← Адаб

Адаб · id 10614

البيان والتبيين

الجاحظ

Полный текст (863 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الفضل بن تميم قال: قال المغيرة: «من لم يغضب لم يعرف حلمه» . وقال الشاعر: ما بال ضبع ظلّ يطلب دائبا ... فريسته بين الأسود الضراغم وقال الآخر: ذكرت بها عهدا على الهجر والقلى ... ولا بدّ للمشتاق أن يتذكرا وقال الآخر: إذا ما شفيت النفس أبلغت عذرها ... ولا لوم في أمر إذا بلغ العذر وقال الآخر: لعمرك ما الشكوى بأمر حزامة ... ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر وقال الآخر: لو ثلاث هنّ عيش الدهر ... الماء والنوم وأم عمرو لما خشيت من مضيق القبر وقال لقيط بن زرارة: شتان هذا والعناق والنوم ... والمشرب البارد والظلّ الدوم وقال والبة: ما العيش إلا في المدا ... م وفي اللزام وفي القبل وإدارة الظبي الغري ... ر تسومه ما لا يحل وقال شيخ من أهل المسجد: ما كنت أريد أن أجلس إلى قوم إلا وفيهم من يحدث عن الحسن، وينشد للفرزدق. وقال أبو مجيب: لا ترى إمرأة مصبّرة العين، ولا امرأة عليها طاق يمنة، ولا شريفا يهنأ بعيرا.

стр. 702

وقال أبو براح: ذهب الفتيان فلا ترى فتى مفروق الشعر بالدّهن، معلقا نعله، ولا ديكين في خطار «١» ، ولا صديقا له صديق أن قمر ضعا «٢» ، وإن عوقب جزع، وإن خلا بصديق فتى خببه «٣» ، وإن ضرب أقر، وإن طال حبسه ضجر، ولا ترى فتى يحسن أن يمشي في قيده ولا يخاطب أميره. وقال أبو الحسن: قال أبو عباية: ترى زقاق براقش، وبساتين هزار مرد «٤» ما كان يسلكه غلام إلا بخفير، وهم اليوم يخترقونه. قلت: هذا من صلاح الفتيان. قال: لا ولكن من فسادهم. اليقطري، قال: قيل لطفيل العرائس: كم اثنان في اثنين؟ قال: أربعة أرغفة. وقال رجل لرجل: انتظرتك على الباب بقدر ما يأكل إنسان جردقتين «٥» عبد الله بن مصعب قال: أرسل علي بن أبي طالب ﵀ عبد الله بن عباس، لما قدم البصرة فقال: «أيت الزبير ولا تأت طلحة، فإن الزبير ألين، وإنك تجد طلحة كالثور عاقصا قرنه «٦» ، يركب الصعوبة ويقول هي أسهل، فأقرئه السلام، وقل له: «يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق، فما عدا مما بدا لك؟» . قال: فأتيت الزبير فقال: مرحبا يا ابن لبابة أزائرا جئت أم سفيرا؟ قلت: كلّ ذلك. وأبلغته ما قال علي، فقال الزبير: أبلغه السلام وقل له: «بيننا وبينك عهد خليفة ودم خليفة، واجتماع ثلاثة وإنفراد واحد، وأم مبرورة، ومشاورة العشيرة، ونشر المصاحف، فنحل ما أحلت، ونحرم ما

стр. 703

حرمت» . فلما كان من الغد حرّش بين الناس غوغاؤهم فقال الزبير: ما كنت أرى أن مثل ما جئنا له يكون فيه قتال! قال: ومن جيّد الشعر قول جرير: لئن عمرت تيم زمانا بغرّة ... لقد حديت تيم حداء عصبصبا فلا يضغمن الليث تيما بغرة ... وتيم يشمون الفريس المنيّبا وقال أعرابي: «كحّلني بالميل الذي تكحّل به العيون الداءة «١» » وقال أبن أحمر: بهجل من قسا ذفر الخزامى ... تهادي الجربياء به الحنينا «٢» به تتزخّر القلع السواري ... وجنّ الخازباز به جنونا «٣» تكاد الشمس تخشع حين تبدو ... لهن وما نزلن وما عسينا وقال الحكم الخضري: كوم تظاهر نيها وتربّعت ... بقلا بعيهم والحمى مجنونا والمجنون: المصروع، ومجنون بني عامر، ومجنون بني جعدة. وإذا فخر النبات قيل قد جنّ. وقال الشنفري: فدقّت وجلّت واسبكرّت وأنضرت ... فلو جنّ إنسان من الحسن جنّت قال: وسمع الحجاج امرأة من خلف حائط تناغي طفلا لها، فقال: مجنونة أو أم صبي!

стр. 704

وقال أبو ثمامة بن عازب: وكلهم قد ذاقنا فكأنما ... يرون علينا جلد أجرب هامل وقال التغلبي: يرى الناس منا جلد أسود سالخ ... وفروة ضرغام من الأسد ضيغم وأنشدنا الأصمعي: منهرت الشّدقين «١» عود قد كمل ... كأنما قمّص من ليط جعل «٢» وقال نصيب لعمر بن عبد العزيز: إن لي بنيّة ذررت عليها من سوادي. وقال عبد الملك للوليد: لا تعزل أخاك عبد الله عن مصر، وانظر عمك محمد بن مروان فأقرّه على الجزيرة، وأما الحجاج فأنت أحوج إليه منه إليك، وأنظر علي بن عبد الله فاستوص به خيرا. فضرب عليا بالسياط، وعزل أخاه وعمه. وقال أبو نخيلة: أنا ابن سعد وتوسّطت العجم ... فأنا فيما شيت من خال وعم وأنشد: هم وسط يرضى الأله بحكمهم ... إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم يجعلون ذلك من قول الله ﵎: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.

стр. 705

وأنشد: ولولا خلّة سبقت إليه ... وأخو من كان من عرق المدام دلفت له بأبيض مشرفي ... كما يدنو المصافح بالسلام وقال يزيد بن ضبّة: لا تبدينّ مقالة مأثورة ... لا تستطيع إذا مضت إدراكها وقال ابن ميادة: يا أيها الناس روّوا القول واستمعوا ... وكلّ قول إذا ما قيل يستمع وقال الآخر: ما المدلج الغادي إليه بسحرة ... إلا كآخر قاعد لم يبرح وقال العلاء بن منهال الغنوي في شريك بن عبد الله: فليت أبا شريك كان حيّا ... فيقصر عن مقالته شريك ويترك من تدرئه علينا ... إذا قلنا له هذا أبوكا وقال طارق بن أثال الطائي: ما إن يزال ببغداد يزاحمنا ... على البراذين أشباه البراذين أعطاهم الله أموالا ومنزلة ... من الملوك بلا عقل ولا دين ما شئت من بغلة سفواء ناجية ... ومن أثاث وقول غير موزون وقال منقذ بن دثار الهلالي «١» : لا تتركن- إن صنيعة سلفت ... منك وإن كنت لست تنكرها

стр. 706

عند امرىء- أن تقول إن ذكرت ... يوما من الدهر: لست أذكرها فإن إحياءها إماتتها ... وإن منا بها يكدرها وقال بعض الحكماء: «صاحب من ينسى معروفه عندك، ويتذكر حقوقك عليه» : وقال منقر بن فروة المنقريّ: وإن خفت من أمر فواتا فوله ... سواك وعن دار الأذى فتحوّل وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل ونظر أبو الحارث جمين إلى برذون يستقي عليه الماء، فقال: وما المرء إلا حيث يجعل نفسه لو هملج هذا البرذون لم يجعل للرواية. وأنشد: لا خير في كلّ فتى نؤوم ... لا يعتريه طارق الهموم وأنشد: اجعل أبا حسن كمن لم تعرف ... واهجره معتزما وإن لم يخلف آخ الكرام المنصفين وصلهم ... واقطع مودّة كلّ من لم ينصف وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير: ما زال عصياننا لله يسلمنا ... حتى دفعنا إلى يحيى ودينار إلى عليجين لم تقطع ثمارهما ... قد طال ما سجدا للشمس والنار وشاتم أعرابي أعرابيا فقال: «إنكم لتعتصرون العطاء، وتعيرون النساء، وتبيعون الماء» .

