← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10639

الأذكار للنووي ط ابن حزم

النووي

Полный текст (1 010 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

باب ما يقول لمن أزال عند أذى ... بابُ ما يقولُ لمن أزالَ عنه أذىً: ١٥٩٨- رَوَيْنَا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٢٨٢] ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي أيَوبَ الأنصاري ﵁، أنه تناول من لحيةِ رسولِ الله ﷺ أذىً، فقال رسول الله ﷺ : "مَسَحَ اللَّهُ عَنْكَ يا أبا أَيوبَ ما تَكْرَهُ". ١٥٩٩- وفي رواية [رقم: ٢٨٣] عن سعيد بن المسيب١، أنَّ أبا أيوب أخذ عن رسول الله ﷺ شيئاً، فقال رسول الله ﷺ : "لا يَكُنْ بِكَ السوءُ يا أبا أَيُّوبَ، لا يَكُنْ بِكَ السُّوءُ". ١٦٠٠- وَرَوَيْنَا فيه [رقم: ٢٨٤] ، عن عبد الله بن بكرٍ الباهلي، قال: أخذَ عمرُ ﵁، عن لحية رجلٍ أو رأسه شيئاً، فقال الرجلُ: صرفَ الله عنك السوء، فقال عمر ﵁: صُرفَ عنّا السوءُ منذ أسلمنا، ولكن إذا أُخِذَ عنك شيءٌ فقل: أَخَذَتْ يَدَاكَ خَيْرًا.

стр. 702

بابُ ما يقولُ إذا رَأى البَاكُورة مِن الثمرِ: ١٦٠١- رَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ١٣٧٣] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: كانَ الناسُ إذا رأوْا أوّل الثمر جاؤوا به إلى رسولِ الله ﷺ ، فإذا أخذهُ رسولُ الله ﷺ قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا في ثَمَرِنا، وبَارِكْ لَنا في مَدِينَتِنا، وبَارِكْ لَنا في صَاعِنا، وبَارِكْ لَنا في مُدّنا"، ثم يدعُو أصغرَ وليدٍ لهُ، فيُعطيه ذلك الثمرَ. وفي رواية لمسلم [رقم: ١٣٧٣/ ٤٧٤] أيضاً: "بَرَكَةً مع بركة" ثُم يعطيه أصغر من يَحضُره من الولدان. وفي رِوَاية الترمذي [رقم: ٣٤٥٤] : أصغرَ وليدٍ يراهُ. وفي رواية لابن السني [رقم: ٢٨١] ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهُ: رأيتُ رسُول الله ﷺ ، إذا أُتي بباكورةٍ وضعَها على عينيه، ثم على شفتيه، وقال: "اللَّهُمَّ كمَا أريْتَنا أوّلَهُ فأرِنا آخِرَهُ"، ثم يُعطيه مَنْ يكونَ عندهُ من الصبيان.

стр. 703

بابُ استحبابِ الاقتصَادِ في الموعظة والعلم: ١٦٠٢- اعلم أنه يُستحبّ لمن وعظَ جماعةً، أو ألقى عليهم عِلْماً، أن يقتصدَ في ذلك، ولا يُطوِّل تطويلاً يملهُم، لئلا يَضجروا وتذهبَ حلاوتهُ وجلالتهُ من قُلوبهم، ولئلا يَكْرَهُوا العلمَ وسماعَ الخير فيقعُوا في المحذور. ١٦٠٣- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٧٠] ، ومسلمٍ [رقم: ٢٨٢١] ؛ عن شقيق بن سلمة، قال: كان ابن مسعودٍ ﵁ يُذكِّرنا في كل خميسٍ، فقال لهُ رجلٌ: يا أبا عبد الرحمن! لوددتُ أنك ذكّرتَنا كل يوم. فقال: أما إنه يمنعني من ذلك أنّي أكرهُ أنْ أُمِلّكم، وإني أتخوَّلكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخوّلنا بها مخافةَ السآمة علينا. ١٦٠٤- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٨٦٩] ، عن عمّار بن ياسر ﵄، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ : "إن طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فأطِيلوا الصَّلاةَ، واقْصِرُوا الخُطْبَةَ". قلتُ: "مَئِنَّةٌ" بميمٍ مفتوحةٍ، ثم همزةٍ مكسورةٍ، ثم نونٍ مشددةٍ، أي: علامة دالةٌ على فقهه. ١٦٠٥- وَرَوَيْنَا عن ابن شهابٍ الزهريّ ﵀، قال: إذا طالَ المجلسُ كانَ للشيطانِ فيهِ نصيبٌ [راجع "مقدمة ابن الصلاح" النوع الثامن والعشرون وكذلك ترجمة الزهري في "البداية والنهاية" وفيات سنة ١٢٤] .

стр. 704

بابُ فَضْل الدِّلاَلةِ على الخير والحَثِّ عليها: قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] . ١٦٠٦- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٦٧٤] ، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ دَعا إلى هُدىً كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ أُجُورِ مَنْ تبعهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ دَعا إلى ضَلالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثامِ مَنْ تبعهُ لا يَنْقُصُ ذلكَ مِنْ آثامهم شيئًا". [مر برقم: ٣] . ١٦٠٧- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ١٨٩٣] أيضاً، عن أبي مسعودٍ الأنصاري البدريّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من دَلَّ على خيرٍ فلهُ مثلُ أجرِ فاعلهِ". ١٦٠٨- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٣٧٠١] ، ومسلم [رقم: ٢٤٠٦] ؛ عن سهل بن سعدٍ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال لعليّ ﵁: "فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خيرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ". ١٦٠٩- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٦٩٩] قوله ﷺ : "وَاللَّهُ فِي عونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عونِ أخيهِ". [سيرد برقم: ١٧٥٤] . والأحاديثُ في هذا الباب كثيرةٌ في الصحيح مشهورةٌ. [راجع رقم: ٣؛ وكذلك مقدمة "رياض الصالحين"] .

стр. 705

بابُ حثِّ مَنْ سُئلَ علماً لا يعلمهُ ويعلمُ أنَّ غيرَه يعرفُه على أن يدله عليه: فيه الأحاديث الصحيحة المتقدمةُ في الباب قبلَه. ١٦١٠- وفيه [مسلم، رقم: ٥٥] حديث: "الدين النصيحة" وهذا من النصيحة. [وسيرد برقم: ١٦٦١، ٢٠٧١] . ١٦١١- رَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٧٦] ، عن شُريحِ بن هانئ، قال: أتيتُ عائشةَ ﵂ أسألُها عن المسح على الخفّين، فقالتْ: عليكَ بعليّ بن أبي طالبٍ ﵁، فاسألهُ، فإنه كان يسافرُ مع رسول الله ﷺ ، فسألناهُ، وذكرَ الحديث.

