← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قال العلماء: سبب اختيار (ق) لما اشتملت عليه من البعث والموت والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة، وفيه دليل للقراءة في الخطبة (١). وما زال النساء ولله الحمد وحتى يومنا هذا يشهدن الجمعة، وأسأل الله أن ينفعهن ما يقوله الخطباء كما حفظت أم هشام فروت وأفادت، يشهد لهذا امتلاء الحرمين بمن في أماكن النساء، أدام الله عمارهما، وحفظهما من كل فساد.

стр. 247

المبحث الثاني: بعض المسائل العلمية من النساء لرسول الله ﷺ - (١) في صدر الإسلام نشأت مدرسة العلم الأولى، وتألقت على يد مؤسسها سيد المرسلين، وقدوة العالمين، لقد بناها روضة زاهية بالعلم، زاكية بالحكمة، معينها الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ (٢) غايتها العظمى إنقاذ الناس من غياهب الجهل، ودياجير الضلال إلى سبيل الهدى والنور، وصراط الله المستقيم قال تعال ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣) ولقد علم الحكيم سبحانه حاجة العباد إلى تلك الهداية والنور، والنهل من المعين النقي، والمنبع الصافي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأودع في فطرهم مفتاح العلم والحكمة حيث جعل من طبيعة الإنسان حب السؤال عما يجهل، والبحث عما يفيد، واستطلاع الرأي، واستجلاء الحقيقة، ودعا الباري إلى التزود من ذوي العلم

стр. 248

والبصيرة حين تخفي الأحكام، وتجهل شرائع الإسلام، فقال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١). واتبع ﷺ في هذا التأسيس أسلوبًا جديدًا في التربية والتعليم يقوم على المفاتحة والمناقشة على ما يقتضيه الأدب النبوي في النقد والحوار والمراجعة واعتبر السؤال شفاء العيِّ، ومنفذ العلم والمعرفة، وأتاح للصحابة والصحابيات ومن وراءهم من الأمة أن يستفتوا فيما احتاجوا إليه، وجهلوا حكمه، س وال تفقه لا تعنت. وحرصت نساء الصحابة -رضوان الله عليهن- على الطلب، ومثافنة رسول الله ﷺ ؛ للأخذ عنه والاستفادة منه، وسأورد في هذا المطلب بعض أسئلتهن: ١ - سيدلك هذا الحديث على فطنة أم المؤمنين عائشة، وفقيهة نساء العالمين أخرج البخاري (٢) ومسلم (٣) من حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس حفاة عراة غرلًا» (٤) قالت عائشة: الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «الأمر أشد من أن يهمهم ذلك» واللفظ للبخاري. فانظر إلى تعليمه ﷺ لأهل بيته، وإجابته عن سؤال زوجه، فلا غرو أن تكون فقيهة النساء، وإليها يرجع كبار الصحابة فيما استشكل عليهم من أمر نبيهم ﷺ مع أهل بيته.

стр. 249

٢ - أخرج الإمام أحمد في المسند (١)، وأبو داود في السنن (٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣)، وأبو يعلى في المسند (٤)، والبيهقي في الكبرى (٥) من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: يا رسول الله كل صواحبي لهن كنى قال: «فاكتني بابنك عبد الله» يعني ابن أختها. قال مسدد: عبد الله بن الزبير. قال: فكانت تكن بأم عبد الله. واللفظ لأبي داود. وصححه الحافظ ابن حجر (٦)، والألباني (٧)، وهو كما قالا. وفي الحديث حرص أم المؤمنين على اتباع رسول الله ﷺ في صغير الأمر قبل كبيره، وإن الواحدة منا معشر النساء لتقدم على أعظم من هذا دون أن تتحرى فيه، أو تسأل عنه، فلله درها من امرأة ﵂ وجمعناها في الفردوس الأعلى، كما أن في الحديث أريحية رسول الله ﷺ وتسليته لزوجته الحبيبة، ومداواة ما يؤرقها من تباريح الغيرة بتلبية مرادها، واختيار الكنية التي تلائمها، وتسعد بها، فانتقى لها أحب الأسماء عبد الله، وأقرب الأبناء إليها ابن أختها، ولاطفها بوصفها أمًا له، ولم تلد قط بقوله: «ابنك». فأي كلمة أحني وأصدق وأمضى لشرح صدر الغيري من هذه الكلمات؟

стр. 250

وأي لطف يغمر المشاعر الجرحى، ويفيض دفئًا وعطفًا … أرقّ من هذا الطف؟ شرفتِ بأم المؤمنين على الورى … فهل لك شوق للولادة … والضنى؟ أبوك أبو بكر … وزوجك مرسل. وكُنيتِ أمًا للمجاهد … سيّدا. واستفاد العلماء من الحديث جواز كنية من لا ولد له (١). ٣ - وما زلنا مع سيرة عطرة، ورحم معطاء مع أم المؤمنين عائشة ﵂، أخرج البخاري (٢) من حديث عائشة ﵂، قالت: يا رسول الله إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابًا». وفي بيت النبوة كانت أمنا تسمع أحاديث حسن الجوار، ووصية رسول الله ﷺ به، فتحتار لمن تهدي من جيرانها، فيأتيها الجواب النبوي لأقربهما منك بابًا. ٤ - وما زلنا في بيت النبوة ومع أمهات المؤمنين، أخرج الإمام أحمد في المسند (٣)، والترمذي في السنن (٤)، والنسائي في المجتبى (٥) من طرق عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: «يرخينه شبرًا» فقالت: إذًا

стр. 251

تنكشف أقدامهن. قال: «فيرخينه ذراعًا لا يزدن عليه» واللفظ للترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني (١). قلت: وهو كما قالا حديث صحيح. وفي الحديث تحلي نساء السلف الصالح رضوان الله عليهن بخلق الحياء وشيمة العفاف، فكانت المبادرة منهن بسؤال رسول الله ﷺ ، ومراجعته في إسبال ذيل المرأة، رغبة منهن في إسباغ الثياب وإرخاء الحجاب وستر العورة، ونفورًا من دواعي الفتنة، ومظاهر الزينة التي في عنها في الخروج (٢). وفيه أن قدم المرأة عورة؛ ولذا كان إسبال الثياب لسترها من الانكشاف، فالأصل هو الستر وليس الجر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ «هذا الإسبال ليس مُعَيّنًا للستر، فلو لبست المرأة سراويل أو خفًا واسعًا صلبًا كالموق، وتدلى فوقه الجلباب بحيث لا يظهر حجم القدم لكان هذا محصلًا للمقصود» (٣). وتَرَعيْ -جملك الله بالحياء- في الحديث روعة الحياء حين يبلغ مكانته اللائقة به من شعور المؤمنة، فيكون لسلطانه النقي نفوذ بليغ إلى سلوكها … فيهذبه، ويصلحه، ويزكيه سواء كانت في بيتها أو خارجه مع القريب أو البعيد، ألست تراها حقيقة ملموسة في شخصية أم سلمة ﵂ بعدما فرض الحجاب، وهي تراجع رسول الله ﷺ في إطالة ثياب النساء، ووفرة ذيولهن؟ فيرخي لهن شبرًا، وتلح أخرى رغبة في مزيد من الستر؛ لئلا تنكشف أقدامهن، فيوفيهن ذراعًا لا يزدن عليه.

