← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقال عز من قائل سبحانه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (١). وفي آية أخرى قال سبحانه: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٢). وبهذا فإن فعل الوسوسة من الشيطان اتجه إلى الاثنين معًا لقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ وكذا قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ أصله من الزل وهو عثور القدم، يقال: زلت قدمه أي: زلقت، ثم استعمل في ارتكاب الخطيئة، يقال: زل الرجل إذا أخطأ وأتي ما ليس له إتيانه، وكان ذلك سبب إذهابهما عن الجنة، وإبعادهما وقرئ: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ (٣)، وعلى هذا تكون القراءتان بمعنى. ونسب الله الزلة والإخراج إلى الشيطان؛ لأنها وقعت بدعائه، ووسوسته وهو المتسبب فيهما. يقول د. أسعد الحمراني: «هذا الهبوط من الجنة لم يكن بسبب غواية حواء.

стр. 352

فالنص القرآني استخدم الخطاب مع ألف المثني كي يزيل كل غموض حول الغواية، ويلحقها بآدم وحواء معًا. ولو ورد في النص القرآني (فوسوس لهما الشيطان) لآدم وحواء أو لحواء وآدم، لظن قارئ النص بأن من ورد اسمه قبل الآخر هو الذي وقع قبل الآخر بغواية الشيطان، لكن مجيء النص بهذه الصورة ألغى كل التباس» (١). ويكفي المرأة المسلمة أن الإسلام أتى ليرفع عنها ظلم العباد الذين اتهموها بالخطيئة الأولى؛ وألصقوها بها، وطالت أيديهم الكتب المقدسة فحرفوها؛ لقد جاء في التوراة: «وكانت الحية أصل جميع الحيوانات البرية. فقالت للمرأة: أحقًا قال الله: لا تأكلا من كل شجر الجنة؟ فقالت المرأة للحية: من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله: لا تأكلا منها، ولا تَمسّاه؛ لئلا تموتا. فقالت الحية للمرأة: لن تموتا، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تتفتح أعينكما، وتكونان كالله عارفين الخير والشر، فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل، وأنها بهجة للعيون، وأن الشجرة شهية للنظر، وأخذت من ثمرها وأكلت، وأعطت رجلها أيضا معها فأكل، وانفتحت أعينهما، وعلما أنهما عريانان … » إلى أن قال الله لآدم: «هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك ألا تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة. فقال الرب الإله للمرأة: ما هذا الذي فعلت؟ فقالت المرأة: الحية غرتني فأكلت … وقال للمرأة: تكثيرًا أكثر أتعاب حبلك، بالوضع تلدين أولادًا، وإلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك» (٢). فانظر كيف جعلت التوراة المحرفة المرأة سبب الخطيئة، وبُرِّئ آدم منها،

стр. 353

وكُتِب الإنجاب عليها عقوبة لها، وقُرن بمتاعب وآلام، فكيف تكون الأمومة عقابًا على حواء بسبب المعصية؟! مع أن هذه المهمة أشهى ما تتمناه النساء، وتطمح إليه. ولا تعجب حين تقرأ في التوراة المحرفة الموقف الصارم من المرأة الذي يصمها بالعيوب، والنحس، ورد في العهد القديم عن المرأة ما يلي: «درت أنا وقلبي لأعلم ولأبحث وأطلب حكمة وعقلًا؛ ولأعرف الشر أنه جهالة، والحماقة أنها جنون، فوجدت أمرّ من الموت: المرأة هي شباك، وقلبها إشراك، ويدها قيود» (١). ولذلك فإن اليهود يرون أن المرأة، وراء كل موقف خلاف أو معصية أو ذل أو عار. وليست النصرانية المحرفة بأحسن حالًا من اليهودية، بل جاء في نص لبولس «وآدم لم يُغَو لكن المرأة أغويت فحصلت في التعري» ولأن الشيطان تمكن من إغواء حواء، وبعد ذلك هي أوقعت آدم، فإن حياة الرجل عازبًا طريق لمرضاة الرب والصلاح، والزواج قد يقود لغير ذلك (٢). ولذلك ذهب ترتليان إلى أن المرأة عون الشيطان في الأرض أليست هي التي أطاعت الشيطان وعصت كلام الله؟ وهذه النظرة التي أسرف في شرحها ترتليان، وبسط نتائجها، أثرت في تاريخ المرأة المسيحية (٣)، في حين أنك تجد أن القرآن ساوى بينهما في الخطيئة، فلله الحمد والمنة. ٣ - لقد تاب آدم وحواء إلى ربهما فتاب الله عليهما، وهداهما، يقول تعالى:

стр. 354

﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١) ومعنى تلقى الكلمات أي: استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها، واكتفى بذكر توبة آدم عن ذكر توبة حواء؛ لأنها كانت تبعًا له (٢). ولقد هداه ربه ليقول هو وزوجه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣). وذنب غفره الله لآدم وحواء، ورفع عنهما إصره، علام نثيره؟ ونشغل أنفسنا به على سبيل اللوم، أليس التائب من الذنب كمن لا ذنب له، لقد حج آدم موسى لما لامه في تسببه في إخراج الناس من الجنة، أن هذا أمر كُتِب، فحجه، أخرج البخاري (٤) ومسلم (٥) من حديث أبي هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قد قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فقال النبي ﷺ : فحج (٦) آدم موسى، فحج آدم موسى» واللفظ لمسلم. الحديث الثاني: (المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان):

