← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10639

الأذكار للنووي ط ابن حزم

النووي

Полный текст (1 010 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

٣٤٥- فصل [السلام على الصبي] : ١٢٤٧- قال [أبو سعدٍ] المتولي: لو سلَّم على صبيّ لا يجب عليه الجوابُ؛ لأن الصبيّ ليس من أهل الفرض، وهذا الذي قالهُ صحيحُ، لكن الأدب والمستحبّ له الجواب. قال القاضي حسين وصاحبه المتولّي: ولو سلَّم الصبي على بالغ، فهل يجب على البالغ الرد؟ فيه وجهان ينبنيان على صحة إسلامه، إن قلنا: يصحّ إسلامهُ، كان سلامهُ كسلام البالغ؛ فيجبُ جوابهُ. وإن قُلنا: لا يصحّ إسلامهُ، لم يجب ردّ السلامِ لكن يُستحبّ. قلت: الصحيحُ من الوجهين وجوب ردّ السلام لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] ؛ وأما قولهما: إنه مبنيّ على إسلامه، فقال الشاشي: هذا بناءٌ فاسدٌ؛ وهو كما قال؛ والله أعلمُ. ولو سلم بالغٌ على جماعةٍ فيهم صبيّ، فردّ الصبيّ ولم يردّ منهم غيرهُ، فهل يسقطُ عنهم؟ فيه وجهانِ: أصحُّهما -وبه قال القاضي حسينُ، وصحابه المتولي- لا يسقط؛ لأنه ليس أهلاً للفرض، والردّ فرضٌ، فلم يسقط به، كما لا يسقطُ به الفرضُ في الصلاةِ على الجنازة، والثاني -وهو قول أبي بكر الشاشي صاحب "المستظهري" من أصحابنا- أنه يسقط، كما يصحّ أذانه للرجال، ويسقط عنهم طلبُ الأذان. قلتُ: وأما الصلاةُ على الجنازةِ فقد اختلفَ أصحابُنا في سقوطِ فرضها بصلاةِ الصبيّ على وجهينِ مشهورين: الصحيحُ منهُما عندَ الأصحابِ أنهُ يسقطُ، ونصَّ عليهِ الشافعيُ؛ واللهُ أعلمُ.

стр. 562

٣٤٦- فصلُ [تكرار السلام في كُل لقاء] : ١٢٤٨- إذا سُلِّم عليه إنسانٌ، ثم لقيهُ على قربٍ، يُسنُ لهُ أن يسلمَ عليهِ ثانياً وثالثاً وأكثر، اتَّفق عليه أصحابُنا، ويدلُ عليهِ: ١٢٤٩- ما رويناهُ في صحيحي البخاري [رقم: ٧٩٣] ، ومسلم [رقم: ٣٩] ؛ عن أبي هريرة ﵁ في حديث المسيء صلاتهُ أنهُ جاءَ، فصلَّى، ثم جاء إلى النبيّ ﷺ ، فسلَّم عليه، فردّ ﵇، وقال: "ارْجِعْ فصلِّ، فإنَّكَ لَمْ تصلِّ"، فرجعَ، فَصلَّى، ثم جاء فسلَّم على النبيّ ﷺ ، حتى فعلَ ذلك ثلاثَ مرّاتٍ. ١٢٥٠- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥٢٠٠] ، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قال: "إِذَا لَقِيَ أحَدُكُمْ أخاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فإنْ حالَتْ بَيْنَهُما شجرةٌ أوْ جدارٌ أوْ حجرٌ، ثُم لقيهُ، فليُسلم عَلَيْهِ". ١٢٥١- وَرَوَيْنَا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٢٤٤] ، عن أنس ﵁، قال: كانَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ يتماشَون، فإذا استقبلتهم شجرةٌ أو أكمةٌ، فتفرّقوا يميناً وشمالاً، ثم التقوا من ورائها، سلَّم بعضُهم على بعضٍ.

стр. 563

٣٤٧- فصل [سلام المتلاقيين معًا] : ١٢٥٢- إذا تلاقى رجلان، فسلَّم كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه دفعة واحدة، أو أحدُهُما بعد الآخر، فقال القاضي حسين وصاحبه أبو سعدٍ المتولّي: يَصير كلُّ واحدٍ منهما مبتدئاً بالسلام، فيجب على كل واحد منهما أن يردّ السلام على صاحبهِ. وقال الشاشي: هذا فيه نظرٌ، فإن هذا اللفظ يَصلح للجواب، فإذا كان أحدهُما بعد الآخر كان جواباً، وإن كان دفعة لم يكن جواباً، وهذا الذي قال الشاشي هو الصواب.

стр. 564

٣٤٨- فصل [حكم من قال إِذَا لَقِيَ إنسانًا: وعليكم السلام] : ١٢٥٣- إذا لقي إنسان إنسانًا، فقال المبتدئ: وعليكم السلام، قال المتولي: لا يكونُ ذلك سلاماً، فلا يستحقّ جواباً؛ لأنّ هذه الصيغة لا تصلحُ للابتداء. ١٢٥٤- قلتُ: أما إذا قال: عليك، أو عليكم السلام، بغير واوٍ؛ فقطع الإمامُ أبو الحسنِ الواحدي بأنه سلامٌ يتحتمُ على المخاطَب به الجوابُ، وإن كان قد قلب اللفظ المعتادَ، وهذا الذي قالهُ الواحدي هو الظاهرُ. وقد جزم أيضاً إمامُ الحرمين به، فيجبُ فيه الجوابُ؛ لأنه يُسمى سلاماً، ويحتملُ أن يُقال في كونهِ سلاماً وجهانِ، كالوجهين لأصحابنا فيما إذا قال في تحلّله من الصلاة: "عليكم السلامُ"، هل يحصلُ به التحللُ، أم لا؟ الأصحُ أنهُ يحصلُ، ويحتملُ أن يقالَ: إن هذا لا يستحقُ فيه جواباً بكل خالٍ. ١٢٥٥- لِمَا رَوَيْنَاه في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٠٨٤] ، والترمذي [رقم: ٢٧٢١] ، وغيرهما؛ بالأسانيد الصحيحة، عن أبي جُرَيِّ الهجيميّ الصحابي ﵁، واسمهُ جابرُ بنُ سليم؛ وقيل: سليمُ بن جابرٍ، قال: أتيتُ رسول الله ﷺ ، فقلتُ: عليك السلامُ يا رسول الله، قال: "لا تقُل عَلَيْكَ السلامُ، فإنَّ عَلَيْك السلامُ تحِيَّةُ المَوْتَى"، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. قلتُ: ويحتملُ أن يكونَ هذا الحديثُ وردَ في بيانِ الأحسن والأكملِ، ولا يكونُ المرادُ أن هذا ليس بسلامٍ؛ واللهُ أعلمُ. وقد قال الإمامُ أبو حامد الغزالي في "الإِحياء" ٢/ ٢٠٥] : يُكره أن يقول ابتداء: عليكم السلام، لهذا الحديث، والمختار أنه يكرهُ الابتداء بهذه الصيغة، فإن ابتدأ وجب الجوابُ؛ لأنه سلامٌ.

стр. 565

٣٤٩- فصل [استحباب البدء بالسلام قَبل الكلام] : ١٢٥٦- السنّة أن المسلِّم يبدأ بالسلام قبل كل كلامٍ، والأحاديثُ الصحيحةُ، وعملُ سلفِ الأمةِ وخلفها على وفق ذلك مشهورةٌ، فهذا هو المعتمدُ في دليلِ الفصلِ. وأما الحاديث الذي رَوَيْنَاهُ في كتاب الترمذي [رقم: ٢٦٩٩] ، عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "السلامُ قَبْلَ الكَلامِ" فهو حديثٌ ضعيفُ، قال الترمذي: هذا حديثٌ مُنكر.