стр. 706

١٦١٢- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٧٤٦] ، الحديث الطويل في قصة سعد بن هاشم بن عامر، لَمّا أرادَ أن يسأل عن وترِ رسولِ الله ﷺ ، فأتى ابنَ عباس يسألُه عن ذلك، فقال ابن عباس: ألا أدُّلُّكَ على أعلمِ أهلِ الأرض بوتر رسول الله ﷺ ؟ قال: مَن؟ قال: عائشة، فَأْتِها، فاسألها. وذكرَ الحديث. ١٦١٣- وَرَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٥٨٣٥] ، عن عمران بن حِطَّان، قال: سألتُ عائشةَ ﵂ عن الحرير، فقالتْ: ائتِ ابنَ عباسٍ فاسألهُ؛ فسألتهُ، فقال: سلِ ابنَ عمر؛ فسألتُ ابنَ عُمر، فقال: أخبرني أبو حفص -يعني عُمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّمَا يَلْبَسُ الحَرِيرَ في الدُّنْيا مَنْ لا خَلَاقَ لَهُ في الآخِرَةِ". قلتُ: "لا خلاقَ" أي: لا نصيبَ. والأحاديث الصحيحة بنحو هذا كثيرةٌ مشهورةٌ.

стр. 707

بابُ ما يَقولُ ١ مَن دُعي إلى حُكْمِ اللَّهِ تعالى: ١٦١٤- ينبغي لمن قال له غيرُه: بيني وبينَك كتاب الله، أو سُنَّة رَسُولِ الله ﷺ ، أو أقوال علماء المسلمين، أو نحو ذلك، أو قال: اذهبْ معي إلى حاكم المسلمين، أو المفتي لفصلِ الخصومةِ التي بيننا، وما أشبَه ذلك؛ أن يقولَ: سمعنا وأطعنا، أو سمعاً وطاعةً، أو نعم وكرامةٌ، أو شبه ذلك؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١] .

стр. 708

٤٦٥- فصل [ما يقوله من وجهت إليه نصيحة] : ١٦١٥- ينبغي لمن خاصمهُ غيرهُ، أو نازعهُ في أمرٍ؛ فقال لهُ: اتّقِ اللَّهِ تَعالى، أوْ خفِ اللَّهِ تَعالى؛ أوْ راقبِ اللَّهِ تَعالى، أوْ اعلم أنَّ الله تعالى مطّلعٌ عليك، أو اعلم أنَّ ما تقولهُ يكتبُ عليكَ وتحاسبُ عليهِ، أو قال لهُ: قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] أو: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] أو نحو ذلك من الآيات وما أشبه ذلك من الألفاظ، أن يتأدَّبَ ويقول: سمعاً وطاعةً، أو أسأل الله التوفيقَ لذلك، أو أسألُ الله الكريمَ لطفهُ، ثم يتطلفُ في مخاطبةِ مَنْ قال له ذلك، وليحذرْ كلَّ الحذرِ من تساهلهِ عند ذلك في عبارته، فإن كثيراً من الناس يتكلمون عند ذلك بما لا يليقُ، وربما تكلَّم بعضُهم بما يكون كفراً. ١٦١٦- وكذلك ينبغي إذا قال له صاحبهُ: هذا الذي فعلتهُ خلاف حديث رسول الله ﷺ أو نحو ذلك، ألا يقول: لا ألتزمُ الحديثَ، أو لا أعملُ بالحديثُ، أو نحو ذلك من العبارات المستبشعة؛ وإن كان الحديثُ متروكَ الظاهر لتخصيص، أو تأويلٍ أو نحو ذلك، بل يقولُ عند ذلك: هذا الحديثُ مخصوصٌ، أو متأولٌ، أو متروكُ الظاهرِ بالإجماعِ؛ وشبهَ ذلك.

стр. 709

بابُ الإِعراض عن الجاهلين: قال اللهُ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] ، وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [النجم: ٢٩] ،

стр. 710

وقال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] . ١٦١٧- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٣١٥٠] ، ومسلم [رقم: ١٠٦٢] ؛ عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁، قال: لما كان يومُ حنينٍ، آثرَ رسولُ الله ﷺ ناساً من أشرافِ العربِ في القسمة، فقال رجلٌ: والله إن هذه قسمةٌ ما عُدل فيها، وما أُريد فيها وجهُ الله تعالى، فقلتُ: والله لأخبرنَّ رسول الله ﷺ ، فأتيتهُ، فأخبرتهُ بما قال، فتغيَّرَ وجههُ حتى كان كالصرفِ، ثم قال: "فَمَنْ يعدلُ إذَا لَمْ يعدلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ"؟ [يصبغُ به الجلود] ، ثم قال: "يَرْحَمُ الله مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بأكْثَرَ مِنْ هذا فصبر"، [وسيأتي برقم: ١٧٣٦] . قلتُ: "الصِّرف" بكسر الصاد المهملةِ وإسكان الراء، وهو: صبغ أحمرُ. يصبغ به الجلود. ١٦١٨- وَرَوَيْنَا في صحيح البخاري [رقم: ٤٦٤٢] ، عن ابن عباس ﵄، قال: قَدِمَ عيينةُ بنُ حصنٍ بنِ حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحرّ بن قيسِ، وكانَ من النفرِ الذين يُدنيهم عمرُ ﵁، وكان القراءُ أصحابَ مجلسٍ عُمرَ ﵁ ومشاورته، كُهُولاً كانوا أو شبّاناً، فقال عيينةُ لابن أخيهِ: يا ابن أخي! لك وجهٌ عند هذا الأمير، فاستأذنْ لي عليه؛ فاستأذنَ، فأذنَ له عمرُ، فلما دخلَ، قال: هي يا ابن الخطاب! فوالله ما تُعطينا الجزل، ولا تحكمُ فينا بالعدل؛ فغضبَ عمرُ ﵁ حتى همّ أن يُوقع به، فقال لهُ الحرُ: يا أميرَ المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيّه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإن هذا من الجاهلين؛ والله ما جاوزَها عمرُ حين تلاها عليهِ، وكان وقَّافاً عند كتاب الله تعالى؛ [سيرد برقم: ١٦٧٧] ؛ والله أعلم.