стр. 355

أخرج مسلم في صحيحه (١) من حديث جابر أن رسول الله ﷺ رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي تعس منيئة (٢) لها، فقضى حاجته، ثم خرج إلى أصحابه؛ فقال: «إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدكم امرأة، فليأت أهله؛ فإن ذلك يرد ما في نفسه». معنى الحديث: ١ - هذا الحديث تفسره الروايات الأخرى له، يقول النووي: «وفي الرواية الأخرى: «إذا أحدكم أعجبته المرأة، فوقعت في قلبه، فليعمد إلى امرأته، فإن ذلك يرد ما في نفسه» (٣) هذه الرواية مبينة للأولى، ومعنى الحديث أنه يستحب لمن رأى امرأة فتحركت شهوته أن يأتي امرأته أو جاريته إن كانت له، فليواقعها ليدفع شهوته، وتسكن نفسه، ويجمع قلبه على ما هو بصدده» (٤). ٢ - قال العلماء في معنى الحديث؛ الإشارة إلى الهوى، لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء، والالتذاذ بالنظر إليهن، وما يتعلق بهمن، فهي شبيه بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته، وتزيينه له. قال النووي: «ويستنبط من هذا أنه ينبغي لها ألا تخرج بين الرجال إلا لضرورة، وأنه ينبغي للرجل الغض عن ثيابها، والإعراض عنها مطلقًا» (٥).

стр. 356

فالمرأة ليست شيطانًا، وإنما تشبه الشيطان إن خرجت متبرجة غير متقيدة بالضوابط الشرعية؛ لأنهما كليهما يستوي في الإغواء الشيطان بوسوسته؛ والمرأة بتبرجها؛ وهذا الحديث يفسره ما أخرجه الترمذي في السنن (١)، وابن خزيمة في الصحيح (٢)، وابن حبان في الصحيح (٣)، والطبراني في الأوسط (٤)، والكبير (٥)، وابن حزم في المحلى (٦) من طرق عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي ﷺ : «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان» واللفظ للترمذي، وقال: حديث حسن غريب. قال المنذري: «رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح» (٧). وقال الهيثمي: «رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح» (٨) وصححه الألباني في الصحيحة (٩). ومعن (استشرفها الشيطان) أي: زينها في نظر الرجال، والأصل في الاستشراف رفع البصر للنظر إلى الشيء، وبسط الكف فوق الحاجب، والمعنى أن المرأة إذا خرجت -ولا سيما متبرجة- أمعن الرجل النظر إليها ليغويها بغيرها، ويغوي

стр. 357

غيرها بها، ليوقعهما أو أحدهما في الفتنة. وذهب بعضهم إلى أن المراد بالشيطان شيطان الإنس من أهل الفسق، سماه به على التشبيه (١). • ومن هنا يتبين أن معنى (تقبل في صورة شيطان): ١ - التشبيه بالشيطان في الإغراء ولا سيما إن لم تكن عفيفة، لما عُرف من ميل الرجل إلى المرأة، فإنه إليها يحن، وعنها لا يصبر، لذا حرم الإسلام خلوته بها، وأباح له نكاح الأربع، وتعجب رسول الله ﷺ من إذهابها للب الرجل الحازم فضلًا عن غيره، وصدق عبد الله بن الأعور الأعشى المازني لما أنشد: وقذفتني بين عيص مؤتشب (٢) … وهن شر غالب لمن غلب (٣) ورحم الله جريرًا (٤) إذ يقول: يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به … وهن أضعف خلق الله إنسانًا ٢ - أو أن الشيطان يزينها في أعين الرجال، فيكون معنى الحديث التحريض على غض البصر، والتحذير من استدامة النظر، وجعل ﷺ للرجل النظرة الأولى المفاجئة، وليست له الثانية، وأمر القرآن المؤمنين بغض الأبصار فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (٥) وتأمل

стр. 358

الربط العجيب بين غض البصر وحفظ الفرج. قال ابن القيم: «فإن اللحظة رائد الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق نظره أورده موارد الهلاك، والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، إذ أن النظرة تولد خطرة، ثم فكرة، ثم شهوة، ثم إرادة تقوى، فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع، وفي هذا قيل: الصبر على غض البصر، أيسر من الصبر على ألم ما بعده. ولهذا قال الشاعر: كل الحوادث مبداها من النظر … ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة بلغت في قلب صاحبها … كمبلغ السهم بين القوس والوتر والعبد ما دام ذا طرف يقلبه … في أعين العِين موقوف على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجته … لا مرحبًا بسرور عاد بالضرر ومن العجب أن لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه حتى يتبوأ مكانًا من قلب الناظر، ولي من قصيدة: يا راميًّا بسهام اللحظ مجتهدًا … أنت القتيل بما ترمي فلا تصب وأعجب من ذلك أن النظرة تجرح القلب جرحًا، فيتبعها جرح على جرح، ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها، ولي أيضًا في هذا المعنى ما زلت تتبع نظرة في نظرة … في أثر كل مليحة ومليح وتظن ذاك دواء جرحك وهو في … التحقيق تجريح على تجريح فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكا … فالقلب منك ذبيح أي ذبيح وقد قيل: «إن جنس اللحظات أيسر من دوام الحسرات» (١).

