كتاب تلاوة القرآن
تلاوة القرآن
فصل في المحافظة على قراءة القرآن
...
كتاب تلاوة القرآن:
[تلاوة القرآن] :
٥٥٠- اعلم أن تلاوة القرآن هي أفضل الأذكار، والمطلوب القراءة بالتدبر، وللقراءة آدابٌ ومقاصد، وقد جمعت قبل هذا فيها كتاباُ١ مختصرًا مشتملاً على نفائس من آداب القرّاء والقراءة، وصفاتها، وما يتعلق بها، لا ينبغي لحامل القرآن أن يخفى عليه مثله، وأنا أشيرُ في هذا الكتاب إلى مقاصدَ من ذلك مختصرة، وقد دللتُ من أراد ذلك، وإيضاحه على مظنته، وبالله التوفيق.
١٢٥- فضل [في المحافظة على قراءة القرآن] :
٥٥١- ينبغي أن يحافظ على تلاوته ليلاً ونهاراً، سَفَرًا وحَضَرًا، وقد كانت للسلف ﵃ عاداتٌ مختلفةٌ في القدر الذي يختمون فيه، فكان جماعةٌ منهم يختمون في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر ختمة، وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثماني ليالي ختمة، وآخرون في كل سبع ليالٍ ختمة، وهذا فعل الأكثرين من السلف، وآخرون في كل ستّ ليالٍ، وآخرون في خمس، وآخرون في أربع،
стр. 247
وكثيرون في كل ثلاث ختمة١، وكان كثيرون يختمون في كل يوم وليلة ختمة، وختم جماعةٌ في كل يوم وليلةٍ ختمتين، وآخرون في كل يوم وليلةٍ ثلاث ختماتٍ، وختمُ بعضهم في اليوم والليلة ثماني ختماتٍ: أربعاً في الليل، وأربعاً في النهار. ["التبيان" للنووي، رقم: ٩٩] .
٥٥٢- وممّن ختم أربعاً في الليل وأربعاً في النهار السيدُ الجليلُ [أبو علي الحسنُ بن أحمد] ابن الكاتب الصوفي ﵁ وهذا أكثرُ ما بلغنا في اليوم والليلة. ["التبيان" للنووي، رقم: ١٠٤] .
٥٥٣- وروى السيد الجليل أحمد [بن إبراهيم] الدورقي -بإسناده- عن منصور بن زاذان من عباد التابعين ﵁ أنه كان يختم القرآن فيما بين الظهر والعصر، ويختمه أيضاً فيما بين المغرب والعشاء، ويختمه فيما بين المغرب والعشاء في رمضان ختمتين وشيئاً، وكان يؤخر العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل ["حلية الأولياء" ٥٧/٣ و٥٨؛ "مختصر قيام الليل" صفحة: ١٥٨؛ "التبيان" للنووي، رقم: ١٠٥] .
٥٥٤- وروى ابن أبي داود بإسناده الصحيح، أنّ مجاهداً ﵀، كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء [في كل ليلة من رمضان] ["التبيان" للنووي، رقم: ١٠٦] .
٥٥٥- وأما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يُحصون لكثرتهم،
стр. 248
فمنهم عثمان بن عفان، وتميم الدّاري، وسعيد بن جبير ﵃ ["التبيان" للنووي، رقم: ١٠٩] .
٥٥٦- والمختارُ أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصلُ له معهُ كمالُ فهم ما يقرأ، وكذا من كان مشغولاً بنشر العلم، أو فصل الحكومات بين المسلمين، أو غير ذلك من مهمات الدين والمصالح العامَّة للمسلمين، فليقتصر على قدرٍ لا يحصلُ بسببه إخلالٌ بما هو مرصدٌ لهُ، ولا فوات١ كماله، ومن لم يكون من هؤلاء المذكورين فليستكثْر ما أمكنه من غير خروج إلى حدّ الملل، أو الهذرمة٢ في القراءة ["التبيان" للنووي، رقم: ١١١] .
٥٥٧- وقد كره جماعةٌ من المتقدمين الختم في يوم وليلة، ويدلّ عليه ما رويناهُ بالأسانيد الصحيحة في "سنن أبي داود" [رقم: ١٣٩٤] ، والترمذي [رقم: ٢٩٤٩] والنسائي [في "الكبرى" كما في "التحفة"، رقم: ٨٩٥٠] وغيرها [ابن ماجه، رقم: ١٣٤٧] عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرأ القُرآنَ فِي أقَلّ مِنْ ثَلاثٍ" ["التبيان" للنووي، رقم: ١١٢] .
٥٥٨- وأما وقتُ الابتداء والختم فهو إلى خيرة القارئ، فإن كان ممّن يختمُ في الأسبوع مرّة، فقد كان عثمانُ ﵁ يبتدئ ليلة الجمعة، ويختم ليلة الخميس ["التبيان" للنووي، رقم: ١١٣] .
٥٥٩- وقال الإِمام أبو حامد الغزالي٣ في "الإحياء" [٢٧٦/١] : الأفضل
стр. 249
أن يختم ختمة بالليل وأخرى بالنهار، ويجعل ختمة النهار يوم الاثنين في ركعتي الفجر أو بعدهما، ويجعل ختمة الليل ليلة الجمعة في ركعتي المغرب أو بعدهما، ليستقبل أوّل النهار وآخره ["التبيان" للنووي، رقم: ١١٤] .
٥٦٠- وروى ابن أبي داود، عن عمرو بن مرة التابع الجليل ﵁، قال: كانوا يحبّون أن يختم القرآن من أوّل الليل، أو من أول النهار، ["التبيان" للنووي، رقم: ١١٥] .
