الوجوب. هذا ما ذهب إليه الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، والشافعية في قول مرجوح (٣)، وابن حزم (٤)، وللمالكية قولان مبناهما على القول بفورية الحج، فقال بعضهم: الحج واجب على الفور اختاره القاضي عبد الوهاب (٥)، وبناء على ذلك فليس للزوج منعها.
وقال بعضهم: الحج واجب على التراخي اختاره القرطبي (٦)، وعلى هذا القول ففي حكم منعها خلاف على قولين: أحدهما ليس له منعها.
واستدلوا بما يأتي:
١ - ما تقدم في الصحيحين (٧) من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله».
قالوا فإذا لم تمنع من المسجد للصلاة، فلا تمنع من قصدها الحرم للحج.
وأجيب عن الحديث بأنه محمول على أنه نهي تنزيه أو على غير المتزوجات؛ لأن غير المتزوجات لم يتعلق بمن حق على الفور، وذلك كالبنت والأخت ونحوهما، وأن المراد لا تمنعوهن مساجد الله للصلوات (٨).
٢ - أن الحج واجب وليس له منعها من الواجبات كما ليس له منعها من
стр. 212
الصلاة والصيام.
وأجاب الشافعية بأن مدة الحج طويلة بخلاف الصوم والصلاة.
القول الثاني: للزوج أن يمنع زوجته من الخروج للحج الواجب:
هذا ما ذهب إليه الشافعية في أصح القولين (١)، والقول الثاني لبعض المالكية (٢) الذين ذهبوا إلى أن الحج واجب على التراخي.
واستدلوا بما يأتي:
١ - ما أخرجه الطبراني في الصغير (٣) والأوسط (٤)، والدراقطني في السنن (٥)، وابن عدي في الكامل (٦)، والبيهقي في الكبرى (٧) من طرق عن حسان بن إبراهيم، عن إبراهيم بن الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ في امرأة لها زوج، ولها مال، ولا يأذن لها في الحج ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها. واللفظ للدراقطني.
قال الطبراني: لم يروه عن إبراهيم إلا حسان. وكذا قال ابن عدي.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨): «رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورجاله ثقات».
стр. 213
ورمز السيوطي إلى حسنه في الجامع الصغير (١)، ونقله الحافظ في الفتح (٢) وسكت عنه.
قلت: في إسناده حسان بن إبراهيم الكرماني، قال عنه ابن عدي: «ولحسان شيء من الأصناف، وله حديث كثير، وقد حدث بإفرادات كثيرة عن أبان بن تغلب، وأيضًا عن إبراهيم الصائغ … وعن سائر الشيوخ فلم أجد له أنكر مما ذكرته من هذه الأحاديث، وحسان عندي من أهل الصدق إلا أنه يغلط في الشيء، وليس ممن يظن به أنه يتعمد في باب الرواية إسنًادا أو متنًا، وإنما هو وهم منه، وهو عندي لا بأس به» (٣) وقال عنه الحافظ في التقريب (٤): «صدوق يخطئ» وقد عدّ ابن عدي هذا الحديث من مناكيره، وضعف الحديث الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٥).
٢ - وذكر أصحاب هذا القول أن حق الزوج على الفور، والحج على التراخي فقُدِم ما كان على الفور، كما تقدم العدة على الحج بلا خلاف (٦).
وأجاب الجمهور بأن حق الزوج مستمر على الدوام فلو ملك منعها في هذا العام لملكه في كل عام، فيفضي إلى إسقاط أحد أركان الإسلام بخلاف العدة فإنها لا تستمر (٧).
стр. 214
والذي يترجح القول الأول، وهو أن للزوجة أن تحج الفرض بدون إذن الزوج إذا توفرت الشروط؛ لأن القول بمنع الزوج زوجته من أداء فرض الحج يفضي إلى ترك الحج في كثير من الأحوال، وهنا تلحظ أن بعض الأزواج يتعسف في استخدام قوامته، ويفهمها فهمًا مقلوبًا؛ لتعطيل المرأة المسلمة عن أداء فرائضها بحجة وجوب السمع والطاعة له، ولو علم الدليل، وأراد الله به خيرًا وفقهه في الدين ما أقدم على ما أقدم عليه، ولأحجم عن كثير مما هو بين يديه. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
المطلب الثاني: نعمل الدفع من مزدلفة
لعلك لحظت أيّها الكريم أثناء البحث أن الإسلام يحرص دائمًا على التخفيف عن المرأة في كثير من الأحكام مراعيًا في ذلك طبيعة خلقتها، وما جبلت عليه من ضعف، وأنوثة يهيِّئنها إلى أداء وظيفتها في الحياة التي ترتبط منزلها ومقرها، كما نلحظ حرص الإسلام على الحفاظ على المرأة، وإبعادها عن مزاحمة الرجال، ومن هذا المنطلق لا تتعجب حين لا تقف على خلاف في أن للمرأة أن تتعجل فتدفع من مزدلفة بعد مغيب القمر، ولا يشترط أن تكون مريضة بل لها ذلك وإن لم يكن بها علة حتى تتمكن من السير إلى منى ورمي الجمرة دون مزاحمة الرجال (١).
ولأهل العلم أدلة من السنة النبوية، منها:
стр. 215
١ - ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث ابن عباس ﵄ قال: «أنا ممن قدّم النبي ﷺ ليلة مزدلفة في ضعفة أهله» واللفظ للبخاري.
٢ - ما أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (٤) من طريق عبد الله مولى أسماء، ع ن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة. ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة. ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها. فقلت لها: يا هنتاه (٥) ما أرانا إلا قد غلسنا. قالت: يا بني إن رسول الله ﷺ أذن للظُعن (٦). واللفظ للبخاري.
٣ - ما أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (٨) من طريق القاسم، عن عائشة أنها قالت: استأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة تدفع قبله، وقبل حطمة
стр. 216
الناس (١)، وكانت امرأة ثبطة، يقول القاسم: والثبطة الثقيلة: قال: فأذن لها، فخرجت قبل دفعه، وحبسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه؛ ولأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة، فأكون أدفع بإذنه، أحب إلي من مفروح به» واللفظ لمسلم.