стр. 711

بابُ وعظِ الإنسانِ مَنْ هُو أجلُ منه: ١٦١٩- فيه حديثُ ابن عباسٍ في قصة عمر ﵁ في البابِ قبلهُ [رقم: ١٦١٨] . ١٦٢٠- اعلم أن هذا البابَ مما تتأكدُ العنايةُ بهِ، فيجبُ على الإِنسان النصيحةُ والوعظُ والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر لكل صغير وكبير إذا لم يغلبْ على ظنهِ ترتبُ مفسدةٍ على وعظهِ، قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] . وأما الأحاديثُ بنحو ما ذكرنا فأكثرُ من أن تُحصر. ١٦٢١- وأمَّا ما يفعلهُ كثيرٌ من الناس من إهمال ذلك في حقّ كبار المراتب، وتوهمهم أنَّ ذلك حياءٌ، فخطأٌ صريحٌ، وجهلٌ قبيحٌ، فإن ذلك ليس بحياءٍ، وإنما هو خورٌ ومهانةٌ وضعفٌ وعجزٌ، فإن "الحياءَ خير كله" [مسلم، رقم: ٣٧] ، و "الحياء لا يأتي إلا بخير" [البخاري رقم: ٦١٧٧] ؛ مسلم، [رقم: ٣٧] ، وهذا يأتي بشرٌ، فليس بحياء، وإنما الحياءُ عند العلماء الربانيين والأئمة المحققين: خلقٌ يبعثُ على ترك القبيح، ويمنعُ من التقصير في حقّ ذي الحقّ، وهذا معنى ما رويناهُ عن الجنيدِ ﵁ في رسالة القشيري، قال: الحياءُ: رؤيةُ الآلاء ورؤيةُ التقصيرِ، فيتولد بينهما حالةٌ تُسمَّى حياء. وقد أوضحتُ هذا مبسوطاً في أوّل "شرح صحيح مسلم" [٢/ ٥] ولله، الحمدُ؛ والله أعلم.

стр. 712

بابُ الأمر بالوفاءِ بالعهدِ والوَعْدِ: ١٦٢٢- قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] والآياتُ في ذلك كثيرةٌ، ومن أشدّها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣] . ١٦٢٣- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٣٣] ، ومسلم [رقم: ٥٩] ؛ عن أبي هريرةَ ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "آيَةُ المُنافِقِ ثلاثٌ: إذَا حدث كذب، وإذا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإِذَا اؤتمن خانَ". زاد في رواية لمسلم [رقم: ٥٩/ ١٠٩] : "وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ". [وسيرد برقم: ١٩١٨] . والأحاديث بهذا المعنى كثيرةٌ، وفيما ذكرناهُ كفايةٌ. ١٦٢٤- وقد أجمعَ العلماءُ على أن من وعد إنسانً شيئاً ليس بمنهيّ عنهُ، فينبغي أن يفي بوعدهِ، وهل ذلك واجبٌ أم مستحبٌّ؟ فيه خلافٌ بينهم؛ ذهب الشافعيُ وأبو حنيفةَ والجمهورُ، ﵏، إلى أنه مستحبّ، فلو تركهُ فاتهُ الفضلُ، وارتكب المكروه كراهةَ تنزيه شديدة، ولكن لا يأثم؛ وذهبَ جماعةٌ إلى أنه واجبٌ، قال الإِمامُ أبو بكرٍ ابن العربي المالكي: أَجَلُّ مَن ذهبَ إلى هذا المذهب عمرُ بن عبد العزيز، قال: وذهبتِ المالكية مذهباً ثالثاً أنه إن ارتبط الوعدُ بسببٍ، كقوله: تزوّج ولك كذا، أو احلف أنك لا تشتمني ولك كذا، أو نحو ذلك، وجب الوفاء؛ وإن كان وعداً مُطلقًا لم يجب. واستدلّ مَن لم يوجبه بأنه في معنى الهبةِ، والهبةُ لا تلزمُ إلا بالقبضِ عند الجمهورِ، وعند المالكية: تلتزم قبل القبض.

стр. 713

بابُ استحبابِ دُعاءِ الإِنسان لمن عَرَضَ عليه مالهُ أو غيرهُ: ١٦٢٥- رَوَيْنَا في صحيح البخاري [رقم: ٣٧٨١] وغيره؛ عن أنس ﵁، قال: لما قدموا المدينة، نزل عبدُ الرحمن بن عوفٍ على سعدِ بن الربيع، فقال: أُقاسمك مالي، وأنزلُ لك عن إحدى امرأتيّ، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك.

стр. 714

بابُ ما يقولهُ المسلمُ للذميّ إذا فعلَ به مَعْرُوفاً: ١٦٢٦- اعلم أنهُ لا يجوزُ أن يُدعى لهُ بالمغفرةِ وما أشبهها مما لا يكونُ للكفارِ، لكن يجوزُ أن يُدعى له بالهداية وصحةِ البدنِ والعافية وشبهِ ذلك. ١٦٢٧- رَوَيْنَا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٢٩٠] ، عن أنس ﵁، قال: استسقى النبيُّ ﷺ ، فسقاهُ يهوديٌّ، فقال له النبيّ ﷺ : "جَمَّلَكَ اللَّهُ"، فما رأى الشيب حتى مات.

стр. 715

بابُ ما يقولهُ إذا رَأى مِن نفسهِ أو ولده أو مالِه أو غير ذلكَ شيئاً فأعجبهُ، وخاف أن يُصيبهُ بعينهِ، وأنْ يتضرر بذلك: ١٦٢٨- في صحيحي البخاري [رقم: ٥٩٤٤] ، ومسلم [رقم: ٢١٨٧] ؛ عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "العينُ حَقٍّ". ١٦٢٩- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ٥٧٣٩، ومسلم، رقم: ٢١٩٧] ، عن أُمّ سلمةَ ﵂، أن النبي ﷺ رأى في بيتها جاريةً في وجهها سفعةٌ، فقال: "استرقُوا لَهَا، فإنَّ بِهَا النَّظرة". قلتُ: السَّفعة بفتح السين المهملة وإسكان الفاء، هي: تغيّر وصفرةٌ.

