← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الفصل الخامس حق المرأة في الفتوى ما تقدم في فصل حق المرأة في التعليم يُظْهِرُ ما بلغته النساء المؤمنات من مكانة سامَيْنَ بما فحول الرجال، وفطاحل العلماء، فمن الطبعي أن تكون تلك العالمة مفتية بما تدين الله به، وبما تعلمه من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، والإفتاء عظيم الخطر، كبير الوقع؛ لأن المفتي قائم بفرض الكفاية، مخبر عن حكم الله، ولهذا قالوا المفتي موقِّع عن الله تعالى (١)، ولقد تسنم المفتون من الأمة سنام السناء، وكانوا قرّة الأعين لها، ولا تخلو الأرض من قائم بالحجة إلى أوان الانتهاء، يستوي في ذلك الرجال والنساء. يقول النووي ﵀ في آداب الفتوى (٢): «شرط المفتي كونه مكلفًا مسلمًا، ثقة، مأمونًا، متنزهًا عن أسباب الفسق وخوارم المروءة، فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف، والاستنباط متيقظًا سواء فيه الحر، والعبد، والمرأة، والأعمى، والأخرس إذا كتب أو فهمت إشارته». وقال الشهر زوي: «ولا يشترط في المفتي الحرية والذكورة» (٣). بل إن ابن القيم ﵀ عد من المكثرين من الفتيا أم المؤمنين عائشة -رضي الله

стр. 282

عنها-، ومن المتوسطين في الفتيا أم سلمة، ومن المقلين من الفتيا عدّ نسوة كثرًا منهن: أم عطية، وأم المؤمنين صفية، وحفصة، وأم حبيبة، وليلى بنت قائف، وأسماء بنت أبي بكر، وأم شريك، والحولاء بنت تويت، وعاتكة بنت زيد، وسهلة بنت سهيل، وغيرهن رضوان الله عليهن (١). وعلى رأس مفتيات النساء تحتل أم المؤمنين عائشة قمة الجبل الشامخ، وكانت بحرًا لا تكدره الدلاء، قال مسروق: لقد رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ يسألونها عن الفرائض. وقال أبو موسى الأشعري: ما أشكل علينا أصحاب محمد ﷺ حديث قط، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا. وألف الزركشي كتابًا في استدراكات أم المؤمنين عائشة ﵂ على الصحابة، اسمه: الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة. وقد تقدم ذكر بعض المحدثات من النساء، وتتلمذ كبار المحدثين على أيديهن، مما يدل دلالة عظمى على ضلوعهن في التعليم والفتوى، وسأضرب بعض الأمثلة على ذلك؛ إذ بالمثال يتضح المقال، وقد وجدتي أمام قدْر هائل منها؛ لكني سأوثر الاختصار: ١ - أخرج مسلم في صحيحه (٢) من طريق عبد الله بن شهاب الخولاني قال: كنت نازلًا على عائشة، فاحتلمت في ثوبيَّ، فغمستهما في الماء، فرأتني جارية لعائشة، فأخبرتها. فبعثت إليّ عائشة، فقالت: ما حملك على ما ص نعت بثوبيك؟ قال: قلت:

стр. 283

رأيت ما يرى النائم في منامه؟ قالت: هل رأيت فيهما شيئًا. قلت: لا. قالت: فلو رأيت شيئًا غسلته، لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله ﷺ يابسًا بظفري. لقد أفتت أم المؤمنين عائشة ﵂ لعبد الله بطهارة المني (١)، ودلته على ما يصنع إن رأى شيئًا منه بغسله أو حكه، وفي الحديث تفقد أحوال الضيف، وسؤاله عن ما يستنكر من حاله، وفيه تأخير الإنكار حتى يتبين حجة المنكر عليه. ٢ - بل كان أصحاب رسول الله ﷺ يأمَّون بيوت نسائه للسؤال والفتيا، أخرج مسلم (٢) من طريق عبد الله بن قيس قال: سألت عائشة عن وتر رسول الله ﷺ فذكر الحديث. قلت: كيف كان يصنع في الجنابة، أكان يغتسل قبل أن ينام، أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة. ٣ - وقد مضى فيما تقدم (٣) إنكار أم المؤمنين عائشة على فتيا عبد الله بن عمرو بأمر النساء بنقض رؤوسهن عند غسل الجنابة، أخرج مسلم من طريق عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن. فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن! لقد كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء

стр. 284

واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات. وكذلك مرّ بنا (١) إنكار ميمونة على ابن أختها عبد الله بن عباس اعتزاله فراش زوجته الحائض، وإخباره عن هدّيه ﷺ . ٤ - وهذه نصوص توقفنا على دور المرأة في تحقيق المسائل العلمية، وحسم الخلاف بالدليل: أ- أخرج مسلم (٢) من حديث أبي موسى قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار. فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء. وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت، فاستأذنت على عائشة، فأذن لي. فقلت لها: يا أماه أو يا أم المؤمنين إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك. فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك. قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ : «إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان فقد وجب الغسل». لقد قطعت أم المؤمنين الاختلاف بما لديها من علم، وانظر إلى أدب الصحابة الجم في الحوار والسؤال، لقد قدَّم أبو موسى بين يدي سؤاله بعبارة لطيفة مهذبة ليعطي المسؤول تصورًا عن طبيعة ما سيسأله، فتأتي فطنة أم المؤمنين ﵂ بقولها: لا تستحي أن تسألي عما كنت سائلًا أمك عنه … ثم تفي بفتوى تقطع بها الخلاف العلمي، وذهب جمهور العلماء إلى ما أفتت به أم المؤمنين وهو

стр. 285

وجوب الغسل إذا مس الختان الختان ولو لم ينزل (١). ب- ما أخرج البخاري (٢)، ومسلم (٣) من طريق سليمان بن يسار قال: إن أبا سلمة بن عبد الرحمن، وابن عباس اجتمعا عند أبي هريرة، وهما يذكر ان المرأة تنفس بعد وفاة زوجها بليال، فقال ابن عباس: عدا آخر الأجلين. وقال أبو سلمة: قد حلت. فجعلا يتنازعان ذلك، قال: فقال أبو هريرة أنا مع ابن أخي -يعني أبا سلمة- فبعثوا كريبًا مولى ابن عباس إلى أم سلمة يسألها عن ذلك، فجاءهم فأخبرهم أن أم سلمة قالت: إن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال، وإنما ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأمرها أن تتزوج. واللفظ لمسلم. لقد أرسل حبر الأمة، وراويها، وكبير تابعي عصره إلى أم المؤمنين أم سلمة لتحسم الخلاف بالنص، فتذكر الدليل على انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل، قال النووي: «فأخذ بهذا جماهير العلماء من السلف والخلف فقالوا عدة المتوفي عنها بوضع الحمل، حتى ولو وضعت بعد موت زوجها بلحظة قبل غسله انقضت عدتها» (٤). جـ- ما أخرج مسلم (٥) في صحيحه عن طاووس؛ قال: كنت مع ابن عباس؛ إذ قال زيد بن ثابت: تفي أن تصدر (أي: ترجع) الحائض قبل أن يكون آخر عهدها

