← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

التبرج والسفور. ومما تقدم يتبين أن الراجح سنية صلاة الكسوف في حق النساء، وحمل الأحاديث على إطلاقها حتى يرد ما يقيدها، وكما شركن المسلمين في العيد يوم الفرح؛ فإن لهن نصيب في التضرع إلى الله لكشف ما حل بالعباد عند الخسوف أو الكسوف.

стр. 177

المبحث الثالث: الزكاة والصدقة لا غرو أن تقرأ في هذه المسألة إعطاء الإسلام المرأة حق بذل مالها في أوجه الخير، وأبواب البر، بل تجده يحثها على ذلك فكاكًا لها من النار، ويجعل لها الحق المطلق في التصرف في أموالها ويحرم على الرجل مساس مالها البتة، وفي هذا المبحث مطلبان: المطلب الأول: دفع المرأة زكاة أو صدقة مالها بدون إذن زوجها. المطلب الثاني: صدقة المرأة من بيت زوجها غير مفسدة. المطلب الأول: دفع المرأة زكاة أو صدقة مالها بدون إذن زوجها (١) أمّا الزكاة فلم أجد خلافًا بينهم في أن للمرأة أن تخرج زكاة أموالها، ولو لم يأذن زوجها، واختلفوا في عطية المرأة الراشدة من مالها سواءً كانت بصدقة أو هبة بغير إذن زوجها على قولين: القول الأول: للمرأة الرشيدة التصرف في مالها كله بالتبرع والمعاوضة: وهذا مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد (٢)، والشافعي (٣)، وابن المنذر (٤)،

стр. 178

وابن حزم (١)، وإحدى الروايتين عن أحمد (٢). واستدلوا بما يأتي: ١ - بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٣). قال الشافعي: «فجعل في إيتائهن ما فرض لهن من فريضة على أزواجهن يدفعونه إليهن دفعهم إلى غيرهم من الرجال ممن وجب له عليهم حق بوجه، وحل للرجال أكل ما طاب نساؤهم عنه نفسًا، كما حل لهم ما طاب الأجنبيون من أموالهم عنه نفسًا، وما طابوا هم لأزواجهم عنه نفسًا، لم يفرق بين حكمهم وحكم أزواجهم والأجنبيين … وأحل ما طبن عنه نفسًا من أموالهن، وحرم من أموالهن ما حرم من أموال الأجنبيين فيما ذكر» (٤). ٢ - بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ (٥). قال الشافعي: «فلم يفرق بين الزوج والمرأة في أن لكل واحد منهما أن يوصي في ماله، وفي أن دين كل واحد منهما لازم له في ماله، فإذا كان هذا هكذا كان لها أن تعطي من مالها من شاءت بغير إذن الزوج (٦) وإذا كان للمرأة حق التصرف في مالها بعد وفاتها دون إذن وليها في حياتها من باب أولى (٧).

стр. 179

٣ - ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من طريق كريب مولى ابن عباس أن ميمونة بنت الحارث ﵂ أخبرته أنها أعتقت وليدة، ولم تستأذن النبي ﷺ ، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه. قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي. قال: «أو فعلت؟ قالت: نعم». قال: «أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» واللفظ للبخاري. ووجه الدلالة من الحديث أن ميمونة ﵂ أعتقت قبل أن تستأمر النبي ﷺ ، فلم يستدرك ذلك عليها، بل أرشدها إلى ما هو أولى، فلو كان لا ينفذ لها تصرف في مالها لأبطله (٣). ٤ - ما أخرجه البخاري، ومسلم (٤) من طريق عطاء، عن جابر قال سمعته يقول: إن النبي ﷺ قام يوم الفطر فصلي، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فلما فرغ نبي الله ﷺ نزل، وأتى النساء فذكرهن، وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقين النساء صدقة. قلت (أي ابن جريح) لعطاء: زكاة يوم الفطر؟ قال: لا، ولكن صدقة يتصدقن بها، حينئذ تلقي المرأة فتخها (٥) ويلقين ويلقين ..

стр. 180

واللفظ لمسلم. وأخرج البخاري (١)، ومسلم (٢) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى يوم الفطر ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها، ثم أتى النساء، ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة فجعلن يلقين تلقي المرأة خرصها وسخابها (٣)، واللفظ للبخاري. قال الحافظ: «واستدل به على جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن زوجها، أو على مقدار معين من مالها كالثلث خلافًا لبعض المالكية ووجه الدلالة من القصة ترك الاستفصال عن ذلك كله. قال القرطبي: ولا يقال في هذا إن أزواجهن كانوا حضورًا؛ لأن ذلك لم ينقل، ولو نقل فليس فيه تسليم أزواجهن لهن ذلك؛ لأن من ثبت له الحق، فالأصل بقاؤه حتى يصرح بإسقاطه، ولم ينقل أن القوم صرحوا بذلك» (٤). ٥ - ما أخرجه البخاري (٥)، ومسلم (٦) من طريق عباد بن عبد الله، عن أسماء

стр. 181

-﵂ قالت: قلت: يا رسول الله مَا لِيْ مَال إلَّا ما أدخل عليّ الزبير أفأتصدق؟ قال: «تصدقي ولا توعي (١) فيوعي عليك» واللفظ للبخاري. ووجه الدلالة: أن أسماء ذكرت لرسول الله ﷺ أنه ليس لها مال إلا ما أدخله الزبير عليها، قال النووي: «هذا محمول على ما أعطاها الزبير لنفسها بسبب نفقة وغيرها أو مما هو ملك الزبير، ولا يكره الصدقة منه، بل رضي بها على عادة غالب النساء» (٢). وفي الحديث أن للمرأة أن تتصدق بغير إذن زوجها حيث لم يقيد رسول الله ﷺ نفقتها بإذن الزبير زوجها، بل حثها على النفقة مطلقًا، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. القول الثاني: لا يجوز لها أن تتبرع من مالها إلا بإذن زوجها: ومنع طاووس (٣) مطلقًا تصرفها في مالها إلا بإذن زوجها، وعن الليث لا يجوز إلا في الشيء التافه (٤)، وعن مالك ليس لها أن تتصرف في مالها بزيادة على الثلث بغير عوض (٥)، وهي رواية ثانية عن أحمد (٦). واستدلوا بما يأتي: ١ - ما أخرجه أحمد في المسند (٧)، وأبو داود في السنن (٨)، والنسائي في