стр. 252

٥ - ولقد كان بيت رسول الله ﷺ ، وقلبه قبله، مفتوحًا لكل سائل وسائلة، محتويًا بعظيم خلقه، وكريم سجاياه قلوب محبيه، مبلغًا رسالة ربه، وستلحظ فيما سأورده من بحر زاخر بلآلئ جمة، وأرض خصبة منبتة، إجاباته ﷺ على النساء، أخرج البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث أم سلمة قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي ﷺ : «إذا رأت الماء» فغطت أم سلمة وجهها، وقالت: يا رسول الله وتحتلم المرأة؟ قال: «نعم، تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها؟!» واللفظ للبخاري. ومع أن الحياء خير كله، ولا يأتي إلا بخير إلا أنه في طلب العلم مذموم، وقد فهمت أم سليم هذه القاعدة فأتت إلى رسول الله ﷺ سائلة عن أمر لا يستحيي من السؤال منه؛ لأن الله لا يستحيي من الحق، وعليه بوّب البخاري: باب: الحياء في العلم، وقال مجاهد: لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر. وقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. قال الحافظ: «(باب الحياء) أي: حكم الحياء، وقد تقدم أن الحياء من الإيمان وهو الشرعي الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر وهو محمود، وأما ما يقع سبًا لترك أمر شرعي فهو مذموم، وليس هو بحياء شرعي وإنما هو ضعف ومهانة، وهو المراد بقول مجاهد: لا يتعلم العلم مستحٍ … وكأنه أراد تحريض المتعلمين على ترك العجز والتكبر لما يؤثر كل منهما من النقص في التعليم» (٣).

стр. 253

وانظر إلى تقديمها بين يدي سؤالها، يظهر أن من حسن طرح السؤال التقديم له بوصف الحال المرتبطة بالفتوى؛ ليتمكن المفتي من فهم المراد فهمًا تامًا، ومن ثم بيان المقصود بيانًا شافيًّا حيث إنها قدمت بهذا الكلام لبسط عذرها في ذكر ما تستحي النساء من ذكره بحضرة الرجال، ومنه أخذ العلماء حكمًا فقهيًّا قال ابن قدامة في المغني: «فخروج المني الدافق بشهوة يوجب الغسل من الرجل والمرأة في يقظة أو في نوم وهو قول عامة الفقهاء، قاله الترمذي» (١) وذكروا أيضًا أنه لا غسل على المرأة إلا أن ترى الماء، فإن ذكرت احتلامًا ولم تر ماءً لا غسل عليها (٢). ٦ - وتأتي الأدلة تباعًا لتؤكد أمن مع وفور حيائهن لم يكن يستحين من الحق؛ لأن الحياء في طلب العلم ليس شرعيًّا، أخرج البخاري (٣) ومسلم (٤) من حديث عائشة أن أسماء سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض، فقال «تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها، فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فِرْصة (٥) ممسكة فتطهر بها. فقالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ فقال: «سبحان الله، تطهرين بها» فقالت عائشة: كأنها تخفي ذلك تتبعين أثر الدم، وسألته عن غسل الجنابة؟ فقال: «تأخذ ماء فتطهر، فتحسن الطهور -أو تبلغ الطهور- ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون

стр. 254

رأسها، ثم تفيض عليها الماء» فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. واللفظ لمسلم. وفي رواية البخاري: قالت عائشة: فاجتبذتها إليّ، فقلت: تتبعي بها أثر الدم. قال الحافظ: «وفي هذا الحديث من الفوائد: التسبيح عند التعجب، ومعناه هنا: كيف يخفي هذا الظاهر الذي لا يحتاج في فهمه إلى فكر، وفيه استحباب الكنايات فيما يتعلق بالعورات، وفيه سؤال المرأة العالم عن أحوالها التي يحتشم منها، ولهذا كانت عائشة تقول في نساء الأنصار: لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين كما أخرجه مسلم (١) في بعض طرق هذا الحديث وتقدم في العلم معلقًا، وفيه الاكتفاء بالتعريض، والإشارة في الأمور المستهجنة، وتكرير الجواب لإفهام السائل، وإنما كرره مع كونها لم تفهمه أولًا، لأن الجواب به يؤخذ من إعراضه بوجهه عند قوله «توضئي» أي في المحل الذي يستحي من مواجهة المرأة بالتصريح به، فاكتفى بلسان الحال عن لسان المقال، وفهمت عائشة ذلك عنه، فتولت تعليمها، وبوّب عليه المصنف في الاعتصام «الأحكام التي تعرف بالدلائل» وفيه تفسير كلام العالم بحضرته لمن خفي عليه إذا عرف أن ذلك يعجبه، وفيه الأخذ عن المفضول بحضرة الفاضل، وفيه صحة العرض على المحدث إذا أقره، ولو لم يقل عقبه: نعم، وأنه لا يشترط في صحة التحمل فهم السامع لجميع ما يسمعه، وفيه الرفق بالمتعلم، وإقامة العذر لمن لا يفهم، وفيه أن المرء مطالب بستر عيوبه وإن كانت مما جبل عليها من جهة أمر المرأة بالتطيب لإزالة الرائحة الكريهة، وفيه حسن خلقه ﷺ ، وعظيم حلمه، وحيائه زاده الله شرفًا» (٢).

стр. 255

أرأيت دررًا منظومة في عقد يتحلى به، كسؤال هذه المرأة لرسول الله ﷺ ، وما استقاه أهل العلم من فوائده وأحكامه. ٧ - قد يخفى على المرأة الحكم الشرعي في أمر من عبادتها، ومسألة في دينها، ويعزّ عليها الاجتهاد والتماس النصوص الشرعية! فالمتعين هنا التورع عن العمل بلا علم، وأداء العبادة بلا هدى، ويلزمها سؤال الراسخين في العلم المعرفة الحق المبيّن، أخرج مسلم (١) من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن لي ابنة عريسا أصابتها حصبة فتمرق شعرها، أفأصله؟ قال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة». وانظر -وفقك الله- للهجة هذه الأم الحنون التي تفيء بظلال العاطفة والمحبة الوارفة، وهي تستأذن رسول الله ﷺ في وصل ابنتها الناقهة من المرض، حديثة العهد بالعرس، إن المشاعر الجيّاشة التي تضطرب في فؤاد تلك الوالدة، والرغبة الجامحة لتزيين بُنيتها، وتحقيق فرحتها، لم تسوِّغ لها ارتكاب المنكر … فلم تطب نفسًا بالوصل بحجة الجهل بالحكم، أو احتياج العروس إليه، بل أتت تستفي رسول الله ﷺ راضية بحكمه، مسلمة لأمره. وما أحوجنا في هذا العصر الذي شاع فيه حب الملذات، وإرضاء الشهوات بالمحرمات، أن نطوع أنفسنا، ونوطنها لما يرضي ربنا ، ونجعل هوانا تبعًا لسنة نبينا ﷺ حتى نحب ما يحبه، وندع ما يبغضه، مقتدين في ذلك بسلفنا الصالح. واختلف العلماء في «الوِصْلات» المحرمة والمباحة على أقوال، ومذهب الجمهور واختيار الطبري، والنووي، والمرّوزي، والمازري، وغيرهم منع وصل