стр. 286

بالبيت؟ فقال له ابن عباس: إما لا؛ فسل فلانة الأنصارية هل أمرها بذلك رسول الله ﷺ ؟ قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس وهو يقول: ما أراك إلا صدقت. وأخرجه الطيالسي في مسنده (١) من طريق عكرمة قال: اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في المرأة إذا حاضت، وقد طافت بالبيت يوم النحر، فقال زيد: يكون آخر عهدها بالبيت. وقال ابن عباس: تنفر إن شاءت. فقال الأنصار: لا نتابعك يا بن عباس وأنت تخالف زيدًا. فقال: سلوا صاحبتكم أم سليم … الحديث. لقد رجع الأنصار عن فتوى زيد إلى فتوى ابن عباس لما أيّدت ما قاله أم سليم بالنص، فبقولها أخذوا. ٥ - بل كان الواحد من الصحابة إذا سمع الفتوى يرسل إلى أمهات المؤمنين ليستيقن الخبر: أ- أخرج مسلم (٢) من طريق داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه أنه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر إذا طلع خباب ص احب المقصورة، فقال: يا عبدالله ابن عمر ألا تسمع ما يقول أبو هريرة، إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من خرج مع جنازة من بيتها، وصلى عليها، ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد» فأرسل ابن عمر خبابًا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة، ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت، وأخذ ابن عمر قبضة من حصباء المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول، فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة، فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض، ثم قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.

стр. 287

وانظر -رحمك الله- إلى إرسال ابن عمر خبيبًا إلى عائشة ليسألها عن قول أبي هريرة، فيتحسر على ما فاته، وفي الحديث ما كان الصحابة عليه من الرغبة في الطاعات حين تبلغهم، والتأسف على ما يفوتهم منها (١). ب- أخرج مسلم (٢) من طريق عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقص يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم، فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث، لأبيه، فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة ﵄ فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: كان النبي ﷺ يصبح جنبًا من غير حلم، ثم يصوم، قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول. قال: فجئنا أبا هريرة، وأبو بكر حاضر ذلك كله. قال: فذكر له عبد الرحمن. فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم. قال: هما أعلم، ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي ﷺ قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك. قلت لعبد الملك: أقالتا في رمضان؟ قال: كذلك كان يصبح جنبًا من حلم ثم يصوم. وبقول عائشة وأم سلمة قال جماهير الصحابة والتابعين، قال النووي: «أما حكم المسألة فقد أجمع أهل هذه الأمصار على صحة صوم الجنب سواءٌ كان من احتلام أو جماع، وبه قال جماهير الصحابة والتابعين» (٣). وانظر فضْل أبي هريرة ﵀ في رجوعه عما كان يقوله لما بلغه الدليل، وعلى

стр. 288

هذا فليسر طالب العلم والعالم، وفيه حرص السلف الصالح على التثبت فيما لم يرفع إلى النبي ﷺ . ٦ - بل استفتْ أم المؤمنين عائشة ﵂ على الصحابة، وأفتتهم بالصلاة على الجنازة في المسجد، وذكر قم بفعل رسول الله ﷺ ، أخرج مسلم (١) من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير، يحدث عن عائشة أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي ﷺ أن تمروا بجنازته في المسجد، فيصلين عليه ففعلوا، فوقف به على حجرهن يصلين عليه، أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد، فبلغ ذلك عائشة. فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به، عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد، وما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد. وإلى قول عائشة ﵂ ذهب جمهور العلماء (٢)، فانظر إلى حفظها ﵂ وقد نسي الناس، وتذكيرها لهم، وأخذهم عنها. ٧ - وكان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- أهل حق وعدل متى ما تبين لهم الحق لزموه، وقد أفتت زينب بنت أبي سلمة لمحمد بن عمرو بن عطاء بتغيير اسم ابنته، وذكرت له النص، فما كان إلا أن سمع وأطاع، وأدبًا مع أهل العلم، وتقديرا لهم، شاورها في اختيار اسم المولودة الجديدة، فأسمتها بما أسماها به رسول الله ﷺ ، ونعم الاسم والمسمّي، أخرج مسلم (٣) من طريق محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتي برة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا

стр. 289

الاسم، وسُمِّيت برّة، فقال رسول الله ﷺ : «لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم» فقالوا: «بم نسميها؟» قال: «زينب». ٨ - والمرأة بشؤون النساء أعلم من الرجل؛ لأنه ليس راءٍ كمن سمع، ثم إن على العالمة المؤمنة التنبيه على ما يقع فيه النساء من الخطأ، أخرج مالك في الموطأ (١) من طريق عمته، عن ابنة زيد بن ثابت أنه بلغها أن نساء كن يدعون بالمصابيح من جوف الليل ينظرن إلى الطهر، فكانت تعيب ذلك عليهن، وتقول ما كان النساء يصنعن هذا. وعلقه البخاري في صحيحه (٢) بصيغة الجزم. قال الحافظ: «وإنما عابت عليهن؛ لأن ذلك يقتضي الحرج والتنطع وهو مذموم، قاله ابن بطال وغيره، وقيل: لكون ذلك كان في غير وقت الصلاة وهو جوف الليل، وفيه نظر؛ لأنه وقت العشاء، ويحتمل أن يكون العيب لكون الليل لا يتبين به البياض الخالص من غيره فيحسبن أنهن طهرن، وليس كذلك فيصلين قبل الطهر» (٣). ٩ - وروى الرواة أن صحابة رسول الله ﷺ استفتوا فقيهة المدينة زينب بنت أبي سلمة في شؤون حياتهم الزوجية، وأحكام العتاق والطلاق، فتفتيهم، وتصدقها في فتواها حفصة أم المؤمنين، وينكر ابن عمر على ليلى ابنة العجماء عدم قبولها من عالمي العصر، أخرج عبد الرزاق (٤) بسند صحيح رجاله رجال الشيخين من حديث أبي رافع قال: قالت لي مولاتي ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق زوجتك، أو تفرق بينك وبين

