← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

١ - «كاسيات عاريات» واختلف في معناها على أوجه: أ- كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغن، عارية في الآخرة من الثواب لعدم العمل في الدنيا. ب - كاسية بالثياب؛ لكنها شفافة لا تستر عورتها، فتعاقب في الآخرة بالعري، جزاء على ذلك. ج - كاسية من نعم الله، عارية من الشكر الذي تظهر ثمرته في الآخرة بالثواب. د- كاسية جسدها، لكنها تشد خمارها من ورائها فيبدو صدرها، فتصير عارية فتعاقب في الآخرة. هـ- كاسية من خلعة التزوج بالرجل الصالح، عارية في الآخرة من العمل، فلا ينفعها صلاح زوجها (١). ٢ - «مائلات مميلات» واختلف في تفسيرها على أوجه: أ- مائلات عن طاعة الله وما يلزمهن حفظه، مميلات يعلمن غيرهن فعلهن المذموم. ب- مائلات يمشين متبخترات مميلات لأكتافهن، مميلات قلوب الرجال إليهن.

стр. 107

ج- مائلات يمشطن المشطة المائلة، مميلات يمشطن غيرهن تلك المشطة (١). ٣ - «رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة» يكبرها ويعظمنها بلف عمامة أو عصابة أو نحوها (٢). قال القرطبي: «البخت» -بضم الموحدة وسكون المعجمة ثم مثناة جمع بخيتة- وهي ضرب من الإبل عظام الأسنمة، والأسنمة بالنون جمع سنام وهو أعلى ما في ظهر الجمل، شبه رؤوسهن بها لما رفعن من ضفائر شعورهن على أوساط رؤوسهن تزينًا وتصنعًا، وقد يفعلن ذلك بما يكثر به شعورهن». (٣)

стр. 108

الفصل الثاني واجبات المرأة الشرعية المشتملة على بعض حقوقها وفي هذا الفصل ستة مباحث: المبحث الأول: الطهارة. المبحث الثاني: الصلاة. المبحث الثالث: الزكاة والصدقة. المبحث الرابع: حق المرأة في المبادرة إلى قضاء رمضان. المبحث الخامس: الاعتكاف. المبحث السادس: الحج.

стр. 109

لما كانت سلعة الله غالية، كان مهرها غاليًا أيضًا؛ فلن يدخل أحد الجنة إلا مفتاح، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان؛ فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح (١)، وقد فرض الله تعالى على عباده فرائض محددة من صلاة وزكاة وصيام وحج، ولم يفرق بين المرأة والرجل فيها، والأصل أن النساء شقائق الرجال، وكل ما ورد في حق الرجال ورد في حق النساء إلا ما دل الدليل على تخصيصه، وسأورد في هذه المباحث ما خص الله به النساء، أو حقًا أعطاه لهن، ولم يُعرف إمّا للجهل أو لغلبة الهوى. والله المستعان.

стр. 110

المبحث الأول: الطهارة المطلع على الأحكام الواردة في هذا المبحث يرى ترجيح الإسلام لجانب اليسر والسهولة فيما تختص به النساء عن الرجال. وإليك -رحمك الله- هذه المطالب: المطلب الأول: التخفيف عن المرأة في نقض الشعر عند الغسل. المطلب الثاني: وضوء وغسل الرجل مع امرأته. المطلب الثالث: أحكام تتعلق بالحائض. المطلب الرابع: أحكام تتعلق بالمستحاضة. المطلب الأول التخفيف عن المرأة في نقض الشعر عند الغسل اختلف أهل العلم في المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: ليس على المرأة نقض شعرها في الاغتسال من الحيض والجنابة، إلا إذا لم يصل الماء إلى بشرة الرأس إلا بالنقض. وقد ثبت هذا عن عائشة، وأم سلمة (١)، وقال به عطاء، والحكم، والزهري (٢)، وذهب إليه مالك (٣)، والشافعي (٤)،

стр. 111

والحنفية في ظاهر المذهب (١). واستدل أصحاب هذا القول بما يأتي: ١ - ما أخرجه مسلم (٢) من طريق عائشة أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض. فقال: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتهما، فتطهر، فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء … » إلى أن قالت: وسألته عن غسل الجنابة، فقال: «تأخذ ماءً فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء … » الحديث. ولو كان النقض واجبا لذكره ﷺ ؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. ٢ - ما أخرجه مسلم (٣) من حديث أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة قال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء، فتطهرين» وأخرج (٤) من طريق عبد الرزاق عن سفيان به وفيه «فأنقضه للحيضة والجنابة؟ فقال: لا». قال ابن قدامة: «وهذه زيادة يجب قبولها، وهذا صريح في نفي الوجوب» (٥)

стр. 112

وهذا الحديث صريح في عدم وجوب نقض الشعر للغسل من الحيض والجنابة، لكن أجاب الموجبون بأن لفظة «للحيضة» شاذة، قال ابن القيم: «فقد اتفق ابن عيينة، وروح بن القاسم، عن أيوب فاقتصر على الجنابة، واختلف فيه عن الثوري، فقال يزيد بن هارون عنه كما قال ابن عيينة وروح، وقال عبد الرزاق عنه «أفأنقضه للحيضة والجنابة» ورواية الجماعة أولى بالصواب، فلو أن الثوري لم يختلف عليه لترجحت رواية ابن عيينة وروح، فكيف وقد روي عن يزيد بن هارون مثل رواية الجماعة؟ ومن أعطى النظر حقه، علم أن هذه اللفظة ليست محفوظة» (١). ٣ - ما أخرجه مسلم (٢) من طريق عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن. فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات. وفي الحديث إنكار أم المؤمنين عائشة على عبد الله بن عمرو أمر النساء أن ينقضن رؤوسهن عند الغسل. ٤ - ما أخرجه أبو داود (٣) عن محمد بن عوف، قال: قرأت في أصل إسماعيل بن عياش، قال ابن عوف: وثنا محمد بن إسماعيل، عن أبيه، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، قال أفتاني جبير بن نفير عن الغسل من الجنابة أن ثوبان حدثهم أهم استفتوا النبي ﷺ عن ذلك. فقال: «أما الرجل فلينشر رأسه، فليغسله حتى