٤ - ما أخرجه مسلم (٢) من طريق سالم بن شوال أنه دخل على أم حبيبة فأخبرته أن النبي ﷺ بعث بها من جمع بليل.
стр. 217
الفصل الثالث
حق المرأة في الهجرة
стр. 218
الفصل الثالث حق المرأة في الهجرة
إذا ضاق على المسلم داره، وتضايق من جاره، ولحقه أذى أهله وخلانه، وما استطاع أن يعبد ربه في وطنه، شرع الله له الهجرة ببدنه من أرض الكفار إلى أرض يعبد فيها ربه، ويقيم شرائع دينه، ويفر بنفسه من الفتنة، ووعده الله على ذلك كبير الأجر، وعظيم القدر، والمرأة في شأن الهجرة كالرجل، فلمسلمة أن تفر بدينها، وأن تقي نفسها الفتنة، وأن تظهر شرائع ما تقره وتعتقده، ولن تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولن تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها.
تعريف الهجرة لغة واصطلاحًا:
الهجرة لغة: الاسم من الهجر ضد الوصل، وقد هجره هجرًا وهجرانًا ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض (١).
وفي الاصطلاح: الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام (٢).
والهجرة هجرتان:
١ - هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهذه هي المقصودة هنا.
٢ - وهجرة بالقلب إلى الله ورسوله، وهي الأصل وهجرة الجسد تابعة لها،
стр. 219
ولذا صح في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه (١) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا وفيه: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (٢).
وقد ذكر العلماء أن المسلم المقيم في بلد لم يفتحه المسلمون أحد ثلاثة:
الأول: من تجب عليه، وهو من يقدر عليها، ولا يمكنه إظهار دينه، ولا يمكنه إقامة واجباته مع المقام بين الكفار، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٣) وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الثاني: قادر، لكنه يمكنه إظهار دينه، وأداء واجباته في بلد الكفار، فمستحبة، لتكثير المسلمين، ومعونتهم، وجهاد الكفار، والأمن من غدرهم والراحة من رؤية المنكر بينهم.
الثالث: عاجز يعذر من أسر أو مرض أو غيره، فتجوز له الإقامة، فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أجر؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٤) وأخرج البخاري (٥) من حديث
стр. 220
ابن عباس ﵄: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ قال: كانت أمي ممن عذر الله.
• وأمّا ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «لا هجرة بعد الفتح» أي: فتح مكة. واللفظ للبخاري.
قال النووي: «قال العلماء: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة وفي تأويل هذا الحديث قولان:
أحدهما: لا هجرة بعد الفتح من مكة، لأنها صارت دار إسلام، وإنما تكون الهجرة من دار الحرب، وهذا يتضمن معجزة لرسول الله ﷺ بأنها تبقى دار الإسلام، ولا يتصور منها الهجرة.
والثاني: معناه لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضلها قبل الفتح كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ (٣)» (٤).
والمرأة لا تحب عليها الهجرة؛ لأنها من المستضعفين كما نصت على ذلك الآية؛ وإن هاجرت أجرت كما ذكر ذلك النبي صلى الله عليه الأسماء بنت عميس، وإنك لتحار حين تقارن بين ماض لنا تليد كانت المؤمنات فضلًا عن المؤمنين يفرون بدينهم بائعين أوطانهم وأهليهم الله ورسوله ﷺ ، وبين حاضر ترى فيه أبناء ملتنا يتخلون عن كثير من شعائر الله وهم ممكنون من الإتيان بها، بل ويُدْعون إليها؛ وما ذاك إلا من استحواذ الشيطان عليهم، والهزيمة النفسية المصابين بها، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 221
ومن الأدلة على حق المرأة في الهجرة:
١ - أخرج الحميدي في المسند (١)، وسعيد بن منصور في سننه (٢)، والترمذي في السنن (٣)، وأبو يعلى في المسند (٤)، والطبري في التفسير (٥)، والطبراني في الكبير (٦)، والحاكم في المستدرك (٧) من طرق عن عمرو بن دينار، عن سلمة بن أبي سلمة رجل من ولد أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله : ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (٨) واللفظ للترمذي.
قال الحاكم: بعض هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه.
قلت: وفي إسناده سلمة بن أبي سلمة، لم يخرج له البخاري، وليس له في السنن إلا هذا الحديث عن الترمذي، ولم يسمه بل قال «عن رجل من ولد أم سلمة» وسماه الحاكم، ولم يذكره المزي لا في الأسماء ولا في المبهمات، قال الحافظ: «مقبول» (٩) أي حين المتابعة، وإلا فلين الحديث على اصطلاحه، وقد تابعه مجاهد كما أخرج
стр. 222
الطبري (١) عنه في التفسير، عن أم سلمة بنحوه.
قال الألباني: «صحيح لغيره» (٢).
٢ - وأخرج البخاري (٣) من طريق عروة بن الزبير، أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة ﵄ يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ قال: لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ، كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ : أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه. فكره المؤمنون ذلك، وامتعضوا منه، وأبي سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلمًا، وجاء المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذ وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٤) قال عروة: فأخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ كان يمتحنهن بهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قال عروة: قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط منهن قال لها رسول الله ﷺ :
стр. 223
«قد بايعتك» كلامًا يكلمها به، والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، وما بايعهن إلا بقوله.
قال الحافظ: «ووقع في بعض طرقه: «ألّا يأتيك منا رجل إلا رددته» فمفهومه أن النساء لم يدخلن» (١) وعلى هذا يكون ترك رد النساء إلى أهل مكة مع وقوع الصلح بينهم وبين المسلمين في الحديبية؛ لأنهن لم يدخلن في أصل الصلح، أو أن لفظ الصلح عام أريد به الخصوص، وحكمة ترك رد المهاجرات ظاهرة في رحمة الله بالنساء، لضعفهن؛ وسرعة تأثرهن، ولذا أنزل الحق جل وعلا الآيات في امتحان وعدم ردهن إلى الكفار.
وتأمل -حفظك الله- ما جاء في الحديث «ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، ولو كان مسلمًا وجاء المؤمنات مهاجرات» وظاهره أن المؤمنات أتين إلى رسول الله ﷺ في المدينة أثناء مدة صلح الحديبية (٢).
«وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط من خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذ وهي عاتق» ومعنى «وهي عاتق» أي: بلغت واستحقت التزويج، ولم تدخل سنه، وقيل: هي الشابة، وقيل: هي ما بين أن تبلغ إلى أن تعنس ما لم تتزوج، والتعنيس طول المقام في بيت أبيها بلا زوج حتى تطعن في السن (٣) ومن معنى عاتق يتبين أن المرأة لها حق الهجرة حتى ولو كانت صغيرة لتفر بدينها من الفتن.
وقد سمي من المؤمنات المهاجرات في أثناء صلح الحديبية: أميمة بنت بشر
стр. 224
وكانت تحت حسان، ويقال: ابن دحداحة قبل أن يسلم، فتزوجها سهل بن حنيف فولدت له ابنه عبد الله بن سهل، وسبيعة الأسلمية وكانت تحت مسافر المخزومي، وأم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد فارتدت، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نضلة كانت تحت عمرو بن عبد ود، وابنة حمزة بن عبد المطلب (١).
ومن فوائد الحديث سقوط المحرم في سفر الهجرة؛ للمفسدة المترتبة في بقائها في بلاد الكفر، فأم كلثوم بنت عقبة ومن سمي معها من المهاجرات قطعن المسافة من مكة إلى المدينة دون محرم، وما أنكر عليهن رسول الله ﷺ ، فدل على عدم شرطية المحرم في سفر الهجرة، لكن لا بد من أمن الطريق حفاظًا على المرأة. (٢)
ويظهر في الحديث عدل الإسلام مع خصومه، فقد أمر أتباعه أن يعطوا أزواج المهاجرات مثل ما دفعوا إليهن من المهور، ثم بيّن جواز نكاح المهاجرات إذا استبرأن أرحامهن، وأوتين مهورهن، وامتُحِن لإظهار صدقهن، قال تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣).
فإلى كل من يتهم الإسلام ويسمه بالإرهاب نقول لهم:
هل يضير البحر أمسى زاخرًا … إن رمى فيه غلام بحجر
стр. 225
ونقول أيضًا:
وإذا أتتك مسبي من ناقص … فهي الشهادة لي بأني كامل
وانظر أيّها الكريم عدل الإسلام حتى مع خصومه وأعدائه، فلما أن هاجرت امرأة الكافر عنه، وفوتت حقه في الاستمتاع بها، أمر أتباعه أن يعيدوا له مهره، وأن يعينوا المرأة على إظهار شعائر دينها في أرضهم، فوفي للطرفين حقهما، فلله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.
٣ - ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من طريق عروة بن الزبير، وزاد مسلم: وفاطمة بنت المنذر أنهما قالا: خرجت أسماء بنت أبي بكر حين هاجرت -وهي حبلى- بعبد الله بن الزبير فقدمت قباء، فنفست بعبد الله بقباء، ثم خرجت حين نفست إلى رسول الله ﷺ ليحنكه، فأخذه رسول الله ﷺ منها فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة، قال: قالت عائشة فمكثنا ساعة نلتمسها قبل أن نجدها، فمضغها ثم بصقها في فيه؛ فإن أول شيء دخل بطنه لريق رسول الله ﷺ … » الحديث واللفظ لمسلم.
وفي الحديث هجرة أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂، وقد ذكر ابن إسحاق (٣) أن النبي ﷺ لما قدم المدينة بعث زيد بن حارثة، فأحضر زوجته سودة بنت زمعة، وبنتيه فاطمة وأم كلثوم، وأم أيمن زوج زيد بن حارثة وابنها
стр. 226
أسامة، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر، ومعه أمه أم رومان، وأختاه عائشة وأسماء، فقدموا: والنبي ﷺ مسجده.
٤ - ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من طريق أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ قال: بلغنا مخرج النبي ﵁ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم أحدهما: أبو بردة، والآخر: أبو رهم إما قال: في بضع، وإما قال: في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلًا من قومي، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب، فأقمنا معه حق قدمنا جميعًا، فوافقنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، وكان أناس من الناس يقولون لنا -يعني لأهل السفينة- سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشية هذه، البحرية هذه؟ قالت: أسماء: نعم. قال: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم، فغضبت. وقالت: كلا، والله كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار أو في أرض البعداء، البغضاء بالحبشة، وذلك في الله، وفي رسول ﷺ ، وأيم الله لا أطعم طعامًا، ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ ، ونحن كنا نؤذي وتخاف، وسأذكر ذلك للنبي ﷺ ، وأسأله، والله لا أكذب، ولا أزيغ، ولا أزيد عليه، فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا. قال: فما قلت له؟ قالت: قلت
стр. 227
كذا وكذا. قال: «ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان» قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالًا يسألونني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله ﷺ . واللفظ للبخاري.
وفي الحديث هجرة أسماء بنت عميس ومن معها من المؤمنات مع أزواجهن فرارًا بدينهن لله ورسوله، وقد ذكر ابن كثير في سيرته (١) أن أول من هاجر من المؤمنين أحد عشر رجلًا، وأربع نسوة، ونأهم انتهوا إلى البحر ما بين ماش وراكب، فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة، وسمي من المؤمنات: رقية بنت رسول الله ﷺ مع زوجها عثمان، وسهلة بنت سهيل مع زوجها أبي حذيفة بن عتبة، وأم سلمة بنت أبي أمية مع زوجها أبو سلمة بن عبد الأسد، وليلى بنت أبي حثمة مع زوجها عامر بن ربيعة.
