Полный текст (863 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وقال: من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها.
قال: مر عيسى بن مريم ﵇ بقوم يبكون، فقال: ما بالهم يبكون، فقالوا: على ذنوبهم. قال: «أتركوها يغفر لكم» .
قال: وقال زياد بن أبي زياد، مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة:
دخلت على عمر بن عبد العزيز، فلما رآني تزحل عن مجلسه «١» وقال: إذا دخل عليك رجل لا ترى لك عليه فضلا فلا تأخذ عليه شرف المجلس.
وقال الحسن: «إن أهل الدنيا وإن دقدقت بهم الهماليج «٢» ، ووطىء الناس أعقابهم، فإن ذل المعصية في قلوبهم» .
قالوا: وكان الحجاج يقول إذا خطب: «إنا والله ما خلقنا للفناء، وإنما خلقنا للبقاء، وإنما ننقل من دار إلى دار» . وهذا من كلام الحسن.
ولما ضرب عبد الله بن علي تلك الأعناق قال له قائل: هذا والله جهد البلاء؟ فقال عبد الله: ما هذا وشرطة الحجام إلا سواء. وإنما جهد البلاء فقر مدقع بعد غنى موسع.
وقال آخر: أشدّ من الخوف الشيء الذي من أجله يشتد الخوف.
وقال آخر: أشد من الموت ما يتمنى له الموت، وخير من الحياة ما إذا فقدته أبغضت له الحياة.
وقال أهل النار: (يا مالك ليقض علينا ربك) ، فلما لم يجابوا إلى الموت قالوا: (أفيضوا علينا من الماء) .
стр. 667
وقالوا: ليس في النار عذاب أشد على أهله من علمهم بأنه ليس لكرمهم تنفيس، ولا لضيقهم ترفيه، ولا لعذابهم غاية. ولا في الجنة نعيم أبلغ من علمهم أن ذلك الملك لا يزول.
قالوا: قارف الزّهريّ ذنبا، فاستوحش من الناس وهام على وجهه، فقال له زيد بن علي: يا زهري، لقنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أشد عليك من ذنبك! فقال الزهري: (الله أعلم حيث يجعل رسالاته)) فرجع إلى ماله وأهله وأصحابه.
قال ابن المبارك: أفضل الزهد أخفاه.
الأوزاعي، عن مكحول قال: إن كان في الجماعة الفضيلة فإن في العزلة السلامة.
اسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن دينار، قال: قال النبي ﷺ : «إن الله كره لكم العبث في الصلاة، والرفث في الصيام، والضحك في المقابر» .
وقال أردشير خرّه: احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع.
قال واصل بن عطاء: المؤمن إذا جاع صبر، وإذا شبع شكر.
وقيل لعامر بن عبد قيس: ما تقول في الإنسان؟ قال: ما عسى أن أقول فيمن إذا جاع ضرع، وإذا شبع طغى.
قال: ونظر أعرابي في سفره إلى شيخ قد صحبه، فرآه يصلي فسكن إليه، فلما قال: أنا صائم، إرتاب به، وأنشأ يقول:
صلى فأعجبني وصام فرابني ... نحّ القلوص «١» عن المصلّي الصائم
وهو الذي يقول:
لم يخلق الله مسجونا تسائله ... ما بال سجنك إلا قال: مظلوم
стр. 668
الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت «١» ، عن يحيى بن جعدة «٢» ، قال:
كان يقال: اعمل وأنت مشفق، ودع العمل وأنت تحبه.
قال: وقيل لرابعة القيسية: هل عملت عملا قط ترين أنه يقبل منك؟
قالت: إن كان شيء فخوفي من أن يردّ عليّ.
وقال محمد بن كعب القرظيّ، لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين لا تنظرن إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك تريد أن تجوز عنك.
الحسن قال: كان من كان قبلكم أرقّ منكم قلوبا وأصفق ثيابا، وأنتم أرقّ منهم ثيابا وأصفق منهم قلوبا.
عبد الله بن المبارك قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح بن عبد الله الحكمي:
«إن استطعت أن تدع مما أحل الله لك ما يكون حاجزا بينك وبين ما حرم الله عليك فافعل، فإنه من استوعب الحلال كله تاقت نفسه إلى الحرام» .
وقال أبو بكر الصديق ﵀ لخالد بن الوليد حين وجهه: «أحرص على الموت توهب لك الحياة» .
وقال رجل: أنا أحب الشهادة. فقال رجل من النساك: أحببها إن وقعت عليك، ولا تحبها حب من يريد أن يقع عليها.
وقال رجل لداود بن نصير الطائي العابد: أوصني. قال: إجعل الدنيا كيوم صمته، واجعل فطرك الموت، فكأن قد، والسلام. قال: زدني.
قال: لا يرك الله عندما نهاك عنه، ولا يفقدك عندما أمرك به. قال: زدني.
قال: أرض باليسير مع سلامة دينك، كما رضي قوم بالكثير مع هلاك دينهم.
стр. 669
قال رجل ليونس بن عبيد: أتعلم أحدا يعمل بعمل الحسن؟ قال: والله ما أعرف أحدا يقول بقوله، فكيف يعمل بمثل عمله؟! قال: صفه لنا.
قال: كان إذا أقبل فكأنه أقبل في دفن حميمه، وكان إذا جلس فكأنه أسير قد أمر بضرب عنقه، وكان إذا ذكرت النار عنده فكأنها لم تخلق إلا له.
وهيب بن الورد «١» قال: بينا أنا أدور في السوق إذ أخذ آخذ بقفاي فقال لي: يا وهيب، اتق الله في قدرته عليك، واستحي الله في قربه منك.
وقال عبد الواحد بن زيد لأصحابه: ألا تستحيون من طول ما لا تستحيون! الهيثم قال: كان شيخ من أعراب طي كثير الدعاء بالمغفرة، فقيل له في ذلك، فقال: والله إن دعائي بالمغفرة مع قبح إصراري للؤم، وإن تركي الدعاء مع قوة طمعي لعجز.
قال أبو بشر صالح المري: إن تكن مصيبتك في أخيك أحدثت لك خشية فنعم المصيبة مصيبتك، وإن تكن مصيبتك بأخيك أحدثت لك جزعا فبئس المصيبة مصيبتك.
وقال عمر بن عبيد لرجل يعزيه: كان أبوك أصلك، وإبنك فرعك، فما بقاء شيء ذهب أصله ولم يبق فرعه.
وقال الحسن: إن امرأ ليس بينه وبين آدم إلا أب ميت لمعرق في الموت.
وقالوا: أعظم من الذنب اليأس من الرحمة، وأشد من الذنب المماطلة بالتوبة.
ابن لهيعة، عن سيار بن عبد الرحمن، قال: قال لي بكير بن الأشج:
стр. 670
ما فعل خالك؟ قلت لزم بيته. فقال: أما لئن فعل لقد لزم قوم من اهل بدر بيوتهم بعد مقتل عثمان ﵀، فما خرجوا منها إلا إلى قبورهم.
وقال الحسن: إن لله ترائك في خلقه، لولا ذلك لم ينتفع النبيون وأهل الإنقطاع إلى الله بشيء من أمر الدنيا: وهي الأمل، والآجل، والنسيان.
وقال مطرّف بن عبد الله لأبنه: يا بني لا يلهينّك الناس عن نفسك، فإن الأمر خالص إليك دونهم. إنك لم تر شيئا هو أشد طلبا ولا أسرع دركا من توبة حديثة لذنب قديم.
