← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10639

الأذكار للنووي ط ابن حزم

النووي

Полный текст (1 010 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

نَزَلَ عَلَى ابن أَخِيه الْحُّرِّ بن قيس، وكانَ من النفر الذين يدنيهم عمرُ ﵁، فقال عيينةُ: يا ابن أخي! لك وجهٌ عندَ هذا الأمير، فاستأذنْ لي عليه؛ فاستأذنَ، فأذنَ لهُ عمرُ، فلما دخل، قال: هي يا ابن الخطاب! فوالله ما تُعطينا الجزلَ، ولا تحكمُ بيننا بالعدل؛ فغضبَ عمرُ حتى همّ أن يُوقع به، فقال الحرّ: يا أميرَ المؤمنين! إن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإن هذا من الجاهلين؛ فوالله ما جاوزها عمرُ حين تلاها عليه، وكان وقَّافاً عند كتابِ الله تعالى [مر برقم: ١٦١٨] .

стр. 737

بابُ استحباب التَّبْشيرِ والتَّهنئةِ: قال الله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: ٣٩] ، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [العنكبوت: ٣١] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [هود: ٦٩] وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصفات: ١٠١] وقال تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] وقال تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٤] وقال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشورى: ٢٣] وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر/ الآيتان: ١٧، ١٨] وقال تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ

стр. 738

الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصّلت: ٣٠] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الحديد: ١٢] وقال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] . وأما الأحاديثُ الواردة في البشارة فكثيرٌ جداً في الصحيح مشهورةٌ. ١٦٧٨- فمنها حديثُ تبشيرِ خديجة ﵂ ببيتٍ في الجنةِ من قصبٍ لا نصبَ فيهِ ولا صخبَ [البخاري، رقم: ٣٨١٧؛ مسلم، رقم: ٢٤٣٣] . ١٦٧٩- ومنها حديثٌ كعبِ بن مالكٍ ﵁ المخرجُ في الصحيحين [البخاري، رقم: ٤٤١٨؛ مسلم، رقم: ٢٧٦٩] في قصة توبته، قال: سمعتُ صوتَ صارخ يقولُ بأعلى صوتهِ: يا كعبَ بن مالك! أبشر؛ فذهبَ الناسُ يبشروننا، وانطلقتُ أتأمَّم رسولَ الله ﷺ ، يتلقاني الناسُ فوجاً فوجاً، يهنئوني بالتوبةِ، ويقولن: ليهنئك توبةُ الله تعالى عليك؛ حتى دخلتُ المسجدَ، فإذا رسولُ الله ﷺ حولهُ الناسُ، فقام طلحةُ بن عبيد الله يُهرول حتى صافحني وهنّأني؛ وكان كعبٌ لا ينساها لطلحة؛ قال كعبُ: فلما سلَّمتُ على رسول الله ﷺ ، قال وهو يُبْرقُ وجهُه من السرور: "أبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولدتك أمك".

стр. 739

هُرَيْرَةَ"؟ قال: يا رسول الله! لقيتني وأنا جُنُب، فكرهتُ أن أُجالسَك حتى أغتسل، فقال: "سُبْحانَ اللَّه! إنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ". ١٦٨١- وَرَوَيْنَا في صحيحيهما [البخاري، رقم: ٣١٤؛ مسلم، رقم: ٣٣٢] ، عن عائشة ﵂، أن امرأة سألتِ النبيَّ ﷺ عن غُسلها من الحيض، فأمرَها كيف تغتسلُ، قال: "خُذي فِرْصةً مِنْ مسكٍ، فَتَطَهَّري بِهَا". قالت: كيف أتطهرُ بها؟ قال: "تَطَهرِي بِهَا" قالت: كَيْفَ؟ قال: "سبْحانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي" فاجتذبتُها إلَيَّ، فقلتُ: تتبعي أثرَ الدم. قلتُ: هذا لفظ إحدى روايات البخاري، وباقيها روايات مسلم بمعناهُ؛ و"الفِرصةُ" بكسر الفاء، وبالصادِ المهملةِ: القطعةُ. و"المسك" بكسر الميم، وهو: الطيب المعروفُ، وقيل: الميمُ مفتوحةٌ، والمرادُ الجلدُ، وقيل أقوالٌ كثيرةٌ، والمختارُ أنها تأخذُ قليلاً من مسكٍ فتجعلهُ في قطنةٍ، أو صوفةٍ، أو خرقةٍ، أو نحوها، فتجعلهُ في الفرجِ لتُطيِّبَ المحلّ، وتزيلَ الرائحةَ الكريهة، وقيل: إن المطلوب منه إسراعُ عُلُوق الولد، وهو ضعيف؛ والله أعلمُ. ١٦٨٢- وَرَوَيْنَا في صحيح مسلم [رقم: ١٦٧٥] ، عن أنسٍ ﵁، أن أختَ الربيعة أُمّ حارثة جرحت إنساناً، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال: "القِصَاصَ القِصَاصَ"، فقالت أُمّ الربيع: يا رسول الله! أيقتص من فلانةٍ؟ واللهِ لا يقتصُ منها؛ فقال النبي ﷺ : "سُبْحانَ اللَّهِ! يا أُمَّ الرَبيعِ! القِصَاصُ كتابُ الله". قلتُ أصل الحديث في "الصحيحين" [البخاري، رقم: ٢٧٠٣] ولكن هذا المذكور لفظ مسلمٍ، وهو غرضنا هُنا. و"الربيع" بضم الراء، وفتح الباء والموحدةِ وكسر الياء المشددةِ.

стр. 740

١٦٨٣- وَرَوَيْنَا في صحيح مسلم [رقم: ١٦٤١] ، عن عمران بن الحصين ﵄، في حديثه الطويل في قصة المرأة التي أُسرت، فانفلتتْ، وركبتْ ناقةَ النبيّ ﷺ ، ونذرتْ إن نجّاها اللهُ تعالى لتنحرنها؛ فجات، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "سُبْحانَ الله! بِئْسَ ما جَزَتْهَا". ١٦٨٤- وَرَوَيْنَا في صحيح مسلم [رقم: ٢١٥٤] ، عن أبي موسى الأشعري ﵁، في حديث الاستئذانٍ، أنه قال لعمر ﵁ ... الحديث، وفي آخره: يا ابْنَ الخَطابِ! لا تَكُونَنَّ عَذَاباً على أصْحابِ رَسُول الله ﷺ ، قال: سبحانَ الله! إنما سمعتُ شيئاً، فأحببتُ أن أتثبت. [راجع رقم: ١٣٠٧] . ١٦٨٥- وروينا في "الصحيحين" [البخاري، رقم: ٣٨١٣؛ مسلم، رقم: ٢٤٨٤] ، في حديث عبد الله بن سلامٍ الطويلِ لما قيل: إنك من أهل الجنة، قال: سُبحان الله! ما ينبغي لأحدٍ أن يقول ما لم يعلم؛ وذكر الحديث. [راجع رقم: ١٤١٥] .

стр. 741

بابُ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ: ١٦٨٦- هذا البابُ أهمُّ الأبواب، أو من أهمِّها لكثرة النصوص الواردةِ فيه، لعظم موقعه وشدةِ الاهتمام به، وكثرةِ تساهُل أكثر الناس فيه؛ ولا يمكن استقصاء ما فيه هنا، لكن لا نخلّ بشيءٍ من أصولهِ، وقد صنَّف العلماءُ فيه متفرقاتٍ، وقد جمعتُ قطعةً منهُ في أوائلِ شرح "صحيح مسلم" ٢/ ٢١] ، ونبّهت فيه على مهمات لا يُستغنى عن معرفتها، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ، وقال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .

стр. 742

وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] ، وقال تعالى: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] والآيات بمعنى ما ذكرته مشهورةٌ. ١٦٨٧- وروينا في "صحيح مسلم" [رقم: ٤٩] ، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: "مَنْ رأى مِنْكُمْ مُنْكَراً فليُغيرهُ بيدهِ، فإنْ لَم يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذلكَ أضْعَفُ الإِيمَانِ". [الأربعون النووية، الحديث رقم: ٣٤] . ١٦٨٨- وَرَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٢١٦٩] ، عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ ليُوشكن اللَّهُ تَعالى أن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقاباً منهُ، ثُمَّ تدعونهُ فَلا يُستجاب لَكُمْ" قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. ١٦٨٩- وروينا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٣٣٨] ، والترمذي [رقم: ٣٠٥٧] ، والنسائي ["السنن الكبرى" كما في "تحفة الأشراف"، رقم: ٦٦١٥] ، وابن ماجه رقم: ٤٠٠٥؛ بأسانيد صحيحةٍ؛ عن أبي بكرٍ الصديق ﵁، قال: أيّها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ، وإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: "إِنَّ النَّاسَ إذَا رأوا الظَّالِمَ فَلَمْ يأخُذُوا على يَدَيْهِ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بعقابٍ مِنْهُ". ١٦٩٠- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٣٤٤] ، والترمذي [رقم: ٢١٧٤] وغيرهما، عن أبي سعيد، عن النبيّ ﷺ ، قال: "أفْضَلُ الجهادِ كَلِمَةُ

стр. 743

عَدْلٍ عنْدَ سُلْطَانٍ جائرٍ"، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ. ١٦٩١- قلتُ: والأحاديثُ في الباب أشهر من أن تُذكر، وهذه الآية الكريمةُ مما يَغترّ بها كثيرٌ من الجاهلين ويحملونها على غير وجهها، بل الصواب في معناها: أنكم إذا فعلتم ما أُمرتم به فلا يضُركم ضَلالةُ مَن ضلّ. ومن جملةِ ما أُمروُا به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآية قريبةُ المعنى من قولهِ تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا البَّلَاغ﴾ [العنكبوت: ١٨] . واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له شروط وصفاتٌ معروفةٌ ليس هذا موضع بسطها، وأحسنُ مظانّها "إحياءُ علوم الدين"، وقد أوضحتُ مهماتها في شرح مسلم [٢/ ٢٢] ؛ وبالله التوفيق.

стр. 744

كتاب حفظ اللسان فصل حفظ اللسان عن الكلام إلا بخير ... كتاب حفظ اللسان: ٤٩٠-[حفظ اللسان] : ١٦٩٢- قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [سورة ق: ١٨] وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] وقد ذكرتُ ما يسر الله من الأذكار المستحبة ونحوها فيما سبقَ، وأردتُ أن أضمَّ إليها ما يكرهُ أو يحرمُ من الألفاظِ ليكونَ الكتابُ جامعاً لأحكامِ الألفاظ، ومُبيِّناً أقسامَها، فأذكرُ من ذلك مقاصدَ يحتاجُ إلى معرفتها كلُّ متدينٍ، وأكثرُ ما أذكرهُ معروفٌ، فلهذا أتركُ الأدلةَ في أكثرهِ، وبالله التوفيقُ. فصلُ حفظ اللسان عن الكلام إلا بخير ١: ١٦٩٣- اعلم أنه ينبغي لكلّ مكلفٍ أن يحفظَ لسانهُ عن جميع الكلام إلا كلاماً تظهرُ المصلحةُ فيهِ، ومتى استوى الكلامُ وتركهُ في المصلحةِ فالسنّة الإمساكُ عنهُ، لأنهُ قد ينجرُ الكلامُ المباحُ إلى حرامٍ أو مكروهٍ، بل هذا كثيرٌ أو غالبٌ في العادةِ، والسلامةُ لا يعدلُها شيء.

стр. 745

١٦٩٤- رَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٤٧٥] ، ومسلمٍ [رقم: ٤٧] ؛ عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "من كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليقُل خَيْراً أو ليصمت". [الأربعون النووية الحديث رقم: ١٥؛ ومر برقم: ١٢١٥، ٢٠٨٠] . قلتُ: فهذا الحديث المتفق على صحته نصّ صريح في أنه لا ينبغي أن يتكلم إلا إذا كان الكلام خيراً، وهو الذي ظهرت له مصلحتهُ، ومتى شكّ في ظهور المصلحة فلا يتكلمُ. وقد قال الإمامُ الشافعي ﵀: إذا أراد الكلام فعليهِ أن يُفكر قبل كلامهِ، فإن ظهرتِ المصلحةُ تكلَّم، وإن شكَّ لم يتكلم حتى تظهر. ١٦٩٥- وَرَوَيْنَا في صحيحيهما [البخاري، رقم: ١١؛ مسلم، رقم: ٤٢] عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قلتُ: يا رسول الله! أيُّ المسلمين أفضلُ؟ قال: "مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ". ١٦٩٦- وَرَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٦٤٧٤] ، عن سهل بن سعدٍ ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قال: "مَنْ يَضْمَنْ لي ما بين لحيته وَما بينَ رِجْلَيْهِ، أضْمَنْ لَهُ الجَنَّةُ". ١٦٩٧- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٤٧٧] ، ومسلم [رقم: ٢٩٨٨] ؛ عن أبي هُريرة، أنهُ سمعَ النبيّ ﷺ يقولُ: "إن العَبْدَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيها، يزلُ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَد مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ". وفي رواية البخاري: "أبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ" مِن غيرِ ذِكْرِ المغرب. ومعنى يتبين: يتفكرُ في أنها خيرٌ أم لا. ١٦٩٨- وَرَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٦٤٧٨] ، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رضوانِ اللهِ تَعالى ما يُلْقِي لَهَا بالاً، يَرْفَعُ اللَّهُ تَعالى بها درجاتٍ، وَإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخْطِ اللَّهِ تَعالى لا يُلقي لَها بالاً، يَهْوِي بِها في جَهَنَّمَ".

стр. 746

قلتُ: كذا في أصولِ البخاري: "يَرْفَعُ اللَّهُ بِها درجاتٍ" وهو صحيحٌ، أي: درجاتهُ، أو يكونُ تقديرهُ: يرفعهُ، ويُلقي بالقاف. ١٦٩٩- وَرَوَيْنَا في "موطأ الإِمام مالك" [٢/ ٩٨٥] ، وكتابي الترمذي [رقم: ٢٣١٩] ، وابن ماجه [رقم: ٣٩٦٩] ؛ عن بلال بن الحارث المزني ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعالى ما كان يظنُ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يكتبُ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إلى يَوْمِ يلقاهُ؛ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سخطِ الله تعالى ما كان يظنُ أنْ تبلغَ مَا بَلَغَتْ، يكتبُ اللهُ تَعالى لهُ بِهَا سخطهُ إلى يومِ يلقاهُ"، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ١٧٠٠- وَرَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٢٤١٠] ، والنسائي في الكبرى كما في "تحفة الأشراف"، [رقم ٤٤٧٨] ، وابن ماجه [رقم: ٣٩٧٢] ؛ عن سفيان بن عبد الله ﵁، قال: قلتُ: يا رسول الله! حدّثني بأمرٍ أعتصم به، قال: "قُل: رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ"، قلتُ: يا رسول الله! ما أخوفُ ما تخاف١ عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: "هَذَا"، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ١٧٠١- وَرَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٢٤١١] ، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُكْثِرُوا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى قسوةٌ للْقَلْبِ، وَإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ تَعالى القلبُ القَاسِي". ١٧٠٢- وَرَوَيْنَا فيه [رقم: ٢٤٠٩] عن أبي هريرةَ ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ وقاهُ الله تَعالى شَرَّ ما بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَشَرَّ ما بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الجَنَّةَ"، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ [صحيح] .