стр. 113

يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها ألا تنقضه التعرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها». وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١) من طريق محمد بن إسماعيل به بلفظه. قال المنذري: «في إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وأبوه وفيهما مقال» (٢) وردّ عليه ابن القيم فقال: «وهذا إسناد شامي، وأكثر أئمة الحديث، يقولون: حديث إسماعيل بن عياش عن الشاميين صحيح، ونص عليه أحمد بن حنبل» (٣). وقال الشوكاني: «وأكثر ما علل به! أن في إسناده إسماعيل بن عياش، والحديث من روايته عن الشاميين، وهو قوي فيهم، فيقبل» (٤). قلت: إسناده صحيح، ومحمد بن إسماعيل وإن تكلموا في سماعه من أبيه، قال ابن أبي حاتم: «لم يسمع من أبيه شيئا، حملوه على أن يحدث عنه فحدث» (٥) وقال الحافظ: «عابوا عليه أنه حدث عن أبيه بغير سماع» (٦). لكن تصحيح الإسناد بناء على قول محمد بن عوف «قرأت في أصل إسماعيل ابن عياش» وهذه وجادة صحيحة من ثقة في أصل ثقة، وهي حجة على المعتمد (٧). وصحح إسناده الألباني (٨).

стр. 114

القول الثاني: يجب على المرأة نقض شعر رأسها في الحيض دون الجنابة، وإليه ذهب الحسن وطاووس (١)، وأبو محمد بن حزم (٢)، وهو صحيح مذهب الإمام أحمد (٣) ومن مفرداته واختاره ابن القيم (٤). قال الناظم: والضفر في غسل المحيض ينقض … في النص والشيخان هذا نقضوا (٥) وصحح ابن قدامة (٦)، والمجد بن تيمية (٧) بأن نقض شعر المرأة الحائض مستحب وليس بواجب، قال الحكمي: وتنقض الحائض دون الجنب شعرًا وصح أنه لم يجب (٨) واستدلوا لما ذهبوا إليه بما يأتي: ١ - ما أخرجه البخاري (٩)، ومسلم (١٠) من حديث عائشة قالت: خرجنا موافين هلال ذي الحجة، فقال رسول الله ﷺ : «من أحب أن يُهِل بعمرة فليهلل … وفيه: وكنت أنا من أهل بعمرة، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت إلى

стр. 115

النبي ﷺ فقال: «دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بحج» وفي سنن ابن ماجه (١) «انقضي شعرك واغتسلي». قال ابن حزم: والأصل في الغسل الاستيعاب لجميع الشعر، وإيصال الماء إلى البشرة بيقين بخلاف المسح، فلا يسقط ذلك إلا حيث أسقطه النص، وليس ذلك إلا في الجنابة فقط (٢). وأجيب عن هذا الاستدلال بأنه ليس في اللفظ الوارد في الصحيحين أمر بالغسل، وبالنظر إلى ما في ابن ماجه من الأمر بالغسل، فإنه لا حجة فيه؛ لأن ذلك ليس هو غسل الحيض، وإنما أمرت بالغسل في حال الحيض للإحرام بالحج؛ فإنها قالت: «أدركني يوم عرفة، وأنا حائض، فشكوت ذلك إلى النبي ﷺ فقال: «دعي عمرتك، وانقضي رأسك، وامتشطي». وأجيب بأن الأمر هنا للاستحباب، ومما يدل على ذلك أنه ﷺ أمرها بالامتشاط، وليس بواجب كما لا يخفى (٣). وبعضهم جمع بين حديث عائشة وحديث أم سلمة بأن من لا يصل إليها الماء إلا بالنقض فيلزم، أو لا (٤). ٢ - ما أخرجه الطبراني في الكبير (٥)، والبيهقي في الكبرى (٦)، والمقدسي في المختارة (٧) كلهم من طرق عن سلمة بن صبيح اليحمدي، عن حماد بن سلمة،

стр. 116

عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها، وغسلته بخطمي وأشنان، وإذا اغتسلت من جنابة صبت على رأسها الماء وعصرته» واللفظ للطبراني، وعند البيهقي عن «مسلم بين صبيح». قال الهيثمي: «وفيه سلمة بن صبيح، ولم أجد من ذكره» (١). قال الشوكاني: «وأما ما أخرجه الدارقطني في الأفراد، والخطيب في التلخيص، والطبراني في الكبير، والبيهقي من حديث أنس مرفوعًا … ففي إسناده مسلم بن صبيح اليحمدي، وهو مجهول، وهو غير أبي الضحى مسلم بن صبيح المعروف فإنه أخرج له الجماعة كلهم» (٢). ومما يؤكد أن مسلم بن صبيح اليحمدي غير أبي الضحى مسلم بن ص بيح الهمداني، أن الأول متأخر من طبقة شيوخ أحمد، أمّا أبو الضحى فتابعي يروي عن ابن عباس وغيره (٣). وضعف الحديث الألباني في السلسلة الضعيفة (٤). ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهر في عدم النقض على المرأة الحائض، لكن الحديث لم يصح كما ذُكِر فلا يصلح للاستدلال. ٣ - وذكروا أن الحيض لا يتكرر، فلا يشق إيجاب نقضه، بخلاف الجنابة. القول الثالث: يجب على المرأة نقض شعرها في غسل الحيض والجنابة، وإليه ذهب عبد الله

