بابُ استحباب قول صاحب الطعام لِضِيْفَانِه عندَ تقديم الطَّعام: كُلوا، أو ما في مَعناه:
١١٦٩- اعلم أنه يُستحبّ لصاحِب الطعام أن يقولَ لضيفه عند تقديم الطعام: بسم الله، أو: كُلوا، أو: الصَّلاة، أو: نحو ذلك من العبارات المصرِّحة بالإِذن في الشروع في الأكل، ولا يجب هذا القول، بل يكفي تقديمُ الطعام إليهم، ولهم الأكل بمجرّد ذلك من غير اشتراط لفظ، وقال بعض أصحابنا: لا بدّ من لفظ، والصوابُ الأوّل، وما ورد في الأحاديث الصحيحة من لفظ الإِذن في ذلك محمول على الاستحباب.
стр. 527
باب التسمية عند الأكلِ والشُّربِ:
١١٧٠- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٥٣٧٦] ، ومسلم [رقم: ٢٠٢٢] ؛ عن عمر بن أبي سلمة ﵄، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ وكل مما يليك".
١١٧١- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣٧٦٧] والترمذي [رقم: ١٨٥٨] ، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعالى في أوَّلِهِ، فإنْ نَسِيَ أنْ يَذْكُر اسْمَ اللَّهِ تَعالى في أوله فليقل: بسم اللَّهِ أوَّلَهُ وآخِرَهُ". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
١١٧٢- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٠١٨] ، عن جابر ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ دُخُولِهِ، وَعِنْدَ طَعامِهِ، قالَ الشِّيْطانُ [لأصحابه] : لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلا عَشاءَ؛ وَإذا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اسم اللَّهَ تَعالى عنْدَ دُخُولِه، قالَ الشيطانُ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ؛ وَإذا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ طَعامِهِ، قالَ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ والعشاء". [ومر برقم: ١٣٣] .
١١٧٣- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٠٤٠] أيضاً، في حديث أنس المشتمل على معجزةٍ ظاهرةٍ من معجزاتِ رسولِ الله ﷺ ، لمَّا دعاهُ أبو طلحةَ وأُمُّ سُليم للطعام، قال: ثم قال النبيُّ ﷺ : "ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ"، فأذن لهم، فدخلُوا، فقالوا النبيّ ﷺ : "كُلُوا وسَمُّوا اللَّهَ تَعالى"، فأكلُوا حتى فعلَ ذلك بثمانين رجلاً.
١١٧٤- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٠١] أيضاً، عن حذيفة ﵁، قال: كنّا إذا حضرْنَا مع رسولِ الله ﷺ طعاماً، لم نضعْ أيدينا حتى يبدأ رسولُ الله ﷺ فيضعُ يدَه، وإنّا حضرنا معه مرّة طعاماً، فجاءت جارية كأنها تدفعُ، فذهبتْ لتضعَ يدَها في الطعام، فأخذَ
стр. 528
رسول الله ﷺ يدها؛ ثم جاءَ أعرابيٌّ كأنما يَدْفَعُ، فأخذَ بيدِه، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الشَّيْطانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعامَ ألا يُذْكَرَ اسْمُ الله عَلَيْه، وأنَّهُ جاءَ بهَذِهِ الجارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فأخَذْتُ بِيَدِها، فجاء بهذا الأعْرابِيّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فأخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِه إنَّ يَدَهُ في يَدِي مَعَ يَدِهِما"، ثم ذكر اسم الله تعالى، وأكل.
١١٧٥- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣٧٦٨] ، والنسائي [في "عمل اليوم والليلة"، [رقم: ٢٨٢] ؛ عن أميّة بن مَخْشِيٍّ الصحابي ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ جالسا، ورجلٌ يأكلُ، فلم يُسمّ حتى لم يبقَ من طعامه إلا لقمة، فلما رفعها إلى فِيه، قال: بسم الله أوّله وآخرُه؛ فضحكَ النبيّ ﷺ ، ثم قال: "ما زَالَ الشَّيْطانُ يأكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ اسْتَقَاءَ ما في بَطْنِهِ".
قلتُ: مَخْشِيّ بفتح الميم وإسكان الخاء وكسر الشين المعجمتين وتشديد الياء؛ وهذا الحديثُ محمول على أن النبيّ ﷺ لم يعلمْ تركَه التسمية إلا في آخر أمره، إذ لو علم ذلك لم يسكتْ عن أمره بالتسمية.
١١٧٦- وَرَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ١٨٥٨] ، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يأكلُ طعاماً في ستة من أصحابه، فجاء أعرابيٌّ فأكلَه بلقمتين، فقال رسول الله ﷺ : "أما إنَّهُ لَوْ سَمَّى لَكَفاكُمْ" قال الترمذي: حديثٌ حسن صحيح.
١١٧٧- وَرَوَيْنَا [في "كتاب ابن السني"، رقم: ٤٦٢] عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ نَسِيَ أنْ يُسَمِّيَ على طَعامِهِ، فَلْيَقْرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إذَا فَرَغَ".
١١٧٨- قُلتُ: أجمع العلماءُ على استحباب التسمية على الطعام في
стр. 529
أوّلِه، فإن تركَ في أوله عامداً أو ناسياً أو مُكرهاً أو عاجزاً لعارض آخر، ثم تمكن في أثناء أكلِه، استحبّ أن يسمّي للحديث المتقدم [رقم: ١١٧١] ويقول: باسم الله أوله وآخره، كما جاء في الحديث [رقم: ١١٧٥] ، والتسميةُ في شرب الماء واللبن والعسل والمرق وسائر المشروبات كالتسمية في الطعام في جميع ما ذكرناه.
١١٧٩- قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: ويُستحبُّ أن يجهرَ بالتسمية ليكونَ فيه تنبيهٌ لغيره على التسمية، وليُقتدى به في ذلك؛ والله أعلم.
٣١٦- فصل [في أحكام التسمية عند الأكلِ والشرب] :
١١٨٠- من أهمّ ما ينبغي أن يعرف صفة التسمية، وقدر المجزئ منها، فاعلم أن الأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قالَ: بِسْمِ الله؛ كفاه وحصلت السنة، وسواء في هذا الجُنب والحائض وغيرهما، وينبغي أن يسمي كل واحد من الآكلين، فلو سمى واحدٌ منهم أجزأ عن الباقين، نصّ عليه الشافعي ﵁، وقد ذكرته عن جماعة في كتاب "الطبقات"١ في ترجمة الشافعي ﵀، وهو شبيه برد السلام، وتشميت العاطس، فإنه يجزئ فيه قول أحد الجماعة.
стр. 530
بابُ لا يعيبُ الطعامَ والشرابَ:
١١٨١- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٥٤٠٩] ، ومسلم [رقم: ٢٠٦٤] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: ما عابَ رسولُ الله ﷺ طعاماً قطّ، إن اشتهاهُ أكلهُ، وإن كرههُ تركهُ.
وفي رواية لمسلم: وإن لم يشتهه سكت.
١١٨٢- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣٧٨٤] ، والترمذي [رقم ٥٦٥] ، وابن ماجه [رقم: ٢٨٣٠] ؛ عن هُلْبٍ الصحابي ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ وسأله رجل، فقال: إن من الطعام طعاماً أتحرّجُ منه، فقال: "لا يتحلَّجَنَّ في صَدْرِكَ شَيْءٌ ضَارَعْتَ بِهِ النَّصْرانِيَّةَ".