стр. 290

امرأتك. قال: فأتيت زينب ابنة أم س لمة، وكانت إذا ذكرت امرأة بفقه، ذكرت زينب. قال: فجاءت معي إليها، فقالت: أفي البيت هاروت وماروت؟ فقالت: يا زينب جعلني الله فداك، إنها قالت: كل مملوك لها حر، وهي يهودية ونصرانية. فقالت: يهودية ونصرانية!! خلي بين الرجل وامرأته. قال: فكأنها لم تقبل ذلك. قال: فأتيت حفصة، فأرسلت معي إليها. فقالت: يا أم المؤمنين جعلني الله فداك، إنها قالت: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية. قال: فقالت حفصة: خلي بين الرجل وامرأته. فكأنها أبت، فأتيت عبد الله بن عمر فانطلق معي إليها، فلما س لم عرفت صوته. فقالت: بأبي أنت، وبآبائي أبوك. فقال: أمن حجارة أنت، أم من حديد، أم من أي شيء أنت؟ أفتك زينب، وأفتك أم المؤمنين فلم تقبلي منهما. قالت: يا أبا عبد الرحمن جعلني الله فداك، إنها قالت كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية. قال: يهودية ونصرانية!! كفري عن يمينك، وخلي بين الرجل وامرأته. وقد قدمت بين يدي هذا الفصل ضلوع المرأة في العلم، فلا غرو أن من امتلأ علمًا أن يكون له حظ في الفتوى القائمة على الدليل، ومرّ بك (١) أيها الكريم أن ابنة أبي بكر السمرقندي فاطمة كانت الفتوى إذا أتت أباها خرجت وعليها خطها، وخط أبيها، فلما تزوجت بصاحب «البدائع» كانت تخرج وعليها خطها، وخط أبيها، وخط زوجها. وذكر السبكي لطيفة عن والدة الإمام الشافعي تنبئ عن فهم ثاقب، وعقل راجح؛ لأنها فهمت آية من كتاب الله تعالى على نحو حاججت به قاضيًا من القضاة، وفتحت من خلاله تعليقات نفيسة للعلماء، قال ﵀: «وكانت أمه ﵂ باتفاق النقلة من العابدات القانتات، ومن أذكى الخلق فطرة، وهي التي

стр. 291

شهدت هي وأم بشر المريسي بمكة عند القاضي، فأراد أن يفرق بينهما ليسألهما منفردتين عما شهدتا به استفسارًا، فقالت له أم الشافعي: أيها القاضي! ليس لك ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (١) فلم يفرق بينهما». وعلق السبكي على هذا الخبر بقوله: «قلت: وهذا فرع حسن، ومعنى قوي، واستنباط جيد، ومنزع غريب، والمعروف في مذهب ولدها ﵁ إطلاق القول بأن الحاكم إذا ارتاب بالشهود استحب له التفريق بينهم، وكلامها ﵂ صريح في استثناء النساء للمنزع الذي ذكرته، ولا بأس به» (٢). ومن هنا يتضح أن للمرأة حقًا في الفتيا كما هي الحال للرجل، لكن بعد توافر شروط الفتوى فيها، يقول ابن الصلاح: «القول في شروط المفتي وصفاته وأحكامه وآدابه: أمّا شروطه وصفاته: فهي أن يكون مكلفًا مسلمًا ثقة مأمونًا منزهًا من أسباب الفسق، ومسقطات المروءة؛ لأن من لم يكن كذلك، فقوله غير صالح للاعتماد، وإن كان من أهل الاجتهاد، ويكون فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط متيقظًا» (٣). وقال الجويني في الورقات (٤): «ومن شرط المفتي أن يكون عالمًا بالفقه أصلًا وفرًعا، خلافًا ومذهبًا، وأن يكون كامل الأدلة في الاجتهاد عارفًا بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام وتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار

стр. 292

الواردة فيها». ولا شك أن المرأة في هذه الشروط مثل الرجل، وقد تقدم تصريح الإمام النووي (١) بذلك، فمتى ما توافرت في المرأة هذه الشروط كانت أهلًا للفتوى وأصبحت حًقا من الحقوق الشرعية لها، يشهد لذلك ما أوردته من نماذج يسيرة من فتاوى أمهات المؤمنين والصحابيات رضوان الله عليهن. وإنك لتعجب في زمن تغير فهم أهله، فأصبحت الفتوى والتوقيع ع ن الله من شأن جهلة المسلمين وعوامهم فضلًا عن أنصاف المتعلمين، وتخبط الناس في فهم النصوص الشرعية ودلالتها لعدم اكتمال أدوات الفهم لدى المتكلم والكاتب، وصار في كل بيوتات المسلمين إلا من رحم الله شيخ إسلام عصره، وشمس دين زمانه، والصحف اليومية والجرائد المحلية أكبر شاهد على ما أقوله؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. أخرج البخاري (٢) ومسلم (٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا؟، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». اللهم إنا نسألك أن تقبضنا إليك غير مفتونين.

стр. 293

الفصل السادس حق المرأة في الدعوة

стр. 294

الفصل السادس حق المرأة في الدعوة لما سمع المؤمنون والمؤمنات فضل الدعوة إلى الله في الكتاب والسنة، تنافسوا في كسب قلوب العباد لإخراجهم من ظلمات الضلال والجهل إلى نور الهداية والعلم، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) والاستفهام هنا بمعنى النفي المتقرر، أي: لا أحد أحسن قولًا: ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ بتعليم الجاهلين، ووعظ الغافلين، ومحاولة المبطلين بالأمر بعبادة الله بجميع أنواعها، والحث عليها، وتحسينها مهما أمكن (٢). وأخرج البخاري (٣) ومسلم (٤) من حديث سهل بن سعد ﵁ الطويل، وفيه أن رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب ﵁ يوم خيبر لمّا قال له علي: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فو الله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حُمْر النعم» واللفظ للبخاري. قال الحافظ: «يؤخذ منه أن تألف الكافر حتى يسلم أولى من المبادرة إلى قتله، وقوله: (حمر النعم) بسكون الميم من حمر، وبفتح النون والعين المهملة، وهو من ألوان الإبل المحمودة، قيل المراد: خير لك من أن تكون لك، فتتصدق بها. وقيل:

стр. 295

تقتنيها وتملكها، وكانت مما تفاخر العرب بما» (١). والمؤمن لا يتمنى الدعوة إلى الله في حياته فحسب، بل وحين ينقطع أثره، ويقضي نحبه، ويستوفي أجله، يتمني صلاح الناس وهدايتهم، وانظر إلى مؤمن آل ياسين لما دخل الجنة قال: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٢)، وقد أسهمت المرأة مع الرجل في الدعوة إلى الله لأمر الله لها حيث قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (٣). قال القرطبي: «أمر الله أزواج رسول الله ﷺ بأن يخبرن بما أنزل الله من القرآن في بيوتهن، وما يرين من أفعال النبي ﷺ ، ويُسْمِعن أقواله حتى يبلغ ذلك إلى الناس فيعملوا به» (٤). وسأعرض نماذج من ذلك: ١ - المرأة المباركة التي تسببت في هداية قومها أجمع: أخرج البخاري (٥)، ومسلم (٦) من حديث عمران بن حصين قال: كنا في سفر مع النبي ﷺ ، وإنا أسرينا (٧) حتى كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ولا وقعة أحلى عند

