يَعُدّها بعض الناس الاستشهاد بهذه الآية الكريمة على ذلك الفهم المغلوط هو الاستدلال الفصل، والحكم الذي لا يقبل المداولة، والقضاء الذي لا يقبل الاستئناف، على تميز الذكر وارتفاعه عن الأنثى، ويردد الناس هذه الآية على أفضلية الذكر مطلقًا على الأنثى دون قيد أو شرط، مع أن تفسيرها الصحيح يعطي معي مغايرًا لما يستدلون به.
وإليك بيان هذه القصة كاملة في كتاب الله جل وعلا: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١).
يقول الشوكاني: «﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ قرأ أبو بكر وابن عامر بضم التاء؛ فيكون من جملة كلامها، ويكون متصلًا بما قبله، وفيه معين التسليم لله، والخضوع، والتنزيه له أن يخفى عليه شيء، وقرأ الجمهور (وضعت) بسكون التاء فيكون من كلام الله على جهة التعظيم لما وضعته، والتفخيم لشأنه، والتحليل لها حيث وقع منها التحسر والتحزن مع أن هذه الأنثى التي وضعتها سيجعلها الله وابنها آية للعالمين، وعبرة للمعتبرين، ويختصها بما لم يختص به أحدًا … قوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ أي وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وضعت، فإن غاية ما أرادت من كونه ذكرا أن يكون نذرًا خادمًا للكنيسة، وأمر
стр. 317
هذه الأنثى عظيم، وشأنها فخيم، وهذه الجملة اعتراضية مبينة لما في الجملة الأولى من تعظيم الموضوع، ورفع شأنه، وعلو منزلته، واللام في الذكر والأنثى للعهد هذا على قراءة الجمهور … وأما على قراءة أبي بكر وابن عامر فيكون قوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ من جملة كلامها، ومن تمام تحسرها وتحزنها أي ليس الذكر الذي أردت أن يكون خادمًا ويصلح للنذر كالأنثى التي لا تصلح لذلك» (١) وإنما كانت الأنثى لا تصلح لخدمة الكنيسة لما يعتريها من الحيض؛ ولأنها لا تصلح لصحبة الرهبان.
ومن هنا يتبين أن قوله تعالى ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ إمّا:
١ - من كلام الرب -جل وعلا- على قراءة الجمهور لقوله تعالى (وضعتْ) ويكون المعني ليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وضعت؛ فتكون الآية مثبتةً لمجرد المغايرة والفرق بين كلٍّ من الذكر والأنثى، ولم تتعرض لتفضيل أحد منهما على الآخر.
٢ - من كلام امرأة عمران؛ على قراءة أبي بكر وابن عامر في قوله تعالى (وضعتُ) فتكون الآية إخبارًا عن قول أم مريم؛ فلم تأت الآية إذن لتقرير واقع، وإثبات حقيقة ولم تقصد أم مريم الانتقاص من شأن الأنثى؛ وإنما قالت ذلك التبين أن وظيفة الذكر مختلفة عن وظيفة الإناث، وما يصلح له لا يصلح لها، لكن تبين لها ولغيرها فيما بعد أنها رزقت بأنثى فاقت الذكور حظًا، وتقبل الله هذه البنت بقبول
стр. 318
حسن، وقامت بالدور الذي تمنته أمها، بل كانت أمًّا لرسول من أولي العزم.
وفي هذا عظة وعبرة لكل أب وأم، فالخيرة فيما يختاره الله، وكم من أنثى نفع الله بها والديها ما لم ينفعهما بذكر.
دَفْعُ الشبهة حول قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾:
جـ- قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (١).
لقد جاءت هذه الآية في معرض الحديث عن أحكام الطلاق، ثم رسمت الآية طبيعة العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة بإيجاز، ومن خلال كلمات قليلات، بينت الآية مسؤولية كل واحد منهما تجاه الآخر وإلى جانب ذلك للرجال عليهن درجة، ولله الخَلْق والأمر ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ فللنساء من الحقوق مثل الذي عليهن من الواجبات، ولكن تباينت آراء المفسرين في معنى «الدرجة» واختلفت أقوالهم:
فقرر أغلب المفسرين أن «الدرجة» غير مقيدة بالطلاق، وقرروا أنها حكم عام ينظم العلاقة بين الرجل وزوجته (٢).
وذهب آخرون إلى أنها ليست مطلقة الدلالة؛ إنما هي مقيدة بحق الرجل في الطلاق والمراجعة مراعاة لسياق الآيات.
ولا شك أن حمل الآية على العموم أولى؛ لا سيما أنه قول جمهور المفسرين، واختلفوا في تفسير «درجة».
فذهب مجاهد إلى أن معنى «درجة» ما فضل الله به الرجال من الجهاد،
стр. 319
وفَضْل ميراثه، وكل ما فضل به عليها.
وقال زيد بن أسلم: درجة أي: الإمارة.
وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ قال: طاعة، أي: يطعن الأزواج الرجال، وليس الرجال يطيعونهن.
وعن الشعبي في معنى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ قال: بما أعطاها من صداقها.
وقال آخرون: تلك الدرجة التي عليها إفضاله عليها، وأداء حقها إليها، وصفحه عن الواجب له عليها أو عن بعضه.
وجاء عن ابن عباس قال: ما أحب أن أستنظف (١) جميع حقي عليها، لأن الله تعالى ذكره، يقول: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٢).
فيكون معنى قول ابن عباس: حض الرجال على حسن العشرة، والتوسع للنساء في المال والخلق، أي أن الأفضل أن يتحامل على نفسه (٣).
قال الطبري: «وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس وهو أن الدرجة التي ذكر الله تعالى ذكره في هذا الموضع، الصفح من الرجل لامرأته عن بعض الواجب عليها، وإغضاؤه لها عنه، وأداء كل الواجب لها عليه، وذلك أن الله تعالى ذكره قال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ عقيب قوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾» (٤).
стр. 320
وقال ابن عطية بعد أن ساق قول ابن عباس: «وهو قول حسن بارع» (١) ومن هنا يتبين أن الدرجة جاءت لصالح المرأة، ومراعاتها؛ فهي تكليف للرجل، وتشريف للمرأة، فهذه الكلمات، جمعت على إيجازها ما لا يؤدي بالتفصيل إلا في سِفْرٍ كبير.
الذي ينبغي أن يترجح في دلالة الآية هو ما يؤيده السياق العامّ الذي جاءت فيه الآية. وهو أن هذه الدرجة للرجل هي درجة القوامة، التي جعلها الله للرجل دون المرأة.
وهي لصالحِ كلٍّ منهما، وهي تكليف للرجل، وتحميل له المسؤولية، وإراحة للمرأة مِنْ عناء هذه المسؤولية.
وهذا التفسير لا يتعارض مع دليلٍ شرعيّ، ولا يتعارض مع أيّ قولٍ صحيح من أقوال المفسرين.
د- وأمّا عن قوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢) فسيأتي بسط الكلام فيها، في مبحث القوامة (٣)، فراجعه.
стр. 321
المبحث الثاني: شبهات حول الأحاديث النبوية
وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: شبهة شؤم المرأة.
المطلب الثاني: شبهة نقصان عقل المرأة ودينها.
المطلب الثالث: شبهة حول شهادة المرأة.
المطلب الرابع: شبهة المرأة والشيطان في الحديث النبوي.
المطلب الخامس: شبهة خلق المرأة من ضلع أعوج.
المطلب السادس: شبهة اقتران المرأة بالحمار والكلب الأسود في الحديث النبوي.
المطلب السابع: شبهة الغسل من بول الجارية، والرش من بول الغلام.