стр. 359

والناظر في أحوال النساء اليوم وما آل إليه الرجال، يرى أن كلام رسول الله ﷺ حق، وأنه ﷺ ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فاللحظات مسترسلة، والمرأة -إلا من رحم الله- متبرجة، وحديث يجرح قلب التقي؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله. • وفي الحديث من الفوائد بشرية رسول الله ﷺ ، والتعليم بالقدوة. ٣ - أنه جاء في بعض الأحاديث وصف الرجل بكونه شيطانًا؛ لأنه فعل فعلته، أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبي فليقاتله؛ فإنما هو شيطان» (١). قال ابن بطال: «في هذا الحديث جواز إطلاق لفظ الشيطان على من يفتن في الدين، وأن الحكم للمعاني دون الأسماء؛ لاستحالة أن يصير المار شيطانًا بمجرد مروره» (٢). المطلب الخامس: شبهة خلق المرأة من ضِلَعٍ أعوجٍ لفظ الحديث: يُكْثِر بعض الناس من تعيير المرأة ووصمها بأنها عوجاء؛ لأنها مخلوقة من ضِلَع أعوج، ويستدل على ذلك بما أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (٤) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من

стр. 360

ضِلَع (١)، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء» زاد مسلم: «وكسرها طلاقها». الحديث سيق للوصية بالنساء: إن الاستدلال بهذا الحديث على انحطاط منزلة المرأة في الإسلام يدل على جهل باللغة، وبمعنى الحديث، والسياق الذي جاء فيه، وذلك لما يأتي: ١ - لقد بدأ الحديث بالوصاة بالنساء، وانتهى بالوصاة بهن -أيضًا- فتكررت «فاستوصوا بالنساء» وجاء في رواية ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «واستوصوا بالنساء خيرًا» وفي نهايته «فاستوصوا بالنساء خيرًا» (٢)، وعلى هذا بوّب البخاري في صحيحه: باب المدارة مع النساء، وقول النبي ﷺ «إنما المرأة كالضلع» وباب: الوصاة بالنساء (٣). كل هذا يدل على أن الحديث سيق لصالح المرأة، وذكرت مادة خلقها للرفق بها. وتنبه الحافظ للفظ الوصية «استوصوا بالنساء» فقال: «قيل: معناه تواصوا بهمن، والباء للتعدية، والاستفعال بمعنى الأفعال كالاستجابة بمعنى الإجابة. وقال الطيبي: السين للطلب، وهو للمبالغة، أي: اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهن، أو اطلبوا الوصية من غيركم بمن كمن يعود مريضًا، فيستحب له أن يحثه على الوصية، والوصية بالنساء آكد؛ لضعفهن واحتياجهن إلى من يقوم بأمرهن وقيل: معناه: اقبلوا وصيني فيهن، واعملوا بها، وارفقوا بمن، وأحسنوا عشر من، قلت:

стр. 361

وهذا أوجه الأوجه في نظري، وليس مخالفًا لما قال الطيبي» (١) قلت: وعلى الوجه الذي رجحه الحافظ نكون معاشر النساء وصية رسول الله ﷺ للرجال؛ فلله الحمد والمنة. ٢ - الحديث توجيه وخطاب للرجال لا للنساء، وفي الحديث: موصَى هم الرجال، وموصى به وهن النساء، والوصية عادة لا تكون إلا في مصلحة الموصى به، وهي هنا كذلك لصالح الرجل والأسرة والمجتمع، فإذا افترض الرجل الكمال في المرأة فسيقوده ذلك إلى المحاسبة الدقيقة لها على كل نقص، مما يقلب جو الحياة الأسرية إلى جحيم، ولذا جاء في حديث سمرة بن جندب الذي أخرجه الحاكم (٢): «ألا إن المرأة خلقت من ضلع، وإنك إن ترد إقامتها تكسرها، فدارها تعش بها ثلاث مرات» وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ومعنى «فدارها» من المداراة التي تعني بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معًا (٣). ٣ - في الحديث دلالة واضحة على الرفق عند التعامل مع المرأة، والتنبيه على رقة الطباع، وبيّن رسول الله ﷺ مادة خلقها (من ضِلع) (٤) ليرفق الرجل بها فلا يكسرها، قال الحافظ في معنى: «وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه»: «قيل: فيه إشارة إلى أن أعوج ما في المرأة لسانها، وفي استعمال أعوج استعمال لأفعل في