وفي الحديث أن أبا هريرة مر بمروان وهو يبني داره، فقال يا أبا عبد القدوس، ابن شديدا وأمل بعيدا، وعش قليلا وكل خضما، والموعد الله.
قال: كان عمرو بن خولة، أبو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص- وأمه خولة من المسامعة- وكان ناسكا يجتمع إليه القراء والعلماء يوم الخميس.
وقال الشاعر فيه:
وأصبح زورك زور الخميس ... إليك كمرعية وارده
وقال الآخر في ابن سيرين:
فأنت بالليل ذئب لا حريم له ... وبالنهار على سمت ابن سيرين
وقال ابن الأعرابي: قال بعض الحكماء: لا يغلبن جهل غيرك بك علمك بنفسك.
قال: وصلى محمد بن المنكدر «١» ، على عمران بقرة، فقيل له في ذلك، فقال: إني لأستحي من الله أن أرى أن رحمته تعجز عن عمران بقرة.
وقال محمد بن يسير:
كأنه قد قيل في مجلس ... قد كنت آتيه وأغشاه
محمد صار إلى ربه ... يرحمنا الله وإياه
стр. 671
وقال الآخر:
لقلّ عارا إذا ضيف تضيّفني ... ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي
فضل المقل إذا أعطاه مصطبرا ... ومكثر في الغنى سيان في الجود
لا يعدم السائلون الخير أفعله ... إما توالي وإما حسن مردودي
وكان الربيع بن خثيم، إذا قيل له: كيف أصبحت يا أبا يزيد؟ قال:
أصبحنا ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا.
وقال ابن المقفع: الجود بالمجهود منتهى الجود.
قال مطرف بن عبد الله: كان يقال: لم يلتق مؤمنان إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه وكنت أرى أني أشد حبا لمذعور بن طفيل منه لي، فلما سير لقيني ليلا فحدثني فقلت: ذهب الليل! قال: ساعة. ثم قلت: ذهب الليل! فقال: ساعة. فعلمت أنه أشد حبا لي مني. فلما أصبح سيره ابن عامر مع عامر.
قال: وقالوا لعيسى بن مريم: من نجالس؟ قال: من يذكّركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله.
اسحاق بن ابراهيم قال: دخلنا على كهمس العابد «١» ، فجاءنا بإحدى عشرة بسرة حمراء. فقال: هذا الجهد من أخيكم، والله المستعان.
الأصمعي، عن السكن الحرشيّ قال: اشتريت من أبي المنهال سيار بن سلامة، شاة بستين درهما، فقلت: تكون عندك حتى آتيك بالثمن. قال:
ألست مسلما؟ قلت: بلى. قال: فخذها. فأخذتها ثم انطلقت بها ثم أتيته بالستين، فأخرج منها خمسة دراهم وقال لي: اعلفها بهذه.
стр. 672
وقال مساور الورّاق لأبنه:
شمّر قميصك واستعدّ لقائل ... واحكك جبينك للقضاء بثوم
واجعل صحابك كلّ حبر ناسك ... حسن التعهّد للصلاة صؤوم
من ضرب حمّاد هناك ومسعر ... وسماك العبسي، وابن حكيم
وعليك بالعنوي فاجلس عنده ... حتى تصيب وديعة ليتيم
وقال: بينا سليمان بن عبد الملك يتوضأ، ليس عنده غير خاله والغلام يصب عليه الماء، إذ خر الغلام ميتا، فقال سليمان:
قرب وضوءك يا حصين فإنما ... هذي الحياة تعلّة ومتاع
ونظر سليمان في مرآة فقال: أنا الملك الشاب! فقالت جارية له:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
قال: قيل لسعيد بن المسيب: إن محمد بن ابراهيم بن محمد بن طلحة، سقط عليه حائط فقتله. فقال: إن كان لوصولا لرحمه، فكيف يموت ميتة سوء! وقال أسماء بن خارجة:
عيّرتني خلقا أبليت جدّته ... وهل رأيت جديدا لم يعد خلقا
قال: وتمثل عبد الملك بن مروان:
وكلّ جديد يا أميم إلى بلى ... وكل امرىء يوما يصير إلى كان
وقال آخر:
فاعمل على مهل فإنك ميّت ... واكدح لنفسك أيها الإنسان
فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى ... وكأن ما هو كائن قد كان
قال: وكان عثمان بن عفان ﵀ يقول: «إني لأكره أن يأتي علي يوم لا أنظر فيه إلى عهد الله» ، يعني المصحف.
стр. 673
قال: وكان عثمان حافظا، وكان حجره لا يكاد يفارق المصحف، فقيل له في ذلك فقال: «إنه مبارك جاء به مبارك!» ولما مات الحجاج خرجت عجوز من داره وهي تقول:
اليوم يرحمنا من كان يغبطنا ... واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
حدثني بكر بن المعتمر «١» ، عن بعض أصحابه قال أبو عثمان النهدي «٢» : أتت علي ثلاثون ومائة سنة، ما مني شيء إلا وقد أنكرته، إلا أملي فإنه يزيد.
قال مسور بن محرمة لجلسائه: لقد وارت الأرض أقواما لو رأوني معكم لاستحييت منهم.
وأنشدني أعرابي:
ما منع الناس شيئا جئت أطلبه ... ألا أرى الله يكفي فقد ما منعوا
قال: جزع بكر بن عبد الله على امرأته، فوعظه الحسن، فجعل يصف فضلها، فقال الحسن: عند الله خير منها، فتزوج أختها! فلقيه بعد ذلك فقال: هي يا أبا سعيد خير منها! وأنشد:
يؤمّل أن يعمّر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كلّ ليله
عوف، عن الحسن قال: قال النبي ﷺ : «للمسلم على أخيه ست خصال: يسلم عليه إذا لقيه، وينصح له إذا غاب، ويعوده إذا مرض، ويشيع جنازته إذا مات، ويحييه إذا دعاه، ويشمّته إذا عطس» .
