Полный текст (863 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وقال آخر:
لا بدّ للسودد من أرماح ... ومن سفيه دائم النباح
ومن عديد يتقي بالراح
وقال أبو نخيلة لبعض سادات بني سعد:
وأن القوم سوّدوك لفاقة ... إلى سيد لو يظفرون بسيد
وتمثّل سفيان بن عيينة وقد جلس على مرقب عال، وأصحاب الحديث مدى البصر يكتبون، بقول الآخر:
خلت الديار فسدت غير مسوّد ... ومن الشقاء تفرّدي بالسّودد
وقال الأول في الأحنف:
وإنّ من السادات من لو أطعته ... دعاك إلى نار يفور سعيرها
وقال الآخر:
فأصبحت بعد الحلم في الحي ظالما ... تخمط فيهم والمسوّد يظلم «١»
وقال رجل من بني الحارث بن كعب، يقال له سويد:
إني إذا ما الأمر بيّن شكّه ... وبدت بصائره لمن يتأمل
وتبرأ الضعفاء من إخوانهم ... وألحّ من حرّ الصميم الكلكل «٢»
أدع التي هي أرفق الخلّات بي ... عند الحفيظة للتي هي أجمل
وقال الآخر:
ذهب الذين أحبهم فرطا ... وبقيت كالمغمور في خلف
من كل مطويّ على حنق ... متضجع يكفى ولا يكفي
стр. 772
وقال أبو الطمحان القيني:
فكم فيهم من سيد وابن سيد ... وفيّ بعقد الجارحين يفارقه
يكاد الغمام الغرّ يزعب أن رأى ... وجوه بني لأم وينهل بارقه «١»
وقال طفيل الغنوي:
وكان هريم من سنان خليفة ... وعمرو ومن أسماء لما تغيبوا
نجوم سماء كلما غاب كوكب ... بدا وانجلت عنه الدجنة كوكب
وقال رجل من بني نهشل:
أنا لمن معشر أفنى أوائلهم ... قول الكماة لهم أين المحامونا
لو كان في الألف منا واحد فدعوا ... من عاطف خالهم إياه يعنونا «٢»
وليس يذهب منا سيّد أبدا ... إلا افتلينا غلاما سيّدا فينا «٣»
وقال بعض الحجازيين:
إذا طمع يوما عراني قريته ... كتائب بأس كرّها وطرادها «٤»
أكدّ ثمادى والمياه كثيرة ... أعالج منها حفرها واكتدادها «٥»
وأرضى بها من بحر آخر أنه ... هو الري إن ترضى النفوس ثمادها
وقال أبو محجن الثقفي:
ألم تسل الفوارس من سليم ... بنضلة وهو موتور مشيح
رأوه فازدروه وهو خرق ... وينفع أهله الرجل القبيح «٦»
стр. 773
فلم يخشوا مصالته عليهم ... وتحت الرغوة اللبن الصريح «١»
فكرّ عليهم بالسيف صلتا ... كما عضّ الشبا الفرس الجموح «٢»
فأطلق غلّ صاحبه وأردى ... جريحا منهم ونجا جريح
وقال بعض اليهود:
سئمت وأمسيت رهن الفرا ... ش من حمل قوم ومن مغرم
ومن سفه الرأي بعد النهى ... ورمت الرشاد فلم يفهم
فلو أن قومي أطاعوا الحلي ... م ولم يتعد ولم يظلم
ولكن قومي أطاعوا السفي ... هـ حتى تعكّظ أهل الدم «٣»
فأودى السفيه برأي الحلي ... م فانتشر الأمر لم يبرم
وقال بعض الشعراء:
وكنت جليس قعقاع بن شور ... ولا يشقى بقعقاع جليس
ضحوك السن إن نطقوا بخير ... وعند الشر مطراق عبوس
وقال الآخر:
ولست بدمّيجة في الفرا ... ش وجابة يحتمي أن يجيبا
ولا ذي قلازم عند الحياض ... إذا ما الشريب أراب الشريبا
وقال حجل بن نضلة:
جاء شقيق عارضا رمحه ... إن بني عمّك فيهم رماح «٤»
هل أحدث الدهر لنا نكبة ... أم هل رقت أم شقيق سلاح
стр. 774
وقال:
ويل أمّ لذات الشباب معيشة ... مع الكثر يعطاه الفتى المتلف النّد
وقد يقصر القلّ الفتى دون همه ... وقد كان لولا القلّ طلاع أنّجد «١»
وقال الآخر:
قامت تخاصرني بقبتها ... خود تأطّر غادة بكر
كلّ يرى أن الشباب له ... في كل مبلغ لذة عذر
وقال سعد بن ربيعة بن مالك بن سعد بن زيد مناة، وهو من قديم الشعر وصحيحه:
ألا إنما هذا السلال الذي ترى ... وإدبار جسمي من ردى العثرات
وكم من خليل قد تجلدت بعده ... تقطّع نفسي بعده حسرات
وقال الطرمّاح في هذا المعنى:
وشيبني أن لا أزال مناهضا ... بغير ثرا أشرو به وأبوع
أمخترمي ريب المنون ولم أنل ... من المال ما أعصي به وأطيع
وقال الأضبط بن قريع:
لكلّ همّ من الهموم سعه ... والمسي والصبح لا فلاح معه
فصل حبال البعيد إن وصل ال ... حبل واقص القريب إن قطعه
وخذّ من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عينا بعيشه نفعه
لا تحقرنّ الفقير علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
стр. 775
وقال أعرابي، ونحر ناقة في حطمة «١» أصابتهم:
أكلنا الشوى حتى إذا لم نجد شوى ... أشرنا إلى خيراتها بالأصابع
وللسيف أحرى أن تباشر حده ... من الجوع لا تثنى عليه المضاجع
لعمرك ما سليت نفسا شحيحة ... عن المال في الدنيا بمثل المجاوع
وقدم ناقة له أخرى إلى شجرة ليكون المحتطب قريبا من المنحر، فقال:
أدنيتها من رأس عشاء عشّة ... مفصّلة الأفنان صهب فروعها
وقلت لها لما شددت عقالها ... وبالكفّ ممهاة شديد وقوعها
لقد غنيت نفسي عليك شحيحة ... ولكن يسخّي شحّة النفس جوعها
وقال أسقف نجران:
منع البقاء تصرف الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها بيضاء صافية ... وغروبها صفراء كالورس
اليوم نعلم ما يجيء به ... ومضى بفصل قضائه أمس
وقال الآخر:
وهلك الفتى أن لا يراح إلى الندى ... وأن لا يرى شيئا عجيبا فيعجبا «٢»
ومن يتتبّع مني الظلع يلقني ... إذا ما رآني أصلع الرأس أشيبا
وقال سحيم بن وثيل الرياحي «٣» :
تقول حدراء ليس فيك سوى ال ... خمر معيب يعيبه أحد
فقلت أخطأت بل معاقرتي ال ... خمر وبذلي فيها الذي أجد
هو الثناء الذي سمعت به ... لا سبد مخلدي ولا لبد «٤»
стр. 776
ويحك لولا الخمور لم أحفل ال ... عيش ولا أن يضمني لحد
هي الحيا والحياة واللهو لا ... أنت ولا ثروة ولا ولد
وقال عبد راع:
غضبت علي لأن شربت بجزّة ... فلئن أبيت لأشربن بخروف
ولئن نطقت لأشربنّ بنعجة ... حمراء من آل المذال سحوف
وقال:
ناحت رقية من شاة شربت بها ... ولا تنوح على ما يأكل الذيب
وقال أبو حفص القريعي:
قد تغربت للشقاوة حينا ... حين بذلت بالسعادة نوقا
يوم فارقت بلدتي وقراري ... وتبدلت سوء رأي وموقا «١»
ليت عندي بخير معزاي عشر ... طيلسانا من الطراز عتيقا
وبخمس منهن أيضا قميصا ... سابريا أميس فيه رقيقا «٢»
قد هجرت النبيذ مذهنّ عندي ... وتمززت رسلهن مذيقا «٣»
فوجدت المذيق يوجع بطني ... ووجدت النبيذ كان صديقا