قلتُ: "هُلْب" بضمّ الهاء وإسكان اللام وبالباء الموحدة،. وقوله: "يَتَحَلَّجَنَّ"، هو بالحاء المهملة قبل اللام والجيم بعدها، هكذا ضبطه الهروي والخطابي والجماهير من الأئمة، وكذا ضبطناه في أصول سماعنا "سنن أبي داود" وغيره بالحاء المهملة، وذكره أبو السعادات ابن الأثير ["النهاية" ١/ ٤٣٣] بالمهملة أيضاً، ثم قال: ويُروى بالخاء المعجمة، وهما بمعنى واحد.
قال الخطابي [٤/ ١٤٨] : معناه: لا يقعن في نفسك ريبة منه. قال: وأصله من الحلج، وهو: الحركة والاضطرابُ، ومنهُ: حلجُ القطنِ. قال: ومعنى "ضارعتَ النصرانية" أي: قاربتها في الشبه، فالمضارعة: المقارنة في الشبه.
стр. 531
بابُ جواز قوله: لا أشتهي هذا الطعام أو ما اعتدت أكله، أو نحو ذلك، إذا دعت إليه الحَاجة:
١١٨٣- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٥٣٩١] ، ومسلم [رقم: ١٩٤٥] ؛ عن خالد بن الوليد ﵁، في حديث الضَّبِّ لما قدَّموه مشوياً إلى رسول الله ﷺ ، فأهوى رسولُ الله ﷺ بيده إليه، فقالوا: هو الضَّبُّ يا سول الله! فرفعَ رسولُ الله ﷺ يدَه، فقال خالدٌ: أحرامٌ الضبُ يا رسول الله؟ قال: "لا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأرْضِ قَوْمي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ".
стр. 532
بابُ مَدحِ الآكلِ الطعامَ الذي يأكلُ منهُ:
١١٨٤- رَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٠٥٢] ، عن جابر ﵁، أن النبيّ ﷺ سألَ أهلَه الأُدْمَ، فقالوا: ما عندنا إلاَّ خَلّ؛ فدعا به، فجعلَ يأكلُ منهُ ويقول: "نِعْمَ الأدْمُ الخَلُّ، نِعْمَ الأُدْمُ الخل".
стр. 533
بابُ ما يقولُه من حَضَرَ الطعامُ وهو صائمٌ إذا لم يُفطر:
١١٨٥- رَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ١٤٣١، ورقم: ١٤٣٢] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فليُجب: فإنْ كانَ صَائِماً فليُصلِّ، وَإنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيَطْعَم".
قال العلماء: معنى فليصل أي: فليدع، [ومعنى فليطعم: فليأكل. "رياض الصالحين" رقم: ٧٣٨] .
١١٨٦- وَرَوَيْنَا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٤٩٠] وغيره، قال فيه: "فإنْ كانَ مُفْطِراً فَلْيَأكُلْ، وَإنْ كَانَ صَائِماً دَعا لَهُ بالبركة".
стр. 534
باب ما يقوله له مَن دُعِي لطعامٍ إذا تَبِعَه غيرُه
...
بابُ ما يقولُه مَن دُعِي لطعامٍ إذا تَبِعَه غيرُه:
١١٨٧- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٥٤٣٤] ، ومسلم [رقم: ٢٠٣٦] واللفظ له؛ عن أبي مسعودٍ الأنصاري ﵁، قال: دعا رجلٌ النبيَّ ﷺ لطعامٍ صنعَه له خامسَ خمسةٍ، فتبعهُم رجلٌ، فلما بلغَ البابَ، قال النبيّ ﷺ : "إِنَّ هَذَا اتَّبَعَنا، فإنْ شِئْتَ أَنْ تأذَنَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ"، قال: بل آذنُ له يا رسولَ الله.
стр. 535
باب وعطه وتأديبِهِ مَنْ يُسيءُ في أكله
...
بابُ وَعْظِهِ وتأديبِهِ مَنْ يُسيءُ في أكله:
١١٨٨- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٥٣٧٦] ومسلم [رقم: ٢٠٢٢] ؛ عن
عمر بن أبي سلمة ﵄، قال: كنتُ غلاماً في حجرِ رسُولِ اللهِ ﷺ ، فكانتْ يدي تطيشُ في الصحفةِ، فقال لي رسولُ الله ﷺ : "يا غُلام! سَمّ الله تعالى، وكُل بِيَمينِكَ، وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ".
وفي رِوَاية في الصحيح، قال: أكلتُ يوماً مع رسول الله ﷺ ، فجعلتُ آكلُ من نواحي الصحفة، فقال لي رسولُ الله ﷺ : "كُلْ مِمَّا يَلِيكَ".
قُلت: قولهُ: "تطيشُ" بكسر الطاء وبعدها ياء مثناةٌ من تحتٍ ساكنةٌ؛ ومعناهُ: تتحركُ وتمتدُ إلى نواحي الصحفة، ولا تقتصرُ على موضعٍ واحدٍ.
١١٨٩- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٢٤٥٥] ، ومسلم [رقم: ٢٠٤٥] ؛ عن جبلةَ بن سحيمٍ، قال: أصابَنَا عامُ سنةٍ مع ابن الزبير، فرزقنا تمرًا، فكان
عبد الله بن عمر ﵄ يمرّ بنا ونحن نأكلُ، ويقولُ: لا تقارِنُوا، فإن النبيَّ ﷺ نهى عن الإِقران، ثم يقول: إلاَّ أنْ يَسْتأذِنَ الرجلُ أخاهُ.
قلتُ: قولهُ: "لا تقارنوا" أي: لا يأكل الرجل تمرتينٍ في لقمةٍ واحدةٍ.
١١٩٠- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٠٢١] ، عن سلمة بن الأكوع ﵁، أن رجلاً أكل عندَ النبيّ ﷺ بشماله، فقال: "كُلْ بِيَمِينِكَ"، قال: لا أستطيع، قال: "لا اسْتَطَعْتَ"، ما منعهُ إلا الكبرُ، فما رفعها إلى فيه. [وسيرد برقم: ١٥٨] .
قلتُ: هذا الرجل هو بسرُ، بضم الموحدة وبالسين المهملة، ابن راعي العَير، بالمثناة وفتح العين؛ وهو صحابي، وقد أوضحتُ حالَه وشرح هذا الحديث في شرح صحيح مسلم؛ والله أعلم.
стр. 536
بابُ استحباب الكَلامِ على الطَّعام:
١١٩١- فيه حديثُ جابر الذي قدَّمناه في باب مدح الطعام [رقم: ١١٨٤] .
١١٩٢- قال الإِمام أبو حامد الغزالي في "الإِحياء" [٢/ ٧] : من آداب الطعام أن يتحدَّثوا في حال أكله بالمعروف، ويتحدّثوا بحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها.
стр. 537
بابُ ما يقولهُ ويفعلهُ من يأكلُ ولا يشبعُ:
١١٩٣- رَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ١٧٦٤] ، وابن ماجه [رقم: ٣٢٨٦] ؛ عن وحشيِّ بن حرب ﵁، أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسولَ الله! إنّا نأكلُ ولا نشبعُ، قال: "فَلَعَلَّكُم تَفْتَرِقُونَ"، قالوا: نعم، قال: "فاجْتَمِعُوا على طَعامِكُمْ، واذْكُرُوا اسم الله تعالى يُبَارَكْ لَكُمْ فيه".
стр. 538
بابُ ما يقولُ إذا أكلَ مع صَاحبِ عاهةٍ:
١١٩٤- رَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣٩٢٥] ، والترمذي [رقم: ١٨١٧] ، وابن ماجه [رقم: ٣٥٤٢] ؛ عن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ أخذَ بيدِ مجذومٍ، فوضعَها معهُ في القَصعةِ، فقال: "كُلْ باسم اللَّهِ؛ ثِقَةً بِاللَّهِ، وَتَوَكُّلاً عَلَيْهِ".