стр. 707

وقال أبو الأسود الدؤلي: لنا جيرة سدوا المجازة بيننا ... فإن ذكّروك السدّ فالسد أكيس ومن خير ما ألصقت بالدار حائط ... تزلّ به صقع الخطاطيف أملس وأنشد: إذا لم يكن للمرء بد من الردى ... فأكرم أسباب الردى سبب الحبّ وقال الآخر: وإذا شنئت فتى شنئت حديثه ... وإذا سمعت غناءه لم أطرب وأنشد المسروحي، لكامل بن عكرمة: لها كلّ عام موعد غير منجز ... ووقت إذا ما رأس حول تجرما «١» فإن وعدت شرا أنى دون وقته ... وإن وعدت خيرا أراث وعتّما «٢» وقال الآخر: ألم تر أن سير الخير ريث ... وأن الشرّ راكبه يطير وقال محمد بن يسير: تأتي المكاره حين تأتي جملة ... وترى السرور يجيء في الفلتات وقال الآخر: إذا ما بريد الشام أقبل نحونا ... ببعض الدواهي المفظعات فأسرعا فإن كان شرا سار يوما وليلة ... وإن كان خيرا قصّد السير أربعا

стр. 708

وقال آخر: وتعجبنا الرؤيا فجلّ حديثنا ... إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأت ... وإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى وقال آخر: وإذا نهضت فما النهوض بدائم ... وإذا نكبت توالت النكبات قال: قيل لأعرابي: ما أعددت للشتاء؟ قال: جلّة ربوضا، وصيصية «١» سلوكا، وشملة مكودا، وقرموصا دفيئا «٢» ، وناقة مجالحة «٣» . وقيل لآخر: ما أعددت للشتاء؟ قال: شدة الرعدة. وقيل لآخر: كيف ليلكم؟ قال: سحر كله. وقيل لآخر: كيف البرد عندكم؟ قال: ذاك إلى الريح. وقال معن بن أوس: فلا وأبي حبيب ما نفاه ... من أرض بني ربيعة من هوان وكان هو الغنيّ إلى غناه ... وكان من العشيرة في مكان تكنفه الوشاة فأزعجوه ... ودس من فضالة غير وان فلولا أن أم أبيه أمي ... وإن من قد هجاه فقد هجاني وأن أبي أبوه لذاق مني ... مرارة مبردي ولكان شاني إذا لأصابه مني هجاء ... يمر به الروي على لساني اعلمه الرماية كلّ يوم ... فلما اشتدّ ساعده رماني

стр. 709

وقال بعض اليهود: ولو كنت أرضى لا أبالك بالذي ... به العائل الجثّام في الخفض قانع «١» إذا قصرت عندي الهموم وأصبحت ... علي وعندي للرجال صنائع ومما قالوا في المهالبة: إن المهالبة الكرام تحملوا ... دفع المكاره عن ذوي المكروه زانوا قديمهم بحسن حديثهم ... وكريم أخلاق بحسن وجوه وقال أبو الجهم العدوي في معاوية بن أبي سفيان: نقلّبه لنخبر حالتيه ... فنخبر منهما كرما ولينا نميل على جوانبه كأنا ... نميل إذا نميل على أبينا وقال الآخر في هذا الشكل: إن أجز علقمة بن سيف سعيه ... لا أجزه ببلاء يوم واحد لأحبني حبّ الصبي ورمني ... رمّ الهديّ إلى الغني الواجد «٢» ولقد شفيت غليلتي فنقعتها ... من آل مسعود بماء بارد وقال بكير بن الأخنس: نزلت على آل المهلب شاتيا ... فقيرا بعيد الدار في سنة محل فما زال بي إلطافهم وافتقادهم ... وإكرامهم حتى حسبتهم أهلي وقال في كلمة له أخرى: وقد كنت شيخا ذا تجارب جمة ... فأصبحت فيهم كالصبي المدلّل ورأى المهلب وهو غلام فقال: خذوني به إن لم يسد سرواتهم ... ويبرع حتى لا يكون له مثل

стр. 710

وقال الحزين، في طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ وأمه عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، من ولد أبي بكر الصديق ﵀: فإن تك يا طلح أعطيتني ... جمالية تستخفّ السفارا «١» فما كان نفعك لي مرة ... ولا مرتين ولكن مرارا وقال أبو الطمحان: سأمدح مالكا في كل ركب ... لقيتهم، واترك كلّ رذل فما أنا والبكارة من مخاض ... عظام جلة سدس وبزل وقد عرفت كلابكم ثيابي ... كأني منكم ونسيت أهلي نمتكم من بني شمخ زناد ... لها ما شئت من فرع وأصل وقال أبو الشّغب: ألا إن خير الناس قد تعلمونه ... أسير ثقيف موثقا في السلاسل لعمري لئن أعمرتم السجن خالدا ... وأوطأتموه وطأة المتثاقل لقد كان نهّاضا بكل ملمة ... ومعطي اللهى غمرا كثير النوافل «٢» فإن تسجنوا القسريّ لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل ومن هذا الباب قول أعشى همدان، في خالد بن عتّاب بن ورقاء: رأيت ثناء الناس بالغيب طيبا ... عليك وقالوا: ماجد وابن ماجد بني الحارث السامين للمجد إنكم ... بنيتم بناء ذكره غير بائد هنيئا لما أعطاكم الله واعلموا ... بأني سأطري خالدا في القصائد فإن يك عتّاب مضى لسبيله ... فما مات من يبقى له مثل خالد