يعد النفس بالعشي مناها ... ويسلّ الهموم سلا رفيقا
وكان فتى طيّب من ولد يقطين لا يصحو، وكان في أهله روافض يخاصمون في أبي بكر وعمر، وعثمان وعلي، وطلحة والزبير، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فقال:
стр. 777
ربّ عقار باذرنجية ... اصطدتها من بيت دهقان «١»
جندرت أرواحا وطيبتها ... بعد اتساخ طال في ألحان
سكتا وسلتا لم نخض في أذى ... من قتل عثمان بن عفّان
ولا أبي بكر ولا طلحة ... ولا زبير يوم عثمان
الله يجزيهم بأعمالهم ... ليس علينا علم ذا الشان
وقال المنّحل اليشكري «٢» :
ولقد شربت من المدا ... مة بالقليل وبالكثير
ولقد شربت من المدا ... مة بالصغير وبالكبير
ولقد شربت الخمر بال ... خيل الإناث وبالذكور
فإذا سكرت فإنني ... ربّ الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإنني ... ربّ الشويهة والبعير
يا ربّ يوم للمنخّ ... ل قد لها فيه قصير
وقال بعضهم لزائر له ورآه يومي إلى امرأته، وهو أبو عطاء السندي:
كل هنيئا وما شربت مريئا ... ثم قم صاعرا فغير كريم
لا أحبّ النديم يومض بالعي ... ن إذا ما خلا بعرس النديم
وقال الآخر، وتعرضت له امرأة صاحبه:
ربّ بيضاء كالقضيب تثني ... قد دعتني لوصلها فأبيت
ليس شأني تحرّجا غير أني ... كنت ندمان زوجها فاستحيت
وقال الآخر:
فلا والله لا ألفى وشربا ... أنازعهم شرابا ما حييت
ولا والله ما ألفى بليل ... أراقب عرس جاري ما بقيت
стр. 778
سأترك ما أخاف علي منه ... مقالته وأجمله السكوت
أبى لي ذاك آباء كرام ... وأجداد تمجدهم ربيت
وقال السحيميّ:
ما لي وجه في اللئام ولا يد ... ولكن وجهي في الكرام عريض
أهشّ إذا لاقيتهم وكأنني ... إذا أنا لاقيت اللئام مريض
وقال ابن كناسة:
في انقباض وحشمة فإذا ... لاقيت أهل الوفاء والكرم
خليت نفسي على سجيتها ... وقلت ما قلت غير محتشم
وقال عبد الرحمن بن الحكم:
وكأس نرى بين الإناء وبينها ... قذى العين قد نازعت أمّ أبان
ترى شاربيها حين يعتقبانها ... يميلان أحيانا ويعتدلان
فما ظنّ ذا الواشي بأبيض ماجد ... وبدّاء خود حين يلتقيان «١»
وقال رمّاح بن ميّادة- وكان الأصمعي يقول: ختم الشعر بالرمّاح. وأظن النابغة أحد عمومته-:
ألا ربّ خمار طرقت بسدفة ... من الليل مرتادا لندماني الخمرا
فأنهلته خمرا وأحلف أنها ... طلاء حلال كي يحملني الوزرا «٢»
وقال آخر:
ولقد شربت الخمر حتى خلتني ... لما خرجت أجرّ فضل المئزر
قابوس أو عمرو بن هند قاعدا ... يجبى له ما بين دارة قيصر
في فتية بيض الوجوه خضارم ... عند الندام عشيرهم لم يخسر «٣»
стр. 779
وقال ابن ميّادة:
ومعتّق حرم الوقود كرامة ... كدم الذبيح تمجّه أوداجه «١»
ضمن الكروم له أوائل حمله ... وعلى الدنان تمامه ونتاجه
من الشعر السياسي:
وأنشد اللائح لبعض الروافض:
إذا المرجي سرّك أن تراه ... يموت بدائه من قبل موته
فجدّد عنده ذكرى علي ... وصلّ على النبي وأهل بيته
وقال بعضهم في البرامكة:
إذا ذكر الشّرك في مجلس ... أنارت وجوه بني برمك
وإن تليت عندهم آية ... أتوا بالأحاديث عن مزدك
وقال آخر:
لعن الله آل برمك إني ... صرت من أجلهم أخا أسفار
إن يك ذو القرنين قد مسح الأر ... ض فإني موكل بالعيار «٢»
وقال آخر:
إن الفراغ دعاني ... إلى ابتناء المساجد
وإن رأيي فيها ... كرأي يحيى بن خالد
وقال أبو الهول «٣» في جعفر بن يحيى بن خالد:
أصبحت محتاجا إلى الضرب ... في طلب العرف إلى الكلب
стр. 780
إذا شكا صبّ إليه الهوى ... قال له مالي وللصبّ
أعني فتى يطعن في دينه ... يشبّ معه خشب الصلب
قد وقح السبّ له وجهه ... فصار لا ينحاش للسب
وقال رجل شآمي:
أبعد مروان وبعد مسلمه ... وبعد اسحاق الذي كان لمه
صار على الثغر فريخ الرخمه «١» ... إن لنا بفعل يحيى نقمه
مهلكة مبيرة منتقمه «٢» ... أكلا بني برمك أكل الحطمه «٣»
إن لهذا الأكل يوما تخمه ... أيسر شيء فيه حزّ الغلصمه «٤»
وقال الشاعر:
ما رعى الدهر آل برمك لما ... أن رمى ملكهم بأمر فظيع
إن دهرا لم يرع حقا ليحيى ... غير راع ذمام آل الربيع
وقال سهل بن هارون في يحيى بن خالد:
عدو تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما
مذلل نفس قد أبت غير أن ترى ... مكاره ما تأتي من الحق مغنما
وقال اسحاق بن حسان:
من مبلغ يحيى ودون لقائه ... زبرات كلّ خنابس همهام «٥»
يا راعي السلطان غير مفرط ... في لين مختبط وطيب شمام «٦»
стр. 781
يعذي مسارحه ويصفي شربه ... ويبيت بالربوات والأعلام «١»
حتى تبحبح ضاربا بجرانه ... ورست مراسيه بدار سلام «٢»
في كل ثغر حارس من قلبه ... وشعاع طرف لا يفتّر سام
وهذا شبيه بقول العتّابي في هارون:
أمام له كف يضم بنانها ... عصا الدين ممنوعا من البري عودها
وعين محيط بالبرية طرفها ... سواء عليه قربها وبعيدها
وأصمع يقظان يبيت مناجيا ... له في الحشا مستودعات يكيدها «٣»
سميع إذا ناداه من قعر كربة ... مناد كفته دعوة لا يعيدها
وقال أيضا كلثوم بن عمرو العتّابي:
تلوم على ترك الغنى باهليّه ... زوى الدهر عنها كل طرف وتالد
رأت حولها النسوان يرفلن في الكسا ... مقلدة أجيادها بالقلائد
يسّرك أني نلت ما نال جعفر ... من الملك أو ما نال يحيى بن خالد
وإن أمير المؤمنين أغصني ... مغصبها بالمرهفات البوارد
ذريني تجئني. ميتتي مطمئنة ... ولم أتجشم هول تلك الموارد
فإن كريمات المعالي مشوبة ... بمستودعات في بطون الأساود
وقال الحسن بن هانىء:
عجبت لهارون الإمام وما الذي ... يروّي ويرجو فيك يا خلقة السّلق «٤»
قفا خلف وجه قد أطيل كأنه ... قفا ملك يقضي الحقوق على بثق «٥»
وأعظم زهوا من ذباب على خرا ... وأبخل من كلب عقور على عرق
стр. 782
أرى جعفرا يزداد بخلا ودقة ... إذا زاده الرحمن في سعة الرزق
ولو جاء غير البخل من عند جعفر ... لما وضعوه الناس إلا على الحمق
ولما أنشد ابن أبي حفصة الفضل بن يحيى بن خالد:
ضربت فلا شلّت يد خالدية ... رتقت بها الفتق الذي بين هاشم
قال له الفضل: قل: «فلا شلّت يد برمكية» ، فخالد كثير، وليس برمك إلا واحدا.