стр. 566

٣٥٠- فصل [فضل البدء بالسلام] : ١٢٥٨- الابتداءُ بالسلامِ أفضلُ. لقوله ﷺ في الحديث الصحيح عند البخاري، [رقم: ٦٠٧٧] ؛ ومسلم، [رقم: ٢٥٦٠] : "وَخَيْرُهُما الَّذي يَبْدأُ بالسلام". فينبغي لكل واحد من المتلاقيين أن يحرص على أن يبتدئ باالسلام. ١٢٥٩- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥١٩٧] ، بإسناد جيد، عن أبي أمامةَ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أوْلَى النَّاسِ باللَّهِ مَنْ بَدأَهُمْ بالسَّلامِ". وفي رواية الترمذي [رقم: ٢٦٩٤] ، عن أبي أُمامة، قيل: يا رسول الله! الرجلان يلتقيان، أيّهما يبدأ بالسلام؟ قال: "أَوْلاهما باللَّهِ تَعالى"، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.

стр. 567

بابُ الأحوالِ التي يُستَحَبُّ فيها: السَّلامُ، والتي يُكرهُ فيها، والتي يُباح: ١٢٣٦٠- اعلم أنّا مأمورون بإفشاء السلام كما قدمناهُ، ولكنه يتأكد في بعض الأحوال ويخفّ في بعضها. وينهي عنه في بعضها. ١٢٦١- فأما أحوال تأكده، واستحبابه فلا تنحصر، فإنها الأصل، فلا نتكلف التعرّض لأفرادها. واعلم أنه يدخل في ذلك السلام على الأحياء والموتى، وقد قدّمنا في كتاب أذكار الجنائز كيفية السلام على الموتى [برقم: ٨٧٣ وما بعده] . ١٢٦٢- وأما الأحوال التي يُكره فيها أو يجب١ أو يُباح، فهي مستثناهٌ من ذلكن فيحتاجُ إلى بيانها، فمن ذلك إذا كان المسلمُ عليه مشتغلاً بالبول أو الجماع أونحوهما، فيُكره أن يُسلَّم عليه، ولو سلَّم لا يستحقّ جواباً، ومن ذلك من كان نائماً أو ناعساً، ومن ذلك من كان مُصلياً أو مؤذناً في حال أذانه، أو إقامته الصلاةَ، أو كان في حمام، أو نحو ذلك من الأمور التي لا يُؤثر السلام عليه فيها، ومن ذلك إذا كان يأكلُ واللقمة في فمه، فإن سلَّم عليه في هذه الأحوال لم يستحقَّ جواباً، أما إذا كان على الأكل، وليست اللقمةُ في فمه، فلا بأسَ بالسلام، ويجبُ الجواب. وكذلك في حال المبايعة وسائر المعاملات يسلمن ويجب الجواب. ١٢٦٣- وأما السلامُ في حال خطبة الجمعةِ، فقال أصحابُنا: يكرهُ الابتداءُ به؛ لأنهم مأمورون بالإِنصات للخطبة، فإن خالفَ وسلَّم فهل يُرَدّ عليه؟ فيه خلافٌ لأصحابنا، منهم مَن قال: لا يردُ عليهِ لتقصيره، ومنهم مَن قال: إن قُلنا: إن الإنصاتَ واجبٌ لا يردُ عليه، وإن قُلنا: إن الإِنصاتَ سنةٌ؛ رَدَّ عليه واحد من الحاضرين، ولا يردُ عليه أكثرُ من واحد على كل وجه. ١٢٦٤- وأما السَّلامُ على المشتغل بقراءة القرآن، فقال الإِمامُ أبو

стр. 568

الحسن الواحدي: الأولى ترك السلام عليه لاشتغاله بالتلاوة، فإن سلَّم١ عليه كفاهُ الردّ بالإِشارة، وإن ردّ باللفظ استأنف الاستعاذة، ثم عاد إلى التلاوة؛ هذا كلامُ الواحدي، وفيه نظرٌ؛ والظاهرُ أنه يُسلمُ عليه، ويجب الرد باللفظ [راجع "التبيان في آداب حملة القرآن" رقم: ٣٠٠] . ١٢٦٥- أما إذا كان مشتغلاً بالدعاءِ مُستغرقًا فيه مُجمع القلب عليه، فيحتمل أن يُقال: هُو كالمشتغل بالقراءةِ على ما ذكرناه، والأظهر عندي في هذا أنه يكرهُ السلامُ عليه، لأنه يتنكد به، ويشقُ عليه أكثر من مشقة الأكل. ١٢٦٦- وأما الملبِّي في الإِحرام، فيكرهُ أن يُسلَّم عليه؛ لأنه يكرهُ له قطعُ التلبية، فإن سُلِّم عليه ردَّ السلامَ باللفظ؛ نصّ عليه الشافعي وأصحابنا ﵏. ٣٥٢- فصل [أحكام رد السلام] : ١٢٦٧- قد تقدمت الأحوالُ التي يكرهُ فيها السلامُ [رقم: ١٢٦٢] ، وذكرنا لأنه لا يستحقّ فيها جواباً، فلو أراد المسلمُ عليه أن يتبرع بردّ السلام، هل يشرعُ لهُ، أو يُستحبّ؟ فيه تفصيلٌ. فأما المشتغل بالبول ونحوه فيكرهُ له ردُّ السلام، وقد قدَّمنا هذا في أول الكتاب [رقم: ١٤٦ - ١٤٨] . وأما الأكل ونحوه، فيُستحبّ له الجواب في الموضع الذي لا يجب. وأما المصلِّي، فيحرم عليه أن يقول: وعليكم السلامُ، فإن فعلَ ذلك بطلتْ صلاتهُ إن كان عالماً بتحريمه، وإن كان جاهلاً لم تبطل على أصحّ الوجهين عندنا، وإن قال: ﵇، بلفظ الغَيبة، لم تبطُل صلاتُه؛ لأنه دُعاء ليس بخطابٍ. والمستحبُ أن يردّ عليه في الصلاةِ بالإِشارة، ولا يتلفظ بشيء، وإن ردّ بعد الفراغ من الصلاةِ باللفظ فلا بأس. وأما المؤذنُ فلا يكرهُ له ردُّ الجوابِ بلفظه المعتاد؛ لأن ذلك يسير لا يُبطل الأذانَ، ولا يُخل به.

стр. 569

بابُ مَن يُسلَّمُ عليه ومن لا يُسلَّمُ عليه، ومَنْ يُردّ عليه ومن لا يرد عليه مدخل ... ٣٥٣- بابُ مَن يُسلَّمُ عليه ومن لا يُسلَّمُ عليه، ومَنْ يُردّ عليه ومن لا يُرَدّ عليه: ١٢٦٨- اعلم أنَّ الرجلَ المسلمَ الذي ليس بمشهورٍ بفسقٍ ولا بدعةٍ، يسلمُ ويسلمُ عليه، فيُسنّ له السلامُ، ويجبُ الردُ عليه. قال أصحابُنا: والمرأةُ مع المرأةِ كالرجُل مع الرجل. وأما المرأة مع الرجل؛ فقال الإمامُ أبو سعدٍ المتوليّ: إن كانت زوجته، أو جاريتهُ، أو محرمًا من محارمه، فهي معهُ كالرجل، فيستحبّ لكل واحدٍ منهما ابتداءُ الآخر بالسلام، ويجب على الآخر ردّ السلام عليه؛ وإن كانت أجنبيةً، فإن كانت جميلةً يُخاف الافتتانُ بها لم يُسَلِّم الرجل عليها، ولو سلَّمَ لم يجز لها ردّ الجوابِ، ولم تسلّم هي عليه ابتداءً، فإن سلَّمتْ لم تستحق جواباً، فإن أجابها كُره لهُ، وإن كانت عجوزاً لا يُفتتنُ بها جاز أن تسلِّم على الرجل، وعلى الرجل ردّ السلام عليها. قلتُ: وإذا كانت النساء جمعاً فيسلمُ عليهنَّ الرجلُ، أو كان الرجالُ جمعاً كثيراً فسلَّموا على المرأةِ الواحدة جازَ، إذا لم يخف عليهِ، ولا عليهنّ، ولا عليها ولا عليهم فتنةٌ. ١٢٦٩- روينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥٢٠٤] ، والترمذي [رقم: ٢٦٩٧] ، وابن ماجه [رقم: ٣٧٠١] وغيرها؛ عن أسماءَ بنت يزيدَ ﵂، قالت: مرَّ علينا رسولُ الله ﷺ في نسوةٍ، فسلَّم علينا. قال الترمذي:

стр. 570

حديثُ حسن مر [برقم: ١٢٣٧] . وهذا الذي ذكرته لفظ رواية أبي داود. وأما رواية الترمذي [رقم: ٢٦٩٧] ، ففيها: عن أسماء، أن رسول الله ﷺ مرّ في المسجد يوما وعصبةٌ من النساءِ قعودٌ، فألوَى بيده بالتسليم. ١٢٧٠- وروينا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٢٢٤] ، عن جرير بن عبد الله ﵁، أن رسول الله ﷺ مرّ على نسوةٍ، فسلّم عليهنّ. ١٢٧١- وروينا في "صحيح البخاري" [رقم: ٦٢٤٨] ، عن سهل بن سعدٍ الساعدي ﵁، قال: كانتْ فينا امرأةٌ -وفي روايةٍ: كانتْ لنا عجوزٌ- تأخذُ من أصولِ السلقِ، فتطرحهُ في القدرِ، وتكركرُ حباتٍ من شعيرٍ، فإذا صلّينا الجمعةَ، انصرفنا نسلمُ عليها، فتقدمه إلينا. قلتُ: "تكركر" معناهُ: تطحنُ. ١٢٧٢- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: ٣٣٦] ، عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂، قالت: أتيت النبي ﷺ يومَ الفتح، وهو يغتسلُ، وفاطمةُ تسترهُ، فسلمتُ ... وذكرت الحديث [وسيأتي برقم: ١٣٢٠] .

стр. 571

٣٥٤- فصل [حكم بدء أهل الذمة بالسلام] : ١٢٧٣- وأما أهل الذمّة، فاختلف أصحابُنا فيهم، فقطع الأكثرون بأنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام. وقال آخرون: ليس هو بحرامٍ، بل هو مكروه، فإن سلَّمُوا هم على مسلمٍ قال في الردّ: وعليكم، ولا يزيدُ على هذا. وحكى أقضى القضاة الماورديّ وجهاً لبعض أصحابنا، أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام، لكنْ يقتصرُ المسلمُ على قوله: السلام عليك، ولا يذكرُه بلفظ الجمع. وحكى الماوردي وجهاً أنه يقولُ في الردّ عليهم إذا ابتدؤوا: وعليكم السلامُ، ولكن لا يقولُ: ورحمةُ الله؛ وهذان الوجهان شاذان ومردودان.

стр. 572

١٢٧٤- روينا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢١٦٧] ، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبدؤوا اليَهُودَ وَلا النَّصَارَى بالسَّلامِ، فإذَا لقيتُمْ أحَدَهُمْ في طَريقٍ فاضْطَرُوهُ إلى أضْيَقِهِ". ١٢٧٥- وَرَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٦٢٥٨] ، ومسلم [رقم: ٢١٦٣] ؛ عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا سلَّم عَلَيْكُمْ أهْلُ الكِتابِ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ". ١٢٧٦- وَرَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٦٠٢٤] ، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ اليَهُودُ، فإنَّمَا يقولُ أحدُهُم: السَّامُ ١ عَلَيْكَ، فَقُلْ: وَعَلَيْكَ". وفي المسألةِ أحاديثُ كثيرةٌ بنحوِ ما ذكرنا؛ والله أعلم. ١٢٧٧- قال أبو سعدٍ المتولي: ولو سلَّم على رجلٍ ظنهُ مُسلمًا، فبانَ كافراً، يستحبُ أن يستردّ سلامهُ، فيقولُ لهُ: رُدّ عليّ سلامي؛ والغرض من ذلك أن يوحشه، ويظهرَ له أنه ليس بينهما ألفةٌ. ورُوي أن ابن عُمر ﵄ سلَّم على رجلٍ، فقيل لهُ: إنه يهوديُ؛ فتبعهُ، وقال له: ردّ عليَّ سلامي. قلتُ: وقد رَوَيْنَا في موطأ مالك ﵀ [٢/ ٩٦٠] ، أن مالكاً سُئل عمّن سلَّم على اليهوديّ، أو النصراني؛ هل يستقيلهُ ذلك؟ فقال: لا؛ فهذا مذهبهُ. واختارهُ ابن العربي المالكي. قال أبو سعدٍ: لو أراد تحية ذميّ فَعَلَهَا بغير السلامِ: بأن يقول: هداك اللهُ، أو أنعم الله صباحك.

стр. 573

قلتُ: هذا الذي قالهُ أبو سعدٍ لا بأس به إذا احتاج إليه، فيقول: صُبِّحْتَ بالخير، أو بالسعادة، أو بالعافية، أو صبَّحَك الله بالسرور، أو بالسعادة والنعمة، أو بالمسرّة، أو ما أشبه ذلك. وأما إذا لم يحتج إليه فالاختيارُ ألا يقول شيئاً، فإن ذلك بسطُ له، وإيناسٌ، وإظهارُ صورةِ ودّ، ونحن مأمورون بالإِغلاظ عليهم، ومنهيّون عن ودّهم فلا تظهرهُ؛ واللهُ أعلم. ٣٥٥- فرع [في السلام على أخلاط من الناس] : ١٢٧٨- إذا مرّ واحدٌ على جماعةٍ فيهم مُسلمُونَ، أو مسلمٌ وكفارٌ، فالسنةُ أن يُسلمَ عليهم، ويقصدَ المسلمين، أو المسلم. ١٢٧٩- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٢٥٤] ، ومسلم [رقم: ١٧٩٨] ؛ عن أسامة بن زيدٍ ﵄، أن النبي ﷺ مرَّ على مجلسٍ فيه أخلاطٌ من المسلمينَ والمشركين عبدةِ الأوثانِ واليهود، فسلَّم عليهم النبيّ ﷺ . ٣٥٦- فرعُ [في حكم السلام على المشرك في الكتاب] : ١٢٨٠- إذا كتب كتاباً إلى مشركٍ وكتبَ فيه سلاماً أو نحوهُ؛ فينبغي أن يكتُبَ ما رَوَيْنَاهُ في صحيحي البخاري [رقم: ٧] ، ومسلم [رقم: ١٧٧٣] ؛ في حديث أبي سفيان ﵁ في قصة هرقل، أن رسول الله ﷺ كتب: "من مُحمدٍ عبد الله ورسولهِ، إلى هرقلَ عظيمِ الرومِ، سلامٌ على مَن اتبع الهدى". ٣٥٧- فرعٌ فيما يقولُ إذا عَادَ ذمِّيًّا: ١٢٨١- اعلم أن أصحابنا اختلفوا في عيادة الذميّ، فاستحبَّها جماعة، ومنعها جماعةٌ؛ وذكر الشاشي الاختلاف، ثم قال: الصوابُ عندي أن يُقال:

стр. 574

عيادةُ الكافر في الجملة جائزة، والقربةُ فيها موقوفةٌ على نوعِ حرمةٍ تقترنُ بها من جوارٍ أو قرابةٍ. ١٢٨٢- قلتُ: هذا الذي ذكره الشاشيُّ حسنٌ، فقد رَوَيْنَا في صحيح البخاري [رقم: ١٣٥٦] ، عن أنس ﵁، قال: كان غلامٌ يهوديٌّ يخدُم النبيَّ ﷺ فمرضَ، فأتاه النبيُّ ﷺ يعودهُ، فقعدَ عند رأسه، فقال له: "أسْلِمْ"، فنظر إلى أبيه وهو عندهُ، فقال: أطعْ أبا القاسم؛ فأسلم، فخرجَ النبيُّ ﷺ وهو يقول: "الحمدُ لِلَّهِ الَّذي أنقذهُ مِنَ النَّارِ". ١٢٨٣- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٣٨٨٤] ، ومسلم [رقم: ٢٤] ؛ عن المسيِّب بن حزنٍ والدِ سعيدِ بن الْمُسَيِّبِ ﵁، قال: لما حضرتْ أبا طالبٍ الوفاةُ، جاءهُ رسولُ الله ﷺ فقال: "يا عَمّ! قُل لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ"، وذكر الحديث بطُوله. ١٢٨٤- قُلتُ: فينبغي لعائدِ الذميّ أن يرغبهُ في الإِسلام، ويبينَ لهُ محاسنهُ، ويحثهُ عليهِ، ويحرضهُ على معاجلته قبل أن يصيرَ إلى حالٍ لا ينفعهُ فيها توبتهُ، وإن دعا له دعا بالهداية ونحوها.