стр. 716

وأما النظرة فهي: العين، يقالُ: صبيّ منظور، أي: أصابته العين. ١٦٣٠- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢١٨٨] ، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: "العَيْنُ حَقٌ، وَلَوْ كانَ شيءٌ سابقَ القَدَرَ سبقتهُ العينُ، وإذا اسْتُغْسلْتم فاغْسِلُوا". ١٦٣١- قلتُ: قال العلماءُ: الاستغسالُ، أن يُقال للعائن، وهو الصائبُ بعينهِ الناظرُ بها بالاستحسان: اغسلْ داخلَ إِزارك مما يلي الجلد بماءٍ، ثم يُصبّ على الْمُعيَنِ، وهو المنظورُ إليهِ. وثبت عن عائشة ﵂، قالت: كان يؤمرُ العائنُ أن يَتوضأ، ثم يغتسل منهُ المعينُ. رواه أبو داودَ [رقم: ٣٨٨٠] بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلمٍ. ١٦٣٢- وَرَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٢٠٥٨] ، والنسائي في "السنن الكبرى" كما في "تحفة الأشراف"، [رقم: ٤٣٢٧] ، وابن ماجه [رقم: ٣٥١١] ؛ عن أبي سعيدٍ الخدري ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يتعوّذُ من الجانّ وعين الإِنسان حتى نزلت المعوّذتان، فلما نزلتا أخذَ بهما، وترك سواهما. قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. ١٦٣٣- وَرَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٣٣٧١] حديث ابن عباس، أن النبيّ ﷺ كان يعوذُ الحسن والحسين ﵄: "أعيذُكما بكلماتِ اللَّهِ التامات، مِنْ كُلِّ شيطانٍ وهامةٍ، وَمِنْ كُلّ عينٍ لامةٍ"، ويقولُ: "إنَّ أباكُما كانَ يُعَوِّذُ بهما إسماعيلَ وإسحاق" [مر برقم: ٧٠٦] . ١٦٣٤- وَرَوَيْنَا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٢٠٧] ، عن سعيد بن حكيم ﵁، قال: كان النبي ﷺ إذا خافَ أن يُصيب شيئاً بعينه، قال: "اللَّهُمَّ بارِكْ فِيهِ وَلا تَضُرّهُ". ١٦٣٥- وَرَوَيْنَا فيه [رقم: ٢٠٦] ، عن أنسٍ ﵁، أن

стр. 717

رسول الله ﷺ قال: "مَنْ رأى شَيْئاً فأعجبهُ، فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ، لا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ؛ لَمْ يضرهُ". ١٦٣٦- وَرَوَيْنَا فيه [رقم: ٢٠٤] ، عن سهل بن حنيفٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأى أحدكم ما يُعجبهُ في نَفْسِهِ أوْ مالهِ فَلْيُبَرّكْ عَلَيْهِ، فإنَّ العَيْنَ حَقُّ". ١٦٣٧- وَرَوَيْنَا فيه [رقم: ٢٠٥] ، عن عامر بن ربيعة ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا رأى أحدكُم من نفسهِ ومالهِ وأخيهِ ما يُعجبهُ فليدعُ بالبَرَكَةِ". ١٦٣٨- وذكر الإمامُ أبو محمدٍ القاضي حُسينُ من أصحابنا ﵏، في كتابهِ "التعليق في المذهب" قال: نظرَ بعضُ الأنبياء، صلواتُ الله وسلامهُ عليهم أجمعين، إلى قومهِ يوماً، فاستكثَرهم وأعجبوهُ، فماتَ منهم في ساعةٍ سبعونَ ألفاً، فأوحى الله إليه: أنَّكَ عِنْتَهُمْ، وَلَوْ أنَّكَ إذْ عِنْتَهُمْ حَصَّنْتَهُمْ لَمْ يَهْلِكُوا؛ قال: وَبأيّ شيءٍ أُحَصّنُهُمْ؟ فأوحى الله تعالى إليه: تقولُ: حَصَّنْتُكُمْ بالحَيّ القَيُّومِ الَّذي لا يموتُ أَبَدَاً، ودفعتُ عنكمُ السوءَ بِلا حولَ وَلا قوةَ إِلاَّ باللهِ العَلِيّ العَظيمِ. قال المعلقُ عن القاضي حُسينٍ: وكان من عادةِ القاضي حُسينِ ﵀ إذا نظرَ إلى أصحابهِ، فأعجبهُ سمتُهم وحسنُ حالهم، حصَّنهم بهذا المذكور؛ والله أعلم.

стр. 718

بابُ ما يقولُ إذا رأى ما يُحِبُّ أو١ ما يَكرهُ: ١٦٣٩- رَوَيْنَا في "كتاب ابن ماجه" [رقم: ٣٨٠٣] ، وابن السني [رقم: ٣٨٠] ؛ بإسناد جيد؛ عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى ما يُحِبّ، قال: "الحمدُ لِلَّهِ الَّذي بِنِعْمَتِهِ تتم الصالحت"، وإذا رأى ما يكرهُ، قال: "الحَمْدُ لِلَّهِ على كُلّ حالٍ". قال الحاكم أبو عبد الله [١/ ٤٩٩] : هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد.

стр. 719

بابُ ما يَقولُ إذا نظرَ إلى السَّماء: ١٦٤٠- يُستحبّ أن يقول: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ، لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ، وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٩١-٢٠٠] ، لحديث ابن عباسٍ ﵄ المخرّج في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ٤٥٦٩؛ ومسلم، رقم: ٧٦٣/ ٢٥٦] أن رسول الله ﷺ قال ذلك؛ وقد سبقَ بيانهُ [برقم: ١٣٦، ١٣٧] ؛ والله أعلم.

стр. 720

بابُ ما يقولُ إذا تطيَّرَ بشيءٍ: ١٦٤١- رَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٥٣٧] ، عن معاوية بن الحكم السلميّ الصحابي ﵁، قال: قلتُ: يا رسول الله! منَّا رجالٌ يتطيرون، قال: "ذلكَ شَيْءٌ يَجِدُونَه في صُدُورِهِمْ، فَلا يصدَّنَّهم". ١٦٤٢- وَرَوَيْنَا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٢٩٤] ، وغيره؛ عن عروة١ بن عامرٍ الجني ﵁، قال: سُئل النبيّ ﷺ عن الطيرةِ، فقال: "أصْدَقُها الفألُ، ولا ترد ٢ مُسْلِماً، وَإذَا رَأيْتُمُ مَنْ الطيرةِ شَيْئاً تكرهونهُ فَقولُوا: اللَّهُم لا يأتِي بالحَسَناتِ إِلاَّ أَنْتَ، وَلا يذهبُ بالسَّيِّئاتِ إِلاَّ أنْتَ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بالله".