وقال سلم في يحيى، ويحيى يومئذ شاب:
وفتى خلا من ماله ... ومن المروءة غير خال
وإذا رأى لك موعدا ... كان الفعال مع المقال
لله درّك من فتى ... ما فيك من كرم الخلال
أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤال
ومن جيد ما قيل فيهم:
للفضل يوم الطالقان، وقبله ... يوم أناخ به على خاقان «١»
ما مثل يوميه اللذين تواليا ... في غزوتين حواهما يومان
عصمت حكومته جماعة هاشم ... من أن يجرّد بينها سيفان
تلك الحكومة لا التي عن لبسها ... عظم الثأي وتفرّق الحكمان «٢»
وقال الحسن بن هانىء، في جعفر بن يحيى:
ذاك الوزير الذي طالت علاوته ... كأنه ناظر في السيف بالطول «٣»
стр. 783
ذكروا أن جعفر بن يحيى كان أول من عرّض الجربّانات «١» لطول عنقه.
وقال معدان الأعمى، وهو أبو السّريّ الشميطيّ:
يوم تشفى النفوس من يعصر اللؤ ... م ويثنى بسامة الرحّال
وعدي وتيمها وثقيف ... وأميّ وتغلب وهلال
لا حرورا ولا النوابت تنجو ... لا ولا صحب واصل الغزّال
غير كفتي ومن يلوذ بكفتي ... فهم رهط الأعور الدجال «٢»
وبنو الشيخ والقتيل بفخ ... بعد يحيى وموتم الأشبال
سنّ ظلم الإمام في القوم زيد ... إن ظلم الإمام ذو عقّال «٣»
وقال الكميت:
آمت نساء بني أمية منهم ... وبنوهم بمضيعة أيتام
نامت جدودهم وأسقط نجمهم ... والنجم يسقط والجدود تنام
خلت المنابر والأسرة منهم ... فعليهم حتى الممات سلام
وقال خليفة، أبو خلف بن خليفة:
أعقبي آل هاشم يا أميا ... جعل الله بيت مالك فيّا
إن عصى الله آل مروان والعا ... صي لقد كان للرسول عصيا
стр. 784
وقال الراعي في بني أمية:
بني أميّة إن الله ملحقكم ... عما قليل بعثمان بن عفّان
وقال خلف بن خليفة:
لو تصفّحت أولياء علي ... لم تجد في جميعهم باهليا
وقال كعب الأشقري لعمر بن عبد العزيز:
إن كنت تحفظ ما يليك فإنما ... عمال أرضك بالبلاد ذئاب
لن يستجيبوا للذي تدعو له ... حتى تجلّد بالسيوف رقاب
بأكفّ منصلتين أهل بصائر ... في وقعهن مزاجر وعقاب
هلا قريش ذكرت بثغورها ... حزم وأحلام هناك رغاب
لولا قريش نصرها ودفاعها ... ألفيت منقطعا بي الأسباب
فلما سمع هذا الشعر قال: لمن هذا؟ قالوا: لرجل من أزد عمان، يقال له كعب الأشقري! قال: ما كنت أظن أهل عمان يقولون مثل هذا الشعر.
قال أبو اليقظان: وقام إلى عمر بن عبد العزيز رجل وهو على المنبر فقال:
إن الذين بعثت في أقطارها ... نبذوا كتابك واستحلّ المحرم
طلس الثياب على منابر أرضنا ... كلّ يجور وكلهم يتظلم
وأردت أن يلي الأمانة منهم ... عدل وهيهات الأمين المسلم
وكان زيد بن علي كثيرا ما يتمثل بقول الشاعر:
شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد
стр. 785
منخرق الخفّين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد
قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد
وقال عبد الله بن كثير السهمىّ، وكان يتشيع، لولّادة كانت نالته.
وسمع عمّال خالد بن عبد الله القسري يلعنون عليا والحسين على المنابر:
لعن الله من يسبّ عليا ... وحسينا من سوقة وإمام
أيسبّ المطيبون جدودا ... والكرام الأخوال والأعمام «١»
يأمن الظبي والحمام ولا يأ ... من آل الرسول عند المقام «٢»
طبت بيتا وطاب أهلك أهلا ... أهل بيت النبي والإسلام
رحمة الله والسلام عليهم ... كلما قام قائم بسلام
وقال حين عابوه بذلك الرأي:
إن أمرأ أمست معايبه ... حبّ النبي لغير ذي ذنب
وبني أبي حسن ووالدهم ... من طاب في الأرحام والصلب
أيعدّ ذنبا أن أحبهم ... بل حبهم كفّارة الذنب
وقال يزيد بن أبي بكر بن دأب الليثي:
الله يعلم في علي علمه ... وكذاك علم الله في عثمان
وقال السيد الحميري:
إني امرؤ حميري غير مؤتشب ... جدي رعين وأخوالي ذوو يزن
ثم الولاء الذي أرجو النجاة به ... يوم القيامة للهادي أبي الحسن
стр. 786
وقال ابن أذينة:
سمين قريش مانع منك لحمه ... وغثّ قريش حيث كان سمين
وقال ابن الرقيات:
ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا
وأنهم معدن الملوك ولا ... تصلح إلا عليهم العرب
وقال عروة بن أذينة:
إذا قريش تولي خير صالحها ... فاستيقنن بأن لا خير في أحد
رهط النبي وأولى الناس منزلة ... بكل خير وأثرى الناس في العدد
وقال حسان بن ثابت، يرثي أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه:
إذا تذكّرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
التالي الثاني المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدّق الرسلا
وثاني اثنين في الغار المنيف وقد ... طاف العدو به إذ صعد الجبلا
وكان حبّ رسول الله قد علموا ... خير البرية لم يعدل به رجلا
وقال بعض بني أسد:
لما تخيّر ربي فارتضى رجلا ... من خلقه كان منا ذلك الرجل
لنا المساجد نبنيها ونعمرها ... وفي المنابر قعدان لنا ذلل
وقال يزيد بن الحكم بن أبي العاص، في شأن السقيفة:
قد اختصم الأقوام بعد محمد ... فسائل قريشا حين جدّ اختصامها
ألم تك من دون الخليقة أمة ... بكف امريء من آل تيم زمامها
هدى الله بالصدّيق ضلال امّة ... إلى الحق لما ارفضّ عنها نظامها
стр. 787
وقالت صفية في ذلك اليوم:
قد كان بعدك أنباء وهنبثة ... لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب «١»
أنا فقدناك فقد الأرض وابلها ... واختلّ قومك فاشهدهم فقد سغبوا «٢»
وقال الفرزدق:
صلى صهيب ثلاثا ثم أسلمها ... إلى ابن عفان ملكا غير مقصور
ولاية من أبي حفص لثالثهم ... كانوا أخلّاء مهديّ ومحبور
وقال مزرّد بن ضرار يرثي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه:
عليك السلام من إمام وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزّق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق في أكمامها لم تفتّق «٣»
وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفي سبنتى أزرق العين مطرق «٤»
وقال: وسمعوا في تلك الليلة هاتفا يقول:
ليبك على الإسلام من كان باكيا ... فقد أوشكوا هلكا وما قدم العهد
وأدبرت الدنيا وأدبر خيرها ... وقد ملّها من كان يوقن بالوعد
وعن أبي الجحاف، عن مسلم البطين:
إنا نعاقب لا أبالك عصبة ... علقوا الفري وبروا من الصديق «٥»
وبروا سفاها من وزير نبيهم ... تبّا لمن يبرا من الفاروق
إني على رغم العداة لقائل ... دنا بدين الصادق المصدوق
стр. 788
وقال الكميت:
فقل لبني أمية حيث حلوا ... وان خفت المهنّد والقطيعا
أجاع الله من أشبعتموه ... وأشبع من بجوركم أجيعا
بمرضيّ السياسة هاشمي ... يكون حيا لأمته ربيعا
وقال حرب بن المنذر بن الجارود، وكان يتفتّى ويتشيّع، في كلمة له:
فحسبي من الدنيا كفاف يقيمني ... وأثواب كتّان أزور بها قبري
وحبي ذوي قربى النبي محمّد ... فما سالنا إلا المودّة من أجر
[دولة الأمويين ودولة العباسيين والمؤرخون العرب]
وجه التدبير في الكتاب إذا طال أن يداوي مؤلّفه نشاط القاريء له، ويسوقه إلى حظّه بالإحتيال له. فمن ذلك أن يخرجه من شيء إلى شيء، ومن باب إلى باب، بعد أن لا يخرجه من ذلك الفن، ومن جمهور ذلك العلم.