стр. 747

١٧٠٣- وَرَوَيْنَا فيه [رقم: ٢٤٠٨] ، عن عقبة بن عامر ﵁، قال: قلتُ: يا رسول الله! ما النجاةُ؟ قال: "أمْسِكْ ١ عَلَيْكَ لِسانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ على خَطِيئَتِكَ"، قال الترمذي: حديثٌ حسن. ١٧٠٤- وَرَوَيْنَا فيه [رقم: ٢٤٠٩] ، عن أبي سعيدٍ الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "إذَا أصْبَحَ ابْنُ آدَم، فإنَّ الأعْضَاءَ كُلَّها تُكَفِّر اللِّسَانَ ٢، فتقولُ: اتقِ اللَّهَ فِينا، فإنما نحن بك، فإنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنا، وَإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا". [معنى "تكفر اللسان" أي: تذل وتخضع "رياض الصَّالِحِينَ"] . ١٧٠٥- وَرَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٢٤١٢] ، وابن ماجه [رقم: ٣٩٧٤] ؛ عن أُمِّ حبيبة ﵂، عن النبي ﷺ أنهُ قال: "كُلُّ كلامِ ابْنِ آدَمَ عليهِ لا لهُ، إِلاَّ أمْراً بمعروفٍ، وَنَهْياً عَنْ منكرٍ، أوْ ذِكْراً لله تَعالى". ١٧٠٦- وَرَوَيْنَا في كتاب الترمذي [رقم: ٢٦١٦] ، عن معاذٍ ﵁، قال: قلتُ: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني منَ النَّارِ؟ قال: "لَقَدْ سألتَ عَنْ عظيم، وإنهُ ليسيرٌ على مَنْ يسرهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ: تعبدُ الله لا تُشركُ به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت [إن استطعت إليه سبيلاً] " ثم قال: "لا أدلك على أبواب الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جنةٌ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ" ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ

стр. 748

مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦، ١٧] ثُمَّ قال: "ألا أُخْبِرُكَ برأس الأمر وعموده وذروة سنامه"؟ قلتُ: بلى يا رسول الله! قال: "رأس الأمر الإسلام، وعمودهُ الصلاة، وذورة سنامه الجهاد" ثم قال: "ألا أُخبرك بملاكِ ذلك كله"؟ قلتُ: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسانه، ثم قال: "كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا"، قلت: يا رسلو الله! وإنما لمؤاخذون بما تتكلم به؟ فقال: "ثَكِلَتْكَ أُمك، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجُوهِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ"؟، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ ["الأربعون النووية" الحديث رقم: ٢٩] . قلتُ: الذِّروة بكسر الذال المعجمةِ وضمّها، وهي: أعلاهُ. ١٧٠٧- وَرَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٢٣١٨] ، وابن ماجه [رقم: ٣٩٧٦] ؛ عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ ، قال: "منْ حُسنِ إسْلامِ المرءِ تركهُ ما لا يعنيه" حديثٌ حسنٌ. [الأربعون النووية، الحديث رقم: ١٢، وسيرد برقم: ١٩٠٥، ٢٠٦٧] . ١٧٠٨- وَرَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٢٥٠١] ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ أن النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ صَمَتَ نَجا"، إسناده ضعيفٌ، وإنما ذكرته لأبينهُ، لكونهِ مشهوراً. والأحاديث الصحيحةُ بنحوِ ما ذكرتهُ كثيرةٌ، وفيما أشرتُ به كفايةٌ لمن وفّق، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الغيبة [رقم: ٤٩٢] جُملٌ من ذلك؛ وبالله التوفيق. وأما الآثار عن السلف وغيرهم في هذا الباب فكثيرةٌ، ولا حاجة إليها مع ما سبق، لكن ننبهُ على عيونٍ منها: ١٧٠٩- بَلَغَنَا أن قُسَّ بن ساعدة، وأكثم بن صيفي اجتمعا، فقال

стр. 749

أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثرُ من أن تُحصى، والذي أحصيتهُ منها ثمانيةُ آلاف عيبٍ، ووجدتُ خصلةً إن استعملها سترتَ العيوبَ كلَّها، قال: ما هي؟ قال: حفظ اللسان. ١٧١٠- وَرَوَيْنَا عن أبي عليّ الفُضَيْل بن عياضٍ ﵁، قال: مَنْ عَدّ كلامهُ من عملهِ قلّ كلامهُ فيما لا يعنيه. ١٧١١- وقال الإمامُ الشافعيُّ ﵀ لصاحبه الرَّبِيع: يا ربيعُ! لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنك إذا تكلَّمتَ بالكلمةِ ملكتكَ، ولم تملكها. ١٧١٢- وَرَوَيْنَا عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁، قال: ما من شيءٍ أحق بطول السجن١ من اللسان. ١٧١٣- وقال غيرُه: مَثَلُ اللسان مَثَلُ السَّبُع، إن لم تُوثقه عَدَا عليك. ١٧١٤- وَرَوَيْنَا عن الأستاذ أبي القاسم القُشيري ﵀ في رسالته [٢/ ١٧٩] المشهورة، قال: الصمتُ سلامةٌ، وهو الأصل، والسكوتُ في وقته صفةُ الرجال، كما أن النطق في موضعه أشرفُ الخصال. قال: سمعت أبا عليّ الدقاق ﵁، يقول: مَنْ سكتَ عن الحقّ فهو شيطانُ أخرس. قال: فأما إيثارُ أصحاب المجاهدة السكوتَ، فلِمَا علموا ما في الكلام من الآفات، ثم ما فيه من حظّ النفس، وإظهار صفاتِ المدح، والميل إلى أن يتميزَ بين أشكاله بحسن النطق، وغير هذا من الآفات، وذلك نعتُ أرباب الرياضة، وهو أحدُ أركانهم في حكم المنازلة وتهذيب الخلق. ومما أنشدوه في هذا الباب من الكامل: احفظْ لسانَك أيُّها الإِنسانُ ... لا يلدغنَّك إنه ثعبان

стр. 750

كم في المقابرِ من قتيلِ لسانِه ... كانتْ تهابُ لقاءهُ الشجعان١ قال [أبو الفضل العباس بن الفرج] الرِّيَاشِيُّ ﵀ [من الوافر] : لعمرُك إنَّ في ذنبي لَشُغْلاً ... لِنَفْسِي عن ذنوب بني أميهْ على ربِّي حِسَابُهمُ إليه ... تَنَاهَى علمُ ذلكَ لا إِلَيَّهْ وليسَ بضائري ما قَدْ أتوْهُ ... إذا ما اللَّه أصلحَ ما لديَّهْ

стр. 751

بابُ تحريم الغِيبَةِ والنَّمِيمَة: ١٧١٥- اعلم أن هاتين الخصلتين من أقبح القبائح، وأكثرها انتشاراً في الناس، حتى ما يسلمُ منهما إلا القليلُ من الناس، فلعمومِ الحاجةِ إلى التحذير منهما بدأتُ بهما. ١٧١٦- فأمَّا الغيبة: فهي ذكرُك الإِنسانَ بما فيه مما يكرهُ، سواءٌ كان في بدنه، أو دينه، أو دنياهُ، أو نفسهِ، أو خلقهِ، أو خلُقهِ، أو ماله، أو ولدهِ، أو والدهِ، أو زوجهِ، أو خادمهِ، أو مملوكهِ، أو عمامتهِ، أو ثوبهِ، أو مشيته، وحركتهِ، وبشاشته، وخلاعته، وعبُوسه، وطلاقته، أو غير ذلك مما يتعلق به، سواءٌ ذكرتهُ بلفظك أو كتابك، أو رمزتَ، أو أشرتَ إليه بعينك، أو يدك، أو رأسك، أو نحو ذلك. أما البدن، فكقولك: أعمى أعرج، أعمشُ، أقرعُ، قصيرٌ، طويلٌ، أسودُ، أصفرُ.

стр. 752

وأما الدِّيْنُ، فكقولك: فاسقٌ، سارقٌ، خائنٌ، ظالمٌ، متهاونٌ بالصلاةِ، مُتساهلٌ في النجاسات، ليس بارّاً بوالده، لا يضعُ الزكاة مواضعَها، لا يجتنبُ الغيبة. وأما الدنيا: فقليلُ الأدب، يتهاونُ بالناس، لا يرى لأحد عليه حقاً، كثير الكلام، كثر الأكل أو النوم، ينامُ في غير وقته، يجلسُ في غير موضعه. وأما المتعلِّق بوالده، فكقوله: أبوه فاسق، أو هندي، أو نبطي، أو زنجي، إسكافٌ، بزار١، نحاسٌ، نجار، حداد، حائك. وأما الخلقُ، فكقوله: سيئ الخلق، متكبرٌ، مُراءٍ، عجولٌ، جبارٌ، عاجزٌ، ضعيفُ القلب، متهورٌ، عبوسٌ، خليعٌ، ونحوهُ. وأما الثوبُ: فواسع الكمّ، طويل الذيل، وسخ الثوب، ونحو ذلك. ويُقاس الباقي بما ذكرناه. وضابطُه: ذكرُه بما يكره. وقد نقل الإِمام أبو حامد الغزالي ["الإحياء" ٣/ ١٤٣] إجماع المسلمين على أن الغيبة: ذكرُك غيرك بم يكرَهُ، وسيأتي الحديث الصحيح المصرِّح بذلك [رقم: ١٧٢١] . ١٧١٧- وأما النميمةُ، فهي: نقلُ كلامِ الناسِ بعضِهم إلى بعضٍ على جهةِ الإفسادِ. ١٧١٨- هذا بيانُهُما، وأما حُكمُهُما، فهُما مُحرمتانِ بإجماع المسلمين، وقد تظاهرَ على تحريمهما الدلائلُ الصريحةُ من الكتاب والسنّة وإجماع الأمة، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] ،