стр. 539
بابُ استحباب قولِ صاحبِ الطَّعام لضيفهِ ومَنْ في معناهُ إذا رفع يده من الطعام: كُلْ، وتكريرُه ذلك عليه ما لم يتحقّقْ أنه اكتفى منه، وكذلك يفعلُ في الشرابِ والطِّيبِ ونحو ذلك
...
باب استحباب قول صاحب الطعام لضيقه ومَنْ في معناهُ إذا رفع يدهُ من الطعام: كُلْ، وتكريرُه ذلك عليه ما لم يتحقّقْ أنه اكتفى منه، وكذلك يفعلُ في الشرابِ والطِّيبِ ونحو ذلك:
١١٩٥- اعلم أن هذا مُستحبّ حتى يُستحبّ ذلك للرجل مع زوجته وغيرها من عيالِه، الذين يُتوهم منهم أنهم رفعوا أيديهم، ولهم حاجةٌ إلى الطعام، وإن قلَّت.
١١٩٦- ومِمّا يُستدلّ به في ذلك ما رويناهُ في "صحيح البخاري" [رقم: ٦٤٥٢] ، عن أبي هريرة ﵁، في حديثه الطويل المشتمل على معجزاتٍ ظاهرةٍ لرسول ﷺ ، لما اشتدّ جوعُ أبي هريرة، وقعدَ على الطريق يستقرئ مَن مَرَّ به القرآن معرّضاً بأن يُضيفه، ثم بعثه رسولُ الله ﷺ إلى أهل الصفّةِ، فجاءَ بهم، فأرْواهم أجمعينَ من قدحِ لبنٍ، وذكر الحديثَ إلى أن قال: قال لي رسول الله ﷺ : "بَقِيتُ أنا وَأنْتَ" قلتُ: صَدقتَ يا رسولَ الله، قال: "اقْعُدْ فاشْرَبْ" فقعدتُ، فشربتُ، فقال: "اشْرَبْ" فَشَرِبْتُ، فما زال يَقُولُ: "اشْرَبْ" حتى قلتُ: لا، والذي بعثك الحق لا أجد له مَسْلَكاً، قال: "فأرِني" فأعطيته القدحَ، فحمد الله تعالى، وسمَّى وشرب الفضلة.
стр. 540
بابُ ما يقولُ إذا فَرَغَ من الطعام:
١١٩٧- رَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٥٤٥٨] ، عن أبي أمامة ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: "الحمدُ لِلَّهِ كَثِيراً طَيِّباً، مُبارَكاً فِيهِ، غَيْرَ مَكْفيٍّ، وَلا مُوَدَّعٍ، وَلا مُسْتَغْنىً عَنْهُ، رَبِّنا".
وفي رواية [للبخاري، رقم: ٥٤٥٩] : كان إذا فَرَغَ من طعامِه، وقال مرّة:
إذا رفع مائدته، قال: "الحمدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفانا وأرْوَانا، غَيْرَ مَكْفِيّ ولا مَكْفُورٍ ".
قلتُ: "مكفيّ" بفتح الميم، وتشديد الياء، هذه الرواية الصحيحة الفصيحة، ورواهُ أكثرُ الرواةِ بالهمزِ، وهو فاسدٌ من حيثُ العربية، سواءٌ كان من الكفايةِ، أو من كفأتُ الإناءَ، كما لا يُقالُ في مقروءٍ من القراءة: مقرئٌ، ولا في مرمىْ: مرمئٌ بالهمز.
قال صاحب "مطالع الأنوار" في تفسير هذا الحديث: المراد بهذا المذكور كله الطعام، وإليه يعود الضمير.
قال الحربيّ: فالمكفيُ: الإناءُ المقلوبُ للاستغناء عنهُ، كما قال: "غير مستغنى عنه" أو لعدمه.
وقوله: "غير مكفورٍ" أي: غير مجحودةٍ نِعمَ الله فيه، بل مشكورةٌ، غير مستورٍ الاعترافُ بها، والحمدُ عليها.
وذهب الخطابي [٤/ ١٨٧] : إلى أن المراد بهذا الدعاء كله البارئ ، وأن الضمير يعود إليه، وأن معنى قوله: "غير مكفيّ": أنه يطعمُ ولا يطعمُ، كأنهُ على هذا من الكفاية، وإلى هذا ذهب غيره في تفسير هذا الحديث، أي: إن الله تعالى مستغنٍ عن معين وظهيرٍ، قال: وقوله: "لا مودّع" أي: غيرُ متروكِ الطلبُ منهُ والرغبةُ إليه، وهو بمعنى المستغنى عنه، وينتصب ربنا على هذا بالاختصاص، أو المدح، أو بالنداء؛ كأنه قال: يا ربنا اسمع حمدنا ودعاءنا، ومن رفعهُ قطعهُ وجعلهُ خبراً، وكذا قيده الأصيلي، كأنه قال: ذلك ربنا، أو١: أنت ربنا، ويصحّ فيه الكسرُ على البدل من الاسم من قوله: "الحمد لله".
стр. 541
وذكر أبو السعادات ابن الأثير في "نهاية الغريب" [٥/ ١٦٨] نحو هذا الخلاف مختصراً. وقال: من رفع ربّنا فعلى الابتداء المؤخر، أي: ربنا غير مكفيّ ولا مودع، وعلى هذا يرفع غير. قال: ويجوزُ أن يكون الكلامُ راجعاً إلى الحمد، كأنه قال: حمداً كثيراً غير مكفي ولا مودعٍ ولا مستغنى عن هذا الحمد. وقال في قوله: "ولا مودّع"، أي: غير متروك الطاعةِ؛ وقيل: هُو من الوداعِ وإليه يرجعُ؛ واللهُ أعلم.
١١٩٨- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٧٣٤] ، عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ تعالى لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ يأكلُ الأكْلَةَ، فيحمدهُ عليه، ويشربُ الشَّرْبَةَ، فيحمدهُ عليها".
والأكلة بفتح الهمزة، وهي الغدوة أو العشوة. "رياض الصالحين"، [رقم: ١٤٠] .
١١٩٩- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣٨٥٠] ، وكتابي "الجامع" [٣٤٥٧] ، و"الشمائل" [١٩٣] للترمذي؛ عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا فَرَغ من طعامه قال: "الحمدُ لِلَّهِ الَّذي أطْعَمَنا وَسَقَانا وَجَعَلَنا مُسْلِمِينَ".
١٢٠٠- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣٨٥١] ، والنسائي [في "عمل اليوم والليلة"، رقم: ٣٨٥] بالإِسناد الصحيح؛ عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أكَلَ أو شَرِبَ قال: "الحمدُ لِلَّهِ الَّذي أطْعَمَ وَسَقَى وسوغهُ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجاً".
١٢٠١- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٠٢٣] ، والترمذي [رقم: ٣٤٥٨] ، وابن ماجه [رقم: ٣٢٨٥] ؛ عن معاذِ بن أنسٍ ﵁،
стр. 542
قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أكَلَ طَعاماً فَقالَ: الحمدُ لِلَّهِ الَّذِي أطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقنيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قوةٍ؛ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". قال الترمذي: حديثُ حسنٌ. وقال الترمذي [رقم: ١٨١٦] : وفي الباب -يعني: باب الحمد على الطعام إذا فرغَ منه- عن عقبةَ بن عامرٍ، وأبي سعيدٍ [رقم: ١١٩٩ السابق] ، وعائشة [رقم: ١٢١٧ اللاحق] ، وأبي أيوبٍ [رقم: ١٢٠٠ السابق] ، وأبي هريرة.