стр. 322
المطلب الأول: شبهة شؤم المرأة
ومما يثير عجبك، وتحمد ربك أن عافاك مما ابتلى به أقوامًا، أنْ تَرَى شرذمة تزعم أن الإسلام أعاق المرأة، وأهانها، ووصفها بالشؤم، ويدندن حول هذا أقوام من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ويذكرون حديث الحبيب ﷺ : «إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس، والمرأة، والدار».
ويسلك ويذهب بعض الجاهلين إلى أحدش موقفين، إمّا التضعيف، أو الدعوة لغربلة الصحاح والسنن، ألا شاهت الوجوه، وأخمدت الألسن، والأمر ولله الحمد والمنة أسهل من ذلك، وإليك الجواب عن الشبهة:
١ - الحديث أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث ابن عمر، وسهل بن سعد. ولفظ حديث ابن عمر: «إنما الشؤم في ثلاثة: في الفرس، والمرأة، والدار». ولفظ حديث سهل: «إن كان في شيء ففي المرأة والفرس والمسكن» وبوّب عليهما البخاري باب: ما يذكر من شؤم الفرس (٣).
قال الحافظ: «قوله (باب: ما يذكر من شؤم الفرس) أي: هل هو على عمومه أو مخصوص ببعض الخيل، وهل هو على ظاهره أو مؤول … وقد أشار بإيراد حديث سهل بعد حديث ابن عمر إلى أن الحصر الذي في حديث ابن عمر ليس على ظاهره، وبترجمة الباب الذي بعده وهي «الخيل لثلاثة» إلى أن الشؤم مخصوص ببعض الخيل دون بعض، وكل ذلك من لطيف نظره، ودقيق فكره (٤).
٢ - تنوعت أقوال المحدثين في الجمع بين هذا الحديث، وحديث: «لا عدوى ولا طيرة» (٥) ولعل من أبرزها:
стр. 323
أ- ليس في قوله ﷺ : «إنما الشؤم في ثلاثة … » إباحة الطيرة منها، ولكن معنى الحديث أن هذه الأشياء أكثر ما يتطير به الناس، فمن وقع في نفسه شيء أبيح له أن يتركه، ويستبدل به غيره؛ حسمًا للمادة؛ وسدًا للذريعة؛ لئلا يوافق شيء من ذلك القدر، فيعتقد الطيرة، فيقع في اعتقاد ما ينهى عن اعتقاده، ويطول تعذبه به، ونظيره الأمر بالفرار من المحذوم مع صحة نفي العدوى، وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد (١)، وابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (٢)، وأبو داود في السنن (٣)، والبيهقي في الكبرى (٤)، والمقدسي في المختارة (٥) من طرق عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: قال رجل: يا رسول الله إنا كنا في دار كثير فيها عددنا، وكثير فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى، فقلّ فيها عددنا، وقلّت فيها أموالنا. فقال رسول الله ﷺ : «ذروها ذميمة» واللفظ لأبي داود.
وحسن إسناده الألباني في الصحيحة (٦)، وحسنه في صحيح الأدب المفرد (٧).
وله شاهد أخرجه معمر في الجامع (٨)، والبيهقي من طريقه في الكبرى (٩)، من طريق عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن شداد أن امرأة من الأنصار
стр. 324
فذكر الحديث بنحوه.
وهو مرسل، رجاله ثقات، وفيه أن الشاكية امرأة، ولعل الشكاية وقعت من أكثر من واحد؛ فشكا الرجل، وشكت المرأة، وسيأتي في رواية سهل أن القوم شكوا.
وله شاهد -أيضًا- أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١)، والطبراني في الكبير (٢) كلاهما من طريق سهل بن حارثة الأنصاري قال: اشتكي قوم إلى النبي ﷺ … الحديث.
وهو مرسل، رجاله ثقات، قال الحافظ عن سهل بن حارثة في الإصابة (٣): «قال ابن منده: لا تصح صحبته، وعداده في التابعين».
قال ابن العربي في شرح الحديث: «وإنما أمرهم بالخروج منها؛ لاعتقادهم أن ذلك منها، وليس كما ظنوا، لكن الخالق جل وعلا جعل ذلك وفقًا لظهور قضائه، وأمرهم بالخروج منها؛ لئلا يقع لهم بعد ذلك شيء. فيستمر اعتقادهم … وأفاد وصفها بكونها «ذميمة» جواز ذلك، وأن ذكرها بقبيح ما وقع فيها سائغ من غير أن يعتقد أن ذلك كان منها» (٤).
ب- ليس في قوله ﷺ : «إنما الشؤم في ثلاثة» إثبات الطيرة، بدليل لفظ حديث سهل «إن كان في شيء ففي المرأة، والفرس، والدار» ولكنه عني أن الشؤم لو كان جائزًا لكان في هذه الأشياء الثلاثة؛ لطول ملازمتها، ولكوها أكثر ما يتطير به الناس.
стр. 325
جـ- وقيل: شؤم الدار ضيقها وسوء جوارها، وشؤم الفرس ألا يغزى عليه، وشؤم المرأة سوء خلقها، فيحمل الشؤم على قلة الموافقة وسوء الطباع، وهذا كالحديث الذي أخرجه الطيالسي في المسند (١)، وأحمد في المسند (٢)، والبزار كما في كشف الأستار (٣)، وابن حبان في صحيحه (٤)، والحاكم في المستدرك (٥)، والمقدسي في المختارة (٦) من طرق عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيق، والمركب السوء» واللفظ لابن حبان، وإسناد ابن حبان صحيح على شرط البخاري.
قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده الضياء في المختارة.
وذكر في الحديث معان أخر (٧)، أوردت أقواها.
ومن هنا يتبين أن شبهتهم داحضة، فالإسلام لا يثبت الشؤم في المرأة، وإنما يحمي المرأة من أن يتشاءم بها، ولنفي الطيرة والتحذير منها، يقرر رسول الله ﷺ أنها
стр. 326
لو كانت حقًا لكانت في هذه الأشياء الثلاثة: المرأة والفرس والدار، ولمزيد حماية للمرأة، وصيانة لمشاعرها من الخدش، ولسمعها من الجرح، فإن الرجل قد تتغير بعض أوضاعه عند ارتباطه بالمرأة، ويرى أن أحواله تسوء، وأموره تنتكس، ففي هذه الحال يشرع له مفارقتها؛ لا لأجل شؤمها، ولكن حتى لا تسمع ما يؤذيها من أن طالعها كان سببًا، وقدومها كان شؤمًا، وقد حمل بعض العلماء الحديث على أن شؤم المرأة سوء خلقها، كما أن من سعادة المرء المرأة الصالحة.
المطلب الثاني: شبهة نقصان عقل المرأة ودينها
قَلّ أن تجد رجلًا أو امرأة إلا وهو يحفظ هذه العبارة «المرأة ناقصة عقل ودين» ويلوي عنق النص ليطعن به النساء، ويصم الإسلام بظلم المرأة والتقليل من شأنها، وحاله يصدق عليه قول القائل:
وكم من عائب قولًا صحيحًا … وآفته من الفهم السقيم
وتعرض الإسلام لحملات عدائية شتى من قبل أعدائه، أو أذناب أعدائه، من حيث انتقاصه لعقل المرأة ودينها.
و لمناقشة هذا القول، أورد ما يأتي:
١ - أخرج البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث أبي سعيد الخدري خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلي، فمر على النساء، فقال: «يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار» فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل
стр. 327
الحازم من إحداكن!! قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل» قلن: بلى، قال: «فذلك نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟» قلن: بلى قال: فذلك من نقصان دينها. واللفظ للبخاري. وفي لفظ مسلم: «فقالت امرأة منهن جزلة (١): وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟».