ثم خرج من المؤمنات مع أزواجهن أسماء بنت عميس مع زوجها جعفر بن أبي طالب، وفاطمة بنت صفوان بن أمية مع زوجها عمرو بن سعيد بن العاص، وأمينة بنت خلف مع زوجها خالد بن سعيد بن العاص، وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان مع زوجها عبيد الله بن جحش، وبركة بنت يسار مولاة أبي سفيان مع زوجها قيس بن عبد الله من بني أسد، وأم حرملة بنت عبد الأسود مع زوجها جهم بن قيس، ورملة بنت أبي عوف بن ضبيرة مع زوجها المطلب بن أزهر، وريطة بنت الحارث مع زوجها الحارث بن خالد التيمي، وفاطمة بنت المحلل مع زوجها حاطب بن الحارث بن معمر، وفكيهة بنت يسار مع زوجها خطاب بن الحارث، وحسنة مع زوجها سفيان بن معمر، وعمرة بنت السعدي مع زوجها مالك بن
стр. 228
ربيعة، ولعلك أيّها القارئ الفاضل أن تتصور ما لحق بالنساء الصابرات من أذى ومشقة، أولها: ترك أوطان وأهلهن ولا ش ك أن سيلحقهن أذي نفسي من ترك ما ألفنه، ثم وعورة الطريق، وبعد الشقة من مكة إلى الحبشة ما بين جبل وساحل، ثم ركوب البحر للوصول إلى دار الغربة، ورواية ابن كثير تصور ما لحقهم من أذى «وأهم انتهوا إلى البحر ما بين ماش وراكب، فاستأجروا سفينة بنصف دينار»، ومع ذلك يأتي جواب أسماء بنت عميس ليبين لنساء العالم أجمع ما بذلته المرأة المسلمة منذ بزوغ شمس الرسالة ولن تزال بإذن الله أرضًا تنبت، وشمسًا تشرق، وتقول لعمر بن الخطاب لما فخر عليها بسبقه بالهجرة قائلة: «كلا والله كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله ﷺ .
ويظهر من رد أسماء على عمر ما عنينهن بعد وصولهن لأرض الحبشة، ووصفها لهم: «بالبعداء البغضاء»، أي البعداء في النسب، البغضاء في الدين لأنهم كانوا كفارًا (١)، بينما كان عمر وأصحابه رضوان الله عليهم مع رسول الله ﷺ ، فيأتي جواب رسول الله ﷺ بثبوت عظيم الأجر لهم، ويقرر فضلهم بقوله: «له ولأصحابه هجرة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان» هجرة إلى الحبشة، وهجرة إلى رسول الله ﷺ ، ويفرح أهل السفينة بالبشارة، ويأتون إلى أسماء أرسالًا ليسمعوا منها بشارة رسول الله ﷺ لهم، فيفرحوا بها فرحة لا تعدلها فرحة.
وموقف أسماء بنت عميس مع عمر بن الخطاب ﵄، يُظْهِرُ قوة المرأة المسلمة في الحق، ومن تحديثها ﵂ بالحديث يتجسد دور المسلمة في نشر العلم وتعليم الخير.
стр. 229
٥ - ويدل على حق المرأة في الهجرة ما أخرجه أحمد في المسند (١) وأبو داود في السنن (٢)، وابن الجارود في المنتقى (٣)، والطبراني في الكبير (٤)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٥)، والحاكم في المستدرك (٦)، والبيهقي في الكبرى (٧) وفي دلائل النبوة (٨) من طرق عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبّاد، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت لخديجة، أدخلتها بها على أبي العاص، قالت: فلمّا رآها رسول الله ﷺ رقّ لها رقّة شديدة. وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها» فقالوا: نعم، وكان رسول الله ﷺ أخذ عليه -أو وعده- أن يخلي سبيل زينب إليه، وبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار فقال: «كونا ببطن يأْجِج حتى تمر زينب فتصحباها حتى تأتيا بها» واللفظ لأبي داود.
وهو في سيرة ابن هشام (٩) عن أبي إسحاق بهذا الإسناد.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قلت: لم يحتج مسلم. محمد بن إسحاق، إنما أخرج له في المتابعات. وإسناد
стр. 230
الحديث حسن، من أجل محمد بن إسحاق قال الحافظ عنه: «صدوق يدلس» (١) وزال ما يخشى من تدليسه؛ لتصريحه بالتحديث عند أحمد.
• قال العظيم آبادي: «وفيه دليل على جواز خروج المرأة الشابة البالغة مع غير ذي محرم لضرورة داعية لا سبيل لها إلا ذلك» (٢).
стр. 231
الفصل الرابع حق المرأة في التعليم
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: الأحاديث النبوية في تعليم المرأة.
المبحث الثاني: بعض المسائل العلمية من النساء لرسول الله ﷺ .
المبحث الثالث: عناية السلف الصالح بتعليم النساء.
المبحث الرابع: صور مشرقة للمرأة في طلب العلم.
المبحث الخامس: حكم تعليم المرأة.
стр. 232
توطئة:
لا شك أن نصوص فضل العلم أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر (١)، خاطب الرب جل وعلا فيها رجال الأمة ونساءها على السواء، شاحذًا هممهم للجد والتحصيل، وأن يكونوا أحلاس عمل لا كسالة وبطر، وليدللوا للأمم أن مكانة العلم في الإسلام عالية، وأن الله يرفع أهله وطلابه، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٢).
بل جعل الله أهل العلم شهودا على وحدانيته، وقرن شهادهم بشهادته، وشهادة ملائكته، وفي هذا تزكية لأهل العلم؛ لأن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣).
بل بلغ شأن العلماء أن يكون فضلهم على من سواهم كفضل رسول الله ﷺ على أدنى الصحابة، ولو قال رسول الله ﷺ كفضلي على أعلاكم لكفى به فضلًا وشرفًا، كيف وقد قال «كفضلي على أدناكم».
стр. 233
أخرج الترمذي في السنن (١)، والطبراني في الكبير (٢)، وتمام في فوائده (٣) من حديث أبي أمامة الباهلي قال: ذكر لرسول الله ﷺ رجلان أحدهما: عابد، والآخر عالم. فقال رسول الله ﷺ : «إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلِّم الناس الخير» قال الترمذي: حديث غريب. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٤).
كما رفع الله درجة أهل العلم، وأظهر فرقهم على من سواهم من عامة الناس فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٥).