стр. 753

وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] ، وقال تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] . ١٧١٩- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ٦٠٥٥] ، ومسلم [رقم: ١٠٥] ؛ عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نمامٌ". ١٧٢٠- وَرَوَيْنَا في صحيحيهما [البخاري، رقم: ٢١٦؛ مسلم، رقم: ٢٩٢] ، عن ابن عباسٍ ﵄، أن رسول الله ﷺ مرّ بقبرين، فقال: "إنَّهُما يُعذبان، ومَا يُعَذَّبانِ في كَبير". قال: وفي رواية البخاري: "بلى إنَّه كبيرٌ؛ أمَّا أحدهُما فَكانَ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ، وأما الآخَرُ فَكانَ لا يستترُ مِنْ بولهِ". قلتُ: قال العلماءُ: معنى: "وما يُعذّبان في كبير" أي: في كبيرٍ في زعمهما، أو كبيرٍ تكرهُ عليهما. ١٧٢١- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٥٨٩] ، و"سنن أبي داود" [رقم: ٤٨٧٤] ، والترمذي [رقم: ١٩٣٤] ، والنسائي [في "السنن الكبرى" كما في "تحفة الأشراف"، رقم: ١٣٩٨٥] ؛ عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "أتَدْرُونَ ما الغِيْبَةُ"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولهُ أعلمُ، قال: "ذِكْرُكَ أخاكَ بِمَا يَكْرَهُ"، قيل: أفرأيتَ إنْ كانَ في أخي ما أقولُ؟ قال: "إنْ كانَ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ"، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح. ١٧٢٢- وَرَوَيْنَا في صحيحي البخاري [رقم: ١٠٥] ، ومسلم [رقم: ١٦٧٩] ؛ عن أبي بكرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال في خطبتهِ يوم النحرِ بِمنىً في حجةِ الوادعِ: "إنَّ دماءكُم وَأمْوَالكُمْ وأعْرَاضَكُمْ حرامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا؛ ألا هَلْ بَلَّغْتُ"؟. ١٧٢٣- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٨٧٥] ، والترمذي [رقم:

стр. 754

٢٥٠٢، ٢٥٠٣] ؛ عن عائشة ﵂، قالت: قلتُ للنبيّ ﷺ : حسبُك من صفيّة كذا وكذا -قال بعضُ الرواة: تعني قصيرة- فقال: "لَقَدْ قلتُ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بماءِ البحرِ لمزجتهُ"، قالت: وحكيتُ له إنساناً، فقال: "ما أحبُ أني حكيتُ إنساناً وأنَّ لي كَذَا وكَذَا"، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. قلتُ: "مزجتهُ" أي: خالطتهُ مُخالطةً يتغيرُ بها طعمهُ أو ريحهُ لشدةِ نتنها وقبحها، وهذا الحديث من أعظم الزواجر عن الغيبة أو أعظمُها؛ وما أعلمُ شيئاً من الأحاديث يبلغُ في الذمّ لها هذا المبلغ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] نسألُ اللَّه الكريم لطفه والعافية مِنْ كُلّ مَكْرُوهٍ. ١٧٢٤- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٨٧٨] ، عن أنس ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لَمَّا عُرج بِي، مررتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أظفارٌ مِنْ نُحاسٍ يخمشونَ وُجُوهَهُمْ وصدُورهُم، فقلتُ: مَنْ هؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ؟ قال: هَؤُلاءِ الَّذينَ يأكُلُونَ لحومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ في أعْرَاضِهِمْ". ١٧٢٥- وَرَوَيْنَا فيه [رقم: ٤٨٧٦] ، عن سعيد بن زيدٍ ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ مِنْ أرْبَى الرّبا الاسْتِطالَةَ في عِرْضِ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ". ١٧٢٦- وَرَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ١٩٢٧] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَخونُهُ وَلا يَكْذِبُهُ وَلا يَخْذُلُهُ، كُلّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حرامٌ، عرْضُهُ ومَالُهُ وَدَمُهُ، التَّقْوَى ها هنا، بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاهُ المسلم"، قال الترمذي: حديث حسن [راجع رواية البخاري، رقم ٦٠٦٤، ٦٠٦٥؛ ومسلم، رقم: ٢٥٦٣، ٢٥٦٤؛ وراجع "الأربعون النووية" الحديث رقم: ٣٥؛ وسيرد برقم: ١٧٦٥] . قلتُ: ما أعظم نفع هذا الحديث وأكثر فوائدهُ؛ وبالله التوفيقُ.

стр. 755

بابُ بيانِ مُهِمَّاتٍ تتعلّقُ بحدِّ الغِيبَة: ١٧٢٧- قد ذكرنا في الباب السابق [رقم: ١٧١٦] أن الغيبة: ذكرك الإِنسان بما يكرهُ، سواءٌ ذكرتهُ بلفظك، أو فِي كِتابِكَ، أوْ رمزتَ أو أشرتَ إليه بعينك، أو يدك، أو رأسك. وضابطهُ: كلّ ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرّمة، ومن ذلك المحاكاةُ، بأن يمشي متعارجاً أو مُطَأْطِئاً أو على غير ذلك من الهيئات، مريداً حكاية هيئة من يَتَنَقَّصُهُ بذلك، فكلُّ ذلك حرامٌ بلا خلافٍ. ومن ذلك إذا ذَكرَ مُصنفُ كتابٍ شخصاً بعينه في كتابه قائلاً: قال فلانُ كذا، مريدًا تنقصهُ والشناعةَ عليهِ، فهو حرامٌ، فإن أرادَ بيانَ غلطهِ لئلا يُقلَّدَ، أو بيانَ ضعفه في العلم لئلا يُغترّ به ويُقبل قولهُ، فهذا ليس غيبة بل نصيحة واجبةٌ يثابُ عليها إذا أرادَ ذلك، وكذا إذا قال المصنف أو غيره: قال قوم أو جماعةٌ كذا وكذا، وهذا غلطٌ أو خطأ أو جهالةٌ وغفلةٌ ونحو ذلك، فليس غيبة، إنما الغيبة ذكر إنسانٌ١ بعينه أو جماعةٍ معينين. ومن الغيبة المحرّمة قولك: فعل كذا بعضُ الناس، أو بعض الفقهاء، أو بعضُ من يَدّعي العلم، أو بعضُ المفتين، أو بعضُ مَن ينسبُ إلى الصلاحِ أو يَدّعي الزهدَ، أو بعضُ مَن مرّ بنا اليوم، أو بعضَ مَن رأيناهُ، أو نحو ذلك؛ إذا كان المخاطب يفهمه بعينه لحصول التفهيم. ومن ذلك غيبة المتفقهين والمتعبدين، فإنهم يُعرضون بالغيبة تعريضاً يفهم به كما يفهم بالصريح، فيُقال لأحدهم: كيف حال فلانٍ؟ فيقولُ: الله يُصلحنا، الله يغفر لنا، الله يُصلحه، نسأل الله العافية، نحمدُ الله الذي لم يبتلينا بالدخول على الظلمة، نعوذ بالله من الشرّ، الله يُعافينا من قلةِ الحياء، الله يتوبُ علينا؛