فالحديث ثابت رواه الشيخان، وفهم الحديث لا يمكن عزله عن آية الدين التي تتضمن نصاب الشهادة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٢).
والفهم الخاطئ والتناقض في آن واحد يوقع هؤلاء المتعلمين في الأغلوطات، وكثير من الورطات، ويستنتج هؤلاء من لفظ الحديث الذي بتروه أن نقص عقل المرأة نقص في القدرات العقلية، وأن قدرتها على التفكير أقل م ن ق درة الرجل، وأنها تختلف معه في تركيبة العقل فهي أقل منه وأنقص، ولو أهم تدبروا الحديث لوجدوا أن هذا الفهم لا يمكن أن يصح، وأنه يتناقض مع واقع الحديث نفسه لما يلي:
أ- جاء في لفظ مسلم قيام امرأة منهن جَزْلة لتناقش رسول الله ﷺ ، والجزلة كما قال العلماء ذات العقل الوافر، والرأي السديد، فكيف تكون هذه المرأة ناقصة عقل، وذات عقل ورأي في آن واحد!!.
стр. 328
ب- الحديث سيق في مدح النساء وقدرتهن على التأثير، فلو كان نقصًا لكان الرجل به أحق، وبوصفه أحدر؛ لأن رسول الله ﷺ تعجب من إذهاب المرأة للب الرجل الحازم، وتأمل التعبير النبوي: «أذهب للب الرجل الحازم» إذ إن معين أذهب أي: أشد إذهابًا. واللب أخص من العقل وهو الخالص منه، والحازم الضابط لأمره، وهذه مبالغة في وصفهن بذلك؛ لأن الضابط لأمره إذا كان ينقاد لهن فغير الضابط أولى (١).
قال العين: «فإن قلت: أليس ذلك ذمًا لهن، قلت: لا، وإنما هو على معنى التعجب فإنهن مع اتصافهن بهذه الحالة يفعلن بالرجل الحازم كذا وكذا» (٢).
فإن كانت ناقصة العقل تذهب لب حازم الرجال، أتراه كمالًا في حقه أم نقصًا؟! ألا ترى في حديث رسول الله ﷺ إشارة إلى قدرة المرأة، ونقص الرجل الذي يذهب بلبه على الرغم من ذكائه؟!!.
٢ - يلزم القائل بظاهر هذا الحديث أن يكون أتم عقلًا ودينًا من مريم، وأم موسى، وعائشة، وفاطمة، والقول بغير هذا يعني أن من الرجال من هو أنقص دينًا وعقلًا من النساء، ويعرف بهذا أن هذا النقصان لا يوجب نقصان الفضل، فنساء النبي ﷺ وبناته أفضل دينًا ومنزلة عند الله من كل تابعي، ومن كل رجل يأتي من بعدهم إلى يوم القيامة.
٣ - الإسلام يَعُدّ المرأة والرجل سواء أمام التكاليف الشرعية من حيث الأداء والعقوبة، فلو كانت المرأة ناقصة عقل، كيف يكون أداؤها وعقوبتها بالمستوى نفسه للرجل، هذا ينافي العدل الذي ينادي به الإسلام، فناقص العقل لا يكلف بمثل ما
стр. 329
يكلف به من هو أكمل منه عقلًا، ولا يحاسب بالقدر نفسه الذي يحاسب به، على فرض أن الرجل أكمل عقلًا من المرأة.
٤ - إن نقصان العقل والدين فسّره رسول الله ﷺ في الحديث فيقصر عليه، ولا يُتعدَّى لغيره، وأعلى مراتب تفسير الحديث: الحديث نفسه، وقد سلمن الصحابيات ما نسب إليهن من الأمور الثلاثة: الإكثار، والكفران، والإذهاب، ثم استشكلن كونهن ناقصات عقل ودين، وما ألطف جوابه ﷺ حين بيّن نقصان العقل بقوله: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟» (١) يقول العيني: «فإن قلت: النكتة في تعبيره بهذه العبارة، ولم يقل: أليس شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل. قلت: لأن في عبارته تلك تنصيصًا على النقص الصريح بخلاف ما ذكرت، فإنه يدل عليه ضما فافهم فإنه دقيق» (٢).
يقول ابن القيم ﵀: «قال شيخنا ابن تيمية ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٣) فيه دليل على استشهاد امرأتين مكان رجل، إنما هو لإذكار إحداهما الأخرى إذا ضَلَّتْ، وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة، وهو النسيان وعدم الضبط، وإلى هذا المعنى أشار النبي ﷺ حيث قال: «وأما نقصان عقلهن فشهادة امرأتين بشهادة رجل» فبين أن شطر شهادتهن إنما هو لضعف العقل لا لضعف الدين، فعلم بذلك أن عدل النساء
стр. 330
بمنزلة عدل الرجال، وإنما عقلها ينقص عنه، فما كان من الشهادات لا يخاف فيه الضلال في العادة، لم تكن فيه على نصف الرجل، وما تقبل فيه شهادتهن منفردات إنما هي أشياء تراها بعينها، أو تلمسها بيدها، أو تسمعها بأنها من غير توقف على عقل كالولادة والاستهلال والارتضاع والعيوب تحت الثياب؛ فإن مثل هذا لا ينسى في العادة، ولا تحتاج معرفته إلى إعمال عقل كمعاني الأقوال التي تسمعها من الإقرار بالدين وغيره فإن هذه معان معقولة، ويطول العهد ما في الجملة» (١).
وعلى هذا فإن على مورِد الدليل أن يوضحه ويقصره على أن نقصان عقل المرأة كون شهادتها على النصف من شهادة الرجل، ولا نعمم ما خصصه الشرع، يقول الإمام المازري: «قوله ﷺ : «أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل ش هادة رجل» تنبيه منه ﷺ على ما وراءه، وهو ما نبه الله عليه في كتابه بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أي: إنهن قليلات الضبط (٢)».
فمن فهم نقصان العقل على الإطلاق؛ لم يأخذ الحديث بأكمله، ولم يربطه بما يفسره من كتاب الله، فالحديث يعلل نقصان العقل عند النساء بكون شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، والآية تعلل ذلك بالضلال والتذكير، ولم تصرح الآية بأن النساء ناقصات عقل، ولا أن الحاجة إلى نصاب الشهادة هذا لأجل أن تفكير المرأة أقل من تفكير الرجل.
يقول عزيز أبو خلف: « … ولم تستخدم كلمة العقل في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة لتشير إلى عضو التفكير مطلقًا، كما لم ترد كلمة العقل على المصدرية
стр. 331
في القرآن الكريم، وإنما استخدمت هذه الكلمة بصيغة الجمع: يعقلون، وتعقلون، ونعقل، وعقلوه، ويعقلها وذلك في تسعة وأربعين موضعًا، ولم ترد بصيغة الماضي إلا مرة واحدة، ووردت في باقي المواضع بصيغة الحاضر أو المستقبل.
والمعنى المستفاد من هذه الصيغ غالبًا هو لفت الانتباه للتفكير م ن أجل إدراك العاقبة، واتخاذ خطوة نحو العمل وهو بذلك يكون في معناه أوسع من بمجرد التفكير، فنحن إذا فكرنا ننتج الفكرة، أما إذا عقلنا فندرك ما وراء هذه الفكرة من أبعاد متعلقة بالتصديق والعمل.
فالسمة الأساسية للعقل وفق اصطلاح الكتاب والسنة هي إدراك العاقبة المنشودة، والعمل لها، والثبات على ذلك.