стр. 182

المجتبى (١)، والحاكم في المستدرك (٢)، والبيهقي في الكبرى (٣) من طريق داود بن أبي هند وحبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجوز لامرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها» واللفظ لأبي داود. وأخرجه ابن ماجه (٤) في سننه من طريق المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب به بمثله. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وأخرجه أحمد في المسند (٥)، وأبو داود في السنن (٦)، والنسائي في المجتبى (٧) من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة قام خطيبًا فقال في خطبته: لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها. واللفظ للنسائي. وهو عند أحمد مطولًا. وهذا الحديث من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، واختلف العلماء في هذه الرواية على مسألتين: المسألة الأولى: هل عمرو بن شعيب ثقة في نفسه؟ فالجمهور على توثيقه، والاحتجاج به كما قال ابن الصلاح (٨)، وذلك كأحمد

стр. 183

وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه (١)، وكذلك وثقه ابن معين (٢)، ويعقوب بن شيبة (٣)، وأبو زرعة (٤)، وابن القطان (٥)، والعجلي (٦)، والدارمي (٧) وغيرهم. المسألة الثانية: حكم الترجمة؟ هذه الترجمة، عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قد تكلم فيها بعضهم من حيث الإرسال والانقطاع؛ فإن شعيبًا: هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. قالوا: فإن كان الضمير يرجع في الحالتين إلى عمرو، فأبوه شعيب، وجده تابعي ليس بصحابي، وعلى هذا فهو مرسل. وإن كان المقصود بالترجمة: عمرًا عن أبيه شعيب، عن جد شعيب وهو عبد الله بن عمرو الصحابي فهو منقطع؛ لأن شعيبًا لم يلق عبد الله. والصواب أن الضمير يرجع إلى جد شعيب وهو أيضًا جد عمرو، فيرجع إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد لقيه شعيب وسمع منه، ونقل الحافظ الروايات التي تدل على ذلك (٨)، فالإسناد إذًا متصل لا مطعن فيه، وليس بمرسل ولا منقطع. وهذا الذي نص عليه الإمام أحمد، والبخاري في التاريخ، وعليّ بن

стр. 184

المديني، والدارقطني وغيرهم. قال البخاري: «رأيت أحمد، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيدة، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ما تركه أحد من المسلمين. قال البخاري: فمن الناس بعدهم» (١). وقال ابن عبد البر في التمهيد: «وعمرو بن شعيب ثقة إذا حدث عنه ثقة، وإنما دخلت أحاديثه الداخلة من أجل رواية الضعفاء عنه، والذي يقول: إن روايته عن أبيه عن جده صحيفة، يقول: إنها مسموعة صحيحة» (٢). وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٣): «وأما أئمة الإسلام و جمهور العلماء فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده إذا صح النقل إليه مثل: مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة ونحوهما» وقال ابن القيم في الراد: «وصح عن عبد الله بن عمرو أنه كان يكتب حديثه، وكان مما كتبه صحيفة تسمي: الصحيفة الصادقة وهي التي رواها حفيده عمرو بن شعيب عن أبيه عنه، وهي من أصح الأحاديث، وكان بعض أئمة الحديث يجعلها في درجة أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، والأئمة الأربعة وغيرهم احتجوا به (٤)» والقول العدل في حكم هذه الترجمة ما ذكره الذهبي في الموقظة (٥) بأنها من أعلى مراتب الحسن.

стр. 185

وقال في الميزان (١): «ولسنا نقول: إن حديثه من أعلى أقسام الصحيح، بل هو من قبيل الحسن». ونحوه ما ذكره الحافظ في الفتح (٢): «وترجمة عمرو قوية على المختار، لكن حيث لا تعارض». ولعل نزولها إلى رتبة الحسن بسبب الخلاف والتردد الحاصل فيها. • وبناء على هذا فإسناد الحديث حسن، وحسنه الألباني في الصحيحة (٣). وصححه في سنن ابن ماجه (٤). ٢ - واستدلوا -أيضًا- بما أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥)، وابن ماجه في السنن (٦)، والطبراني في الأوسط (٧) والكبير (٨)، والمزي في تهذيب الكمال (٩) من طرق عن الليث بن سعد، عن عبد الله بن يحيى رجل من ولد كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده أن جدته خَيْرة امرأة كعب بن مالك أتت رسول الله ﷺ بحلي لها. فقالت: إني تصدقت بهذا. فقال لها رسول الله ﷺ : «لا يجوز للمرأة في مالها أمر إلا بإذن زوجها، فهل استأذنت كعبًا؟ قالت: نعم. فبعث رسول

стр. 186

الله ﷺ إلى كعب بن مالك زوجها. فقال: هل أذنت لخيرة أن تتصدق بحليها؟ فقال: نعم. فقبله رسول الله ﷺ منها. واللفظ لابن ماجه. قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١): «هذا إسناد ضعيف، عبد الله بن يحيى لا يعرف في أولاد كعب بن مالك». قلت: إسناده ضعيف؛ فيه عبد الله بن يحيى وأبوه كلاهما مجهول قاله الحافظ في التقريب (٢). وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو المتقدم. ٣ - ما أخرجه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (٣)، من طريق الفضيل بن سليمان، عن موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن عبادة بن الصامت مطولًا وفيه: «وقضى أن المرأة لا تعطي من مالها شيئًا إلا بإذن زوجها». قال الهيثمي في المجمع (٤): «رواه عبد الله بن أحمد، وإسحاق لم يدرك عبادة». قلت: وإسناده ضعيف، الفضيل بن سليمان النُّمَيري قال الحافظ عنه: «صدوق له خطأ كثير» (٥)، وإسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة مجهول الحال قاله الحافظ (٦)، وروايته عن عبادة مرسلة (٧).