стр. 117

بن عمرو (١)، وحذيفة، وإبراهيم النخعي (٢). قال ابن القيم: ولا يعلم لهما (أي: عبد الله والنخعي) موافق (٣). قلت: وقد روي عن حذيفة. قال النووي: «وأما أمر عبد الله بن عمرو ﵄ بنقض النساء رؤوسهن إذا اغتسلن، فيحمل على أنه أراد إيجاب ذلك عليهن، ويكون ذلك في شعور لا يصل إليها الماء، أو يكون مذهبًا له أنه يجب النقض بكل حال كما حكيناه عن النخعي، ولا يكون بلغه حديث أم سلمة وعائشة، ويحتمل أنه كان يأمرهن على الاستحباب والاحتياط لا الإيجاب» (٤). • وبالنظر في الأدلة يترجح أنه ليس على المرأة أن تنقض ضفائرها في غسل الجنابة بخلاف غسل الحيض والنفاس فإنه يتأكد لها على سبيل الاستحباب نقضه، وذلك لما يأتي: ١ - الأحاديث التي فيها تصريح بعدم وجوب نقض الضفائر في الغسل كلها في الجنابة، إلا الرواية التي تقدمت في حديث أم سلمة «أفأنقضه للحيضة والجنابة» وحكم ابن القيم بشذوذ «للحيضة». ٢ - في سؤال أسماء ﵂ رسول الله ﷺ عن غسل المحيض والجنابة، فرّق في الحكم، ففي غسل الحيض قال: «تأخذ إحداكن ماءها وسدرهما، فتطهر، فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تصب عليها الماء» وفي غسل الجنابة قال «ثم تصب على رأسها، فتدلكه حتى

стр. 118

تبلغ شؤون رأسها». فزاد في غسل الحيض: السدر، والسدر يدخل بين الشعر مع الغسل، وإخراجه من الرأس والشعر مضفور فيه صعوبة، فهذا يدل على أنه ينقض والحالة هذه. وزاد أيضًا «تدلكه دلكًا شديدًا» ولم يقل «شديدًا» في غسل الجنابة؛ فجعل غسل الحيض آكد (١). ومع ذلك فإن هذا الدليل غير كاف لإيجاب نقض شعر المرأة في غسل الحيض؛ لأن السدر غير واجب في الغسل على الحائض، ولو نقضت المرأة شعر رأسها في الحيض لكان أحوط وأبرأ للذمة، ولخرجت من العهدة بيقين. وبعد هذا الاستعراض السريع لأدلة وأقوال نقض المرأة شعرها في الغسل، تحد ترجيح الإسلام لجانب التخفيف على المرأة المسلمة، وحفظ حقها في ضفر رأسها، فكيف بما هو أعظم. فلله الحمد والمنة. المطلب الثاني: وضوء وغسل الرجل مع امرأته أوردت هذه المسألة تحت هذا المطلب، اقتداء بمن سبقني من علماء الحديث وأهله، حيث بوّب البخاري في صحيحه في كتاب الوضوء «باب وضوء الرجل مع امرأته» (٢) وفي كتاب الغسل «باب غسل الرجل مع امرأته» (٣) وبوّب عليها النووي في صحيح مسلم في كتاب الحيض باب: «القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد في حالة واحدة، وغسل أحدهما بفضل

стр. 119

الآخر» (١) وبوّب عليها أبو داود في سننه في كتاب الطهارة «باب: الوضوء بفضل وضوء المرأة» (٢) وبوّب عليها ابن ماجه في كتاب الطهارة: «باب الرجل والمرأة يغتسلان من إناء واحد» (٣) وبوّب عليها الترمذي في كتاب الطهارة «باب ما جاء في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد» (٤) فسننت سنتهم، واقتفيت أثرهم بإيراد هذا المطلب في هذا المبحث. وستأتي الأحاديث التي تدل على جواز اغتسال أو وضوء الزوجين من إناء واحد، يغترفان منه جميعًا، وقد نقل الإجماع على ذلك أربعة من الأئمة، ومن الطريف أنهم يمثلون المذاهب الأربعة، فقد نقل الإجماع الطحاوي الحنفي في شرح معاني الآثار (٥)، والقرطبي المالكي في المفهم (٦)، والنووي الشافعي في المجموع (٧)، وابن تيمية الحنبلي في مجموع الفتاوي (٨)، وإن كان يعكر على هذا الإجماع، ما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة أنه كان يكرهه (٩)، وما حكاه ابن عبد البر في التمهيد (١٠) عن طائفة أهم قالوا: لا يجوز أن يغترف الرجل والمرأة في إناء واحد.

стр. 120

أدلة المسألة: ١ - ما أخرجه البخاري (١) من حديث ابن عمر أنه قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ جميعًا. وقد وقع التصريح بوحدة الإناء في مسند أحمد (٢) من حديث ابن عمر قال: رأيت الرجال والنساء يتوضؤون على عهد رسول الله ﷺ جميعًا من إناء واحد. وفي صحيح ابن خزيمة (٣)، وابن حبان (٤) عن ابن عمر ﵄ أنه أبصر النبي ﷺ وأصحابه يتطهرون، والنساء معهم من إناء واحد، كلهم يتطهر منه. وأجاب شراح الحديث على قول ابن عمر: (يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ جميعًا) بأجوبة عدة: ١ - حكى ابن التين عن قوم أن معناه أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون جميعًا في موضع واحد، هؤلاء على حدة، وهؤلاء على حدة. والزيادة المتقدمة في قوله «من إناء واحد» ترد عليه. ٢ - وأجاب ابن التين عنه بما حكاه عن سحنون أن معناه: كان الرجال يتوضؤون، ويذهبون، ثم تأتي النساء فيتوضؤون. وهو خلاف الظاهر من قوله «جميعًا». ٣ - قال الحافظ: والأولى في الجواب أن يقال: لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب، وأما بعده فيختص بالزوجات والمحارم (٥).

стр. 121

ومن المعلوم أن المرأة في مجتمع المدينة المسلم كانت منعزلة عن الرجال في الصلاة، وهو متواتر، كما كانت منعزلة عنهم في التعليم، وخير صفوف النساء ما كان أبعد عن الرجال، وغير هذا من القيود والضوابط والتحفظات في حال أداء الشعائر الدينية، فالتزام هذا الضابط في غيرها أولى وأجدر بالعناية وبخاصة حال الوضوء، حيث يظهر من المرأة ما هو واجب الستر عن الأجانب بالإجماع كالذراعين وشعر الرأس. ٢ - ما أخرجه البخاري (١) من حديث أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ والمرأة من نسائه يغتسلان من إناء واحد. ٣ - ما أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) من حديث عائشة قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه من الجنابة» واللفظ المسلم، وزاد مسلم من طريق عاصم الأحول، عن معاذة، عن عائشة «فيبادرني حتى أقول: دع لي، دع لي» (٤). ٤ - ما أخرجه البخاري (٥)، ومسلم (٦) من حديث ميمونة أنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ في إناء واحد. واللفظ لمسلم.