стр. 721

بابُ ما يقولُ عندَ دُخول الحمَّام: ١٦٤٣- قيل: يُستحب أن يُسمِّيَ الله تعالى، وأنْ يسألهُ الجنّةَ، ويستعيذهُ مِنَ النَّارِ. ١٦٤٤- وَرَوَيْنَا في "كتاب ابن السني" [رقم: ٣١٦] ، بإسناد ضعيفٍ؛ عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "نِعْمَ البَيْتُ الحَمَّامُ يدخلهُ المُسْلِمُ، إذَا دخلهُ سألَ اللَّهَ الجَنَّةَ، واستعاذهُ مِنَ النار".

стр. 722

باب ما يقوله١إذا اشترى غُلاماً أو جَاريةً أو دابّةً، وما يقولهُ إذا قَضى دَيْناً: ١٦٤٥- يُستحبّ في الأوّل أن يأخذَ بناصيته، ويقولَ: "اللَّهُمَّ إني أسألُك خيرهُ وَخَيْرَ مَا جُبِلَ عَلَيْهِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ شرهِ وَشَرِّ ما جُبلَ عليهِ"، وقد سبق [برقم: ١٤٥٦] في كتاب أذكار النكاح، الحديثُ الواردُ في نحوِ ذلكَ في "سنن أبي داود" [رقم: ٢١٦٠] وغيره. ١٦٤٦- ويقولُ في قضاء الدَّين: "بارَكَ الله لك في أهلك ومالك" [مر برقم: ١٥٩٣] . ١٦٤٧- وَ: "جزاك الله خيرا" [مر برقم: ١٥٩٢؛ وسيرد برقم: ٢٠٣٥] .

стр. 723

بابُ ما يقولُ مَن لا يثبتُ على الخيلِ ويُدعى لهُ به: ١٦٤٨- رَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٣٠٣٦] ، ومسلمٍ [رقم: ٢٤٧٥] ؛ عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁، قال: شكوتُ إلى النبيّ ﷺ أني لا أثبتُ على الخيلِ، فضربَ بيدهِ في صدري، وقال: "اللَّهُمَّ ثبتهُ، واجعلهُ هاديًا مهديًّا".

стр. 724

بابُ نهيِ العالم وغيرِه أن يُحدثَ الناسَ بما لا يفهمونهُ أو يخافُ عليهم من تحريف معناهُ وحملِهِ على خلاف المراد منه: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] . ١٦٤٩- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٧٠٥] ، ومسلم [رقم: ٤٦٥] ؛ أن رسول الله ﷺ قال لمعاذٍ ﵁ حين طوَّل الصلاة بالجماعةِ: "أفتانٌ أنْتَ يا معاذُ"؟. ١٦٥٠- وَرَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ١٢٧] ، عن علي ﵁، قال: حدّثوا الناسَ بما يَعرفون، أتحِبُّون أن يُكَذَّب اللَّهُ ورسولهُ ﷺ ؟.

стр. 725

بابُ استنصات العالم والواعظِ حاضري مجلسِه ليتوَفَّروا على استماعِه: ١٦٥١- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٤٤٠٥] ، ومسلم [رقم: ٦٥] ؛ عن جرير بن عبد الله ﵁، قال: قال لي النبيّ ﷺ في حجة الوداع: "اسْتَنْصِتِ الناسَ"، ثم قال: "لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بعض".

стр. 726

بابُ ما يقولهُ الرجلُ المُقتدى به إذا فعل شيئاً في ظاهرهِ مخالفةٌ للصوابِ مع أنهُ صوابٌ: ١٦٥٢- اعلم أنهُ يستحبُ للعالم والمعلّم والقاضي والمفتي والشيخ المربّي، وغيرهم ممّن يقتدى به ويؤخذ عنه؛ أن يجتنب الأفعالَ والأقوالَ والتصرّفات التي ظاهرها خلافُ الصوابِ، وإن كان محقّاً فيها؛ لأنهُ إذا فعلَ ذلكَ ترتَّبَ عليهِ مفاسدُ، من جملتها: توهم كثيرٍ ممّن يعلمُ ذلك منه أن هذا جائزٌ على ظاهرهِ بكُل حالٍ، وأن يبقى ذلك شرعاً، وأمراً معمولاً به أبداً، ومنها وقوعُ الناسِ فيهِ بالتنقصِ، واعتقادُهم نقصهُ، وإطلاقُ ألسنتهم بذلك؛ ومنها: أن الناس يُسيئون الظنّ به، فينفرون عنهُ، ويُنَفِّرون غيرهم عن أخذ العلم عنهُ، وتَسقط رواياتهُ وشهادتهُ، ويبطُل العملُ بفتواهُ، ويذهبُ ركونُ النفس إلى ما يقولهُ من العلوم، وهذه مفاسد ظاهرةٌ؛ فينبغي له اجتناب أفرادها،

стр. 727

فكيف بمجموعها؟ فإن احتاج إلى شيءٍ من ذلك، وكان محقّاً في نفس الأمر لم يظهرهُ، فإن أظهرهُ أو ظهرَ أو رأى المصلحةَ في إظهاره ليعلم جوازهُ، وحكمُ الشرع فيهِ، فينبغي أن يقولَ: هذا الذي فعلتُه ليس بحرامٍ، أو إنما١ فعلتهُ لتعلموا أنه ليس بحرامٍ إذا كان على هذا الوجهِ الذي فعلتهُ، وهو كذا وكذا، ودليلهُ كذا وكذا. ١٦٥٣- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٩١٧] ، ومسلم [رقم: ٥٤٤] ؛ عن سهل بن سعدٍ الساعدي ﵁، قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ قامَ على المنبرِ، فكبَّرَ وكبر الناسُ وراءهُ، فقرأ وركع، وركع الناس خلفه، ثم رفع، ثم رجع القهقرى، فسجد على الأرض، ثم عادَ إلى المنبر حتى فرغَ من صلاتِه، ثم أقبلَ على الناس، فقال: "أيُّها النَّاسُ! إنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلاتي". ١٦٥٤- والأحاديثُ في هذا البابِ كثيرةٌ، كحديثِ: "إنَّهَا صَفِيَّةُ" [البخاري، رقم: ٢٠٣٨؛ مسلم، رقم: ٢١٧٥] . ١٦٥٥- وفي البخاري [رقم: ١٦١٥] : أن عليّاً ﵁ شربَ قائماً، وقال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ فعلَ كما رأيتموني فعلتُ٢. والأحاديثُ والآثارُ في هذا المعنى في الصحيح مشهورةٌ.