стр. 256

الشعر بشيء آخر مطلقًا سواء كان شعرًا أو وبرًا أو صوفًا أو حريرًا أو خرقة ونحوها (١). ٨ - وحين يختلف الناس في حكم شرعي قد تبادر المرأة لفض النزاع، وقطع الاختلاف ببديهة حاضرة، وفطنة ظاهرة، أخرج البخاري (٢)، ومسلم (٣) من طريق عمير مولى عبد الله بن العباس، عن أم الفضل بنت الحارث: أن ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي ﷺ ، فقال بعضهم: هو صائم. وقال بعضهم: ليس بصائم. فأرسلت إليه بقدح لبن، وهو واقف على بعيره فشربه. واللفظ للبخاري. قال الحافظ: «وفيه تأسي الناس بأفعال النبي ﷺ ، وفيه البحث والاجتهاد في حياته ﷺ ، والمناظرة في العلم بين الرجال والنساء، والتحيل على الاطلاع على الحكم بغير سؤال، وفيه فطنة أم الفضل؛ لاستكشافها عن الحكم الشرعي بهذه الوسيلة اللطيفة اللائقة بالحال؛ لأن ذلك كان في يوم حر بعد الظهيرة» (٤). ولولا خشيت الإطالة لأوردت الكثير من أسئلة الصحابيات للنبي ﷺ ، لكني أحلتك في أوائل البحث على مليء، ومن أحيل على مليء فليحتل، ومن خلال صحبتي الماتعة في هذه الدراسة الحديثية لمست بوضوح ما كان عليه أمهات المؤمنين ونساء الصحابة من حسن الأدب مع توجيهات الرسول ﷺ ، وإنفاذها بطواعية،

стр. 257

ورضا تام، طمعًا في موافقة هديه، واغتنام مرضاته، وتعظيمًا لحرمات الله وحماية حدوده، وليس هذا في باب الواجبات والمحرمات فحسب، بل واظبن على متابعة سنته والانقياد لشرعته حتى في المستحبات والفضائل!!. ألا ترى رسول الله ﷺ لا يعظ النساء يوم العيد ويرغبهن في الصدقة (١)، فيشمرن عن ساعد الجد، وينافسن في البذل والسخاء مسارعات إلى حليهن بلا تثبط أو تلكؤ، يلقين بقلائدهن وخواتهن في ثوب بلال. ولا غرو إذ أن من صفة المؤمن سرعة الإجابة لأمر الله ورسوله، وامتثال النصيحة، والاعتبار بالموعظة، والمبادرة بالتوبة، ولزوم الحكم الشرعي، وهذه المتابعة تورث الحياة الأبدية، والسعادة السرمدية في جنان الرحمن، يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢).

стр. 258

المبحث الثالث: عناية السلف الصالح بتعليم النساء لقد حرص السلف الصالح على تعليم النساء، وضربوا بذلك سهمًا وافرًا، عرفه البعيد قبل القريب وكتب السير والتراجم أكبر شاهد على ذلك، يقول ابن الحاج: «وينبغي (أي: لولي الأمر) أن يتفقد أهله بمسائل العلم فيما يحتاجون إليه؛ لأنه جاءت فضائل في تعليم غيرهم طلبًا لثواب إرشادهم، فخاصته، ومن تحت نظره آكد؛ لأنهم رعيته، ومن الخاصة به كما في الحديث: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (١) فيعطيهم نصيبهم فيبادر لتعليمهم؛ لآكد الأشياء في الدين أولًا، وأنفعها وأعظمها؛ فيعلمهم الإيمان والإسلام، ويجدد عليهم علم ذلك وإن كانوا قد علموه، ويعلمهم الإحسان، ويعلمهم الوضوء، والاغتسال، وصفتهما، والتيمم، والصلاة، وما في ذلك كله من الفرائض والسنن والفضائل، وكل ما يحتاجون إليه من أمر دينهم الأهم فالأهم» (٢). ثم قال بعد أن فصّل ما يجب على أولياء الأمور من تعليم ما يعولون من النساء من أحكام شرعية تتعلق بالطهارة والصلاة والصيام وغير ذلك؛ قال: «فيحتاج العالم أن يتبتل لتعليم هذه الأحكام للكبير والصغير والذكر والأنثى قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ

стр. 259

وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) وقال ﵇: «النساء شقائق الرجال» (٢) فسوى بين الزوج والزوجة، والولد والعبد، والأمة في هذه الصفات الجميلة، وما زال السلف -رضوان الله عليهم- على هذا المنهاج بحد أولادهم وعبيدهم وإماءهم في غالب أمرهم مشتركين في هذه الفضائل كلها». ألا ترى إلى بنت سعيد بن المسيب ﵄ لما أن دخل بها زوجها و كان من أحد طلبة والدها، فلما أن أصبح، أخذ رداءه يريد أن يخرج، فقالت له زوجته: إلى أين تريد؟ فقال: إلى مجلس سعيد أتعلم العلم، فقالت له: اجلس أعلمك علم سعيد (٣). وكذلك ما روي عن الإمام مالك ﵀ حين كان يُقْرأ عليه «الموطأ» فإن لحن القارئ في حرف أو زاد أو نقص تدق ابنته الباب، فيقول أبوها للقارئ: ارجع فالغلط معك، فيرجع القارئ فيجد الغلط (٤). وكذلك ما حكي عن أشهب أنه كان في المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وأنه اشترى خضرة من جارية، وكانوا لا يبيعون الخضرة إلا بالخبز، فقال لها: إذا كان عشية حين يأتينا الخبز، فَأْتينا نعطك الثمن؛ فقالت: ذلك لا يجوز، فقال لها: ولم؟ فقالت: لأنه بيع طعام بطعام غير يد بيد. فسأل عن الجارية، فقيل له: إنها

стр. 260

جارية بنت مالك بن أنس رحمه الله تعالى. وعلى هذا الأسلوب كان حالهم، وإنما عينت من عينت تنبيهًا على من عداهم» (١). والمطالع لكتب التراجم يقف على كثير من المواقف المشرقة التي تدلل استجابة القوم لداعي الله ورسوله وإليك بعضها: أورد العلماء في ترجمة أبي بكر الكاشاني قصة تنبئ عن نبوغ بعض النساء في العلم، فقالوا: تفقه عليه الإمام أبو بكر السمرقندي وقرأ عليه معظم تصانيفه مثل «التحفة في الفقه» وغيرها من كتب الأصول، وزَوّجه شيخُه المذكور ابنته فاطمة الفقيهة العاملة، قيل: إن سبب تزويجه بابنته أنها كانت حسناء النساء، وكانت حفظت «التحفة» تصنيف والدها، طلبها جماعة من ملوك بلاد الروم، فامتنع والدها، فجاء الكاشاني، ولزم والدها واشتغل عليه، وبرع في علمي الأصول والفروع، وصنف «كتاب البدائع» وهو شرح «التحفة» وعرضه على شيخه؛ فازداد فرحًا به، وزوجه ابنته، وجعل مهرها منه ذلك؛ فقال الفقهاء في عصره «شرح تحفته، وزوجه ابنته» (٢). وقال اللكنوي في ترجمة السمرقندي أن زوجها كان يخطئ فترده إلى الصواب، وكانت الفتوى تأتي فتخرج وعليها خطها وخط أبيها، فلما تزوجت بصاحب «البدائع» كانت تخرج وعليها خطها، وخط أبيها، وخط زوجها (٣).