وقد يجب أن نذكر بعض ما انتهى إلينا من كلام خلفائنا من ولد العباس، ولو أن دولتهم عجميّة خراسانية، ودولة بني مروان عربية أعرابية وفي أجناد شاميّة.
والعرب أوعى لما تسمع، واحفظ لما تأتى، ولها الأشعار التي تقيّد عليها مآثرها، وتخلّد لها محاسنها. وجرت من ذلك في إسلامها على مثل عادتها في جاهليتها، فبنت بذلك لبني مروان شرفا كثيرا ومجدا كبيرا، وتدبيرا لا يحصى.
ولو أن أهل خراسان حفظوا على أنفسهم وقائعهم في أهل الشام، وتدبير ملوكهم، وسياسة كبرائهم، وما جرى في ذلك من فرائد الكلام وشريف المعاني، كان فيما قال المنصور وما فعل في أيامه، وأسّس لمن بعده ما يفي بجماعة ملوك بني مروان.
стр. 789
ولقد تتبّع أبو عبيدة النحوي، وأبو الحسن المدائني وهشام بن الكلبي، والهيثم ابن عدي، أخبارا قد اختلفت، وأحاديث قد تقطّعت، فلم يدركوا إلا قليلا من كثير، وممزوجا من خالص.
وعلى كل حال فإنا إذ صرنا إلى بقية ما رواه العباس بن محمد، وعبد الملك بن صالح، والعباس بن موسى، واسحاق بن عيسى، واسحاق بن سليمان «١» ، وأيوب بن جعفر «٢» ، وما رواه إبراهيم بن السندي عن السندي «٣» ، وعن صالح صاحب المصلّي، عن مشيخة بني هاشم ومواليهم- عرفت بتلك البقية كثرة ما فات، وبذلك الصحيح أين موضع الفساد مما صنعه الهيثم بن عدي، وتكلفه هشام بن الكلبي.
أخبار المنصور والمهدي والمأمون
وسنذكر جملا مما انتهى إلينا من كلام المنصور ومن شأن المأمون وغيرهما وإن كنا قد ذكرنا من ذلك طرفا، ونقصد من ذلك إلى التخفيف والتقليل، فإنه يأتي من وراء الحاجة، ويعرف بجملته مراد البقية.
قال: وكان المنصور داهيا أريبا، مصيبا في رأيه سديدا، وكان مقدّما في علم الكلام، ومكثرا من كتاب الآثار. ولكلامه كتاب يدور في أيدي الوراقين معروف عندهم. ولما هم بقتل أبي مسلم سقط بين الإستبداد برأيه والمشاروة فيه، فأرق في ذلك ليلته، فلما أصبح دعا باسحاق بن مسلم العقيلي، فقال له: حدثني حديث الملك الذي أخبرتني عنه بحرّان. قال: أخبرني أبي عن الحصين بن المنذر أن ملكا من ملوك فارس- يقال له سابور الأكبر- كان له وزير ناصح قد اقتبس أدبا من آداب الملوك، وشاب ذلك بفهم في الدين، فوجهه
стр. 790
سابور داعية إلى أهل خراسان، وكانوا قوما عجما يعظّمون الدنيا جهالة بالدّين، ويخلّون بالدين استكانة لقوت الدنيا، وذلا لجبابرتها، فجمعهم على دعوة من الهوى يكيد به مطالب الدنيا، واغتر بقتل ملوكهم لهم وتخوّلهم إياهم- وكان يقال: «لكل ضعيف صولة، ولكل ذليل دولة» - فلما تلاحمت أعضاء الأمور التي لقح، استحالت حربا عوانا شالت أسافلها بأعاليها، فانتقل العزّ إلى أرذلهم، والنباهة إلى أخملهم، فأشربوا له حبا مع خفض من الدنيا افتتح بدعوة من الدين، فلما استوسقت له البلاد بلغ سابور أمرهم وما أحال عليه من طاعتهم، ولم يأمن زوال القلوب وغدرات الوزراء، فاحتال في قطع رجائه عن قلوبهم، وكان يقال:
وما قطع الرجاء بمثل يأس ... تبادهه القلوب على اغترار
فصمّم على قتله عند وروده عليه برؤساء أهل خراسان وفرسانهم، فقتله، فبغتهم بحدث، فلم يرعهم إلا ورأسه بين أيديهم، فوقف بهم بين الغربة ونأي الرجعة، وتخطّف الأعداء، وتفرّق الجماعة، واليأس من صاحبهم، فرأوا أن يستتموا الدعوة بطاعة سابور، ويتعوضوه من الفرقة، فأذعنوا له بالملك والطاعة، وتبادروه بمواضع النصيحة، فملكهم حتى مات حتف أنفه.
فأطرق المنصور مليا ثم رفع رأسه وهو يقول:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلا ليعلما
وأمر اسحاق بالخروج ودعا بأبي مسلم، فلما نظر إليه داخلا قال:
قد اكتنفتك خلّات ثلاث ... جلبن عليك محذور الحمام
خلافك وامتنانك ترتميني ... وقودك للجماهير العظام
стр. 791
ثم وثب إليه ووثب معه بعض حشمه بالسيوف على أبي مسلم، فلما رآهم وثب، فبدره المنصور فضربه ضربة طوّحه منها «١» ، ثم قال:
إشرب بكأس كنت تسقي بها ... أمرّ في الحلق من العلقم
زعمت أن الدين لا يقتضى ... كذبت فاستوف أبا مجرم
ثم أمر فحز رأسه وبعث به إلى أهل خراسان وهم ببابه، فجالوا حوله ساعة ثم ردّ من شغبهم إنقطاعهم عن بلادهم، وأحاطة الأعداء بهم، فدلّوا وسلّموا له.
فكان اسحاق إذا رأى المنصور قال:
وما أحذو لك الأمثال إلا ... لتحذو إن حذوت على مثال «٢»
وكان المنصور إذا رآه قال:
وخلفها سابور للناس يقتدى ... بأمثالها في المعضلات العظائم
وكان المهديّ يحبّ القيان وسماع الغناء، وكان معجبا بجارية يقال لها «جوهر» ، وكان اشتراها من مروان الشامي، فدخل عليه ذات يوم مروان الشامي وجوهر تغنّيه، فقال مروان:
أنت يا جوهر عندي جوهرة ... في بياض الدرّة المشتهره
فإذا غنت فنار ضرّمت ... قدحت في كلّ قلب شرره
فاتّهمه المهدي، وأمر به فدعّ «٣» في عنقه إلى أن أخرج. ثم قال لجوهر: أطربيني. فأنشأت تقول:
وأنت الذي أخلفتي ما وعدتني ... واشمتّ بي من كان فيك يلوم
стр. 792
وأبرزتني للناس ثم تركتني ... لهم غرضا أرمى وأنت سليم
فلو أن قولا يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الوشاة كلوم «١»
فقال المهدي:
ألا يا جوهر القلب ... لقد زدت على الجوهر
وقد أكملك الله ... بحسن الدّل والمنظر «٢»
إذا ما صلت، يا أح ... سن خلق الله، بالمزهر «٣»
وغنّيت ففاح البي ... ت من ريحك بالعنبر
فلا والله ما المهدي ... أولى منك بالمنبر
فإن شئت ففي كف ... ك خلع ابن أبي جعفر
قال الهيثم: أنشدت هارون وهو وليّ عهد أيام موسى، بيتين لحمزة بن بيض في سليمان بن عبد الملك:
حاز الخلافة والداك كلاهما ... من بين سخطة ساخط أو طائع
أبواك ثم أخوك أصبح ثالثا ... وعلى جبينك نور ملك ساطع
قال: يا يحيى، أكتب لي هذين البيتين.