٥٦١- وعن طلحة بن مصرف١ التابعي الجليل الإِمام، قال: من ختم القرآن أية ساعةٍ كانت من النهار صلّتْ عليه الملائكةُ حتى يمسي، وأية ساعةٍ كانت من الليل صلَّت عليه الملائكةُ حتى يُصبح. وعن مجاهد نحوه. ["التبيان" للنووي، رقم: ١١٦] .
٥٦٢- وروينا في "مسند" الإِمام المجمع على حفظه وجلالته وإتقانه وبراعته: أبي محمد الدارمي ﵀ [٤٧٠/٢] ، عن سعد ابن أبي وقاص ﵁، قال: إذا وافق ختم القرآن أول الليل صلّت عليه الملائكة حتى يصبح، وإن وافق ختمه آخر الليل صلّت عليه الملائكة حتى يُمسي. قال الدارمي: هذا حسنٌ عن سعدٍ. ["التبيان" للنووي، رقم: ١١٧] .
стр. 250
١٢٦- فصل في الأوقات المختارة للقراءة:
٥٦٣- اعلم أن أفضل القراءة ما كَانَ في الصلاة، ومذهب الشافعي وآخرين ﵏: أن تطويلَ القيام في الصلاة بالقراءة أفضلُ من تطويل السجود وغيره.
٥٦٤- وأما القراءةُ في غير الصلاة، فأفضلُها قراءة الليل، والنصف الأخير من أفضل من الأوّل، والقراءةُ بين المغرب والعشاء محبوبة.
٥٦٥- وأما قراءةُ النهار، فأفضلُها ما كان بعد صلاة الصبح، ولا كراهةَ في القراءة في وقت من الأوقات، ولا في أوقات النهي عن الصلاة.
٥٦٦- وأما ما حكاهُ ابن أبي داود ﵀، عن مُعان بن رفاعة، ﵀، عن مشيخةٍ١ أنهم كرهوا القراءة بعدَ العصر، وقالوا: إنها دراسة يهود، فغير مقبول، ولا أصل له.
٥٦٧- ويختارُ من الأيام: الجمعة، والاثنين، والخميس، ويوم عَرَفَة؛ ومن الأعشار: العشر الأوّل من ذي الحجة، والعشر الأخير من شهر رمضان؛ ومن الشهور: رمضان.
стр. 251
١٢٧- فصل في آداب الختم وما يتعلق به:
٥٦٨- قد تقدَّم أن الختم للقارئ وحدَه يُستحب أن يكون في صلاة.
٥٦٩- وأما من يختم في غير صلاةٍ، كالجماعةِ الذين يختمون مجتمعين، فيُستحبّ أن يكون ختمُهم في أوّل الليل، أو أوّل النهار، كما تقدم ["التبيان" للنووي، رقم: ٣٨٥] .
٥٧٠- ويُستحبّ صيامُ يومِ الختم إلا أن يُصادف يوماً نهى الشرعُ عن صيامه. وقد صحّ عن طلحة بن مصرّف، والمسيّب بن رافع، وحبيب بن أبي ثابت التابعيّينَ الكوفيّينَ ﵏ أجمعين- أنهم كانوا يُصبحون صيامًا في اليوم الذي كانوا يختمون فيه ["التبيان" للنووي، رقم: ٣٨٧] .
стр. 252
٥٧١- ويُستحبّ حضورُ مجلس الختم لمن يقرأ ولمن لا يُحسن القراءة.
٥٧٢- فقد روينا في "الصحيحين" [البخاري، رقم: ٣٢٤؛ ومسلم، رقم: ٨٩٠] : أن رسول الله ﷺ أمر الْحُيَّضْ بالخروج يومَ العيد، فيشهدْنَ الخيرَ، ودعوةَ المسلمين ["التبيان" للنووي، رقم: ٣٨٨] .
٥٧٣- وروينا في "مسند الدارمي" [٤٦٨/٢] ، عن ابن عباس ﵄، أنه كان يجعل رجلاً يراقبُ رجلاً يقرأ القرآن، فإذا أراد أن يختمَ أعلم ابنَ عباس ﵄، فيشهد ذلك ["التبيان" للنووي، رقم: ٣٨٩] .
٥٧٤- وروى ابن أبي داود بإسنادين صحيحين، عن قَتادَة التابعيّ الجليل الإِمام صاحب أنس ﵁، قال: كان أنسُ بنُ مالكٍ ﵁ إذا ختم القرآن جمع أهلهُ ودعا [الدارمي، ٤٦٩/٢؛ و"حلية الأولياء" ٢٦٠/٧؛ "التبيان" للنووي، رقم: ٣٩٠] .
٥٧٥- وروَى بأسانيد صحيحة، عن الحكم بن عُتَيْبَةَ -بالتاء المثناة فوق، ثم المثناة تحت، ثم الباء الموحدة- التابعي الجليل الإِمام قال: أرسل إليّ مجاهد وعبدةُ ابن أبي لُبابة، فقالا: إنا أرسلنا إليك لأنّا أردنا أن نختم القرآن، والدعاءُ يستجابُ عند ختم القرآن [ورواه الدارمي، رقم: ٣٤٨٥؛ وابن الضريس في "فضائل القرآن" ٤٩؛ "التبيان" للنووي، رقم: ٣٩١] .
وفي بعض رواياته الصحيحة: أنه كان يقالُ: إن الرحمة تنزلُ عند خاتمةِ القرآن ["التبيان" للنووي، رقم: ٣٩٢] .
٥٧٦- وروى بإسناده الصحيح، عن مُجاهد، قال: كانوا يجتمعون عند ختم القرآن ويقولون: إن الرحمة تنزل عند ختم القرآن ["نتائج الأفكار" ١٧٣/٣؛ "التبيان" للنووي، رقم: ٣٩٣] .