стр. 674
وقال أعرابي:
تبصّرني بالعيش عرسي كأنما ... تبصرني الأمر الذي أنا جاهله
يعيش الفتى بالفقر يوما وبالغنى ... وكلا كأن لم يلق حين يزايله
وأنشد أبو صالح:
ومشيد دارا ليسكن داره ... سكن القبور، وداره لم يسكن
وكان صالح المرّيّ أبو بشر ينشد في قصصه:
وبات يروّي أصول الفسيل ... فعاش الفسيل «١» ومات الرجل
وقال الآخر:
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر
فلن تعدل الدنيا جناح بعوضة ... ولا وزن زفّ من جناح لطائر «٢»
فما رضى الدنيا ثوابا لمؤمن ... ولا رضى الدنيا عقابا لكافر
وقال الآخر:
أبعد بشر أسيرا في بيوتهم ... يرجو الخفارة «٣» مني آل ظلام
فلن أصالحهم ما دمت ذا فرس ... واشتدّ قبضا على السيلان إبهامي «٤»
فإنما الناس، يا لله أمهم، ... أكائل الطير أو حشو لآرام «٥»
هم يهلكون ويبقى بعد ما صنعوا ... كأن آثارهم خطّت بأقلام
стр. 675
وأنشد لمحمد بن يسير:
عجبا لي ومن رضاي بحال ... أنا منها على شفا تغرير
عالما لا أشكّ إني إلى عد ... ن إذا متّ أو عذاب السعير
كلما مر بي على أهل ناد ... كنت حينا بهم كثير المرور
قيل من ذا على سرير المنايا ... قيل هذا محمد بن يسير
وأنشد:
لكل أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد
هم جيرة الأحياء أما محلهم ... فدان ولكن اللقاء بعيد
وقال أبو العتاهية:
سبحان ذي الملكوت ايّة ليلة ... مخضت بوجه صباح يوم الموقف
لو أن عينا وهّمتها نفسها ... ما في الفراق مصورا لم تطرف
وقال أبو العتاهية أيضا:
يا خاطب الدنيا إلى نفسها ... تنحّ عن خطبتها تسلم
إن التي تخطب غرارة ... قريبة العرس من المأتم
وقال الآخر:
ناداهما بفراق بين ... هما الزمان فأسرعا
وكذاك لم يزل الزما ... ن مفرّقا ما جمّعا
وقال آخر:
يا ويح هذي الأرض ما تصنع ... أكلّ حيّ فوقها تصرع
تزرعهم حتى إذا ما استووا ... عادت لهم تحصد ما تزرع
стр. 676
وقال الآخر:
ذكرت أبا أروى فبت كأنني ... برد أمور الماضيات وكيل
لكل اجتماع من خليلين فرقة ... وكلّ الذي قبل الفراق قليل
وإن افتقادي واحدا بعد واحد ... دليل على أن لا يدوم خليل
وقال محمد بن المنتشر: «إذا أيسر الرجل ابتلى به أربعة: مولاه القديم ينتفي منه، وامرأته يتسرى عليها، وداره يهدمها ويبني غيرها، ودابته يستبدل بها» . وقال الآخر:
يجدد أحزانا لنا كل هالك ... ونسرع نسيانا ولم يأتنا أمن
فإنا، ولا كفران لله ربنا ... لكالبدن ما تدري متى يومها البدن
الأوزاعي «١» ، عن مكحول قال: «إن كان في الجماعة فضل فإن في العزلة سلامة» .
أبو جناب الكلبي، عن أبي المحجل، عن ابن مسعود قال: «ثلاث من كن فيه دخل الجنة: من إذا عرف حق الله عليه لم يؤخره، وكان عمله الصالح في العلانية على قوام من السريرة، وكان في جمع ما قد عمل صلاح ما يؤمل» .
وقال: «كفى موعظة إنك لا تحيا إلا بموت، ولا تموت إلا بحياة» .
وقال أبو نواس:
شاع فيّ الفناء سفلا وعلوا ... وأراني أموت عضوا فعضوا
ذهبت جدّتي بطاعة نفسي ... وتذكرت طاعة الله نضوا «٢»
стр. 677
وقال الآخر:
وكم من أكلة منعت أخاها ... بلذة ساعة أكلات دهر
وكم من طالب يسعى لشيء ... وفيه هلاكه لو كان يدري
وقال الآخر:
كلّ امرىء مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
وقال الآخر:
استيقني في ظلم البيوت ... إنك إن لم تقتلي تموتي
وقال عنترة بن شداد:
بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل ... لا بدّ أن أسقى بكأس المنهل
فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل
إن المنية لو تصوّر صوّرت ... مثلي، إذا نزلوا بضنك المنزل
وقال أبو العتاهية:
اذن حيّ تسمعي ... واسمعي ثم عي وعي
عشت تسعين حجة ... ثم وافيت مضجعي
أنا رهن بمصرعي ... فاحذري مثل مصرعي
ليس زاد سوى التقى ... فخذي منه أو دعي
وقال الخليل بن أحمد.
عش ما بدا لك قصرك الموت ... لا مهرب منه ولا فوت
بينا غنى بيت وبهجته ... زال الغنى وتقوّض البيت
стр. 678
وقال أبو العتاهية:
اسمع فقد اسمعك الصوت ... إن لم تبادر فهو الفوت
نل كلّ ما شيت وعش ناعما ... آخر هذا كله الموت
وقال الوزيري:
واعلم أنني سأصير ميتا ... إذا سار النواجع لا أسير
وقال السائلون من المسجّى ... فقال المخبرون لهم وزير
وقال أبو العتاهية:
الحق أوسع من معا ... لجة الهوى ومضيقه
لا تعرضنّ لكل أمر ... أنت غير مطيقه
والعيش يصلح إن مزج ... ت غليظه برقيقه
لا يخدعنّك زخرف الد ... نيا بحسن بريقه
وإذا رأيت الرأي مضطرب ... افخذ بوثيقه
ولربما غصّ البخي ... ل إذا استنيل بريقه
وقال أيضا:
من أجاب الهوى إلى كلّ ما يد ... عوه مما يضلّ ضلّ وتاها
من رأى عبرة ففكّر فيها ... آذنته بالبين حين يراها
ربما استغلقت أمور على من ... كان يأتي الأمور من مأتاها
وسيأوي إلى يد كلّ ما تأ ... تي وتأوي إلى يد حسناها
قد تكون النجاة تكرهها الن ... نفس وتأتي ما كان فيه أذاها
وقال أيضا:
لو أن عبدا له خزائن ما ... في الأرض ما عاش خوف أملاق
يا عجبا كلنا يحيد عن الحي ... ن وكلّ لحينه لاقي
стр. 679
كأن حيا قد قام نادبه ... والتفت الساق منه بالساق
واستلّ منه حياته ملك المو ... ت خفيا وقيل: من راق
وقال السموأل بن عادياء اليهودي:
تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل
وما قلّ من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلى وكهول
وما ضرّنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل
وأسيافنا في كل شرق ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول
معوذة ألا تسلّ نصالها ... فتغمد حتى يستباح قتيل
سلي، إن جهلت، الناس عنا وعنهم ... وليس سواء عالم وجهول
وقال الربيع بن أبي الحقيق:
ومن يك غافلا لم يلق بؤسا ... ينخ يوما بساحته القضاء
تعاوره بنات الدهر حتى ... تثلمه كما ثلم الإناء
وكلّ شديدة نزلت بحي ... سيأتي بعد شدتها رخاء
وبعض خلائق الأقوام داء ... كداء الشيخ ليس له شفاء
وأنشد:
قد حال من دون ليلي معشر قزم ... وهم على ذاك من دوني مواليها
والله يعلم أني إن نأت حججا ... أوحيل من دونها أن لست ناسيها
وأنشد:
وليل يقول الناس من ظلماته ... سواء بصيرات العيون وعورها
كأن لنا منه بيوتا حصينة ... مسوح أعاليها وساج كسورها
وقالوا: أتى سعيد بن عبد الرحمن بن حسان، أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو عامل سليمان بن عبد الملك، فسأله أن يكلم سليمان في
стр. 680
حاجة له فوعده أن يقضيها ولم يفعل، وأتى عمر بن عبد العزيز فكلمه لقضى حاجته، فقال سعيد:
ذممت ولم تحمد وأدركت حاجتي ... تولى سواكم شكرها واصطناعها
أبى لك فعل الخير رأي مقصر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا هي حثته على الخير مرة ... عصاها وإن همت بشر أطاعها
ستكفيك ما ضيعت منه، وإنما ... يضيع الأمور سادرا من أضاعها
ولاية من ولاك سوء بلائها ... وولى سواك أجرها واصطناعها
وأنشد:
إذا ما أطعت النفس مال بها الهوى ... إلى كل ما فيه عليك مقال
وأنشد:
حسب الفتى من عيشه ... زاد يبلغه المحلا
خبز وماء بارد ... والظلّ حين يريد ظلا
وأنشد:
وما العيش إلا شبعة وتشرق ... وتمر كأخفاف الرباع وماء
قالوا: استبطأ عبد الملك بن مروان، ابنه مسلمة في مسيره إلى الروم، وكتب إليه.