стр. 187

والأحاديث قبله تشهد له. وأجاب الجمهور عن حديث عمرو بن شعيب وما بعده بأجوبة متعددة: ١ - أن الأحاديث التي استدل بها أصحاب هذا القول ضعيفة (١)، وقد تقدم حديث عمرو بن شعيب (٢)، وأن إسناده حسن. ٢ - قال البيهقي في الكبرى (٣): «الطريق في هذا الحديث إلى عمرو بن شعيب صحيح، ومن أثبت أحاديث عمرو بن شعيب لزمه إثبات هذا إلا أن الأحاديث التي مضت في الباب قبله أصح إسنادًا» وسلك البيهقي ﵀ في هذا الوجه الترجيح ٣ - جمع بعض العلماء بين الأحاديث بأن النهي عن إنفاقها إلا بإذنه في للتنزيه؛ فلا ينبغي أن تتصرف في مالها إلا بمشورة زوجها أدبًا واستحبابًا، وأشار إلى هذا الوجه الشافعي (٤) والخطابي (٥). وهذا الجواب قوي. والله أعلم. • ثم إن ما ذهب إليه الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد: من أنه ليس لها أن تتصرف في مالها بزيادة على الثلث بغير عوض، لا دليل عليه، والتحديد بذلك تحكم ليس فيه توقيف. ٤ - قاس المالكية المرأة على المريض، وقالوا: كما أنه ليس للمريض التبرع

стр. 188

إلا بثلث أمواله؛ لتعلق حق الورثة بالمال، فكذلك المرأة. قال ابن قدامة: «وقياسهم (أي المرأة على المريض) غير صحيح لوجوه: أحدها: أن المرض سبب يفضي إلى وصول المال إليهم بالميراث؛ والزوجية إنما تجعله من أهل الميراث فهي أحد وصفي العلة، فلا يثبت الحكم بمجردها كما لا يثبت للمرأة الحجر على زوجها، ولا لسائر الوارث بدون المرض. الثاني: أن تبرع المريض موقوف؛ فإن برئ من مرضه صح تبرعه، وها هنا أبطلوه على كل حال، والفرع لا يزيد على أصله. الثالث: أن ما ذكروه منتقض بالمرأة؛ فإنها تنتفع بمال زوجها، وتتبسط فيه عادة، ولها النفقة منه، وانتفاعها بماله أكثر من انتفاعه بمالها، وليس لها الحجر عليه، وعلى أن هذا المعنى ليس موجود في الأصل، ومن صحة القياس وجود المعنى المثبت للحكم في الأصل والفرع جميعًا» (١). الراجح: • ومن هنا يتبين أن الراجح من الأقوال القول الأول وهو جواز صدقة المرأة بمالها من غير إذن زوجها؛ لقوة أدلته وموافقته لكتاب الله وصريح سنة رسول الله ﷺ . قال ابن حزم في المحلى (٢): « … فإن الله تعالى افترض في القرآن والسنة التي أجمع أهل الإسلام عليها إجماعًا مقطوعًا به متيقنًا أن على الأزواج نفقات الزوجات، وكسوتهن، وإسكانهن، وصدقاتهن، وجعل لهن الميراث من الرجال كما جعله للرجال منهن،

стр. 189

سواء بسواء، فصار بيقين من كل ذي مسكة عقل حق المرأة في مال زوجها واجبًا لازمًا حلالًا يومًا بيوم وشهرًا بشهر وعامًا بعام وفي كل ساعة، وكرة الطرف لا تخلو ذمته من حق لها في ماله، بخلاف منعه من مالها جملة، وتحريمه عليه إلا ما طابت له نفسها به، ثم ترجو من ميراثه بعد الموت كما يرجو الزوج في ميراثها ولا فرق، فإن كان ذلك موجبًا للرجل منعها من مالها، فهو للمرأة أوجب وأحق في منعه من ماله إلا بإذنها؛ لأن لها شركًا واجبًا في ماله، وليس له في مالها إلا التب والزجر، فيا للعجب في عكس الأحكام؛ فإن لم يكن ذلك مطلقًا لها منعه من ماله خوف أن يفتقر فيبطل حقها اللازم، فأبعد والله، وأبطل أن يكون ذلك موجبًا له منعها من مال لا حق له فيه، ولاحظ إلا حظ الفيل من الطيران. والعجب كل العجب من إطلاقهم له المنع من مالها أو من شيء منه، وهو لو مات جوعًا أو جهدًا أو هزالًا أو بردًا لم يقضوا له في مالها بنواة، ولا بجلد يستتر به، فكيف استجازوا هذا إن هذا لعجب!!. وتأمل -رحمك الله- كلام ابن حزم ترى فيه دقة فقهه، وعمق فهمه، وتدرك أن للمرأة أن تتصرف في مالها إن كانت رشيدة دون إذن زوجها، وأن لا حق له في منعها، لكن مما ابتلي به رجال هذا الزمان مع قلة الدين، وفساد أهله التسلط على أموال النساء، وسلبها. فإنا لله وإنا إليه راجعون، وسيأتي مزيد بيان للمسائل المالية المتعلقة بالمرأة في هذا البحث إن شاء الله (١).

стр. 190

المطلب الثاني: أجر المرأة إذا تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها غير مفسدة (١) سترى في هذه المسألة أيّها القارئ الكريم أن حق المرأة في التبرع ليس مقصورًا على مالها فحسب بل يتعداه إلى مال من اختارته لتكون سكنًا له، ويكون لباسًا لها، وإليك عرض الأقوال في المسألة: القول الأول: جواز تبرع المرأة من مال زوجها: يجوز للمرأة أن تتبرع من مال زوجها بما أذن فيه صريحًا، وبما لم يأذن فيه، ولم ينه عنه إذا علمت رضاه به، بشرط ألا تكون مفسدة. وذهب إلى هذا الأحناف (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد (٥)، وبه قال البخاري، حيث بوّب في صحيحه في كتاب الزكاة: «باب أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد» فقيد صدقة الخادم بأمر الصاحب، ثم بوّب بعده: «باب أجر المرأة إذا تصدقت، أو أطعمت من بيت زوجها غير مفسدة». قال الحافظ: «ولم يقيده (أي الباب) بالأمر كما قيد الذي قبله، قيل: إنه فرق بين المرأة والخادم بأن المرأة لها أن تتصرف في بيت زوجها بما ليس فيه إفساد