стр. 296

المسافر منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس، وكان أول من استيقظ فلان ثم فلان ثم فلان -يسميهم أبو رجاء، فنسي عوف، ثم عمر بن الخطاب الرابع- وكان النبي ﷺ إذا نام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ؛ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه، فلما استيقظ عمر، ورأى ما أصاب الناس -وكان رجلًا جَلِيدًا- فكبر، ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبر، ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبي ﷺ ، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، قال: لا ضير -أو لا يضير- ارتحلوا فارتحل فسار غير بعيد، ثم نزل، فدعا بالوضوء، فتوضأ، ونودي بالصلاة، فصلي بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء. قال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك. ثم سار النبي ﷺ ، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانًا -كان يسميه أبو رجاء، نسيه عوف- ودعا عليًّا، فقال: اذهبا فابتغيا الماء، فانطلقا، فتلقيا امرأة بين مزادتين (١) -أو: سطيحتين- من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونَفَرْنا خُلوف (٢). قالا لها: انطلقي إذًا. قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله ﷺ . قالت: الذي يقال له الصابئ. قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي فجاءا بها إلى النبي ﷺ ، وحدثاه الحديث. قال: فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي ﷺ بإناء، ففرغ فيه من أفواه المزادتين -أو: سطيحتين- وأوكأ أفواههما وأطلق

стр. 297

العزالي (١)، ونودي في الناس: اسقوا، واستقوا، فسقى من شاء، واستقى من شاء، وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء. قال: اذهب، فأفرغه عليك، وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها، وأيم الله لقد أقلع عنها، وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ فيها. فقال النبي ﷺ : «اجمعوا لها» فجمعوا لها -من بين عجوة، ودقيقة، وسَوِيقة- حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوها في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها. قال لها: «تعلمين ما رَزِئنا من مائك شيئًا، ولكن الله هو الذي أسقانا» فأتت أهلها، وقد احتبست عنهم. قالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب، لقيني رجلان، فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له الصابئ، ففعل كذا وكذا، فو الله إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه، وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة فرفعتهما إلى السماء -تعني السماء والأرض- أو إنه لرسول الله ﷺ حقًا، فكان المسلمون بعد ذلك يُغِيرون على من حولها من المشركين، ولا يصيبون الصِّرْم (٢) الذي هي منه. فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام. ومن فوائد الحديث (٣) دور المرأة في دعوة قومها إلى الإسلام، وإجابتهم لها، فكان لها أثر مبارك على قومها ابتداءً حين ترك المسلمون قتالهم؛ استئلافًا لهم، ووفاء منهم، إذ كانت إحدى نسائهم سببًا في سقيا المسلمين الماء، مع أهم ما رزئوها من

стр. 298

مائها شيئًا، بل عادت والمزادتان أشد ملاءة، وزادوها الطعام الذي جمعوه لها في ثوب ما بين عجوة ودقيقة وسويقة، وكان في هذا معجزة ظاهرة من أعلام النبوة، ومع ذاك حفظوا معروفها، وتركوا الإغارة على صرمها حتى أسلم الصرم بأسره. ٢ - أمر أم سليم ﵂ ابنها أن يقول لا إله إلا الله: أسلمت أم سليم الأنصارية ﵂ فلم يرض بذلك زوجها مالك بن النضر، وأبدى عدم ارتياحه لذلك، فلم تبال ﵂ بانطباعاته، بل بدأت تلقن ابنهما الشهادتين. روى ابن سعد (١) بإسناد صحيح من طريق إسحاق بن عبد الله، عن جدّته أم سليم ﵂ أنها آمنت برسول الله ﷺ ، فقالت: فجاء أبو أنس، وكان غائبًا، فقال: أصبوت؟ قالت: ما صبوت، ولكني آمنت هذا الرجل. قالت: فجعلت تَلقِّن أنسًا تشير إليه قل: «لا إله إلا الله» قل: «أشهد أن محمدًا رسول الله» قال: ففعل. قال: فيقول لها أبوه: «لا تفسدي عليّ ابني» فتقول: «إني لا أفسده». لقد أرادت أم سليم أن تنقذ صغيرها من الشرك، وأن تكون هي الداعية الأولى له، ولم تأبه بمصادمة أبيه، وأرادت أن تصحح فكره لما قال لها: أصبوت؟ قالت: ما صَبَوْت، ولكني آمنت بهذا الرجل. ثم بدأت بتلقين صغيرها ما تدين به رغم معارضة زوجها لها، فلله درها من امرأة، فهل من مشمرة من النساء للاقتداء بها، بل تعجب وأنت ترى نساء المؤمنين اليوم وهن يرمين فلذات أكبادهن إلى حاضنات يأتين من بلاد الكفر على ديانة

стр. 299

تخالف الإسلام، فترضع الطفل مع الحليب عقائد تخالف عقيدته، ومبادئ تخالف مجتمعه! ٣ - عرض أم سليم ﵂ الإسلام على زوجها مالك بن النضر: لم تقف أم سليم ﵂ عند إسلامها، وتلقين ابنها الشهادتين رغم معارضة زوجها مالك بن النضر، بل عرضت عليه الإسلام. قال عنها الحافظ ابن عبد البر: «كانت تحت مالك بن النضر أبي أنس بن مالك في الجاهلية، فولدت له أنس بن مالك، فلما جاء الله بالإسلام أسلمت مع قومها، وعرضت الإسلام على زوجها، فغضب عليها، وخرج إلى الشام، فهلك هناك» (١). ٤ - مهر أم سليم الإسلام: لقد خطت السير والتراجم مداد الذهب أكرم النساء مهرًا، إنها أم سليم التي ربت أنسًا على الإسلام، ودعت زوجها مالك بن النضر فأبي، وهلك في الشام، ومضت مدة على وفاة مالك بن النضر، فجاء أبو طلحة خاطبًا فاختارت صداقًا إن رضيه قبلته، وإن أباه منعته. أخرج ابن سعد (٢) من طريق أنس قال: جاء أبو طلحة يخطب أم سليم. فقالت: إنه لا ينبغي لي أن أتزوج مشركًا، أما تعلم يا أبا طلحة أن آلهتكم التي تعبدون ينحتها عبد آل فلان النجار، وأنكم لو أشعلتم فيها نارًا لاحترقت. قال: فانصرف عنها، وقد وقع في قلبه من ذلك موقعًا. قال: وجعل لا يجيئها يومًا إلا

стр. 300

قالت له ذلك. وفي رواية أخرى (١) أنها قالت: يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد إنما هو شجرة تنبت من الأرض، وإنما نجّرها حبشي بني فلان؟ قال: بلى. قالت: أما تستحي تسجد لخشبة تنبت من الأرض نجرها حبشي بني فلان؟ قالت: فهل لك أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأزوجك نفسي لا أريد منك صداقًا غيره؟ قال لها: دعيني حتى أنظر. قالت: فذهب، فنظر، ثم جاء فقال: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله». وأخرج النسائي في المجتبى (٢)، والمقدسي في المختارة (٣) من طريق ثابت، عن أنس قال: خطب أبو طلحة أم سليم، فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذاك مهري، وما أسألك غيره، فأسلم، فكان ذلك مهرها. قال ثابت: فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهرًا من أم سليم الإسلام، فدخل بها فولدت له. وصحح إسناده الحافظ في الفتح (٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (٥). وتأمل -وفقك الله- قصة أم سليم ﵂ تخلص إلى ما يأتي: ١ - اعتزازها ﵂ بدينها الإسلام، ويتجلى ذلك في قولها