стр. 362

العيوب، وهو شاذ، وفائدة هذه المقدمة أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فلا ينكر اعوجاجها، أو الإشارة إلى أنها لا تقبل التقويم كما أن الضلع لا يقبله، قوله (فإن ذهبت تقيمه كسرته) قيل: هو ضرب مثل للطلاق» (١) وقد قال في موضع آخر في فائدة هذه المقدمة وهي التنبيه على مادة الخلق: «قوله (فاستوصوا بالنساء خيرًا) كأن فيه رمزًا إلى التقويم برفق بحيث لا يبالغ فيه فيكسر، ولا يتركه فيستمر على عوجه … فيؤخذ منه ألَّا يتركها على الاعوجاج إذا تعدت ما طبعت عليه من النقص إلى تعاطي المعصية. مباشرتها، أو ترك الواجب، وإنما المراد أن يتركها على اعوجاجها في الأمور المباحة، وفي الحديث الندب إلى المداراة لاستمالة النفوس، وتألف القلوب، وفيه سياسة النساء بأخذ العفو منهن، والصبر على عوجهن، وأن من رام تقويمهن فاته الانتفاع بمن مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها، ويستعين بها على معاشه؛ فكأنه قال الاستمتاع بما لا يتم إلا بالصبر عليها» (٢). ٤ - أن من يعيب المرأة؛ لكونها خلقت من ضلع أعوج، يقال له لقد كان هذا الضلع بعضك؛ أفتعيب بعضك؟!. وتأمل حكمة الرب جل وعلا في خلق حواء من آدم، ومن الضلع بالذات المحاور للقلب؛ يقول ياسين رشدي: «والمتأمل في كيفية خلق المرأة، يجد أنها خلقت من ضلع آدم وهو أقرب مكان للقلب … وكأن هذا هو مكانها الطبيعي من زوجها … أن تكون في قلبه، فيعاملها بالعاطفة، والحب والحنان … ولو خلقت المرأة من رأس الرجل، لكانت عقله المفكر، الذي يسوسه ويقوده … ولو خلقت من يده لبطش بها أو تكسب بها … ولكنها خلقت من أقرب مكان من قلبه، حتى

стр. 363

تكون منبع العواطف الجياشة، والمشاعر الجميلة، ولكي نعلم أن الرجل هو الأصل، والمرأة فرع، وأنه هو الكل، وهي الجزء، ولا حياة للكل إلا بجميع أجزائه، ولا حياة للجزء إلا بانتمائه لأصله» (١). المطلب السادس: شبهة اقتران المرأة بالحمار والكلب الأسود في الحديث النبوي لفظ الحديث: يثير بعضهم تساؤلًا وإشكالًا حول ما أخرجه مسلم (٢) في صحيحه من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم يصلي؛ فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل؛ فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل؛ فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود، قلت (أي: عبد الله بن الصامت) يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يا بن أخي سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: «الكلب الأسود شيطان». ولقد ذُكِر هذا الحديث عند عائشة ﵂ فأنكرته؛ أخرج البخاري (٣)، ومسلم (٤) من طريق مسروق، عن عائشة أنه ذُكِر عندها ما يقطع الصلاة، فقالوا: يقطعها الكلب، والحمار، والمرأة. قالت: «لقد جعلتمونا كلابًا؟ لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي وإني لبينه وبين القبلة، وأنا مضطجعة على السرير؛

стр. 364

فتكون لي الحاجة؛ فأكره أن أستقبله، فأنسل انسلالًا» واللفظ للبخاري. مناقشة هذه الشبهة: ولمناقشة هذه الشبهة، إليك ما يأتي: ١ - الحديث ثابت أخرجه مسلم في صحيحه كما تقدم، والجمع بين هؤلاء الثلاثة ليس من باب التسوية بينهم بشكل عام، وإنما التسوية بينهم فقط في حكم معين هو قطع الصلاة. فالحديث جمع بين أمور لا تتساوى في المرتبة، وإنما تتساوى في الحكم في حادثة معينة لا تتجاوزها لغيرها هي المرور بين يدي المصلي، فالجمع بينها كالجمع بين الأرملة والمسكين من حيث اتحادهما في الحكم، وهو استحقاق المساعدة في قوله ﷺ : «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم بالنهار» (١). ٢ - إذا جمع بين المرأة والحمار والكلب الأسود في هذا الحديث، فقد جمع بين المرأة والطيب في حديث آخر، وحببا لرسول الله ﷺ ، وأخرج الإمام أحمد في المسند (٢)، والنسائي في المجتبى (٣)، وأبو يعلى في المسند (٤)، والطبراني في الأوسط (٥)،

стр. 365

والحاكم في المستدرك (١)، والبيهقي في الكبرى (٢)، والمقدسي في المختارة (٣) من طرق عن ثابت البناني، عن أنس أن النبي ﷺ قال: «حُبِّب إلي النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة» واللفظ لأحمد. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، قلت: فيه سيار بن حاتم ليس من رجال مسلم «صدوق له أوهام» قاله الحافظ في التقريب (٤)!، وقال المقدسي: إسناده صحيح. وجَوّد إسناده العراقي، وقواه الذهبي (٥)، وحسّن إسناد النسائي الحافظ في التلخيص (٦)، وقال الألباني: حسن صحيح (٧). وكذا لم يكن أحب إلى رسول الله ﷺ بعد جنس النساء من الخيل، أخرج النسائي (٨) بسند حسن من طريق قتادة عن أنس: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله ﷺ بعد النساء من الخيل. حكم المرور بين يدي المصلي، وهل يقطع الصلاة؟: لا بد أيها القارئ الفاضل أن أناقش أمرين: أولهما: حكم المرور بين يدي المصلي. ثانيهما: قطع الصلاة بالمرور.