стр. 191

للرضا بذلك في الغالب، بخلاف الخادم والخازن» (١). واستدلوا بما يأتي: ١ - ما أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) من طريق مسروق عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا تصدقت المرأة من طعام زوجها غير مفسدة كان لها أجرها، ولزوجها بما كسب، وللخازن مثل ذلك» واللفظ للبخاري. وقد أورده البخاري في صحيحه من ثلاثة طرق، تدور على أبي وائل شقيق ابن سلمة، عن مسروق عنها: أولها شعبة، عن منصور، والأعمش، عنه، ولم يسق لفظه بتمامه (٤). ثانيها: حفص بن غياث، عن الأعمش وحده، ولفظ الأعمش: «إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها» الحديث (٥). ثالثها: جرير، عن منصور وحده، ولفظ منصور: «إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها» (٦).

стр. 192

قال الحافظ: «وقد أورده الإسماعيلي من حديث شعبة ولفظه: «إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كتب لها أجر، ولزوجها مثل ذلك، وللخازن مثل ذلك لا ينقص كله واحد منهم من أجر صاحبه شيئًا، للزوج بما اكتسب، ولها بما أنفقت غير مفسدة» (١). وتأمل -حفظك الله - روايات الحديث تحد رواية الأعمش «إذا أطعمت المرأة … » ورواية منصور: «إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها». قال العين في عمدة القارئ (٢): «قال بعضهم هذا على مذهب الناس بالحجاز وبغيرها من البلدان، إن رب البيت قد يأذن لأهله، وعياله، وللخادم في الإنفاق بما يكون في البيت من طعام أو إدام، ويطلق أمرهم فيه إذا حضره السائل، ونزل الضيف، وحضهم رسول الله ﷺ على لزوم هذه العادة، ووعدهم الثواب عليه، وقيل: هذا في اليسير الذي لا يؤثر نقصه ولا يظهر، وقيل: هذا إذا عُلِم منه أنه لا يكره العطاء فيعطي ما لم يجحف وهذا معنى قوله «غير مفسدة». وقال النووي: « … واعلم أنه لا بد للعامل وهو الخازن، وللزوجة، والمملوك من إذن المالك في ذلك، فإن لم يكن أذن أصلًا فلا أجر لأحد من هؤلاء الثلاثة بل عليهم وزر بتصرفهم في مال غيرهم بغير إذنه، والإذن ضربان: أحدهما: الإذن الصريح في النفقة والصدقة. والثاني: الإذن المفهوم من اطراد العرف، والعادة، كإعطاء السائل كسرة ونحوهما مما جرت العادة به، واطرد العرف فيه، وعلم بالعرف رضاء الزوج، والمالك به، فإذنه في ذلك حاصل وإن لم يتكلم، وهذا إذا علم رضاه لا طراد العرف، وعلم أن نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك،

стр. 193

والرضا به، فإن اضطرب العرف، وشك في رضاه، أو كان شخصًا يشح بذلك، وعلم من حاله ذلك، أو شك فيه لم يجز للمرأة وغيرها التصدق من ماله إلا بصريح إذنه … معنى قوله ﷺ : «إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة» فأشار ﷺ إلى أنه قدر يعلم رضا الزوج به في العادة، ونبه بالطعام أيضًا على ذلك؛ لأنه يسمح به في العادة بخلاف الدراهم والدنانير في حق أكثر الناس، وفي كثير من الأحوال» (١). ٢ - ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ أنها جاءت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله ليس لي شيء إلا ما أدخل علي الزبير، فهل علي جناح أن أرضخ مما يدخل علي؟ فقال ﷺ : «ارضخي (٢) ما استطعت، ولا توعي فيوعي الله عليك» واللفظ لمسلم. (٣) قال النووي: «هذا محمول على ما أعطاها الزبير لنفسها بسبب النفقة وغيرها، أو مما هو ملك الزبير ولا يكره الصدقة منه؛ بل رضي بها على عادة غالب الناس … وقوله ﷺ (ارضخي ما استطعت) معناه مما يرضى به الزبير، وتقديره أن لك في الرضخ مراتب مباحة بعضها فوق بعض، وكلها يرضاها الزبير فافعلي أعلاها، أو يكون معناه ما استطعت مما هو ملك لك» (٤). ووجه الدلالة من الحديث أن رسول الله ﷺ حثها على النفقة وحذرها من الشح والإمساك؛ ولم يأمرها باستئذان الزبير لما يعرفه ﷺ من حاله؛

стр. 194

فكان كالإذن العام. ٣ - ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله ﷺ فأطعمته، وجعلت تفلي رأسه (٣)، فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ، وهو يضحك. قالت: فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرة» -أو مثل الملوك على الأسرة، شك إسحاق- قالت: فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول الله ﷺ … » الحديث واللفظ للبخاري. ومن الفوائد التي ذكرها شرّاح الحديث إباحة ما قدمته المرأة للضيف من مال زوجها؛ لأن الأغلب أن الذي في بيت المرأة هو من مال الرجل، وأن الوكيل والمؤتمن إذا علم أنه يسر صاحبه ما يفعله من ذلك جاز له فعله (٤). القول الثاني: جواز تصدُّق المرأة من مال زوجها ولو كره: ما ذهب إليه ابن حزم وهو أن للمرأة حقًا زائدًا، ولها أن تتصدق من مال زوجها ولو كره وبغير إذنه غير مفسدة، وهي مأجورة بذلك، واستدل بأدلة أصحاب القول الأول، وبما يأتي:

стр. 195

١ - ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من طريق همام، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها عن غير أمره فلها نصف أجره … » واللفظ للبخاري. وفي رواية للبخاري (٣) ولفظ مسلم: « … فله نصف أجره». ووجه الدلالة من الحديث التصريح بأن ما أنفقت المرأة عن غير أمر زوجها فلها نصف أجره، وله النصف الآخر. وجمع الجمهور بين هذا الحديث وما تقدمه (٤) من حديث عائشة بأوجه متعددة منها: ١ - ما قاله النووي في شرحه على صحيح مسلم (٥): «وأما قوله ﷺ : «وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له» فمعناه من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين، ويكون معها إذن عام سابق متناول هذا القدر وغيره وذلك الإذن الذي قد بيناه سابقًا (٦) إمّا بالصريح وإمّا بالعرف، ولا بد من هذا التأويل؛ لأنه ﷺ جعل الأجر مناصفة، وفي رواية أبي داود «فلها نصف أجره» ومعلوم أنها إذا أنفقت من غير إذن صريح، ولا معروف من العرف فلا أجر لها؛ بل عليها وزر فتعين تأويله» (٧).