ولما مدح ابن هرمة أبا جعفر المنصور، أمر له بألفي درهم، فاستقلّها، وبلغ ذلك أبا جعفر فقال: أما يرضى إني حقنت دمه وقد استوجب إراقته، ووفّرت ماله وقد استحقّ تلفه، وأقررته وقد استأهل الطرد، وقربته وقد استجزى البعد؟ أليس هو القائل في بني أمية:
стр. 793
إذا قيل من عند ريب الزمان ... لمعترّ فهر ومحتاجها «١»
ومن يعجل الخيل يوم الوغى ... بالجامها قبل اسراجها
أشارت نساء بني مالك ... إليك به قبل أزواجها
قال ابن هرمة: فإني قد قلت فيك أحسن من هذا! قال: هاته! قال:
قلت:
إذا قلت أيّ فتى تعلمون ... أهشّ إلى الطعن بالذابل «٢»
واضرب للقرن يوم الوغى ... وأطعم في الزمن الماحل
أشارت إليك أكف الورى ... إشارة غرقى إلى ساحل
قال المنصور: أما هذا الشعر فمسترق، وأما نحن فلا نكافيء إلا بالتي هي أحسن.
ولما إحتال أبو الأزهر المهلّب لعبد الحميد بن ربعيّ بن خالد بن معدان، وأسلمه حميد إلى المنصور قال: لا عذر فأعتذر، وقد أحاط بي الذنب وأنت أولى بما ترى: قال: لست أقتل أحدا من آل قحطبة، بل أهب مسيئهم لمحسنهم، وغادرهم لوفيهم! قال: إن لم يكن في مصطنع فلا حاجة لي في الحياة، ولست أرضى أن أكون طليق شفيع، وعتيق ابن عمّ! قال:
أسكت مقبوحا مشقوحا «٣» ، وأخرج فإنك أنوك جاهل، أنت عتيقهم وطليقهم ما حييت.
ولما داهن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب في شأن إبراهيم ابن عبد الله «٤» ، وصار إلى المنصور، أمر الربيع بخلع سواده والوقوف به على
стр. 794
رأس اليمانية في المقصورة يوم الجمعة ثم قال: قل لهم: يقول لكم أمير المؤمنين: قد عرفتم ما كان من إحساني إليه، وحسن بلائي عنده، وقديم نعمتي عليه، والذي حاول من الفتنة، ورام من البغي، وأراد من شق العصا ومعاونة الأعداء، وإراقة الدماء، وأنه قد استحق بهذا من فعله أليم العقاب، وعظيم العذاب. وقد رأى أمير المؤمنين إتمام بلائه الجميل لديه، ورب نعمائه السابقة عنده، لما يتعرفه أمير المؤمنين من حسن عائدة الله عليه، وما يؤمله من الخير العاجل والآجل، عند العفو عمن ظلم، والصفح عمن أساء. وقد وهب أمير المؤمنين مسيئكم لمحسنكم، وغادركم لوفيكم.
وقال سهل بن هارون يوما، وهو عند المأمون: من أصناف العلم مالا ينبغي للمسلمين أن يرغبوا فيه، وقد يرغب عن بعض العلم كما يرغب عن بعض الحلال! قال المأمون: قد يسمى بعض الشيء علما وليس بعلم، فإن كنت هذا أردت فوجهه الذي ذكرناه. ولو قلت: العلم لا يدرك غوره، ولا يسبر قعره، ولا تبلغ غايته، ولا يستقصى أصنافه، ولا يضبط آخره، فالأمر على ما قلت. فإذا فعلتما ذلك كان عدلا، وقولا صدقا. وقد قال بعض العلماء: أقصد من أصناف العلم إلى ما هو أشهى إلى نفسك وأخف على قلبك، فإن نفاذك فيه على حسب شهوتك له، وسهولته عليك. وقال أيضا بعض الحكماء: لست أطلب العلم طمعا في بلوغ غايته، والوقوف على نهايته. ولكن التماس مالا يسع جهله، ولا يحسن بالعاقل إغفاله. وقال آخرون: علم الملوك النسب والخبر وجمل الفقه، وعلم التجار الحساب والكتاب، وعلم أصحاب الحرب درس كتب المغازي وكتب السير.
فأما أن تسمّي الشيء علما وتنهى عنه من غير أن يكون يشغل عما هو أنفع منه، بل تنهي نهيا جزما، وتأمر أمرا حتما! والعلم بصر، وخلافه عمى، والإستبانة للشر ناهية عنه، والإستبانة للخير آمرة به.
ولما قرأ المأمون كتبي في الإمامة فوجدها على ما أمر به، وصرت إليه
стр. 795
وقد كان أمر اليزيدي «١» بالنظر فيها ليخبره عنها، قال لي: قد كان بعض من يرتضى عقله ويصدّق خبره خبّرنا عن هذه الكتب بأحكام الصنعة وكثرة الفائدة، فقلنا له: قد تربي الصفة على العيان، فلما رأيتها رأيت العيان قد أربى على الصفة، فلما فليتها أربى الفلي على العيان كما أربى العيان على الصفة.
وهذا كتاب لا يحتاج إلى حضور صاحبه، ولا يفتقر إلى المحتجّين عنه، قد جمع استقصاء المعاني، واستيفاء جميع الحقوق، مع اللفظ الجزل، والمخرج السهل، فهو سوقي ملوكي، وعامي خاصي.
ولما دخل عليه المرتدّ الخراساني وقد كان حمله معه من خراسان حتى وافى به العراق، قال له المأمون:
لأن استحييك بحق أحبّ إلي من أن أقتلك بحق، ولأن أقبلك بالبراءة أحب إلي من أن أدفعك بالتهمة، قد كنت مسلما بعد أن كنت نصرانيا، وكنت فيها أتنخ «٢» وأيامك أطول، فاستوحشت مما كنت به آنسا ثم لم تلبث أن رجعت عنا نافرا، فخبرنا عن الشيء الذي أوحشك من الشيء الذي صار آنس لك من ألفك القديم، وأنسك الأول. فإن وجدت عندنا دواء دائك تعالجت به، والمريض من الأطباء يحتاج إلى المشاورة. وإن أخطأك الشفاء ونبا عن دائك الدواء، كنت قد أعذرت ولم ترجع على نفسك بلائمة، فإن قتلناك قتلناك بحكم الشريعة. أو ترجع أنت في نفسك إلى الإستبصار والثقة، وتعلم أنك لم تقصر في إجتهاد، ولم تفرط في الدخول في باب الحزم.
قال المرتد: أوحشني كثرة ما رأيت من الإختلاف فيكم!
стр. 796
قال المأمون: لنا إختلافان: أحدهما كالإختلاف في الأذان وتكبير الجنائز، والإختلاف في التشهد وصلاة الأعياد وتكبير التشريق، ووجوه القراءات وإختلاف وجوه الفتيا وما أشبه ذلك. وليس هذا بإختلاف إنما هو تخيير وتوسعة، وتخفيف من المحنة. فمن أذن مثنى وأقام مثنى لم يؤثم، ومن أذن مثنى وأقام فرادى لم يحوّب «١» ، لا يتعايرون ولا يتعابيون، أنت ترى ذلك عيانا وتشهد عليه بتاتا.
والإختلاف الآخر كنحو إختلافنا في تأويل الآية من كتابنا، وتأويل الحديث عن نبينا، مع إجماعنا على أصل التنزيل، وإتفاقنا على عين الخبر.
فإن كان الذي أوحشك هذا حتى أنكرت من أجله هذا الكتاب، فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والأنجيل متفقا على تأويله، كما يكون متفقا على تنزيله، ولا يكون بين جميع النصارى واليهود إختلاف في شيء من التأويلات.
وينبغي لك أن لا ترجع إلا إلى لغة لا إختلاف في تأويل ألفاظها.
ولو شاء الله أن ينزل كتبه ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل، ولكنا لم نر شيئا من الدين والدنيا دفع إلينا على الكفاية، ولو كان كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت المسابقة والمنافسة، ولم يكن تفاضل، وليس على هذا بنى الله الدنيا.
قال المرتدّ: أشهد أن الله واحد لا ندّ له ولا ولد، وأن المسيح عبده، وإن محمدا صادق، وإنك أمير المؤمنين حقا! فأقبل المأمون على أصحابه فقال: فروا عليه عرضه، ولا تبرّوه في يومه ريثما يعتق إسلامه، كي لا يقول عدوه أنه أسلم رغبة. ولا تنسوا بعد نصيبكم من برّه وتأنيسه ونصرته، والعائدة عليه.