стр. 366

أما المسألة الأولى: فإني لم أجد خلافًا في أنه لا يجوز المرور بين يدي المصلي وسترته، ولا بين يديه قريبًا منه إذا لم يكن له سترة على خلاف بينهم في تحديد مسافة النهي إذا لم يكن له سترة؛ فإن مرّ أحدهم بين يدي المصلي فقد ارتكب محظورًا، وهو آثم بالإجماع (١). واستدل أهل العلم بأدلة كثيرة منها ما أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) من طريق أبي صالح السمان قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بن أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساغًا إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد ثم دخل على مروان فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: ما ل ك ولابن أخيك يا أبا سعيد؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه؛ فليدفعه؛ فإنْ أبي فليقاتله فإنما هو شيطان» واللفظ للبخاري. قال الحافظ: «فإنما هو شيطان أي فعله فعل الشيطان، لأنه أبى إلا التشويش على المصلي، وإطلاق الشيطان على المارد من الإنس شائع سائغ» (٤). ولا شك أن الرجل أو المرأة الذين يمران بين يدي المصلي وسترته قد فعلا

стр. 367

فعل الشيطان، وخالفا أمر رسول الله ﷺ . المسألة الثانية: قطع الصلاة بالمرور: أمّا قطع الصلاة بمرور الرجل فإني لم أجد أحدًا من أهل العلم يقطع صلاة المصلي إذا مرّ بين يديه رجل، بل إن ابن حزم (١) نقل اتفاقهم على ذلك، مع اتفاقهم على عدم جواز المرور بين يديه (٢). وأمّا قطع المرأة للصلاة إن مرت بين يدي المصلي فعلى قولين: الأول: لا تبطل صلاة المصلي بمرور المرأة، وهذا قول عامة أهل العلم من السلف والخلف وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد اختارها أكثر أصحابه (٣). واختاره البخاري وبوّب عليه (باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء) (٤). واستدلوا بحديث عائشة المتقدم (٥) الذي جاء فيه: «لقد جعلتمونا كلابًا؛ لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي، وإني لبينه وبين القبلة، وأنا مضطجعة على السرير؛ فتكون لي الحاجة؛ فأكره أن أستقبله؛ فأنسل انسلالًا» وقد سأل ابن أخِ ابن شهاب عمّه: عن الصلاة يقطعها شيء؟ فقال: لا يقطعها شيء، ثم استدل بحديث عائشة (٦).

стр. 368

وأجاب الجمهور على حديث أبي ذر بأجوبة عدة منها: ١ - تأولوا معنى القطع بنقص الصلاة لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطالها، ويؤيد ذلك أن الصحابي راوي الحديث سأل عن الحكمة في التقييد بالأسود؛ فأجيب بأنه شيطان، وقد علم أن الشيطان لو مرّ بين يدي المصلي لم تفسد صلاته بدليل: «إذا ثوب بالصلاة أدبر الشيطان، فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه» (١) وبحديث: «إن الشيطان عرض لي فشد علي» (٢) ولا يقال: قد ذكر في هذا الحديث أنه جاء ليقطع صلاته؛ لأنه بيّن في رواية مسلم سبب القطع، وهو أنه جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهه، فمجرد المرور قد حصل به ولم تفسد به الصلاة (٣). ٢ - ومال الطحاوي وغيره إلى أن حديث أبي ذر وما وافقه منسوخ بحديث عائشة وغيرها (٤)، وتعقب بأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا علم التاريخ، وتعذر الجمع، والتاريخ هنا لم يتحقق، والجمع لم يتعذر (٥). الثاني: ذهبوا إلى بطلان صلاة المصلي بمرور المرأة بين يديه، وبه قال الحسن البصري) (٦)، وابن حزم (٧)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٨)، واختارها عدد من

стр. 369

أصحابه، وهي من مفردات المذهب كما قال الناظم (١): والأسود البهيم في الكلاب … يقطع إن مرّ بلا ارتياب وهكذا المرأة والحمار … صلاة من بين يديه ساروا واختارها شيخ الإسلام (٢)، وابن القيم (٣). واستدلوا بحديث أبي ذر المتقدم، وحديث أبي هريرة المرفوع الذي أخرجه مسلم (٤): «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل». يقول ابن القيم بعد ما ذكر قطع المرأة، والحمار، والكلب الأسود للصلاة: «ثبت ذلك من رواية أبي ذر وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن مغفل ومعارض هذه الأحاديث قسمان، صحيح غير صريح، وصريح غير صحيح؛ فلا يترك العمل بها لمعارضٍ هذا شأنه، وكان رسول الله ﷺ يصلي، وعائشة ﵂ نائمة في قبلته، وكان ذلك ليس كالمار، فإن الرجل محرم عليه المرور بين يدي المصلي، ولا يكره له أن يكون لابثًا بين يديه، وهكذا المرأة يقطع مرورها الصلاة دون لبثها» (٥). ومن هنا يتبين أن جمهور العلماء من السلف والخلف على أن المرأة لا تقطع الصلاة، وقد آثرت في هذا المبحث الاختصار، ومن رام الاستزادة؛ فليراجع ما أحيل عليه، ومَنْ أُحيل على مليء فليحتل.