стр. 196

٢ - قال الحافظ: «ويحتمل أن يكون المراد بالتنصيف في حديث الباب الحمل على المال الذي يعطيه الرجل في نفقة المرأة، فإذا أنفقت منه بغير علمه كان الأجر بينهما للرجل لكونه الأصل في اكتسابه، ولكونه يؤجر على ما ينفقه على أهله كما ثبت من حديث سعد بن أبي وقاص وغيره، وللمرأة لكونه من النفقة التي تختص بها، ويؤيد هذا الحمل ما أخرجه أبو داود (١) عقب حديث أبي هريرة هذا قال: في المرأة تصدق من بيت زوجها. قال: لا إلا من قوقا، والأجر بينهما، ولا يحل لها أن تصدق من مال زوجها إلا بإذنه. قال أبو داود: في رواية أبي الحسن بن العبد عقبه: هذا يضعف حديث همام. (أي الحديث المتقدم) ومراده أنه يضعف حمله على التعميم، أما الجمع بينهما بما دل عليه هذا الثاني فلا» (٢). ٣ - واستدلوا أيضًا بما أخرجه مسلم (٣) في صحيحه من طريق عمير مولى أبي اللحم قال: أمرني مولاي أن أقدد لحمًا، فجاءني مسكين فأطعمته منه، فعلم بذلك مولاي، فضربني، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فدعاه، فقال: «لم ضربته؟ فقال: يعطي طعامي بغير أن آمره. فقال: «الأجر بينكما». فإذا أمضى رسول الله ﷺ تصرف الخادم في العطاء، فالزوجة من باب أولى، وفرق بعضهم بين الزوجة والخادم بأن الزوجة لها حق في مال الزوج، ولها النظر في بيتها، فجاز لها أن تتصدق بما لا يكون إسرافًا لكن بمقدار العادة، وما يعلم أنه لا يؤلم زوجها، فأما الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه ولا حكم، فيشترط الإذن في عطية الخادم دون الزوجة، ومع ذلك أمضى رسول الله ﷺ تصرفه، فالزوجة أولى.

стр. 197

وأجاب النووي عن الحديث بأنه محمول على أنه ظن أن سيده يرضى بذلك القدر؛ فلم يرضَ؛ لكونه كان محتاجًا إليه أو لمعنى آخر، فيثاب السيد على إخراج ماله، ويثاب العبد على نيته، فكان قول رسول الله ﷺ «الأجر بينكما» تحريضًا وتحفيزًا على إمضاء الصدقة (١). القول الثالث: لا تجوز صدقة المرأة من مال زوجها إلا بإذنه اللفظي: وهذه رواية عن الإمام أحمد (٢). واستدلوا بما: ١ - أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣)، وسعيد بن منصور في سننه (٤)، وأحمد في المسند (٥)، وأبو داود في سننه (٦)، وابن ماجه في السنن (٧)، والترمذي في سننه (٨)، والطبراني في الكبير (٩)، والشاميين (١٠)، والبيهقي في الكبرى (١١)، والمقدسي في

стр. 198

المختارة (١) من طرق عن إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله ﷺ في خطبته عام حجة الوداع يقول: «لا تنفق امرأة شيئًا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها» قيل: يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: ذاك أفضل أموالنا». واللفظ للترمذي. وقال: حديث حسن. قلت: إسناده صحيح؛ لأن رواية إسماعيل بن عياش لهذا الحديث عن أهل بلده، قال يعقوب بن سفيان: إسماعيل ثقة عدل أعلم الناس بحديث الشام (٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٣). وأجاب الجمهور عنه بما يأتي: ١ - قالوا: إن النهي في حديث أبي أمامة للكراهة فقط، والقرينة الصارفة إلى ذلك حديث أبي هريرة، وحديث أسماء، وكراهة التنزيه لا تنافي الجواز، ولا تستلزم عدم استحقاق الثواب (٤). ٢ - وذهب بعضهم إلى أن ذلك يختلف باختلاف عادات البلاد، وباختلاف حال الزوج من مسامحته ورضاه بذلك، أو كراهته له، وباختلاف الحال في الشيء المنفق بين أن يكون شيئًا يسيرًا يتسامح به، وبين أن يكون له خطر في نفس الزوج يبخل بمثله، وبين أن يكون ذلك رطبًا يخشى فساده إن تأخر، وبين أن يكون يدخر،

стр. 199

ولا يخشى عليه الفساد (١). ٢ - استدلوا -أيضًا- بما أخرجه الطيالسي في مسنده (٢)، وعبد بن حميد في المسند (٣)، والبيهقي في الكبرى (٤)، وابن عبد البر في التمهيد (٥) من طرق عن ليث بن أبي سليم، عن عطاء، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أن امرأة أتته فقالت: ما حق الزوج على امرأته؟ فقال: لا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب، ولا تعطي من بيته شيئًا إلا بإذنه، فإن فعلت ذلك كان له الأجر، وعليها الوزر … الحديث. واللفظ للطيالسي. وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأن إسناده ضعيف، فيه ليث بن أبي سليم قال الحافظ عنه: «صدوق اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه فترك» (٦). ٣ - ما أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (٨) من حديث جابر الطويل في صفة حج رسول الله ﷺ ، وفيه أنه قال في خطبة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» واللفظ لمسلم. قالوا: ولأنه تبرع بمال غيره بغير إذنه فلم يجز كغير الزوجة. وأجاب الجمهور بأن أحاديث تبرع المرأة من بيت زوجها خاصة صحيحة،