стр. 575

٣٥٨- فصل [السلام على المبتدع] : ١٢٨٥- وأما المبتدعُ، وَمَنْ اقترف ذنباً عظيماً ولم يتُب منهُ، فينبغي ألا يسلِّم عليهم، ولا يردّ ﵈، كذا قالهُ البخاري وغيرهُ من العلماء. ١٢٨٦- واحتجّ الإمام أبو عبد الله البخاري في صحيحه في هذه المسألة بما رويناهُ في صحيحي البخاري [رقم: ٤٤١٨] ، ومسلم [رقم: ٢٧٦٩] ؛ في قصة كعبِ بنِ مالكٍ ﵁ حينَ تخلَّف عن غزوةِ تبوكَ هو وَرَفيقان لهُ، قال: ونهى رسولُ الله ﷺ عن كلامنا، قال: وكنتُ آتي رسول الله ﷺ فأُسلِّم عليه، فأقولُ: هل حرّكَ شَفتيه بردّ السلام، أم لا؟ ١٢٨٧- قال البخاري: وقال عبدُ الله بن عمروٍ: لا تسلِّموا على شَرَبَة الخمر. ١٢٨٨- قلتُ: فإن اضّطُر إلى السلام على الظلمة، بأن دخل عليهم، وخاف تَرَتُّب مفسدةٍ في دينه أو دنياهُ أو غيرهما إن لم يُسلم، سلّم عليهم. ١٢٨٩- قال الإِمام أبو بكر ابن العربي: قال العلماءُ: يُسلمُ، وينوي أن السلام اسمُ من أسماء الله تعالى. المعنى: الله عليكم رقيب.

стр. 576

٣٥٩- فصل [السلام على الصبيان] : ١٢٩٠- وأما الصبيان، فالسنّة أن يسلِّم عليهم. ١٢٩١- روينا في صحيحي البخاري [رقم: ٢٦٤٧] ، ومسلم [رقم: ٢١٦٨] ؛ عن أنس ﵁، أنه مرّ على صبيانٍ، فسلم عليهم، وقال: كان النبيّ ﷺ يفعله. وفي رواية لمسلم، عنه أن رسول الله ﷺ مرّ على غِلمانٍ، فسلَّم عليهم. ١٢٩٢- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥٢٠٢] ، وغيره بإسناد الصحيحين؛ عن أنسٍ، أن النبي ﷺ مر على غلمانٍ يلعبُونَ، فسلَّم عليهم. ورويناهُ في "كتاب ابن السني" [رقم: ٢٢٦] ، وغيره؛ قال فيه فقال: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا صبيان"؛ والله أعلم.

стр. 577

بابٌ في آدابٍ ومسائلَ من السَّلام مدخل ... بابٌ في آدابٍ ومسائلَ من السَّلام: ١٢٩٣- روينا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٢٣١] ، ومسلم [رقم: ٢١٦٠] ؛ عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يُسلمُ الراكبُ على المَاشِي، وَالمَاشِي على القاعِدِ، والقليل على الكثير". وفي رواية للبخاري [رقم: ٦٢٣٤] : "يُسلم الصَّغيرُ على الكَبيرِ، وَالمَاشِي على القاعِدِ، والقليلُ على الكَثِيرِ". ١٢٩٤- قال أصحابُنا وغيرُهم من العلماء: هذا المذكورُ هو السنةُ، فلو خالفوا، فسلَّم الماشي على الراكب، أو الجالسُ عليهما، لم يُكره، صرّح به الإمامُ أبو سعدٍ المتولي وغيرهُ، وعلى مقتضى هذا لا يكرهُ ابتداء الكثيرين بالسلام على القليل، والكبير على الصغير، ويكونُ هذا تركاً لما يستحقّه من سلامِ غيرهِ عليهِ، وهذا الأدبُ هو فيما إذا تلاقى الاثنان في طريقٍ، أما إذا وَرَدَ على قعودٍ أو قاعدٍ، فإن الواردَ يبدأُ بالسلام على كُلّ حالٍ، سواءٌ كان صغيراً، أو كبيراً، قليلاً أو كثيراً، وسمَّى أقضى القضاة الماوردي هذا الثاني سنّة، وسمّى الأوّل أدباً، وجعلَه دون السنّة في الفضيلة.

стр. 578

٣٦١- فصل [كراهة تخصيص طائفةٍ من الناس بالسلام] : ١٢٩٥- قال المتولي: إذا لقي رجلٌ جماعةً، فأرادَ أن يخصّ طائفة منهم بالسلامِ كُرهَ؛ لأن القصد من السلام المؤانسةُ والألفةُ، وفي تخصيص البعض إيحاشٌ للباقين، وربما صار سبباً للعَداوة.

стр. 579

٣٦٢- فصل [حكم السلام في الأماكن المزدحمة] : ١٢٩٦- إذا مشى في السوق، أو الشوارع المطروقة كثيراً ونحو ذلك مما يكثرُ فيه المتلاقون، فقد ذكرَ أقضى القضاة الماورديّ أن السلام هنا إنما يكونُ لبعض الناس دونَ بعضٍ. قال: لأنه لو سلَّم على كلّ مَن لقي لتشاغل به عن كل مهمّ، ولخرج به عن العُرْف. قال: وإِنَّما يقصدُ بهذا السلامِ أحدُ أمرين: إما اكتسابُ ودّ، وإما استدفاعُ مكروه.

стр. 580

٣٦٣- فصل [يكفي ردّ السلام على الجماعة مرة واحدة] : ١٢٩٧- قال المتولّي: إذا سلَّمتْ جماعةٌ على رجُل، فقال: وعليكم السلامُ، وقصد الردّ على جميعهم سقط عنهُ فرضُ الردّ في حقّ جميعهم، كما لو صلَّى على جنائزَ دفعةً واحدةً فإنهُ يسقطُ فرضُ الصلاةِ على الجميع.

стр. 581

٣٦٤- فصل [السلام على جماعةٍ] : ١٢٩٨- قال الماوردي: إذا دخل إنسانٌ على جماعةٍ قليلة يعمُّهم سلامٌ واحدٌ، اقتصرَ على سلامٍ واحدٍ على جميعهم، وما زاد من تخصيص بعضهم فهو أدبٌ؛ ويكفي أن يردّ منهم واحدٌ، فمن زاد منهم فهو أدب. قال: فإن كان جمعاً لا ينتشرُ فيهم السلامُ الواحدُ، كالجامع، والمجلس الحفل؛ فسنةُ السلام أن يبتدئ به الداخلُ في أوّل دخوله إذا شاهدَ القومَ، ويكونُ مؤدياً سنّة السلام في حقّ جميع مَن سمعهُ، ويدخلُ في فرضِ كفاية الردّ جميعُ مَن سمعهُ؛ فإن أرادَ الجلوس فيهم سقط عنه سنّة السلام فيمن لم يسمعه من الباقين، وإن أرد أن يجلس فيمن بعدَهم ممّن لم يسمع سلامةُ المتقدّم، ففيه وجهان لأصحابنا: أحدُهما أن سنّة السلام عليهم قد حصلت بالسلام على أوائلهم؛ لأنهم جمعٌ واحدٌ، فلو أعاد السلام عليهم كان أدَباً، وعلى هذا، أيُّ أهل المسجد ردّ عليه سقط به فرضُ الكفاية عن جميعهم. والوجه الثاني: أن سنةَ السلامِ باقيةٌ لمن لم يبلغُهم سلامهُ المقتدمُ إذا أرادَ الجلوسَ فيهم، فعلى هذا لا يسقط فرض ردّ السلام المتقدم عن الأوائل بردّ الأواخر.

