي:
«إن استطعت أن تدع مما أحل الله لك ما يكون حاجزا بينك وبين ما حرم الله عليك فافعل، فإنه من استوعب الحلال كله تاقت نفسه إلى الحرام» .
وقال أبو بكر الصديق ﵀ لخالد بن الوليد حين وجهه: «أحرص على الموت توهب لك الحياة» .
وقال رجل: أنا أحب الشهادة. فقال رجل من النساك: أحببها إن وقعت عليك، ولا تحبها حب من يريد أن يقع عليها.
وقال رجل لداود بن نصير الطائي العابد: أوصني. قال: إجعل الدنيا كيوم صمته، واجعل فطرك الموت، فكأن قد، والسلام. قال: زدني.
قال: لا يرك الله عندما نهاك عنه، ولا يفقدك عندما أمرك به. قال: زدني.
قال: أرض باليسير مع سلامة دينك، كما رضي قوم بالكثير مع هلاك دينهم.
стр. 669
قال رجل ليونس بن عبيد: أتعلم أحدا يعمل بعمل الحسن؟ قال: والله ما أعرف أحدا يقول بقوله، فكيف يعمل بمثل عمله؟! قال: صفه لنا.
قال: كان إذا أقبل فكأنه أقبل في دفن حميمه، وكان إذا جلس فكأنه أسير قد أمر بضرب عنقه، وكان إذا ذكرت النار عنده فكأنها لم تخلق إلا له.
وهيب بن الورد «١» قال: بينا أنا أدور في السوق إذ أخذ آخذ بقفاي فقال لي: يا وهيب، اتق الله في قدرته عليك، واستحي الله في قربه منك.
وقال عبد الواحد بن زيد لأصحابه: ألا تستحيون من طول ما لا تستحيون! الهيثم قال: كان شيخ من أعراب طي كثير الدعاء بالمغفرة، فقيل له في ذلك، فقال: والله إن دعائي بالمغفرة مع قبح إصراري للؤم، وإن تركي الدعاء مع قوة طمعي لعجز.
قال أبو بشر صالح المري: إن تكن مصيبتك في أخيك أحدثت لك خشية فنعم المصيبة مصيبتك، وإن تكن مصيبتك بأخيك أحدثت لك جزعا فبئس المصيبة مصيبتك.
وقال عمر بن عبيد لرجل يعزيه: كان أبوك أصلك، وإبنك فرعك، فما بقاء شيء ذهب أصله ولم يبق فرعه.
وقال الحسن: إن امرأ ليس بينه وبين آدم إلا أب ميت لمعرق في الموت.
وقالوا: أعظم من الذنب اليأس من الرحمة، وأشد من الذنب المماطلة بالتوبة.
ابن لهيعة، عن سيار بن عبد الرحمن، قال: قال لي بكير بن الأشج:
стр. 670
ما فعل خالك؟ قلت لزم بيته. فقال: أما لئن فعل لقد لزم قوم من اهل بدر بيوتهم بعد مقتل عثمان ﵀، فما خرجوا منها إلا إلى قبورهم.
وقال الحسن: إن لله ترائك في خلقه، لولا ذلك لم ينتفع النبيون وأهل الإنقطاع إلى الله بشيء من أمر الدنيا: وهي الأمل، والآجل، والنسيان.
وقال مطرّف بن عبد الله لأبنه: يا بني لا يلهينّك الناس عن نفسك، فإن الأمر خالص إليك دونهم. إنك لم تر شيئا هو أشد طلبا ولا أسرع دركا من توبة حديثة لذنب قديم.
وفي الحديث أن أبا هريرة مر بمروان وهو يبني داره، فقال يا أبا عبد القدوس، ابن شديدا وأمل بعيدا، وعش قليلا وكل خضما، والموعد الله.
قال: كان عمرو بن خولة، أبو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص- وأمه خولة من المسامعة- وكان ناسكا يجتمع إليه القراء والعلماء يوم الخميس.
وقال الشاعر فيه:
وأصبح زورك زور الخميس ... إليك كمرعية وارده
وقال الآخر في ابن سيرين:
فأنت بالليل ذئب لا حريم له ... وبالنهار على سمت ابن سيرين
وقال ابن الأعرابي: قال بعض الحكماء: لا يغلبن جهل غيرك بك علمك بنفسك.
قال: وصلى محمد بن المنكدر «١» ، على عمران بقرة، فقيل له في ذلك، فقال: إني لأستحي من الله أن أرى أن رحمته تعجز عن عمران بقرة.
وقال محمد بن يسير:
كأنه قد قيل في مجلس ... قد كنت آتيه وأغشاه
محمد صار إلى ربه ... يرحمنا الله وإياه
следующие страницы →