стр. 200

والخاص يقدم على العام. ثم إنه لا يصح قياس المرأة على غيرها؛ لأنها بحكم العادة تتصرف في مال زوجها، وتتبسط فيه، وتتصدق منه؛ لحضورها وغيبته، والإذن العرفي يقوم مقام الإذن الحقيقي، فصار كأنه قال لها: افعلي كذا ومن هنا يتبين أن الراجح القول الأول؛ لقوة أدلته، ولك أن ترى عدالة الإسلام، وضمانه لحقوق المرأة، فيجعل لها حق التصرف الكامل في مالها بالتبرع والهبة، ويشرع لها أيضًا أن تتصدق من بيت زوجها غير مفسدة، إن علمت أنه لا يكره ذلك، في حين أنه لا يشرع للرجل التصرف ولو في الحقير من مالها بدون إذنها، ذلك أن الإسلام دين الإنسانية والتكافل يربى كل فرد من أفراده على القدرة على اتخاذ القرار إن لم يكن فيه مفسدة، ويجعل القرار النافع سببًا للشراكة في الأجر، ويقنن السلطة المركزية على كل صغير وكبير، فلا تنتظر المرأة رجوع زوجها حتى تستأذنه في إطعام فقير يدق بابها، أو سد رمق مسكين يسألها، أو إطعام ضيف يحل في دارها، بل يحثها على النفقة بغير إفساد، ويضمن لها الأجر على سخاوة النفس وكرم الطبع، فلله الحمد والمنة.

стр. 201

المبحث الرابع: حق المرأة في المبادرة إلى قضاء رمضان من المعلوم أن الله كتب الحيض على بنات آدم، وأمرهن سبحانه بالفطر حال الحيض، وقضاء ما أفطرن من رمضان في الطهر، وقد تعتري المرأة أمورٌ يشرع لها الفطر غير الحيض كالمرض والسفر، فإن لم تكن ذات زوج لم يكن لوليها منعها من قضاء رمضان، واختلفوا في الزوجة التي زوجها حاضر، لثبوت حقه في الاستمتاع بها، والصيام يمنعه من ذلك فهل لها أن تقضي بغير إذنه على ما يأتي: القول الأول: ليس لها قضاء رمضان إلا بإذنه ما لم يضق الوقت: إذا كان على المرأة أيام من رمضان فليس لها أن تقضيها إلا بإذن زوجها، ما لم يضق وقت القضاء بأن لم يبق من شعبان إلا بمقدار ما عليها من رمضان، هذا ما ذهب إليه الشافعية في الصحيح من المذهب (١)، وهو مذهب الحنابلة (٢). واستدلوا بما يأتي: ١ - ما أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (٤) من حديث أبي سلمة قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: كان يكون عليّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن

стр. 202

أقضي إلا في شعبان. قال يحيى بن سعيد: الشغل من النبي ﷺ أو بالنبي ﷺ . قال العيني: «فيه أن حق الزوج من العشرة والخدمة يقدم على سائر الحقوق ما لم يكن فرضًا محصورًا في الوقت» (١). ونوقش قوله «الشغل من النبي ﷺ أو بالنبي ﷺ » أنه مدرج من كلام يحيى كما سبقت بذلك الرواية، قال الحافظ في الفتح: «ومما يدل على ضعف الزيادة أنه ﷺ كان يقسم لنسائه فيعدل، وكان يدنو من المرأة في غير نوبتها فيقبل ويلمس من غير جماع، فليس في شغلها بشيء من ذلك ما يمنع الصوم» (٢). ٢ - قالوا ليس للمرأة أن تمنع زوجها حقه الذي هو على الفور بما ليس على الفور (٣). القول الثاني: لها أن تقضي رمضان دون إذنه: إذا كان على المرأة أيام من رمضان فلها أن تقضيها دون أن تستأذن زوجها، وليس له منعها من ذلك سواء ضاق وقت القضاء أو لم يضق، هذا ما ذهب إليه الحنفية (٤)، والمالكية (٥). واستدلوا بما يأتي: ١ - ما أخرجه البخاري (٦)، ومسلم (٧) من طريق همام بن منبه، عن أبي هريرة،

стр. 203

عن النبي ﷺ قال: «لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه». وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١) بسند صحيح من طريق الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا: «لا تصوم المرأة يومًا من غير شهر رمضان وزوجها شاهد إلا بإذنه». قال ابن خزيمة: «قوله ﷺ من غير شهر رمضان من الجنس الذي نقول إن الأمر إذا كان لعلة فمن كانت العلة قائمة، والأمر قائم فالأمر قائم، والنبي ﷺ لما أباح للمرأة صوم شهر رمضان بغير إذن زوجها، إذ صوم رمضان واجب عليها، كان كل صوم واجبٍ مثلَه، جائز أن تصوم بغير إذن زوجها» (٢). ووجه دلالة الحديث أن مفهوم المخالفة من هذا الحديث يدل على أن لها أن تصوم بغير إذنه إذا لم يكن تطوعًا. ٢ - أنه ليس للزوج منع الزوجة من المبادرة إلى قضاء رمضان إلا باختيارها؛ لأن لها حقًا في إبراء ذمتها من الفرض الذي لزمها. ٣ - أنه صوم لزمها بالشرع كصوم رمضان فلا إذن لأحد فيه. والذي يظهر أن القول الثاني أقوى وهو أنه ليس للزوج أن يمنع زوجته من المبادرة إلى قضاء رمضان، وذلك لما يلي: ١ - أن حديث عائشة الذي استدل به أهل القول الأول لا يدل على أن له منعها، لأنها لم تنقل أن النبي ﷺ أمرها بذلك، فيكون هذا العمل من جانبها فقط تأدبًا مع رسول الله ﷺ على التسليم بأن الزيادة التي في آخر الحديث من قولها (٣)،

стр. 204

علمًا بأن الراجح أن الزيادة مدرجة من قول يحيى بن سعيد، ولأن النبي ﷺ مات عن تسع زوجات، ومعلوم أنه كان يقسم بينهن فما المانع أن تصوم إذا كان رسول الله ﷺ عند غيرها. ٢ - أن الحديث الذي استدل به أهل القول الثاني يدل على أنها تستأذنه في النفل، أما الفرض فهو واجب بأصل الشرع فلا يستأذن فيه أحد. ومن هنا يتبين أنه ليس للرجل إذن في قضاء المرأة فرضها سواءً بادرت بالقضاء على الراجح، أو تأخرت حتى ضاق الوقت، وهذا حق وهبها الله إيّاه.