وقد لخص ابن تيمية ﵀ المعنى اللغوي والشرعي للعقل أحسن تلخيص، فقال في الفتاوى: «العقل في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلًا يراد به القوة التي يعقل بها، وعلوم وأعمال تحصل بذلك، وهو علم يعمل بموجبه، فلا يسمى عاقلًا من عرف الشر فطلبه، والخير فتركه» (١).
أما الأحاديث المتعلقة بالعقل فلم يصح منها شيء، فقد قال ابن حبان البستي: «لست أحفظ عن النبي ﷺ خبرًا صحيحًا في العقل» (٢) وقال ابن تيمية: «أما حديث العقل فهو كذب موضوع عند أهل العلم بالحديث ليس في شيء من كتب الإسلام المعتمدة (٣)» … ولا تدل معطيات العلم المتعلقة بأبحاث الدماغ والتفكير والتعلم على أي اختلاف جوهري بين المرأة والرجل من حيث التفكير
стр. 332
والتعلم، كما لا تدل على اختلاف في قدرات الحواس والذكاء، ولا في تركيب الخلايا العصبية المكونة للدماغ، ولا في طرق اكتساب المعرفة، فلم تظهر الأبحاث المتعلقة بالدماغ فروقًا جوهرية إلا في حدود ضيقة لا تتجاوز ربع انحراف معياري واحد. فقد أكدت كثير من الأبحاث تماثل نصفي الدماغ عند النساء بشكل أكبر منه عند الرجال، لكن لم يتأكد أي شيء يدل على اختلاف في التفكير بناء على ذلك، معنى هذا أن المرأة والرجل سواء بالفطرة من حيث عملية التفكير، ولا يتميز أحدهما عن الآخر إلا في الفروق الفردية، أي: في مستوى الذكاء ودرجته، وليس في نوعيته … وقد أكدت كثير من الأبحاث الطبية أن التغيرات الجسدية التي تمر بها المرأة (أثناء الحمل والولادة والطمث) تؤثر في نفسيتها فتعرضها للإصابة بالإحباط، وقلة التركيز، والكسل، وتأثر الذاكرة قصيرة المدى عندها … ثم قال: ماذا تستنتج من كل ذلك؟.
ليس في الآية ولا في الحديث ما يدل على أن قدرات التفكير عند المرأة أقل من قدرات الرجل، ولا أن الرجل يفكر بالنيابة عن المرأة، وهذا عام في باقي نصوص الكتاب والسنة بدليل الخطاب الإيماني العام لكل من الرجل والمرأة، مما يؤكد الوحدة الإنسانية في العقل، والغرائز، والحاجات العضوية عند كل منهما، هذا بالإضافة إلى العديد من النصوص التي تدلل على قدرة المرأة على التفكير والتصرف في أحلك المواقف، وهذا كثير في كل من الكتاب والسنة، وأما النصوص التي تجعل للرجل قوامة وميزات أخرى، فهي أحكام شرعية تتناسب مع طبيعة المجتمع المسلم وليس لها علاقة بالقدرات العقلية.
يشير الحديث إلى أن النساء ناقصات عقل، لكنه يعلل ذلك بكون شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، وفي هذا إحالة إلى آية الدين، والتي تعلل الحاجة
стр. 333
إلى امرأتين بالضلال والتذكير، والضلال هو العدول عن الطريق المستقيم، ومنه النسيان، وقد يؤدي إليه، والتذكير فيه لفت الانتباه، ويتأثر بالحالة النفسية، وقد تحجبه كليا عن رؤية الحق والواقع، فالذي لا يرى إلا جانبًا معينًا من الواقع ولا يرى غيره، يكون تفكيره ناقصا سواء كان رجلًا أو امرأة.
الكلام في كل من الآية والحديث هو عن أحكام إسلامية في مجتمع مسلم، والمرأة بحكم طبيعتها وعيشها في المجتمع الإسلامي -خصوصًا- تكون خبرها أقل من الرجل إجمالًا من حيث المعلومات وتعلقها بالواقع المعين، ولا سيما في المجالات التي يقل وجودها فيه؛ لذلك كان لا بد من الاستيثاق في الشهادة ليرتاح صاحب المعاملة المالية خصوصًا من حيث ضمان حقه.
إذا ما أخذنا في الحسبان كل هذه الحقائق والوقائع، ثم قابلنا بينها وبين واقع العقل والتفكير وواقع الآية والحديث، فإننا نخلص إلى أن نقص العقل ليس هو في قدرات التفكير، ولا في تركيبة الدماغ، وإنما في العوامل المؤثرة في التفكير والعقل، وهو ينحصر على وجه التحديد في الخبرة ومنها المعلومات، وفي موانع التفكير؛ فإن كون المرأة المسلمة بعيدة عن واقع المعاملات المالية، فلا بد أن خبرتها أقل من الرجال المنخرطين في هذه المعاملات كما أن المرأة تمر بمتغيرات جسمانية تؤثر على حالتها النفسية … بل هناك آية قرآنية تنفي العقل عن كبراء القوم وعظمائهم من الكفار والمنافقين وأهل الكتاب، (١) وهذا يعني أن الأمر طبعي، وليس فيه أن قدرات
стр. 334
المرأة على التفكير أقل من قدرات الرجل، ولا أنها ناقصة عقل بالمفهوم الشائع» (١).
• وأمّا معنى «ناقصات دين» ففسرها رسول الله ﷺ في الحديث نفسه حيث قال: «أليس إذا حاضَتْ لم تصل ولم تَصُم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها».
يقول النووي: «وأما وصفه ﷺ بنقصان الدين لتركهن الصلاة والصوم في زمن الحيض، فقد يستشكل معناه، وليس مشكل!! بل هو ظاهر؛ فإن الدين والإيمان والإسلام مشتركة في معنى واحد كما قدمناه في مواضع، وقدمنا أيضًا في مواضع أن الطاعات تسمى إيمانًا ودينًا، وإذا ثبت هذا علمنا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت عبادته نقص دينه، ثم نقص الدين قد يكون على وجه يأثم به، كمن ترك الصلاة أو الصوم أو غيرهما من العبادات الواجبة عليه بلا عذر، وقد يكون على وجه لا إثم فيه كمن ترك الجمعة أو الغزو أو غير ذلك مما لا يجب عليه لعذر، وقد يكون على وجه هو مكلف به كترك الحائض الصلاة والصوم.
فإن قيل: فإن كانت معذورة فهل تثاب على الصلاة في زمن الحيض وإن كانت لا تقضيها كما يثاب المريض والمسافر، ويكتب له في مرضه وسفره مثل نوافل الصلوات التي كان يفعلها في صحته وحضره.
فالجواب: أن ظاهر هذا الحديث أنها لا تثاب، والفرق أن المريض والمسافر كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهليته لها، والحائض ليست كذلك بل نيتها ترك الصلاة في زمن الحيض، بل يحرم عليها نية الصلاة في زمن الحيض فنظيرها مسافر أو مريض كان يصلي النافلة في وقت، ويترك في وقت غير ناو الدوام عليها، فهذا لا
стр. 335
يكتب له في سفره ومرضه في الزمن الذي لم يكن يتنفل فيه، والله أعلم» (١).
وتعقبه الحافظ فقال: «وعندي في كون هذا الفرق مستلزمًا لكونها لا تثاب وقفة» (٢).
قلت: وكلام الحافظ وجيه؛ لأن قياس ترك الحائض الصلاة على المريض والمسافر قياس مع الفارق؛ لأن المرأة مخاطبة من الشرع بتحريم الصلاة والصيام زمن الحيض بخلاف المسافر والمريض، وترك الحرام يثاب عليه العبد إجماعًا عند العلماء، ففي القول بعدم ثبوت ثوابها تفريق بين المتماثلات، والله تعالى أعلم.