стр. 711

ومن شكل هذا الشعر قول الحسين بن مطير الأسدي: ألماعلى معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا فيا قبر معن كنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للسماح وموضعا ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا بلى قد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدعا فلما مضى معن مضى الجود والندى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا «١» فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا تعزّ أبا العباس عنه ولا يكن ... جزاؤك من معن بأن تتضعضعا فما مات من كنت ابنه لا ولا الذي ... له مثل ما أسدى أبوك وما سعى تمنى أناس شأوه من ضلالهم ... فأضحوا على الأذقان صرعى وظلّعا «٢» وهذا مثل قول مسلم بن الوليد، في يزيد بن مزيد: قبر ببرذعة استسر ضريحه ... خطرا تقاصر دونه الأخطار أبقى الزمان على معد بعده ... حزنا كعمر الدهر ليس يعار نقضت به الآمال أحلاس الغنى ... واسترجعت نزّاعها الأمصار «٣» فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار قيل: إذا رسخ الرجل في العلم رفعت عنه الرؤيا الصالحة. مسلمة، قال: كان عند عمر بن عبد العزيز رجلان، فجعلا يلحنان، فقال الحاجب: قوما فقد «أوذيتما» أمير المؤمنين! قال عمر: أنت آذى لي منهما. المدائني قال: قعد قدّام زياد رجل ضائعي- من قرية باليمن يقال لها «ضياع» - وزياد يبني داره، فقال له: أيها الأمير، لو كنت عملت باب

стр. 712

مشرقها قبل مغربها، وباب مغربها من قبل مشرقها! فقال: أنى لك هذه الفصاحة؟ قال: إنها ليست من كتاب ولا حساب، ولكنها من «ذكاوة» العقل. فقال: ويلك، الثاني شر! شعبة، عن الحكم، قال: قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لا أماري أخي، فأما أن أكذبه وأما أن أغضبه ابن أبي الزناد قال: إذا اجتمعت حرمتان تركت الصغرى للكبرى. وعن أبي بكر الهذلي- واسمه سلميّ- قال: إذا جمع الطعام أربعة فقد كمل: إذا كان حلالا، وكثرت عليه الأيدي، وسمّي الله على أوله، وحمد على آخره. وقال ابن قميئة: وأهون كفّ لا تضيرك ضيرة ... يد بين أيد في إناء طعام يد من قريب أو غريب بقفرة ... أتتك بها غبراء ذات قتام «١» وقال حمّاد عجرد: حبيش أبو الصلت ذو خبرة ... بما يصلح المعدة الفاسدة تخوّف تخمة أصحابه ... فعودهم أكلة واحدة وقال سويد المراثد: إني إذا ما الأمر بيّن شكّه ... وبدت بصائره لمن يتأمل وتبرأ الضعفاء من أخوانهم ... وألحّ من حرّ الصميم الكلكل ادع التي هي أرفق الخلات بي ... عند الحفيظة للتي هي أجمل

стр. 713

ومما يكتب في العصا قوله: قالت إمامة يوم برقة واسط ... يا بن الغدير لقد جعلت تغيّر أصبحت، بعد شبابك الماضي الذي ... ذهبت بشاشته وغصنك أخضر شيخا دعامتك العصا ومشيعا ... لا تبتغي خيرا ولا تستخبر ويضم البيت الأخير إلى قوله: وهلك الفتى ألا يراح إلى الندى ... وألا يرى شيئا عجيبا فيعجبا ومن يتتبع مني الظلع «١» يلقني ... إذا ما رآني أصلع الرأس أشيبا وقال بعض الحكماء: «أعجب من العجب ترك التعجب من العجب» . وقيل لشيخ هم: أي شيء تشتهي؟ قال: أسمع بالأعاجيب. وأنشد: عريض البطان جديب الخوان ... قريب المراث من المرتع «٢» فنصف النهار لكرياسه «٣» ... ونصف لمأكله أجمع وفي العصا قوله: لعمري لئن حلّئت عن منهل الصبا ... لقد كنت ورادا لمشربه العذب «٤» ليالي أغدو بين بردين لاهيا ... أميس كغصن البانة الناعم الرطب سلام على سير القلاص «٥» مع الركب ... ووصل الغواني والمدامة والشرب سلام امرىء لم تبق منه بقية ... سوى نظر العينين أو شهوة القلب

стр. 714

وقال حاجب بن ذبيان لأخيه زرارة: عجلت مجيء الموت حتى هجرتني ... وفي القبر هجر يا زرار طويل وقال الآخر: ألم تعلمي عمرتك الله أنني ... كريم على حين الكرام قليل وأني لا أخزى إذا قيل مملق «١» ... جواد، وأخزى أن يقال بخيل وألا يكن عظمي طويلا فأنني ... له بالخصال الصالحات وصول إذا كنت في القوم الطوال فضلتهم ... بعارفة «٢» حتى يقال طويل ولا خير في حسن الجسوم وطولها ... إذا لم يزن حسن الجسوم عقول وكائن رأينا من فروع طويلة ... تموت إذا لم تحيهن أصول ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو، وأما وجهه فجميل وقال زيادة بن زيد: إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده ... أطال فأملى أم تناهى فأقصرا «٣» ويخبرني عن غائب المرء فعله ... كفى الفعل عما غيّب المرء مخبرا وقال آخر: أبرّ فما يزداد إلا حماقة ... ونوكا وإن كانت كثيرا مخارجه وقال ابن الرقّاع: وقصيدة قد بتّ اجمع بينها ... حتى أقوّم ميلها وسنادها نظر المثقّف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها «٤» وعلمت حتى لست أسأل واحدا ... عن حرف واحدة لكي أزدادها

стр. 715

وقال بعض الأعراب: لولا مسّرة أقوام تصعدني ... أو الشماتة من قوم ذوي إحن ما سرني أن إبلي في مباركها ... وإنّ أمرا قضاه الله لم يكن وقال الآخر: وإني لأهوى ثم لا أتبع الهوى ... وأكرم خلاني وفيّ صدود وفي النفس عن بعض التعرض غلظة ... وفي العين عن بعض البكاء جمود وقال كثير: ترى القوم يخفون التبسم عنده ... وينذرهم عور الكلام نذيرها فلا هاجرات القول يؤثرن عنده ... ولا كلمات النصح مقصى مشيرها وقال المقشعرّ: يقرّ بعيني أن أرى قصد الفنا ... وصرعى رجال في وغى أنا حاضره وقال الكميت: أحسن منها ذياد خامسة ... في الورد، أو فيلق تجالدها وقال صالح بن مخراق في كلام له: لولا أن الله قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ، لأنبأتكم أني لا أكرهه. وقال الآخر: تركت الركاب لأربابها ... وأكرهت نفسي على ابن الصعق جعلت يديّ وشاحا له ... وبعض الفوارس لا يعتنق قال: وقال عمر بن عبد العزيز يوما في مجلسه: من أم النعمان بن

стр. 716

المنذر؟ فقال روح بن الوليد بن عبد الملك: سلمى بنت عقاب. قال: إنه ليقال ذلك، يا حاجب أحسن إذنه. وقالوا: عشر خصال في عشرة أصناف من الناس أقبح منها في غيرهم: الضيق في الملوك، والغدر في الأشراف، والكذب في القضاة، والخديعة في العلماء، والغضب في الأبرار، والحرص في الأغنياء، والسفه عند الشيوخ، والمرض في الأطباء، والزهو في الفقراء، والفخر في القراء. وأنشد: ولا تقبلوا عقلا وأموا بغارة ... بني عبد شمس بين دومة والهضب وهزوا صدور المشرفيّ كأنما ... يقعن بهام القوم في حنظل رطب ويضم إلى بيت الكميت وبيت المقشعر قول الحكمي: أحسن عندي من انكبابك بالفه ... هر ملحا به على وتد وقوف ريحانة على أذن ... وسير كأس إلى فم بيد وفي باب غير هذا يقول حسان بن ثابت: ما أبالي أنبّ بالحزن تيس ... أم لحاني بظهر غيب لئيم وأنشد: خبّرت أن طويلبا يغتابنا ... بعضيهة يتنحّل الأقوالا ما ضرّ سادة نهشل أهجاهم ... أم قام في عرض الخويّ فبالا وقال الفرزدق في هذا المعنى: ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران وقال الآخر في هذا المعنى: ما يضير البحر أمسى زاخرا ... أن رمى فيه غلام بحجر