стр. 253
١٢٨- فصل [في استحباب الدعاء بعد ختم القرآن] :
٥٧٧- ويستحب الدعاءُ عقيب١ الختم استحباباً متأكداً تأكيدًا شديداً لما قدّمناه ["التبيان" للنووي، رقم: ٤٩٤] .
٥٧٨- وروينا في "مسند الدارمي" [٤٧٠/٢] ، عن حُميد الأعرج ﵀، قال: مَن قرأ القرآن، ثم دعا؛ أمَّنَ على دعائه أربعةُ آلاف مَلَك ["التبيان" للنووي، رقم: ٣٩٥] .
٥٧٩- وينبغي أن يُلحّ في الدعاء؛ وأن يدعوَ بالأمور المهمة، والكلمات الجامعة، وأن يكون معظم ذلك، أو كله في أمور الآخرة، وأمور المسلمين، وصلاح سلطانهم، وسائر ولاة أمورهم، وفي توفيقهم للطاعات، وعِصمتهم من المخالفات، وتعاونهم على البرّ والتقوى، وقيامهم بالحقّ، واجتماعهم عليه، وظهورهم على أعداء الدين، وسائر المخالفين ["التبيان" للنووي، رقم: ٣٩٦] .
وقد أشرت إلى أحرف من ذلك من كتاب " [التبيان في] آداب [حملة] القرآن"٢ [رقم: ٣٩٧ - ٤١٠] وذكرتُ فيه دعوات وجيزة، من أرادها نقلَهَا منه.
٥٨٠- وإذا فرغ من الختمة، فالمستحبّ أن يشرع في أخرى متصلاً بالختم، فقد استحبّه السَّلفُ، واحتجّوا فيه بحديث أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "خَيْرُ الأعْمالِ الحَلُّ وَالرِّحْلَةُ" قيل: وما هما؟ قال: "افْتِتاحُ القرآن وختمه" ["التبيان" للنووي، رقم: ٤١١] .
[وروى الطبراني في "المعجم الكبير" [رقم: ١٢٧٨٣] ، وعنه أبو نُعيم في "حلية الأولياء" ٢٦٠/٢؛ عن ابن عباس ﵄، قال: قال رجل: يا رسول الله! أي العمل أفضلُ؟ قال: "عليك بالحال المرتحل" قال: وما الحال المرتحل؟ قال: "صاحب القرآن يضرب من أوله إلى آخره، ثم يضربُ من آخره إلى أوله، كلما حل ارتحل"] .
стр. 254
١٢٩- فصل في مَنْ نامَ عَنْ حزبه ووظيفته المعتادة:
٥٨١- روينا في "صحيح مسلم" [رقم: ٧٤٧] ، عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ نامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنَ اللَّيْلِ، أوْ عَنْ شَيْءٍ منه، فقرأه ما بَيْنَ صَلاةِ الفَجْرِ وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل" ["التبيان" للنووي، رقم: ١٣٥] .
стр. 255
١٣٠- فصل في الأمر بتعهد القرآن، والتحذير من تعريضه للنسيان:
٥٨٢- روينا في "صحيحي" البخاري [رقم: ٥٠٣٣] ، ومسلم [رقم: ٧٩١] ؛ عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تَعَاهَدُوا هَذَا القُرآنَ، فَوَالَّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتاً مِنَ الإِبِلِ في عُقُلها" ["التبيان" للنووي، رقم: ١٣١] .
٥٨٣- وروينا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ٥٠٣١؛ ومسلم، رقم: ٧٨٩] ، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّمَا مَثَلُ صاحِبِ القُرآنِ كَمَثَلِ الإِبلِ المُعقَّلَةِ، إِنْ عاهَدَ عَلَيْها أمْسَكَها، وَإِنْ أطْلَقَها ذهبت" ["التبيان" للنووي، رقم: ١٣٢] .
٥٨٤- وروينا في كتاب أبي داود [رقم: ٤٦١] ، والترمذي [رقم:
стр. 256
٢٩١٦] ، عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "عُرضت عَلَيَّ أجورُ أُمتي، حتَّى القذاةُ يخرجُها الرجلُ مِن المَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذنوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَْنباً أعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ القُرآنِ، أوْ آيَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَها" تكلم الترمذي فيه ["التبيان" للنووي، رقم: ١٣٣] .
٥٨٥- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ١٤٧٤] ، و"مسند الدارمي" [٤٣٧/٢، رقم: ٣٣٤٣] ، عن سعد بن عبادة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ قَرأ القُرآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالى يَوْمَ القِيامَةِ أجذم" ["التبيان" للنووي، رقم: ١٣٤] .
стр. 257
١٣١- فصل في مسائل وآداب ينبغي للقارئ الاعتناء بها:
٥٨٦- وهي كثيرةٌ جداً، نذكرُ منها أطرافاً محذوفة الأدلة لشهرتها، وخوف الإِطالة المملّة بسببها.
٥٨٧- فأوّل ما يُؤمر به الإِخلاص في قراءته، وأن يُريدَ بها وجه اللَّهَ ، وأن لا يقصدَ بها توصلاً إلى شيء سوى ذلك، وأن يتأدَّبَ مع القرآن، ويستحضرَ في ذهنه أنه يناجي اللَّهَ ، ويتلو كتابه، فيقرأ على حالِ مَن يرى الله تعالى، فإنه إن لم يره فإن اللَّه تعالى يراه ["التبيان" للنووي، رقم: ١٣٨] .