стр. 756

وما أشبه ذلك مما يُفهم منه تنقصهُ، فكل ذلك غيبة محرمةٌ؛ وكذلك إذا قال: فلانٌ يُبتلى بما ابتلينا به كلُّنا، أو مالهُ حلةٌ في هذا، كلُّنا نفعلهُ؛ وهذه أمثلةٌ، وإلا فضابط الغيبة: تفهيمك المخاطب نقص إنسان كما سبق، وكلُّ هذا معلوم من مقتضى الحديث الذي ذكرناه في الباب الذي قبل هذا [رقم: ١٧٢١] عن "صحيح مسلم" وغيره في حدّ الغيبة؛ والله أعلمُ. ٤٩٤- فصل حرمة الغيبة وحرمة سماعها: ١٧٢٨- اعلم أن الغيبة كما يحرمُ على المغتابِ ذكرها، يُحرمُ على السامعِ استماعُها وإقرارُها، فيجبُ على من سمع إنساناً يبتدئُ بغيبةٍ محرمةٍ أن ينهاهُ إن لم يَخَفْ ضرراً ظاهراً، فإن خافهُ وجب عليه الإنكارُ بقلبه، ومفارقةُ ذلك المجلس إن تمكن من مفارقته، فإن قدرَ على الإِنكار بلسانه، أو على قطع الغيبة بكلامٍ آخر لزمهُ ذلك، فإن لم يفعل عصى، فإن قال بلسانه: أسكتْ، وهو يشتهي بقلبه استمرارهُ، فقال أبو حامد الغزالي ["الإحياء" ٣/ ١٤٦] : ذلك نفاقٌ لا يخرجهُ عن الإِثم، ولا بدّ من كراهته بقلبهِ، ومتى اضطرّ إلى المقام في ذلك المجلس الذي فيه الغيبة وعجز عن الإِنكار، أو أنكر فلم يُقبل منهُ، ولم يمكنهُ المفارقة بطريقٍ، حرم عليه الاستماعُ والإِصغاء للغيبة، بل طريقهُ أن يذكرَ الله تعالى بلسانه وقلبه، أو بقلبه، أو يفكر في أمرٍ آخر ليشتغل عن استماعها، ولا يضرّه بعد ذلك السماعُ من غير استماع وإصغاءٍ في هذه الحالة المذكورة، فإن تمكن بعد ذلك من المفارقة، وهو مستمرّون في الغيبة ونحوها وجب عليه المفارقةُ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] . ١٧٢٩- وَرَوَيْنَا في عن إبراهيم بن أدهم ﵁، أنه دُعي إلى

стр. 757

وليمةٍ، فحضرَ، فذكروا رجلاً لم يأتهم، فقالوا: إنه ثقيلٌ، فقال إبراهيم: أنا فعلتُ هذا بنفسي حيثُ حضرتُ موضعاً يُغتاب فيه الناس؛ فخرج ولم يأكلْ ثلاثة أيام. ["الرسالة القشيرية" ١/ ٥٠٨] . ١٧٣٠- ومما أنشدوه في هذا [من المتقارب] : وَسَمْعَكَ صُنْ عن سماعِ القبيحِ ... كصَوْنِ اللسانِ عن النُّطْقِ بِهْ فإنَّكَ عندَ سماعِ القبيحِ ... شريكٌ لقائِلِه فانتبِهْ

стр. 758

بابُ بَيانِ ما يَدْفَعُ به الغيبةَ عن نفسِه: ١٧٣١- اعلم أن هذا الباب له أدلةٌ كثيرةٌ في الكتاب والسنّة، ولكني أقتصرُ منهُ على الإِشارة إلى أحرفٍ، فمن كان موفَّقاً انزجرَ بها، ومن لم يكن كذلك فلا ينزجرُ بمجلداتٍ. وعمدةُ البابِ أن يعرضَ على نفسهِ ما ذكرناهُ من النصوصِ في تحريمِ الغيبة، ثم يفكرُ في قولِ الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [سورة ق: ١٨] وقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] وما ذكرناه [رقم: ١٦٩٨] من الحديث الصحيح [البخاري، رقم: ٦٤٧٨] : "إنَّ الرَّجُل لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله تعالى، ما يُلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم"، وغير ذلك مما قدمناهُ في بابِ حفظِ اللسانِ [رقم: ٤٩٠] وبابِ الغيبة [رقم: ٤٩٢] ، ويضمّ إلى ذلك قولهم: الله معي، الله شاهدٌ علي١، الله ناظرٌ إلَيّ. ١٧٣٢- وعن الحسن البصري ﵀، أن رجلاً قال لهُ: إنك تغتابني، فقال: ما بلغَ قدرُك عندي أن أحكِّمَكَ في حسناتي. ١٧٣٣- وَرَوَيْنَا عن ابن المبارك ﵀، قال: لو كنتُ مُغتابًا أحداً لاغتبتُ والديّ، لأنهما أحقُّ بحسناتي، ["الرسالة القشيرية" ١/ ٥١٠] ؛ والله أعلمُ.

стр. 759

بابُ بَيانِ ما يُباحُ مِن الغِيبَة: ١٧٣٤- اعلم أنَّ الغيبةَ، وإن كانت محرّمة، فإنها تباحُ في أحوالٍ للمصلحة. والمجوزُ لهَا غرضٌ صحيحٌ شرعيٌ لا يُمكنُ الوصولُ إليه إلا بها، وهُو أحدُ ستةِ أسبابٍ: الأولُ: التظلمُ، فيجوزُ للمظلوم أن يتظلَّم إلى السلطانِ والقاضي وغيرهما ممّن له ولايةٌ أو له قدرةٌ على إنصافهِ من ظالمهِ، فيذكرُ أن فُلانًا ظلمني، وفعل بي كذا، وأخذ لي كذا، ونحو ذلك. الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، وردّ العاصي إلى الصواب، فيقولُ لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فُلانٌ يعملُ كذا فأزجرهُ عنهُ، ونحو ذلك؛ ويكونُ مقصودهُ التوسل١ إلى إزالة المنكرِ، فإن لم يقصد ذلك كان حراماً. الثالث: الاستفتاء، بأن يقولَ للمفتي: ظلمني أبي أو أخي أو فلانٌ بكذا، فهل له ذلك أم لا؟ وما طريقي في الخلاص منهُ وتحصيل حقّي، ودفع الظلم عني، ونحو ذلك؟ وكذلك قولهُ: زوجتي تفعلُ معي كذا، أو زوجي يفعلُ كذا، ونحو ذلك؛ فهذا جائزٌ للحاجةِ، ولكن الأحوط أن يقول: ما تقولُ في رجل كان من أمره كذا أو كذا، أو في زوج أو زوجةٍ تفعل كذا أو نحو ذلك، فإنه يحصلُ به الغرضُ من غير تعيين، ومع ذلك فالتعيينُ جائزٌ، لحديث هندٍ الذي سنذكره إن شاء الله تعالى، [برقم: ١٧٣٩] وقولُها: يا رسول الله! إن أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ.. الحديث، ولم ينهها رسول الله ﷺ .

стр. 760

الرابع: تحذير المسلمين من الشرّ ونصيحتهم، وذلك من وجوهٍ: منها: جرحُ المجروحين من الرواةِ للحديث والشهود، وذلك جائزٌ بإجماع المسلمين، بل واجبٌ للحاجةِ. ومنها: إذا استشارك إنسانٌ في مصاهرته، أو مشاركته، أو إيداعهِ، أو الإِيداع عندهُ، أو معاملته، [أو مجاورته] أو غير ذلك؛ وجب عليك أن تذكُر له ما تعلمهُ منهُ على جهةِ النصيحةِ، فإن حصلَ الغرضُ بمجرّد قولك: لا تصلحُ لك معاملتُه، أو مصاهرتهُ، أو لا تفعلْ هذا، أو نحو ذلك؛ لم تجز الزيادةُ بذكرِ المساوئ، وإن لم يحصل الغرضُ إلا بالتصريح بعينه، فاذكره بصريحه. ومنها: إذا رأيتَ مَن يشتري عبداً معروفاً بالسرقةِ أو الزنا أو الشرب أو غيرها، فعليك أن تبيّن ذلك للمشتري إن لم يكن عالماً به، ولا يختصّ بذلك، بل كُلُ من علمَ بالسلعة المبيعةِ عيباً وجبَ عليه بيانهُ للمشتري إذا لم يعلمهُ. ومنها: إذا رأيت متفقهاً يتردَّدُ إلى مبتدعٍ، أو فاسقٍ؛ يأخذُ عنهُ العلمَ، وخفتَ أن يتضرَّرَ المتفقهُ بذلك، فعليك نصيحتهُ ببيان حالهِ، ويُشترط أن يقصدَ النصيحةَ، وهذا مما يُغلَطُ فيه، وقد يحملُ المُتكلمَ بذلك الحسدُ، أو يلبسُ الشيطانُ عليه ذلك، ويُخيل إليه أنه نصيحةٌ وشفقةٌ، فليتفطَّنْ لذلك. ومنها: أن يكون له ولايةٌ لا يقومُ بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحاً لها، وإما بأن يكون فاسقاً أو مغفلاً ونحو ذلك؛ فيجبُ ذكرُ ذلك لمن له عليه ولايةٌ عامةٌ ليزيلهُ ويُولِّي من يصلحُ، أو يعلمَ ذلك منهُ ليعاملهُ بمقتضى حالهِ ولا يغترّ بهِ، وأن يسعى في أن يحثهُ على الاستقامة أو يستبدل به. الخامسُ: أن يكون مُجاهرًا بفسقه أو بدعته، كالمجاهر بشرب الخمر أو مصادرة الناس وأخذ المُكس وجباية الأموال ظلماً وتولّي الأمور الباطلة،