стр. 261

عائلة هي خاتمة أمراء المؤمنين في الحديث: الحافظ ابن حجر علم على رأسه نار في علم الحديث النبوي، يعرفه صغير طلاب الحديث قبل كبيرهم، وكتابه «فتح الباري» الذي أثنى عليه علماء عصره، ومن أثنى بعده، ولعل أبرز ثناء فيه وأوجزه قول الشوكاني: «لا هجرة بعد الفتح» (١). هذا العَلَم كانت له عناية فائقة بتدريس زوجاته وبناته الحديث النبوي، وبرز في عائلته غير واحدة ممن أتقنت هذا العلم، واشتهرت بالرواية، وإليك بيان ذلك: - أخته ست الركب بنت علي بن محمد بن محمد بن حجر العسقلانية (ت ٧٩٨ هـ) (٢) كانت قارئة كاتبة، أعجوبة في الذكاء، أثنى عليها، قال: «كانت أمي بعد أمي» وذكر شيوخها وإجازاتها من مكة ودمشق وبعلبك ومصر. وقد ذكر السخاوي تحصيلها وإجازاتها، وأفاد أن لها ابنة اسمها موز (ت ٨٥٠ هـ) أخذت عن خالها ابن حجر، وأخذ عنها السخاوي، ولكنها لم تعمّر، وماتت في حياة خالها، وصلى عليها رحمهم الله تعالى. - زوجته أُنْس ابنة القاضي كريم الدين عبد الكريم بن عبد العزيز ناظر الجيش (٣). كان الحافظ ابن حجر حريصًا أشد الحرص على نشر العلم بين أهل بيته وأقاربه كحرصه على نشر العلم بين الناس، ومن بين الذين حرص عليهم زوجته

стр. 262

أُنْس، وقد أسمعها من شيخه حافظ عصره عبد الرحيم العراقي الحديث المسلسل بالأولية، وكذا أسمعها إياه من لفظ العلامة ابن الكويك، وأجاز لها باستدعاء عدد من الحفَّاظ؛ منهم: أبو الخير ابن الحافظ العلائي، وأبو هريرة عبد الرحمن بن الحافظ الذهبي، ولم تكن الاستدعاءات لها لتقتصر على المصريين فقط، بل من الشاميين والمكيين واليمنيين. وقد لمع نجم أُنْس هذه في علم الرواية في حياة زوجها، وكان في بعض الأحايين يداعبها بقوله: «قد صرت شيخة» وكان زوجها يكن لها الاحترام الكبير، كما كانت عظيمة الرعاية له. وقد حدثت بحضور زوجها، وقرأ عليها الفضلاء، وكانت تحتفل بذلك، وتكرم الحاضرين، وقد خرج لها السخاوي أربعين حديثًا عن أربعين شيخًا، وقرأها عليها بحضور زوجها، وكانت كثيرة الإمداد للعلامة إبراهيم بن خضر بن أحمد العثماني (٨٥٢ هـ) العلامة المتفنن الذي كان يقرأ لها «صحيح البخاري» في رجب وشعبان من كل سنة، وتحتفل يوم الختم بأنواع من الحلوى والفاكهة، ويهرع الصِّغار والكبار إلى حضور ذلك اليوم قبيل رمضان بين يدي زوجها الحافظ، ولما مات الحافظ ابن خضر، قرأ لها سبطها يوسف بن شاهين، ولم تضبط لها هفوة ولا زلة. - ابنته زين خاتون (ت ٨٣٣ هـ) (١): اعتني بها أبوها، واستجاز لها في سنة ولادتها (٨٠٢ هـ) وما بعدها، وأسمعها على شيوخه كالعراقي والهيثمي، تعلمت القراءة والكتابة، وولدت يوسف بن شاهين المعروف بـ (سبط بن حجر) الذي كانت له عناية بكتب جده،

стр. 263

وكتب من أماليه، وصنف ونسخ كتب ابن حجر، ولم تظهر لابنته زين خاتون رواية ولم تشتهر بذلك لوفاتها شابة سنة (٨٣٣ هـ) عن نحو ثلاثين سنة بالطاعون، وهي حامل رحمها الله تعالى. - ابنته فرحة (ت ٨٢٨ هـ): استجاز لها أبوها مع أمها، واعتنى بها، وأسمعها من مشايخه. - ابنتاه فاطمة وعالية كلاهما (ت ٨١٩ هـ) بالطاعون، استجاز لهما أبوهما ابن حجر من جماعة. - ابنته رابعة (ت ٨٣٢ هـ): اسمعها والدها على المراغي بمكة سنة ٨١٥ هـ، وأجاز لها جمع من الشاميين والمصريين. ولم تشتهر بنات الحافظ ابن حجر بالرواية كما اشتهر بها والدهن وأمهن، وذلك بسبب وفاة معظمهن في سن مبكرة في الطاعون (١). هل رأيت بيتًا نبغ نساؤه في الحديث النبوي، وشارك بعضهن في التدريس والرواية، دون جهد بذله صاحبه، لقد حرص الحافظ على نسوة بيته مع كثرة أشغاله، وتعدد مجالسه، ونفاسة مؤلفاته، فلله دره، رحمه الله تعالى. عناية قاض ببناته وحفيداته: ذكر القاضي عياض (٢) في ترجمة عيسى بن مسكين أنه كان يدعو ابنتيه وبنات

стр. 264

أخيه ليعلمهن القرآن والعلم. قال القاضي: وكذلك كان يفعل فاتح صقلية أسد بن الفرات بابنته أسماء التي نالت من العلم درجة كبيرة. وروى الخشني أن مؤدبًا كان بقصر الأمير محمد بن الأغلب، وكان يعلم الأطفال بالنهار، والبنات بالليل. وقد كانوا لا يجهزون العروس إلا ومعها بعض الكتب الشرعية النافعة، وذكر الإمام الذهبي أن البكر كان في جهازها عند زفافها نسخة من كتاب «مختصر المزني» (١). وبعد ومضة سريعة من هدي سلفنا الصالح، تقف متعجبًا من تغير أهل الزمان، والبعد عن مشكاة النبوة وهدي السلف الصالح، فترى طالب العلم قد حوى صدره أسفارًا من الكتب النافعة، بل وضرب بسهمه في التدريس والتأليف، وبيته قفر، وأهل بيته يجهلون كثيرًا من مهمات الدين، وأصول الشريعة، فأين مقتفي الأثر؟ أم أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم؟ نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 265

المبحث الرابع: صور مشرقة للمرأة في طلب العلم لقد ضارعت المرأة المسلمة أفذاذ الرجال للنهل من مشكاة النبوة، وزاحمت الرجال في التدريس والرواية، يدل على ذلك سجل حافل فخم من أعلام النساء، يعجز عن استقصائه العصبة أولو القوة، ولو ذهب باحث يسلسل حلقاته التي احتلت أولاها أمهات المؤمنين، ومن تتابع منهن من لدن عصر الرسول ﷺ إلى يومنا هذا ما كفاه عمره وإن طال، وقد مضى الإلماح إلى بعضهن في المبحث السابق، وقبل أن أبدأ بسرد بعض عالمات الأمة، أومئ إلى مفخرة انفردت بها الراويات عن الرواة، إذ وقع الكذب كثيرًا في حديث رجال كثيرين ممن انتسبوا لرواية أحاديث رسول الله ﷺ ، أما النساء فعلى الرغم م ن كثر من في الرواية فلم يقع منهن تعمد الكذب في حديث رسول الله ﷺ ، وهذه شهادة إمام الجرح والتعديل في عصره الحافظ الناقد الإمام الجهبذ شمس الدين الذهبي حيث يقول في أول قسم النساء في كتابه «ميزان الاعتدال في نقد الرجال» (١): «وما علمت في النساء من أهمت ولا من تركوها». ولم أعثر على من صنفت من النساء الراويات بالتدليس أو الاختلاط أو التلقين، وهذه مفخرة بحق لنا معاشر النساء. وأولى عالمات الأمة، أم المؤمنين عائشة ﵂:

стр. 266

وهي أجدر النساء بالتنويه والعناية، وقد عدّت من المكثرين من الرواية، وعدّها بعضهم من السبعة المكثرين من رواية الحديث، وأنشدوا فيهم: سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا … من الحديث عن المختار خير مضر أبو هريرة سعد جابر أنس … صديقة وابن عباس كذا ابن عمر (١) وقد بلغ عدد ما روت ألفين ومائتين وعشرة أحاديث، وأخرج لها الشيخان سبعةً وتسعين ومائتين حديثٍ غالبها في الأحكام (٢). قال الحاكم أبو عبد الله: فحُمِل عنها ربع الشريعة. وقال أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه ﵁: ما أشكل علينا أصحاب محمد أمر قط فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا (٣). وقال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألوها عن الفرائض، وقد برعت في العلم على اختلاف أنواعه وضروبه، وسألها ابن أختها عروة ذات يوم فقال لها: يا أمتاه، لا أعجب من فقهك، أقول: زوجة رسول الله ﷺ وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول: ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب، كيف هو، ومن أين هو؟ قال: فضربت عائشة على منكبه، وقالت: يا عُرَيَّة إن رسول الله ﷺ كان يسقم عند آخر عمره، فكانت تقدم وفود العرب من كل وجه؛ فتنعت له الأنعات، وكنت أعالجها؛ فمن ثم؟ (٤).

стр. 267

ولا يتسع المقام لسرد فضلها ﵂. ولكن لعلي فيما ذكرت أومئ إلى المرحلة السامية التي بلغتها المرأة المسلمة حتى أصبحت مرجعا علميا المشيخة أصحاب محمد ﷺ الأكابر، يرجعون إليها فيما استشكل من أمور الدين. عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة (١): تربية عائشة وتلميذها، كانت عالمة فقيهة حجة كثيرة العلم، حدَّثت عن عائشة وأم سلمة. قال القاسم بن محمد لابن شهاب: يا غلام أراك تحرص على طلب العلم؛ أفلا أدلك على وعائه؟ قلت: بلى. قال: عليك بعمرة؛ فإنها كانت في حجر عائشة، قال: فأتيتها فوجدتها بحرًا لا يُنْزَف. وقال عمر بن عبد العزيز: ما بقي أحد أعلم بحديث عائشة من عمرة. واختلفوا في سنة وفاتهما، قيل: توفيت سنة ثمان وتسعين، وقيل: توفيت سنة ست ومئة. حفصة بنت سيرين، أم الهذيل الفقيهة الأنصارية (٢): سيدة من سيدات التابعيات، قال ابن أبي داود: وأما سيدات التابعيات: فحفصة بنت سيرين، وعمرة بنت عبد الرحمن، وأم الدرداء الصغرى. قرأتْ القرآن وهي بنت ثنتي عشرة سنة، قال إياس بن معاوية: ما أدركت أحدًا أفضله عليها، فذكروا له الحسن وابن سيرين، فقال: أما أنا؛ فما أفضل عليها

стр. 268

أحدًا. توفيت بعد المائة. أم الدرداء الصغرى هُجَيْمة -ويقال: جُهَيْمة-: الأوصابية الحميرية الدمشقية (١)، فقيهة كبيرة، وعالمة عاملة، واسعة الاطلاع، كثيرة الرواية، نعتها الذهبي فقال: «السيدة العالمة الفقيهة» روت علمًا جمًّا عن زوجها أبي الدرداء وعائشة وطائفة. وحدث عنها جماعة من مشاهير الرواة، مثل: جبير بن نفير، وأبي قِلابة الجَرْمي، عرضت القرآن وهي صغيرة على زوجها أبي الدرداء، وطال عمرها، واشتهرت بالعلم والعمل والزهد. توفيت بعد سنة إحدى وثمانين رحمها الله. وغيرهن كثير، وقد اعتني بذكرهن، وقارب على استيعابهن، والإشارة إلى شيوخهن، ومن روى عنهن ابن حبان في كتابه «الثقات» فراجعه لترى ما قدمته المرأة المسلمة من خدمة للإسلام وأهله (٢). وفي غضون المائة الثانية والثالثة اشتهرت غير واحدة من النساء بالعلم (٣)، ومن أشهرهن عابدة المدنية (٤): من المكثرات لرواية الحديث، روت عن مالك بن أنس وغيره من علماء

стр. 269

المدينة، فأكثرت. حتى قال بعض الحفاظ: «إنها تروي عشرة آلاف حديث» وقال ابن الأبار: «إنما تسند حديثًا كثيرًا». عُلَيَّة بنت حسان (١): وإليها ينسب المحدث المشهور إسماعيل بن علية، ومن مفاخر النساء وفضلهن أن كثيرا من مشاهير المحدثين والشعراء وغيرهم ينسب إليهن، وقد جمع أسماء من نسب إلى أمه الفيروزبادي في «تحفة الأبيه فيمن نسب إلى غير أبيه» كانت علية امرأة نبيلة عاقلة، لها دار بالكوفة تعرف بها، وكان صالح المريّ وغيره من وجوه أهل البصرة وفقهائها يدخلون عليها، فتبرز لهم تحدثهم وتسائلهم. • وفي غضون المائة الرابعة، وبعد أن ألفت الكتب المهمة في هذه الفترة ترى كثيرًا من المحدثات قد تضلعن بهذه الكتب، وحذقن فيها، وكانت لهن يد في تدريسها أيضًا، ومن أشهر من امتزن بذلك: فاطمة بنت عبد الرحمن (ت ٣١٢ هـ): وفاطمة بنت أبي داود وكانت تملي حديث رسول الله ﷺ في مجلس الإملاء من حفظها (٢)، وأمة الواحد بنت المحاملي الحسين بن إسماعيل (ت ٣٧٧ هـ) وكانت تفتي مع أبي علي بن أبي هريرة، وكانت من أحفظ الناس للفقه، وروى عنها الحسن بن محمد الخلال (٣). • وفي غضون المائة الخامسة برزت شيخة الحديث في عصرها، وراوية

стр. 270

البخاري كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المَرْوَزِيَّة (١): فقد كانت ركنًا ركينًا للحديث، وحضر درسها العلماء الكبار الفطاحل كالخطيب البغدادي، والمحدث الشهير أبي عبد الله محمد بن نصر المعروف بالحميدي، والمؤرخ الشهير أبي المحاسن المصري، والنسّابة المحدث السمعاني، كل من ذُكِر كانوا من جناة ثمارها العلمية، حتى إن محدث هراة أبا ذر ﵀ قد وصّى الطلبة ألّا يأخذوا الجامع الصحيح إلا عنها. قال أبو بكر بن منصور السمعاني: سمعت الوالد يذكر كريمة ويقول: وهل رأى إنسان مثل كريمة؟ ماتت بكرًا لم تتزوج سنة ثلاث وستين وأربعمائة للهجرة. • وممن اشتهر علمها وتدريسها زينب بنت مكي الحرانية (٦٨٨ هـ) كان يحضر در سها عدد كثير من الطلبة، وقد ألقت الخطب على المسند للإمام أحمد بن حنبل (٢). وزينب بنت أحمد الكمال (٣) (ت ٧٤٠ هـ): قد أجاز لها خلق من البغادِدَة وغيرهم، وتفردت وطال عمرها، واشتهر ذكرها، نعتها الذهبي بقوله: «شيخة صالحة متواضعة خيِّرة، متودِّدة، كثيرة المروءة، لم تتزوج» وقال: «توفيت … عن أربع وتسعين ونزلوا بموتها درجة». ودرّست زينب هذه مسند أبي حنيفة، والشمائل للترمذي، وشرح معاني الآثار