стр. 258
١٣٢- فصل [في أحكام السواك] :
٥٨٨- وينبغي إذا أراد القراءة أن ينظّفَ فمهُ بالسِّواك وغيره، والاختيار في السواك أن يكونَ بعود الأراك، ويجوزُ بغيره من العيدان، وبالسعد١، والأشنان٢، والخرقة الخشنة، وغير ذلك مما ينظف. وفي حصوله بالأصبع الخشنة ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي ﵀: أشهرُها عندهم: لا يحصل، والثاني: يحصلُ، والثالث: يحصل إن لم يجد غيرها، ولا يحصل إن وجد. ويستاك عرضاً مبتدئاً بالجانب الأيمن من فمه، وينوي به الإِتيان بالسنّة ["التبيان" للنووي، رقم: ١٣٩] .
٥٨٩- قال بعض أصحابنا: يقولُ عند السواك: اللهمَّ بارك لي فيه يا أرحم الراحمين ["التبيان" للنووي، رقم: ١٤٠] .
٥٩٠- ويَستاك في ظاهر الأسنان وباطنها، ويمرّ السواك على أطراف أسنانه، وكراسي أضراسه، وسقف حلقه، إمراراً لطيفاً ["التبيان" للنووي، رقم: ١٤١] .
٥٩١- ويستاك بعود متوسط، لا شديد اليبوسة ولا شديد اللين، فإن اشتدّ يبسه ليَّنه بالماء. أما إذا كان فمه نجساً بدم أو غيره، فإنه يكره له قراءة القرآن قبل غسله، وهل يحرم؟ فيه وجهان: أصحُّهما لا يحرمُ؛ وسبقت المسألةُ أوّل الكتاب [رقم: ٥٩؛ وراجع "التبيان" للنووي، رقم: ١٤٢] .
وفي هذا الفصل بقايا تقدّم ذكرها في "الفصول" التي قدمتها في أوّل الكتاب [الفصول ٨ - ١٢] .
стр. 259
١٣٣- فصل [في آداب قراءة القرآن] :
٥٩٢- ينبغي للقارئ أن يكون شأنه الخشوع والتدبر والخضوع، فهذا هو المقصود المطلوب، وبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، ودلائله أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تُذكر ["التبيان" للنووي، رقم: ١٧١] .
٥٩٣- وقد بات جماعة من السلف يتلو الواحد منهم آية واحدة ليلة كاملة، أو معظم ليلةٍ يتدبرها عند القراءة١. وصعق جماعةٌ منهم عند القراءة، ومات جماعاتٌ منهم [حال القراءة] ["التبيان" للنووي، رقم: ١٧٢] .
٥٩٤- ويستحبّ البكاء والتباكي لمن لا يقدر على البكاء، فإن البكاء عند القراءة صفة العارفين، وشعارُ عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ [الإسراء: ١٠٩] وقد ذكرتُ آثاراً كثيرة وردت في ذلك في "التبيان في آداب حملة القرآن" [الأرقام: ١٨٧ - ١٩٥] .
٥٩٥- قال السيد الجليل صاحبُ الكراماتِ والمعارفِ والمواهب واللطائف إبراهيم الخواصُ ﵁ دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرّع عند السحر، ومجالسة الصالحين. ["الرسالة القشيرية" ضمن ترجمة أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد الخواص] .
стр. 260
١٣٤- فصل [في فضل قراءة القرآن في المصحف] :
٥٩٦- قراءة القرآن في المصحف أفضل من القراءة من حفظه [راجع ما رواه الدارمي، رقم: ٣٣٥٤] ، هكذا قاله أصحابنا، وهو مشهورٌ عن السلف ﵃؛ وهذا ليس على إطلاقه، بل إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر والتفكّر وجمع القلب والبصر أكثرُ مما يحصلُ له من المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضلُ، وإن استويا فمن المصحف أفضل، وهذا مراد السلف.
стр. 261
١٣٥- فصل [في أيهما أفضل: رفع الصوت بالقرآن أو خفضه] :
٥٩٧- جاءت آثارٌ بفضيلة رفع الصوت بالقراءة، وآثارٌ بفضيلة الإِسرار؛ قال العلماءُ: والجمع بينهما أن الإِسرار أبعد من الرياء، فهو أفضل في حقّ مَن يخاف ذلك، فإن لم يَخَفِ الرياءَ، فالجهر أفضل، بشرط ألا يؤذي غيره من مصلٍّ، أو نائم، أو غيرهما. ودليل فضيلة الجَهْر أن العمل فيه أكبرُ؛ ولأنه يتعدى نفعه إلى غيره؛ ولأنه يُوقظ قلب القارئ، ويجمع همَّه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه؛ ولأنه يطردُ النومَ، ويزيد في النشاط، ويُوقظ غيره من نائمٍ وغافلٍ، وينشطهُ، فمتى حضرهُ شيءٌ من هذه النيّات، فالجهرُ أفضل.
стр. 262
١٣٦- فصل [في تحسين الصوت عند قراءة القرآن] :
٥٩٨- ويستحبّ تحسين الصوت بالقراءة وتزيينها ما لم يخرج عن حدّ القراءة بالتمطيط، فإن أفرط حتى زاد حرفاً، أو أخفى حرفاً فهو حرام ["التبيان"، رقم: ٢٦٠] .
٥٩٩- وأما القراءة بالألحان، فهي على ما ذكرناهُ، إن أفرط فحرامٌ، وإلا فلا؛ والأحاديث بما ذكرناهُ من تحسين الصوت كثيرةٌ مشهورةٌ في الصحيح وغيره، وقد ذكرتُ في "آداب القراءة١" قطعة منها [التبيان"، الأرقام: ٢٦١ - ٢٦٨] .