لمن الظعائن سيرهن تزحّف ... سير السفين إذا تقاعس يجذف
فلما قرأ الكتاب مسلمة كتب إليه:
ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم
ومسلمة هو القائل عندما دلى بعضهم في قبره، فتمثل بعض من حضر فقال:
стр. 681
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما
فقال مسلمة: لقد تكلمت بكلمة شيطان، هلا قلت:
إذا مقرم منا ذرا حدّ نابه ... تخّمط فيه ناب آخر مقرم
وكان مسلمة شجاعا خطيبا، وبارع اللسان جوادا، ولم يكن في ولد عبد الملك مثله ومثل هشام بعده.
وقال بعض الأعراب يهجو قوما:
تصبر للبلاء الحتم صبرا ... إذا جاورت حيّ بني أبان
أقاموا الديدبان على يفاع ... وقالوا يا احترس للديدبان
فإن أبصرت شخصا من بعيد ... فصفّق بالبنان على البنان
تراهم خشية الأضياف خرسا ... يقيمون الصلاة بلا أذان
وقال بعض الأعراب يمدح قوما:
وسار تعنّاه المبيت فلم يدع ... له حابس الظلماء والليل مذهبا
رأى نار زيد من بعيد فخالها ... وقد كذبته النفس والظنّ كوكبا
رفعت له بالكف نارا تشبّها ... شآمية نكباء أو عارض صبا
وقلت ارفعوها بالصعيد كفى بها ... مشيرا لساري ليلة إن تأوبا
فلما أتانا والسماء تبلّه ... نقول له أهلا وسهلا ومرحبا
وقمت إلى البرك الهواجد فاتقت ... بكوماء لم يترك لها النيّ مهربا
فرحبت أعلى الجنب منها بطعنة ... دعت مستكنّ الجوف حتى تصبّبا
وقال الآخر:
واستيقني في ظلم البيوت ... إنك إن لم تقتلي تموتي
وقال أبو سعيد الزاهد: «من عمل بالعافية فيمن دونه رزق العافية ممن فوقه» .
стр. 682
قال: وقال عيسى بن مريم ﵇: «في المال ثلاث خصال أو بعضها» . قالوا: وما هي يا روح الله؟ قال: «يكسبه من غير حله» . قالوا:
فإن كسبه من حله؟ قال: «يمنعه من حقه» . قالوا: فإن وضعه في حقه؟
قال: «يشغله اصلاحه عن عبادة ربه» .
قال: قيل لرجل مريض: كيف تجدك؟ قال: أجدني لم أرض حياتي لموتي.
سعيد بن بشير، عن أبيه، إن عبد الملك قال حين ثقل ورأى غسالا يلوي ثوبا بيده: «وددت إن كنت غسالا لا أعيش إلا مما أكتسب يوما بيوم» .
فذكر ذلك لأبي حازم فقال: الحمد لله الذي جعلهم عند الموت يتمنون ما نحن فيه، ولا نتمنى عند الموت ما هم فيه.
الهيثم قال: أخبرني موسى بن عبيدة الربذي عن عبد الله بن خداش الغفاري قال: قال أبوذر: فارقت رسول الله ﷺ وقوتي من الجمعة إلى الجمعة مدّ، ولا والله لا أزداد عليه حتى ألقاه» .
قال: وكان يقول: إنما مالك لك، أو للجائحة، أو للوارث. فاغن ولا تكن أعجز الثلاثة.
فضيل بن عياض، عن المطرّح بن يزيد، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد عن القاسم مولى يزيد بن معاوية، عن أبي أسامة الباهلي قال:
قال عمر ﵀:
«أدّبوا الخيل وتسوكوا، واقعدوا في الشمس، ولا تجاورنكم الخنازير، ولا يرفعن فيكم صليب، ولا تأكلوا على مائدة يشرب عليها خمر، وإياكم وأخلاق العجم، ولا يحل لمؤمن أن يدخل الحمام إلا بمئزر، ولا لأمرأة إلا من سقم، فإن عائشة حدثتني قالت: حدثني خليلي على مفرشي هذا: إذا وضعت المرأة خمارها في غير بيت زوجها هتكت ما بينها وبين الله فلم يتناه دون العرش» .
стр. 683
ومن نساك البصرة وزهادهم عامر بن عبد قيس، وبحالة بن عبدة العنبريان، وعثمان بن الأدهم، والأسود بن كلثوم، وصلة بن أشيم، ومذعور ابن الطفيل.
ومن بني منقر: جعفر وحرب أبنا جرفاس. وكان الحسن يقول: إني لا أرى كالجعفرين جعفرا. يعني جعفر بن جرفاس، وجعفر بن زيد العبدي.
ومن النساء: معاذة العدوية، إمرأة صلة بن أشيم، ورابعة القيسية.
ومن زهاد الكوفة عمرو بن عتبة، وهمّام بن الحارث، والربيع بن خثيم، وأويس القرنيّ.
قال الراجز:
من عاش دهرا فسيأتيه الأجل ... والمرء تواق إلى ما لم ينل
الموت يتلوه ويلهيه الأمل
وقال الآخر:
كلنا يأمل مدا في الأجل ... والمنايا هي آفات الأمل
وقال الآخر:
لا يغرّنك مساء ساكن ... قد يوافي بالمنيات السحر
وقال الآخر:
أنت وهبت الفتية السلاهب «١» ... وهجمة يحار فيها الحالب «٢»
وغنما مثل الجراد السارب «٣» ... متاع أيام وكلّ ذاهب
стр. 684
وقال المسعودي:
إن الكرام مناهبو ... ك المجد كلهم فناهب
أخلف وأتلف كلّ شي ... ء زعزعته الريح ذاهب
وقال التيمي:
إذا دانت السبعون سنك لم يكن ... لدائك إلا أن تموت طبيب
وإن امرأ قد سار سبعين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب
إذا ما مضى القرن الذي كنت فيهم ... وخلّفت في قرن فأنت غريب
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل عليّ رقيب
وقال غسان خال الغدار:
ابيضّ مني الرأس بعد سواد ... ودعا المشيب حليلتي لبعاد
واستحصد القرن الذي أنا منهم ... وكفى بذاك علامة لحصادي
قال: كان علي بن عيسى بن ماهان «١» ، كثيرا ما يقول: (ربنا افرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين) .
وكان كثيرا ما يقول: ويل للظالمين من الله! وقال محمد بن واسع: الإبقاء على العمل أشد من العمل.
وكان أبو وائل النهشلي يقول في أول كلامه: إن الدهر لا يذوق طعم ألم الفراق ولا يذيقه أهله، وإنما يغتمسون في ليل، ويطفون في نهار، فيوشك شاهد الدنيا أن يغيب، وغائب الآخرة أن يشهد.
قال: وسأل رجل رجلا، فقال المسؤول: إذهب بسلام! فقال السائل:
قد أنصفنا من ردنا إلى الله.