стр. 122

٥ - ما أخرجه مسلم (١) من طريق زينب بنت أم سلمة، أن أم سلمة حدثتها قالت: كانت هي ورسول الله ﷺ يغتسلان في الإناء الواحد من الجنابة. فهذه الأحاديث تدل على أن من حق المرأة على زوجها أن يلاطفها كما لاطف رسول الله ﷺ زوجاته في تطهره، فاغتسل معهن من إناء واحد، ثم تأمل روايات الحديث «تختلف أيدينا» ورواية «فيبادرني حتى أقول: دع لي، دع لي» ومعنى «فيبادرني» أي يعاجلني ويسابقني (٢). وفي رسول الله ﷺ أسوة حسنة لكل عبد مؤمن في تعامله مع أهل بيته؛ إن اغتساله ﷺ مع زوجاته يُظهر قدر لطفه ودعابته، وكريم شمائله، وعظيم أخلاقه، ثم ما صحب ذاك الاغتسال من المسابقة في اغتراف الماء، واختلاف الأيدي، فهل من مشمر لهديه، فقد أُمرنا بالاقتداء به (٣). المطلب الثالث: أحكام تتعلق بالحائض وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: مباشرة الحائض. المسألة الثانية: طهارة الحائض. المسألة الثالثة: التخفيف عن الحائض. المسألة الأولى: مباشرة الحائض مرّ بنا فيما مضى (٤) تعامل اليهود وأهل الجاهلية مع المرأة وقت حيضها

стр. 123

وإخراجها من بيتها، وعدم مؤاكلتها أو مجالستها، متناسين حاجاتها الإنسانية ولاسيما مع الاضطرابات النفسية التي تحدث لها في تلك الفترة الزمنية، فجاء الإسلام لإنقاذها من ظلم العباد، فأعطاها حقها كأنثى، وجاءت تبويبات المحدثين في كتبهم في كتاب الحيض بـ «باب: مباشرة الحائض» (١) … و «باب: النوم مع الحائض، وهي في ثيابها» (٢) و «باب: ما جاء في مؤاكلة الحائض وسؤرها» (٣) مخالفًا الإسلام في ذلك عادات الجاهليين، واليهود. أخرج مسلم (٤) من طريق ثابت، عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٥) إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ : اصنعوا كل شيء إلا النكاح، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا، فلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ ، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما».

стр. 124

ومن هنا أجمع العلماء على حرمة الوطء في الفرج؛ لأن التحريم للأذى، والفرج محله، كما أجمعوا على جواز الاستمتاع من الحائض فيما فوق السرة ودون الركبة (١)، واختلفوا في الاستمتاع بما بينهما: فذهب إلى التحريم مطلقًا في الاستمتاع بما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر أكثر العلماء منهم سعيد بن المسيب، وشريح، وطاووس، وعطاء، وسليمان بن يسار، وقتادة (٢)، وأبو حنيفة (٣)، ومالك (٤)، وهو أصح الأوجه عند الشافعية، ومنصوص الشافعي في الأم (٥) والبويطي (٦). واستدلوا بما يأتي: ١ - ما أخرجه البخاري (٧) ومسلم (٨) من طريق الأسود، عن عائشة قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا، فأراد رسول الله ﷺ أن يباشرها أمرها أن تتزر فور حيضتها، ثم يباشرها. قالت: وأيكم يملك إربه كما كان النبي ﷺ يملك إربه. واللفظ لمسلم. وفي الحديث أمره ﷺ لنسائه بالاتزار عند المباشرة، والأمر للوجوب، وكانت

стр. 125

المباشرة لها «فَوْر حيضتها» ومعنى فور حيضتها أي: معظمها، ووقت كثرتها (١). ووجه الدلالة من الحديث أمره ﷺ للمرأة من نسائه بالاتزار، مع ملكه لإربه، وما ذاك إلا تشريع لغيره ممن ليس معصوم، وحدد الفقهاء حد الإزار ما بين السرة والركبة عملًا بالعرف الغالب (٢). ٢ - ما أخرجه مسلم (٣) من طريق عبد الله بن شداد، عن ميمونة قالت: كان رسول الله ﷺ يباشر نساءه فوق الإزار، وهن حيض. وأخرج (٤) من طريق كريب مولى ابن عباس، قال: سمعت ميمونة زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ : يضطجع معي، وأنا حائض، وبيني وبينه ثوب. وقد بينت الروايات عن ميمونة حدود الإزار الذي كن يلبسنه، أخرج ابن أبي شيبة في المصنف (٥)، وأحمد في المسند (٦)، والدارمي في السنن (٧)، والنسائي في المجتبى (٨)، وأبو يعلى في المسند (٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٠)، وابن حبان في صحيحه (١١)، والبيهقي في الكبرى (١٢)، كلهم من طرق عن الليث

стр. 126

بن سعد، عن ابن شهاب، عن حبيب مولى عروة، عن ندبة مولاة ميمونة أن رسول الله ﷺ كان يباشر المرأة من نسائه، وهي حائض، إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخدين أو الركبتين تحتجز به. وإسناد رجاله كلهم ثقات، غير ندبة بضم أولها، ويقال: بفتحها، وسكون الدال، بعدها موحدة، ويقال: موحدة أولها مع التصغير- روت عن مولاتها ميمونة، وعنها حبيب الأعور مولى عروة بن الزبير (١)، ذكرها ابن حبان في الثقات (٢)، قال الحافظ: مقبولة، ويقال: إن لها صحبة، كذا في «التقريب» (٣) وفي «التهذيب»: «ذكرها ابن منده، وأبو نعيم في الصحابة» (٤). وأمّا ابن حزم فقال في المحلى (٥): «وهي مجهولة لا تعرف». ورد عليه ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (٦) فقال: «فأما تعليله حديث ندبة بكونها مجهولة فإنها مدنية، روت عن مولاتها ميمونة، وروى عنها حبيب، ولم يعلم أحد جرحها، والراوي إذا كانت هذه حاله إنما يخشى من تفرده بما لا يتابع عليه، فأما إذا روى ما رواه الناس، وكانت لروايته شواهد ومتابعات، فإن أئمة الحديث يقبلون حديثًا مثل هذا، ولا يردونه، ولا يعللونه بالجهالة، فإذا صاروا إلى معارضة ما رواه بما هو أثبت منه، وأشهر، علاوة بمثل هذه الجهالة، وبالتفرد، ومن تأمل كلام الأئمة رأي فيه ذلك، فيظن أن ذلك تناقض منهم، وهو بمحض العلم والذوق، والوزن المستقيم،