стр. 263
١٣٧- فصل [في كيفية التلاوة] :
٦٠٠- ويستحب للقارئ إذا ابتدأ من وسط السورة أن يبتدئ من أوّل الكلام المرتبط بعضه ببعض، وكذلك إذا وقفَ يقفَ على المرتبط، وعند انتهاء الكلام، ولا يتقيّدُ في الابتداء ولا في الوقف بالأجزاء والأحزاب والأعشار، فإن كثيراً منها في وسط الكلام المرتبط بالكلام، ولا يغترُّ الإِنسانُ بكثرةِ الفاعلين لهذا الذي نهينا عنه ممّن لا يُراعِي هذه الآداب، وامتثِلْ ما قاله السيد الجليل أبو عليّ الفُضَيْل بن عياض ﵁: لا تستوحشْ طرقَ الهدى لقلّة أهلها، ولا تغترّ بكثرة الهالكين. [سيرد برقم: ٨٣٥ و١٣٦٢] ولهذا المعنى قال العلماءُ: قراءة سورةٍ بكمالها أفضل من قراءة قدرها من سورة طويلة؛ لأنه قد يخفى الارتباط على كثير من الناس أو أكثرهم في بعض الأحوال والمواطن ["التبيان" الأرقام: ٢٧٥ - ٢٧٧] .
стр. 264
١٣٨- فصل [في بدع القراءة] :
٦٠١- ومن البدع المنكرة ما يفعلُه كثيرون من جهلة المصلّين بالناس التراويحَ من قراءة سورة الأنعام بكمالها في الركعة الأخيرة منها في الليلة السابعة، معتقدين أنها مستحبة، زاعمين أنها نزلت جملة واحدة١، فيجمعون في فعلهم هذا أنواعاً من المنكرات، منها اعتقادها مستحبة، ومنها إيهام العوّام ذلك، ومنها تطويل الركعة الثانية على الأولى، ومنها التطويل على المأمومين، ومنها هذرمة القراءة، ومنها المبالغة في تخفيف الركعات قبلها ["التبيان"، رقم: ٢٨٣] .
стр. 265
١٣٩- فصل [في حكم تسمية السور] :
٦٠٢- يجوز أن يقولَ: سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء، وسورة العنكبوت، وكذلك الباقي، ولا كراهةَ في ذلك؛ وقال بعض السلف: يُكره ذلك١، وإنما يقالُ: السورة التي تُذكر فيها البقرة، والتي يُذكر فيها النساء، وكذلك الباقي، والصواب الأوّل، وهو قولُ جماهير علماء المسلمين من سلف الأمة وخلفها، والأحاديثُ فيه عن رسول الله ﷺ أكثر من أن تحصر، وكذلك عن الصحابة فمن بعدهم، وكذلك لا يُكره أن يُقال: هذه قراءةُ أبي عمرو، وقراءةُ ابن كثير، وغيرهما، هذا هو المذهب الصحيحُ المختارُ الذي عليه عمل السلف والخلف من غير إنكار، وجاء عن إبر اهيم النخعي ﵀ أنه قال: كانوا يكرهون أن يقال: سنّة فلانٍ، وقراءةُ فلانٍ؛ والصوابُ ما قدّمناه. ["التبيان" الأرقام: ٤٣٤ و٤٣٩ و٤٤٠] .
стр. 266
١٤٠- فصل [في النهي عن قول: نسيت آية كذا] :
٦٠٣- يُكره أن يقول: نسيتُ آية كذا، أو سورة كذا، بل يقول أُنسيتها، أو أسقطتها ["التبيان" للنووي، رقم الفقرة: ٤٢٩] .
٦٠٤- روينا في "صحيحي" البخاري [رقم: ٥٠٣٢] ومسلم [رقم: ٧٩٠] ، عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَقُولُ أحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا، بَلْ هُوَ نُسِّي" ["التبيان" للنووي، رقم الفقرة: ٤٣٠] .
٦٠٥- وفي رواية "الصحيحين" أيضًا: "بئس ما لأحَدِهِمْ أنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وكيت، بَلْ هُوَ نُسِّي" ["التبيان" للنووي، رقم الفقرة: ٤٣١] .
٦٠٦- وروينا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ٥٠٤٢ ورقم: ٥٠٣٨؛ ومسلم، رقم: ٧٨٨] ، عن عائشة ﵂، أن النبيّ ﷺ سمع رجلاً يقرأ، فقال: "﵀، لَقَدْ أذْكَرَنِي آيَةً كُنْتُ أسْقَطْتُهَا" ١.
وفي رواية في الصحيح [البخاري، رقم: ٥٠٣٨] : "كنت أنسيتها" ["التبيان"، رقم: ٤٣٢] .
стр. 267
١٤١- فصل [في آداب التلاوة] :
٦٠٧- اعلم أن آداب القارئ والقراءة لا يمكنُ استقصاؤها في أقلّ من مجلدات، ولكنا أردنا الإِشارة إلى بعض مقاصدها المهمات بما ذكرناه من هذه الفصول المختصرات، وقد تقدم في الفصول السابقة في أوّل الكتاب شيءٌ من آداب الذاكر والقارئ [رقم: ٧٩] ، وتقدم أيضاً في أذكار الصلاة جملٌ من الآداب المتعلقة بالقراءة، وقد قدّمنا الحوالة على كتاب "التبيان في آداب حملة القرآن" لمن أراد مزيداً، وبالله التوفيقُ، وهو حسبي ونِعمَ الوكيل.
стр. 268
١٤٢- فصل [في أن تلاوة القرآن أفضل الأذكار] :
٦٠٨- اعلم أن قراءة القرآن آكد الأذكار كما قدمناه١، فينبغي المداومة عليها، فلا يُخلي عنها يوماً وليلة، ويحصل له أصلُ القراءة بقراءة الآيات القليلة.