стр. 582

٣٦٥- فصل [السلام عند الدخول إلى البيت] : ١٢٩٩- ويستحبّ إذا دخلَ بيتَه أن يُسلِّم، وإن لم يكن فيه أحدٌ، وليقُل: السلامُ علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. وقد قدمنا في أول الكتاب بيان ما يقولهُ إذا دخل بيتهُ [برقم: ١٣٥] وكذا إذا دخل مسجداً، أو بيتاً لغيره ليس فيه أحدٌ، يستحبُ أن يُسلِّم وأن يقول: السلامُ عَلَيْنا وَعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، السلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ البَيْتِ ورحمةُ اللَّهِ وبركاتهُ.

стр. 583

٣٦٦- فصل [السلام عند مفارقة المجلس] : ١٣٠٠- إذا كان جالساً مع قوم، ثم قام لُيفارقهم، فالسنّة أن يُسلِّم عليهم. ١٣٠١- فقد رَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥٢٠٨] ، والترمذي [رقم: ٢٧٠٦] ، وغيرهما، بالأسانيد الجيدة؛ عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا انْتَهَى أحَدُكُمْ إلى المَجْلِسِ فليُسلم، فإذَا أَرَادَ أنْ يَقُومَ فليُسلم، فَلَيْسَتِ الأُولى بأحَقّ مِنَ الآخِرَةِ"، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. ١٣٠٢- قلتُ: ظاهرُ هذا الحديث أنه يجبُ على الجماعةِ ردُ السلام على هذا الذي سلَّم عليهم وفارقهم. وقد قال الإِمامان: القاضي حسين، وصاحبه أبو سعد المتولّي: جرتْ عادةُ بعض الناس بالسلام عند مفارقة القوم، وذلك دعاءٌ يُستحب جوابهُ، ولا يجب؛ لأن التحية إنما تكون عند اللقاء لا عند الانصراف. وهذا كلامُهما، وقد أنكرهُ الإمامُ أبو بكرٍ الشاشي الأخيرُ من أصحابنا، وقال: هذا فاسدٌ؛ لأن السَّلامَ سنةٌ عند الانصراف، كما هو سنّة عند الجلوس، وفيه هذا الحديث، وهذا الذي قاله الشاشي هو الصواب.

стр. 584

٣٦٧- فصل [حكم السَّلام على مَنْ ظنّ أنه لا يرد عليه] : ١٣٠٣- إذا مرّ على واحد أو أكثر، وغلبَ على ظنه أنه إذا سلَّم لا يردّ عليه، إما لتكبرُ الممرور عليه، وإما لإِهماله المارّ أو السلام، وإما لغير ذلك، فينبغي أن يُسلم، ولا يرتكه لهذا الظنّ، فإنّ السلامَ مأمورٌ به، والذي أُمِرَ به المارّ أن يُسلّم، ولم يؤمر بأن يحصل الردّ، مع أن الممرور عليه قد يخطئ الظنّ فيه ويردّ. وأما قولُ مَن لا تحقيق عندهُ: إن سلامَ المارّ سبب لحصول الإِثم في حقّ الممرور عليه، فهو جهالة ظاهرةٌ، وغباوةٌ بيِّنة، فإن المأمورات الشرعية لا تسقط عن المأمور بها بمثل هذه الخيالات، ولو نظرنا إلى هذا الخيال الفاسد لتركنا إنكار المنكر على مَن فعله جاهلاً كونه منكراً، وغلب على ظننا أنه لا ينزجرُ بقولنا، فإن إنكارنا عليه، وتعريفنا له قبحه يكون سبباً لإِثمه إذا لم يقلع عنهُ، ولا شكّ في أنُّا لا نترك الإِنكار بمثلِ هذا، ونظائرُ هذا كثيرةٌ معروفةٌ؛ والله أعلم. ١٣٠٤- ويُستحبّ لمن سلّم على إنسان، وأسمعه سلامهُ، وتوجّه عليه الردّ بشروطه فلم يرد، أن يحلِّله من ذلك، فيقول: أبرأته من حقّي في ردّ السلام، أو جعلتُه في حِلٍّ منه، ونحو ذلك، ويلفظ بهذا، فإنه يسقط به حقّ هذا الآدمي؛ والله أعلمُ. ١٣٠٥- وقد روينا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٢١٠] ، عن عبد الرحمن بن شبل الصحابي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أجَابَ السَّلامَ فَهُوَ لهُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَلَيْسَ منَّا". ١٣٠٦- ويُستحب لمن سلَّم على إنسان، فلم يَرُدَّ عليهِ، أن يقول له بعبارةٍ لطيفةٍ: ردُّ السلامِ واجبٌ، فينبغي لك أن تردّ عليَّ ليسقطَ عنك الفرضُ؛ والله أعلم.

стр. 585

باب الاستئذان مدخل ... ٣٦٨- باب الاستئذان: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] . ١٣٠٧- وروينا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٢٤٥] ، ومسلم [رقم: ٢١٥٤] ؛ عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الاسْتِئْذَانُ ثلاثُ، فإنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلاَّ فارجع". [راجع رقم: ١٦٨٤] . وروينا في الصحيحين أيضًا البخاري، [رقم ٦٢٤٥] ؛ ومسلم، [رقم: ٢١٥٣] ؛ عن أبي سعيد الخدري ﵁ وغيره، عن النبيّ ﷺ . ١٣٠٨- وروينا في صحيحيهما البخاري، [رقم: ٦٢٤١] ؛ ومسلم، [رقم: ٢١٥٦] ، عن سهل بن سعدٍ ﵁، قالَ: قال رسول الله ﷺ : "إنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أجْلِ البَصَرِ". ١٣٠٩- وروينا الاستئذان ثلاثاً من جهات كثيرة. ١٣١٠- والسنّة أن يسلّمَ، ثُم يستأذن، فيقوم عند الباب بحيثُ

стр. 586

لا ينظرُ إلى مَن في داخله، ثم يقولُ: السلامُ عليكم، أأدخل؟ فإن لم يجبْه أحدٌ، قال ذلك ثانياً وثالثاً، فإن لم يجبْه أحدٌ انصرف. ١٣١١- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥١٧٧، ٥١٧٨، ٥١٧٩] ، بإسناد صحيح؛ عن ربعيّ بن حِراش -بكسر الحاء المهملة، وآخرهُ شينٌ معجمةٌ- التابعي الجليل؛ قال: حدّثنا رجل من بني عامر استأذن على النبيّ ﷺ وهو في بيتٍ، فقال: أألجُ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ لخادمه: "اخْرُجْ إلى هَذَا فَعَلِّمْهُ الاسْتِئْذَانَ، فَقُلْ لَهُ: قُل: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أأدْخُلُ"؟، فسمعه الرجلُ، فقال السلام عليكم، أأدخلُ؟ فأذنَ له النبيُّ ﷺ ، فدخلَ. ١٣١٢- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥١٧٦] ، والترمذي [رقم: ٢٧١٠] ، عن كَلَدَة بن الحَنْبل الصحابي ﵁؛ قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ ، فدخلتُ عليه ولم أسلِّم، فقالَ النبيُّ ﷺ : "ارْجِعْ فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ"؟، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. قلتُ: كَلَدة، بفتح الكافِ واللام؛ والحنبلُ، بفتح الحاءِ المهملةِ، وبعدهَا نُونٌ ساكنةٌ، ثم باءٌ موحدةٌ مفتوحةٌ، ثم لامٌ. ١٣١٣- وهذا الذي ذكرناه من تقديم السلام على الاستئذان هو الصحيح. وذكر الماوردي فيه ثلاثة أوجه: أحدُها: هذا. والثاني: تقديم الاستئذان على السلام. والثالثُ، وهو اختياره: إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدَّم السلام، وإن لم تقع عليه عينه قدَّم الاستئذان. ١٣١٤- وإذا استأذن ثلاثاً فلم يُؤذن لهُ، وظنَّ أنه لم يسمع، فهل يزيدُ عليها؟ حكى الإِمام أبو بكرٍ ابن العربيّ المالكي فيه ثلاثة مذاهب: أحدُها: يعيدهُ. والثاني: لا يعيدهُ. والثالثُ: إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعدهُ، وإن كان بغيره أعادهُ؛ قال: والأصحُّ أنه لا يعيدُه بحالٍ. وهذا الذي صحَّحه هو الذي تقتضيه السنّة؛ والله أعلم.