стр. 271

للطحاوي، وقد أخذت معاني الآثار عن محدِّثة تعرف بعجيبة بنت أبي بكر. وعجيبة (١) هذه الشيخة المسندة أخذت عن جماعة كثر، وخرجوا لها مشيخة في عشرة أجزاء، وتفردت في الدنيا، ومن مسموعها: مختلف الحديث للشافعي، وتاريخ البخاري الكبير كلاهما عن عبد الحق اليوسفي، وقرأ عليها بعض كتب الحديث الرحّال الشهير ابن بطوطة حين كان بدمشق (٢). وأخذ محدث دمشق ووحيدها في فن السيرة ابن عساكر، الذي روى الحديث عن مئتي وألف محدث، وعن ثمانين محدثة، عن المحدثة زينب بنت عبد الرحمن «الموطأ» للإمام مالك (٣)، وقرأ السيوطي كتاب «الرسالة» للإمام الشافعي على هاجر بنت محمد المحدّثة (٤). وإن رُمْتَ المزيد لتشنيف سمعك بما ستقرأ، وتكحيل عينك بما سترى فما عليك إلا مراجعة ما كتبه الشيخ الفاضل أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان في كتابه صغير الحجم كبير القدر «عناية النساء بالحديث النبوي» فجزاه الله عن محدثات النساء خيرًا، وجعله له ذخرًا. ولا أدل على أن الأمة لن تعدم من نسائها خيرًا ما قاله الأستاذ عبد الله العفيفي: «وأكثر ما عرف به الممتازات من نساء المغرب الأقصى حفظ القرآن الكريم بقراءاته جميعًا، ورواية الحديث، ودرس الفقه والأصول، وما إلى هذه من علوم الدين، ويذكر أهل ذلك الإقليم ثمانين امرأة من نساء المغرب جمعن إلى النفاذ

стр. 272

في ذلك كله حفظ «مدونة الإمام مالك بن أنس» وهي أكبر المطوّلات الجامعة في الحديث والفقه» (١). وأنهن لازلن يشاركن الرجل في الطلب، ويزاحمنه في التعليم اكتظاظ أقسام الدراسات العليا في جميع التخصصات على السواء بالمؤمنات، وما تحويه المكتبات من تحقيقات ومؤلفات أسهمن بها، وفوز اثنتين منهن في مسابقة الأمير نايف العالمية العام الماضي؛ هو أكبر دليل على عطاءات المرأة العلمية. فزاد الله أخواتي المؤمنات علمًا وعملًا. فأي سفر من أسفار الحديث عري من ذكرهن؟ وأي مكتبة لم تتزين رفوفها بسيرتهن؟ وأين هذا كله، مما حدث في الغرب الذين زعموا تحرير المرأة، وتاريخهم زاخر بأنواع ظلمها، وقد حدث أن صدر قرار في عهد هنري الثامن (ملك إنجلترا) يحظر على المرأة أن تقرأ كتاب العهد الجديد (٢). فأين هذا من وضع الصحابة المصحف الأول الذي كتب في خلافة أبي بكر عند امرأة، وهي حفصة أم المؤمنين؟ ولم تبرع النساء في العلوم الشرعية فحسب بل كانت لهن شهرة عظيمة في الطب بَارَيْنَ فيها أكابر الأطباء، وقد أورد القفطي بعضهن في «تاريخ الحكماء»، ولسان الدين بن الخطيب في «الإحاطة في تاريخ غرناطة» كما ترجم ابن أبي أصيبعة لبعضهن في مؤلفه «طبقات الأطباء» وسأذكر من النساء اللواتي برعن في علم الطب:

стр. 273

زينب طبيبة بني داود: وهي أشهر طبيبة ذكرها تاريخ العرب، وكانت تحسن الطب الداخلي إلى جانب الجراحة. أم الحسن بنت القاضي أبي جعفر الطنحالي: كانت امرأة واسعة الاطلاع، كثيرة المعارف، أجادت عدة علوم مع الطب، ولكنها كانت في الطب أبرز وأشهر. أخت الحفيد ابن زهر وابنتها: كانتا عالمتين بصناعة الطب والمداواة، ولهما خبرة جيدة في مداواة النساء، وكان «المنصور» لا يقبل بغيرهن لمداواة نسائه (١). ولا نزال نذكر موقف فاطمة يوم أحد لما أحرقت الحصير لتعالج به رسول الله ﷺ ، فيستفيد من خبرتها ﵂ الأطباء، ويبوب على جمسل صنعها المحدثون، أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الطب، باب: حرق الحصير ليسد به الدم (٢) من حديث سهل بن سعد قال: لما كسرت على رأس رسول الله ﷺ البيضة، وأدمي وجهه، وكسرت رباعيته، وكان علي يختلف بالماء في المحن، وجاءت فاطمة تغسل عن وجهه الدم، فلما رأت فاطمة ﵍ الدم يزيد على الماء كثرة، عمدت إلى حصير فأحرقتها، وألصقتها على جرح رسول الله ﷺ ، فرقأ الدم (٣). ولولا خشية الإطالة لأوردت العلوم الجمة التي ضربت فيها النساء المسلمات بسهم وافر، فلله الحمد والمنة.

стр. 274

المبحث الخامس: حكم تعليم المرأة وبعد أن قدمت بين يدي هذا المبحث ما مضى، أعتقد أنك ستصل معي أيّها القارئ الكريم إلى أن تعليم النساء ما يعود عليهن وعلى مجتمعهن بالنفع أمر رغب فيه الإسلام، ودعا إليه الكتاب والسنة، ولذا فإن الفقهاء قسموا ما تتعلمه المرأة إلى نوعين: ١ - فرض عين: وهو الذي تُصْلح به عبادتها وعقيدتها وسلوكها، وتحسن به تدبير منزلها، وتربية أولادها إن كان العرف يلزم أمثالها التدبير والتربية. ٢ - فرض كفاية: وهو ما تحتاج إليه الأمة كالطب، والتمريض، والتعليم. فإذا كانت الأمة بحاجة مثلًا إلى طبيبات الأمراض النساء والطفولة، وتمريض النساء، ومدرسات لتعليم الفتيات لزم إعداد عدد كاف من الطبيبات والممرضات والمدرسات، قد ضُبِط تعليمهن بالضوابط الشرعية ليكفين حاجة الأمة (١). وأما ما يسمونه اليوم علمًا وقد عظمت فرية، وكبرت جريمة على العلم وأهله كالرقص والتمثيل والموسيقى وسميت فنونًا، وفتحت لها المعاهد والكليات، وصار لأهلها شهرة، وغدا شباب الأمة يركضون خلف كل ساقط وساقطة إلا من رحم الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإن المسلم والمسلمة يحرم عليهم تعلم الخبث، ويكرمون عن مواقعة الدنس، ونظرة في عالم الفن تحد أهله أتعس الناس، فلا حياة أسرية استقروا فيها، ولا نهاية مرضية ختموا أعمارهم بها، فالحمد لله الذي عافانا مما