стр. 761

فيجوز ذكره بما يُجاهر به ويحرمُ ذكرهُ بغيره من الغيوب، إلا أن يكون لجوازه سببٌ آخرُ مما ذكرناهُ. السادسُ: التعريفُ، فإذا كان الإِنسان معروفاً بلقبٍ، كالأعمش والأعرج والأصمّ والأعمى والأحول والأفطس وغيرهم، جاز تعريفهُ بذلك بنيّة التعريف، ويحرمُ إطلاقهُ على جهة النقص؛ ولو أمكن التعريفُ بغيرهِ كان أولى. فهذه ستة أسباب ذكرها العلماءُ مما تُباحُ بها الغيبة على ما ذكرناه [راجع "رياض الصالحين" ٢٥٦ باب ما يباح من الغيبة، الصفحات: ٥٢٥ - ٥٢٧] . وممّن نصّ عليها هكذا الإِمام أبو حامد الغزالي في "الإِحياء" [٣/ ١٥٢، ١٥٣] وآخرون من العلماء، ودلائلُها ظاهرةٌ من الأحاديث الصحيحة المشهورة، وأكثرُ هذه الأسباب مجموعٌ على جوازِ الغيبة بها. ١٧٣٥- رَوَيْنَا في "صحيحي" البخاري [رقم: ٦٠٥٤] ، ومسلمٍ [رقم: ٢٥٩١] ؛ عن عائشة ﵂، أن رجلاً استأذنَ على النبيّ ﷺ فقال: "ائْذَنُوا لَهُ، بِئْسَ أخُو العَشيرَةِ". احتجّ به البخاري على جواز غيبة أهل الفساد وأهل الرِّيَبِ. ١٧٣٦- وَرَوَيْنَا في "صحيحي" البخاري [رقم: ٤٣٣٦] ، ومسلم [رقم: ١٠٦٢] ؛ عن ابن مسعودٍ ﵁، قال: قسمَ رسولُ الله ﷺ قسمةً، فقال رجلٌ من الأنصار: والله ما أرادَ محمدٌ بهذا وجهُ الله تعالى؛ فأتيتُ رسولَ الله ﷺ ، فأخبرتُه، فتغيَّرَ وجهُه، وقال: "رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بأكْثَرَ مِنْ هذا فصبر". [تقدم برقم: ١٦١٧] . وفي بعض رواياته: قال ابن مسعودٍ: فقلتُ: لا أرفعُ إليه بعد هذا حديثاً. قلتُ: احتجّ به البخاري في إخبار الرجل أخاهُ بما يقالُ فيه.

стр. 762

١٧٣٧- وَرَوَيْنَا في "صحيح البخاري" [رقم: ٦٠٦٧] ، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَا أظُنُّ فُلاناً وَفُلاناً يَعْرِفانِ مِنْ دِينِنا شَيْئاً". قال الليث بن سعد أحد الرواة: كانا رجلين من المنافقين. ١٧٣٨- وَرَوَيْنَا في "صحيحي" البخاري [رقم: ٤٩٠٠] ، ومسلم [رقم: ٢٧٧٢] ؛ عن زيد بن أرقم ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فأصابَ الناسَ فيه شدةٌ، فقال عبدُ الله بن أُبيّ: لا تُنفقوا على من عند رسول الله ﷺ حتى يَنْفَضُّوا من حوله، وقال: لئن رجعنَا إلى المدينة ليُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فأتيتُ النبيَّ ﷺ ، فأخبرتُه بذلك، فأرسلَ إلى عبد الله بن أُبيّ ... وذكر الحديث، فأنزل الله تعالى تصديقهُ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] . ١٧٣٩- وفي الصحيح [البخاري، رقم: ٥٣٥٩؛ مسلم، رقم: ١٧١٤] ، حديثُ هندٍ امرأةِ أبي سفيانَ، وقولها للنبي ﷺ : إن أبا سفيان رجل شحيحٌ.. إلى آخره. ١٧٤٠- وحديثُ فاطمةَ بنتِ قيس [مسلم، رقم: ١٤٨٠] ، وقول النبيّ ﷺ لها: "أما معاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ، وأمَّا أبُو جَهْمٍ فَلا يَضَع العَصَا عَنْ عاتِقِهِ". [وسيرد برقم: ١٩٣٩] .

стр. 763

بابُ أمرِ مَنْ سَمعَ غيبةَ شيخِهِ أو صاحبهِ أو غيرهما بردها وإبطالها ... بابُ أمرِ مَنْ سمع غيبة شيخ أو صاحبهِ أو غيرهما بردها وإبطالها: ١٧٤١- اعلم أنه ينبغي لمن سمع غِيبةَ مسلم أن يردّها ويزجرَ قائلَها، فإن لم ينزجرْ بالكلام زجرهُ بيدهِ، فإن لم يستطع باليدِ ولا باللسان، فارقَ ذلكَ المجلس، فإن سمعَ غِيبَةَ شيخه، أو غيره ممّن له عليه حقٌ، أو كانَ من أهل الفضل والصَّلاح، كان الاعتناءُ بما ذكرناهُ أكثر. ١٧٤٢- رَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ١٩٣١] ، عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أخيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيامَةِ" قال الترمذي: حديثٌ حسن. ١٧٤٣- وَرَوَيْنَا في "صحيحي" البخاري [رقم: ٤٢٥] ، ومسلمٍ [رقم: ٣٣] ؛ في حديث عِتبان -بكسر العين على المشهور، وحكي ضمها- ﵁، في حديثه الطويل المشهور، قال: قام النبيّ ﷺ يُصلي، فقالوا: أين مالك بن الدخمش؟ فقال رجلٌ: ذلك منافقٌ لا يحبُ اللَّهَ ورسولهُ؛ فقال النبيّ ﷺ : "لا تَقُلْ ذلكَ، ألا تراهُ قَدْ قالَ: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، يريدُ بِذلكَ وَجْهَ اللَّهِ"؟. ١٧٤٤- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ١٨٣٠] ، عن الحسن البصري ﵀، أن عائذ بن عمرو، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ، دخلَ على عُبيد الله بن زياد، فقال: أي بنيّ! إني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ شَرَّ الرِّعَاء الحطمةُ" فإيَّاكَ أنْ تَكُونَ مِنْهُمُ، فقال لهُ: اجلسْ، فإنما أنتَ من نخالةِ أصحابِ محمدٍ ﷺ ، فقال: وهل كانتْ لهم نخالةٌ؟ إنما كانت النخالةُ بعدَهم، وفي غيرِهم. ١٧٤٥- وَرَوَيْنَا في "صحيحيهما" البخاري، [رقم: ٤٤١٨] ؛ ومسلمٍ [رقم: ٢٧٦٩] ؛ عن كعب بن مالكٍ ﵁ في حديثهِ الطويل في قصة توبته، قال: قال النبيّ ﷺ ، وهو جالسٌ في القوم بتبوك: "ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ"؟ فقال رجلٌ من بني سَلمة: يا رسول الله! حبسَه بُرْدَاهُ، والنظرُ في عِطفيه؛ فقال له معاذُ بن جبل ﵁: بئسَ ما قلتَ، واللهِ يا رسولَ الله ما علمنا عليهِ إلا خيراً؛ فسكتَ رسول الله ﷺ .

стр. 764

قلتُ: "سلمةُ" بكسر اللام؛ وعطفاهُ: جانباهُ، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه. ١٧٤٦- وَرَوَيْنَا في "سنن أبي داود" [رقم: ٤٤٨٤] ، عن جابر بن عبد الله، وأبي طلحة ﵃، قالا: قال رسول الله ﷺ : "ما من امرئٍ يخذلُ امْرَأَ مُسْلِماً في موضعٍ تنتهكُ فيهِ حُرمتهُ، وَيُنْتَقَصُ فيه من عرضهِن إِلاَّ خذلهُ اللَّهُ في موطنٍ يُحبُ فيهِ نُصترهُ؛ وما من امرئٍ يَنْصُرُ مُسْلِماً في موضعٍ ينتقصُ فيهِ مِنْ عرضهِ، وينتهكُ فِيهِ مِنْ حُرمتهِ، إلا نصرهُ اللهُ في موطنٍ يحبُ نصرتهُ". ١٧٤٧- وَرَوَيْنَا فيه [رقم: ٤٨٨٣] ، عن مُعاذ بن أنسٍ، عن النبيّ ﷺ قال: "مَنْ حَمَى مُؤْمِناً مِنْ منافقٍ -أُرَاهُ قال- بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مَلَكاً يَحْمِي لحمهُ يَوْمَ القيامةِ مِنْ نارِ جهنم، ومن رَمَى مُسلمًا بشيءٍ يريدُ شينهُ به حبسهُ اللَّهُ على جِسْرِ جَهَنَّمَ حتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ"؛ والله أعلم.