стр. 370

المطلب السابع: الغسل من بول الجارية، والرش من بول الغلام نص الحديث: وفي زمن الفتن، والبعد عن النصوص الشرعية، وضعف الانقياد والتسليم لا تعجب حين ترى من يتتبع الأحاديث النبوية؛ ليخطف قلوب ضعاف الإيمان، ويشكك العوام من المسلمين، ويثير شبهة التفريق بين الذكر والأنثى في الحديث النبوي، ويستدل على قوله بما أخرج أبو داود في السنن (١)، وابن ماجه في السنن (٢)، والنسائي في المجتبى (٣)، وابن خزيمة في صحيحه (٤)، والطبراني في الكبير (٥)، والحاكم في المستدرك (٦)، والبيهقي في الكبرى (٧) من حديث أبي السمح قال: كنت أخدم النبي ﷺ ، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولِّني قفاك؛ فأوليه قفاي؛ فأستره به؛ فأتي بحسن و حسين ﵄، فبال على صدره، فجئت أغسله؛ فقال: «يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام» واللفظ لأبي داود. وصححه ابن خزيمة، والحاكم، والقرطبي (٨)، وابن الملقن (٩)، والألباني (١٠).

стр. 371

وله شواهد أخرى في الفتح (١)، والتلخيص الحبير (٢). وبهذا الحديث أخذ جمهور العلماء (٣)، فقالوا يكفي الرش في بول الصبي الذي لم يطعم، بخلاف الجارية فلا بد من غسل بولها. وللرد على هذه الشبهة؛ لا بد أيّها القارئ الكريم أن تبحث عن سر هذا التفريق؛ ليتبين الحق؛ فتلزمه: حكمة التفريق بين بول الغلام وبول الجارية: اختلف العلماء في الحكمة من التفريق بين بول الغلام والجارية: ١ - منهم من أرجع ذلك إلى طبيعة بول الأنثى وتركيبه؛ واختلافه عن بول الذكر ويقولون: إن بول الأنثى أنتين رائحة، وأثقل من بول الذكر؛ ولذلك أُمِر بغسله دون بول الغلام، ومما يدخل في هذا ما ذكره أبو الحسن بن سلمة قال: حدثنا أحمد بن موسى بن معقل، حدثنا أبو اليمان المصري قال: سألت الشافعي عن حديث النبي ﷺ : يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية، والماءان جميعًا واحد؟ قال: لأن بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي: فهمت؟ أو قال: لقنت؟ قال: قلت: لا. قال: إن الله تعالى لما خلق آدم خلقت حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم، قال: قال لي: فهمت؟ قلت: نعم. قال: نفعك الله به» (٤). ٢ - ومنهم من أرجع ذلك إلى طريقة خروج البول من كل من الذكر

стр. 372

والأنثى؛ فإن بول الغلام يخرج بقوة فينتشر، فيشق غسله، ولذلك تسومح فيه، أما بول الأنثى فيكون مجتمعًا؛ فيسهل غسله. ٣ - أن الابتلاء بالصبي أكثر؛ لأن الرجال والنساء في العادة يحملونه، والصبية لا يحملها إلا النساء غالبا؛ فالابتلاء بالصبي أكثر؛ فناسب التخفيف في بوله رفعًا للحرج (١). إن الحكم إذا ثبت بالنص، كان التماس العلة له أمرًا غير لازم؛ إذ الأصل التعبد لله في تحليل ما أحل، وتحريم ما حرم، والاعتقاد بطهارة ما جاء الشرع بتطهيره، ونحاسة ما جاء الشرع بتنجيسه؛ فإن بان لذلك علة ظاهرة كان هذا سببًا لمزيد الاطمئنان وانشرح الصدر، وإلا فإن المسلم دائمًا لأحكام الله مطيع، منشرح صدره لها، لاهج لسانه بقول: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.

стр. 373

الباب الثاني حقوق المرأة السياسية وفيه سبعة فصول: الفصل الأول: المرأة والبيعة. الفصل الثاني: حق المرأة في الاحتساب. الفصل الثالث: حق المرأة في الأمان والإجارة. الفصل الرابع: المرأة والجهاد. الفصل الخامس: المرأة والقضاء. الفصل السادس: المرأة والولايات العامة. الفصل السابع: المرأة ومجلس الشورى.