ومن هنا يعلم أن نقص الدين ليس منحصرًا فيما يحصل به الإثم بل في أعم من ذلك؛ لأنه أمر نسبي، فالكامل مثلًا ناقص عن الأكمل، ومن ذلك الحائض لا تأثم بترك الصلاة زمن الحيضة بل تؤجر لالتزامها النهي، لكنها ناقصة عن المصلي.
• قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ في معنى الحديث: « … لكن قد تفوقه (أي: المرأة) في بعض الأحيان في أشياء كثيرة، فكم من امرأة فاقت كثيرًا من الرجال في عقلها ودينها وضبطها.
وقد تكثر منها الأعمال الصالحات فتربو على كثير من الرجال في علمها الصالح، وفي تقواها الله وفي منزلتها في الآخرة، وقد تكون لها عناية في بعض الأمور ضبطًا كثيرًا أكثر من ضبط بعض الرجال في كثير من المسائل التي تعنى بها، وتجتهد في حفظها وضبطها، فتكون مرجعًا في التاريخ والإسلام وفي أمور كثيرة، وهذا واضح لمن تأمل أحوال النساء في عهد النبي ﷺ وبعد ذلك، وبهذا يعلم أن هذا النقص لا يمنع من الاعتماد عليها في الرواية، وهكذا في الشهادة إذا
стр. 336
انجبرت بامرأة أخرى، ولا يمنع أيضًا تقواها لله، وكونها من خيرة إماء الله، إذا استقامت في دينها، فلا ينبغي للمؤمن أن يرميها بالنقص في كل شيء، وضعف الدين في كل شيء، وإنما هو ضعف خاص في دينها، وضعف في عقلها فيما يتعلق بضبط الشهادة ونحو ذلك، فينبغي إنصافها، وحمل كلام النبي ﷺ على خير المحامل وأحسنه» (١).
ألا فليتق الله من يقتطع الأدلة؛ وليوردها كاملة وفي مواطن الاستشهاد وليحذر من التحريف أو التعطيل؛ كيلا ينطبق عليه قول الرب جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ (٢) وليسأل إذ لم يعلم؛ فإن شفاء العي السؤال.
كما أهمس في أذن أختي المسلمة ألا تكون بوقًا لكل ناعق، ولا تكون إمعة إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أساءت، بل لا بد أن تتميز بما تدين الله به، وما شرفها به، ولتعلمي أن الله ضرب المثل في الإيمان بالله في كتابه بامرأة فرعون ومريم بنت عمران، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ (٣).
بل إن رسول الله ﷺ لما ضاق عليه أمره في صلح الحديبية، وامتنع الصحابة عن حلق رؤوسهم، ونحر هديهم، استشار أم سلمة فأشارت عليه بالرأي السديد فقالت: «يا رسول الله، لا تلمهم فإن الناس قد دخلهم أمر عظيم مما رأوك حملت
стр. 337
على نفسك في الصلح، فاخرج يا رسول الله لا تكلم أحدًا من الناس حتى تأتي هديك فتنحر، وتحل، فإن الناس إذا رأوك فعلت ذلك فعلوا كالذي فعلت» (١) ففعل رسول الله ﷺ ، ما أشارت عليه به أم سلمة فكان ما قالته حقًا؛ أتراها بعد ذلك تتهم بنقصان العقل مطلقًا؟!.
المطلب الثالث: شبهة حول شهادة المرأة
يثير أعداء الأمة هذه الشبهة، ويدندنون حولها ويزمرون؛ ويرون الإسلام انتقص النساء حقوقهن، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٢).
وإليك تفنيد هذه الشبهة:
أولًا: الشهادة مصدر شهد جمع لإرادة الأنواع، قال الجوهري: «الشهادة خبر قاطع، والشاهد حامل الشهادة، ومؤديها؛ لأنه مشاهد لما غاب عن غيره» (٣).
ثانيًا: الشهادة تكليف لا تشريف:
الشهادة في المفهوم الإسلامي ليست حقًا يتزاحم عليه الناس؛ وإنما هي عبء ثقيل يتهرب الشاهد منه؛ لأن الشاهد يشهد، وغيره يقبض؛ لذلك كان متوقعًا
стр. 338
تقرب الناس من الشهادة، فنهاهم الله عن ذلك فقال: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (١) وفي الله سبحانه عن كتمانها، وتوعد الله كاتم الشهادة بالإثم لما في ذلك من تضييع حقوق العباد فقال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢) والشهادة تتطلب في جميع أحوالها من الشاهد بذل الجهد في مغالبة هواه وميله، وفي تغلبه على أحاسيسه ومشاعره، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٤) وهذا يدل على أن تحمل الشهادة عبء على الشاهد وليست له، ومن أعفي من هذه المسؤولية فقد خُفِف عنه، وقد نص القرآن الكريم على العديد من الرخص، وفقًا لمقتضيات الحال كالرخصة في الفطر للمسافر، والقصر والجمع، ولم يعد هذا التخفيف إهانة بل نعمة تستوجب شكر المنعم.
فالحمد لله الذي رفع أعباء الشهادة وتبعاتها عنّا معشر النساء؛ ولهذا السبب لم أورد الشهادة حقًا للمرأة؛ إذ إنها تكليف لا تشريف.
ثالثًا: انطلاقًا من مفهوم الشهادة في الإسلام،
وحرصًا على أدائها بصدق
стр. 339
وأمانة، عزز الإسلام الشهادة مطلقًا، فعزز شهادة الرجل بشهادة رجل آخر، قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١) ومع ذلك لم يعتبر أحد أن هذا مسيس بكرامة الرجل، وعند عدم توافر الشاهدين من الرجال، والاحتياج إلى شهادة المرأة، عززت شهادة الرجل بامرأتين، والآية عللت اشتراط المرأتين بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.
يقول ابن القيم: «قال شيخنا ابن تيمية ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فيه دليل على أن استشهاد امرأتين مكان رجل إنما هو لإذكار إحدهما الأخرى إذا ضلت، وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة وهو النسيان وعدم الضبط … وما تقبل فيه شهادتهن منفردات إنما هي أشياء تراها بعينها، أو تلمسها بيدها، أو تسمعها بأذنها من غير توقف على عقل كالولادة والاستهلال والارتضاع والعيوب تحت الثياب (٢)؛ فإن مثل هذا لا ينسى في العادة، ولا تحتاج معرفته إلى إعمال عقل كمعاني الأقوال التي تسمعها من الإقرار بالدين وغيره، فإن هذه معانٍ معقولة، ويطول العهد ما في الجملة» (٣).
من أسباب ضلال المرأة عند شهادتها:
١ - إن رسالة المرأة في حياتها اليومية تستلزم بقاءها في البيت في غالب الأوقات، وبخاصة أوقات البيع والشراء، ووجودها حيث تحرى المعاملات المالية بين الناس لا يقع إلا نادرًا، وما كان كذلك فليس من شأنها أن تحرص على تذكره
стр. 340
حين مشاهدته؛ لأنها غالبًا ما تمر عابرة لا تلقي له بالًا، فإذا جاءت تشهد كان احتمال نسيانها واردًا، فإذا شهدت معها أخرى زال احتمال النسيان.
٢ - آية الدين ترشد إلى أكمل وجوه الاستيثاق، ومن المعلوم أن المرأة في الغالب لا تشغل بالها بالمعاملات المالية؛ فما لم تعتده أو تشتغل به فإن احتمال النسيان في حقه وارد، بخلاف الأمور التي تعنيها من شؤون النساء والمنزل؛ ولذا فإن الواحدة منا معاشر النساء تفوق آلاف الرجال في هذا المجال.