стр. 269
٦٠٩- وقد روينا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٦٧٦] ، عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قَرأ في يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسِينَ آيَةً لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغافِلِينَ، ومن قرأ مائة آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القانِتِينَ، وَمَنْ قَرأ مائتي آيَةٍ لَمْ يُحاجهِ القُرآنُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومن قرأ خمس مائة آية كُتِبَ لَهُ قِنْطارٌ مِنَ الأجْرِ".
وفي رواية [رقم: ٦٧٧] : "مَنْ قَرأ أَرْبَعِينَ آيَةً" بدل: "خمسين".
وفي رواية فيه [رقم: ٧٠٣] : "عشرين آية".
٦١٠- وفي رواية فيه [رقم: ٧٠٧] : عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرأ عَشْرَ آياتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغافلين".
وجاء من الباب أحاديثُ كثيرةٌ بنحو هذا.
٦١١- وروينا أحاديث كثيرة في قراءة سورة في اليوم والليلة، منها [سورة] "يس" و [سورة] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ، و [سورة] "الواقعة" و [سورة] "الدخان".
٦١٢- فعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرأ "يس" فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ غُفِرَ لَهُ" [ابن السني، رقم ٦٧٩] .
٦١٣- وفي رواية له [ابن السني، رقم: ٦٨٤] : "مَنْ قَرأ سُورَةَ "الدُّخانِ" فِي لَيْلَةٍ أصْبَحَ مَغْفُوراً لَهُ".
٦١٤- وفي رواية [لابن السني، رقم: ٦٨٥] ، عن ابن مسعود ﵁، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ قَرأ سُورَةَ "الوَاقِعَةِ" فِي كُلّ ليلة لَمْ تُصِبْهُ فاقَة".
стр. 270
٦١٥- وعن جابر ﵁: كان رسول الله ﷺ لا ينامُ١ حتى يقرأ: ﴿آلم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ السجدة، و ﴿تَبَارَكَ﴾ الملك.
٦١٦- وعن أبي هريرة ﵁ [عند ابن السني، رقم: ٦٩١] ، أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأ فِي لَيْلَة: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ كانَتْ لَهُ كَعِدْلِ نِصْفِ القرآن، ومن قرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ كَانَتْ لَهُ كَعِدْل رُبْعِ القُرآنِ، وَمَنْ قَرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ كانَتْ لَهُ كَعِدْلِ ثُلُثِ القُرآن".
٦١٧- وفي رواية [لابن السني، رقم: ٦٩٢] : "مَنْ قَرأ آيَة الكُرْسِيّ، وأوَّل ﴿حم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ١-٣] عُصِمَ ذلكَ اليَوْمَ مِنْ كُلّ سُوءٍ".
والأحاديث بنحو ما ذكرناهُ كثيرةٌ، وقد أشرنا إلى المقاصد، والله أعلم بالصواب، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة.
стр. 271
كتاب حمد الله تعالى
حمد الله تعالى
مدخل
...
كتاب حمد الله تعالى:
[حَمْدِ اللَّهِ تعالى] :
قال الله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] . وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ [النمل: ٩٣] . وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ [الإِسراء: ١١١] وقال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] والآيات المصرّحة بالأمر بالحمد والشكر، وبفضلهما كثيرة معروفة.
٦١٨- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٨٤٠] ، وابن ماجه [رقم: ١٨٩٤] ، و"مسند أبي عوانة الإسفراييني" المخرَّج على "صحيح مسلم" ﵏، [في أول صحيحه في خطبته] عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "كُلُّ أمرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدأُ فِيه بالحَمْد لِلَّهِ فَهُوَ أقْطَعُ".
وفي رواية [ابن حبان في "الموارد"، رقم: ٥٧٨؛ وفي "صحيحه"، رقم: ١و ٢؛ والنسائي في "عمل اليوم والليلة"، رقم: ٤٩٤] : "بَحَمْدِ اللَّهِ".
وفي رواية [ابن ماجه، رقم: ١٨٩٤] : "بالحَمْدِ فَهُوَ أقْطَعُ".
стр. 272
وفي رواية [أبي داود، رقم: ٤٨٤٠] : "كل كلام لا يُبْدأُ فِيهِ بالحَمْد لِلَّهِ فَهُوَ أجْذَمُ".
وفي رواية ["الجامع لأخلاق الراوي والسامع" للخطيب البغدادي، ١٢٣٢] : "كل أمرٍ ذي بالٍ لا يُبْدأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهوَ أقْطَعُ".
روينا هذه الألفاظ كلها في "كتاب الأربعين" للحافظ عبد القادر الرهاوي، وهو حديث حسن، وقد رُوي موصولاً كما ذكرنا، ورُوي مرسلاً، ورواية الموصول جيدةُ الإِسناد، وإذا رُويَ الحديثُ موصولاً وملاسلًا فالحكم للاتصال عند جمهور العلماء؛ لأنها زيادة ثقةٍ، وهي مقبولة عند الجماهير. [سيرد برقم: ١٤٤٣] .
ومعنى "ذي بالٍ" أي: له حالٌ يهتمُ بهِ، ومعنى "أقطعُ" أي: ناقصٌ، قليلُ البركةِ، و"أجذمُ" بمعناهُ، وهُو بالذالِ المعجمةِ وبالجيم.
٦١٩- قال العلماء: فيُستحبّ البداءةُ بالحمدِ للَّه لكل مصنفٍ، ودارسٍ، ومدرسٍ، وخطيب، وخاطب، وبين يدي سائر الأمور المهمة.
٦٢٠- قال الشافعي ﵀: أحبّ أن يقدّم المرء بين يدي خطبته، وكل أمرٍ طلبهُ: حمدَ الله تعالى، والثناءَ عليه ، والصلاة على رسول الله ﷺ .