стр. 301

لزوجها الأول مالك بن النضر: «ما صبوت ولكني آمنت بهذا الرجل». وكذلك في قولها لأبي طلحة: «ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك». ٢ - إصرارها ﵂ على تلقين ابنها الشهادتين رغم معارضة زوجها. ٣ - مبادرتها ﵂ إلى عرض الإسلام على زوجها رغم عدم ارتياحه لإسلامها. ٤ - حرصها على إسلام خاطبها، وجعلها ذلك مهرًا منه. وأسلم أبو طلحة وحسن إسلامه، وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، وهو يقول: نحري دون نحرك يا رسول الله. أخرج البخاري (١) من حديث أنس قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ ، وأبو طلحة بين يدي النبي ﷺ مجوب (٢) عليه بجحفة له، وكان أبو طلحة رجلًا راميًا شديد النزع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثة، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل. فيقول: انثرها لأبي طلحة. قال: ويشرف النبي ﷺ ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة بأبي أنت وأمي لا تشرف يُصِبْك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك … الحديث. فانظر إلى أثر تلك المرأة المباركة فتربيتها كانت سببًا في إخراج أحد علماء الأمة أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ، وبدعوتهما أسلم أحد المجاهدين فيما بعد

стр. 302

الأبطال الذين يثبتوا مع رسول الله- ﷺ . ٥ - أمر أم حكيم ﵂ زوجها الإتيان إلى رسول الله ﷺ ، وقبول الإسلام: أم حكيم بنت الحارث المرأة التي كانت سببًا في إسلام زوجها عكرمة بن أبي جهل -رضوان الله عليهما- أسلمت يوم الفتح، واستأمنت النبي ﷺ لزوجها عكرمة، وكان عكرمة قد فرّ إلى اليمن، وخرجت في طلبه فردّته حتى أسلم. وقد جاءت الرواية في تفصيل ما دار بينها وبينه، قال ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (١): «إن عكرمة هرب يوم فتح مكة من الإسلام فجاءت امرأته أم حكيم ابنة الحارث بن هشام، فسألت رسول الله ﷺ أمانًا له، فكتب له أمانًا، فانطلقت به، فأدركته وقد ركب سفينة، فنادته: يا ابن عم، هذا أمان معي من رسول الله ﷺ فإن تسلم، وتقبل أمان رسول الله ﷺ فأنا زوجتك، وإلا انقطعت العصمة فيما بيني وبينك. فلم يلتفت إليها، وتقيا نوتي السفينة ليدفع س فينته، فتكلم عكرمة بشركه باللات والعزى. فقال النوتي: أخلص، فإنه لن ينجيك إلا الإخلاص. قال عكرمة: ما أراني أفر إلا من الحق. فنزل من السفينة، وقبل أمان رسول الله ﷺ ، ورجع مع امرأته، فلما قدم على رسول الله ﷺ قال: «مرحبًا بالمهاجر، أعكرمة؟». وفي القصة من الفوائد حرص أم حكيم ﵂ على إسلام زوجها، فها هي تأخذ من رسول الله ﷺ أمانًا له؛ لأنها سمعت أنه قد أهدر دمه، فتفرح بالأمان، وتقطع الفيافي حتى تصل إليه في اليمن قبل ركوبه البحر، وتظهر له اللطف والعطف، وتناديه: «يا ابن عم» ثم تطمئنه بأنها قد حصلت له على أمان من

стр. 303

رسول الله ﷺ قائلة «هذا أمان معي من رسول الله ﷺ وجاء في بعض الروايات وصفها لرسول الله بقولها: «جئتك من عند أوصل الناس، وأبر الناس، وخير الناس، لا تهلك نفسك» ولما خلصت من أسلوب الترغيب، خاطبته بالترهيب النابع من حكمة، الممتلئ عقلًا مشيرة إلى أنه إن بقي على كفره، فإن العلاقة بينهما ستنصرم، فيقبل، ويسلم. قال عنه الشافعي: كان عكرمة محمود البلاء في الإسلام، محمود السيرة حين دخل فيه (١). واختلف في قتله أكان في أجنادين وعلى هذا جمهور أهل السير، أو في اليرموك وإليه ذهب ابن إسحاق، والزبير بن بكار (٢). فرضي الله عن أم حكيم التي كانت سببًا في إسلام صحابي جليل، ومجاهد تحرير عكرمة بن أبي جهل. ٦ - فاطمة وإسلام عمر: لا تعجب حين تعلم أن سبب إسلام الفاروق، أبو حفص، ثاني الخلفاء الراشدين، وأول أمير للمؤمنين امرأة، إن إسلام عمر كان وراءه أخت له عظيمة، فاطمة بنت الخطاب زوج سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. قال ابن حبان في الثقات (٣): «وكان السبب في إسلامه (أي: عمر) أن أخته فاطمة بنت الخطاب كانت تحت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قد أسلمت، وأسلم زوجها سعيد بن زيد، وهم يستخفون بإسلامهم من عمر، وكان نعيم بن عبد الله بن النحام قد أسلم، وكان يخفي إسلامه، وكان خباب بن الأرت

стр. 304

يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن، فخرج عمر يومًا متوشحًا بسيفه يريد رسول الله ﷺ ، وذكر له أنهم قد اجتمعوا في بيت الصفا، وهم قريب من أربعين بين رجال ونساء، ومع رسول الله ﷺ حمزة وعليّ وأبو بكر في رجال من المسلمين ممن أقام مع رسول الله ﷺ بمكة، ولم يخرج إلى أرض الحبشة، فلقي نعيم بن النحام عمر بن الخطاب، فقال: أين تريد؟ قال: أريد محمدًا هذا الصابئ، الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها، فأقتله. فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى أن عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض، وقد قتلت محمدًا، أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم. قال: وأي أهل بيتي؟ فقال: ختنك، وابن عمك سعيد بن زيد، وأختك، فقد أسلما، وبايعا محمدًا على دينه، فعليك بهما. فرجع عمر عامدًا لختنه وأخته وعندهما خباب بن الأرت، ومعه صحيفة فيها (طه) يقرؤهما إياها، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة، فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع حين دنا من البيت قراءتها عليه، فلما دخل، قال: ما هذه الهينمة (١) التي سمعت؟ قال له: ما سمعت شيئًا. قال: بلى، والله لقد أخبرت أنكما بايعتما محمدًا على دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة لتكفه عن زوجها، فضربها، فشجها، فلما فعل ذلك. قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا، وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك. فلما رأى عمر ما بأخته من الدم، ندم على ما صنع وارعوى، وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفًا، أنظر ما هذا الذي جاء به محمد، وكان عمر كاتبًا، فلما قال ذلك: قالت له أخته: إنا لنخشاك عليها. قال: لا تخافي، وحلف لها بآلهته ليردها إليها. فلما قال ذلك طمعت في إسلامه، فقالت له: يا أخي