٣ - إن النسيان قد ينشأ من تركيبة المرأة العضوية البيولوجية التي تؤثر في نفسيتها، مما يجعلها سريعة الاستجابة الوجدانية الانفعالية، وهذا تركيب مناسب لتلبية مطالب طفلها بسرعة وحيوية، لا ترجع فيها إلى التفكير البطيء، وذلك من فضل الله تعالى على المرأة والطفل، والشهادة على التعاقد في حاجة إلى تحرد كبير من الانفعال ووقوف عند الوقائع بلا تأثر ولا إيحاء، ووجود امرأتين فيه ضمان أن تذكر إحداهما الأخرى.
٤ - وأرجع سبب نسيان المرأة د. محمد بلتاجي إلى طبيعتها من حيث انشغالها أحيانًا بعض جزئيات الموضوع المشاهد عن النظرة الشمولية إليه، وعن علاقات هذه الجزئيات بعضها ببعض وأيضًا لما يعتريها في حالات معينة (كالحيض والحمل وعقب الولادة) لا ينكرها إلا جاهل أو محادل بالباطل من عدم التوازن الهرموني، أو اضطراب المزاج الخاص مما يؤثر قطعًا على تحمل الشهادة وأدائها (١).
٥ - يقول الزنداني: « … وقد ظهر اليوم السر في ذلك، والحكمة من هذا التشريع، عندما عرف أن للرجل مركزًا في مخه للكلام في أحد الفصين، ومركزًا
стр. 341
للذاكرة في الفص الآخر … فإذا اشتغل مركز الكلام عند الإدلاء بالشهادة، فلا يؤثر على المركز المتخصص بالذاكرة، لكن المرأة لها مركزان في فصي المخ مختلطان يعملان لتوجيه الكلام وللذاكرة، فإذا تكلمت المرأة اشتغل المركزان بالكلام، وقد يؤثر ذلك على الجزء من الذاكرة التي فيها المعلومة المطلوبة للشهادة. ونرى الإشارة إلى ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (١).
وبالشهادة تستحل الدماء والأنفس والأعراض والأموال، فهل تعجب أن أمر الإسلام بالاستيثاق فيها؟!.
أحكام الشهادة:
أجزم أن من يثير هذه الشبهة، قليل فقه في الدين، وجاهل بأحكام الشهادات في الشرع الإسلامي؛ وإليك بيانها على الراجح من أقوال أهل العلم:
١ - شهادة أربعة رجال عدول أحرار مسلمين على رؤية الزيني بالاتفاق لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٢) قال في المغني: «أجمع المسلمون على أنه لا يقبل في الزنى أقل من أربعة شهود … وجمهور العلماء على أنه يشترط أن يكونوا رجالًا أحرارًا فلا تقبل شهادة النساء ولا العبيد، وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وشذ أبو ثور» (٣).
٢ - ما يطلع عليه الرجال، لا يقبل فيه أقل من رجلين، وهذا القسم نوعان:
أ- العقوبات وهي الحدود والقصاص، يقول ابن قدامة في المغني: «الحدود
стр. 342
والقصاص لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين، إلا ما روي عن عطاء، وحماد أنما قالا: يقبل فيه رجل وامرأتان قياسًا على الشهادة في الأموال. ولنا أن هذا مما يحتاط لدرئه وإسقاطه؛ ولهذا يندرئ بالشبهات، ولا تدعو الحاجة إلى إثباته، وفي شهادة النساء شبهة بدليل قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، وأنه لا تقبل شهادتهن وإن كثرن ما لم يكن معهن رجل، فوجب ألّا تقبل شهادتهن فيه، ولا يصح قياس هذا على المال لما ذكرنا من الفرق، وهذا الذي ذكرنا قال سعيد بن المسيب، والشعبي، والنخعي، وحماد، والزهري وربيعة، ومالك، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي» (١).
تنبيه: وإن قلت لم لا تقبل شهادة المرأة في الجنايات؟
يقول الشيخ مصطفى السباعي معللًا ذلك: «لا تقبل شهادة النساء في الجنايات لأنها غالبا ما تكون قائمة على شؤون بيتها، ولا يتيسر لها أن تحضر مجالس الخصومات التي تنتهي بجرائم القتل وما أشبهها، وإذا حضرها قلّ أن تستطيع البقاء إلى أن تشهد جريمة القتل بعينها، وتظل رابطة الجأش بل الغالب أما إذا لم تستطع الفرار تلك الساعة، كان منها أن تغمض عينيها وتولول وتصرخ، وقد يغمى عليها، وذلك يرجع لما يركب في طبيعتها فهي شديدة العاطفة، سريعة الانفعال، رقيقة الوجدان، لكي تؤدي وظيفتها الأساسية على أكمل وجه -وظيفة الأمومة- فكيف يمكن لها أن تتمكن من أداء الشهادة، فتصف الجريمة، والمجرمين، وأداة الجريمة، وكيفية وقوعها، ومن المسلَّم به أن الحدود تدرأ بالشبهات، وشهادتها في
стр. 343
القتل وأشباهه تحيط بها الشبهة، شبهة عدم إمكان تثبتها من وصف الجريمة؛ لحالتها النفسية عند وقوعها» (١).
ب- ما ليس بعقوبة كالنكاح والرجعة والطلاق، اختلف قول الفقهاء فيه، فذهب النخعي والزهري (٢)، ومالك (٣)، والشافعي (٤)، وأحمد (٥) إلى أنه لا تقبل فيه إلا شهادة رجلين، قال ابن شهاب: مضت السنة من رسول الله ﷺ بذلك، ومن الخليفتين من بعده أنه لا تجوز شهادة النساء في النكاح ولا في الطلاق ولا في الحدود (٦).
وذهب جابر بن زيد، وإياس بن معاوية، والشعبي، والثوري، وإسحاق (٧) وأصحاب الرأي (٨)، ورجحه ابن القيم (٩) أنه تقبل فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، واحتجوا بأنه لا يسقط بالشبهة فيثبت برجل وامرأتين كالمال.
قال ابن قدامة: «ولنا أنه ليس بمال، ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال، فلم يكن للنساء في شهادته مدخل كالحدود والقصاص، وما ذكروه لا
стр. 344
يصح؛ فإن الشبهة لا مدخل لها في النكاح» (١).
٣ - المعاملات المالية من بيع، ووقف، وإجارة، وهبة، وصلح، ومساقاة، ومضاربة، وهدية، ودين، لا يقبل فيها أقل من رجلين أو رجل وامرأتين، ونقل ابن قدامة (٢) الإجماع على ذلك؛ لآية الدين في سورة البقرة.
٤ - وهناك مسائل لا تسمع فيها شهادة الرجل، وتسمع فيها شهادة المرأة، وهي القضايا التي تختص بها النساء، قال ابن قدامة: «قال القاضي: والذي تقبل فيه شهادتهن منفردات خمسة أشياء: الولادة، والاستهلال، والرضاع، والعيوب تحت الثياب كالرتق والقرن والبكارة والثيابة والبرص، وانقضاء العدة، ثم اختلفوا في عدد الشهود من النساء على قولين:
الأول: تجزىْ شهادة امرأة عدل فيما مضى، وإلى هذا ذهب طاووس (٣)، وأبو يوسف، ومحمد (٤)، والإمام أحمد في رواية عنه (٥).