١٢٠٢- وَرَوَيْنَا في "سنن النسائي" [في الكبرى كما في "تحفة الأشراف"، [رقم: ١٥٦٢٠] و"كتاب ابن السني" [رقم: ٤٦٧] بإسنادٍ حسنٍ؛ عن عبد الرحمن بن جبير التابعي، أنه حدثهُ رجلُ خدمَ النبيَّ ﷺ ثماني سنين، أنه كان يسمعُ النبيَّ ﷺ إذا قَرَّبَ إليه طعاماً يقول: "باسم اللَّهِ" فإذا فَرغَ من طعامه، قال: "اللَّهُمَّ أطعمتَ وسقيتَ وأغنيتَ وأقنيتَ وهديتَ وأحييتَ، فَلَكَ الحمدُ على ما أعْطَيْتَ".
١٢٠٣- وَرَوَيْنَا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٤٦٨] ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبيّ ﷺ ، أنه كان يقول في الطعام إذا فرغَ: "الحمدُ لِلَّهِ الَّذي مَنَّ عَلَيْنا وَهَدَانا، وَالَّذي أشْبَعَنا وَأرْوَانا، وَكُلُّ الإِحْسانِ آتانا".
١٢٠٤- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣٧٣٠] ، والترمذي [رقم: ٣٤٥٥] ، و"كتاب ابن السني" [رقم: ٤٧٥] ؛ عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ طَعاماً". وفي رواية ابن السني. "مَنْ أطْعَمَهُ اللَّهُ طَعاماً فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيهِ وأطْعِمْنا خَيْراً مِنْهُ؛ وَمَنْ سَقاهُ اللَّهُ تعالى لَبَناً فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيهِ وَزِدْنا منهُ؛ فإنَّهُ لَيْسَ شيء يجزئُ منَ الطَّعامِ وَالشَّرَابِ غَيْرَ اللَّبَنِ"، قال الترمذي: حديث حسن.
١٢٠٥- وَرَوَيْنَا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٤٧٢] بإسناد ضعيف، عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا شرب في الإِناء تنفَّسَ ثلاثة أنفاسٍ، يحمدُ الله تعالى في كُل نفسٍ، ويشكرهُ في آخره.
стр. 543
بابُ دُعاءِ المدعوّ والضيفَ لأهلِ الطَّعامِ إذا فَرَغَ من أكلهِ:
١٢٠٦- رَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٠٤٢] ، عن عبد الله بن بُسْر -بضم الباء وإسكان السين المهملة- الصحابي ﵁، قال: نزل رسول الله ﷺ على أبي، فقرّبنا إليه طعاماً ووَطْبَةً، فأكل منها، ثم أُتيَ بتمرٍ، فكان يأكلهُ، ويُلقي النَّوَى بين أصبعين، ويجمعُ السبَّابَةَ والوُسطى -قال شعبةٌ: هو ظني، وهو فيه إن شاء الله تعالى إلقاءُ النَّوى بين الأصبعين- ثم أُتي بشرابٍ، فشربَه، ثم ناولهُ الذي عن يمينه، فقال أبي: ادع لنا، فقال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لَهُمْ فِيما رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ".
قلتُ: الوطبة بفتح الواو، وإسكان الطاء المهملة، بعدها باءٌ موحدةٌ، وهي: قربةٌ لطيفةٌ يكون فيها اللبن.
١٢٠٧- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣٨٥٤] وغيره، بالإِسناد الصحيح، عن أنسٍ ﵁، أن النبي ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة ﵁، فجاء بخبرٍ وزبيب، فأكل، ثم قال النبيُّ ﷺ : "أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وأكَلَ طَعَامَكُمُ الأبرارُ، وَصَلَّتْ عليكم الملائكة". [وتقدم برقم: ٩٩١] .
١٢٠٨- وَرَوَيْنَا في "سنن ابن ماجه" [رقم: ١٧٤٧] ، عن عبد الله بن الزبير ﵄، قال: أفطرَ رسولُ الله ﵌ عند سعدٍ بن معاذٍ، فقال: "أفْطَرَ عندكمُ الصَّائِمُونَ "، الحديث.
قلتُ: فهما قضيتان جرتا لسعدِ بن عبادةَ وسعدِ بن معاذٍ.
١٢٠٩- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٣٨٥٣] ، عن رجل؛ عن جابرٍ ﵁ قال: صنعَ أبو الهيثم ابن التيهانِ للنبيّ ﷺ طعاماً، فدعا النبيَّ ﷺ وأصحابهُ، فلما فرغوا، قال: "أثِيبُوا أخاكُمْ" قالوا: يا رسول الله! وما إثابته؟ قال: "إنَّ الرَّجُلَ إذَا دُخل بيتهُ فأُكل طعامهُ، وشربَ شرابهُ، ثم دعي لهُ، فَذَلِكَ إثابتهُ".
стр. 544
بابُ دُعاءِ الإِنسانَ لمن سقاهُ ماءً أو لبناً ونحوهُما:
١٢١٠- رَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٠٥٥] ، عن المقداد ﵁، في حديثه الطويل المشهور، قال: فرفعَ النبيُّ ﷺ رأسَه إلى السماء، فقال: "اللَّهُمَّ أطْعِمْ مَنْ أطْعَمَنِي، وَاسْقِ مَنْ سَقانِي".
١٢١١- وَرَوَيْنَا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٤٧٦] ، عن عمرو بن الحمقِ ﵁، أنه سقى رسولَ الله ﷺ لَبَناً، فقال: "اللَّهُمَّ أَمْتِعْهُ بِشَبابِه"، فمرّتْ عليه ثمانُون سنةً لم يرَ شعرةً بيضاءَ.
قلتُ: الحمقُ بفتح الحاء المهملة، وكسر الميم.
١٢١٢- وَرَوَيْنَا فيه [رقم: ٤٧٨] عن عمرو بن أخطب -بالخاء المعجمة وفتح الطاء- ﵁، قال: اسْتَسْقَى رسولُ الله ﷺ ، فأتيتُه بماءٍ في جمجمةٍ، وفيها شعرةٌ، فأخرجتُها، فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ جملهُ". قال الراوي: فرأيته ابن ثلاثٍ وتسعين أسود الرأس واللحية.
قلتُ: "الجُمْجُمة" بجيمين مضمومتين؛ بينهما ميمٌ ساكنةٌ، وهي: قدح من خشبٍ، وجمعها جماجم، وبه سمي: ديرُ الجماجم، وهو الذي كانت به وقعة ابن الأشعث مع الحجاج بالعراق؛ لأنه كان يعملُ فيه أقداحٌ من خشبٍ، وقيلَ: سمي به؛ لأنه بُنِي من جماجم القتلى لكثرة من قٌيل.
стр. 545
بابُ دعاءِ الإِنسان وتحريضِه لمن يُضيِّفُ ضَيْفاً:
١٢١٣- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٣٧٩٨] ، ومسلم [رقم: ٢٠٥٤] ؛ عن أبي هريرة ﵁، قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ لضيفهُ، فلم يكنْ عندهُ ما يضيفهُ، فقال: "ألا رجلٌ يضيفُ هَذَا، ﵀"، فقام رجلٌ من الأنصار، فانطلق به، وذكر الحديث وهو الحديث التالي، [وسيرد برقم: ١٤١٦] .