стр. 127

فيجب التنبه لهذه النكتة، فكثيرًا ما تمر في الأحاديث ويقع الغلط بسببها. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١). ٣ - واستدلوا بأن الأمر بالاتزار سد الذريعة الوقوع في النكاح، وقد كان ﷺ أملك الناس لإربه، ولا يخشى عليه ما يخشى على غيره من أن يحوم حول الحمى، ومع ذلك فكان يباشر فوق الإزار تشريعًا لغيره. القول الثاني: وذهب عكرمة، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والحكم، والثوري، والأوزاعي، وأصبغ من المالكية (٢)، ومحمد بن الحسن (٣)، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود (٤)، وابن المنذر (٥)، وأحمد بن حنبل (٦) إلى جواز الاستمتاع بما بين السرة والركبة غير الفرج. قال النووي: هذا المذهب أقوى دليلًا (٧). واستدلوا بما يأتي: ١ - ما أخرجه مسلم من حديث أنس مطولًا ومنه: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (٨)، والحديث في مقام تعليم وبيان حكم قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، ولم يحرم على المسلمين إلا الفرج، وتأخير البيان عن وقت

стр. 128

الحاجة لا يصح. ٢ - ما أخرجه أبو داود في سننه (١)، ومن طريقه ابن حزم في المحلي (٢)، والبيهقي في الكبرى (٣)، من طريق عكرمة، عن بعض أزواج النبي ﷺ : أن النبي ﷺ كان إذا أراد من الحائض شيئًا، ألقى على فرجها ثوبًا. قال الحافظ: «إسناده قوي» (٤) وصحح إسناده العيني في عمدة القارئ (٥)، وابن عبد الهادي (٦)، والألباني في صحيح سنن أبي داود (٧). قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. ٣ - استدل الطحاوي على الجواز بأن المباشرة تحت الإزار دون الفرج لا توجب حدًا ولا غسلًا، فأشبهت المباشرة فوق الإزار (٨). • وأجابوا عن أحاديث أصحاب القول الأول بأنها مجرد فعل، وليس فيها ما يقتضي منع ما تحت الإزار (٩). • والراجح القول الثاني لقوة أدلته، وبعضهم فرق بين من يملك أربه ومن لا يملكه قال النووي: «الوجه الثالث: إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج، ويثق

стр. 129

من نفسه باجتنابه إمّا لضعف شهوته، وإمّا لشدة ورعه جاز (أي المباشرة ما بين السرة والركبة) وإلا فلا. وهذا الوجه حسن» (١). ولا تعارض بين أدلة الفريقين، فأدلة الأمر بالاتزار تحمل على الاستحباب جمعًا بين الأدلة، أو أنه ﷺ كان يفعل هذا مرة وهذا مرة، وفي ذلك إباحة كلا الحالتين (٢). المسألة الثانية: طهارة الحائض، وثيابها ما لم تلحقها النجاسة: وفي ذلك أحاديث منها: ١ - ما أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (٤) من طريق هشام، عن عروة أنه سئل: أتخدمي الحائض، أو تدنو مني المرأة وهي جنب؟ فقال عروة: كل ذلك عليّ هين، وكل ذلك تخدمي، وليس على أحد في ذلك بأس، أخبرتني عائشة أنها كانت ترجل -تعني رأس رسول الله ﷺ وهي حائض، ورسول الله ﷺ حينئذ مجاور في المسجد، يدين لها رأسه، وهي في حجرتها، فترجله وهي حائض. واللفظ للبخاري. وعليه بوّب البخاري باب: «غسل الحائض رأس زوجها، وترجيله» وبوّب عليه في كتاب الاعتكاف، باب: «الحائض ترجل المعتكف» (٥). قال الحافظ: « … وهو دال على أن ذات الحائض طاهرة، وعلى أن حيضها

стр. 130

لا يمنع ملامستها» (١) قلت: بل مباشرتها فيما دون الفرج كما مرّ، وكما أن المرأة تخدم زوجها قبل الحيض، فكذلك الحال أثناءه خلافًا لما كان عليه أهل الجاهلية، بل إن لها خدمته أثناء اعتكافه في مسجده. ٢ - بل تأتي السنة النبوية بجواز قراءة القرآن في حجر الحائض، أخرج البخاري (٢)، ومسلم (٣) من طريق صفية، أن عائشة حدثتها أن النبي ﷺ كان يتكئ في حجري وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن. وبوّب عليه البخاري: باب «قراءة الرجل في حجْر امرأته، وهي حائض. وكان أبو وائل يُرسل خادِمَه وهي حائض إلى أبي رزَين، فتأتيه بالمصحف، فتمسكه بعلاقته». ومن الحديث أخذ الفقهاء: جواز استناد المريض في صلاته إلى الحائض إذا كانت أثوابها طاهرة (٤). ٣ - ويصلي رسول الله ﷺ وقد وقع ثوبه على ميمونة وهي حائض، ولا يضره ذلك، وما ذاك إلا دلالة على طهارة عين الحائض، أخرج البخاري (٥)، ومسلم (٦) من طريق عبد الله بن شداد قال: سمعت خالي ميمونة زوج النبي ﷺ أنها كانت تكون حائضًا لا تصلي، وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله ﷺ وهو يصلي على خمرته،