стр. 717

ومما يزاد في ذكر باب العصا قول جرير بن الخطفي: ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأمرون وهم شهود وقد سلبت عصاك بنو تميم ... فما تدري بأيّ عصا تذود وقال الحسن بن عرفطة بن نضلة «١» : ليهنيك بغض في الصديق وظنّة ... وتحديثك الشيء الذي أنت كاذبه وأنك مهداء الخنا نطف النثا ... شديد السّباب رافع الصوت غالبه وإنك مشنوء إلى كلّ صاحب ... بلاك، ومثل الشر يكره جانبه ولم أر مثل الجهل أدنى إلى الردى ... ولا مثل بغض الناس غمّض صاحبه وقال قتادة بن خرجة الثعلبي، من بني عجب: خليلي يوم السّلسلين لو أنني ... بهبر اللّوى أنكرت ما قلتما ليا «٢» ولكنني لم أنس ما قال صاحبي ... نصيبك من ذل إذا كنت نائيا وقال خالد بن نضلة «٣» : إذا كنت في قوم عدى لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيّب وقال أحمد بن يوسف، وكان يتعشّق يحيى بن سعيد بن حمّاد: إن يحيى بن سعيد ... يشتهي أن أشتهيه فهو يلقاني بتوري ... م وأحيانا بتيه

стр. 718

وقال أبو سعد دعيّ بني مخزوم، في مهاجاة دعبل: ولولا نزار لضاق الفضاء ... ولم يبق حرز ولا معقل وأخرجت الأرض أثقالها ... وأدخل في إست أمه دعبل وقال: حدق الآجال آجال ... والهوى للمرء قتّال والهوى صعب مراكبه ... وركوب الصعب أهوال ليس من شكلي فأشتمه ... دعبل، والناس أشكال همتي في التاج ألبسه ... وله في الشعر آمال وقال: هذا اللبابي يحوي ... جوائز الخلفاء ففي حر أم مديحي ... وفي حر أم هجائي وفي حر أمي وإن كن ... ت سيد الشعراء وقال محمد بن يسير: في حر أم الناس كلهم ... وأنا في ذا من أولهم لست تدري حين تخبرهم ... أين أدناهم من أفضلهم وقال: إذا ما جاوز الندماء خمسا ... برب البيت والساقي اللبيب فأير في حر أمّ فتى دعانا ... وأير في حر أمّ فتى مجيب وقال سلم الخاسر «١» : بهارون قرّ الملك في مستقرّه ... وأبهجت الدنيا وأشرق نورها وليس لأيام المكارم غاية ... تتمّ بها إلا وأنت أميرها

стр. 719

وقال بشار بن برد: من فتاة صبّ الجمال عليها ... في حديث كلذة النشوان ثم فارقت ذاك غير ذميم ... كلّ عيش الدنيا وإن طال فان وقال مزاحم العقيليّ: يزين سنا الماويّ كلّ عشية ... على غفلات الزين والمتجمّل وجوه لو أن المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلي وقال المسعودي: إن الكرام مناهبو ... ك المجد كلهم فناهب أخلف وأتلف كلّ شي ... ء زعزعته الريح ذاهب وقال شيخ من الأطباء: الحمد لله، فلان يزاحمنا في الطب ولم يختلف إلى البيمار ستانات تمام خمسين سنة. وحدثني محمد بن عبد الملك- صديق لي- قال: سمعت رجلا من فرسان طبرستان يقول: فلان يدعي الفروسية، ولو كلف أن يخلي فروج فرسه «١» منحدرا لما قدر عليه. وقال بعض العبيد: أيبعثني في الشاء وابن مويلك ... على هجمة قد لوحتها الطبائخ «٢» متى كان حمران الشّبابيّ راعيا ... وقد راعه بالدوّ أسود سالخ

стр. 720

وقال كثيّر في عمر بن عبد العزيز ﵀: تكلمت بالحق المبين وإنما ... تبيّن آيات الهدى بالتكلم ألا إنما يكفي القنا بعد زيغه ... من الأود الباقي ثقاف المقوّم «١» الأصمعي قال: قال يونس بن عبد الأعلى «٢» : لا يزال الناس بخير ما داموا إذا تخلّج في صدر الرجل شيء وجد من يفرج عنه. وقال البعيث، في ابراهيم بن عربي: ترى منبر العبد اللئيم كأنما ... ثلاثة غربان عليه وقوع وقال الأعشى: ربّ رفد هرقته ذلك اليو ... م وأسرى من معشر أقيال وقالوا: «لا وكس ولا شطط» . وقال الشاعر «٣» : ومد جج كره الكماة نزاله ... لا ممعن هربا ولا مستسلم وقال زهير: دون السماء وفوق الأرض قدرهما ... عند الذنابي فلا فوت ولا درك وقالوا: «خير الأمور أوساطها، وشر السير الحقحقة» . قال: والمثل السائر، والصواب المستعمل: «لا تكن حلوا فتزدرد، ولا مرا فتلفظ» .

стр. 721

وقال عمر بن الخطاب ﵀: إن هذا الأمر لا يصلحه إلا لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف» . وكان الحجّاج يجاوز العنف إلى الخرق، وكان كما وصف نفسه، فإنه قال: «أنا حديد حقود، وذو قسوة حسود» . وذكره آخر فقال: كان شرا من صبي. وقال أكثم بن صيفي «١» : تناءوا في الديار، وتواصلوا في المزار. وكان ناشيء المشهور يقول: اللهم باعد بين نسائنا، وقارب بين رعائنا واجعل الأموال في سمحائنا. وقال آخر: شتى مراجلهم فوضى نساؤهم ... وكلهم لأبيه ضيزن سلف وقال الآخر: ترك الوطن أحد السباءين «٢» . وقالوا: من أجدب انتجع. وقال آخر: من أمل أمرا هابه، ومن قصر عن شيء عابه. وقال الآخر: رجعنا سالمين كما بدأنا ... وما خابت غنيمة سالمينا وقال أمرؤ القيس بن حجر: لقد نقّبت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب

стр. 722

وقيل لأبن عباس: أيما أحب إليك، رجل يكثر من الحسنات ويكثر من السيئات، أو رجل يقل من الحسنات والسيئات؟ قال: ما أعدل بالسلامة شيئا! وقالت أعرابية: فلا تحمدوني في الزيارة إنني ... أزوركم إلا أجد متعلّلا يعقوب بن داود قال: ذم رجل الأشتر فقال له رجل من النّخع: اسكت فإن حياته هزمت أهل الشام، وموته هزم أهل العراق. أبو الحسن قال: أرسلت الخيل أيام بشر بن مروان، فسبق فرس عبد الملك بن بشر، فقال له اسماعيل بن الأشعث: والله لأرسلن غدا مع فرسك فرسا لا يعرف أن أباك أمير العراق! فجاء فرس اسماعيل سابقا، فقال: ألم أعلمك؟! وقال أبو العتاهية: أيا من لي بأنسك يا أخيّا ... ومن لي أن أبثّك ما لديّا كفى حزنا بدفنك ثم أني ... نفضت تراب قبرك عن يديا طوتك خطوب دهرك بعد نشر ... كذاك خطوبه نشر وطيا فلو نشرت قواك لي المنايا ... شكوت إليك ما صنعت إليا بكيتك يا أخيّ بدرّ عيني ... فلم يغن البكاء عليك شيا وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا وقال الآخر: أبعد الذي بالعنف نعف كويكب ... رهينة رمس بين ترب وجندل أذكّر بالبقيا على من أصابني ... وبقياي أني جاهد غير مؤتل يقول: هذه بقياي.