стр. 205

المبحث الخامس: الاعتكاف ويعطي الإسلام المرأة حقًا في لزوم المسجد للطاعة كحق الرجل، وقد اتفق أهل العلم من المذاهب الأربعة وغيرهم أنه لا يحق للزوجة أن تعتكف إلا بإذن زوجها؛ فإن أذن لها في الاعتكاف نفط جاز له أن يأمرها بقطعه بعد الشروع إذا أراد، وإليه ذهب الشافعي (١)، وأحمد (٢)، وقالت الحنفية (٣)، والمالكية (٤) ليس له ذلك وحديث عائشة الذي يأتي حجة عليهم. واختلفوا في المكان الذي يصح فيه الاعتكاف في حق المرأة: القول الأول: لا يصح أن تعتكف المرأة إلا في المسجد: هذا ما ذهب إليه جمهور العلماء وهو مذهب المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). واستدلوا بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٨)، والمراد به

стр. 206

الموضع التي بنيت للصلاة فيها، وموضع صلاها في بيتها ليس بمسجد؛ لأنه لم يبن للصلاة فيه. ٢ - ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح، ثم يدخله، فاستأذنت حفصة عائشة (٣) أن تضرب خباء فأذنت لها، فضربت خباء، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر، فلما أصبح النبي ﷺ رأي الأخبية فقال: ما هذا؟ فأُخْبِر. فقال النبي ﷺ : آلبر تُرون (٤) بهن؟ فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرًا من شوال. واللفظ للبخاري. وفيه أن أزواج النبي ﷺ استأذنه في الاعتكاف في المسجد فأذن لهن، ولو لم يكن موضعًا لاعتكافهن لما أذن فيه، ولو كان الاعتكاف في غيره أفضل لدلهن عليه. قال الحافظ: «وفيه أن المرأة إذا اعتكفت في المسجد استحب لها أن تجعل لها ما يسترها، ويشترط أن تكون إقامتها في موضع لا يضيق على المصلين» (٥). ٢ - ما أخرجه البخاري (٦)، ومسلم (٧) من حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه

стр. 207

من بعده. واللفظ لمسلم. ووجه الدلالة: أن اشتراط المسجد للاعتكاف لم ينسخ، ولذا اعتكفت أمهات المؤمنين بعده ﷺ فيه، ونقل ذلك إلينا (١). ٣ - أن الاعتكاف قربة يشترط لها المسجد في حق الرجل، فيشترط في حق المرأة كالطواف (٢). ٤ - إن مسجد بيت المرأة يجوز لها اللبث فيه مع الجنابة والحيض كسائر المواضع (٣). القول الثاني: تعتكف المرأة في مسجد بيتها: تعتكف المرأة في مسجد بيتها وهو المكان الذي خصصته لصلاها في بيتها، فإن اعتكفت في مسجد الحيّ جاز مع الكراهة، هذا ما ذهب إليه الحنفية (٤) والشافعي في القديم (٥)، بل في رواية عن الإمام أبي حنفية أنه ليس لها أن تعتكف إلا في مسجد بيتها واختارها الطحاوي (٦). واستدلوا بما يأتي: أن مسجد بيت المرأة له حكم المسجد في حقها في حق الاعتكاف؛ لأنه له حكم المسجد في حقها في حق الصلاة، بل صلاها في بيتها أفضل، فكذا

стр. 208

الاعتكاف (١). وأجيب عن هذا الدليل بأن العبادة لا تعرف قياسًا، وإنما تعرف نصًا وتوقيفًا (٢). والراجح قول الجمهور لقوة أدلته؛ ولأنه لم يعرف أن نساء النبي ﷺ أو نساء الصحابة كن يعتكفن في البيوت، ولو كان مشروعًا ما تركنه. ومن هنا يتبين أن للمرأة حق في لزوم المسجد للعبادة والطاعة كحق الرجل، إذا أذن لها وليها، ولم تضيق المسجد على المصلين.

стр. 209

المبحث السادس: الحج وفيه مطالبان: المطلب الأول: حج الفريضة. المطلب الثاني: تعجل الدفع من مزدلفة. المطلب الأول: حج الفريضة توطئة: لقد فرض الرب جل وعلا على عباده فريضة الحج مرة في العمر على الرجال والنساء، قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢). فالمرأة في فرض الحج كالرجل على السواء، بل جُعِل جهاد النساء الحج والعمرة، أخرج البخاري (٣) من حديث عائشة أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: «لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور» وأخرج (٤) من طريق عائشة بنت طلحة، عن عائشة عن النبي ﷺ سأله نساؤه عن الجهاد. فقال: «نِعْم الجهاد الحج» وعليه بوّب البخاري في كتاب الجهاد بباب «جهاد

стр. 210

النساء» وكذا ابن ماجه (١)، وابن خزيمة (٢). وأخرج أحمد في المسند (٣)، وابن ماجه في السنن (٤)، بإسناد صحيح من طريق عائشة ابنة طلحة، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله على النساء جهاد؟ قال: «نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة». فجعل رسول الله ﷺ أفضل الجهاد في حق النساء الحج؛ لأن المرأة مأمورة بالابتعاد عن مخالطة الأجانب ما استطاعت، ويتحقق لها هذا في الحج أكثر من الجهاد (٥)، ولما في الحج أيضًا من مجاهدة النفس بالكف عن شهواتها (٦). واختلف العلماء في بعض المسائل التي تتعلق بحج المرأة، وسأورد منها ما ارتأيته من حقوقها. إن كان الحج نفلًا لم يختلف العلماء على أن المرأة لا تحرم إلا بإذن الزوج، فإن أحرمت بغير إذنه، جاز له تحليلها إذا أراد ذلك، وقد حكي الإجماع على ذلك (٧). أمّا إذا كان الحج فرضًا، ففي حكم منع الزوج زوجته من الإحرام قولان: القول الأول: ليس للزوج منع امرأته من المضي إلى الحج الواجب: ليس للزوج منع امرأته من المضي إلى الحج الواجب عليها إذا كملت شروط