стр. 374

توطئة: الإسلام دين الإنسانية، الذي ارتضاه الله تعالى للبشرية، والذي يعامل المرأة على أنها نصف المجتمع، ولها دور لا يخفى في صياغته، وتحديد ملامحه، ويعلم أثرها في الحياة السياسية للأمة، ولذا منحها من الحياة أكرمها، ومن المكانة أسماها وأرفعها، و كفل لها كثيرًا من الحقوق السياسية التي تجعلها تتمتع بحياتها على أحسن وجه، دون إقحامها في كل صغير وكبير في النزاعات السياسية و اختلافاتها، بل اختار لها الإسلام من الحقوق ما يتناسب مع أنوثتها، ويعزز كلمتها دون أن يتعارض مع فطرتها، وجاء الإسلام بالوسطية بين دعاة الغرب، ومتحجري الشرق، في وقت أضحت فيه قضية المرأة وحقوقها السياسية بؤرة الصراع الفكري بين الشرق والغرب، وسأتناول في هذا الباب -إن شاء الله- تحقيق المسائل الشرعية في حقوق المرأة السياسية. ويحسن قبل تفصيل قضايا الباب أن أُعرّف الحقوق السياسية: عرّفها السنهوري بأنها: «الحقوق التي يكتسبها الفرد باعتباره عضوًا في هيئة سياسية -أي في دولة- كحق تولي الوظائف العامة، وحق الانتخاب، وحق الترشيح» (١). وعرّفها د. جابر جاد عبد الرحمن بأنها: «الحقوق التي يسهم الفرد بواسطتها في إدارة شؤون البلاد أو في حكمها» (٢). ويمكن أن تعرف بأنها الحقوق التي يكتسبها الفرد باعتباره منتسبًا لدولة معينة، وبوساطة هذه الحقوق يسهم في إدارة شؤون هذه الدولة وحكمها.

стр. 375

الفصل الأول المرأة والبيعة سيتناول هذا الفصل مبحثين: المبحث الأول: أنواع البيعة للنساء في ضوء السنة النبوية. المبحث الثاني: بيعة المرأة لولي الأمر.

стр. 376

المبحث الأول أنواع البيعة للنساء في ضوء السنة النبوية البيعة لغة: المبايعة والطاعة، قال ابن منظور: «عبارة عن المعاقدة والمعاهدة، كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته، ودخيلة أمره» (١). واصطلاحًا: قال ابن خلدون: «البيعة هي العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه، وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره» (٢). وقال ابن حجر: «فالمبايعة عبارة عن المعاهدة سميت بذلك تشبيها بالمعاوضة المالية كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٣)» (٤). والبيعة هي ميثاق الولاء للنظام السياسي الإسلامي، أو الخلافة الإسلامية، والالتزام بجماعة المسلمين والطاعة لإمامهم (٥). وفي هذا المبحث أربعة مطالب: المطلب الأول: البيعة على الإسلام.

стр. 377

المطلب الثاني: بيعة الامتحان. المطلب الثالث: بيعة النساء. المطلب الرابع: بيعة النصرة والمنعة. المطلب الأول: البيعة على الإسلام وهي آكدها، وأوجبها، ونكثها كفر، أخرج البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث جرير بن عبد الله قال: «بايعت رسول الله ﷺ على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والسمع والطاعة والنصح لكل مسلم» واللفظ للبخاري. وأخرج مسلم (٣) من حديث ضماد، وفيه أنه قال للنبي ﷺ : «هات يدك أبايعك على الإسلام». والنساء يشاركن الرجال في هذه البيعة، وقد جاءت الأحاديث النبوية في إثبات هذه البيعة أخرج عبد الرزاق في المصنف (٤)، ومن طريقه ابن سعد في الطبقات (٥)، وأحمد في المسند (٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٧)، والحاكم في المستدرك (٨)، عن ابن جُريج، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، أن محمد بن

стр. 378

الأسود بن خلف أخبره أن أباه -الأسود- رأى النبي ﷺ يبايع الناس يوم الفتح، قال: جلس عند قَرْن مَسْقَلة (١) … فرأيت النبي (٢/ ١٤٦) ٨٦٦. جلس إليه، فجاءه الناس الصغار والكبار والنساء فبايعوه على الإسلام والشهادة قلت: وما الشهادة؟ قال أخبريني محمد بن الأسود: أنه بايعهم على الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. واللفظ لعبد الرزاق. وسكت عنه الحاكم والذهبي. وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢)، والفاكهي في أخبار مكة (٣)، والطبراني في الكبير (٤) والأوسط (٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦)، والبيهقي في الدلائل (٧)، والمقدسي في المختارة (٨) من طرق عن ابن جريج به بنحوه. قال الطبراني في الأوسط: لا يروى هذا الحديث عن الأسود إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن جريج. وأورده الهيثمي في المجمع (٩) وقال: «رواه الطبراني في الكبير والأوسط،

стр. 379

وأحمد باختصار، ورجاله ثقات». قلت: إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الصحيح غير محمد بن الأسود بن خلف، من رجال التعجيل، روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات (١)، وهو من طبقة التابعين، ومن كانت هذه حاله كان حديثه من قبيل الحسن، كما مضى نقله عن ابن القيم (٢). يقول الطبري: «ثم اجتماع الناس بمكة لبيعة رسول الله ﷺ على الإسلام، فأخذ على الناس السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا … قال: فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء» (٣). • وهناك قائمة غير قليلة من الصحابيات السابقات إلى الإسلام، واللاتي ذكر من المراجع في المبايعات بمكة قبل الهجرة، ويلاحظ أن هؤلاء المبايعات الأُوَل كنّ جميعًا من المهاجرات إلى الحبشة، وفيهن من أسلم قبل الدخول إلى دار الأرقم، ولا شك أن هذه البيعة كانت على الإسلام، ونذكر منهن: رملة بنت أبي عوف السهمية (٤)، وفكيهة بنت يسار (٥)، وليلى بنت أبي حثمة القرشية العدوية (٦)، وأم جميل بنت المجلل (٧)، وريطة بنت الحارث (٨)، وسهلة بنت سهيل بن