حدثنا أحمد بن أبي داود قال: قال لي المأمون:
стр. 797
لا يستطيع الناس أن ينصفوا الملوك من وزرائهم، ولا يستطيعون أن ينظروا بالعدل بين الملوك وحماتهم وكفاتهم، وبين صنائعهم وبطانتهم. وذلك أنهم يرون ظاهر حرمة وخدمة، واجتهاد ونصيحة، ويرون إيقاع الملوك بهم ظاهرا، حتى لا يزال الرجل يقول: ما أوقع به إلا رغبة في ماله، أو رغبة في بعض مالا تجود النفس به، ولعل الحسد والملالة وشهوة الإستبدال، إشتركت في ذلك.
وهناك خيانات في صلب الملك، أو في بعض الحرم، فلا يستطيع الملك أن يكشف للعامة موضع العورة في الملك، ولا أن يحتج لتلك العقوبة بما يستحق ذلك الذنب، ولا يستطيع الملك ترك عقابه لما في ذلك من الفساد، على علمه بأن عذره غير مبسوط للعامة، ولا معروف عند أكثر الخاصة.
ونزل رجل من أهل العسكر، فغدا بين يدي المأمون، وشكا إليه مظلمته، فأشار بيده: أن حسبك! فقال له بعض من كان يقرب من المأمون:
يقول لك أمير المؤمنين: إركب. قال المأمون: لا يقال لمثل هذا:
إركب، إنما يقال له: إنصرف! وحدثني إبراهيم بن السندي قال: بينا الحسن اللؤلؤي يحدث المأمون ليلا وهو بالرقّة، وهو يومئذ ولي عهد، وأطال الحسن الحديث حتى نعس المأمون، فقال الحسن: نعست أيها الأمير! ففتح عينيه وقال: سوقي وربّ الكعبة! يا غلام خذ بيده.
[نوادر النوكى والمجانين وجفاة الأعراب]
ذكر بقية كلام النوكى والموسوسين والجفاة والأغبياء وما ضارع ذلك وشاكله، وأحببنا أن لا يكون مجموعا في مكان واحد إبقاء على نشاط القاريء والمستمع.
стр. 798
مرّ ابن أبي علقمة بمجلس بني ناجية، فكبا حماره لوجهه، فضحكوا منه، فقال: ما يضحككم؟ رأى وجوه قريش فسجد! أبو الحسن قال: أتى رجل عباديّا صيرفيا، يستسلف منه مائتي درهم، فقال: وما تصنع بها؟ قال: أشتري بها حمارا فلعلي أربح فيه عشرين درهما! قال: إذا أنا وهبتك العشرين فما حاجتك إلى المائتين؟ قال: ما أريد إلا المائتين! فقال: أنت لا تريد أن تردّها عليّ.
قال: وأتى قوم عباديّا فقالوا: نحب أن تسلف فلانا ألف درهم وتؤخره سنة. فقال: هاتان حاجتان، وسأقضي لكم إحداهما، وإذا فعلت ذلك فقد أنصفت أما الدراهم فلا تسهل علي، ولكني أؤخره سنتين.
ولعب رجل قدّام بعض الملوك بالشطرنج، فلما رآه قد استجاد لعبه وفاوضه الكلام «١» قال له: لم لا توليني نهر بوق؟ قال: أوليك نصفه، أكتبوا له عهده على بوق! وقال له مرّة: ولّني أرمينية. قال: يبطيء على أمير المؤمنين خبرك.
وقدم آخر على صاحب له من فارس، فقال: قد كنت عند الأمير فأي شيء ولّاك؟ قال: ولّاني قفاه! قال: ونظر أمير إلى أعرابي فقال: لقد هم لي الأمير بخير؟ قال: ما فعلت؟ قال: فبشرّ؟ قال: وما فعلت؟ قال: إن الأمير لمجنون! قال أبو الحسن: شهد مجنون على امرأة ورجل بالزناء فقال الحاكم:
تشهد أنك رأيته يدخله ويخرجه؟ قال: والله إن لو كنت جلدة استها لما شهدت بهذا.
قال: وكان رجل من أهل الريّ يجالسنا، فاحتبس عنا، فأتيته فجلست
стр. 799
معه على بابه، وإذا رجل يدخل ويخرج فقلت: من هذا؟ فسكت، ثم أعدت فسكت، فلما أعدت الثالثة قال: هو زوج أخت خالتي! وقال الشاعر:
إذا المرء جاز الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي حياء ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي أتى ... ولو جر أرسان الحياة له الدهر
أعرابي خاصمته امرأته إلى السلطان، فقيل له: ما صنعت؟ قال:
خيرا، كبّها الله لوجهها، وأمر بي إلى السجن! قال أبو الحسن: عرض الأسد لأهل قافلة، فتبرّع عليهم رجل، فخرج إليه فلما رآه سقط وركبه الأسد، فشدوا عليه بأجمعهم، فتنحى عنه الأسد، فقالوا له: ما حالك؟ قال: لا بأس علي، ولكن الأسد خري في سراويلي.
أبو الحسن: قال أبو عباية السّليطي: قد فسد الناس! قلت: وكيف؟
قال: ترى بساتين هزار مرد هذه ما كان يمر بها غلام إلا بخفير. قلت: هذا صلاح! قال: لا بل فساد.
أبو الحسن قال: خطب سعيد بن العاص، عائشة بنت عثمان على أخيه فقالت: لا أتزوجه! قال: ولم؟ قالت: هو أحمق! له برذونان أشهبان، فيحتمل مؤونة إثنين وهما عند الناس واحد.
قال: كان المغيرة بن المهلب ممرورا، وكان عند الحجاج يوما فهاجت به مرّته، فقال له الحجاج: ادخل المتوضأ وأمر من يقيم عنده حتى يتقيأ ويفيق.
قال أبو الحسن: قالت خيرة بنت ضمرة القشيريّة، امرأة المهلب، للمهلب: إذا انصرفت من الجمعة فأحب أن تمر بأهلي. قال لها: إن أخاك أحمق! قالت: فإني أحب أن تفعل! فجاء وأخوها جالس وعنده جماعة فلم
стр. 800
يوسع له، فجلس المهلب ناحية ثم أقبل عليه فقال له: ما فعل ابن عمك فلان؟ قال: حاضر. فقال: ارسل إليه. ففعل، فلما نظر إليه غير مرفوع المجلس قال: يا ابن اللخناء، المهلب جالس ناحية وأنت جالس في صدر المجلس؟ وواثبه. فتركه المهلب وانصرف، فقالت له خيرة: أمررت بأهلي؟
قال: نعم، وتركت أخاك الأحمق يضرب! قال: وكتب الحجاج إلى الحكم بن أيوب: «أخطب على عبد الملك ابن الحجاج امرأة جميلة من بعيد، مليحة من قريب، شريفة في قومها، ذليلة في نفسها، أمة لبعلها» . فكتب إليه: «قد أصبتها لولا عظم ثدييها!» فكتب إليه الحجاج: لا يحسن نحر المرأة حتى يعظم ثدياها.
قال المرّار بن منقذ العدويّ:
صلتة الخدّ طويل جيدها ... ضخمة الثدي ولما ينكسر
وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «لا، حتى تدفيء الضجيع وتروي الرضيع» .
وقال ابن صديقة لرجل رأى معه خفّا: ما هذه القلنسوة؟ فاحتكموا إلى عرباض، فقال عرباض: هي قلنسوة الرّجلين! قال أبو اسحاق: قلت لخنجير كوز: وعدتك أن تجيئني إرتفاع النهار فجئتني صلاة العصر! قال: جئتك إرتفاع العشي! قال: قيل لأعرابي: ما اسم المرق عندكم؟ قال: السحين. قال: فإذا برد؟ قال: لا ندعه حتى يبرد.
باع نخّاس من أعرابي غلاما فأراد أن يتبرأ من عيبه، قال: أعلم أنه يبول في الفراش. قال: إن وجد فراشا فليبل فيه!