стр. 728

بابُ ما يقولُه التابعُ للمتبوعِ إذا فعلَ ذلك أو نحوه: ١٦٥٦- اعلم أنه يُستحبّ للتابع إذا رأى من شيخه، وغيره ممّن يُقتدى به شيئاً في ظاهرهِ مخالفةٌ للمعروف، أن يسأله عنه بنيّة الاسترشاد، فإن كان قد فعلهُ ناسياً تداركهُ، وإن كان فعلهُ عامِداً، وهو صحيحٌ في نفس الأمر، بَيّنه لهُ. ١٦٥٧- فقد رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ١٣٩] ، ومسلم [رقم: ١٢٨٠] ؛ عن أسامة بن زيدٍ ﵄، قال: دفعَ رسولُ الله ﷺ من عرفةَ حتى إذا كان بالشِّعب، نزلَ، فَبالَ، ثم توضأ، فقلتُ: الصلاةُ يا رسول الله! فقال: "الصلاةُ أمامَكَ". قلتُ: إنما قال أسامةُ ذلك؛ لأنه ظنّ أن النبيّ ﷺ نسي صلاة المغرب، وكان قد دخل وقتها، وقرُب خُروجهُ. ١٦٥٨- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ١٤٧٨؛ مسلم، رقم: ١٥٠] ؛ قولَ سعد بن أبي وقاصٍ: يا رسول الله! مالك عن فلانٍ؟ والله إني لأراهُ مؤمناً. ١٦٥٩- وفي "صحيح مسلم" [رقم: ٢٧٧] ، عن بريدة، أن النبيَّ ﷺ صلَّى الصلواتِ يومَ الفتح بوضوءٍ واحدٍ، فقال عمرُ: لقد صنعتَ اليومَ شيئاً لم تكنْ تصنعه، فقال: "عَمْداً صَنَعْتُهُ يا عمرُ". ونظائر هذا كثيرٌ في الصحيح مشهورةٌ؛ والله أعلم.

стр. 729

بابُ الحَثّ على المُشَاورة: ١٦٦٠- قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . والأحاديثُ الصحيحةُ في ذلك كثيرةٌ مشهورةٌ. وتُغني هذه الآية الكريمة عن كلّ شيءٍ، فإنه إذا أمرَ الله في كتابه -نصًّا جليًّا- نبيهُ ﷺ بالمشاورة مع أنه أكمل الخلقِ، فما الظن بغيره؟ واعلم أنه يُستحبّ لمن همّ بأمرٍ، أن يُشاورَ فيه مَن يثقُ بدينهِ وخبرتهِ وحذقهِ، ونصيحته وَوَرَعِه وشفقتيه. ويُستحبّ أن يُشاور جماعة بالصفةِ المذكورة، ويستكثر منهم، ويعرّفهم مقصودَه من ذلك الأمر، ويُبيِّن لهم ما فيه من مصلحة ومفسدةٍ إن علم شَيْئاً مِنْ ذلك، ويتأكدُ الأمرُ بالمشاورة في حقّ ولاة الأمور العامة كالسلطان والقاضي ونحوهما، والأحاديث الصحيحة في مشاورة عمر بن الخطاب ﵁ أصحابَه، ورجوعِه إلى أقوالهم كثيرةٌ مشهورةٌ؛ ثم فائدةُ المشاورة القبول من المستشار إذا كان بالصفة المذكورة، ولم تظهر المفسدة فيما أشار به، وعلى المستشار بذل الوسع في النصيحة وإعمال الفكر في ذلك. ١٦٦١- فقد رَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٥٥] ، عن تميم الداري رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "الدّينُ النَّصِيحَةُ"، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لِلَّهِ وكتابهِ ورسولهِ وأئمَّةِ المسلمين وعامتهم". [مر برقم: ١٦١؛ وسيرد برقم: ٢٠٧١] . ١٦٦٢- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٥١٢٨] ، والترمذي [رقم: ٢٨٢٢، ٢٨٢٣] ، والنسائي [في "السنن الكبرى" كما في "تحفة الأشراف"، رقم: ١٤٩٧٧] ، وابن ماجه [رقم: ٣٧٤٥] ؛ عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "المُسْتَشارُ مؤتمن".

стр. 730

بابُ الْحَثِّ على طِيْبِ الكَلاَم: قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] . ١٦٦٣- وَرَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٦٠٣٣] ، ومسلم [رقم: ١٠١٦] ؛ عن عديّ بن حاتم ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقّ تمرةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فبكلمةٍ طيبةٍ". ١٦٦٤- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" [البخاري، رقم: ٢٩٨٩] ؛ مسلم، [رقم: ١٠٠٩] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلّ سُلامَى مِنْ النَّاسِ عليهُ صدقةٌ كُلَّ يومٍ تطلعُ فِيهِ الشَّمْسُ، تعدلُ بَيْنَ الاثنينِ صدقةٌ، وتعينُ الرجلَ في دابتهِ فتحملهُ عَلَيْها، أوْ تَرْفَعُ لَهُ عَليْها متاعهُ صدقةٌ"، قال: "وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صدقةٌ، وَبِكُلّ خطوةٍ تَمشِيها إلى الصَّلاةِ صدقةٌ، وتُمِيطُ الأذَى عَنِ الطريقِ صدقة". [متن الأربعين النووية رقم: ٢٦] . قلتُ: "السُّلَامَى" بضم السين وتخفيف اللام: أحدُ مفاصلِ أعضاءِ الإنسانِ، وجمعهُ: سُلَامَيَات، بضم السينِ وفتحِ الميم وتخفيف الياءِ، وتقدم ضبطها في أوائل الكتاب [برقم: ٩٢] . ١٦٦٥- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٦٢٦] ، عن أبي ذرّ ﵁، قال: قال لي النبيّ ﷺ : "لا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شيئا، ولو أن تلقَى أخَاكَ بوجهٍ طلقٍ"، [مر برقم: ١٣٥٧] .

стр. 731

بابُ استحباب بيان الكلام وإيضاحه للمخاطب: ١٦٦٦- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٨٣٩] ، عن عائشة ﵂، قالت: كان كلامُ رسول الله ﷺ كلاماً فصلاً يفهمهُ كلُ مَن يسمعهُ. ١٦٦٧- وَرَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٩٤] ، عن أنسٍ ﵁، عن النبيّ ﷺ ، أنه كان إذا تكلم بكلمةٍ أعادها ثلاثا حتى تُفهم عنهُ، وإذا أتى على قومٍ فَسَلَّمَ عليهم، سَلَّم عليهم ثلاثا. [مر برقم: ١٢٣٢] .