стр. 723

قال: قيل لشريك بن عبد الله: كان معاوية حليما. قال: لو كان حليما ما سفه الحق، ولا قاتل عليا. ولو كان حليما ما حمل أبناء العبيد على حرمه، ولما أنكح إلا الأكفاء. وأصوب من هذا قول الآخر، قال: كان معاوية يتعرض ويحلم إذا أسمع. ومن تعرض للسفيه فهو سفيه. وقال الآخر: كان يحب أن يظهر حلمه وقد كان طار اسمه بذلك، فكان يحب أن يزداد في ذلك. وقال الفرزدق: وكان يجير الناس من سيف مالك ... فأصبح يبغي نفسه من يجيرها وكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التراب تثيرها وقال التّوت اليمانيّ: على أي باب أطلب الأذن بعدما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه وهذا مثل قوله: والسبب المانع حظّ العاقل ... هو الذي سبّب رزق الجاهل ومثله: وربّت حزم كان للسقم علّة ... وعلة برء الداء حظ المغفّل وقال آخر: يخيب الفتى من حيث يرزق غيره ... ويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه وقال عثمان بن الحويرث، لعمرو بن العاصي: له أبوان فهو يدعى إليهما ... وشر العباد من له أبوان

стр. 724

وقد حكّما فيه لتصدق امه ... وكان لها علم به ببيان فقالت: صراح، وهي تعلم غيره ... ولكنها تهذي بغير لسان وقال الآخر «١» : يطلبن بالقوم حاجات تضمّنها ... بدر بكل لسان يلبس المدحا كأن فيض يديه قبل مسألة ... باب السماء إذا ما بالحيا انفتحا وكّلت بالدهر عينا غير غافلة ... من جود كفك تأسو كلّ ما جرحا ومثله: إذا افتقر المنهال لم ير فقره ... وإن أيسر المنهال أيسر صاحبه وقال علي بن أبي طالب ﵁: من أفضل العبادة الصمت، وانتظار الفرج. وقال يزيد بن المهلّب، وكان في سجن الحجاج: لهفي على طليّة بمائة ألف، وفرج في جبهة اسد. وأنشد: ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحلّ العقال وأنشد: كرهت وكان الخير فيما كرهته ... وأحببت أمرا كان فيه شبا القتل «٢» مثل قول الله ﵎: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ. وكان يقال: خذ مقتصد العراق، ومجتهد الحجاز.

стр. 725

وقال الآخر: لكل كريم من الائم قومه ... على كل حال حاسدون وكشّح وقال جرير: إني لآمل منك خيرا عاجلا ... والنفس مولعة بحب العاجل وقال الله ﵎: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ. وقال ابن هرمة: أشمّ من الذين بهم قريش ... تداوي بينها غبن القبيل كأنّ تلألؤ المعروف فيه ... شعاع الشمس في السيف الصقيل وقال امرؤ القيس: أجارتنا إن المزار قريب ... وإني مقيم ما أقام عسيب أجارتنا إنا غريبان ها هنا ... وكل غريب للغريب نسيب وقال بشار: وإذا اغتربت فلا تكن جشعا ... تسمو لغثّ الكسب تكسبه وقال حسان بن ثابت: أهدى لهم مدحي قلب يؤازره ... فيما أحبّ لسان حائك صنع وقال الأصمعي: أنشدنا أبو مهدية: ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا وقال الخزرجي، يرد على أبي قيس بن الأسلت، واسمه صيفيّ: أتفخر صيفيّ فيما تقو ... ل أن نلتم غيلة أربعة

стр. 726

عرانين كلهم ماجد ... كثير الدسائع والمنفعة «١» فهلا حضرت غداة البقي ... ع لما استمات أبو صعصعه «٢» ولكن كرهت شهود الوغى ... وكنتم كذلك في المعمعه سراعا إلى القتل في خفية ... بطاء عن القتل في المجمعه وأنشد الأصمعي: آتي النّديّ فلا يقرّب مجلسي ... وأقود للشرف الرفيع حماريا وقال حبيب بن أوس: كالخوط في القد والغزالة في البه ... جة وابن الغزال في غيده «٣» وما حكاه، ولا نعيم له ... في جيده بل حكاه في جيده إلى المفدّى أبي يزيد الذي ... يضلّ غمر الملوك في ثمده «٤» ظل عفاة يحب زائره ... حب الكبير الصغير من ولده «٥» إذا أناخوا ببابه أخذوا ... حكمهم من لسانه ويده وقال أيضا: لعمرك ما كانوا ثلاثة أخوة ... ولكنهم كانوا ثلاث قبائل من خطباء الخوارج [وعلمائهم] قطريّ بن الفجاءة أحد بني كابية بن حرقوص، وكنيته أبو نعامة في الحرب، وفي السلم أبو محمد. وهو أحد رؤساء الأزارقة. وكان خطيبا فارسا، خرج زمن مصعب بن لزبير، وبقي عشرين سنة. وكان يدين

стр. 727

بالإستعراض والسباء، وقتل الأطفال. وكان آخر من بعث إليه سفيان بن الأبرد الكلبي وقتله سورة بن أبجر الدارمي، من بني أبان بن دارم. ومن خطباء الخوارج وشعرائهم وعلمائهم: حبيب بن خدرة، عداده في بني شيبان، وهو مولى لبني هلال بن عامر ومن علمائهم وخطبائهم وأئمتهم: الضحاك بن قيس، أحد بني عمرو بن محلّم بن ذهل بن شيبان، ويكنى أبا سعيد. ملك العراق، وصلى خلفه عبد الله بن عمرو بن عبد العزيز، وعبد الواحد بن سليمان. وقال شاعرهم: ألم تر أن الله أظهر دينه ... وصلّت قريش خلف بكر بن وائل ومن علمائهم وخطبائهم: نصر بن ملحان، وكان الضحاك ولاه الصلاة بالناس، والقضاء بينهم. ومن علمائهم وخطبائهم: مليل، وأصفر بن عبد الرحمن، وأبو عبيدة كورين واسمه مسلم، وهو مولى لعروة بن أذينة. ومن علمائهم وخطبائهم وشعرائهم وقعدهم وأهل الفقه: عمران بن حطّان ويكنى أبا شهاب، أحد بني عمرو بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة. ومن الخوارج من بني ضبة ثم أحد بني صبّاح: القاسم بن عبد الرحمن ابن صديقة. وكان ناسبا عالما داهيا، وكان يشوب ذلك ببعض الظرف. ومن علمائهم ونسابهم وأهل الّلسن منهم: الجون بن كلاب، وهو من أصحاب الضحاك. ومن رجالهم وأهل النجدة والبيان منهم: خراشة، وكان ركّاضا، ولم يكن اعتقد. أخبرني أبو عبيدة قال: كان مسمار مستخفيا بالبصرة، فتخلصت إليه