ولأهمية العلم والتعليم نجد أن أول آيات من القرآن نزلت على الرسول ﷺ كانت قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٦) وقد كان فيها تأسيس لافتتاحية هذه الرسالة العظيمة، ولما كانت هذه السورة هي أول سورة نزلت من القرآن، وكانت هذه الآيات الخمس أول ما نزل منها على الصحيح، فهي بحق افتتاحية الوحي، فكانت موضع عناية المفسرين وغيرهم، وسأقف مع هذه الآية على مسائل عدة تتعلق بأهمية العلم وأهله:
المسألة الأولى: توجيه الأمر بالقراءة إلى بني أمي؛ لا تعارض فيه؛ لأن
стр. 234
القراءة تكون من مكتوب ومتلو، والقراءة في حق رسول الله ﷺ من متلو يتلوه جبريل، وفي هذا إبراز للمعجزة أكثر، لأن الأمي بالأمس صار معلمًا اليوم، وقد أشار السياق إلى نوعي القراءة هذين حيث جمع القراءة مع التعليم بالقلم.
فجاء الأمر بالقراءة تكليفًا لتحميل الوحي، وباسم ربك بيان لجهة التكليف، والذي خلق تدليلًا لتلك الجهة.
المسألة الثانية: مجيء الوصف بالأكرم في قوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ بدلًا من أي صفة أخرى؛ لما في هذه الصفة من تلاؤم للسياق ما لا يناسب مكانها غيرها؛ لعظم العطاء، وجزيل المنة.
فأولًا: رحمة الخليقة بهذه القراءة التي ربطت العباد بربهم وكفى.
وثانيًا: نعمة الخلق والإيجاد، فهما نعمتان متكاملتان: الإيجاد من العدم بالخلق، والإيجاد الثاني من الجهل إلى العلم، ولا يكون هذا كله إلا من الرب الأكرم سبحانه.
المسألة الثالثة: (الذي علم بالقلم) فالله مدح نفسه بأنه علَّم بالقلم، وأنه علَّم الإنسان ما لم يعلم، فكان فيه الإشادة بشأن القلم حيث إنه سبحانه علَّم به، وهذا أعلى مراتب الشرف مع أنَّ الله سبحانه قادر على التعليم بدون القلم، وقد أورده سبحانه في معرض التكريم في قوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (١) وعظم المقسم عليه وهو نعمة الله على رسوله ﷺ بالوحي يدل على عظم المقسم به، وهو القلم، وما يسطرون به من كتابة الوحي وغيره، وسميت سورة في القرآن باسمه (٢).
стр. 235
ولا أدل على أهمية الكتابة من تكرارها في آية الدين أطول آية في القرآن، رُسِمت فيها كتابة العدل، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ (١)، فقد تكررت في الآية الأوامر الإلهية بتعليم الكتابة بصيغ متعددة مثل (فاكتبوه) (وليكتب) (فليكتب) بل نوهت الآية بفضل الكاتب فكررت ذكره مرتين في آية واحدة ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ﴾ ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾، وتعلم الكتابة نعمة من نعمه تعالى ينعم بها على من يشاء من عباده، فالله تعالى هو المعلِّم كما هو واضح في قوله تعالى: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ وهذا تنويه هذه النعمة كما قال تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، فلو لم يتعلم الناس الكتابة لما استطاعوا حفظ حقوقهم.
ولم يكن النبي ﷺ مغفلًا شأن القلم، بل عيني به كل العناية، وأولها وأعظمها أنه اتخذ كتابًا للوحي يكتبون ما يوحى إليه بين يديه مع أنه يحفظه ويضبطه، وتعهد الله له بحفظه وضبطه في قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ (٢).
ووعد الله تعالى بحفظه في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣)، ومع ذلك فقد كان يأمر بكتابة هذا المحفوظ، وكان له عدة كتَّاب، وهذا غاية في العناية بالقلم. وقد ذكر ابن القيم (٤) من الكتاب الخلفاء الأربعة. ومعهم تتمة
стр. 236
سبعة عشر شخصًا، ثم لم يقتصر ﷺ في عنايته بالقلم والتعليم به عند كتابة الوحي بل جعل التعليم به أعم كما جاء خبر عبد الله بن سعيد بن العاص أن رسول الله ﷺ أمره أن يعلم الناس الكتابة بالمدينة (١).
وأخرج ابن ماجه (٢) بسند صحيح عن عبادة بن الصامت قال: علمت ناسًا من أهل الصفة القرآن والكتابة.
وقد كانت دعوته ﷺ الملوك إلى الإسلام بالكتابة كما هو معلوم، وأبعد من ذلك ما جاء في قصة أسارى بدر حيث كان ينادي بالمال من كان يقدر على الفداء، ومن لم يقدر وكان يعرف الكتابة كانت مفاداته أن يعلم عشرة من الغلمان الكتابة، فكثرت الكتابة في المدينة بعد ذلك، وكان ممن تعلم زيد بن ثابت وغيره (٣).
فإذا كان المسلمون وهم في بادئ أمرهم وأحوج ما يكون إلى المال والسلاح، يقدِّمون تعليم الغلمان الكتابة على المال؛ ليدل على أمرين:
١ - مدى العناية بالتعليم.
стр. 237
٢ - جواز تعليم الكافر المسلم ما لا تعلق له بالدين، كما يوجد الآن من الأمور الصناعية في الهندسة والطب والزراعة وغير ذلك (١).
وقد كثر المتعلمون بسبب ذلك حتى كان عدد كتاب الوحي اثنين وأربعين رجلًا ثم كان انتشار الكتابة مع الإسلام.
وكل ما تقدم ذكره يتساوى فيه النساء والرجال؛ للقاعدة التي قررها رسولنا ﷺ بقوله «النساء شقائق الرجال» وقد مضى أن كل ما فرضه الله على عباده وندبهم إليه، فالرجال والنساء فيه سواء إلا ما استثني بالنص، والعلم فريضة الله على عباده، ودلالة إرادته بهم الخير، فلا عجب أن يحث الإسلام المرأة أن تضرب بسهمها فيه، وأن تشمر لتكون من أهله. وسآتي من الدليل والبرهان ما يثبت ذلك، وينقض ضده، والله تعالى الموفق.