стр. 765

بابُ الغِيْبَةِ بالقَلْبِ: ١٧٤٨- اعلم أن سوء الظنّ حرامٌ مثل القول؛ فكما يحرمُ أن تحدّث غيرك بمساوئ إنسانٍ، يحرمُ أن تحدّث نفسك بذلك، وتسيء الظنّ به، قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] . ١٧٤٩- وَرَوَيْنَا في "صحيحي" البخاري [رقم: ٦٠٦٤] ، ومسلم [رقم: ٢٥٦٣] ؛ عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكْذِبُ الحَدِيثِ". ١٧٥٠- والأحاديثُ بمعنى ما ذكرته كثيرةٌ، والمرادُ بذلك عقد القلب وحكمهُ على غيرك بالسوء، فأما الخواطرُ، وحديثُ النفسِ، إذا لم يستقرَّ

стр. 766

ويستمرّ عليه صاحبُه، فمعفوٌ عنه باتفاق العلماء، لأنه لا اختيارَ له في وقوعه، ولا طريقَ له إلا الانفكاك عنه، وهذا هو المراد بما ثبتَ. ١٧٥١- في الصحيح [البخاري، رقم: ٥٢٦٩؛ مسلم، رقم: ١٢٧] ؛ عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "إنَّ الله تَعالى تَجَاوَزَ لأُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَتَكَلَّم بِهِ أوْ تَعْمَلْ". ١٧٥٢- قال العلماء: المرادُ به الخواطرُ التي لا تستقرّ. قالوا: وسواءٌ كان ذلك الخاطرُ غِيبة أو كفراً أو غيرهُ؛ فمن خطرَ له الكفرُ مجرد خطرانٍ من غير تعمدٍ لتحصيلهِ، ثم صرفهُ في الحالِ، فليس بكافرٍ، ولا شيء عليه. وقد قدّمنا. في: ١٧٦- باب ما يقولُ مَنْ بُلي بالوَسْوَسَة. في الحديث الصحيح [مسلم، رقم: ١٣٢] أنهم قالوا: يا رسولَ الله! يجدُ أحدُنا ما يتعاظمُ أن يتكلمُ به [قال: "وقدْ وجدتُموه"؟ قالوا: نعم] ، قال: "ذلكََ صريحُ الإِيمَانِ"، وغير ذلك مما ذكرناهُ هناك، وما هو في معناهُ. وسببُ العفو ما ذكرناه من تعذّرٍ اجتنابه، وإنما الممكن اجتناب الاستمرار عليه، فلهذا كان الاستمرارُ وعقدُ القلبِ حراماً. ومهما عرض لك هذ الخاطرُ بالغيبةِ وغيرها من المعاصي وجبَ عليك دفعهُ بالإعراضِ عنهُ، وذكرِ التأويلاتِ الصارفة لهُ عن ظاهره. قال الإِمام أبو حامدٍ الغزالي في "الإِحياء" [٣/ ١٥٠، ١٥١] : إذا وقعَ في قلبك ظنّ السوء، فهو من وسوسة الشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تُكذِّبه، فإنه أفسقُ الفسّاق، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٧] فلا يجوز تصديق إبليس، فإن كان هناك قرينةٌ تدل على فسادٍ، واحتمل خلافهُ، لم تجز إساءةُ الظنّ؛ ومن علامةِ إساءة الظنّ أن يتغيَّر قلبُك معهُ عمّا كان عليهِ، فتنفرُ

стр. 767

منه١ وتستثقلهُ، وتفتر عن مراعاته وإكرامه والاغتمام بسيئه٢، فإنَّ الشيطانَ قد يقرِّبُ إلى القلب بأدنى خيال مساوئَ الناس، ويُلقي إليه: أن هذا من فطنتك وذكائك وسرعة تنبّهك، وإن المؤمن ينظرُ بنور الله، وإنما هو على التحقيق ناظرٌ بغرور الشيطان وظلمته. وإن أخبرَكَ عدلٌ بذلك فلا تُصدِّقه ولا تكذبهُ، لئلا تُسيءَ الظنّ بأحدهما؛ ومهما خطرَ لك سوءٌ في مسلمٍ، فزِدْ في مراعاته وإكرامه، فإن ذلك يُغيظُ الشيطانَ، ويدفعهُ عنكَ، فلا يُلقي إليك مثلهُ خِيفةً من اشتغالك بالدعاءِ لهُ، ومهما عرفتَ هفوةَ مُسلم بحجةٍ لا شكّ فيها، فانصحهُ في السرّ، ولا يخدعنَّك الشيطانُ فيدعوك إلى اغتيابِه، وإذا وعظتهُ فلا تعظهُ وأنت مسرورٌ باطّلاعِك على نقصِه، فينظرُ إليك بعين التعظيم، وتنظرُ إليه بالاستصغار، ولكن اقصدْ تخليصهُ من الإِثم، وأنت حزينٌ كما تخزنُ على نفسك إذا دخلَك نقصٌ، وينبغي أن يكونَ تركهُ لذلك النقص بغير وعظك أحبّ إليك من تركهِ بوعظك. هذا كلامُ الغزالي. قلتُ: قد ذكرنا أنه يجبُ عليه إذا عرضَ له خاطرٌ بسوءِ الظن أن يقطعهُ، وهذا إذا لم تدعُ إلى الفكرِ في ذلك مصلحةٌ شرعيةٌ، فإن دعتْ جازَ الفكرُ في نقيصته، والتنقيب عنها، كما في جرح الشهود والرواة وغير ذلك مما ذكرناه في ٤٩٦ - باب ما يباحُ في الغيبة.

стр. 768

بابُ كَفَّارةِ الغيْبةِ والتَّوْبَةِ منها: ١٧٥٣- اعلم أن كلَّ من ارتكب معصيةً لزمهُ المبادرةُ إلى التوبة منها، والتوبةُ من حقوق الله تعالى يُشترط فيها ثلاثةُ أشياء: أن يُقلع عن المعصية في الحال، وأن يندمَ على فعلها، وأن يَعزِمَ ألاّ يعود إليها. والتوبةُ من حقوق الآدميين يُشترط فيها هذه الثلاثةُ ورابعٌ، وهو: ردّ الظلامةِ إلى صاحبها، أو طلب عفوه عنها، والإِبراء منها؛ فيجبُ على المغتاب التوبة بهذه الأمور الأربعة؛ لأن الغيبة حقّ آدمي، ولا بدّ من استحلاله مَن اغتابَه، وهل يكفيه أن يقول: قد اغتبتُك، فاجعلني في حلّ، أم لا بُدَّ أن يبيّنَ ما اغتابه به؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي ﵏: أحدهما: يُشترط بيانُه، فإن أبرأه من غير بيانه لم يصحّ، كما لو أبرأه عن مالٍ مجهولٍ. والثاني: لا يُشترط؛ لأن هذا مما يُتسامحُ فيه، فلا يُشترط علمهُ، بخلاف المال. والأوّل أظهرُ؛ لأن الإِنسانََ قد يسمحُ بالعفو عن غيبة دونَ غِيبة؛ فإن كان صاحبُ الغيبةِ ميّتاً أو غائباً، فقد تعذّرَ تحصيلُ البراءةِ منها؛ لكن قال العلماءُ: ينبغي أن يُكثر الاستغفار له والدعاءَ، ويُكثر من الحسنات. واعلم أنه يُستحبّ لصاحب الغِيبة أن يبرئه منها، ولا يحبُ عليه ذلك؛ لأنه تبرّعٌ وإسقاطُ حقٌ، فكان إلى خِيرَته، ولكن يُستحبّ له استحباباً متأكداً الإِبراء، ليخلِّصَ أخاهُ المسلم من وبال هذه المعصية، ويفوزَ هُو بعظيم ثواب الله تعالى في العفو ومحبة الله ، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] وطريقهُ في تطيب نفسه بالعفو أن يذكِّرَ نفسَه أنَّ هَذَا الأمْرَ قد وقعَ، ولا سبيلَ إلى رفعه، فلا ينبغي أن أُفوِّتَ ثوابهُ وخلاصَ أخي المسلم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآية. والآياتُ بنحو ما ذكرناهُ كثيرةٌ.