стр. 305

إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا المطهرون. فقام عمر بن الخطاب فاغتسل، ثم أعطته الصحيفة، وفيها (طه)، فلما قرأ سطرًا منها، قال: ما أحسن هذا الكلام، فلما سمع خباب ذلك، خرج إليه، فقال له: يا عمر، والله لأرجو أن يكون خصك الله بدعوة نبيه ﷺ فإني سمعته يقول: اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب. فقال له عمر: دلني عليه يا خباب حتى آتيه، فأسلم. فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا معه فيه نفر من أصحابه … » (١) وفيه ذكر بقية إسلام عمر به. إن إسلام الرجل الذي اتسعت في عصره بلدة الإسلام حتى وصلت إلى أقاصي الشرق والغرب، وفتحت بلاد كسرى، وبيت المقدس، وازدهرت في عصره دولة الإسلام كان سببه امرأة، أفلا يحق لنا معاشر النساء أن نفخر هذا، ونكاثر به. ٧ - دعوة المؤمنات المجاهدين إلى الثبات في معركة اليرموك: لما اشتدت حملة الروم على المسلمين في اليرموك، انهزم بعض المجاهدين، فزجر قسم المسلمات، وأمرهم بالعودة إلى القتال. قال ابن كثير عنهن: «وقد قاتل نساء المسلمين في هذا اليوم، وقتلوا خلقًا كثيرًا من الروم، وكن يضربن من انهزم من المسلمين، ويقلن: أين تذهبون، وتدعوننا للعلوج؟ فإذا زجرهم لا يملك أحد نفسه حتى يرجع إلى القتال» (٢).

стр. 306

وجعلت ابنة العاص بن منبه تنادي: «قبّح الله وجه رجل يفر عن خليلته!» وجعلت النساء يقلن لبعولتهن: «لستم لنا ببعول إن لم تمنعوا عنا الأعلاج». ونظرت هند بنت عتبة إلى أبي سفيان ﵄ وهو منهزم، فضربت وجه حصانه بعمودها، وقالت: إلى أين يا بن صخر؟ ارجع إلى القتال، وابذل مُهْجتك حتى يمحص الله عنك ما سلف من تحريضك على رسول الله ﷺ (١). وسأجعلك تتأمّلْ فيما سبق ما بذلته المرأة في الجهاد من تثبيت فحول المسلمين وأبطالهم للمضي قدمًا نحو عدوهم، وللإثخان في أرضهم، ولإذهاب غيظ قلوب المؤمنين. والذي أرسل محمدًا بالحق لا تعيش أمة في ذلٍ كان نساؤها كذلك!!! ٨ - سُعدى تدعو زوجها للنفقة: ما أجمل أن يحوز المسلم لبيته خير متاع الدنيا، فإذا رآها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته، وهي في ذلك كله تعينه على الطاعة، وتدله على أبواب الخير. أخرج الإمام أحمد في الزهد (٢)، وابن سعد في طبقاته (٣)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٤)، والطبراني في الكبير (٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦) كلهم من طرق عن طلحة بن يحيى، قال: حدثتني جدتي سعدى بنت عوف المرية، قالت: أصبح

стр. 307

طلحة ذات يوم خائرًا، فقلت: ما شأنك؟ هل رابك منا شيء، فَنُعْتِبُك. قال: لا، أما والله لنِعْم حليلة المرء أنت، ولكن اجتمع عندي مال، فقد غمني. قالت: قلت: فادع له قومك. قال: يا غلام علي قومي، فقسمه فيهم. قالت: قلت للخازن، كم المال. قال: أربعمائة ألف. واللفظ لأحمد. قال الهيثمي في المجمع (١): «رواه الطبراني ورجاله ثقات» وحسن إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (٢)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣)، قلت: إسناده حسن؛ لأجل طلحة بن يحيى بن طلحة قال الحافظ عنه: «صدوق يخطئ» (٤). ثم إني لأعتب على نفسي أولًا ثم على كل امرأة، أين نحن من سير تلك الصالحات، لقد أرّقها تغير حال زوجها، وخشيت أن تكون قصّرت في حقه فقالت: هل رابك (أي: أزعجك) منا شيء، ثم هي ودود تقترح إرضاءه قائلة فتعتبك) فلما علمت أن سبب تكدره وجود المال عنده؛ لم تقل: ارصده لي ولأولادك، بل قالت: اقسمه على قومك، دون أن تسأل عن عده أو عدده، حتى أخبرها الخازن بعد أن المال أربع مائة ألف. ولو أن النساء كمن ذكرن … لفضلت النساء على الرجال وما التأنيث لاسم الشمس عيب … ولا التذكير فخر للهلال ٩ - ولا زلنا نذكر سيرة أم المؤمنين خديجة ﵂ -: تلك السيرة

стр. 308

العطرة التي رسمت فيها نصرة الدعوة، وثبت الله بها رسولنا ﷺ يقول الحافظ في الإصابة (١): « … وقد ذكره ابن إسحاق فقال: وكانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله، وصدقت بما جاء به، فخفف الله بذلك عن رسول الله ﷺ ، فكان لا يسمع شيئًا يكرهه من الرد عليه فيرجع إليها إلا تثبته وتهون عليه أمر الناس. ولما أتاها رسول الله ﷺ ترجف بوادره، وقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع. قال لخديجة: أي خديجة ما لي! لقد خشيت على نفسي، فأخبرها بنزول الوحي عليه. قالت له: كلا. أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبدًا، فو الله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل وأخبرته الخبر، فأخبرهما أن الناموس الذي أنزل على موسى أنزل على محمد، وتمنى أن يكون فيها جذعًا إذ يخرجه قومه. فسأله رسول الله ﷺ : أو مخرجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإنْ يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا (٢). فتأمل رحابة صدرها، ونافذ فكرها، وحدة فهمها في اختيار العبارات المطمئنة لزوجها، وتصديرها بقولها: «كلا. أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبدًا» ثم عللت له ذلك بذكر خصاله الحميدة، وليزداد يقين ذاك الزوج الكريم، ويهدأ روعه أخذته لابن عم لها عنده علم من الكتاب، فأخبره بما يواجهه، وكان ذلك كله من رحمة الله برسوله ﷺ .