стр. 275

ابتلاهم به، وفضلنا على كثير من عباده تفضيلًا، وأسأل الله أن يرد ضال المسلمين، ويصلح أحوالهم. ومن أجمل ما قرأت فيما يتعلق بالموضوع، ما تكلم به الشيخ محمد عطية سالم في تتمة «أضواء البيان»: «وأمّا تعليم النساء؛ فليس محل خلاف، والواقع أن هذه المسألة واضحة المعالم، إذا نظرت كالآتي: لا شك أن العلم من حيث هو خير من الجهل، والعلم قسمان: الأول: علم سماع وتلقي، وهذه سيرة زوجات رسول الله ﷺ ، عائشة كانت القدوة الحسنة في ذلك في فقه الكتاب والسنة، وكم استدركت على الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهذا مشهور ومعلوم. والثاني: علم تحصيل بالقراءة والكتابة، وهذا يدور مع تحقق المصلحة من عدمها، فمن رأى أن تعليمهن مفسدة منعه». قلت: والحكم في الثاني ينسحب على الرجل أيضًا؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا. وقد ورد نص في مسألة تعليم النساء الكتابة يحسم به الخلاف، ويعاد إليه؛ إذ أن كلًا يؤخذ من قوله ويرد إلا رسولنا ﷺ ، أخرج ابن أبي شيبة في المصنف (١)، وأحمد في المسند (٢)، وأبو داود في السنن (٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤)،

стр. 276

والنسائي في الكبرى (١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢)، والطبراني في الكبير (٣) من طرق عن عبد العزيز بن نمر بن عبد العزيز، عن صالح بن كَيْسان، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن سليمان بن أبي حَثْمة، ع ن الشفاء بنت عبد الله، قالت: دخل علينا النبي ﷺ ، وأنا عند حفصة فقال لي: «ألا تعلِّمين هذه رقية النملة (٤)، كما علمتيها الكتابة» واللفظ لأحمد. قلت: رجاله ثقات رجال الشيخين، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٥). وذهب الخطابي (٦)، والشوكاني (٧) إلى جواز تعليم النساء الكتابة. • وأمّا ما يستدل به العوام، وهو قوله «لا تنزلوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن الغزل وسورة النور».

стр. 277

فقد أخرجه الطبراني في الأوسط (١)، والحاكم في المستدرك (٢)، والبيهقي في الشعب (٣) من حديث عائشة ﵂ قال ابن الجوزي في الموضوعات (٤): «لا يصح، وقد ذكره أبو عبد الله الحاكم النيسابوري في صحيحه، والعجب كيف خفي عليه أمره. قال أبو حاتم بن حبان (٥): كان محمد بن إبراهيم الشامي يضع الحديث على الشاميين، لا تحل الرواية عنه إلا عند الاعتبار، روى أحاديث لا أصول لها من كلام رسول الله ﷺ ، لا يحل الاحتجاج به» وذكره ابن عراق الكناني في تنزيه الشريعة (٦)، وقال الألباني عنه: موضوع (٧). قال صاحب التراتيب الإدارية (٨): «أورد القلقشندي أن جماعة من النساء كن يكتبن، ولم ير أن أحدًا من السلف أنكر عليهن». وقال الشيخ محمد عطية سالم: «فقد رأيت بنفسي وأنا مدرس بالأحساء نسخة لسنن أبي داود عند آل المبارك، وعليها تعليق لأخت صلاح الدين الأيوبي» (٩). ولا تعجب إن كان في بني جلدتنا من يتمسك بمثل هذه الموضوعات، ثم هو

стр. 278

يردد أشعارًا، السنة منها براء كقول المعري: علموهن الغزل والنسج والـ … ردن وخلوا كتابة وقراءة فصلاة الفتاة بالحمد والإخلاص … تجزي عن يونس وبراءة ومثله ما قال المنفلوطي: يا قوم لم تخلق بنات الورى … للدرس والطرس وقال وقيل لنا علوم ولها غيرها … فعلموها كيف نشر الغسيل والثوب والإبرة في كفها … طرس عليه كل خط جميل (١) ومن هنا يتبين أن على المرأة أن تتعلم أنواع العلوم التي تعود عليها بالنفع في دينها ودنياها، ولا تتصادم مع أنوثتها، أو تؤثر في مسؤوليتها ووظيفتها الأولى، أو تجعلها تتنازل عن ضابط شرعي لأجل أيّ علم كان. يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي: «وإذا نظرنا إلى جنس انْقَسم إلى نوعين، فيجب أن نقول: إنه لم ينقسم إلى نوعين إلّا لأداء مهمتين، وإلّا لو كانت المهمة واحدة لظل الجنس واحدًا، ولم ينقسم إلى نوعين، فانقسامه إلى نوعين دلّ على أن كل نوع له خصوصية في ذاته، والجنس يجمعهما، وضرب لذلك مثلًا الليل والنهار كنوعين لجنس واحد هو الزمن، هذا التنوع أدى أن يكون لليل مهمة هي: السكن، وأن يكون للنهار مهمة هي: السعي والكدح. والرجل والمرأة بهذا الشكل نوعان لجنس هو الإنسان، فكأن هناك أشياء تطلب من كل منهما كإنسان، وبعد ذلك أشياء تطلب من الرجل كرجل، ومن المرأة كامرأة، بحيث نستطيع أن نقول إنهما كنوعين من الجنس لهما مهمات مشتركة

стр. 279

كجنس، ومهمات مختلفة كنوعين» (١) ولهذا فإنه لا بد أن تنوع ثقافة كل من الرجل والمرأة خصوصًا في مرحلة المراهقة، وهي المرحلة التي يكون ظهور الخصائص النوعية لكل من الرجل والمرأة أظهر من سابقتها، وباعتبارها المرحلة التمهيدية؛ لأن يباشر الرجل مهامه زوجا، وتباشر المرأة مهامها زوج وربة بيت، فتعتمد ثقافة المرأة على ما يؤهلها لأن تكون أمًّا وربة بيت، فتعن بأنواع العلوم المساعدة لها في مهمتها التربوية، بالإضافة إلى العلوم الأساسية التي تعينها على أمور دينها ودنياها. يقول الشيخ محمد عطية سالم في تتمة أضواء البيان (٢): «ويجب أن تكون النظرة لهذه المسألة على ضوء واقع الحياة اليوم وفي كل يوم، وقد أصبح تعليم المرأة من متطلبات الحياة، ولكن المشكلة تكمن في منهج تعليمها، وكيفية تلقيها العلم. فكان من اللازم أن يكون منهج تعليمها قاصرًا على النواحي التي يحسن أن تعمل فيها كالتعليم والطب وكفى». أما كيفية تعليمها؛ فإن مشكلتها إنما جاءت من الاختلاط في مدرجات الجامعات (٣)، وفصول الدراسة في الثانويات في فترة المراهقة وقلة المراقبة، وفي هذا يكمن الخطر منها وعليها في آن واحد، وما دام أنه لا بد من تعليمها فلا بد أيضًا من المنهج الذي يحقق الغاية منه ويضمن السلامة فيه، والتوفيق من الله.