الثاني: لا تقبل فيه إلا امرأتان، وهذا قول الحكم، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وإليه ذهب الثوري (٦)، ومالك (٧)، وقالوا: لأن كل جنس يثبت به الحق يكفي فيه اثنان كالرجال. ونقل ابن بطال (٨) الإجماع على أن شهادة المرأة الواحدة لا تحوز في الرضاع، فأبعد ﵀؛ لأن ما مضى ينقضه.
стр. 345
والراجح القول الأول؛ ودليله ما أخرجه البخاري في صحيحه (١) من طريق عبد الله بن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: قد أرضعت عقبة والتي تزوج. فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني، فأرسل إلى آل أبي إهاب يسألهم، فقالوا: ما علمنا أرضعت صاحبتنا. فركب إلى النبي ﷺ بالمدينة فسأله، فقال رسول الله ﷺ «كيف وقد قيل؟» ففارقها ونكحت زوجًا غيره.
وأخرجه الترمذي (٢) وقال: «والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، أجازوا شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، وقال ابن عباس: تجوز شهادة امرأة واحدة في الرضاع، ويؤخذ يمينها، وبه يقول أحمد وإسحاق. وقد قال بعض أهل العلم؛ لا تجوز شهادة المرأة الواحدة حتى يكون أكثر، وهو قول الشافعي».
واختلفوا في التفريق بين الزوجين لشهادة المرضعة على أقوال عدة (٣)، ومن لم يقبل شهادة المرضعة وحدها، حمل النهي في حديث عقبة (فنهاه عنها) (٤) على التنزيه، وحمل الأمر في قوله (دعها عنك) (٥) على الإرشاد.
ومن قَبِل شهادة المرضعة الواحدة حمله على ظاهره، يقول الصنعاني: «قالوا: وهذا الحديث محمول على الاستحباب والتحرز عن مظان الاشتباه. وأجيب بأن هذا خلاف الظاهر، ولاسيما قد تكرر سؤاله للنبي ﷺ أربع مرات، وأجابه بقوله
стр. 346
«كيف وقد قيل؟» وفي بعض ألفاظه «دعها» وفي رواية الدارقطني «لا خير لك فيها» ولو كان من باب الاحتياط لأمره بالطلاق، مع أنه في جميع الروايات لم يذكر الطلاق، فيكون هذا الحكم مخصوصًا من عموم الشهادة المعتبر فيها العدد، وقد اعتبرتم ذلك في عورات النساء، فقلتم يكتفي بشهادة امرأة واحدة، والعلة عندهم فيه أنه قلما يطلع الرجال على ذلك فالضرورة داعية إلى اعتباره فكذا هنا» (١).
٥ - المرأة تساوي الرجل في شهادات اللعان بنص القرآن (٢).
• أيّها القارئ الفاضل أعتقد أن أي منصف يقرأ ما تقدم يرى أن النسب الذي هو إحدى الضرورات الخمس التي جاء الإسلام للحفاظ عليها، يثبت بشهادة امرأة واحدة، وكذلك الفراق بين الزوجين يثبت بشهادة المرضعة؛ فأيّهما أعظم شأنًا أن تشهد على حفنة من دريهمات، أو تشهد على قضايا خطيرة تحدد مصير أقوام، إن الشهادة في الإسلام يراعى فيها جانب المران والخبرة؛ لأنهما يؤثران في الضبط وعدم النسيان، ولذا وزع الإسلام الأدوار، وبين اختصاص كل جنس بما يحسن، ولله الحمد والمنة.
المطلب الرابع: شبهة حول ورود المرأة والشيطان في الحديث النبوي
يشنع بعض الناس على الحديث النبوي؛ بأنه قَرَن المرأة بالشيطان في بعض الأحاديث، ويرون أن الفتنة تتأتى بالمرأة وتحصل بها، ويثيرون الأدلة من السنة الصحيحة على ذلك، ومشكلة هؤلاء أنهم يعطلون النصوص، ويفهمونها فهمًا جزئيًّا لا كليًّا، إذ أن الدين كلٌّ يُضَم بعضه لبعض؛ ليفهم ويعمل به، وأخشى أن
стр. 347
يأتي على الناس زمان يحذّر أحدهم من الصلاة، ويقول قرأت في كتاب الله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (١) وما علم -هداه الله- لو أمعن نظره أن الآية بعدها تفسرها: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٢)، ولذا ذم الله الباحثين عن المتشابه، المتعلقين به فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٣).
والمتشابه أقسام عدة منها ما لا يعرف المراد منه حتى يضم لغيره، وهو أضربٌ مختلفة، منها ما يرجع للكمية كالعموم والخصوص نحو: ﴿الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤)، والثاني من جهة الكيفية كالوجوب والندب نحو: ﴿و فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ (٥)، والثالث من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (٦)، والرابع من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها نحو: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (٧) إلى غير ذلك (٨)، وكذلك كثيرٌ من
стр. 348
الأحاديث التي يديرون حولها الشبهات، ولو سألت الواحد منهم عن بعض الآيات المحكمات ما استطاع إجابتك؛ فلله العجب!!!.
أخرج البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث عائشة قالت: تلا رسول الله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمي الله فاحذروهم» واللفظ لمسلم.
وسأعرض تحت هذه الشبهة أحاديث مختلفة يجمعها في فهم من يثير الشبهة: ارتباط المرأة بالشيطان والفتنة:
الحديث الأوّل: (لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر):
ما أخرج البخاري (٣)، ومسلم (٤) من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : «لولا بنو إسرائيل لم يَخْنَزِ (٥) اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر» واللفظ للبخاري.
يستدل البعض بهذا الحديث على أن حواء سبب الخطيئة الأولى، وأورد فيما يأتي نقاطًا في فهم الحديث ومناقشة الشبهة:
١ - يقول الحافظ: «وقوله (لم تخن أنثي زوجها) فيه إشارة إلى ما وقع من
стр. 349
حواء في تزيينها لآدم الأكل من الشجرة حتى وقع في ذلك، فمعنى خيانتها أنها قبلت ما زين لها إبليس حتى زينته لآدم، ولما كانت هي أم بنات آدم أشبهنها بالولادة ونزع العرق، فلا تكاد امرأة تسلم من خيانة زوجها بالفعل أو بالقول، وليس المراد بالخيانة هنا ارتكاب الفواحش حاشا وكلا، ولكن لما مالت إلى شهوة النفس من أكل الشجرة، وحسنت ذلك لآدم عد ذلك خيانة له، وأما من جاء بعدها من النساء فخيانة كل واحدة منهن بحسبها، وقريب من هذا: جحد آدم فجحدت ذريته، وفي الحديث إشارة إلى تسلية الرجال فيما يقع لهم من نسائهم بما وقع من أمهن الكبرى، وأن ذلك من طبعهن فلا يُفْرط في لوم من وقع منها شيء من غير قصد إليه أو على سبيل الندور، وينبغي لهن ألا يتمكنَّ بهذا في الاسترسال في هذا النوع بل يضبطن أنفسهن، ويجاهدن هواهن» (١).
تأملات في كلام الحافظ حول معنى الحديث:
ومن كلام الحافظ يتبين ما يأتي:
أ- إن الحديث لم يُفَصِّل قضية تزيين حواء لآدم الأكل من الشجرة، وإنما أشار إليها إشارة موجزة فهمها شرّاح الحديث توضح أن لحواء دورًا في أكل آدم من الشجرة؛ لكنه لم يبين هذا الدور.
ب- في ضوء كلام الحافظ يظهر أن الغاية من الحديث هي بالدرجة الأولى في مصلحة الزوجة، وهي العمل بما أوصى به الحافظ الزوج ألا يُفْرِط في لوم زوجته لما وقع منها من غير قصد أو على سبيل الندور.