стр. 728

فأخبرني أنه الذي طعن مالك بن علي في فيه، وذلك أنه فتح فاه يقول: أنا أبو علي! فشحا بها فاه «١» ، فطعنته في جوف فمه. ومن شعرائهم عتبان بن وصيلة الشيباني، وهو الذي يقول: ولا صلح ما دامت منابر أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيب [رأي في الخلفاء الراشدين] وعن عيسى بن طلحة قال: قلت لأبن عباس: أخبرني عن أبي بكر. قال: كان خيرا كله، على الحدة وشدة الغضب. قال: قلت: أخبرني عن عمر. قال: كان كالطائر الحذر قد علم أنه قد نصب له في كل وجه حبالة، وكان يعمل لكل يوم بما فيه، على عنف السباق. قال: قلت: أخبرني عن عثمان. قال: كان والله صوّاما قوّاما، لم يخدعه نومه عن يقظته. قال: قلت: فصاحبكم؟ قال: كان والله مملوءا حلما وعلما، غرته سابقته وقرابته، وكان يرى أنه لا يطلب شيئا إلا قدر عليه. قلت: أكنتم ترونه محدودا. قال: أنتم تقولون ذاك. من الأدب الحكمي: قال معاوية: ما رأيت سرفا قطّ إلا والى جنبه حقّ مضيّع. وقال عثمان بن أبي العاص: الناكح مغترس، فلينظر امرؤ أين يضع غرسه.

стр. 729

وقالت هند بنت عتبة: المرأة غلّ، ولا بد للعنق منه، فانظر من تضعه في عنقك. وقال ابن المقفع: الدّين رقّ فانظر عند من تضع نفسك. وقال عمرو بن مسعدة، أو ثابت أبو عباد: لا تستصحب من يكون استمتاعه بمالك وجاهك أكثر من امتاعه لك بشكر لسانه، وفوائد علمه. ومن كانت غايته الإحتيال على مالك، وإطراءك في وجهك فإن هذا لا يكون إلا رديّ الغيب، سريعا إلى الذم. [أدعية الصالحين والأعراب والملهوفين والنساك] قد قلنا في صدر هذا الجزء الثالث في ذكر العصا ووجوه تصرّفها. وذكرنا من مقطّعات كلام النساك، ومن قصار مواعظ الزهّاد، وغير ذلك مما يجوز في نوادر المعاني وقصار الخطب. ونحن ذاكرون، على اسم الله وعونه، صدرا من دعاء الصالحين والسلف المتقدمين، ومن دعاء الأعراب، فقد أجمعوا على استحسان ذلك واستجادته، وبعض دعاء الملهوفين، والنساك المتبتلين. وقال الله لنبيه ﷺ : قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ . وقال ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ . وقال: يَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً . وقال: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ. قالوا: كان عمرو بن معاوية العقيلي يقول: اللهم قني عثرات الكرام والكلام. وقال أعرابيّ لرجل سأله: جعل الله الخير عليك دليلا، ولا جعل حظّ السائل منك عذرة صادقة. وقال بعض كرام الأعراب ممن يقرض الشعر ويؤثر الشكر:

стр. 730

لعل مفيدات الزمان يفدنني ... بني صامت في غير شيء يضيره قال شيخ أعرابي: اللهم لا تنزلني ماء سوء، فأكون امرأ سوء. قال: وسمعت عمر بن هبيرة يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من صديق يطري، وجليس يغري، وعدو يسري. قال: وكتب ابن سيابة إلى صديق له، أما مستقرضا وأما مستفرضا، فذكر صديقه خلة شديدة، وكثرة عيال، وتعذر الأمور عليه، فكتب إليه ابن سيابة: «إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت مليما فجعلك الله معذورا» . وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: أعوذ بك من الفواقر والبواقر «١» ومن جار السّوء في دار المقامة والظعن، وما ينكّس برأس المرء ويغري به لئام الناس. قال الأصمعي: قيل لخالد بن نضلة: قال عبد يغوث بن وقاص ما أذم، ما فيها إلا عطنى «٢» ، ليس خالد بن نضلة. يعني مضر. قال خالد: اللهم إن كان كاذبا فاقتله على يد الأم حي في مضر! فقتلته تيم الرّباب. قالوا: وقف سائل من الأعراب على الحسن فقال: رحم الله عبدا أعطى من سعة، وآسى من كفاف، وآثر من قلة. وقال: في الأثر المعروف: «حصنوا أموالكم بالزكاة، وادفعوا أمواج البلاء بالدعاء» . ومن دعائهم: أعوذ بك من بطر الغنى، وذلة الفقر. قال: ومن دعاء السلف: اللهم أحملنا من الرّجلة، واغننا من العيلة «٣»

стр. 731

وسأل أعرابي فقيل له: بورك فيك! فتوالى ذلك عليه من غير مكان، فقال: وكلكم الله إلى دعوة لا تحضرها نية. وقال أعرابي: أعوذ بك من سقم وعدواه، وذي رحم ودعواه، ومن فاجر وجدواه، ومن عمل لا ترضاه. وسأل أعرابي فقال له صبي من جوف الدار: بورك فيك! فقال: قبّح الله هذا الفم، لقد تعود الشر صغيرا! وهذا السائل هو الذي يقول: ربّ عجوز عرمس زبون ... سريعة الردّ على المسكين «١» تحسب أن «بوركا» يكفيني ... إذا غدوت باسطا يميني وقال آخر: اللهم أعني على الموت وكربته، وعلى القبر وغمّته، وعلى الميزان وخفته، وعلى الصراط وزلته، وعلى يوم القيامة وروعته. وقالت عجوز وبلغها موت الحجّاج: اللهم إنك امته فأمت سنته. قال: وكان محمد بن علي بن الحسين بن علي يقول: اللهم أعني على الدنيا بالغنى، وعلى الآخرة بالتقوى. وقال عمرو بن عبيد: اللهم أغنني بالإفتقار إليك، ولا تفقرني بالإستغناء عنك. وقال عمرو: اللهم أعني على الدنيا بالقناعة، وعلى الدين بالعصمة. قال: ومرض عوف بن أبي جميلة، فعاده قوم فجعلوا يثنون عليه، فقال: دعونا من الثناء، وأمدونا بالدعاء.