стр. 309

وبعد استعراض لنماذج سير الصالحات الداعيات، تقف على أن الإسلام أعطى المرأة حق الدعوة إلى الله، والدلالة إليه، وساواها في الأجر مع الرجل، وإنك لتحار حين ترى بعض المسلمين يمنع زوجه أو ابنته أو أخته من الدعوة إلى الله، ويجعل الدعوة ورِدًا صفاء للرجال، ومنهلًا كدرًا للنساء!! فهل الدعوة حكر على ذكور الأمة دون إناثها! فليأت ببرهانه، وليجب عما سبق إيراده، والله المستعان وعليه التكلان. وإذا كانت المرأة المسلمة قد كُلّفت شرعًا بالقيام بالدعوة إلى الله، فإن ذلك التكليف مبني على عدة مسوغات وأسباب يتضح من خلالها مدى فاعلية المرأة الداعية وتأثيرها، ولعل من أهم المسوغات: ١ - إن المرأة في الغالب أقدر من الرجل على البيان والتبليغ في الأوساط النسائية، نظرًا لتجانس الظروف، وتوحد الجنس، وأهل مكة أدرى بشعابها. ٢ - تمييز المرأة الداعية بين الأولويات في قضايا الدعوة النسائية، فتقدم الأهم على المهم، وهذا ما لا يتأتى لكثير من الدعاة الذكور. ٣ - المرأة الداعية لديها القدرة على التنبيه على الأخطاء الموجودة في المجتمع النسائي سواءٌ منها ما يتعلق بالعقائد أو العبادات أو السلوك، لمعايشتها له، وهذا ما لا علم لكثير من الرجال به. ٤ - الدعوة الفردية مهمة تستطيع القيام بها الداعية المسلمة؛ مما لا يمكن للرجل القيام به في الغالب، استنادًا إلى تحريم خلوة الرجل بالمرأة. ٥ - وفي ظل العولمة، وتمشيًا مع ظروف العصر فإن اتصال النساء قد أصبح مكرورًا ميسورًا في مواطن الدراسة، والعمل، والاجتماعات الأسرية، و المواقع الالكترونية مما يعطي الأهمية لاشتغال المرأة بالدعوة.

стр. 310

٦ - الغزو الفكري، والتغريب الوافد إلى أمة الإسلام من عدوها، يحمّل المرأة مسؤولية الدفاع عن ثوابتها الشرعية، ووجوب التمسك بالكتاب والسنة، والعض عليها بالنواجذ، ودفاعها أقوى من الرجل؛ لأنها صاحبة القضية، والمستهدفة في الغزو. ٧ - حاجة المجتمع النسائي إلى القدرات النسائية التي ترى النساء في هديها وسمتها هدي رسول الله ﷺ ، والدعوة بالقدوة أنجع طرق الدعوة كما لا يخفى. والسؤال الذي أعرضه: هل المرأة المسلمة المعاصرة على المستوى المطلوب من الوعي والإدراك للكتاب والسنة والواقع المعاصر، الذي يؤهلها للقيام بهذه المهمة الصعبة؟!. وهل أدرك الرجال دور المرأة في الدعوة إلى الله فأعانوها وشدوا مِنْ أَزْرها؟!.

стр. 311

الفصل السابع تفنيد الشبهات المثارة حول النصوص الشرعية وفي هذا الفصل مبحثان: المبحث الأول: شبهات حول النصوص القرآنية. المبحث الثاني: شبهات حول الأحاديث النبوية.

стр. 312

لقد أرسل الرب جل وعلا رسوله وأهل الأرض أحوج إلى رسالته من حاجتهم إلى غيث السماء، ومن نور الشمس الذي يذهب عنهم حنادس الظلمات، فحاجتهم إلى رسالته فوق جميع الحاجات، وضرورتهم إليها مقدمة على جميع الضرورات؛ فإنه لا حياة للقلوب، ولا نعيم ولا لذة ولا سرور ولا أمان ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها في ما يقربها إليه، ويدنيها من مرضاته، ومن المحال أن تستقل العقول البشرية بمعرفة ذلك، وإدراكه على التفصيل، فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين، وإليه داعين، ولمن أجابهم مبشرين، ولمن خالفهم منذرين، وأجابوا عن كثير من التساؤلات، وأزال الله على أيديهم التناقضات والشبهات، ومع ذلك ما يزال بيننا من يثير الشبه، ويضرب أدلة الشرع بعضها مع بعض، ويعجب زاعمًا من التناقض، وما دري شقي قومه أن نفسه أتعب، لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى؛ فإنّ ما جاء من عند الله لا يدخله التناقض البتة، وإنما التناقض من قصور فهم الإنسان، وعدم نضوج فكره، ونقص أدوات الاستنباط لديه، كخائض غمار المعركة بلا سلاح، أو قاطع البحر بلا سفينة، وسأورد في هذا الفصل شُبَهًا تثار حول النصوص الشرعية، وأستعين بالله في تقويض دعائمها،

стр. 313

والرد عليها، وأوصيك أن تحذر من إيراد الشبه على قلبك، فإن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة، وأخشى إن كنت قليل بضاعة أن يتشرب قلبك الشبه، فيكون كالإسفنجة تتشرب ما توضع فيه، فالله أسأل التوفيق والسداد، وأعوذ به سبحانه من الزيغ والضلال.

стр. 314

المبحث الأول: شبهات حول النصوص القرآنية دأب بعض الناس ذكرانًا وإناثًا على الاحتجاج ببعض النصوص وترديدها؛ للتدليل على أن الذكران أرفع قدرًا، وأجل ذكرًا من الإناث؛ وجعلوا من بعض الآيات دليلًا يحتج به على تدني رتبة الأنثى في كل أمر عن شقيقها الذكر، واستدلوا من القرآن بما يأتي: دَفْعُ الشبهة حول قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ … ﴾: أ- قول الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ (١)، وقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ (٣)، وقوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ (٤). وللجواب عمَّا أثير لا بد أن تعلم أن هذه الآيات في سور مكية جاءت التصحيح عقائد الناس؛ وقد نزلت لتحاور الناس، وتناقشهم، ومن ثم

стр. 315

تحملهم على التوحيد، وتضع عنهم الشرك؛ ولذا ركزت على موضوع واحد هو تنزيه الله عن اتخاذ الولد أصلًا، ثم تنزيهه عن اتخاذ البنات ولدًا؛ فهذه الآيات لا تنتقص كما يبدو أول الأمر من أمر النساء، وإنما تخاطب العرب على حسب معتقداتهم المبدئية، وعلى قدر عقولهم المتأثرة بالجاهلية، وتبين حالهم العجيبة، ومنطقهم الغريب، فما داموا يأنفون من البنات، ويكرهونهن فكيف ينسبون لله، ويتخذون لأنفسهم البنين؟ وأي قسمة هذه؟ فكانت الآيات على سبيل مجاراتهم في ادعاءاتهم؛ لبيان ما فيها من تفكك وتهافت. يقول صاحب التحرير والتنوير في تفسير قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (١): «المعنى أن لا فائدة من اتخاذ الله بنات لا غناء لهن، ف لا يحصل له باتخاذهن زيادة عزة، بناء على متعارفهم، فهذا احتجاج إقناعي خطابي … والمقصود من هذا فضح معتقدهم، وأنهم لا يحسنون إعمال الفكر في معتقداتهم وإلا كانوا حين جعلوا لله بنوة ألا يجعلوا له بنوة الإناث، وهم يعدون الإناث مكروهات مستضعفات» (٢). دَفْعُ الشبهة حول قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾: ب- قول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ (٣).