стр. 587

٣٦٩- فصل [آداب الاستئذان] : ١٣١٥- وينبغي إذا استأذن على إنسان بالسلام، أو بدقّ الباب، فقيل له: مَنْ أنتَ؟ أن يقول: فلانٌ بن فلانٍ، أو فلانٌ الفلاني، أو فلانٌ المعروفُ بكذا، أو ما أشبه ذلك، بحيث يحصل التعريف التامّ به؛ ويكرهُ أن يقتصر على قوله: أنا، أو الخادمُ، أو بعض الغلمان، أو بعض المحبّين، وما أشبه ذلك. ١٣١٦- روينا في صحيحي البخاري [رقم: ٢٨٨٧] ، ومسلم [رقم: ١٦٢] ؛ في حديث الإِسراء المشهور، قال رسول الله ﷺ : "ثم صَعِدَ بي جبريلُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قالَ: محمدٌ، ثُمَّ صَعِدَ بي إلى السَّماءِ الثَّانِيَةِ والثَّالِثَةِ وَسائِرِهنَّ، ويُقالُ في بابِ كُل سماءٍ: مَنْ هَذَا؟ فيقولُ: جبريلُ". ١٣١٧- وروينا في صحيحيهما البخاري، [رقم: ٣٦٧٤] ؛ ومسلم، [رقم: ٢٤٠٣] ، حديثَ أبي موسى: لما جلسَ النبيُّ ﷺ على بئر البستان، وجاء أبو بكر فاستأذن، فقال: "مَنْ"؟ قال: أبو بكرٍ، ثم جاء عمرُ فاستأذن، فقال: "من"؟ قال: عمرُ، ثم جاء عثمانُ كذلك. ١٣١٨- وروينا في صحيحيهما أيضاً البخاري، [رقم: ٦٢٥] ؛ ومسلم، [رقم: ٢١٥٥] ، عن جابر ﵁، قال: أتيتُ النبي ﷺ ، فدققتُ البابَ، فقال: "مَنْ ذَا"؟ فقلتُ: أنا، فقال: "أنَا! أنَا! "، كأنه كرهها.

стр. 588

٣٧٠- فصل [التعريف بالنفس عند الاستئذان] : ١٣١٩- ولا بأس أن يَصِف نفسهُ بما يعرفُ به إذا لم يعرفهُ المخاطبُ بغيره، وإن كان فيه صورةُ تبجيل لهُ بأن يُكَنِّي نفسهُ، أو يقول: أنا المفتي فلانٌ، أو القاضي، أو الشيخُ فلانٌ، أو ما أشبه ذلك. ١٣٢٠- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٢٨٠] ، ومسلم [رقم: ٣٣٦] ؛ عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂، واسمها فاختةُ على المشهور، وقيل: فاطمة، وقيل: هندُ؛ قالت: أتيتُ النبيَّ ﷺ ، وهو يغتسلُ، وفاطمةُ تسترهُ، فقال: "مَنْ هَذِهِ"؟ فقلتُ: أنا أم هانئ. تقدم [برقم: ١٢٧٢] . ١٣٢١- وَرَوَيْنَا في صحيحيهما [البخاري، رقم ٦٤٤٣؛ ومسلم رقم: ٩٤] ، عن أبي ذرّ ﵁، واسمهُ جندبٌ، وقيل: بُرَيْرُ بِضَمِّ الباءِ، تصغيرِ برّ؛ قال: خرجتُ ليلةً من الليالي، فإذا رسولُ الله ﷺ يمشي وحدهُ، فجعلتُ أمشي في ظلّ القمر، فالْتَفَتَ، فرآني، فقال: "مَنْ هَذَا"؟ فقلتُ: أبو ذرّ. ١٣٢٢- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٦٨١] ، عن أبي قتادة الحارث بن رِبْعِيٍّ ﵁، في حديث الْمَيْضَأَةِ المشتمل على معجزات كثيرةٍ لرسول الله ﷺ وعلى جُمل من فنون العلوم، قال فيه أبو قتادة: فرفعَ النبيُّ ﷺ رأسهُ، فقال: "مَنْ هَذَا"؟ قلتُ: أبو قتادة. قلتُ: ونظائر هذا كثيرةٌ، وسبَبُه الحاجة وعدم إرادة الافتخار. ١٣٢٣- وَيَقْرُب من هذا ما رَوَيْنَاه في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٤٩١] ، عن أبي هريرة، واسمه عبد الرحمن بن صخرٍ على الأصحّ، قال: قلتُ: يا رسولَ الله! ادْعُ الله أن يهديَ أُمّ أبي هريرة، وذكر الحديثَ، إلى أن قال: فرجعتُ، فقلتُ: يا رسولَ الله! قد استجاب الله دعوتك، وهدى أُمّ أبي هريرة؛ والله أعلمُ.

стр. 589

باب في مسائل تتفرغ على السلام مدخل ... بابُ في مسائل تَتَفَرَّعُ على السَّلام مسألة: [في تحية الخارج من الحمَّام] : ١٣٢٤- قال أبو سعدٍ المتولّي: التَّحية عند الخروج من الحمّام بأن يُقال له: طابَ حَمَّامُك؛ لا أصل لها، ولكن رُوي أن عليّاً ﵁ قال لرجُلٍ خرجَ من الحمامِ: طَهَُرْتَ، فلا نَجِسْتَ. ١٣٢٥- قُلْتُ: هذا المحلُ لم يصحُّ فيهِ شيءٌ، ولو قال إنسانٌ لصاحبهِ على سبيل المودة والمؤالفة، واستجلاب الودّ: أَدَامَ الله لك النَّعِيم؛ وَنَحْوَ ذَلِكَ من الدُّعاء، فلا بأس به١. ٣٧٢- مَسأَلةُ [التحية بغير لفظ: السلام عليكم] : ١٣٢٦- إذا ابْتَدَأَ المارُّ الْمَرُور عليه، فقال: صَبَّحك الله بالخير، أو بالسَّعادة، أو قَوَّاك اللهُ، أو لا أوحشَ الله منك، أو غير ذلك من الألفاظ التي يستعملها الناسُ في العادة، لم يستحقَّ جواباً؛ لكن لو دعا له قباله ذلك كان حسناً، إلا أنْ يَتْرُكَ جوابهُ بالكلية زجراً له في تخلّفه وإهماله السلام، وتأديباً له ولغيره في الاعتناء بالابتداء بالسلام.