جـ- إن آدم وقعت له وسوسة الشيطان أيضًا فأطاعه؛ بنص القرآن الكريم؛
стр. 350
كما سيأتي.
٢ - أليس آدم ﵇ أبو البشر هو الرجل الذي خاطبه الرب جل وعلا قائلًا: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ (١) فَلِمَ أطاع حواء ولم ينهها، أو يقومها؟! من الملوم (٢) الداعي أم المجيب؟! والرب -جل وعلا- في كتابه أوضح أن المعصية لم تكن من حواء فحسب، بل من آدم وحواء جميعًا، ووسوسة إبليس وقعت لهما معًا، وليس لحواء وحدها؛ بل أتت آيات لتخصيص آدم بالعتاب وحده؛ إذن فمسؤولية الأكل من الشجرة مشتركة، يقول تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٣).
стр. 351
وقال عز من قائل سبحانه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (١).
وفي آية أخرى قال سبحانه: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٢).
وبهذا فإن فعل الوسوسة من الشيطان اتجه إلى الاثنين معًا لقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ وكذا قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ أصله من الزل وهو عثور القدم، يقال: زلت قدمه أي: زلقت، ثم استعمل في ارتكاب الخطيئة، يقال: زل الرجل إذا أخطأ وأتي ما ليس له إتيانه، وكان ذلك سبب إذهابهما عن الجنة، وإبعادهما وقرئ: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ (٣)، وعلى هذا تكون القراءتان بمعنى.
ونسب الله الزلة والإخراج إلى الشيطان؛ لأنها وقعت بدعائه، ووسوسته وهو المتسبب فيهما.
يقول د. أسعد الحمراني: «هذا الهبوط من الجنة لم يكن بسبب غواية حواء.
стр. 352
فالنص القرآني استخدم الخطاب مع ألف المثني كي يزيل كل غموض حول الغواية، ويلحقها بآدم وحواء معًا. ولو ورد في النص القرآني (فوسوس لهما الشيطان) لآدم وحواء أو لحواء وآدم، لظن قارئ النص بأن من ورد اسمه قبل الآخر هو الذي وقع قبل الآخر بغواية الشيطان، لكن مجيء النص بهذه الصورة ألغى كل التباس» (١).
ويكفي المرأة المسلمة أن الإسلام أتى ليرفع عنها ظلم العباد الذين اتهموها بالخطيئة الأولى؛ وألصقوها بها، وطالت أيديهم الكتب المقدسة فحرفوها؛ لقد جاء في التوراة: «وكانت الحية أصل جميع الحيوانات البرية. فقالت للمرأة: أحقًا قال الله: لا تأكلا من كل شجر الجنة؟ فقالت المرأة للحية: من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله: لا تأكلا منها، ولا تَمسّاه؛ لئلا تموتا. فقالت الحية للمرأة: لن تموتا، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تتفتح أعينكما، وتكونان كالله عارفين الخير والشر، فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل، وأنها بهجة للعيون، وأن الشجرة شهية للنظر، وأخذت من ثمرها وأكلت، وأعطت رجلها أيضا معها فأكل، وانفتحت أعينهما، وعلما أنهما عريانان … » إلى أن قال الله لآدم: «هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك ألا تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة. فقال الرب الإله للمرأة: ما هذا الذي فعلت؟ فقالت المرأة: الحية غرتني فأكلت … وقال للمرأة: تكثيرًا أكثر أتعاب حبلك، بالوضع تلدين أولادًا، وإلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك» (٢).
فانظر كيف جعلت التوراة المحرفة المرأة سبب الخطيئة، وبُرِّئ آدم منها،
стр. 353
وكُتِب الإنجاب عليها عقوبة لها، وقُرن بمتاعب وآلام، فكيف تكون الأمومة عقابًا على حواء بسبب المعصية؟! مع أن هذه المهمة أشهى ما تتمناه النساء، وتطمح إليه.
ولا تعجب حين تقرأ في التوراة المحرفة الموقف الصارم من المرأة الذي يصمها بالعيوب، والنحس، ورد في العهد القديم عن المرأة ما يلي: «درت أنا وقلبي لأعلم ولأبحث وأطلب حكمة وعقلًا؛ ولأعرف الشر أنه جهالة، والحماقة أنها جنون، فوجدت أمرّ من الموت: المرأة هي شباك، وقلبها إشراك، ويدها قيود» (١). ولذلك فإن اليهود يرون أن المرأة، وراء كل موقف خلاف أو معصية أو ذل أو عار.
وليست النصرانية المحرفة بأحسن حالًا من اليهودية، بل جاء في نص لبولس «وآدم لم يُغَو لكن المرأة أغويت فحصلت في التعري» ولأن الشيطان تمكن من إغواء حواء، وبعد ذلك هي أوقعت آدم، فإن حياة الرجل عازبًا طريق لمرضاة الرب والصلاح، والزواج قد يقود لغير ذلك (٢).
ولذلك ذهب ترتليان إلى أن المرأة عون الشيطان في الأرض أليست هي التي أطاعت الشيطان وعصت كلام الله؟ وهذه النظرة التي أسرف في شرحها ترتليان، وبسط نتائجها، أثرت في تاريخ المرأة المسيحية (٣)، في حين أنك تجد أن القرآن ساوى بينهما في الخطيئة، فلله الحمد والمنة.
٣ - لقد تاب آدم وحواء إلى ربهما فتاب الله عليهما، وهداهما، يقول تعالى:
стр. 354
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١) ومعنى تلقى الكلمات أي: استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها، واكتفى بذكر توبة آدم عن ذكر توبة حواء؛ لأنها كانت تبعًا له (٢).
ولقد هداه ربه ليقول هو وزوجه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣).
وذنب غفره الله لآدم وحواء، ورفع عنهما إصره، علام نثيره؟ ونشغل أنفسنا به على سبيل اللوم، أليس التائب من الذنب كمن لا ذنب له، لقد حج آدم موسى لما لامه في تسببه في إخراج الناس من الجنة، أن هذا أمر كُتِب، فحجه، أخرج البخاري (٤) ومسلم (٥) من حديث أبي هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قد قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فقال النبي ﷺ : فحج (٦) آدم موسى، فحج آدم موسى» واللفظ لمسلم.
الحديث الثاني: (المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان):
стр. 355
أخرج مسلم في صحيحه (١) من حديث جابر أن رسول الله ﷺ رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي تعس منيئة (٢) لها، فقضى حاجته، ثم خرج إلى أصحابه؛ فقال: «إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدكم امرأة، فليأت أهله؛ فإن ذلك يرد ما في نفسه».
معنى الحديث:
١ - هذا الحديث تفسره الروايات الأخرى له، يقول النووي: «وفي الرواية الأخرى: «إذا أحدكم أعجبته المرأة، فوقعت في قلبه، فليعمد إلى امرأته، فإن ذلك يرد ما في نفسه» (٣) هذه الرواية مبينة للأولى، ومعنى الحديث أنه يستحب لمن رأى امرأة فتحركت شهوته أن يأتي امرأته أو جاريته إن كانت له، فليواقعها ليدفع شهوته، وتسكن نفسه، ويجمع قلبه على ما هو بصدده» (٤).
٢ - قال العلماء في معنى الحديث؛ الإشارة إلى الهوى، لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء، والالتذاذ بالنظر إليهن، وما يتعلق بهمن، فهي شبيه بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته، وتزيينه له. قال النووي: «ويستنبط من هذا أنه ينبغي لها ألا تخرج بين الرجال إلا لضرورة، وأنه ينبغي للرجل الغض عن ثيابها، والإعراض عنها مطلقًا» (٥).