стр. 546
بابُ الثَّناءِ على مَنْ أكرمَ ضيفهُ:
١٢١٤- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٤٨٨٩] ، ومسلم [رقم: ٢٠٥٤] ؛ عن أبي هريرة ﵁، قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ ، فقال: إني مجهودٌ؛ فأرسلَ إلى بعض نسائِه، فقالتْ: والذي بعثكَ بالحقّ ما عندي إلا ماءٌ؛ ثم أرسلَ إلى أخرى، فقالت مِثْلُ ذلكَ، حتَّى قلنَ كلهنّ مثلَ ذلك، فقال: "مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ، ﵀"، فقام رجلٌ من الأنصار، فقال: أنا يا رَسُولَ الله! فانطلقَ به إلى رحلهِ، فقال لامرأته: هل عندكِ شيءٌ؟ قالت: لا، إلا قوتُ صبياني؛ قال: فعلِّليهم بشيء، فإذا دخلَ ضيفُنا، فأطفئي السراجَ وأريه أنَّا نأكلُ؛ فإذا أنوى ليأكلَ فقومي إلى السراج حتى تطفيئه، فقعدُوا وأكلَ الضيفُ، فلما أصبحَ غدا على رسول الله ﷺ ، فقال: "قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صُنْعِكُما بِضَيْفِكُما اللَّيْلَةَ"، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ١٩] . [وسيرد برقم: ١٤١٦] .
قلتُ: وهذا محمولٌ على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الطعام حاجة ضرورية؛ لأن العادةَ أن الصبيّ، وإن كان شبعان، يطلبُ الطعامَ إذا رأى مَن يأكلُه. ويحملُ فعلُ الرجل والمرأة على أنهما آثرا بنصيبهما ضيفهما؛ والله أعلم.
стр. 547
بابُ استحباب ترحيب الإِنسان بضيفه وحمده الله تعالى على حُصُوله ضيفاً عندهُ، وسروره بذلك، وثنائه عليه لكونه جعلَه أهلاً لذلك:
١٢١٥- روينا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٠١٨، ٦٠١٩] ، ومسلم [رقم: ٤٧] من طرق كثيرة؛ عن أبي هريرة وعن أبي شُرَيْحٍ الخزاعيّ ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ كان يؤمن باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فليكرم ضيفه". ["متن الأربعين النووية" رقم: ١٥؛ وسيرد برقم: ١٦٩٤ و٢٠٨٠] .
١٢١٦- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٠٣٨] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ أو ليلةٍ، فإذا هو بأبي بكر وعمر ﵄، قال: "ما أخْرَجَكُما مِنْ بيوتكوما هَذِهِ السَّاعَةَ" قالا: الجوعُ يا رسول الله؛ قال: "وأنا، وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَخْرَجَني الَّذي أخْرَجَكُما، قُومُوا" فقاموا معهُ، فأتى رجلاً من الأنصارِ، فإذا ليس هو في بيتهِ، فلما رأتهُ المرأةُ، قالتْ: مرحبَاً وأهلاً؛ فقالَ لها رسولُ الله ﷺ : "أيْنَ فلانٌ"؟ قالت: ذهبَ يستعذبُ لنا من الماء؛ إذ جاء الأنصاريّ، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، ثم قال: الحَمْدُ لله، ما أحدٌ اليوم أكرمُ أضيافاً منّي. وذكر تمام الحديث.
стр. 548
كتاب السلام والاستئذان وتشميت العاطس وما يتعلق بها
مدخل
...
كتاب السلام والاستئذان وتشميت العاطس وما يتعلق بها:
٣٣٤-[السلام والاستئذان وتشميتُ العاطس وما يتعلق بها] :
١٢١٨- قال الله : ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] ، وقال تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] ، وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [الذرايات: ٢٤، ٢٥] .
وعلم أن أصلَ السَّلامِ ثابتٌ بالكتابِ والسنةِ والإِجماع. وأما أفرادُ مسائلهِ وفروعهِ فأكثرُ من أن تُحصر، وأن أختصرُ مقاصدهُ في أبواب يسيرةٍ إن شاء الله تعالى، وبه التوفيقُ والهدايةُ والإصابةُ والرعايةُ.
стр. 549
باب فصل السَّلامِ والأمرِ بإفشائه
...
بابُ فضلِ السَّلامِ والأمرِ بإفشائه:
١٢١٩- روينا في صحيحي البخاري [رقم: ١٢] ، ومسلم [رقم: ٣٩] ﵄؛ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنَّ رجلاً سألَ رسُول الله ﷺ : أيُّ الإِسلام خيرٌ؟ قال: "تُطعم الطَّعامَ، وَتَقْرأُ السَّلام على مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ".
١٢٢٠- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ٣٣٢٦؛ ومسلم، رقم: ٢٨٤١] ، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ على صُورَتِهِ، طولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً، فَلَمَّا خَلَقَهُ قال: اذْهَبْ فَسَلِّمْ على أُولَئِكَ: نفرٍ مِنَ المَلائِكَةِ جلُوس، فاسْتَمِعْ ما يُحَيُّونَكَ، فإنَّهَا تَحِيَّتُكَ وتحيةُ ذُريتك، فقال: السلامُ عَلَيْكُمْ، فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ ورحمةُ اللَّهُ، فزادوهُ: ورحمةُ اللَّهِ".
١٢٢١- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ١٢٣٩؛ ومسلم، ٢٠٦٦] ، عن البراء بن عازب ﵄، قال: أمرنا رسولُ الله ﷺ بسبع: بعيادةِ المريض، واتِّباعِ الجنائز، وتشميتِ العاطسِ، ونصرِ الضعيفِ، وعوْنِ المظلومِ، وإفشاءِ السَّلامِ. وإبرارِ القَسَم.
هذا لفظ إحدى روايات البخاري.
١٢٢٢- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٥٤] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حتَّى تحابُّوا، أوْلا أدُلُّكُمْ على شيءٍ إِذَا فعلتموهُ تَحابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ".
١٢٢٣- وَرَوَيْنَا في مسند الدارمي [٢/ ٢٧٥] ، وكتابي الترمذي [رقم: ٢٤٨٥] وابن ماجه [رقم: ٣٢٥١] وغيرها بالأسانيد الجيدة؛ عن عبد الله بن سلامٍ ﵁، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يا أيُّهَا
стр. 550
النَّاسُ! أفْشُوا السَّلامَ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ، وَصِلُوا الأرْحامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ" قال الترمذي: حديثٌ صحيح.
١٢٢٤- وَرَوَيْنَا في كتابي ابن ماجه [رقم: ٣٦٩٣] ، وابن السني [رقم: ٢١٥؛ عن أبي أمامة ﵁، قال: أمَرَنَا نبيُّنا ﷺ أن نُفشيَ السَّلامَ.
١٢٢٥- وَرَوَيْنَا في موطأ الإِمام مالكٍ ﵁ [٢/ ٩٦١، ٩٦٢] ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أن الطُّفيلَ بن أُبيّ بن كعبٍ أخبرهُ، أنه كان يأتي عبدَ الله بن عُمر، فيغدو معهُ إلى السوق، قال: فإذا عدونا إلى السوق لم يمرّ بنا عبدُ الله على سقاطٍ، ولا صاحبِ بيعةٍ، ولا مسكينٍ، ولا أحدٍ إلاَّ سلَّم عليهِ؛ قال الطفيلُ: فجئتُ عبدَ الله بن عمر يوماً، فاستتبعني إلى السوق، فقلتُ لهُ: ما تصنعُ بالسوق، وأنتَ لا تقفُ على البيْعِ، ولا تسألُ عن السِّلعِ، ولا تسومُ بها، ولا تجلسُ في مجالس السوق؟ قال: وأقولُ: اجلسْ بنا ها هنا نتحدّثْ! فقال لي ابن عمرَ: يا أبا بطن! -وكان الطفيلُ ذا بطنٍ- إنما نغدو من أجل السلام، نُسَلِّم على مَن لقيناه.
١٢٢٦- وَرَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٢٠] ، عنه، قال: وقال عمارٌ ﵁: ثلاثٌ من جَمعهنّ فقد جمعَ الإِيمانَ: الإنصافُ من نفسك، وبذلُ السَّلام للعالم، والإِنفاقُ من الإِقتار.
وَرَوَينْاَ هذا في غير البخاري مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ مجمع الزوائد [١/ ٥٦] .