стр. 590

٣٧٣- فصل [حُكم تقبيلِ يد الْغَيْرِ وَخَدِّه] : ١٣٢٧- إذا أرادَ تقبيلَ يد غيرهِ، إن كان ذلك لزهدهِ وصلاحه، أو علمه، أو شرفه وصيانته، أو نحو ذلك من الأمور الدينية لم يُكره، بل يُستحبّ، وإن كان لغناهُ ودنياهُ وثروته وشوكته، ووجاهته عند أهل الدنيا، ونحو ذلك، فهو مكروهٌ شديدُ الكراهةِ. وقال أبو سعد المتولّي من أصحابنا: لا يجوزُ؛ فأشار إلى أنه حرامٌ. ١٣٢٨- رَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥٢٢٥] ، عن زارع ﵁، وكان في وفد عبد القيس؛ قال: فجعلْنا نتبادرُ من رواحلنا، فنقبِّلُ يدَ النبيّ ﷺ ورِجلهُ. قلتُ: زارع، بزايٍ في أوَّلهِ وراءٍ بعد الألفِ، على لفظِ زارعِ الحنطةِ وغيرها. ١٣٢٩- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" أيضاً [رقم: ٥٢٢٣] ، عن ابن عمر ﵄ قصةً قال فيها: فدنونا -يعني: من النبيّ ﷺ فقَبَّلنا يده. ١٣٣٠- وأما تقبيل الرجُل خدَّ ولده الصغير، وأخيه، وقبلةُ غير خدهِ من أطرافه ونحوها على وجه الشفقة والرحمة واللطف ومحبة القرابة، فسُنّةٌ. ١٣٣١- والأحاديث فيه كثيرةٌ صحيحةٌ مشهورةٌ، وسواءٌ الولد الذكر والأنثى، وكذلك قبلته ولد صديقه، وغيره من صغار الأطفال على الوجه. وأما التقبيلُ بالشهوة فحرام بالاتفاق. وسواءٌ في ذلك الولد وغيرهُ، بل النظر إليه بالشهوة حرامٌ بالاتفاق على القريب والأجنبي. ١٣٣٢- وروينا في صحيحي البخاري [رقم: ٥٩٩٧] ، ومسلم [رقم: ٢٣١٩] ؛ عن أبي هريرة ﵁، قال: قَبَّلَ النبيّ ﷺ الحسنَ بن عليّ ﵄، وعنده الأقرعُ بن حابس التميمي، فقال الأقرعُ: إن لي عشرةً من الولد ما قبلتُ منهم أحداً؛ فنظرَ إليه رسولُ الله ﷺ ، ثم قال: "مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرحمُ".

стр. 591

وروينا في صحيحيهما [البخاري، رقم: ٥٩٩٨؛ ومسلم، رقم: ٥٣١٧] ، عن عائشة ﵂، قالت: قدم ناسٌ من الأعرابِ على رسولِ الله ﷺ ، فقالوا: تُقبلُونَ صبيانَكم؟ فقالوا: نعم، قالوا: لكنَّا والله ما نُقبلُ؛ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أَوَأَمْلك أنْ كانَ اللَّهُ تَعالى نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ"؟، هذا لفظ إحدى الروايات، وهو مروي بألفاظ. ١٣٣٤- وَرَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [تعليقًا في ٧٨ كتاب الأدب، ١٨ باب رحمة الولد وتقبيله] وغيره، عن أنسٍ ﵁، قال: أخذَ رسولُ الله ﷺ ابنهُ إبراهيم فَقَبَّلَهُ وشَمَّهُ. [وإبراهيم ابنه ﷺ من مارية القبطية] . ١٣٣٥- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥٢٢٢] ، عن البراء بن عازب ﵄، قال: دخلتُ مع أبي بكر ﵁ أوّلَ ما قَدِمَ المدينةَ، فإذا عائشةُ ابنته ﵂ مضطجعةٌ قد أصابتها حُمَّى، فأتاها أبو بكر، فقال: كيف أنتِ يا بنيّة؟ وقبَّل خدَّها. ١٣٣٦- وروينا في كُتُب الترمذي [رقم: ٢٧٣٣] ، والنسائي [في "السنن الكبرى" كما في "تحفة الأشراف"، رقم: ٤٩٥١] ، وابن ماجه [رقم: ٣٧٠٥] ؛ بالأسانيد الصحيحة؛ عن صفوان بن عسالٍ الصحابيّ ﵁ -وعَسَّال بفتح العين وتشديد السين المهملتين- قال: قال يهوديّ لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبيّ، فأتيا رسولَ الله ﷺ ، فسألاهُ عن تسعِ آياتٍ بيناتٍ، فذكرَ الحديثَ إلى قوله: فقبَّلوا يدهُ ورجلهُ، وقالا: نشهدُ أنك نبيٌّ. ١٣٣٧- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥٢٢١]-بالإِسناد الصحيح المليح- عن إِياس بن دغفلٍ، قال: رأيتُ أبا نضرةَ قبّلَ خدّ الحسنِ بن عليّ ﵄.

стр. 592

قُلتُ: أبو نصرةَ بالنونِ والضادِ المعجمةِ، اسمهُ: المنذر بن مالكٍ بن قطعةَ، تابعي ثقةٌ، ودغفلٌ بدالٍ مهملةٍ مفتوحةٍ، ثم غينٍ معجمةٍ ساكنةٍ، ثم فاءٍ مفتوحةٍ، ثم لامٍ. ١٣٣٨- وعن ابن عمر ﵄، أنه كان يُقبّلُ ابنه سالماً، ويقول: اعجبوا من شيخ يُقَبِّلُ شيخاً. ١٣٣٩- وعن سهل بن عبد الله التستري السيد الجليل أحد أفراد زهادِ الأمة، وعبّادها ﵁، أنهُ كان يأتي أبا داودَ السجستاني ويقولُ: أخرج لي لسانكَ الذي تحدثُ به حديثَ رسولِ الله ﷺ لأُقَبِّله؛ فيقبِّلهُ. وأفعالُ السلف في هذا الباب أكثر من أن تُحصر؛ واللهُ أعلمُ.

стр. 593

٣٧٤- فصل [تقبيل وجه الميت وغيره] : ١٣٤٠- ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح للتبرّك، ولا بأس بتقبيل الرجُل وجه صاحبه إذا قَدِمَ من سفرٍ ونحوه. ١٣٤١- رَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٤٤٥٢ ورقم: ٤٤٥٣] ، عن عائشة ﵂، في الحديث الطويل في وفاة رسول الله ﷺ ، قالت: دخلَ أبو بكرٍ ﵁، فكشفَ عن وجهِ رسول الله ﷺ ثم أكبَّ عليه فقبَّلهُ، ثم بكى. ١٣٤٢- وَرَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٢٧٣٢] ، عن عائشة ﵂، قالت: قدِمَ زيدُ بنُ حارثةَ المدينةَ، ورسولُ الله ﷺ في بيتي، فأتاه، فقرعَ البابَ، فقامَ إليه النبيّ ﷺ يجرّ ثوبه، فاعتنقه وقبل. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.

стр. 594

١٣٤٣- وأمَّا المعانقةُ وتقبيلُ الوجهِ لغيرِ الطفلِ ولغيرِ القادمِ من سفرٍ ونحوه فمكرُوهان، نصَّ على كراهتهما أبو محمدٍ البغويّ، وغيرهُ من أصحابنا. ١٣٤٤- ويَدل على الكراهة ما رويناهُ في كتابي الترمذي [رقم: ٢٧٢٨] ، وابن ماجه [رقم: ٣٧٠٢] ، عن أنس ﵁، قال: قال رجلُ: يا رسول الله! الرجلُ منا يلقى أخاهُ أو صديقهُ، أينحني له؟ قال: "لا" قال: أفيلتزمهُ ويقبلهُ؟ قال: "لا" قالَ: فيأخذه بيده ويصافحُه؟ قال: "نَعَمْ". قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. ١٣٤٥- قلتُ: وهذا الذي ذكرناهُ في التقبيل والمعانقةِ، وأنه لا بأس به عند القدوم من سفرٍ ونحوهِ، ومكروهٌ كراهةَ تنزيهٍ في غيرهِ، هُو في غير الأمردِ الحسن الوجهِ؛ فأما الأمردُ الحسنُ فيحرمُ بكل حالسٍ تقبيلهُ، سواءٌ كان قدمَ مَن سفرٍ أم لا. والظاهر أن معانقته كتقبيله، أو قريبة من تقبيله، ولا فرق في هذا بين أن يكون الْمُقَبِّل والْمُقَبَّل رجلين صالحين أو فاسقين، أو أحدهما صالحاً، فالجميعُ سواءٌ، والمذهبُ الصحيح عندنا تحريم النظر إلى الأمرد الحسن ولو كان ينظرُ بغير شهوةٍ، وقد أمن الفتنة، فهو حرامٌ، كالمرأة، لكونه في معناها.