стр. 801
حدثنا صديق لي قال: أتاني أعرابي بدرهم فقلت له: هذا زائف فمن أعطاكه؟ قال: لصّ مثلك! وقال زيد بن كثوة: أتيت بني كشّ هؤلاء، فإذا عرس، وبلق الباب، فادرنفق وأدّمج فيه سرعان من الناس، وألصت ولوج الدار فدلظني الحدّاد دلظة دهورني على قمة رأسي، وأبصرت شيخان «١» الحي هناك، ينتظرون المزيّة «٢» ، فعجت إليهم، فو الله أن زلنا نظار نظار حتى عقل الظل «٣» فذكرت من بني تبر، فقصدنهم وأنا أقول:
تركن بني كشّ وما في ديارهم ... عوامد وأعصوصبن نحو بني تبر «٤»
إلى معشر شمّ الأنوف، قراهم ... إذا نزل الأضياف من قمع الجزر «٥»
وانصرفت وأتيت باب بني تبر، وإذا الرجال صتيتان «٦» ، وإذا أرمداء «٧» كثيرة، وطهاة لا تحصى، ولحمان في جثمان الإكام «٨» صالح بن سليمان قال: من أحمق الشعر قول الذي يقول:
أهيم بدعد ماحييت فإن أمت ... أوكّل بدعد من يهيم بها بعدي
ولا يشبه قول الآخر:
فلا تنكحي إن فرّق الدهر بيننا ... أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
стр. 802
قال: مات لأبن مقرّن غلام، فحفر لهم أعرابي قبره بدرهمين، وذلك في بعض الطواعين، فلما أعطوه الدرهمين قال: دعوهما حتى يجتمع لي عندكم ثمن ثوب! وأدخل أعرابي إلى المربد جليبا له «١» فنظر إليها بعض الغوغاء «٢» فقال: لا إله إلا الله، ما أسمن هذه الجزر! قال له الأعرابي مالها تكون جزرا جزرك الله.
قال أبو الحسن: جاء رجل إلى رجل من الوجوه فقال: أنا جارك وقد مات أخي فمر لي بكفن. قال: لا والله ما عندي اليوم شيء، ولكن تعهدنا وتعود بعد أيام، فسيكون ما تحب! قال: أصلحك الله، فتملحه إلى أن يتيسر عندكم شيء؟! قال: كان مولى البكرات يدّعي البلاغة، فكان يتصفّح كلام الناس فيمدح الرديء ويذم الجيد، فكتب إلينا رسالة يعتذر فيها من تركه المجيء، فقال: «وقطعني عن المجيء إليكم أنه طلعت في إحدى أليتي ابني بثرة، فعظمت وعظمت حتى صارت كأنها رمّانة صغيرة» .
وقال علي الأسواري: «فلما رأيته أصفر وجهي حتى صار كأنه الكشوث «٣» » .
وقال له محمد بن الجهم: إلى أين بلغ الماء منك؟ قال: إلى العانة. قال شعيب بن زرارة: لو كان قال: إلى الشّعرة، كان أجود! وقال له محمد بن الجهم: هذا الدواء الذي جئت به قدركم آخذ منه؟
قال: قدر بعرة.
стр. 803
وقال علي: جاءني رجل حزنبل «١» من ها هنا إلى ثمة! وقال قاسم التمّار: بينهما كما بين السماء إلى قريب من الأرض! وقال قاسم التمار: رأيت إيوان كسرى كأنما رفعت عنه الأيدي أوّل من أمس.
وأقبل على أصحاب له وهم يشربون النبيذ، وذلك بعد العصر بساعة، فقال لبعضهم: قم صلّ فاتتك الصلاة! ثم امسك عنه ساعة، ثم قال الآخر:
قم صل ويلك فقد ذهب الوقت! فلما أكثر عليهم في ذلك وهو جالس لا يقوم يصلي قال له واحد منهم: فأنت لم لا تصلي؟ فأقبل عليه فقال: ليس والله تعرفون أصلي في هذا. قلت: وأي شيء أصلك؟ قال: لا نصلي لأن هذه المغرب قد جاءت! وقال قاسم: أنا أنفس بنفسي على السلطان.
وأتى منزل ابن أبي شهاب وقد تعشى القوم وجلسوا على النبيذ، فأتوه بخبز وزيتون وكامخ «٢» فقال: أنا لا أشرب النبيذ إلا على زهومة «٣» .
وقال: حين بعت البغل بدأت بالسرج.
وقال: ليس في الدنيا ثلاثة أنكح مني: أنا أكسل منذ ثلاث ليال في كل ليلة عشر مرات! كأن الإكسال عنده هو الإنزال «٤» .
وقال: ذهب والله مني الأطيبين؟ قلت: وأي شيء الأطيبين؟ قال: قوة اليدين والرجلين «٥» .
стр. 804
وقال: فالتوى لي عرق حين قعدت منها مقعد الرجل من الغلام.
وقال في غلام له رومي، ما وضعت بيني وبين الأرض أطيب منه.
قال: ومحمد بن حسان لا يشكرني، فو الله ما ناك حادرا قط إلا على يدي «١» .
وقال أبو خشرم: ما أعجب أسباب النيك؟ فقيل له: النيك وحده؟
قال: سمعنا الناس يقولون: ما أعجب أسباب الرزق، وما أعجب الأسباب! وكان قاسم التمار عند ابن لأحمد بن عبد الصمد بن علي، وهناك جماعة، فأقبل وهب المحتسب يعرض له بالغلمان، فلما طال ذلك على قاسم أراد أن يقطعه عن نفسه بأن يعرّفه هوان ذلك القول عليه فقال: أشهدوا جميعا أني أنيك الغلمان، وأشهدوا جميعا إني أعفج الصبيان! والتفت التفاتة فرأى الأخوين الهذليين وكانا يعاديانه بسبب الإعتزال فقال: عنيت بقولي: إشهدوا جميعا أني لوطي، أي أني على دين لوط! قال القوم بأجمعهم: أنت لم تقل أشهدوا إني لوطي، وإنما قلت: إشهدوا جميعا أني أنيك الصبيان! قال سفيان الثوري: لم يكن في الأرض أحد قط أعلم بالنجوم ثم بالقرانات «٢» من «ما شاء الله كان» ، يريد ما شاء الله المنجم.
وكان يقول: هو أكفر عندي من رام هرمز! يريد أكفر من هرمز.
وممن وسوس: غلفاء بن الحارث، ملك قيس عيلان، وسوس حين قتل إخوته، يتغلف ويغلف أصحابه بالغالية «٣» ، فسمي غلفاء بذلك.
وكان رجل ينيك البغلات، فجلس يوما يخبر عن رجل كيف ناك بغلة، وكيف إنكسرت رجله، وكيف كان ينالها، قال: كان يضع تحت رجله لبنة، فبينما هو ينحي فيها إذ انكسرت اللبنة من تحت رجله، وإذا أنا على قفاي!
стр. 805
ومن الأحاديث المولدة التي لا تكون، وهو في ذلك مليح، قولهم: ناك رجل كلبة فعقدت عليه، فلما طال البلاء رفع رأسه فصادف رجلا يطلع عليه من سطح، فقال له الرجل: أضرب جنبها. فلما ضرب جنبها وتخلص قال: قاتله الله، أي نياك كلبات هو! وكان عندنا بالبصرة قاص أعمى، ليس يحفظ من الدنيا إلا حديث جرجيس، فلما بكى واحد من النظارة قال القاص: أنتم من أي شيء تبكون! إنما البلاء علينا معاشر العلماء! قال: وبكى حول أبي شيبان ولده وهو يريد مكة، قال: لا تبكوا يا بنيّ، فإني أريد أن أضحّي عندكم! وقال أخوه: ولدت في رأس الهلال للنصف من شهر رمضان! أحسب أنت الآن هذا كيف شئت! وقال: تزوجت امرأة مخزومية عمها الحجاج بن الزبير الذي هدم الكعبة! وقال: ذلك لم يكن أبا، إنما كان ولدا! وقال أبو دينار: هو وإن كان أخا فقد ينبغي أن ينصف! ومن المجانين علي بن اسحاق بن يحيى بن معاذ. وكان أوّل ما عرف من جنونه أنه قال: أرى الخطأ قد كثر في الدنيا، والدنيا كلها في جوف الفلك، وإنما تؤتى منه، وقد تخلخل وتخرّم وتزايل، فاعتراه ما يعتري الهرمى، وإنما هو منجنون «١» فكم يصبر؟ وسأحتال في الصعود إليه، فإني إن نجرته ورندجته «٢» وسوّيته، انقلب هذا الخطأ كله إلى الصواب.