стр. 131

إذا سجد أصابني بعض ثوبه. فتأمل -يرحمك الله- هذا الحديث وما قبله، يتبين حرصه ﷺ على محاربة الوسواس، فيصلي، وثوبه على زوجه الحائض، ويقرأ في حجرها، ويُخْرِج رأسه ﷺ من معتكفه لزوجه الحائض لترجله، ثم انظر إلى وافر عطفه، وعظيم حنوه، وكريم سجاياه وتربيته لأهل بيته على العبادات، فقربه من زوجه في حال قراءته وصلاته، وإشراكه لها في تمشيط شعره أثناء اعتكافه، يعطيك حرصه على التربية بالقدوة، فهلا يا معشر الرجال من مشمر؛ فإن لكم في رسول الله ﷺ أسوة حسنة. ٤ - وبلغ من تواضعه ﷺ ، وحنوه أنه كان يتبع موضع فم عائشة التي شربت أو أكلت منه، فيشرب منه ويأكل، أثناء حيضتها، أخرج مسلم (١) من حديث عائشة قالت: كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع في فيشرب، وأتعرق العرق، وأنا حائض، ثم أناوله النبي، فيضع فاه على موضع في. وفي الحديث كرمه ﷺ حيث قدم عائشة في الشرب والأكل عليه، وتواضعه حيث تحري موضع فمها في الأكل والشرب، ومردود ذلك النفسي على زوجته الصديقة بنت الصديق ﵂ حيث حبرت، وحدثت به. وفي الحديث أيضًا دلالة على طهارة سور الحائض، ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك (٢). ٥ - بل إن الحيض لا يمنع من الاضطجاع معها في لحاف واحد، أخرج

стр. 132

البخاري (١)، ومسلم (٢) من طريق زينب بنت أم سلمة، أن أم سلمة حدثتها قالت: بينما أنا مضطجعة مع رسول الله ﷺ في الخميلة؛ إذ حضت فانسللت، فأخذت ثياب حيضتي. فقال لي رسول الله ﷺ : أنفست؟ قلت: نعم. فدعاني، فاضطجعت معه في الخميلة. قالت: وكانت هي ورسول الله ﷺ يغتسلان في الإناء الواحد من الجنابة. واللفظ لمسلم. بل أنكرت أم المؤمنين ميمونة ﵂ على ابن عباس عزل فراشه عن فراش زوجه وقت حيضتها، أخرج البيهقي في الكبرى (٣) من طريق نَدْبة مولاة ميمونة زوج النبي ﷺ أن ميمونة أرسلتها إلى عبد الله بن عباس في رسالة، فدخلت عليه، فإذا فراشه معزول عن فراش امرأته، فرجعت إلى ميمونة فبلغتها رسالتها، ثم ذكرت ذلك. فقالت لها ميمونة: ارجعي إلى امرأته، فسليها عن ذلك، فرجعت إليها، فسألتها عن ذلك، فأخبرتها أنها إذا طمثت عزل عبد الله فراشه عنها، فأرسلت ميمونة إلى عبد الله بن عباس فتغيظت عليه، وقالت: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ، فو الله إن كانت المرأة من أزواجه لتأتزر بالثوب ما يبلغ أنصاف فخذيها، ثم يباشرها بسائر جسدها (٤). المسألة الثالثة: التخفيف عن الحائض: أجمع العلماء على أن الحائض لا تصلي ولا تصوم أثناء حيضتها، وأنها تقضي الصوم دون الصلاة (٥)، ذلك لأن الصلاة تتكرر فلم يجب قضاؤها للحرج،

стр. 133

بخلاف الصيام (١). أخرج البخاري (٢)، ومسلم (٣) من حديث معاذة قالت: سألت عائشة، فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة. فقالت: أحرورية (٤) أنت؟ قلت: لست بحرورية ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. واللفظ لمسلم. وفهمت عائشة من معاذة طلب الدليل فاقتصرت في الجواب عنه دون التعليل (٥). وفي الحديث عدل الإسلام حيث وازن بين التخفيف والتكليف، فأسقط ما يشق قضاؤه، وأبقى ما لا كلفة على العبد في قضائه، فلله الحمد والمنة. وما يقال في حق الحائض يقال مثله في النفساء؛ لأن كليهما دم فاسد.

стр. 134

المطلب الرابع: أحكام تتعلق بالمستعاضة وفيه مسألتان: المسألة الأولى: حق المرأة في العبادات. المسألة الثانية: مباشرة المستحاضة. المسألة الأولى: حق المرأة في العبادات: أمّا المستحاضة وهي التي يجري معها الدم في غير أوانه فحكمها حكم الطاهرات لها أن تصلي، وتصوم، وتعتكف، وتقرأ القرآن، وتمس المصحف، وتحمله، وتفعل كل العبادات، وقد أجمع على هذا العلماء (١). ودليل ذلك ما أخرجه البخاري (٢) من طريق عكرمة عن عائشة قالت: اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه، فكانت ترى الدم والصفرة، والطست تحتها، وهي تصلي. واختلف في تسمية زوجة النبي ﷺ التي استحاضت، فُذِكر أنها زينب بنت جحش، أو سودة بنت زمعة، أو أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان (٣)، ورجح الحافظ أنها أم سلمة لرواية سعيد بن منصور، حيث أخرج من طريق عكرمة، أن أم سلمة كانت عاكفة وهي مستحاضة، وربما جعلت الطست تحتها، قال الحافظ: «وهذا

стр. 135

أولى ما فسرت به هذه المرأة لاتحاد المخرج» (١). وفي الحديث جواز مكث المستحاضة في المسجد، وصحة اعتكافها، وصلاتها، وقراءتها، وجواز حدثها في المسجد عند أمن التلويث (٢). وذهب الجمهور من السلف والخلف أنه لا يجب عليها الغسل لشيء من الصلاة، ولا في وقت من الأوقات إلا مرة واحدة، حينما ينقطع حيضها (٣)، ودليل ذلك ما أخرج البخاري (٤)، ومسلم (٥) من حديث عائشة أن فاطمة بنت أبي حُبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي». واختلف أهل العلم هل تتوضأ لكل صلاة؟ فذهب الشافعي (٦) وأحمد (٧) إلا أن عليها الوضوء عند كل صلاة بعد غسل محل الحدث، وشده، والتحرز من خروج الحدث بما يمكنه، وألا تتوضأ قبل دخول الوقت إذ طهارتها ضرورية، فليس لها تقديمها قبل وقت الحاجة، ولا تصلي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو مقضية، ومن أدلتهم ما أخرجه البخاري (٨) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة

стр. 136

بنت أبي حُبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر … الحديث وفي آخره. وقال أبي: «ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» قال الحافظ: قوله (قال) أي: هشام بن عروة (وقال أبي) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة أي عروة بن الزبير، وادعى بعضهم أن هذا معلق، وليس بصواب، بل هو بالإسناد المذكور عن محمد، عن أبي معاوية، عن هشام وقد بين ذلك الترمذي في روايته. وادعى آخر أن قوله «ثم توضئي» من كلام عروة، موقوفًا عليه، وفيه نظر؛ لأنه لو كان كلامه، لقال: «ثم تتوضأ» بصيغة الإخبار؛ فلما أتى به بصيغة الأمر شاكله الأمر الذي في المرفوع وهو قوله «فاغسلي» (١). وذهب الأحناف (٢) إلى أن الوضوء متعلق بوقت الصلاة؛ فلها أن تصلي به الفريضة الحاضرة وما شاءت من الفوائت، ما لم يخرج وقت الحاضرة، وعلى قولهم المراد بقوله ﷺ : «وتوضئي لكل صلاة» أي: لوقت كل صلاة. قال الحافظ: «ففيه مجاز الحذف، ويحتاج إلى دليل» (٣). ومن أدلتهم: ١ - قوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش «توضئي لوقت كل صلاة» (٤) قال النووي: «وهذا حديث باطل لا يعرف» (٥).

стр. 137

٢ - قالوا: إن الطهارات تنتقض بأحداث منها الغائط والبول، وطهارات تنتقض بخروج أوقات، وهي الطهارة بالمسح على الخفين ينقضها خروج وقت المسافر أو المقيم، وهذه الطهارات المتفق عليها لم نجد فيما ينقضها صلاة، إنما ينقضها حدث أو خروج وقت، ولم نجد الفراغ من الصلاة حدثًا، فثبت بذلك قول من ذهب إلى أنها تتوضأ لوقت كل صلاة (١). قلت: ولا مانع من إضافة الفراغ من الصلاة حدثًا للمستحاضة؛ لوجود الدليل «ثم توضئي لكل صلاة». وذهب المالكية (٢) إلى أنه يستحب لها الوضوء لكل صلاة، ولا يجب إلا بحدث آخر، واستدلوا بحديث فاطمة بنت أبي حُبيش وفيه «ثم اغتسلي وصلي» ولم يقل «توضئي لكل صلاة». وقد مضى زيادة عروة بن الزبير «ثم توضئي لكل صلاة» (٣). وبالنظر في الأقوال يترجح القول الأول؛ لقوة أدلته؛ ولأنه الأبرأ للذمة. المسألة الثانية: مباشرة المستحاضة: ذهب جمهور العلماء أبو حنيفة (٤)، ومالك (٥)، والشافعي (٦)، وأحمد في رواية عنه (٧) إلى جواز وطء المستحاضة.

стр. 138

واستدلوا بما يأتي: ١ - ما أخرجه أبو داود في سننه (١)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٢)، من طريق عكرمة، عن حمنة بنت جحش أنها كانت مستحاضة، وكان زوجها يجامعها. وإسناده صحيح، قال الحافظ «هو حديث صحيح، إن كان عكرمة سمع منها» (٣) ولا أدري ما مستنده في ذلك؟ ولم يذكره أحد ممن ترجم لأم حبيبة وعكرمة! ولعل وجهه أن عكرمة وهو أبو عبد الله المدني البربري، مولى ابن عباس، تابعي مات سنة (١٠٧ هـ) (٤)، وهو غير معروف بالتدليس، فروايته محمولة على السماع إلا إذا وجد ما يدل على الانقطاع، وليس لدينا شيء من ذلك؛ فالشك المذكور خلاف الأصل. وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود (٥). ٢ - ما أخرجه البخاري تعليقًا في باب: إذا رأت المستحاضة الطهر (٦) قال: «قال ابن عباس: تغتسل وتصلي ولو ساعة … ويأتيها زوجها إذا صلت، الصلاة أعظم». قال الحافظ: «قوله «الصلاة أعظم» أي من الجماع، والظاهر أن هذا بحث من البخاري أراد به بيان الملازمة، أي إذا جازت الصلاة فجواز الوطء أولى؛ لأن أمر الصلاة أعظم من أمر الجماع» (٧).

стр. 139

٣ - أنه لم يرد دليل بتحريم جماعها. ومما سبق يتبين إنصاف الإسلام للمرأة في طارئ يمر عليها، فيبقى حكمها حكم الطاهرات في وجوب العبادات وجواز الوطء.

стр. 140

المبحث الثاني: الصلاة وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: خروجها للصلاة في المسجد. المطلب الثاني: إمامة النساء. المطلب الثالث: شهود المرأة لصلاة العيدين. المطلب الرابع: شهود المرأة لصلاة الكسوف. المطلب الأول: خروجها للصلاة في المسجد وستقف في هذا المطلب على أن للمرأة حقًا في الخروج من بيتها للصلاة في المسجد ليلًا أو نهارًا فرضًا أو نافلة، وبيان أنه ليس لوليها منعها من ذلك، إذا لم يترتب على خروجها فتنة أو مفسدة. ذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤) إلى أنه يكره لولي المرأة منعها من المسجد عند أمن الفتنة، على اختلاف بينهم في فروع المسألة، وأمّا الأحناف فأذنوا للعجوز دون الشابة (٥)، وقيدوا الحديث بما لم يرد فيه.