стр. 595

٣٧٥- فصل في المصافحة: ١٣٤٦- اعلم أنَّها سنّة مجمعٌ عليها عند التَّلاقي. ١٣٤٧- رَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٦٢٦٣] ، عن قتادة، قال: قلتُ لأنس ﵁: أكانتِ المصافحةُ في أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: نعم. ١٣٤٨- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٤٤١٨] ، ومسلم [رقم: ٢٧٦٩] ؛ في حديث كعبٍ بن مالكٍ ﵁، في قصةِ توبتهِ، قال: فقام إليّ طلحةُ بن عبيد اللهِ ﵁ يهرولُ، حتى صافحني وهنّأني. ١٣٤٩- وَرَوَيْنَا بالإِسناد الصحيح في "سنن أبي داود" [رقم: ٥٢١٣] ، عن أنس ﵁، قال: لما جاءَ أهل اليمن، قال لهم رسولَ الله: "قد جاءكم أهل اليمن، وهم أول من جاء المصافحة". ١٣٥٠- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥٢١٢] ، والترمذي [رقم: ٢٧٢٧] ؛ وابن ماجه [رقم: ٣٧٠٣] عن البراء ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيانِ فَيتَصافَحانِ إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا". ١٣٥١- وَرَوَيْنَا في كتابي الترمذي [رقم: ٢٧٢٨] ، وابن ماجه [رقم: ٢٧٠٣] ؛ عن أنسٍ ﵁، قال: قال رجلٌ: يا رسول الله! الرجل منا يلقى أخاهُ، أو صديقهُ؛ أينحني له؟ قال: "لا" قال: أفيلتزمهُ ويقبلهُ؟ قال: "لا" قال: فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: "نَعَمْ" قال الترمذي" حديثٌ حسن. وفي الباب أحاديث كثيرة. ١٣٥٢- وَرَوَيْنَا في "موطأ الإِمام مالكٍ ﵀" [٢/ ٩٠٨] ، عن عطاء بن عبد الله الخراسانيّ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْناءُ"، قلتُ: هذا حديثٌ مرسل. ١٣٥٣- وعلم أن هذه المصافحة مستحبّة عند كل لقاءٍ، وأما ما اعتادهُ الناسُ من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر، فلا أصلَ له في الشرع على هذا الوجه، ولكن لا بأس به، فإن أصل المصافحة سنّة، وكونهم حافَظوا عليها في بعض الأحوال، وفرّطوا فيها في كثير من الأحوال

стр. 596

أو أَكْثَرِهَا، لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرعُ بأصلها. ١٣٥٤- وقد ذكر الشيخ الإِمام أبو محمدٍ ابن عبد السلام ﵀ في كتابه "القواعد" [٢/ ١٧٣] أن البدع على خمسةِ أقسام: واجبةٌ، ومحرمةٌ، ومكروهةٌ، ومستحبةٌ، ومباحةٌ، قال: ومن أمثلةِ البدع المباحةِ المصافحةُ عقب الصبحِ والعصر؛ واللهُ أعلمُ. ١٣٥٥- قُلتُ: وينبغي أن يحترز من مصافحة الأمرد الحسن الوجه، فإن النظرَ إليه حرامٌ كما قدَّمنا في الفصل الذي قبل هذا [رقم: ١٣٤٥] ، وقد قال أصحابُنا: كُل مَن حرُم النظرُ إليه حرُم مسهُ، بل المسُ أشدّ، فإنهُ يحلّ النظرُ إلى الأجنبية إذا أراد أن يتزوّجها، وفي حال البيع والشراء، والأخذ والعطاء ونحو ذلك، ولا يجوز مسُّها في شيء من ذلك؛ والله أعلم.

стр. 597

٣٧٦- فصل [من آداب المصافحة] : ١٣٥٦- ويُستحبّ مع المصافحة البشاشة بالوجه والدعاءُ بالمغفرة وغيرها. ١٣٥٧- رَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٦٢٦] ، عن أبي ذرّ ﵁، قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المعروفِ شَيْئاً، وَلَوْ أن تلقى أخاك بوجهٍ طلقٍ"، [سيرد برقم: ١٦٦٥] . ١٣٥٨- وَرَوَيْنَا في "كتاب ابن السني" [رقم: ١٩٤] ، عن البراء بن عازب ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ المسلِمَيْنِ إذَا الْتَقَيا فَتَصَافَحَا، وتَكَاشَرَا بِوُدٍّ وَنَصِيحَةٍ تَنَاثَرَتْ خَطاياهُما بَينَهُما".

стр. 598

وفي رواية [رقم: ١٩٢] : "إذَا الْتَقَى المُسْلِمانِ فتصافحا وحمِدَ اللَّهَ تَعالى وَاسْتَغْفَرَا، غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا". ١٣٥٩- وَرَوَيْنَا فيه [رقم: ١٩٣] ، عن أنسٍ ﵁، عنِ النبي ﷺ ، قال: "مَا مِنْ عَبْدَيْنِ متحابينِ في اللهِ تعالى يستقبلُ أحدُهُمَا صاحبهُ فيُصافحه، فيُصليان على النَّبِيّ ﷺ إِلاَّ لَمْ يَتَفَرَّقَا حتَّى تغفر لهما ذُنُوبهُما ما تقدمَ منْها وَما تَأخَّرَ". ١٣٦٠- وَرَوَيْنَا فيه [رقم: ٢٠٣] ، عن أنسٍ أيضاً، قال: ما أخذ رسولُ الله ﷺ بيدِ رجُلٍ، ففارقهُ، حتى قال: "اللَّهُمَّ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار". [سيرد برقم: ١٩٧٦] .

стр. 599

٣٧٧- فصلُ [كراهةِ الانحناء للغير] : ١٣٦١- ويكرهُ حَنْيُ الظهرِ في كُل حالٍ لكل أحدٍ، ويدلُ عليهٍ ما قدمناهُ في الفصلين المتقدمين من حديث أنس [برقم: ١٣٤٢، ١٣٥١] ، وقوله: أينحني له؟ قال: "لا" وهو حديثُ حسنٌ كما ذكرناهُ، ولم يأتِ له مُعارضٌ، فلا مصيرَ إلى مخالفته، ولا يغترّ بكثرة مَن يفعله ممّن يُنسب إلى علمٍ أو صلاح وغيرهما من خصال الفضل، فإن الاقتداء إنما يكون برسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] . ١٣٦٢- وقد قدَّمنا في كتاب الجنائز [رقم: ٨٣٥] ، ومر قبله [برقم: ٦٠٠] عن الفضيل بن عياضٍ ﵁ ما معناهُ: اتّبعْ طرقَ الهدَى، ولا يَضُرَّكَ قلةُ السالكين، وإياك وطرقَ الضلالةِ، ولا تغترَّ بكثرةِ الهالكين؛ وبالله التوفيق.

стр. 600

٣٧٨- فَصْلُ [جواز القيام لأصحاب الفضل] : ١٣٦٣- وأما إكرامُ الداخل بالقيام، فالذي نختارهُ أنه مستحبّ لمن كان فيه فضيلةٌ ظاهرةٌ من علم، أو صلاح، أو شرفٍ، أو ولايةٍ مصحوبةٍ بصيانةٍ، أو له ولادةٌ، أو رَحِمٌ مع سنّ ونحو ذلك، ويكون هذا القيام للبِرّ والإِكرام والاحترام، لا للرياء والإِعظام، وعلى هذا الذي اخترناه استمرّ عمل السلف والخلف؛ وقد جمعت في ذلك جزءاً١ جمعتُ فيه الأحاديث والآثار، وأقوال السلف، وأفعالهم الدّالة على ما ذكرته، ذكرتُ فيه ما خالفها، وأوضحتُ الجوابَ عنهُ، فمن أشكلَ عليهِ من ذلك شيءٌ ورغبَ في مُطالعةِ ذلكَ الجزءِ رجوتُ أن يزُول إشكالهُ إن شاءَ الله تعالى؛ واللهُ أعلمُ. [راجع "التبيان"، رقم: ٣٠٣] .
следующие страницы →