стр. 685
الحزاميّ، عن سفيان بن حمزة عن كثير بن الصلت ان حكيم بن حزام باع داره من معاوية بستين ألف درهم، فقيل له: غبنك والله معاوية! فقال:
والله ما أخذتها في الجاهلية إلا بزق من خمر، اشهدكم أنها في سبيل الله، فانظروا أينا المغبون؟! قال سفيان الثوري: ليس من ضلالة إلا عليها زينة، فلا تعرضنّ دينك لمن يبغضه إليك.
وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل.
وأتى مسلما نصرانيّ يعزيه، فقال له: مثلي لا يعزي مثلك، ولكن انظر إلى ما زهد فيه الجاهل فارغب فيه.
وكان الحسن بن زيد بن علي بن الحسين بن علي يلقب ذا الدمعة، فإذا عوتب في كثرة البكاء قال: وهل تركت النار والسهمان لي مضحكا! يريد قتل زيد بن علي، ويحيى بن زيد.
وقيل لشيخ من الأعراب: قمت مقاما خفنا عليك منه! قال: آلموت أخاف، شيخ كبير وربّ غفور، ولا دين ولا بنات.
وقال أبو العتاهية:
وكما تبلى وجوه في الثرى ... فكذا يبلى عليهن الحزن
وقال بشار:
كيف يبكي لمحبس في طلول ... من سيفضي لحبس يوم طويل
إن في البعث والحساب لشغلا ... عن وقوف برسم دار محيل
وقال محمود الوراق:
أليس عجيبا بأن الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه
فمن بين باك له موجع ... وبين معزّ مغذّ إليه «١»
ويسلبه الشيب شرخ الشباب ... فليس يعزيه خلق عليه
стр. 686
وقال أيضا:
بكيت لقرب الأجل ... وبعد فوات الأمل
ووافد شيب طرا ... بعقب شباب رحل
شباب كأن لم يكن ... وشيب كأن لم يزل
طواك بشير البقاء ... وحلّ بشير الأجل
طوى صاحب صاحبا ... كذاك اختلاف الدول
وقال:
رأيت صلاح المرء يصلح أهله ... ويعديهم داء الفساد إذا فسد
يعظم في الدنيا بفضل صلاحه ... ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد
وقال الحسن بن هانىء:
أيّة نار قدح القادح ... وأيّ جدّ بلغ المازح
لله در الشيب من واعظ ... وناصح لو حظي الناصح
بأبى الفتى إلا اتباع الهوى ... ومنهج الحق له واضح
فاسم بعينيك إلى نسوة ... مهورهن العمل الصالح
لا يجتلي الحسناء من خدرها ... إلا أمرء ميزانه راجح
من اتقى الله فذاك الذي ... سبق إليه المتجر الرابح
وقال أيضا:
خلّ جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام
مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام
إنما السالم من ... ألجم فاه بلجام
ربما استفتحت بالقو ... ل مغاليق الحمام
ربّ لفظ ساق آجا ... ل فئام وفئام «١»
стр. 687
فالبس الناس على الصح ... ة منهم والسقام
والمنايا آكلات ... شاربات للأيام
شبت يا هذا وما تت ... رك أخلاق الغلام
وقال أيضا:
كن من الله يكن لك ... واتق الله لعلك
لا تكن إلا معدا ... للمنايا فكأنك
إنّ للموت لسهما ... واقعا دونك أو بك
نحن نجري في أفا ... نين سكون وتحرك
فعلى الله توكل ... وبتقواه تمسك
وله أيضا:
يا نواسيّ تفكّر ... وتعزّ وتصبر
ساءك الدهر بشيء ... ولما سرّك أكثر
يا كبير الذنب عفو الله ... من ذنبك أكبر
أكبر الأشياء في أص ... غر عفو الله يصغر
وقال سعد بن ربيعة بن مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم:
ألا إنما هذا الملال الذي ترى ... وإدبار جسمي من ردى العثرات
وكم من خليل قد تجلدت بعده ... تقطّع نفسي دونه حسرات
وهذا من قديم الشعر.
وقال الطرمّاح بن حكيم، في هذا المعنى:
وشيبني أن لا أزال مناهضا ... بغير قوى أنزو بها وأبوع «١»
وإن رجال المال أضحوا ومالهم ... لهم عند أبواب الملوك شفيع
أمخترمي ريب المنون ولم أنل ... من المال ما أعصي به وأطيع
стр. 688
ومن قديم الشعر قول الحارث بن يزيد، وهو جد الاحيمر اللص السعدي:
لا لا أعق ولا أحو ... ب ولا أغير على مضر
لكنما غزوي إذا ... ضج المطي من الدبر
وقال آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز:
وإن قالت رجال قد تولى ... زمانكم وذا زمن جديد
فما ذهب الزمان لنا بمجد ... ولا حسب إذا ذكر الجدود
وما كنا لنخلد إذ ملكنا ... وأي الناس دام له الخلود
وقيل لأخيه بعد أن رأوه حمالا: لقد حطك الزمان، وعضك الحدثان! فقال: ما فقدنا من عيشنا إلا الفضول! وقال عروة بن أذينة الكناني:
نراع إذا الجنائز قابلتنا ... ويحزننا بكاء الباكيات
كروعة ثلة لمغار ذئب ... فلما غاب عادت راتعات
وقالت خنساء بنت عمرو:
ترتع ما غفلت حتى إذا أدكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
وقال أبو النجم:
فلو ترى التيوس مضجعات ... عرفت أن لسن بسالمات
أقول إذ جئن مذبّحات ... ألم تكن من قبل راتعات
ما أقرب الموت من الحياة
وقال سليمان بن الوليد:
ربّ مغروس يعاش به ... عدمته كفّ مغترسه
وكذاك الدهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه
стр. 689
وقال آخر:
يا راقد الليل مسرورا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن اسحارا
وقالت امرأة في بعض الملوك:
أبكيك لا للنعيم والأنس ... بل للمعالي والرمح والفرس
أبكي على فارس فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس
стр. 690
[باب] أخلاط من شعر ونوادر وأحاديث
قال هبيرة بن أبي وهب المخزومي:
وإن مقال المرء في غير كنهه ... لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها
وقال الراجز:
والقول لا تملكه إذا نما ... كالسهم لا يرجعه رام رمى
وإلى هذا ذهب عامر الشعبي حيث يقول: «وإنك على إيقاع ما لم توقع أقدر منك على رد ما قد أوقعت» .
وأنشد:
فداويته بالحلم والمرء قادر ... على سهمه ما دام في كفه السهم
وقال الأنصاري:
وبعض القول ليس له حصاة ... كمخض الماء ليس له إتاء «١»
وبعض خلائق الأقوام داء ... كداء الشيخ ليس له دواء
стр. 691
وقال الآخر:
ومولى كداء البطن أما لقاؤه ... فحلم وأما غيبه فظنون
وقال الآخر:
تقسم أولاد الملمّة مغنمي ... جهارا، ولم يغلبك مثل مغلّب
وقال الثلب اليماني:
وهن شر غالب لمن غلب
وقال النبي ﷺ : «إذا كتب أحدكم فليترّب كتابه، فإن التراب مبارك، وهو أنجح للحاجة» .