стр. 238
المبحث الأول: الأحاديث النبوية في تعليم المرأة
إن من المجمع عليه أن المرأة مسؤولة عن صلاتها وصيامها وزكاة أموالها وحجها وقبل هذا كله سلامة عقيدتها، ولا يمكن لها أن تقيم شرائع دينها هذه إلا بالعلم المنافي للجهل، ولذا نص الإسلام على تعليم الفتاة، ونشر العلم بين النساء، ودليل ذلك:
١ - ما أخرجه البخاري (١) من طريق أبي بردة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ «ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد ﷺ ، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة يطؤها فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران» وعليه بوّب البخاري بابًا في كتاب العلم وسمه بباب: تعليم الرجل أمته وأهله (٢)، ثم بوّب عليه ﵀ في كتاب العتق بباب: فضل من أدب جاريته وعلمها (٣).
قال الحافظ في شرحه: «(باب تعليم الرجل أمته وأهله) مطابقة الحديث للترجمة في الأَمَةِ بالنص، وفي الأهل بالقياس، إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله وسنن رسوله ﷺ آكد من الاعتناء بالإماء» (٤).
стр. 239
فالإسلام لم يحث أتباعه على تعليم الحرائر فحسب، بل جعل لمعلِّم الأَمَةِ بعد عتقها أجرين، لينتشر العلم بين الحرائر والإماء على حد سواء.
وهنا أشير إلى ضرورة تعليم الخادمات أمور دينهن؛ لأن الغالب عليهن الجهل، وقلة العلم، وانتشار الشرك بجميع صوره فهن لا يعلمن من الإسلام إلا اسمه، ويجهلن رسمه، ويمن الله على الواحدة منهن بالسفر إلى ديار التوحيد، ومنبع الرسالة، ومهبط الوحي، ولكن وللأسف تعود إلى ديارها كما أتت من غير أن تزيد من محصلتها العلمية كما زاد دخلها المادي؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله، وأهيب بأخواتي المؤمنات أن يحتسبن الأجر في تعليم الخادمات، وليجعلن نصب أعينهن (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه)، وهداية رجل واحد خير للمرء من حمر النعم.
٢ - ومن حرص الإسلام على تعليم المرأة أن جعل الإمام يتولى هذه المهمة بنفسه، بل وفي المجامع العامة أخرج البخاري (١)، ومسلم (٢) من طريق عطاء قال: سمعت ابن عباس قال: أشهد على النبي ﷺ أو قال عطاء: أشهد على ابن عباس - أن رسول الله ﷺ خرج ومعه بلال، فظن أنه لم يسمع، فوعظهن وأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم، وبلال يأخذ في طرف ثوبه. واللفظ للبخاري.
وقد مر بنا في ثنايا البحث (٣) ما جاء في بعض طرقه: وقال ابن جريج لعطاء: أترى حقًا على الإمام ذلك يذكرهن؟ قال: إنه لحق عليهم، وما لهم لا يفعلونه!
وقد أورد هذا الحديث البخاري في صحيحه في كتاب العلم عقب الحديث
стр. 240
المتقدم، وبوّب عليه بباب: عظة الإمام النساء وتعليمهن.
قال الحافظ: «نبه هذه الترجمة على أن ما سبق من الندب إلى تعليم الأهل ليس مختصًا بأهلهن، بل ذلك مندوب للإمام الأعظم ومن ينوب عنه» (١).
وفي الحديث من الفوائد: استحباب موعظة النساء وتذكيرهن بتقوى الله ومخافته والحذر من المعاصي والسيئات، وفهم بعض السلف ﵏ من مناصحة النبي -صلى الله عليه و-سلم للنساء، لزومه على ولي الأمر للسنَّة الماضية كما مر بنا في قول ابن جريج لعطاء، وفيه من السنَّة مباعدة النساء عن الرجال في مجالس العلم والذكر وغيرها التي يحضرها الجنسان في وقت واحد كشهود صلاة العيد و استماع الخطبة، وتخصيص النسوة بمكان معزول عن الأجانب مع استتارهن بالحجاب احتياطًا للحرمات، وصيانة لفضول الفكر والنظر، ودرءًا للريب، ورعايةً لحدود الله، قال ابن حجر ﵀: «في مجيء بلال مع رسول الله ﷺ إلى النساء أدب شريف في مخاطبة النساء في الموعظة أو الحكم، وهو ألّا يحضر من الرجال إلا من تدعو الحاجة إليه من شاهد ونحوه؛ لأن بلالًا كان خادم النبي ﷺ ومتولي قبض الصدقة» (٢).
٣ - ولقد تنبهت المرأة المسلمة إلى حقها في التعليم في عهد رسول الله ﷺ ، ولاحظت النسوة غلبة الرجال على رسول الله ﷺ إذ كان الرجال يلازمون رسول الله ﷺ ، ويحيطون به للتعلم؛ فلا يستطيع النساء مزاحمتهم عليه، وكن يجلسن في آخر الصفوف، فأتين يسألنه حظهن، أخرج البخاري (٣)،
стр. 241
ومسلم (١) من حديث أبي سعيد الخدري قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تعلمنا ما علمك الله. قال: «اجتمعن يوم كذا وكذا» فاجتمعن فأتاهن رسول الله ﷺ له فعلمهن مما علمه الله. ثم قال: «ما منكن من امرأة تُقَدِّم بين يديها من ولدها ثلاثة إلا كانوا لها حجابًا من النار». فقالت امرأة: واثنين واثنين واثنين؟ فقال رسول الله ﷺ «واثنين واثنين واثنين» واللفظ لمسلم.
وبوّب عليه البخاري في كتاب العلم باب: هل يُجعَل للنساء يوم على حدة في العلم؟
قال الحافظ ابن حجر في اسم السائلة للموعظة: «لم أقف على اسمها، ويحتمل أن تكون هي: أسماء بنت يزيد بن السكن» (٢).
وفي الحديث من الفوائد:
ما كان عليه نساء الصحابة، وبخاصة نساء الأنصار من الحرص البالغ على تعلم أمور الدين، وحضور مجالس العلم والحكمة، والتشرف بسماع الحديث مباشرة من النبي ﷺ ، وفيه جواز مكالمة المرأة الرجل فيما تحتاج إليه من أمور دينها، وقد أُخذ العلم عن أزواج النبي ﷺ وعن غيرهن من نساء السلف، وفيه جواز اختصاص النساء بوقت ينفردن فيه بالعالم لتعليمهن وموعظتهن كما استجاب النبي ﷺ لرغبة النساء ووعدهن يومًا يأتيهن فيه، فوفي وعده وعليه ترجم البخاري، وفيه أن الصبر على المصائب واحتسابها عند الله سبحانه سبب التكفير الخطايا
стр. 242
ومغفرة الذنوب وزيادة الحسنات (١).