стр. 732

قال: وسمعت عمر بن هبيرة يقول: اللهم إني أعوذ بك من طول الغفلة وإفراط الفطنة. اللهم لا تجعل قولي فوق عملي، ولا تجعل أسوأ عملي ما قارب أجلي. وقال أبو مرجح: اللهم اجعل خير عملي ما ولي أجلي. قال: ودعت أعرابية لرجل فقالت: كبت «١» الله كل عدو لك، إلا نفسك. وقال يزيد بن جبل: أحرس أخاك إلا من نفسه. قال: ودعا أعرابي فقال: اللهم هب لي حقك، وارض عني خلقك. قال: وكان قوم نساك في سفينة في البحر، فهاجت الريح بأمر هائل، فقال رجل منهم: اللهم قد أريتنا قدرتك فأرنا عفوك ورحمتك. قال: وسمع مطرف بن عبد الله رجلا يقول: استغفر الله وأتوب إليه! فأخذ بذراعه وقال: لعلك لا تفعل! من وعد فقد أوجب. وقال رجل لأبن قثم: كيف أصبحت؟ قال: إن كان من رأيك أن تسد خلّتي، وتقضي ديني، وتكسو عربي خبرتك، وإلا فليس المجيب بأعجب من السائل. وقال آخر: اللهم امتعنا بخيارنا، واعنا على شرارنا، واجعل الأموال في سمحائنا. وقال أعرابي: اللهم إنك قد أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا أنفسنا فاعف عنا. وقال أعرابي ورأى إبل رجل قد كثرت بعد قلة، فقيل له: إنه قد زوج أمه فجاءته بنافجة «٢» ، فقال: اللهم إنا نعوذ بك من بعض الرزق.

стр. 733

أبو مجيب الربعي قال: قال أعرابي: جنبك الله الأمرّين، وكفاك شر الأجوفين. الأجوفان: البطن والفرج. والأمران: الجوع والعري. وجاء في الحديث: «من وقي شر قبقبه وذبذبه ولقلقه فقد وقي الشر كله» «١» . وقال أعرابي: منحكم الله منحة ليست بجدّاء ولا نكداء «٢» ، ولا ذات داء. قال: قيل لأبراهيم المحلّمي: أي رجل أنت لولا حدة فيك! قال: استغفر الله مما أملك، واستصلحه ما لا أملك. وقال أعرابي ومات ابن له: اللهم إني قد وهبت له ما قصر فيه من برّي، فهب له ما قصر فيه من طاعتك. الفضل بن تميم قال: قال أبو حازم: لأنا من أن أمنع الدعاء أخوف مني من أن أمنع الإجابة. قال: ولما صاف قتيبة بن مسلم الترك وهاله أمرهم سأل عن محمد بن واسع، وقال: أنظروا ما يصنع؟ فقالوا: ما هو ذاك في أقصى الميمنة جانحا على سية قوسه، ينضنض «٣» باصبعه نحو السماء. قال قتيبة: تلك الأصبع الفاردة أحب إلي من مائة ألف سيف شهير، وسنان طرير «٤» . وقال سعيد بن المسيب، ومر به صلة بن أشيم: يا أبا الصهباء، أدع الله لي بدعوات. قال: زهدك الله في الفاني، ورغّبك في الباقي، ووهب لك يقينا تسكن إليه.

стр. 734

أبو الدرداء قال: إن أبغض الناس إليّ أن أظلمه من لم يستعن علي إلا بالله. وقال خالد بن صفوان: احذروا مجانيق الضعفاء! يعني الدعاء. وقال لا يستجاب إلا لمخلص أو مظلوم. قال: وكان علي بن أبي طالب ﵁ يقول: اللهم إن ذنوبي لا تضرك، وإن رحمتك إياي لا تنقصك، فاغفر لي ما لا يضرك، واعطني ما لا ينقصك. وقال أعرابي: اللهم إنك حبست عنا قطر السماء، فذاب الشحم، وذهب اللحم، ورق العظم، فارحم أنين الآنة، وحنين الحانة. اللهم أرحم تحيرها في مراتعها، وأنينها في مرابضها. قال: وحجت أعرابية فلما صارت بالموقف قالت: أسألك الصحبة، يا كريم الصحبة، وأسألك سترك الذي لا تزيله الرياح، ولا تخرقه الرماح. وقيل لعلي بن أبي طالب ﵁: كم بين الأرض والسماء؟ قال: دعوة مستجابة. قالوا: كم بين المشرق إلى المغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس، ومن قال غير هذا فقد كذب. قال: وحج أعرابي فقال: اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان نائيا فقربه، وإن كان قريبا فيسّره. أبو عثمان البقطريّ، عن عبد الله بن مسلم الفهري قال: لما ولي مسروق «١» السلسلة إنبرى له شاب فقال له: وقال الله خشية الفقر وطول الأمل، حتى لا تكون دريّة للسفهاء، ولا شينا على الفقهاء. وقال أعرابي في دعائه: اللهم لا تخيّبني وأنا أرجوك، ولا تعذبني وأنا أدعوك. اللهم فقد دعوتك كما أمرتني، فأجبني كما وعدتني.

стр. 735

وقال عبد الله بن المبارك: قالت عائشة: يا بني لا تطلبوا ما عند الله من عند غير الله مما يسخط الله. قال: وقال رجل من النساك: إن ابتليت أن تدخل مع ناس على السلطان فإذا أخذوا في الثناء فعليك بالدعاء. وكان الفضل بن الربيع يقول: مسألة الملوك عن حالهم من تحية النوكى وتقرّب الحمقى، عليكم بأوجز الدعاء. وقال الكذاب الحرمازي «١» : لا همّ إن كانت بنو عميره ... رهط التلبّ دعوة مستوره قد أجمعوا لحلفة مصبوره ... وأجمعوا كأنهم قاروره «٢» في غنم وابل كثيره ... فابعث عليهم سنة قاشوره «٣» تحتلق المال احتلاق النّوره «٤» وقال أعرابي: لا همّ أنت الرب تستغاث ... لك الحياة ولك الميراث وقد دعاك الناس فاستغاثوا ... غياثهم وعندك الغياث ولم يكن سيبك يستراث «٥» ... لم يبق إلا عكرش انكاث «٦» وشيجة أصولها مثّاث ... وطاحت الألبان والأرماث «٧»

стр. 736

وكان سعد بن أبي وقاص يسمى: «المستجاب الدعوة» . وقال لعمر حين شاطره ماله: لقد هممت. فقال له عمر: لتدعو الله علي؟ قال: نعم. قال: إذن لا تجدني بدعاء ربي شقيا. وقال رسول الله ﷺ : «كم من ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لابره «١» » . منهم البراء بن مالك. واجتمع الناس إليه وقد دهمهم العدو، فأقسم على الله، فمنحهم الله أكتافهم. الأصمعي وأبو الحسن قالا: أخبرنا ابراهيم بن حبيب بن الشهيد، عن أبيه، أو عن غيره، قال: بلغ سعدا شيء فعله المهلّب في العدو، والمهلب يومئذ فتى، فقال سعد: «اللهم لا تره ذلا» . فيرون أن الذي ناله المهلب بتلك الدعوة. وقال الآخر: الموت خير من ركوب العار ... والعار خير من دخول النار والله من هذا وهذا جاري قالها الحسن بن علي ﵄. وقال الآخر، وكان قد وقع في الناس وباء جارف، وموت ذريع، فهرب على حماره، فلما كان في بعض الطريق ضرب وجه حماره إلى حيّه وقال: لن يسبق الله على حمار ... ولا على ذي ميعة مطار أو يأتي الحتف على مقدار ... قد يصبح الله أمام الساري