стр. 211

الوجوب. هذا ما ذهب إليه الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، والشافعية في قول مرجوح (٣)، وابن حزم (٤)، وللمالكية قولان مبناهما على القول بفورية الحج، فقال بعضهم: الحج واجب على الفور اختاره القاضي عبد الوهاب (٥)، وبناء على ذلك فليس للزوج منعها. وقال بعضهم: الحج واجب على التراخي اختاره القرطبي (٦)، وعلى هذا القول ففي حكم منعها خلاف على قولين: أحدهما ليس له منعها. واستدلوا بما يأتي: ١ - ما تقدم في الصحيحين (٧) من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». قالوا فإذا لم تمنع من المسجد للصلاة، فلا تمنع من قصدها الحرم للحج. وأجيب عن الحديث بأنه محمول على أنه نهي تنزيه أو على غير المتزوجات؛ لأن غير المتزوجات لم يتعلق بمن حق على الفور، وذلك كالبنت والأخت ونحوهما، وأن المراد لا تمنعوهن مساجد الله للصلوات (٨). ٢ - أن الحج واجب وليس له منعها من الواجبات كما ليس له منعها من

стр. 212

الصلاة والصيام. وأجاب الشافعية بأن مدة الحج طويلة بخلاف الصوم والصلاة. القول الثاني: للزوج أن يمنع زوجته من الخروج للحج الواجب: هذا ما ذهب إليه الشافعية في أصح القولين (١)، والقول الثاني لبعض المالكية (٢) الذين ذهبوا إلى أن الحج واجب على التراخي. واستدلوا بما يأتي: ١ - ما أخرجه الطبراني في الصغير (٣) والأوسط (٤)، والدراقطني في السنن (٥)، وابن عدي في الكامل (٦)، والبيهقي في الكبرى (٧) من طرق عن حسان بن إبراهيم، عن إبراهيم بن الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ في امرأة لها زوج، ولها مال، ولا يأذن لها في الحج ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها. واللفظ للدراقطني. قال الطبراني: لم يروه عن إبراهيم إلا حسان. وكذا قال ابن عدي. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨): «رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورجاله ثقات».

стр. 213

ورمز السيوطي إلى حسنه في الجامع الصغير (١)، ونقله الحافظ في الفتح (٢) وسكت عنه. قلت: في إسناده حسان بن إبراهيم الكرماني، قال عنه ابن عدي: «ولحسان شيء من الأصناف، وله حديث كثير، وقد حدث بإفرادات كثيرة عن أبان بن تغلب، وأيضًا عن إبراهيم الصائغ … وعن سائر الشيوخ فلم أجد له أنكر مما ذكرته من هذه الأحاديث، وحسان عندي من أهل الصدق إلا أنه يغلط في الشيء، وليس ممن يظن به أنه يتعمد في باب الرواية إسنًادا أو متنًا، وإنما هو وهم منه، وهو عندي لا بأس به» (٣) وقال عنه الحافظ في التقريب (٤): «صدوق يخطئ» وقد عدّ ابن عدي هذا الحديث من مناكيره، وضعف الحديث الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٥). ٢ - وذكر أصحاب هذا القول أن حق الزوج على الفور، والحج على التراخي فقُدِم ما كان على الفور، كما تقدم العدة على الحج بلا خلاف (٦). وأجاب الجمهور بأن حق الزوج مستمر على الدوام فلو ملك منعها في هذا العام لملكه في كل عام، فيفضي إلى إسقاط أحد أركان الإسلام بخلاف العدة فإنها لا تستمر (٧).

стр. 214

والذي يترجح القول الأول، وهو أن للزوجة أن تحج الفرض بدون إذن الزوج إذا توفرت الشروط؛ لأن القول بمنع الزوج زوجته من أداء فرض الحج يفضي إلى ترك الحج في كثير من الأحوال، وهنا تلحظ أن بعض الأزواج يتعسف في استخدام قوامته، ويفهمها فهمًا مقلوبًا؛ لتعطيل المرأة المسلمة عن أداء فرائضها بحجة وجوب السمع والطاعة له، ولو علم الدليل، وأراد الله به خيرًا وفقهه في الدين ما أقدم على ما أقدم عليه، ولأحجم عن كثير مما هو بين يديه. فلا حول ولا قوة إلا بالله. المطلب الثاني: نعمل الدفع من مزدلفة لعلك لحظت أيّها الكريم أثناء البحث أن الإسلام يحرص دائمًا على التخفيف عن المرأة في كثير من الأحكام مراعيًا في ذلك طبيعة خلقتها، وما جبلت عليه من ضعف، وأنوثة يهيِّئنها إلى أداء وظيفتها في الحياة التي ترتبط منزلها ومقرها، كما نلحظ حرص الإسلام على الحفاظ على المرأة، وإبعادها عن مزاحمة الرجال، ومن هذا المنطلق لا تتعجب حين لا تقف على خلاف في أن للمرأة أن تتعجل فتدفع من مزدلفة بعد مغيب القمر، ولا يشترط أن تكون مريضة بل لها ذلك وإن لم يكن بها علة حتى تتمكن من السير إلى منى ورمي الجمرة دون مزاحمة الرجال (١). ولأهل العلم أدلة من السنة النبوية، منها:

стр. 215

١ - ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث ابن عباس ﵄ قال: «أنا ممن قدّم النبي ﷺ ليلة مزدلفة في ضعفة أهله» واللفظ للبخاري. ٢ - ما أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (٤) من طريق عبد الله مولى أسماء، ع ن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة. ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة. ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها. فقلت لها: يا هنتاه (٥) ما أرانا إلا قد غلسنا. قالت: يا بني إن رسول الله ﷺ أذن للظُعن (٦). واللفظ للبخاري. ٣ - ما أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (٨) من طريق القاسم، عن عائشة أنها قالت: استأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة تدفع قبله، وقبل حطمة
следующие страницы →