قلتُ: قد جمعَ الإيمانُ في هذه الكلمات الثلاث خيراتِ الآخرة والدنيا، فإنَّ الإِنصافَ يقتضي أن يؤدّي إلى الله تعالى جميع حقوقه، وما أمرهُ به، ويجتنب جميع ما نهاهُ عنهُ، وأن يؤدّي إلى الناس جميع حقوقهم، ولا يطلب ما ليس له، وأن ينصف أيضاً نفسه، لا يوقعها في قبيح أصلاً.
وأما بذلُ السلام للعالم، فمعناهُ: لجميع الناس، فيتضمن ألا يتكبر على أحدٍ، وألا يكون بينه وبين أحدٍ جفاءٌ يمتنعُ من السلامِ عليه بسببه.
وأما الإنفاقُ من الإقتار، فيقتضي كمال الوثوق بالله تعالى، والتوكل عليه، والشفقة على المسلمين إلى غير ذلك؛ فنسألُ الله تعالى الكريم التوفيق لجميعه.
стр. 551
بابُ كيفيّة السَّلام
مدخل
...
بابُ كيفيّة السَّلام:
١٢٢٧- اعلم أن الأفضل أن يقول المسلم: السَّلامُ عَلَيْكُمْ ورحمةُ اللَّهِ وبركاتهُ؛ فيأتي بضمير الجمع، وإن كان المسلَّم عليه واحداً، ويقولُ المجيبُ: وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورحمةُ اللَّهِ وبركاتهُ؛ ويأتي بواوِ العطفِ في قولهِ: وعليكم.
وممّن نصّ على أن الأفضل في المبتدئ أن يقول: "السلام عليكم ورحمةُ الله وبركاتهُ" الإمامُ أقضى القضاةِ أبو الحسن الماورديّ في كتابه "الحاوي" في كتاب السِّيَر؛ والإمامُ أبو سعدٍ المتولي من أصحابنا في كتابِ صلاة الجمعة وغيرهما.
١٢٢٨- ودليله ما رويناه في مسند الدارمي [٢/ ٢٧٧] ، وسنن أبي داود [رقم: ٥١٩٥] ، والترمذي [رقم: ٢٦٨٩] ؛ عن عمران بن الحصين ﵄، قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ ﷺ ، فقال: السلام عليكم؛ فزد عليه، ثم جلس، فقال النبيّ ﷺ : "عشرٌ"، ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله؛ فردّ عليه، ثم جلس، فقال: "عِشْرُونَ"، ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاتُه؛ فردّ عليه، فجلس، فقال: "ثلاثُون". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.
стр. 552
١٢٢٩- وفي رواية لأبي داودَ [رقم: ١٥٩٦] ، من روايةِ معاذِ بنِ أنسٍ ﵁ زيادة على هذا، قال: ثُمَّ أتى آخرُ، فقال: السلام عليكم ورحمةُ الله وبركاتهُ ومغفرته، فقال: "أرْبَعُونَ"، وقال: "هَكَذَا تَكُونُ الفَضَائِلُ".
١٢٣٠- وَرَوَيْنَا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٢٣٤] بإسناد ضعيفٍ؛ عن أنس ﵁، قال: كان رجلٌ يمرّ بالنبيّ ﷺ يَرعى دوابّ أصحابه، فيقولُ: السلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ الله! فيقول له النبيّ ﷺ : "وَعَلَيْكَ السَّلامُ ورحمةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَرِضْوَانُهُ" فقيل: يا رسول الله! تُسَلِّم على هذا سلاماً ما تسلمهُ على أحدٍ من أصحابك؟ قال: "وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذلكَ، وَهُوَ يَنْصَرِفُ بأجْرِ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً؟! ".
١٢٣١- قال أصحابنا: فإن قال المبتدئ: السلام عليكم، حصل السلامُ؛ وإن قال: السلامُ عليكَ، أو سلامٌ عليكَ، حصل أيضاً. وأما الجوابُ فأقلهُ: وعليكَ السلامُ، أو وعليكم السلامُ؛ فإن حذف الواو فقال: عليكمُ السلامُ، أجزأهُ ذلك وكان جواباً، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي نصّ عليه إمامنا الشافعي ﵀ في "الأُم"، وقاله جمهور أصحابنا، وجزم أبو سعدٍ المتولّي من أصحابنا في كتابه "التتمة" بأنه لا يجزئه ولا يكون جواباً؛ وهذا ضعيف أو غلطٌ، وهو مخالفٌ للكتاب والسنّة ونصّ إمامنا الشافعي.
أما الكتاب، فقال الله تعالى: ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩] وهذا وإن كان شرعاً لِما قَبْلنا، فقد جاء شرعنا بتقريره، وهو حديثُ أبي هريرة الذي قدمناهُ في جواب الملائكة آدمُ ﷺ ، فإن النبي صلى ﷺ أخبرنا [كما تقدم برقم: ١٢٢٠] : أن الله تعالى: قال: "هي تحيتك وتحية ذرّيتك" وهذه الأمة داخلة في ذرّيته؛ والله أعلمُ.
واتفق أصحابنا على أنه لو قال في الجواب: عليكم، لم يكن جواباً، فلو قال: وعليكم، بالواو، فهل يكون جواباً؟ فيه وجهان لأصحابنا، ولو قال المبتدئ: سلامٌ عليكم، أو قال: السلامُ عليكم، فللمُجيب أن يقول في الصورتين: سلامٌ عليكم، وله أن يقول: السلام عليكم، قال الله تعالى: ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩] .
قال الإمام أبو الحسن الواحدي من أصحابنا: أنت في تعريف السلام وتنكيره بالخيار؛ قلتُ: ولكن الألف واللام أولى.
стр. 553
٣٣٧- فصل [استحباب تكرير السلام] :
١٢٣٢- وَرَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٩٤] ، عن أنس ﵁، عن النبيّ ﷺ ، أنه كان إذا تكلم بكلمةٍ أعادة ثلاثاً حتى تُفهم عنهُ، وإذا أتى على قومٍ، فسلَّم عليهم، سلم عليهم ثلاثًا [وسيرد برقم: ١٦٦٧] .
قلتُ: وهذا الحديث محمولٌ على ما إذا كان الجمعُ كثيراً، وسيأتي بيانُ هذه المسألة، وكلامُ الماوردي صاحب "الحاوي" فيها إن شاء الله تعالى [الباب رقم: ٣٦٤] .
стр. 554
٣٣٨- فصل [رفع الصوت بالسلام] :
١٢٣٣- وأقل السَّلام الذي يصيرُ به مسلمًا مؤدّياً سنّة السلام أن يرفع صوته بحيث يُسمع المسلَّم عليه، فإن لم يسمعهُ لم يكن آتياً بالسلام، فلا يجب الردّ عليه. وأقلّ ما يسقط به فرض ردّ السلام أن يرفع صوتهُ بحيثُ يسمعهُ المسلمُ، فإن لم يسمعهُ لم يسقط عنهُ فرضُ الردّ، ذكرهما [أبو سعد] المتولي وغيره.
قلتُ: والمستحبُ أن يرفع صوته رفعاً يسمعهُ به المسلَّم عليه، أو عليهم سماعاً محققاً، وإذا تشكك في أنه يسمعهم زاد في رفعه، واحتاط واستظهر، أما إذا سلَّم على أيقاظ عندهم نيامٌ، فالسنّة أن يخفضَ صوتَه بحيث يَحصل سماعُ الأيقاظ، ولا يستيقظ النيامُ.
١٢٣٤- رَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٠٥٥] في حديث المقداد ﵁ الطويل، قال: كنّا نرفع للنبيّ ﷺ نَصيبه من اللبن، فيجيء من الليل، فيسلمُ تسليماً لا يُوقظُ نائماً ويسمعُ اليقظانَ، وجعل لا يجيئني النومُ، وأما صاحباي فناما، فجاء النبيّ ﷺ ، فسلَّم كما كان يُسلِّم؛ والله أعلمُ.