стр. 273
١٤٤- فصل [في حمد الله في ابتداء كل أمرٍ] :
٦٢١- اعلم أن الحمدَ مستحبٌّ في ابتداء كل أمرِ ذي بالٍ كما سبق.
٦٢٢- ويستحبُ بعد الفراغ من الطعام والشراب، والعطاس، وعند خطبةِ المرأة -وهو طلب زواجها- وكذا عند عَقْدِ النِّكَاح، وبعد الخروج من الخلاء؛ وسيأتي بيانُ هذه المواضع في أبوابها بدلائلها، وتفريع مسائلها إن شاء الله تعالى، وقد سبق بيان ما يُقال بعد الخروج من الخلاء في بابه [رقم: ٣١] ، ويُستحبّ في ابتداء الكتب المصنفة كما سبق، وكذا في ابتداء دروس المدرّسين، وقراءة الطالبين، سواءٌ قرأ حديثاً، أو فقهاً، أو غيرهما، وأحسنُ العبارات في ذلك: الحمدُ لله رب العالمين.
стр. 274
١٤٥- فصل [في أن الحمد ركنٌ في خطبة الجمعة] :
٦٢٣- حمدُ الله تعالى ركنٌ في خطبة الجمعة وغيرها، لا يصحّ شيء منها إلا به. وأقلُ الواجبِ: الحمدُ لله. والأفضلُ أن يزيد من الثناء، وتفصيلهُ معروفٌ في كُتُبِ الفقهِ، ويشترطُ كونُها بالعربية.
стр. 275
١٤٦- فصل [في استحباب ختم الدعاءِ بحمدِ الله] :
٦٢٤- يُستحبّ أن يختم دعاءهُ بـ: الحمدُ لله ربّ العالمين، وكذلك يبتدئهُ بـ الحمدُ لله، قال الله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] .
٦٢٥- وأما ابتداءُ الدُعاءِ بحمدِ الله وتمجيده، فسيأتي دليلهُ من الحديث الصحيح قريباً في كتابِ الصلاة على رسول الله ﷺ [برقم: ٦٤٨] إن شاء الله تعالى.
стр. 276
١٤٧- فصل [في حمد الله عند حدوث النعم وزوال النقم] :
٦٢٦- يُستحبّ حمدُ الله تعالى عند حصول نعمةٍ، أو اندفاع مكروهٍ، سواءٌ حصل ذلك لنفسه، أو لصاحبه، أو للمسلمين.
٦٢٧- روينا في "صحيح مسلم" [رقم: ١٦٨] ، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ أُتيَ ليلة أُسري به بقدحين من خمرٍ ولبنٍ، فنظر إليهما، فأخذ اللبن، فقال له جبريلُ: "الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غَوَت أُمتك".
стр. 277
١٤٨- فصل [في حمد الله عند موت قريب] :
٦٢٨- روينا في "كتاب الترمذي" [رقم: ١٠٢١] وغيره، عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات ولدُ العبدِ قالَ الله تعالى لملائكته: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فيقولون: نعم! فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم! فيقولُ: فماذا قال عبدي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فيقولُ اللَّهُ تَعالى: ابنوا لعبدي بَيْتاً في الجَنَّةِ وسموهُ بَيْتَ الحَمْدِ"، قال الترمذي: حديث حسن. [وسيرد برقم: ٧٥٩] .
٦٢٩- والأحاديث في فضل الحمد كثيرةٌ مشهورةٌ، وقد سبق في أوّل الكتاب جملةٌ من الأحاديث الصحيحة في فضل: سبحانَ الله، والحمدُ لله؛ ونحو ذلك. [الباب رقم: ١٨] .
стр. 278
١٤٩- فصل [في بيان أفضل صيغ الحمد] :
٦٣٠- قال المتأخرون من أصحابنا الخراسانيين: لو حلف إنسان ليحمدنّ الله تعالى بمجامع الحمد -ومنهم مَن قال: بأجلّ التحاميد- فطريقه في برَ يمينه أن يقول: الحمدُ لله حمداً يوافي نعمهُ، ويكافئ مزيدهُ.
ومعنى "يُوافي نعمه" أي: يُلاقيها، فتحصل معهُ؛ و"يكافئُ" بهمزةٍ في آخره، أي: يُساوي مزيدَ نعمه، ومعناهُ: يقوم بشكرِ ما زادهُ من النِعم والإِحسان.
стр. 279
٦٣١- قالوا: ولو حلف ليثنينَّ على الله تعالى أحسنَ الثناء، فطريق البرّ أن يقول: لا أحُصي ثناءً عليك أنتَ كما أثنيتَ على نفسك. وزاد بعضُهم في آخره: فلك الحمد حتى ترضى.
٦٣٢- وَصَوَّر أبو سعد المتولي المسألة فيمن حلف: ليثنينّ على الله تعالى بأجلّ الثناء وأعظمه، وزاد في أوّل الذكر: سبحانك.
٦٣٣- وعن أبي نصر التمار، عن محمد بن النضر رحمه الله تعالى، قال: قال آدم ﵇: يا رَبّ! شَغَلْتَنِي بِكَسْبِ يَدِي، فَعَلِّمْنِي شَيْئاً فِيهِ مجامعُ الحمدِ وَالتَّسْبِيحِ، فأوحى اللَّهُ ﵎ إليه: يا آدَمُ! إذَا أصْبَحْتَ فَقُلْ ثَلاثاً، وَإذَا أمْسَيْتَ فَقُلْ ثَلاثاً: الحمدُ لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ حمدا يوافي نعمهُ، ويكافئُ مزيدهُ؛ فَذَلِكَ مجامعُ الحمدِ وَالتَّسْبِيحِ، والله أعلم١.