стр. 316

يَعُدّها بعض الناس الاستشهاد بهذه الآية الكريمة على ذلك الفهم المغلوط هو الاستدلال الفصل، والحكم الذي لا يقبل المداولة، والقضاء الذي لا يقبل الاستئناف، على تميز الذكر وارتفاعه عن الأنثى، ويردد الناس هذه الآية على أفضلية الذكر مطلقًا على الأنثى دون قيد أو شرط، مع أن تفسيرها الصحيح يعطي معي مغايرًا لما يستدلون به. وإليك بيان هذه القصة كاملة في كتاب الله جل وعلا: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١). يقول الشوكاني: «﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ قرأ أبو بكر وابن عامر بضم التاء؛ فيكون من جملة كلامها، ويكون متصلًا بما قبله، وفيه معين التسليم لله، والخضوع، والتنزيه له أن يخفى عليه شيء، وقرأ الجمهور (وضعت) بسكون التاء فيكون من كلام الله على جهة التعظيم لما وضعته، والتفخيم لشأنه، والتحليل لها حيث وقع منها التحسر والتحزن مع أن هذه الأنثى التي وضعتها سيجعلها الله وابنها آية للعالمين، وعبرة للمعتبرين، ويختصها بما لم يختص به أحدًا … قوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ أي وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وضعت، فإن غاية ما أرادت من كونه ذكرا أن يكون نذرًا خادمًا للكنيسة، وأمر

стр. 317

هذه الأنثى عظيم، وشأنها فخيم، وهذه الجملة اعتراضية مبينة لما في الجملة الأولى من تعظيم الموضوع، ورفع شأنه، وعلو منزلته، واللام في الذكر والأنثى للعهد هذا على قراءة الجمهور … وأما على قراءة أبي بكر وابن عامر فيكون قوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ من جملة كلامها، ومن تمام تحسرها وتحزنها أي ليس الذكر الذي أردت أن يكون خادمًا ويصلح للنذر كالأنثى التي لا تصلح لذلك» (١) وإنما كانت الأنثى لا تصلح لخدمة الكنيسة لما يعتريها من الحيض؛ ولأنها لا تصلح لصحبة الرهبان. ومن هنا يتبين أن قوله تعالى ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ إمّا: ١ - من كلام الرب -جل وعلا- على قراءة الجمهور لقوله تعالى (وضعتْ) ويكون المعني ليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وضعت؛ فتكون الآية مثبتةً لمجرد المغايرة والفرق بين كلٍّ من الذكر والأنثى، ولم تتعرض لتفضيل أحد منهما على الآخر. ٢ - من كلام امرأة عمران؛ على قراءة أبي بكر وابن عامر في قوله تعالى (وضعتُ) فتكون الآية إخبارًا عن قول أم مريم؛ فلم تأت الآية إذن لتقرير واقع، وإثبات حقيقة ولم تقصد أم مريم الانتقاص من شأن الأنثى؛ وإنما قالت ذلك التبين أن وظيفة الذكر مختلفة عن وظيفة الإناث، وما يصلح له لا يصلح لها، لكن تبين لها ولغيرها فيما بعد أنها رزقت بأنثى فاقت الذكور حظًا، وتقبل الله هذه البنت بقبول

стр. 318

حسن، وقامت بالدور الذي تمنته أمها، بل كانت أمًّا لرسول من أولي العزم. وفي هذا عظة وعبرة لكل أب وأم، فالخيرة فيما يختاره الله، وكم من أنثى نفع الله بها والديها ما لم ينفعهما بذكر. دَفْعُ الشبهة حول قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾: جـ- قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (١). لقد جاءت هذه الآية في معرض الحديث عن أحكام الطلاق، ثم رسمت الآية طبيعة العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة بإيجاز، ومن خلال كلمات قليلات، بينت الآية مسؤولية كل واحد منهما تجاه الآخر وإلى جانب ذلك للرجال عليهن درجة، ولله الخَلْق والأمر ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ فللنساء من الحقوق مثل الذي عليهن من الواجبات، ولكن تباينت آراء المفسرين في معنى «الدرجة» واختلفت أقوالهم: فقرر أغلب المفسرين أن «الدرجة» غير مقيدة بالطلاق، وقرروا أنها حكم عام ينظم العلاقة بين الرجل وزوجته (٢). وذهب آخرون إلى أنها ليست مطلقة الدلالة؛ إنما هي مقيدة بحق الرجل في الطلاق والمراجعة مراعاة لسياق الآيات. ولا شك أن حمل الآية على العموم أولى؛ لا سيما أنه قول جمهور المفسرين، واختلفوا في تفسير «درجة». فذهب مجاهد إلى أن معنى «درجة» ما فضل الله به الرجال من الجهاد،

стр. 319

وفَضْل ميراثه، وكل ما فضل به عليها. وقال زيد بن أسلم: درجة أي: الإمارة. وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ قال: طاعة، أي: يطعن الأزواج الرجال، وليس الرجال يطيعونهن. وعن الشعبي في معنى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ قال: بما أعطاها من صداقها. وقال آخرون: تلك الدرجة التي عليها إفضاله عليها، وأداء حقها إليها، وصفحه عن الواجب له عليها أو عن بعضه. وجاء عن ابن عباس قال: ما أحب أن أستنظف (١) جميع حقي عليها، لأن الله تعالى ذكره، يقول: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٢). فيكون معنى قول ابن عباس: حض الرجال على حسن العشرة، والتوسع للنساء في المال والخلق، أي أن الأفضل أن يتحامل على نفسه (٣). قال الطبري: «وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس وهو أن الدرجة التي ذكر الله تعالى ذكره في هذا الموضع، الصفح من الرجل لامرأته عن بعض الواجب عليها، وإغضاؤه لها عنه، وأداء كل الواجب لها عليه، وذلك أن الله تعالى ذكره قال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ عقيب قوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾» (٤).

стр. 320

وقال ابن عطية بعد أن ساق قول ابن عباس: «وهو قول حسن بارع» (١) ومن هنا يتبين أن الدرجة جاءت لصالح المرأة، ومراعاتها؛ فهي تكليف للرجل، وتشريف للمرأة، فهذه الكلمات، جمعت على إيجازها ما لا يؤدي بالتفصيل إلا في سِفْرٍ كبير. الذي ينبغي أن يترجح في دلالة الآية هو ما يؤيده السياق العامّ الذي جاءت فيه الآية. وهو أن هذه الدرجة للرجل هي درجة القوامة، التي جعلها الله للرجل دون المرأة. وهي لصالحِ كلٍّ منهما، وهي تكليف للرجل، وتحميل له المسؤولية، وإراحة للمرأة مِنْ عناء هذه المسؤولية. وهذا التفسير لا يتعارض مع دليلٍ شرعيّ، ولا يتعارض مع أيّ قولٍ صحيح من أقوال المفسرين. د- وأمّا عن قوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢) فسيأتي بسط الكلام فيها، في مبحث القوامة (٣)، فراجعه.
следующие страницы →