стр. 555
٣٣٩- فصل [في ردّ السلام على الفور] :
١٢٣٥- قال الإِمام أبو محمدٍ القاضي حسينُ، والإمامُ أبو الحسن الواحدي، وغيرهما من أصحابنا: ويُشترط أن يكون الجوابُ على الفور، فإن أَخَّرهُ ثم ردّ، لم يعدّ جواباً، وكان آثماً بترك الردّ.
стр. 556
بابُ ما جاء في كَراهةِ الإِشارة بالسَّلام باليد ونحوها بلا لفظ:
١٢٣٦- رَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٢٦٩٥] ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ ﷺ ، قال: "لَيْسَ مِنّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنَّصَارَى، فإنَّ تَسْلِيمَ اليَهُودِ الإِشارَةُ بالأصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشارَةُ بالكَفّ" قال الترمذي: إسناده ضعيف.
١٢٣٧- قلتُ: وأما الحديثُ الذي رَوَيْنَاهُ في كتاب الترمذي [رقم: ٢٦٩٧] ، عن أسماءَ بنتِ يزيدَ، أن رسول الله ﷺ مرّ في المسجد يوما، وعصبة من النساء قعودٌ، فألوى١ بيده بالتسليم، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. فهذا محمولٌ على أنهُ ﷺ جمع بين اللفظ والإِشارة، يدلُ على هذا أن أبا داود روى هذا الحديث [رقم: ٥٢٠٤] وقال في روايته: "فسلم علينا" [وسيرد برقم ١٢٦٩] ؛ واللهُ أعلمُ.
стр. 557
بابُ حُكْمِ السَّلاَم
مدخل
...
بابُ حُكمِ السلامِ:
١٢٣٨- اعلم أن ابتداء السَّلامِ سنةٌ مستحبةٌ ليس بواجبٍ، وهو سنةٌ على الكفاية، فإن كان المسلمُ جماعة، كفى عنهم تسليمُ واحدٍ منهُم، ولو سلَّموا كلهُم كان أفضل.
قال الإِمام القاضي حسينُ من أئمةِ أصحابنا في كتاب السير من تعليقه: ليس لنا سنةٌ على الكفاية إلا هذا.
قلتُ: وهذا الذي قالهُ القاضي من الحصر ينكرُ عليه، فإن أصحابنا ﵏ قالوا: تشميتُ العاطسِ سنةٌ على الكفاية، كما سيأتي بيانه قريباً إن شاء الله تعالى. وقال جماعةٌ من أصحابنا بل كلهم: الأُضحية سنّةٌ على الكفاية في حقّ كل أهل بيتٍ، فإذا ضحَّى واحدٌ منهم حصل الشعارُ والسنّة لجميعهم. وأما ردّ السلام، فإن كان المسلمُ عليهِ واحداً تعينَ عليهِ الردُ، وإن كانوا جماعةً كان ردُ السلام فرضُ كفايةٍ عليهم، فإن ردّ واحدٌ منهم سقطَ الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلُّهم أثموا كلُّهم، وإن ردّوا كلُّهم فهو النهايةُ في الكمال والفضيلة، كذا قاله أصحابنا، وهو ظاهر حسنٌ، واتفق أصحابنا على أنه لو ردّ غيرُهم لم يسقط عنهم الرد، بل يجب عليهم أن يردّوا، فإن اقتصروا على ردّ ذلك الأجنبيّ أثموا.
١٢٣٩- رَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥٢١٠] ، عن عليّ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "يُجزئ عَنِ الجماعةِ إذَا مَرُّوا أنْ يُسلم أحدهُم، ويجزئُ عَنِ الجلوسِ أنْ يردَّ أحدُهم".
١٢٤٠- وَرَوَيْنَا في الموطأ [٢/ ٩٥٩] ، عن زيد بن أسلم ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سَلَّمَ واحدٌ مِنَ القَوْمِ أَجْزَأ عَنْهُمْ" قلت: هذا مرسلٌ صحيحُ الإسناد.
стр. 558
٣٤٢- فصل [وجوب الرد على من بلغه السلام] :
١٢٤١- قال الإمامُ أبو سعدٍ المتولي وغيرهُ: إذا نادى إنسانٌ إنساناً من خلفِ سترٍ أو حائطٍ، فقالَ: السلامُ عليك يا فلانٌ، أو كتب كتاباً فيهِ: السلامُ عليكَ يا فلانٌ، أو السلامُ على فلانٍ؛ أو أرسل رسُولًا، وقال: سلّم على فلانٍ؛ فبلغهُ الكتاب أو الرسولُ، وجب عليه أن يردّ ﵇، وكذا ذكر الواحدي وغيرهُ أيضاً أنهُ يجبُ على المكتوبِ إليه ردّ السلامِ إذا بلغهُ السلامُ.
١٢٤٢- وَرَوَيْنا في "صحيحي" [البخاري قم: ٣٧٦٨] ، ومسلم [رقم: ٢٤٤٧] ؛ عن عائشة ﵂، قالت: قال لي رسول الله ﷺ : " [يا عائشة!] هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرأُ عَلَيْكِ السَّلامَ" قالت: قلتُ: وعليه السلام ورحمةُ الله وبركاتهُ، هكذا وقع في بعض روايات "الصحيحين": "وبركاته"، ولم يقع في بعضها، وزيادة الثقة مقبولةٌ. ووقع في "كتاب الترمذي" [رقم: ٢٦٩٣] : وبركاته وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
١٢٤٣- ويستحبُ أن يرسلَ بالسلامِ إلى مَن غاب عنهُ.
стр. 559
٣٤٣- فصل [إذا بلغه سلامٌ من غائبٍ وجبَ عليهِ الردُ على الفور] :
١٢٤٤- إذا بعث إنسانٌ مع إنسانٍ سلاماً، فقال الرسولُ: فلانٌ يسلّم عليك، فقد قدَّمنا أنه يجب عليه أن يردّ على الفور، ويستحبّ أن يردّ على المبلغِ أيضاً، فيقولُ: وعليك وعليه السلام.
١٢٤٥- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥٢٣١] ، عن غالب القطان، عن رجُلٍ، قال: حدّثني أبي، عن جدي، قال: بعثني أبي إلى رسول الله ﷺ فقال: ائته فأقرئه السلام، فأتيتهُ، فقلتُ: إن أبي يُقرئك السلام، فقال: "عَلَيْكَ [السَّلامُ] وَعلى أبِيكَ السَّلامُ".
قلتُ: وهذا وإن كان فيه رواية عن مجهول١، فقد قدّمنا أن أحاديثَ الفضائل يُتسامح فيها عند أهل العلم كلهم.
стр. 560
٣٤٤- فصل [السلام على الأصم] :
١٢٤٦- قال [أبو سعد] المتولي: إذا سلم على أصمّ لا يسمع، فينبغي أن يتلفظ بلفظ السلام لقدرته عليه، ويشير باليد حتى يحصل الإِفهام، ويستحقّ الجوابُ، فلو لم يجمع بينهما لا يستحقّ الجواب. قال: وكذا لو سلم عليه أصمُ، وأراد الرد فيتلفظ باللسان، ويشيرُ بالجواب ليحصل به الإِفهام، ويسقط عنه فرض الجواب.
قال: ولو سلّم على أخرس، فأشار الأخرس باليد سقط عنه الفرض؛ لأن إشارتهُ قائمةٌ مقامَ العبارةِ، وكذا لو سلَّم عليه أخرسُ بالإِشارة يستحق الجواب لما ذكرنا.