стр. 769

١٧٥٤- وفي الحديث الصحيح [مسلم، رقم: ٢٦٩٩] أن رسول الله ﷺ قال: "وَاللَّهُ فِي عونِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْن أخيه". [مر برقم: ١٦٠٩] . ١٧٥٥- وقد قال الشافعي ﵀: من استُرضِي فلم يرضَ فهو شيطانٌ. ١٧٥٦- وقد أنشد المتقدمون [وينسب للإمام الشافعي ﵀، من الخفيف] : قيلَ لي: قد أساءَ إليك فلانٌ ... ومقامُ الفَتَى على الذُّلِّ عارُ قلتُ: قدْ جاءَنَا وأحْدَثَ عُذْراً ... ديةُ الذنبِ عِندنَا الاعْتذَارُ ١٧٥٧- فهذا الذي ذكرناهُ من الحثَ على الإِبراء عن الغيبة هو الصوابُ، وأما ما جاء عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا أُحلل مَن ظلمني؛ وعن ابن سيرين: لم أُحرّمها عليه فأُحلِّلُهَا لهُ؛ لأن الله تعالى حرّم الغيبةَ عليه، وما كنتُ لأُحَلِّلَ ما حرمهُ الله تعالى أبداً؛ فهو ضعيفُ، أو غلطٌ؛ راجع فيض القدير فإن المبرئ لا يحلِّلُ محرّماً، وإنما يُسقط حقاً ثبتَ لهُ، وقد تظاهرت نصوصُ الكتابِ والسنّة على استحباب العفو، وإسقاط الحقوق المختصّة بالمسقِط؛ أو يحملُ كلامُ ابن سيرين على أني لا أبيحُ غيبتي أبداً، وهذا صحيحٌ، فإن الإِنسانَ لو قال: أبحتُ عرضي لمن اغتابني لم يَصرْ مباحاً، بل يحرمُ على كل أحدٍ غيبتهُ كما تحرمُ غيبةُ غيرهِ. ١٧٥٨- وأما الحديث [أبو داود، رقم: ٤٨٨٦، ٤٨٨٧] : "أيَعْجِزُ أحدكُم أنْ يَكُونَ كأبِي ضمضمٍ؟ كانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بيتهِ، قالَ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي على الناس". [مر برقم: ٤٦٢] ، فمعناهُ: لا أطلبُ مَظلمتي ممّن ظلمني لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا يَنفعُ في إسقاط مظلمةٍ كانت موجودة قبل الإبراءِ. فأما ما يحدثُ بعدهُ فلا بدّ من إبراءٍ جديدٍ بعدَها؛ وبالله التوفيق.

стр. 770

بابٌ في النميمة: ١٧٥٩- قد ذكرنا تَحْرِيمها ودلائلَها وما جاء في الوعيد عليها، وذكرنَا بيانَ حقيقتها، ولكنه مختصرٌ، ونزيدُ الآن في شرحه. قال الإِمام أبو حامد الغزالي ﵀ ["الإحياء": ٣/ ١٥٦] : النميمةُ إنما تطلقُ في الغالب على مَن يَنمُّ قولَ الغير إلى المقول فيه، كقوله: فلانٌ يقولُ فيك كذا، وليست النميمةُ مخصوصةً بذلك، بل حدّها كشفُ ما يُكرهُ كشفهُ، سواءٌ كرههُ المنقولُ عنهُ، أو المنقولُ إليه، أو ثالثٌ؛ وسواءٌ كان الكشفُ بالقولِ، أو الكتابة، أو الرمز، أو الإِيماء، أو نحوها؛ وسواءٌ كان المنقولُ من الأقوال أو الأعمال، وسواءٌ كان عيباً أو غيرهُ، فحقيقةُ النميمة إفشاءُ السرّ، وهتكُ السترِ عمّا يكرهُ كشفهُ، وينبغي للإِنسان أن يسكتَ عن كلِّ ما رآهُ من أحوالِ الناس، إلا ما في حكايتهِ فائدةٌ لمسلمٍ، أو دفعُ معصيةٍ؛ وإذا رآهُ يُخفي مالَ نفسهِ فذكرهُ، فهو نميمة، قال: وكلُ مَنْ حُمِلت إليه نميمةٌ، وقيل لهُ: قال فيك فلانٌ كذا؛ لزمهُ ستةُ أمورٍ. الأول: ألا يصدقهُ؛ لأن النَّمامَ فاسقٌ، وهو مردود الخبر. الثاني: أن ينهاهُ عن ذلك وينصحهُ ويقبّح فعلهُ. الثالث: أن يبغضَه في الله تعالى، فإنه بغيض عند الله تعالى، والبغضُ في الله تعالى واجب. الرابع: ألا يظنّ بالمنقول عنه السوء، لقول الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] . الخامس: ألا يحملَك ما حُكي لك على التجسس والبحث عن تحقيق ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُواْ﴾ [الحجرات: ١٢] .

стр. 771

السادس: ألا يرضى لنفسه ما نهى النمّامَ عنهُ، فلا يحكي نميمته. وقد جاء أن رجلاً ذَكَرَ لعمرَ بن عبد العزيز، ﵁، رجلاً بشيءٍ، فقال عمرُ: إن شئتَ نظرنَا في أمركَ، فإن كنتَ كاذباً فأنتَ من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] ، وإن كنتَ صادقاً فأنتَ من أهل هذه الآية: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] وإن شئتَ عفونا عنك؛ قال: العفو، يا أميرَ المؤمنين، لا أعودُ إليه أبداً. ورفع إنسانٌ رفعةً إلى الصاحبِ بن عبادٍ يحثهُ فيها على أخذِ مال يتيم، وكان مالاً كثيراً، فكتبَ على ظهرها: النميمية قبيحةٌ، وإن كانت صحيحةً، والميّتُ ﵀، واليتيمُ جبرَه الله، والمالُ ثمرهُ اللهُ، والساعي لعنهُ الله.

стр. 772

بابُ النهي عن نَقْلِ الحَديثِ إلى ولاةِ الأُمور إذا لم تدعُ إليه ضرورةٌ لخوفِ مفسدةٍ ونحوِهَا: ١٧٦٠- رَوَيْنَا في كتابي أبي داود [رقم: ٤٨٦٠] ، والترمذي [رقم: ٣٨٩٦] ؛ عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُبَلِّغْني أحدٌ منْ أصْحابِي عَنْ أحدٍ شَيْئاً، فإني أُحِبُّ أنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وأنا سَلِيمُ الصَّدْرِ".

стр. 773

بابُ النَّهي عن الطعن في الأَنْسَابِ الثَّابتةِ في ظاهِر الشَّرْعِ: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإِسراء: ٣٦] ١٧٦١- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٦٧] ، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسولُ لله ﷺ : "اثْنَتانِ فِي النَّاسِ هُما بِهِمْ كفرٌ: الطعنُ في النَّسَبِ، والنياحةُ على الميت". [مر برقم: ٧٦٧] ؛ والله أعلمُ.

стр. 774

بابُ النّهي عن الافْتِخَار: قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٣] . ١٧٦٢- وَرَوَيْنَا في "صحيح مسلم" [رقم: ٢٨٦٥] ، و"سنن أبي داود" [رقم: ١٢١٤] وغيرهما؛ عن عياض بن حمارٍ الصحابي ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إن اللَّهَ تَعالى أوْحَى إلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا حتَّى لا يَبْغيَ أحدٌ على أحدٍ، وَلا يَفْخَرَ أحدٌ على أحدٍ".

стр. 775

بابُ النهي عن إظهار الشماتة بالمسلم: ١٧٦٣- رَوَيْنَا في "كتاب الترمذي" [رقم: ٢٥٠٦] ، عن واثلةَ بن الأسقع ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُظْهِرِ الشَّماتَةَ لأخِيكَ، فَيَرْحَمُهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ". قال الترمذي: حديثٌ حسن.
следующие страницы →