стр. 732

بابُ الْمُزَاحِ ١: ١٦٦٨- رَوَيْنَا في "صحيحي البخاري" [رقم: ٦١٢٩] ، ومسلم [رقم: ٢١٥٠] ؛ عن أنسٍ ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يقولُ لأخيه الصغير: "يا أبا عُمَيْرٍ! ما فَعَلَ النُّغَيْرُ"؟. [مر برقم: ١٥٢٠] . ١٦٦٩- وَرَوَيْنَا في كتابي أبي داود [رقم: ٥٠٠٢] ، والترمذي [رقم: ١٩٩٣] ؛ عن أنس أيضاً، أن النبيَّ ﷺ ، قال لهُ: "يا ذَا الأُذُنَيْنِ". قال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ. ١٦٧٠- وَرَوَيْنَا في كتابيهما [أبو داود، رقم: ٤٩٩٨؛ والترمذي، رقم: ١٩٩١] ؛ عن أنسٍ أيضاً، أن رجلاً أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله! احملني، فقال: "إني حاملكَ على وَلَدِ النَّاقَةِ". فقال: يا رسولَ الله! وما أصنعُ بولد الناقة؟ فقال رسول الله ﷺ : "وَهَلْ تلدُ الإبلَ إِلاَّ النوقُ"؟ قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ١٦٧١- وَرَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ١٩٩٠] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: قالوا: يا رسولَ الله! إنك تداعبنا، قال: "إني لا أقولُ إِلاَّ حَقَّاً" قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. ١٦٧٢- وَرَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ١٩٩٥] ، عن أبي عباس

стр. 733

رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ ، قال: "لا تمارِ أخاكَ، وَلا تمازحهُ، وَلا تعدهُ مَوْعِداً فتخلفهُ". ١٦٧٣- قال العلماءُ: المزاحُ المنهيُّ عنهُ، هُو الذي فيه إفراطٌ، ويُداوم عليه، فإنه يُورث الضحك وقسوةَ القلب، ويُشغل عن ذكر الله تعالى والفكر في مهمات الدين، ويؤولُ في كثيرٍ من الأوقات إلى الإِيذاء، ويُورثُ الأحقاد، ويُسقطُ المهابةَ والوقارَ. فأما ما سَلِمَ من هذه الأمور، فهو المباحُ الذي كان رسول الله ﷺ يفعلهُ، فإنه ﷺ إنما كان يفعلهُ في نادرٍ من الأحوالِ لمصلحةٍ، وتطييب نفس المخاطب ومؤانستهِ، وهذا لا منعَ منهُ قطعاً، بل هو سنةٌ مستحبةٌ إذا كان بهذهِ الصفةِ، فاعتمدْ ما نقلناهُ عن العلماء وحققناهُ في هذه الأحاديث وبيان أحكامها، فإن مما يعظمُ الاحتياجُ إليه؛ وبالله التوفيق.

стр. 734

بابُ الشَّفاعَة: ١٦٧٤- اعلم أنهُ تُستحبّ الشفاعةُ إلى ولاةِ الأمر وغيرهم من أصحابِ الحقوق والمستوفين لها، ما لم تكن شفاعةً في حدٍّ، أو شفاعةً في أمرٍ لا يجوزُ تركهُ، كالشفاعةِ إلى ناظرٍ على طفل أو مجنونٍ أو وقفٍ أو نحو ذلك في ترك بعض الحقوق التي في ولايته، فهذه كلُّها شفاعةٌ محرمةٌ تحرمُ على الشافع، ويحرمُ على المشفوعِ إليه قبولها، ويحرمُ على غيرهما السعي فيها إذا علمها؛ ودلائلُ جميع ما ذكرتهُ ظاهرةٌ في الكتاب والسنّة وأقوال علماء الأمة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] . "المقيتُ": المقتدرُ والمقَدِّرُ، هذا قولُ أهلِ اللغةِ، وهو محكيٌّ عن ابن عباسٍ ﵄ وآخرين من المفسرين. وقال آخرون منهم:

стр. 735

"المقيتُ": الحفيظ، وقيل: "المقيت": الذي عليه قوتُ كل دابة ورزقها، وقال الكلبي: "المقيتُ": المجازي بالحسنة والسيئة، وقيل: "المقيتُ": الشهيدُ، وهو راجعٌ إلى معنى الحفيظ، وأما الكِفْل فهو: الحظ والنصيب، وأما الشفاعة المذكورة في الآية، فالجمهور على أنها هذه الشفاعة المعروفة، وهي شفاعةُ الناس بعضهم في بعضٍ؛ وقيل: الشفاعة الحسنةُ: أن يشفع إيمانهُ بأن يُقاتل الكفار؛ والله أعلم. ١٦٧٥- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٠٢٨] ، ومسلم [رقم: ٢٦٢٧] ؛ عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: كان النبي ﷺ إذا أتاهُ طالب حاجةٍ أقبلَ على جُلسائهِ، فقال: "اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّه على لسانِ نَبِيِّهِ ما أحَبَّ". وفي رواية: "ما شاءَ". وفي رواية أبي داود [رقم: ٥١٣١] : "اشْفَعُوا إِلَيَّ لِتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ على لِسانِ نَبِيِّهِ ما شاءَ". وهذه الرواية توضحُ معنى روايةِ الصحيحين. ١٦٧٦- وروينا في صحيح البخاري [رقم: ٥٢٨٣] ، عن ابن عباس ﵄، في قصة بريرة وزوجها، قال: قال لها النبيّ ﷺ : "لو راجعته"؟ ١ قالت: يا رسول الله! تأمرني؟ قال: "إنما أشْفَعُ"، قالتْ: لا حاجةَ لي فيه. ١٦٧٧- وَرَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٤٦٤٢] ، عن ابن عباس ﵄، قال: لما قَدِمَ المدينة عيينةُ بن حصنٍ بن حذيفة بن بدرٍ،

стр. 736

نَزَلَ عَلَى ابن أَخِيه الْحُّرِّ بن قيس، وكانَ من النفر الذين يدنيهم عمرُ ﵁، فقال عيينةُ: يا ابن أخي! لك وجهٌ عندَ هذا الأمير، فاستأذنْ لي عليه؛ فاستأذنَ، فأذنَ لهُ عمرُ، فلما دخل، قال: هي يا ابن الخطاب! فوالله ما تُعطينا الجزلَ، ولا تحكمُ بيننا بالعدل؛ فغضبَ عمرُ حتى همّ أن يُوقع به، فقال الحرّ: يا أميرَ المؤمنين! إن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإن هذا من الجاهلين؛ فوالله ما جاوزها عمرُ حين تلاها عليه، وكان وقَّافاً عند كتابِ الله تعالى [مر برقم: ١٦١٨] .