стр. 561
٣٤٥- فصل [السلام على الصبي] :
١٢٤٧- قال [أبو سعدٍ] المتولي: لو سلَّم على صبيّ لا يجب عليه الجوابُ؛ لأن الصبيّ ليس من أهل الفرض، وهذا الذي قالهُ صحيحُ، لكن الأدب والمستحبّ له الجواب.
قال القاضي حسين وصاحبه المتولّي: ولو سلَّم الصبي على بالغ، فهل يجب على البالغ الرد؟ فيه وجهان ينبنيان على صحة إسلامه، إن قلنا: يصحّ إسلامهُ، كان سلامهُ كسلام البالغ؛ فيجبُ جوابهُ. وإن قُلنا: لا يصحّ إسلامهُ، لم يجب ردّ السلامِ لكن يُستحبّ.
قلت: الصحيحُ من الوجهين وجوب ردّ السلام لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] ؛ وأما قولهما: إنه مبنيّ على إسلامه، فقال الشاشي: هذا بناءٌ فاسدٌ؛ وهو كما قال؛ والله أعلمُ.
ولو سلم بالغٌ على جماعةٍ فيهم صبيّ، فردّ الصبيّ ولم يردّ منهم غيرهُ، فهل يسقطُ عنهم؟ فيه وجهانِ: أصحُّهما -وبه قال القاضي حسينُ، وصحابه المتولي- لا يسقط؛ لأنه ليس أهلاً للفرض، والردّ فرضٌ، فلم يسقط به، كما لا يسقطُ به الفرضُ في الصلاةِ على الجنازة، والثاني -وهو قول أبي بكر الشاشي صاحب "المستظهري" من أصحابنا- أنه يسقط، كما يصحّ أذانه للرجال، ويسقط عنهم طلبُ الأذان.
قلتُ: وأما الصلاةُ على الجنازةِ فقد اختلفَ أصحابُنا في سقوطِ فرضها بصلاةِ الصبيّ على وجهينِ مشهورين: الصحيحُ منهُما عندَ الأصحابِ أنهُ يسقطُ، ونصَّ عليهِ الشافعيُ؛ واللهُ أعلمُ.
стр. 562
٣٤٦- فصلُ [تكرار السلام في كُل لقاء] :
١٢٤٨- إذا سُلِّم عليه إنسانٌ، ثم لقيهُ على قربٍ، يُسنُ لهُ أن يسلمَ عليهِ ثانياً وثالثاً وأكثر، اتَّفق عليه أصحابُنا، ويدلُ عليهِ:
١٢٤٩- ما رويناهُ في صحيحي البخاري [رقم: ٧٩٣] ، ومسلم [رقم: ٣٩] ؛ عن أبي هريرة ﵁ في حديث المسيء صلاتهُ أنهُ جاءَ، فصلَّى، ثم جاء إلى النبيّ ﷺ ، فسلَّم عليه، فردّ ﵇، وقال: "ارْجِعْ فصلِّ، فإنَّكَ لَمْ تصلِّ"، فرجعَ، فَصلَّى، ثم جاء فسلَّم على النبيّ ﷺ ، حتى فعلَ ذلك ثلاثَ مرّاتٍ.
١٢٥٠- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥٢٠٠] ، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قال: "إِذَا لَقِيَ أحَدُكُمْ أخاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فإنْ حالَتْ بَيْنَهُما شجرةٌ أوْ جدارٌ أوْ حجرٌ، ثُم لقيهُ، فليُسلم عَلَيْهِ".
١٢٥١- وَرَوَيْنَا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٢٤٤] ، عن أنس ﵁، قال: كانَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ يتماشَون، فإذا استقبلتهم شجرةٌ أو أكمةٌ، فتفرّقوا يميناً وشمالاً، ثم التقوا من ورائها، سلَّم بعضُهم على بعضٍ.
стр. 563
٣٤٧- فصل [سلام المتلاقيين معًا] :
١٢٥٢- إذا تلاقى رجلان، فسلَّم كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه دفعة واحدة، أو أحدُهُما بعد الآخر، فقال القاضي حسين وصاحبه أبو سعدٍ المتولّي: يَصير كلُّ واحدٍ منهما مبتدئاً بالسلام، فيجب على كل واحد منهما أن يردّ السلام على صاحبهِ. وقال الشاشي: هذا فيه نظرٌ، فإن هذا اللفظ يَصلح للجواب، فإذا كان أحدهُما بعد الآخر كان جواباً، وإن كان دفعة لم يكن جواباً، وهذا الذي قال الشاشي هو الصواب.
стр. 564
٣٤٨- فصل [حكم من قال إِذَا لَقِيَ إنسانًا: وعليكم السلام] :
١٢٥٣- إذا لقي إنسان إنسانًا، فقال المبتدئ: وعليكم السلام، قال المتولي: لا يكونُ ذلك سلاماً، فلا يستحقّ جواباً؛ لأنّ هذه الصيغة لا تصلحُ للابتداء.
١٢٥٤- قلتُ: أما إذا قال: عليك، أو عليكم السلام، بغير واوٍ؛ فقطع الإمامُ أبو الحسنِ الواحدي بأنه سلامٌ يتحتمُ على المخاطَب به الجوابُ، وإن كان قد قلب اللفظ المعتادَ، وهذا الذي قالهُ الواحدي هو الظاهرُ. وقد جزم أيضاً إمامُ الحرمين به، فيجبُ فيه الجوابُ؛ لأنه يُسمى سلاماً، ويحتملُ أن يُقال في كونهِ سلاماً وجهانِ، كالوجهين لأصحابنا فيما إذا قال في تحلّله من الصلاة: "عليكم السلامُ"، هل يحصلُ به التحللُ، أم لا؟ الأصحُ أنهُ يحصلُ، ويحتملُ أن يقالَ: إن هذا لا يستحقُ فيه جواباً بكل خالٍ.
١٢٥٥- لِمَا رَوَيْنَاه في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٠٨٤] ، والترمذي [رقم: ٢٧٢١] ، وغيرهما؛ بالأسانيد الصحيحة، عن أبي جُرَيِّ الهجيميّ الصحابي ﵁، واسمهُ جابرُ بنُ سليم؛ وقيل: سليمُ بن جابرٍ، قال: أتيتُ رسول الله ﷺ ، فقلتُ: عليك السلامُ يا رسول الله، قال: "لا تقُل عَلَيْكَ السلامُ، فإنَّ عَلَيْك السلامُ تحِيَّةُ المَوْتَى"، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
قلتُ: ويحتملُ أن يكونَ هذا الحديثُ وردَ في بيانِ الأحسن والأكملِ، ولا يكونُ المرادُ أن هذا ليس بسلامٍ؛ واللهُ أعلمُ.
وقد قال الإمامُ أبو حامد الغزالي في "الإِحياء" ٢/ ٢٠٥] : يُكره أن يقول ابتداء: عليكم السلام، لهذا الحديث، والمختار أنه يكرهُ الابتداء بهذه الصيغة، فإن ابتدأ وجب الجوابُ؛ لأنه سلامٌ.
стр. 565
٣٤٩- فصل [استحباب البدء بالسلام قَبل الكلام] :
١٢٥٦- السنّة أن المسلِّم يبدأ بالسلام قبل كل كلامٍ، والأحاديثُ الصحيحةُ، وعملُ سلفِ الأمةِ وخلفها على وفق ذلك مشهورةٌ، فهذا هو المعتمدُ في دليلِ الفصلِ.
وأما الحاديث الذي رَوَيْنَاهُ في كتاب الترمذي [رقم: ٢٦٩٩] ، عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "السلامُ قَبْلَ الكَلامِ" فهو حديثٌ ضعيفُ، قال الترمذي: هذا حديثٌ مُنكر.