وذكر الله آدم الذي هو أصل البشر فقال: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
. ولذلك كنّى النبيّ ﵇ عليا أبا تراب. قالوا:
وكانت أحب الكنى إليه.
وقال الآخر:
وإن جئت الأمير فقل سلام ... عليك ورحمة الله الرحيم
وأما بعد ذاك فلي غريم ... من الأعراب قبّح من غريم
له ألف عليّ ونصف ألف ... ونصف النصف في صك قديم
دراهم ما انتفعت بها ولكن ... وصلت بها شيوخ بني تميم
وقال الكميت:
حلفت بربّ الناس: ما أمّ خالد ... بأمك إذ أصواتنا الهل والهب
ولا خالد يستطعم الماء قائما ... بعدلك «١» والداعي إلى الموت ينعب
стр. 692
وقال ابن نوفل:
تقول لما أصابك أطعموني ... شرابا ثم بلت على السرير
لأعلاج ثمانية وشيخ ... كبير السنّ ذي بصر ضرير
وقال ابن هرمة:
تراه إذا ما أبصر الضيف كلبه ... يكلمه من حبّه وهو أعجم
قال: وقال المهلب: «عجبت لمن يشتري المماليك بماله ولا يشتري الأحرار بمعروفه» .
وقال الشاعر:
رزقت لبّا ولم أرزق مروءته ... وما المروءة إلا كثرة المال
إذا أردت مساماة تقعّدني ... عما ينوّه باسمي رقة الحال
وقال الأحنف:
فلو مدّ سروري بمال كثير ... لجدت وكنت له باذلا
فإن المروة لا تستطاع ... إذا لم يكن مالها فاضلا
وقال جرير بن يزيد:
خير من البخل للفتى عدمه ... ومن بنين أعقة عقمه
قال: ومشى رجال من تميم إلى عتاب بن ورقاء، ومحمد بن عمير، في عشر ديات فقال محمد بن عمير: علي دية: فقال عتاب: علي الباقية. فقال محمد:
نعم العون على المروءة المال.
وقال الآخر:
ولا خير في وصل إذا لم يكن له ... على طول مرّ الحادثات بقاء
стр. 693
وقال الآخر:
شفاء الحبّ تقبيل وضمّ ... وجرّ بالبطون على البطون
وأنشد:
والله لا أرضى بطول ضمّ ... ولا بتقبيل ولا بشمّ
إلا بهزهاز يسلي همي ... يسقط منه فتخي في كمّي
لمثل هذا ولدتني أمي
وأنشد:
لا ينفع الجارية الخضاب ... ولا الوشاحان ولا الجلباب
من دون أن تصطفق الأركاب ... وتلتقي الأسباب والأسباب
ويخرج الزب له لعاب
وقال الآخر:
وقد بدا لي أن قلبك ذاهل ... عني وقلبي لو بدا لك أذهل
كلّ يجامل وهو يخفي بغضه ... إن الكريم على القلى يتجمّل
وقال الآخر:
وحظك زورة في كلّ عام ... موافقة على ظهر الطريق
سلاما خاليا من كل شيء ... يعود به الصديق على الصديق
وقال الآخر:
وزعمت أني قد كذبتك مرة ... بعض الحديث فما صدقتك أكثر
وقال الآخر:
أهينوا مطاياكم فإني وجدته ... يهون على البرذون موت الفتى الندب
стр. 694
وقال الآخر:
لا يحفل البرد من يبلي حواشيه ... ولا تبالي على من راحت الإبل
وقال الآخر:
ألا لا يبالي البرد من جرّ فضله ... كما لا تبالي مهرة من يقودها
وقال الآخر:
وإني لأرثي للكريم إذا غدا ... على حاجة عند اللئيم يطالبه
وأرثي له من مجلس عند بابه ... كمرثيتي للطرف والعلج راكبه
وقال الفرزدق:
أترجو ربيع أن تجيء صغارها ... بخير وقد أعيا ربيعا كبارها
وقال الشاعر:
ألم تر أن سير الخير ريث ... وإن الشرّ راكبه يطير
وقال ابن يسير:
تأتي المكاره حين تأتي جملة ... وترى السرور يجي مع الفلتات
قيل لبلال بن أبي بردة: لم لا تولي أبا العجوز بن أبي شيخ العراف- وكان بلال مسترضعا فيهم، وهو من بلهجيم- قال: لأني رأيت منه ثلاثا: رأيته يحتجم في بيوت أخوانه، ورأيت عليه مظلة وهو في الظل، ورأيته يبادر بيض البقيلة.
وكان عندي شيخ عظيم البدن جهير الصوت، يستقصي الأعراب، وقد ولده رجل من أهل الشورى، وكان بقربي عبد أسود دقيق العظم يم الوجه، ورآني أكبره، فقال لي حين نهض ورأى عظما: يا أبا عثمان، لا والله أن يساوي ذلك العظم البالي، بصرت عيني به في الحمام وتناول قطعة من فخار فأعطاها رجلا وقال له: حكّ بها ظهري! افتظن هذا يا أبا عثمان يفلح أبدا.
стр. 695
قال أبو الحسن: سأل الحجاج غلاما فقال له: غلام من أنت؟ قال:
غلام سيّد قيس. قال: ومن ذاك؟ قال: زرارة بن أوفى. قال: وكيف يكون سيد قيس وفي داره التي ينزل فيها سكان؟
قال: وقال رجل لأبنه: إذا أردت أن تعرف عيبك فخاصم شيخا من قدماء جيرانك. قال: يا أبت لو كنت إذا خاصمت جاري لم يعرف عيبي غيري كان ذلك رأيا، ولكن جاري لا يعرفني عيبي حتى يعرفه عدوي.
وقد أخطأ الذي وضع هذا الحديث لأن أباه نهاه ولم يأمره.
وقال الآخر:
إصطنعني وأقلبني عثرتي ... إنها قد وقعت مني بقر
واعلمن أن ليس ألفا درهم ... لمديحي وهجائي بخطر
يذهب المال ويبقى منطق ... شائع يأثره أهل الخبر
ثم أرميكم بوجه بارز ... لست أمشي لعدوي بخمر
وقال أشهب بن رميلة يوم صفين: إلى أين يا بني تميم؟ قالوا: قد ذهب الناس. قال: تقرون وتعتذرون؟! قال: ونهض الحارث بن حوط الليثي إلى علي بن أبي طالب، وهو على المنبر، فقال: أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير كانا على ضلال؟ قال: «يا حار، انه ملبوس عليك، إن الحق لا يعرف بالرجال. فاعرف الحق تعرف أهله!» .
وقال عمر بن الخطاب ﵀: «لا أدركت أنا ولا أنت زمانا يتغاير الناس فيه على العلم كما يتغايرون على الأزواج» .
قال: وبعث قسامة بن زهير العنبري إلى أهله بثلاثين شاة ونحي صغير فيه سمن، فسرق الرسول شاة، وأخذ من رأس النحي شيئا من السمن، فقال لهم الرسول: ألكم إليه حاجة أخبره بها؟ قالت له إمرأته: أخبره أن الشهر
стр. 696
محاق، وإن جدينا الذي كان يطالعنا وجدناه مرثوما «١» . فاسترجع منه الشاة والسمن.
قال علي بن سليمان لرؤبة: ما بقي من باهك يا أبا الجحاف: قال:
يمتد ولا يشتد، واستعين بيدي ثم لا أورد، وأطيل الظمء ثم أقصر. قال:
ذاك الكبر. قال: لا، ولكنه طول الرغاث.