стр. 280

الفصل الخامس حق المرأة في الفتوى

стр. 281

الفصل الخامس حق المرأة في الفتوى ما تقدم في فصل حق المرأة في التعليم يُظْهِرُ ما بلغته النساء المؤمنات من مكانة سامَيْنَ بما فحول الرجال، وفطاحل العلماء، فمن الطبعي أن تكون تلك العالمة مفتية بما تدين الله به، وبما تعلمه من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، والإفتاء عظيم الخطر، كبير الوقع؛ لأن المفتي قائم بفرض الكفاية، مخبر عن حكم الله، ولهذا قالوا المفتي موقِّع عن الله تعالى (١)، ولقد تسنم المفتون من الأمة سنام السناء، وكانوا قرّة الأعين لها، ولا تخلو الأرض من قائم بالحجة إلى أوان الانتهاء، يستوي في ذلك الرجال والنساء. يقول النووي ﵀ في آداب الفتوى (٢): «شرط المفتي كونه مكلفًا مسلمًا، ثقة، مأمونًا، متنزهًا عن أسباب الفسق وخوارم المروءة، فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف، والاستنباط متيقظًا سواء فيه الحر، والعبد، والمرأة، والأعمى، والأخرس إذا كتب أو فهمت إشارته». وقال الشهر زوي: «ولا يشترط في المفتي الحرية والذكورة» (٣). بل إن ابن القيم ﵀ عد من المكثرين من الفتيا أم المؤمنين عائشة -رضي الله

стр. 282

عنها-، ومن المتوسطين في الفتيا أم سلمة، ومن المقلين من الفتيا عدّ نسوة كثرًا منهن: أم عطية، وأم المؤمنين صفية، وحفصة، وأم حبيبة، وليلى بنت قائف، وأسماء بنت أبي بكر، وأم شريك، والحولاء بنت تويت، وعاتكة بنت زيد، وسهلة بنت سهيل، وغيرهن رضوان الله عليهن (١). وعلى رأس مفتيات النساء تحتل أم المؤمنين عائشة قمة الجبل الشامخ، وكانت بحرًا لا تكدره الدلاء، قال مسروق: لقد رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ يسألونها عن الفرائض. وقال أبو موسى الأشعري: ما أشكل علينا أصحاب محمد ﷺ حديث قط، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا. وألف الزركشي كتابًا في استدراكات أم المؤمنين عائشة ﵂ على الصحابة، اسمه: الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة. وقد تقدم ذكر بعض المحدثات من النساء، وتتلمذ كبار المحدثين على أيديهن، مما يدل دلالة عظمى على ضلوعهن في التعليم والفتوى، وسأضرب بعض الأمثلة على ذلك؛ إذ بالمثال يتضح المقال، وقد وجدتي أمام قدْر هائل منها؛ لكني سأوثر الاختصار: ١ - أخرج مسلم في صحيحه (٢) من طريق عبد الله بن شهاب الخولاني قال: كنت نازلًا على عائشة، فاحتلمت في ثوبيَّ، فغمستهما في الماء، فرأتني جارية لعائشة، فأخبرتها. فبعثت إليّ عائشة، فقالت: ما حملك على ما ص نعت بثوبيك؟ قال: قلت:

стр. 283

رأيت ما يرى النائم في منامه؟ قالت: هل رأيت فيهما شيئًا. قلت: لا. قالت: فلو رأيت شيئًا غسلته، لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله ﷺ يابسًا بظفري. لقد أفتت أم المؤمنين عائشة ﵂ لعبد الله بطهارة المني (١)، ودلته على ما يصنع إن رأى شيئًا منه بغسله أو حكه، وفي الحديث تفقد أحوال الضيف، وسؤاله عن ما يستنكر من حاله، وفيه تأخير الإنكار حتى يتبين حجة المنكر عليه. ٢ - بل كان أصحاب رسول الله ﷺ يأمَّون بيوت نسائه للسؤال والفتيا، أخرج مسلم (٢) من طريق عبد الله بن قيس قال: سألت عائشة عن وتر رسول الله ﷺ فذكر الحديث. قلت: كيف كان يصنع في الجنابة، أكان يغتسل قبل أن ينام، أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة. ٣ - وقد مضى فيما تقدم (٣) إنكار أم المؤمنين عائشة على فتيا عبد الله بن عمرو بأمر النساء بنقض رؤوسهن عند غسل الجنابة، أخرج مسلم من طريق عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن. فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن! لقد كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء

стр. 284

واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات. وكذلك مرّ بنا (١) إنكار ميمونة على ابن أختها عبد الله بن عباس اعتزاله فراش زوجته الحائض، وإخباره عن هدّيه ﷺ . ٤ - وهذه نصوص توقفنا على دور المرأة في تحقيق المسائل العلمية، وحسم الخلاف بالدليل: أ- أخرج مسلم (٢) من حديث أبي موسى قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار. فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء. وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت، فاستأذنت على عائشة، فأذن لي. فقلت لها: يا أماه أو يا أم المؤمنين إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك. فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك. قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ : «إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان فقد وجب الغسل». لقد قطعت أم المؤمنين الاختلاف بما لديها من علم، وانظر إلى أدب الصحابة الجم في الحوار والسؤال، لقد قدَّم أبو موسى بين يدي سؤاله بعبارة لطيفة مهذبة ليعطي المسؤول تصورًا عن طبيعة ما سيسأله، فتأتي فطنة أم المؤمنين ﵂ بقولها: لا تستحي أن تسألي عما كنت سائلًا أمك عنه … ثم تفي بفتوى تقطع بها الخلاف العلمي، وذهب جمهور العلماء إلى ما أفتت به أم المؤمنين وهو

стр. 285

وجوب الغسل إذا مس الختان الختان ولو لم ينزل (١). ب- ما أخرج البخاري (٢)، ومسلم (٣) من طريق سليمان بن يسار قال: إن أبا سلمة بن عبد الرحمن، وابن عباس اجتمعا عند أبي هريرة، وهما يذكر ان المرأة تنفس بعد وفاة زوجها بليال، فقال ابن عباس: عدا آخر الأجلين. وقال أبو سلمة: قد حلت. فجعلا يتنازعان ذلك، قال: فقال أبو هريرة أنا مع ابن أخي -يعني أبا سلمة- فبعثوا كريبًا مولى ابن عباس إلى أم سلمة يسألها عن ذلك، فجاءهم فأخبرهم أن أم سلمة قالت: إن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال، وإنما ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأمرها أن تتزوج. واللفظ لمسلم. لقد أرسل حبر الأمة، وراويها، وكبير تابعي عصره إلى أم المؤمنين أم سلمة لتحسم الخلاف بالنص، فتذكر الدليل على انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل، قال النووي: «فأخذ بهذا جماهير العلماء من السلف والخلف فقالوا عدة المتوفي عنها بوضع الحمل، حتى ولو وضعت بعد موت زوجها بلحظة قبل غسله انقضت عدتها» (٤). جـ- ما أخرج مسلم (٥) في صحيحه عن طاووس؛ قال: كنت مع ابن عباس؛ إذ قال زيد بن ثابت: تفي أن تصدر (أي: ترجع) الحائض قبل أن يكون آخر عهدها
следующие страницы →