وانظر -رحمك الله- إلى شجاعة المرأة الأدبية، وتواضع رسول الله ﷺ ، فقد أصغي سمعه إلى المرأة وهي تُبْدي رأيها فيما تراه، وتطالب بحقها قائلة: يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك، وفي رواية البخاري «غلبنا عليك الرجال» ثم مقترحة: «فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله» فما كان جواب رسول الله ﷺ إلا أن وعدهن في يوم معين، ومكان معين فصار يحدثهن ويعلمهن.
إنها رسالة لعلماء الأمة أن يعطوا من أوقاتهم وأنفسهم لمصانع الرجال، والمدارس الأُول التي يتلقى فيه الطفل مبادئ الحياة، ورحم الله الرصافي حين قال:
هي الأخلاق تنبت كالنبات … إذا سُقِيت بماء المكرمات
تقوم إذا تعهدها المربي … على ساق الفضيلة مثمرات
ولم أر للخلائق من محل … هذبها كحضن الأمهات
فحض الأم مدرسة تسامت … بتربية البنين أو البنات
وهل يرجى لأطفال كمال … إذا نشأوا بحضن الجاهلات
أليس العلم في الإسلام فرضًا … على أبنائه وعلى البنات
وكانت أمنا في العلم بحرًا … تحل لسائليها المشكلات
وعلمها النبي أجل علم … فكانت من أجل العالمات
فهل من ناهل من مورد عذب رقراق، متابع لهدي رسول الله ﷺ ، مقتف
стр. 243
أثره؛ لأن الأمر ليس خاصًا برسول الله ﷺ ، فينبغي أن يعتني العلماء، وأولياء الأمور بالنساء كما اعتني من رسول الله ﷺ والسلف الصالح (١)، فيأخذن العلم والرواية، ويتحملن ذلك كالرجال، لِيَكنَّ هاديات مهديات، مفاتيح للخير مغاليق للشر، فما من طاعة تقوم على الوجه الصحيح إلا بالعلم، والعلم من أفضل الطاعات على الإطلاق، وهذا ما صرحت به امرأة عالمة، وفقيهة زاهدة ألا وهي أم الدرداء قائلة «لقد طلبت العبادة في كل شيء؛ فما أصبت لنفسي شيئًا أشفى من مجالسة العلماء ومذاكرتهم» (٢).
٤ - بل كان ﷺ يحرص على حضور العواتق وذوات الخدور فضلًا عن الكبيرات صلاة العيدين حتى وإن كن حيّضًا يشهدن الخير ودعوة المسلمين، أخرج البخاري ومسلم من حديث أم عطية قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق والحيّض وذوات الخدور، فأما الحيّض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين. قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب. قال: «لتُلْبِسها أختها من جلبابها» واللفظ لمسلم (٣).
فأمر رسول الله ﷺ أولياء النساء أن يخرجوهن في الفطر والأضحى ليشهدن الخير، ويستنرْنَ بنور العلم، حتى المرأة الحائض لا يمنعها حيضها من حضور الخير بل لتحضر، ولتعتزل المصلي، ومن لا جلباب لها أمر أن تُلْبِسها أختها من جلبابها. فهل رأيت دينًا أعطى المرأة حقها كدين الإسلام!
стр. 244
٥ - بل كانت النساء حريصات على حضور الأمور المهمة التي ينادي إليها منادي رسول الله ﷺ ، ويحضرن المسجد من غير نكير عليهن، وما ذاك إلا لكوتهن داخلات في الخطاب الشرعي، أخرج مسلم (١) من حديث أم سلمة قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض، ولم أسمع ذلك من رسول الله ﷺ ، فلما كان يومًا من ذلك، والجارية تمشطي، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيها الناس» فقلت للجارية: استأخري عني. قالت: إنما دعا الرجال، ولم يدع النساء. فقلت: إلى من الناس فقال رسول الله ﷺ : «إني لكم فرط على الحوض، فإياي لا يأتين أحدكم فيُذَبّ عني كما يُذَبُّ البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا».
لقد فهمت أم سلمة ﵂ من نداء رسول الله ﷺ بـ «أيها الناس» أنها معنية، وأن الخطاب لها، ولذا أنكرت عليها الجارية إبعادها لها؛ لأن الخطاب وُجِّه للرجال، والدعوة خصت بهم، فصححت فهمها، وأرسلت ليس للجارية فحسب بل لكل امرأة أن النساء يدخلن في الخطاب العام، ويدعين إليه، ويطالبن به.
وأخرج مسلم (٢) أيضًا من حديث طويل لفاطمة بنت قيس فيه ذكر الجساسة أنها قالت: «فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله ﷺ ، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته جلس على المنبر، وهو يضحك، فقال: «ليلزم كل إنسان مصلاه» ثم قال: أتدرون لم جمعتكم؟ …
стр. 245
الحديث وفيه خير تميم الداري في ذكر المسيح الدجال.
ومن الحديث يظهر أن النساء في عصر النبوة كن يعلمن أن الخطاب العام يشترك فيه النساء والرجال، فما إن سمعت فاطمة بنداء «الصلاة جامعة» حتى خرجت مع أخواتها من النساء، يشهد لذلك قولها «فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم» فلم تفهم فاطمة وحدها هذا الفهم؛ بل كان فهمًا عامًا في ذلك العصر وحتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ لأن دين الله باق على رغم أنف الكارهين.
٦ - والمطلع على كتب السنة يجد أن النساء شاركن الرجال في حضور الجمع والجماعات كما تقدم؛ وما حضورهن لصلاة الجمعة إلا لطلب العلم من رسول الله ﷺ ، والارتواء من منهل صافٍ يفيض حياة للقلوب، ومواعظ تشفي الصدور، حتى إن روين ما حفظنه من على منبر الجمعة، أخرج مسلم (١) من حديث أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: لقد كان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدًا سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل يوم جمعة على المنير إذا خطب الناس.