وقيل لأعرابي: أيّ الدواب آكل؟ قال: يرذونة رغوث «٢» .
وقيل لغيره: لم صارت اللبؤة انزق، وعلى اللحم أحرص؟ قال: هي الرغوث.
قال: وقال عبيد الله بن عمر: اتقوا من تبغضه قلوبكم.
وقال اسماعيل بن غزوان: لا تنفق درهما حتى تراه، ولا تثق بشكر من تعطيه حتى تمنعه، فالصابر هو الذي يشكر، والجازع هو الذي يكفر.
عامر بن يحيى بن أبي كثير قال: لا تشهد لمن لا تعرف، ولا تشهد على من لا تعرف، ولا تشهد بما لا تعرف.
أبو عبد الرحمن الضرير، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيّب قال: قال النبي ﷺ : «رأس العقل بعد الإيمان بالله التودّد إلى الناس» .
وقالت عائشة: لا سمر إلا لثلاثة: مسافر، ومصلّ وعروس.
قال: وقال معاوية يوما: من أنصح الناس؟ فقال قائل: قوم ارتفعوا عن لخلخانيّة الفرات، وتيامنوا عن عنعنة تميم وتياسروا عن كسكسة بكر «٣» ، ليست
стр. 697
لهم غمغمة قضاعة ولا طمطمانية «١» حمير. قال: من هم؟ قال: قريش قال: ممن أنت؟ قال: من جرم. قال: إجلس.
وقال الراجز:
إن تميما أعطيت تماما ... وأعطيت مآثرا عظاما
وعددا وحسبا قمقاما «٢» ... وباذخا من عزها قدّاما
في الدهر أعيا الناس أن يراما ... إذا رأيت منهم الأجساما
والدلّ والشيمة والكلاما ... وأذرعا وقصرا «٣» وهاما
عرفت أن لم يخلقوا طغاما «٤» ... ولم يكن أبوهم مسقاما
لم تر فيمن يأكل الطعاما ... أقلّ منهم سقطا وذاما «٥»
تقول العرب: «لو لم يكن في الإبل إلا أنها رقوء الدم» .
قال جندل بن صخر، وكان عبدا مملوكا:
وما فك رقّي ذات دل خبرنج «٦» ... ولا شاق مالي صدقة وعقول
ولكن نماني كلّ أبيض خضرم ... فأصبحت أدري اليوم كيف أقول
وقال الفقيمي، وهو قاتل غالب أبي الفرزدق:
وما كنت نواما ولكن ثائرا ... أناخ قليلا فوق ظهر سبيل
وقد كنت مجرور اللسان ومفحما ... فأصبحت أدري اليوم كيف أقول
قال المغيرة بن شعبة: من دخل في حاجة رجل فقد ضمنها.
стр. 698
وقال عمر ﵀: لكل شيء شرف، وشرف المعروف تعجيله.
وقال رجل لأبراهيم النخعي: أعد الرجل الميعاد فإلى متى؟ قال: إلى وقت الصلاة.
قال: وقال لي بعض القرشيين: من خاف الكذب أقلّ من المواعيد.
وقالوا: أمران لا يسلمان من الكذب: كثرة المواعيد، وشدة الإعتذار.
وقال ابراهيم النظام: قلت لخنجير كون ممرور «١» الزياديين: أقعدها هنا حتى أرجع إليك. قال: أما حتى ترجع إلي فإني لا أضمن لك ولكن أقعد لك إلى الليل.
وهذه رسالة ابراهيم بن سيابه إلى يحيى بن خالد بن برمك:
وبلغني أن عامة أهل بغداد يحفظونها في تلك الأيام، وهي كما ترى.
وأولها:
للأصيد الجواد «٢» ، الواري الزناد، الماجد الأجداد، الوزير الفاضل، الأشم الباذل، اللباب الحلاحل، من المستكين المستجير، البائس الضرير.
فإني أحمد الله ذا العزة القدير، إليك وإلى الصغير والكبير، بالرحمة العامة، والبركة التامة.
أما بعد فاغنم واسلم، واعلم إن كنت تعلم، إنه من يرحم يرحم، ومن يحرم يحرم، ومن يحسن يغنم، ومن يصنع المعروف لا يعدم. وقد سبق إلي تغضبك علي، واطراحك لي، وغفلتك عني بما لا أقوم له ولا أقعد، ولا أنتبه ولا أرقد، فلست بذي حياة صحيح، ولا بميت مستريح، فررت بعد الله منك إليك، وتحملت بك عليك. ولذلك قلت:
стр. 699
أسرعت بي حثّا إليك خطائي ... فأناخت بمذنب ذي رجاء
راغب راهب إليك يرجى ... منك عفوا عنه وفضل عطاء
ولعمري ما من أصرّ ومن تا ... ب مقرّا بذنبه بسواء
فإن رأيت- أراك الله ما تحب، وأبقاك في خير- ألا تزهد فيما ترى من تضرّعي وتخشّعي، وتذلّلي وتضعّفي، فإن ذلك ليس مني بنحيزة «١» ولا طبيعة، ولا على وجه تصيّد وتصنّع وتخدّع، ولكنه تذلل وتخشع وتضرع، من غير ضارع ولا مهين ولا خاشع لمن لا يستحق ذلك، إلا لمن التضرع له عز ورفعة شرف. والسلام.
محمد بن حرب الهلالي قال: دخل زفر بن الحارث على عبد الملك، بعد الصلح فقال: ما بقي من حبك للضحاك؟ فقال: ما لا ينفعني ولا يضرك. قال: شدّ ما أحببتموه معاشر قيس! قال: أحببناه ولم نواسه، ولو كنا آسيناه لقد كنا أدركنا ما فاتنا منه. قال: فما منعك من مواساته يوم المرج.
قال: الذي منع أباك من مواساة عثمان يوم الدار.
قال الشاعر:
لكل كريم من ألائم قومه ... على كلّ حال حاسدون وكشّح «٢»
قال: وقال سليمان بن سعد لو صحبني رجل فقال اشترط علي خصلة واحدة لا تزيد عليها لقلت: لا تكذبني.
قال: كان يقال: أربع خصال يسود بها المرء: العلم، الأدب، والعفة والأمانة.
стр. 700
وقال الشاعر:
لئن طبت نفسا عن ثنائي فإنني ... لأطيب نفسا عن نداك على عسري
فلست إلى جدواك أعظم حاجة ... على شدّة الأعسار منك إلى شكري
وقال الآخر:
أأن سمتني ذلا فعفت حياضه ... سخطت، ومن يأب المذلة يعذر
فهأنا مسترضيك لا من جناية ... جنيت ولكن من تجنيك فاغفر
وقال أياس بن قتادة:
وإنّ من السادات من لو أطعته ... دعاك إلى نار يفور سعيرها
وقال الآخر:
عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسودّ من يسود
وقال الهذلي:
وإنّ سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلبها طويل
وقال حارثة بن بدر:
إذا الهمّ أمسى وهو داء فأمضه ... ولست بمضيه وأنت تعادله
ولا تنزلن أمر الشديدة بامرىء ... إذا رام أمرا عوقته عواذله
وقل للفؤاد إن نزا بك نزوة ... من الروع أفرخ أكثر الروع باطله
وقال الآخر:
وإنّ بقوم سوّدوك لفاقة ... إلى سيد لو يظفرون بسيّد
وقال الآخر:
وما سدت فيهم إن فضلك عمّهم ... ولكن هذا الحظّ في الناس يقسم
وقال حارثة بن بدر:
خلت الديار فسدت غير مسوّد ... ومن الشقاء تفرّدي بالسّؤدد
стр. 701
الفضل بن تميم قال: قال المغيرة: «من لم يغضب لم يعرف حلمه» .