стр. 737

بابُ استحباب التَّبْشيرِ والتَّهنئةِ: قال الله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: ٣٩] ، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [العنكبوت: ٣١] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [هود: ٦٩] وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصفات: ١٠١] وقال تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] وقال تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٤] وقال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشورى: ٢٣] وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر/ الآيتان: ١٧، ١٨] وقال تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ

стр. 738

الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصّلت: ٣٠] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الحديد: ١٢] وقال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] . وأما الأحاديثُ الواردة في البشارة فكثيرٌ جداً في الصحيح مشهورةٌ. ١٦٧٨- فمنها حديثُ تبشيرِ خديجة ﵂ ببيتٍ في الجنةِ من قصبٍ لا نصبَ فيهِ ولا صخبَ [البخاري، رقم: ٣٨١٧؛ مسلم، رقم: ٢٤٣٣] . ١٦٧٩- ومنها حديثٌ كعبِ بن مالكٍ ﵁ المخرجُ في الصحيحين [البخاري، رقم: ٤٤١٨؛ مسلم، رقم: ٢٧٦٩] في قصة توبته، قال: سمعتُ صوتَ صارخ يقولُ بأعلى صوتهِ: يا كعبَ بن مالك! أبشر؛ فذهبَ الناسُ يبشروننا، وانطلقتُ أتأمَّم رسولَ الله ﷺ ، يتلقاني الناسُ فوجاً فوجاً، يهنئوني بالتوبةِ، ويقولن: ليهنئك توبةُ الله تعالى عليك؛ حتى دخلتُ المسجدَ، فإذا رسولُ الله ﷺ حولهُ الناسُ، فقام طلحةُ بن عبيد الله يُهرول حتى صافحني وهنّأني؛ وكان كعبٌ لا ينساها لطلحة؛ قال كعبُ: فلما سلَّمتُ على رسول الله ﷺ ، قال وهو يُبْرقُ وجهُه من السرور: "أبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولدتك أمك".

стр. 739

هُرَيْرَةَ"؟ قال: يا رسول الله! لقيتني وأنا جُنُب، فكرهتُ أن أُجالسَك حتى أغتسل، فقال: "سُبْحانَ اللَّه! إنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ". ١٦٨١- وَرَوَيْنَا في صحيحيهما [البخاري، رقم: ٣١٤؛ مسلم، رقم: ٣٣٢] ، عن عائشة ﵂، أن امرأة سألتِ النبيَّ ﷺ عن غُسلها من الحيض، فأمرَها كيف تغتسلُ، قال: "خُذي فِرْصةً مِنْ مسكٍ، فَتَطَهَّري بِهَا". قالت: كيف أتطهرُ بها؟ قال: "تَطَهرِي بِهَا" قالت: كَيْفَ؟ قال: "سبْحانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي" فاجتذبتُها إلَيَّ، فقلتُ: تتبعي أثرَ الدم. قلتُ: هذا لفظ إحدى روايات البخاري، وباقيها روايات مسلم بمعناهُ؛ و"الفِرصةُ" بكسر الفاء، وبالصادِ المهملةِ: القطعةُ. و"المسك" بكسر الميم، وهو: الطيب المعروفُ، وقيل: الميمُ مفتوحةٌ، والمرادُ الجلدُ، وقيل أقوالٌ كثيرةٌ، والمختارُ أنها تأخذُ قليلاً من مسكٍ فتجعلهُ في قطنةٍ، أو صوفةٍ، أو خرقةٍ، أو نحوها، فتجعلهُ في الفرجِ لتُطيِّبَ المحلّ، وتزيلَ الرائحةَ الكريهة، وقيل: إن المطلوب منه إسراعُ عُلُوق الولد، وهو ضعيف؛ والله أعلمُ. ١٦٨٢- وَرَوَيْنَا في صحيح مسلم [رقم: ١٦٧٥] ، عن أنسٍ ﵁، أن أختَ الربيعة أُمّ حارثة جرحت إنساناً، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال: "القِصَاصَ القِصَاصَ"، فقالت أُمّ الربيع: يا رسول الله! أيقتص من فلانةٍ؟ واللهِ لا يقتصُ منها؛ فقال النبي ﷺ : "سُبْحانَ اللَّهِ! يا أُمَّ الرَبيعِ! القِصَاصُ كتابُ الله". قلتُ أصل الحديث في "الصحيحين" [البخاري، رقم: ٢٧٠٣] ولكن هذا المذكور لفظ مسلمٍ، وهو غرضنا هُنا. و"الربيع" بضم الراء، وفتح الباء والموحدةِ وكسر الياء المشددةِ.

стр. 740

١٦٨٣- وَرَوَيْنَا في صحيح مسلم [رقم: ١٦٤١] ، عن عمران بن الحصين ﵄، في حديثه الطويل في قصة المرأة التي أُسرت، فانفلتتْ، وركبتْ ناقةَ النبيّ ﷺ ، ونذرتْ إن نجّاها اللهُ تعالى لتنحرنها؛ فجات، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "سُبْحانَ الله! بِئْسَ ما جَزَتْهَا". ١٦٨٤- وَرَوَيْنَا في صحيح مسلم [رقم: ٢١٥٤] ، عن أبي موسى الأشعري ﵁، في حديث الاستئذانٍ، أنه قال لعمر ﵁ ... الحديث، وفي آخره: يا ابْنَ الخَطابِ! لا تَكُونَنَّ عَذَاباً على أصْحابِ رَسُول الله ﷺ ، قال: سبحانَ الله! إنما سمعتُ شيئاً، فأحببتُ أن أتثبت. [راجع رقم: ١٣٠٧] . ١٦٨٥- وروينا في "الصحيحين" [البخاري، رقم: ٣٨١٣؛ مسلم، رقم: ٢٤٨٤] ، في حديث عبد الله بن سلامٍ الطويلِ لما قيل: إنك من أهل الجنة، قال: سُبحان الله! ما ينبغي لأحدٍ أن يقول ما لم يعلم؛ وذكر الحديث. [راجع رقم: ١٤١٥] .
следующие страницы →