وجلس مع بعض متعاقلي فتيان العسكر، وجاءهم النخاس بجوار فقال:
ليس نحن في تقويم الأبدان، إنما نحن في تقويم الأعضاء، ثمن أنف هذه
стр. 806
خمسة وعشرون دينارا، وثمن أذنيها ثمانية عشر، وثمن عينيها ستة وسبعون، وثمن رأسها بلا شيء من حواسها مائة دينار! فقال له صاحبه المتعاقل: ها هنا باب هو أدخل في الحكمة من هذا! كان ينبغي لقدم هذ أن تكون لساق تلك، وأصابع تلك أن تكون لقدم هذه، وكان ينبغي لشفتي تيك أن تكون لفم تيك، وأن تكون حاجبا تيك لجبين هذه! فسمي مقوّم الأعضاء.
ومن النوكى كلاب بن ربيعة، وهو الذي قتل الجشميّ قاتل أبيه دون أخوته، وهو القائل:
ألم ترني ثأرت بشيخ صدق ... وقد أخذ الإداؤة فاحتساها
ثأرت بشيخه شيخا كريما ... شفاء النفس أن شيء شفاها
ومنهم: نعامة، وهو بيهس «١» ، وهو الذي قال: «مكره أخاك لا بطل» . وإياه يعني الشاعر:
ومن حذر الأيام ما حزّ أنفه ... قصير ولاقى الموت بالسيف بيهس
نعامة لما صرّع القوم رهطه ... تبين في أثوابه كيف يلبس
وقال الحضرمي: أما أنا فأشهد أن تميما أكثر من محارب.
وقال حيّان البزّاز: قبح الله الباطل، الرطب بالسكر والله طيب.
قال أبو الحسن: سمعت أبا الصّغدي الحارثي يقول: كان الحجاج أحمق، بنى مدينة واسط في بادية النبط ثم قال لهم: لا تدخلوها. فلما مات دبوا إليها من قريب.
مسعدة بن المبارك قال: قلت للبكراوي: أبأمرأتك حمل؟ قال: شيء ليس بشيء!
стр. 807
قال: لما بنى عبيد الله بن زياد البيضاء، كتب رجل على باب البيضاء:
«شيء، ونصف شيء، ولا شيء. الشيء: مهران الترجمان، ونصف شيء: هند بنت أسماء، ولا شيء: عبيد الله بن زياد!» . فقال عبيد الله:
أكتبوا إلى جنبه: لولا الذي زعمت أنه لا شيء لما كان ذلك الشيء شيئا، ولا ذلك النصف نصفا.
وقال هشام بن عبد الملك يوما في مجلسه: «يعرف حمق الرجل بخصال: بطول لحيته، وشناعة كنيته، وبشهوته، ونقش خاتمه» . فأقبل رجل طويل اللحية، فقال: هذه واحدة، ثم سأله عن كنيته فإذا هي شنعاء، فقال:
هاتان ثنتان. ثم قال: وأي شيء أشهى إليك؟ قال: رمانة مصاصة»
! قال:
امصك الله ببظر امك! وقيل لأبي القمقام: لم لا تغزو أو تخرج إلى المصيصة؟ قال: أمصني الله إذا ببظر أمي! وقال الشاعر:
أأنصر أهل الشام ممن يكيدهم ... وأهلي بنجد ذاك حرص على النصر
وقال لأبي الأصبغ بن ربعيّ: أما تسمع بالعدو وما يصنعون في البحر فلم لا تخرج إلى قتال العدو؟ قال: أنا لا أعرفهم ولا يعرفونني، فكيف صاروا لي أعداء؟! قال: كان الوليد بن القعقاع عاملا على بعض الشام، وكان يستسقي في كل خطبة وإن كان في أيام الشّعرى، فقام إليه شيخ من أهل حمص فقال: أصلح الله الأمير، إذا تفسد القطاني! يعني الحبوب، واحدها قطنيّة.
وأما نفيس غلامي فإنه كان إذا صار إلى فراشه في كل ليلة في سائر السنة يقول في دعائه: اللهم علينا ولا حوالينا.
قال: وكان بالرّقة رجل يحدث الناس عن بني اسرائيل، وكان يكنى أبا عقيل، فقال له الحجاج بن حنتمة: ما كان اسم بقرة بني اسرائيل؟ قال:
стр. 808
حنتمة! فقال له رجل من ولد أبي موسى: في أي الكتب وجدت هذا؟ قال:
في كتاب عمرو بن العاصي! ومن المجانين الأشراف: ابن ضحيان الأزديّ، وكان يقرأ: قل يا أيها الكافرين. فقيل له في ذلك، فقال: قد عرفت القراءة في ذلك، ولكني لا أجلّ أمر الكفار!.
وقال حبيب بن أوس:
ما ولدت حوّاء أحمق لحية ... من سائل يرجو الغنى من سائل
وقال أيضا:
أيوسف جئت بالعجب العجيب ... تركت الناس في شك مريب
سمعت بكلّ داهية نآد ... ولم أسمع بسرّاج أديب «١»
أما لو أن جهلك عاد حلما ... إذا لنفذت في علم الغيوب
وما لك بالغريب يد ولكن ... تعاطيك الغريب من الغريب
وأنشدوا:
أرى زمنا نوكاه أسعد أهله ... ولكنما يشقى به كلّ عاقل
مشت فوقه رجلاه والرأس تحته ... فكب الأعالي بارتفاع الأسافل
وهذه أبيات كتبناها في غير هذا المكان من هذا الكتاب، ولكن هذا المكان أولى بها.
وقال الشاعر:
وللدهر أيام فكن في لباسها ... كلبسته يوما أجدّ وأخلقا
وكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم ... وإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا
стр. 809
وقال الآخر:
وأنزلني طول النوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت الذي لا أشاكله
فحامقته حتى يقال سجية ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله
وقال أبو العتاهية:
من سابق الدهر كباكبوة ... لم يستقلها من خطى الدهر
فاخط مع الدهر إذا ما خطا ... وأجر مع الدهر كما يجري
ليس لمن ليست له حيلة ... موجودة خير من الصبر
وقال بشر بن المعتمر:
حيلة ما ليست له حيلة ... حسن عزاء النفس والصبر
وقال صالح بن عبد القدوس:
وإنّ عناء أن تفهّم جاهلا ... ويحسب جهلا أنه منك أفهم
متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وآخر يهدم
وقال بشر بن المعتمر:
وإذا العبيّ رأيته مستغنيا ... أعيا الطبيب وحيلة المحتال
ومن المجانين: مهدي بن الملوح الجعدي، وهو مجنون بني جعدة.
وبنو المجنون قبيل من قبائل بني جعدة، وهو غير هذا المجنون.
وأما مجنون بني عامر وبني عقيل، فهو: قيس بن معاذ، وهو الذي يقال له: مجنون بني عامر.
وهما شاعران. قيل ذلك لهما لتجننهما بعشيقتين كانتا لهما، ولهما أشعار معروفة.
стр. 810
[الجاحظ بين الرواة وخادمه نفيس]
وقد أدركت رواة المسجديين والمربديين ومن لم يرو أشعار المجانين ولصوص الأعراب، ونسيب الأعراب، والأرجاز الأعرابية القصار، وأشعار اليهود، والأشعار المنصفة «١» ، فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة. ثم استبردوا ذلك كله ووقفوا على قصار الحديث والقصائد، والفقر والنتف من كل شيء.
ولقد شهدتهم وما هم على شيء أحرص منهم على نسيب العباس بن الأحنف، فما هو إلا أن أورد عليهم خلف الأحمر نسيب الأعراب، فصار زهدهم في شعر العباس بقدر رغبتهم في نسيب الأعراب. ثم رأيتهم منذ سنيات، وما يروي عندهم نسيب الأعراب إلا حدث السن قد ابتدأ في طلب الشعر، أو فتيانيّ متغزّل.
وقد جلست إلى أبي عبيدة، والأصمعي، ويحيى بن نجيم، وأبي مالك عمرو ابن كركرة «٢» مع من جالست من رواة البغداديين، فما رأيت أحدا منهم قصد إلى شعر في النسيب فأنشده. وكان خلف يجمع ذلك كله.
ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه أعراب. ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الإستخراج. ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل. ورأيت عامتهم- فقد طالت مشاهدتي لهم- لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكن وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب البلاغة، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ، وأشارت إلى حسان المعاني. ورأيت البصر
следующие страницы →