وقال الشاعر:
ما بال ضبع ظلّ يطلب دائبا ... فريسته بين الأسود الضراغم
وقال الآخر:
ذكرت بها عهدا على الهجر والقلى ... ولا بدّ للمشتاق أن يتذكرا
وقال الآخر:
إذا ما شفيت النفس أبلغت عذرها ... ولا لوم في أمر إذا بلغ العذر
وقال الآخر:
لعمرك ما الشكوى بأمر حزامة ... ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
وقال الآخر:
لو ثلاث هنّ عيش الدهر ... الماء والنوم وأم عمرو
لما خشيت من مضيق القبر
وقال لقيط بن زرارة:
شتان هذا والعناق والنوم ... والمشرب البارد والظلّ الدوم
وقال والبة:
ما العيش إلا في المدا ... م وفي اللزام وفي القبل
وإدارة الظبي الغري ... ر تسومه ما لا يحل
وقال شيخ من أهل المسجد: ما كنت أريد أن أجلس إلى قوم إلا وفيهم من يحدث عن الحسن، وينشد للفرزدق.
وقال أبو مجيب: لا ترى إمرأة مصبّرة العين، ولا امرأة عليها طاق يمنة، ولا شريفا يهنأ بعيرا.
стр. 702
وقال أبو براح: ذهب الفتيان فلا ترى فتى مفروق الشعر بالدّهن، معلقا نعله، ولا ديكين في خطار «١» ، ولا صديقا له صديق أن قمر ضعا «٢» ، وإن عوقب جزع، وإن خلا بصديق فتى خببه «٣» ، وإن ضرب أقر، وإن طال حبسه ضجر، ولا ترى فتى يحسن أن يمشي في قيده ولا يخاطب أميره.
وقال أبو الحسن: قال أبو عباية: ترى زقاق براقش، وبساتين هزار مرد «٤» ما كان يسلكه غلام إلا بخفير، وهم اليوم يخترقونه. قلت: هذا من صلاح الفتيان. قال: لا ولكن من فسادهم.
اليقطري، قال: قيل لطفيل العرائس: كم اثنان في اثنين؟ قال: أربعة أرغفة.
وقال رجل لرجل: انتظرتك على الباب بقدر ما يأكل إنسان جردقتين «٥» عبد الله بن مصعب قال: أرسل علي بن أبي طالب ﵀ عبد الله بن عباس، لما قدم البصرة فقال:
«أيت الزبير ولا تأت طلحة، فإن الزبير ألين، وإنك تجد طلحة كالثور عاقصا قرنه «٦» ، يركب الصعوبة ويقول هي أسهل، فأقرئه السلام، وقل له:
«يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق، فما عدا مما بدا لك؟» .
قال: فأتيت الزبير فقال: مرحبا يا ابن لبابة أزائرا جئت أم سفيرا؟
قلت: كلّ ذلك. وأبلغته ما قال علي، فقال الزبير: أبلغه السلام وقل له:
«بيننا وبينك عهد خليفة ودم خليفة، واجتماع ثلاثة وإنفراد واحد، وأم مبرورة، ومشاورة العشيرة، ونشر المصاحف، فنحل ما أحلت، ونحرم ما
стр. 703
حرمت» . فلما كان من الغد حرّش بين الناس غوغاؤهم فقال الزبير: ما كنت أرى أن مثل ما جئنا له يكون فيه قتال! قال: ومن جيّد الشعر قول جرير:
لئن عمرت تيم زمانا بغرّة ... لقد حديت تيم حداء عصبصبا
فلا يضغمن الليث تيما بغرة ... وتيم يشمون الفريس المنيّبا
وقال أعرابي: «كحّلني بالميل الذي تكحّل به العيون الداءة «١» » وقال أبن أحمر:
بهجل من قسا ذفر الخزامى ... تهادي الجربياء به الحنينا «٢»
به تتزخّر القلع السواري ... وجنّ الخازباز به جنونا «٣»
تكاد الشمس تخشع حين تبدو ... لهن وما نزلن وما عسينا
وقال الحكم الخضري:
كوم تظاهر نيها وتربّعت ... بقلا بعيهم والحمى مجنونا
والمجنون: المصروع، ومجنون بني عامر، ومجنون بني جعدة.
وإذا فخر النبات قيل قد جنّ. وقال الشنفري:
فدقّت وجلّت واسبكرّت وأنضرت ... فلو جنّ إنسان من الحسن جنّت
قال: وسمع الحجاج امرأة من خلف حائط تناغي طفلا لها، فقال:
مجنونة أو أم صبي!
стр. 704
وقال أبو ثمامة بن عازب:
وكلهم قد ذاقنا فكأنما ... يرون علينا جلد أجرب هامل
وقال التغلبي:
يرى الناس منا جلد أسود سالخ ... وفروة ضرغام من الأسد ضيغم
وأنشدنا الأصمعي:
منهرت الشّدقين «١» عود قد كمل ... كأنما قمّص من ليط جعل «٢»
وقال نصيب لعمر بن عبد العزيز: إن لي بنيّة ذررت عليها من سوادي.
وقال عبد الملك للوليد:
لا تعزل أخاك عبد الله عن مصر، وانظر عمك محمد بن مروان فأقرّه على الجزيرة، وأما الحجاج فأنت أحوج إليه منه إليك، وأنظر علي بن عبد الله فاستوص به خيرا.
فضرب عليا بالسياط، وعزل أخاه وعمه.
وقال أبو نخيلة:
أنا ابن سعد وتوسّطت العجم ... فأنا فيما شيت من خال وعم
وأنشد:
هم وسط يرضى الأله بحكمهم ... إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم
يجعلون ذلك من قول الله ﵎: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.
стр. 705
وأنشد:
ولولا خلّة سبقت إليه ... وأخو من كان من عرق المدام
دلفت له بأبيض مشرفي ... كما يدنو المصافح بالسلام
وقال يزيد بن ضبّة:
لا تبدينّ مقالة مأثورة ... لا تستطيع إذا مضت إدراكها
وقال ابن ميادة:
يا أيها الناس روّوا القول واستمعوا ... وكلّ قول إذا ما قيل يستمع
وقال الآخر:
ما المدلج الغادي إليه بسحرة ... إلا كآخر قاعد لم يبرح
وقال العلاء بن منهال الغنوي في شريك بن عبد الله:
فليت أبا شريك كان حيّا ... فيقصر عن مقالته شريك
ويترك من تدرئه علينا ... إذا قلنا له هذا أبوكا
وقال طارق بن أثال الطائي:
ما إن يزال ببغداد يزاحمنا ... على البراذين أشباه البراذين
أعطاهم الله أموالا ومنزلة ... من الملوك بلا عقل ولا دين
ما شئت من بغلة سفواء ناجية ... ومن أثاث وقول غير موزون
وقال منقذ بن دثار الهلالي «١» :
لا تتركن- إن صنيعة سلفت ... منك وإن كنت لست تنكرها
следующие страницы →