стр. 141

ومن أدلة الجمهور: ١ - ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن» واللفظ للبخاري. وأمره ﷺ محمول على الندب لا الوجوب، لأنه لو كان واجبًا لانتفى معنى الاستئذان؛ لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذَن مخيرًا في الإجابة أو الرد (٣). وقيد في رواية البخاري «بالليل» لأنه إذا أذن لهن بالليل مع أنه مظنة الريبة، فالأذن بالنهار بطريق الأولى (٤)؛ ولأجل ذلك قال ابن عبد الله بن عمر: «لا نأذن لهن يتخذنه دغلًا» كما أخرج ذلك مسلم (٥) من طريق مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل» فقال ابن لعبد الله بن عمر: لا ندعهن يخرجن، فيتخذنه دغلًا (٦): قال: فزبره ابن عمر. وقال: أقول قال رسول الله ﷺ ، وتقول «لا ندعهن» وكأن ابن عمر قال ذلك لما رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت، وحملته على ذلك الغيرة، وأنكر عليه ابن عمر؛ لتصريحه بمخالفة النص النبوي. ٢ - ما أخرجه البخاري (٧) من طريق نافع، عن ابن عمر قال: كانت امرأة

стр. 142

العمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد، فقيل لها: لم تخرجين، وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: فما يمنعه أن ينهاني؟ قال: يمنعه قول رسول الله ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». • بل كان ﷺ يخفف صلاته أحيانًا؛ لأنه يدرك شدة وجد الأم المأمومة عند بكاء صبيها، فيكون من حق المرأة المأمومة إذا حضرت الصلاة أن يراعي الإمام حالها، أخرج البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: «إني لأدخل في الصلاة فأريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه» واللفظ للبخاري. • بل ومن حقها -أيضًا- إذا حضرت الجماعة أن يتأخر الرجل، ويثبت في المسجد حتى تنصرف، أخرج البخاري (٣) من طريق هند بنت الحارث أن أم سلمة زوج النبي ﷺ لا أخبرتهما: أن النساء في عهد رسول الله ﷺ كن إذا سلمن من المكتوبة قمن، وثبت رسول الله ﷺ ، ومن صلي من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال. وأخرج من طريق الزهري عن هند بنت الحارث، عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان إذا سلم يمكث في مكانه يسيرًا. قال ابن شهاب: فنرى -والله أعلم- لكي ينفذ من ينصرف من النساء. وأخرج من طريق جعفر بن ربيعة، أن ابن شهاب كتب إليه قال: حدثتني هند ابنة الحارث الفراسية، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، وكانت من صواحباتها.

стр. 143

قالت: كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ (١). وفي الأحاديث السابقة اجتناب مواضع التهم، وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلًا عن البيوت، وتغير الأحوال بعد زمان النبوة، فنظرة الأبواب المساجد -اليوم- بعد صلاة التراويح تقتل قلبك كمدًا؛ لما تراه من اختلاط الرجال بالنساء، فهل يا معاشر الرجال من متبع للسنة، حريص عليها، ماكث في مصلاه حتى تعود إماء الله إلى رواحلهن أو بيوتهن. • بل ومن حق النساء على الإمام أن يترك أبوابًا خاصة بهن، اقتداءً بالهدي النبوي، أخرج أبو داود في السنن (٢)، وابن حزم في المحلى (٣) من طريق عبد الوارث، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لو تركنا هذا الباب للنساء» قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات. وقال غير عبد الوارث: قال عمر، وهو أصح. قال الألباني: «وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وأعله المصنف بأن غير عبد الوارث رواه موقوفًا على عمر. ثم أخرجه من طريق إسماعيل، عن أيوب، عن نافع قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ بمعناه، قال: «وهو أصح». ثم رواه من طريق بكير، عن نافع قال: إن عمر بن الخطاب كان ينهى أن يُدْخَل من باب النساء. قلت: عبد الوارث -وهو ابن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم- ثقة ثبت، وقد رواه مرفوعًا عن ابن عمر؛ فهي زيادة منه يجب قبولها، ورواية غيره عن عمر لا

стр. 144

يعله؛ بل لنافع روايتان: الأولى: عن ابن عمر مرفوعًا، وهي هذه. والأخرى: عن عمر موقوفًا، وهي رواية إسماعيل، عن أيوب، وبكير، عن نافع. ولذلك قال في عون المعبود» (١): «والأشبه أن يكون الحديث مرفوعًا وموقوفًا، وعبد الوارث ثقة تقبل زيادته» والله أعلم (٢). ومن هنا يتبين احترام رسول الله ﷺ لحضور النساء جماعة المسلمين، وتخصيص باب لهن للدخول معه، وامتثال صحابة رسول الله ﷺ ، فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات. ورواية عمر الموقوفة؛ إسنادها ضعيف؛ قال الإمام أحمد: «نافع عن عمر منقطع» (٣). وبهذا أعله المنذري في مختصره (٤). • لكن على المرأة التي تخرج للمسجد أن تحافظ على الستر والعفاف، وتبتعد عن التبرج والسفور، وإلا كان لوليها منعها، وكان في خروجها مأثم، لما يترتب عليه من الفتنة، ومخالفة أوامر الشارع، ودليل هذا ما أخرجه مسلم (٥) من حديث زينب امرأة عبد الله، قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : «إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبًا». وأخرج (٦) -أيضًا- من حديث أبي هريرة مرفوعًا «أيما امرأة أصابت بخورًا، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة».

стр. 145

وما أخرج الشافعي في المسند (١)، وفي السنن المأثورة (٢)، وعبد الرزاق في المصنف (٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٤)، وأحمد في المسند (٥)، وأبو داود في السنن (٦)، وابن الجارود في المنتقى (٧)، وابن خزيمة في صحيحه (٨)، وابن حبان في صحيحه (٩)، والبيهقي في الكبرى (١٠)، والبغوي في شرح السنة (١١) من طرق عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات» (١٢). وإسناده حسن، فيه محمد بن عمرو بن علقمة، قال الحافظ عنه «صدوق، له أوهام» (١٣) وباقي رجال الإسناد ثقات؛ لكن الحديث صحيح. مجموع متابعاته وشواهده.
следующие страницы →