стр. 280
كتاب الصلاة على رسول الله ﷺ :
[الصلاة على رسول الله ﷺ ] :
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] .
والأحاديث في فضلها والأمر بها أكثرُ من أن تُحصر، ولكن نُشيرُ إلى أحرفٍ من ذلك تنبيهاً على ما سواها، وتبرّكاً للكتاب بذكرها.
٦٣٤- روينا في "صحيح مسلم" [رقم: ٣٨٤] ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقولُ: "مَنْ صَلَّى عَليَّ صَلاةً صَلَّى الله عليه بها عشرًا". [راجع رقم: ٢١٤ السابق] .
٦٣٥- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: ٤٠٨] أيضاً، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ صَلَّى عَليَّ واحدةً صلى الله عليه عَشْراً".
٦٣٦- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٤٨٤] ، عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "أوْلى النَّاسِ بي يَوْمَ القِيامَةَ أَكْثَرُهُمْ عَليَّ صَلاةً" قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.
قال الترمذي، وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوفٍ، وعامرِ بن ربيعة، وعمارٍ، وأبي طلحة، وأنسٍ، وأُبيّ بن كعبٍ ﵃.
стр. 281
٦٣٧- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ١٠٤٧] ، والنسائي [رقم: ١٠٤٧] ، والنسائي [رقم: ١٣٧٤] ، وابن ماجه [رقم: ١٠٨٥ ورقم: ١٦٣٦] بالأسانيد الصحيحة١، عن أوس بن أوس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مِنْ أفْضَلِ أيَّامِكُمْ يوم الجمعة، فأكثروا عَليَّ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ، فإنَّ صَلاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَليَّ"، فقالوا: يا رسول الله! وكيف تعرضُ صلاتُنا عليك، وقد أرَمْتَ؟ -قال: يقولُ: بليت- قال: "إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ على الأرض أجْسادَ الأنْبِياءِ".
قلتُ: "أرَمْتَ" بفتح الراء وإسكان الميم، وفتح التاء المخففة. قال الخطابي [في "معالم السنن" ٦٣٥/١] : أصلهُ: أرممت، أي: صرت رميمًا، فحذفوا إحدى الميمين، وهي لغةٌ لبعض العرب، كما قالوا: ظلتُ أفعلُ كذا، أي: ظللتُ، في نظائر لذلك. وقال غيرهُ: إنما هو أرَمَّتْ، بفتح الراء والميم المشددة وإسكان التاء، أي: أرمَّت العظامُ، وقيل فيه أقوالٌ أُخر؛ والله أعلم.
٦٣٨- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٢٠٤٢] في آخر كتاب الحجّ، في باب زيارة القبور، بالإِسناد الصحيح، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيداً، وَصَلُّوا عليَّ، فإنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ".
٦٣٩- وروينا فيه [رقم: ٢٠٤١] أيضاً بإسناد صحيح، عن أبي هريرة أيضاً، أن رسو الله ﷺ قال: "ما من أحدٍ يُسلمُ علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇".
стр. 282
١٥١- بابُ أمرِ مَنْ ذُكِرَ عندَه النبيُّ ﷺ بالصَّلاة عليه والتسليم ﷺ :
٦٤٠- روينا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٣٥٤٥] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسوُ الله ﷺ : "رَغِمَ أنْفُ رجلٍ ذكرتُ عندهُ فَلَمْ يصلِّ عَليَّ" قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.
٦٤١- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٣٨٢] بإسناد جيد، عن أنس ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ ذكرتُ عندهُ، فليصلُ عَليَّ، فإنَّهُ مَنْ صَلَّى عَليَّ مَرَّةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْراً".
٦٤٢- وروينا فيه [رقم: ٣٨٣] بإسناد ضعيف، عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَليَّ فَقَدْ شَقِيَ".
٦٤٣- وروينا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٣٥٤٦] ، عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "البخيلُ مَنْ ذكرتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يصلِّ عَليَّ". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ [غريبٌ] ، ورويناه في كتاب النسائي ["عمل اليوم والليلة" رقم: ٥٥ ورقم: ٥٦] من رواية الحسين بن عليّ ﵄، عن النبي ﷺ .
قال الإمام أبو عيسى الترمذي عند هذا الحديث: يروى عن بعض أهل العلم قال: إذا صلى الرجلُ على النبي ﷺ مرّة في المجلس أجزأ عنه ما كَانَ في ذلك المجلس.
стр. 283
بابُ صفةِ الصَّلاة على رسولِ الله ﷺ
مدخل
...
١٥٢- بابُ صفةِ الصَّلاة على رسولِ الله ﷺ :
٦٤٤- قد قدّمنا في كتاب أذكار الصلاة صفة الصلاة على رسول الله ﷺ وما يتعلَّقُ بها، وبيان أكملها وأقلها. [الأرقام: ٣٧٨ - ٣٨١] وأمَّا ما قالهُ بعضُ أصحابنا، وابن أبي زيد المالكي [كما في "الثمر الداني" صفحة: ١٢١] من استحباب زيادةٍ على ذلك، وهي: وَارْحَمْ مُحَمَّداً، وآلَ محمدٍ. فهذا بدعةٌ لا أصل لها. وقد بالغ الإمامُ أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه "شرح الترمذي" [٢٧١/٢ - ٢٧٢] في إنكار ذلك، وتخطئة ابن أبي زيد في ذلك، وتجهيل فاعله، قال: لأن النبيّ ﷺ علَّمنا كيفيةَ الصلاة عليه ﷺ ، فالزيادة على ذلك استقصار لقوله، واستدراك عليه ﷺ ؛ وبالله التوفيق١.