стр. 737

قال: سمع مجاشع الرّبعيّ رجلا يقول: الشحيح اعذر من الظالم! فقال إن شيئين خيرهما الشح لناهيك بهما شرا. قال المغيرة بن عيينة: سمع عمر بن الخطاب ﵀ رجلا يقول في دعائه: اللهم اجعلني من الأقلين! قال عمر: ما هذا الدعاء؟ قال: سمعت الله يقول: وَقَلِيلٌ ما هُمْ ، وسمعته يقول: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ. فقال عمر: عليك من الدعاء بما يعرف. وقال ناس من الصحابة لعمر: ما بال الناس كانوا إذا ظلموا في الجاهلية فدعوا استجيب لهم ونحن لا يستجاب لنا وإن كنا مظلومين؟ قال: كانوا ولا مزاجر لهم إلا ذاك، فلما أنزل الله الوعد والوعيد، والحدود، والقود والقصاص، وكلهم إلى ذلك. وقال عمر بن الخطاب: إن في يوم كذا وكذا من شهر كذا لساعة لا يدعو الله فيها أحد إلا استجيب له. فقال له قائل: أرأيت أن دعا فيها منافق؟ قال: فإن المنافق لن يوفق لتلك الساعة. ولما صعد المنبر قابضا على يد العباس يوم الإستسقاء، ولم يزد على الدعاء والإستغفار فقيل له: إنك لم تستسق وإنما كنت تستغفر. قال: «قد استسقيت بمجاديح «١» السماء» . ذهب إلى قوله: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً. وكان عمر حمل الهرمزان مع جماعة في البحر فغرقوا. قال ابن سيرين: لو كان دعا عليهم بالهلاك لهلكوا. قال: وقال محمد بن علي لأبنه: يا بني إذا أنعم الله عليك نعمة فقل:

стр. 738

الحمد لله. وإذا حزبك «١» أمر فقل: لا حول ولا قوة إلا بالله. وإذا أبطأ عنك رزق فقل: استغفر الله. قالوا: كان محمد بن علي لا يسمع المبتلى لإستعادة من البلاء. قال: وقال قوم ليزيد بن أسد: أطال الله بقاءك! قال: دعوني أمت وفيّ بقية تبكون بها علي. ورأى سالم بن عبد الله سائلا يسأل يوم عرفة فقال: يا عاجز، في هذا اليوم تسأل غير الله؟! قال: وكان رجل من الحكماء يقول في دعائه: اللهم احفظني من الصديق. وكان آخر يقول: اللهم اكفني بوائق «٢» الثقاب. وحدثني صديق لي كان قد ولي ضياع الري قال: قرأت على باب شيخ منهم: «جزى الله من لا نعرف ولا يعرفنا أحسن الجزاء، ولا جزى من نعرف ويعرفنا إلا ما هو أهله، إنه عدل لا يجور» . وكان على رشوم «٣» عمر بن مهران التي كان يرشم بها على الطعام: «اللهم احفظه ممن يحفظه» . وقال المغيرة بن شعبة في كلام له: إن المعرفة لتنفع عند الكلب العقور، والجمل الصور، فكيف بالرجل الكريم. أبو الحسن قال: قالت امرأة من الأعراب: «اللهم إني أعوذ بك من شر قريش وثقيف، وما جمعت من اللفيف، وأعوذ بك من عبد ملك أمره، ومن عبد ملأ بطنه» .

стр. 739

قال: مر عمر بن عبد العزيز برجل يسبّح بالحصى فإذا بلغ المائة عزل حصاة، فقال له عمر: ألق الحصى واخلص الدعاء. وكان عبد الملك بن هلال الهنائي عنده زنبيل ملآن حصى، فكان يسبح بواحدة واحدة، فإذا مل شيئا طرح ثنتين ثنتين، ثم ثلاثا ثلاثا، فإذا مل قبض قبضة وقال: سبحان الله بعدد هذا، فإذا مل شيئا قبض قبضتين وقال: سبحان الله بعدد هذا، فإذا ضجر أخذ بعروتي الزنبيل وقلبه، وقال: سبحان الله بعدد هذا كله، وإذا بكر لحاجة لحظ الزنبيل لحظة وقال: سبحان الله عدد ما فيه. قال غيلان: إذا أردت أن تتعلم الدعاء، فاسمع دعاء الأعراب. قال سعيد بن المسيب: مر بي صلة بن أشيم، فما تمالكت أن نهضت إليه فقلت: يا أبا الصهباء، أدع الله لي. فقال: رغبك الله فيما يبقى، وزهدك فيما يفنى، ووهب لك اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه، ولا تعول في الدين إلا عليه. أبو الحسن قال: سمع رجل بمكة رجلا يدعو لأمه، فقال له: ما بال أبيك؟ قال: هو رجل يحتال لنفسه. أبو الحسن عن عروة بن سليمان العبدي قال: كان عندنا رجل من بني تميم يدعو لأبيه ويدع أمه، فقيل له في ذلك، فقال: إنها كلبية! ورفع أعرابي يده بمكة قبل الناس فقال: اللهم اغفر لي قبل أن يدهمك الناس! وقال النبي ﷺ : «إن الله يحب الملحين في الدعاء» . وقال آخر: دعوتان أرجو أحداهما وأخاف الأخرى: دعوة مظلوم اعنته، ودعوة ضعيف ظلمته. قال: كان من دعاء أبي الدرداء: اللهم امتعنا بخيارنا، واعنا على شرارنا، واجعلنا خيارا كلنا، وإذا ذهب الصالحون فلا تبقنا.

стр. 740

وقال آخر لبعض السلاطين: أسألك بالذي أنت بين يديه أذلّ مني بين يديك، وهو على عقابك أقدر منك على عقابي، إلا نظرت في أمري نظر من برئي أحب إليه من سقمي. قالوا: وكان مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير يقول: اللهم إنك أمرتنا بما أمرتنا به ولا نقوى عليه إلا بعونك، ونهيتنا عما نهيتنا ولا ننتهي عنه إلا بعصمتك، واقعة علينا حجتك، غير معذورين فيما بيننا وبينك، ولا مبخوسين فيما عملنا لوجهك. عبد العزيز بن أبان «١» ، عن سفيان، في قوله: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ : كان أحدهم إذا أراد أن يدعو قال: سبحانك اللهم. سفيان عن بن جريج، عن عكرمة «٢» ، قال في قوله تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما قال: كان موسى ﵇ يدعو وهارون يؤمن، فجعلهما الله داعيين. قال: ولما وقع يونس في البحر وقد وكّل به حوت، فلما وقع إبتلعه فأهوى به إلى قرار الأرض، فسمع تسبيح الحصى، فنادى يونس في الظلمات أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ قال: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وقال الله ﵎: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. وفي الحديث المرفوع، إن من دعاء النبي ﷺ : «أعوذ بك من قلب لا يخشع، وبطن لا يشبع، ودعاء لا يسمع» .
следующие страницы →