قال النووي: «قولها (وكان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدًا) إشارة إلى حفظها، ومعرفتها بأحوال النبي ﷺ ، وقربها من منزله» (٢) وهذه المرأة القريبة من منزل رسول الله ﷺ كانت حريصة على حضور الجمعة معه، وحفظت سورة (ق) من في رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان يقرؤها على المنير يوم الجمعة (٣).
стр. 246
قال العلماء: سبب اختيار (ق) لما اشتملت عليه من البعث والموت والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة، وفيه دليل للقراءة في الخطبة (١).
وما زال النساء ولله الحمد وحتى يومنا هذا يشهدن الجمعة، وأسأل الله أن ينفعهن ما يقوله الخطباء كما حفظت أم هشام فروت وأفادت، يشهد لهذا امتلاء الحرمين بمن في أماكن النساء، أدام الله عمارهما، وحفظهما من كل فساد.
стр. 247
المبحث الثاني: بعض المسائل العلمية من النساء لرسول الله ﷺ - (١)
في صدر الإسلام نشأت مدرسة العلم الأولى، وتألقت على يد مؤسسها سيد المرسلين، وقدوة العالمين، لقد بناها روضة زاهية بالعلم، زاكية بالحكمة، معينها الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ (٢) غايتها العظمى إنقاذ الناس من غياهب الجهل، ودياجير الضلال إلى سبيل الهدى والنور، وصراط الله المستقيم قال تعال ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣) ولقد علم الحكيم سبحانه حاجة العباد إلى تلك الهداية والنور، والنهل من المعين النقي، والمنبع الصافي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأودع في فطرهم مفتاح العلم والحكمة حيث جعل من طبيعة الإنسان حب السؤال عما يجهل، والبحث عما يفيد، واستطلاع الرأي، واستجلاء الحقيقة، ودعا الباري إلى التزود من ذوي العلم
стр. 248
والبصيرة حين تخفي الأحكام، وتجهل شرائع الإسلام، فقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١).
واتبع ﷺ في هذا التأسيس أسلوبًا جديدًا في التربية والتعليم يقوم على المفاتحة والمناقشة على ما يقتضيه الأدب النبوي في النقد والحوار والمراجعة واعتبر السؤال شفاء العيِّ، ومنفذ العلم والمعرفة، وأتاح للصحابة والصحابيات ومن وراءهم من الأمة أن يستفتوا فيما احتاجوا إليه، وجهلوا حكمه، س وال تفقه لا تعنت.
وحرصت نساء الصحابة -رضوان الله عليهن- على الطلب، ومثافنة رسول الله ﷺ ؛ للأخذ عنه والاستفادة منه، وسأورد في هذا المطلب بعض أسئلتهن:
١ - سيدلك هذا الحديث على فطنة أم المؤمنين عائشة، وفقيهة نساء العالمين أخرج البخاري (٢) ومسلم (٣) من حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس حفاة عراة غرلًا» (٤) قالت عائشة: الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «الأمر أشد من أن يهمهم ذلك» واللفظ للبخاري.
فانظر إلى تعليمه ﷺ لأهل بيته، وإجابته عن سؤال زوجه، فلا غرو أن تكون فقيهة النساء، وإليها يرجع كبار الصحابة فيما استشكل عليهم من أمر نبيهم ﷺ مع أهل بيته.
стр. 249
٢ - أخرج الإمام أحمد في المسند (١)، وأبو داود في السنن (٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣)، وأبو يعلى في المسند (٤)، والبيهقي في الكبرى (٥) من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: يا رسول الله كل صواحبي لهن كنى قال: «فاكتني بابنك عبد الله» يعني ابن أختها.
قال مسدد: عبد الله بن الزبير. قال: فكانت تكن بأم عبد الله. واللفظ لأبي داود.
وصححه الحافظ ابن حجر (٦)، والألباني (٧)، وهو كما قالا.
وفي الحديث حرص أم المؤمنين على اتباع رسول الله ﷺ في صغير الأمر قبل كبيره، وإن الواحدة منا معشر النساء لتقدم على أعظم من هذا دون أن تتحرى فيه، أو تسأل عنه، فلله درها من امرأة ﵂ وجمعناها في الفردوس الأعلى، كما أن في الحديث أريحية رسول الله ﷺ وتسليته لزوجته الحبيبة، ومداواة ما يؤرقها من تباريح الغيرة بتلبية مرادها، واختيار الكنية التي تلائمها، وتسعد بها، فانتقى لها أحب الأسماء عبد الله، وأقرب الأبناء إليها ابن أختها، ولاطفها بوصفها أمًا له، ولم تلد قط بقوله: «ابنك».
فأي كلمة أحني وأصدق وأمضى لشرح صدر الغيري من هذه الكلمات؟
стр. 250
وأي لطف يغمر المشاعر الجرحى، ويفيض دفئًا وعطفًا … أرقّ من هذا الطف؟
شرفتِ بأم المؤمنين على الورى …
فهل لك شوق للولادة … والضنى؟
أبوك أبو بكر … وزوجك مرسل.
وكُنيتِ أمًا للمجاهد … سيّدا.
واستفاد العلماء من الحديث جواز كنية من لا ولد له (١).
٣ - وما زلنا مع سيرة عطرة، ورحم معطاء مع أم المؤمنين عائشة ﵂، أخرج البخاري (٢) من حديث عائشة ﵂، قالت: يا رسول الله إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابًا».
وفي بيت النبوة كانت أمنا تسمع أحاديث حسن الجوار، ووصية رسول الله ﷺ به، فتحتار لمن تهدي من جيرانها، فيأتيها الجواب النبوي لأقربهما منك بابًا.
٤ - وما زلنا في بيت النبوة ومع أمهات المؤمنين، أخرج الإمام أحمد في المسند (٣)، والترمذي في السنن (٤)، والنسائي في المجتبى (٥) من طرق عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: «يرخينه شبرًا» فقالت: إذًا