стр. 380

عمرو القرشية (١)، وفاطمة بنت علقمة بن عبد الله بن أبي قيس (٢)، والشفاء بنت عبد الله العدوية (٣)، وجذامة بنت جندل (٤)، وبسرة بنت صفوان بن نوفل الأسدية (٥)، وعائشة بنت قدامة ابن مظعون (٦)، وأم أبي بكر الصديق أم الخير بنت صخر (٧)، وأسماء بنت عميص (٨)، ورقية بنت رسول الله ﷺ (٩) بايعت هي وأخواتها. هذه الأسماء الأولى من المبايعات اللاتي كن في السابقين الأولين من المسلمين، فبايعن رسول الله ﷺ في هذا الوقت المبكر على الإيمان والعقيدة. المطلب الثاني: بيعة الامتحان والدليل على هذه البيعة: أ- أخرج البخاري (١٠)، ومسلم (١١) من حديث عائشة قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله ﷺ يُمْتَحَنَّ بقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ

стр. 381

إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ إلى آخر الآية، قالت عائشة: فمن أقر هذا من المؤمنات، فقد أقر بالمحنة، وكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهن رسول الله ﷺ : «انطلقن فقد بايعتكن، ولا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام. قالت عائشة: «والله ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء قط إلا بما أمره الله تعالى، وما مست كف رسول الله ﷺ كف امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن قد بايعتكن كلامًا» واللفظ لمسلم. ب- ما أخرج البخاري (١) من طريق عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة، وفيه: «وجاء المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذ، وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ قال عروة: فأخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ كان يمتحنهن بهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قال عروة: قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط، منهن قال لها رسول الله ﷺ : قد بايعتك. كلامًا يكلمها به، والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، وما بايعهن إلا بقوله».

стр. 382

يقول الشيخ السعدي في تفسيره (١): «لما كان صلح الحديبية صالح النبي ﷺ المشركين على أن من جاء منهم إلى المسلمين مسلمًا أنه يرد إلى المشركين، وكان هذا لفظًا عامًا مطلقًا يدخل في عمومه النساء والرجال، فأما الرجال فإن الله لم ينه عن ردهم إلى الكفار وفاء بالشرط، وتتميمًا للصلح، الذي هو من أكبر المصالح، وأما النساء فلما كان ردهم فيه مفاسد كثيرة، أمر المؤمنين إذا جاءهم المؤمنات مهاجرات، وشكوا في صدق إيمانهن أن يمتحنوهن ويختبروهن ما يظهر به صدقهن من أيمان مغلظة وغيرها … ». واختلف المفسرون (٢) في قوله تعالى: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ وأصح ما قيل في ذلك ما أخرجه البخاري، ومسلم من حديث عائشة المتقدم، أن الامتحان يكون بلفظ الآية: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ﴾ ولذا تقدم في حديث عائشة: «كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى النبي ﷺ يُمْتَحَنَّ بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، فمن أقر بهذا من المؤمنات، فقد أقر بالمحنة. يقول الرازي: «وإنما كان امتحانهن؛ لأنهن يأتين من دار الحرب، فلا اطلاع لهن على الشرائع، ولأجل ذلك لم تمتحن المؤمنات في دار الإسلام، وإنما بايعن بغير امتحان؛ لأنهن عالمات بالشرائع، فلا حاجة إلى الامتحان» (٣). حكم هذه البيعة:

стр. 383

قال القرطبي: «أجمع المسلمون على أنه ليس للإمام أن يشترط عليهن هذا، والأمر بذلك ندب لا إلزامًا» (١). وقال بعض أهل النظر: «إذا احتيج إلى المحنة من أجل تباعد الدار كان على إمام المسلمين إقامة المحنة» (٢). وقال الحافظ: «واختلف في استمرار حكم امتحان من هاجر من المؤمنات فقيل: منسوخ، بل ادعي بعضهم الإجماع على نسخه، والله أعلم» (٣). المطلب الثالث: بيعة النساء لقد أراد الإسلام إقامة الحياة كلها على أساس العقيدة، وربطها كلها بمحور الإيمان، فبين الله سبحانه لرسوله ﷺ كيف يبايعن على الإيمان، وعلى أي الأسس يبايعن، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤). وسمى الإمام النووي هذه البيعة بـ «البيعة الشرعية» (٥)؛ لأنها تمثل الأسس والمقومات الكبرى للعقيدة، كما أنها مقومات الحياة الاجتماعية الجديدة.

стр. 384

وسميت هذه البيعة ببيعة النساء؛ لأنها وردت في القرآن في حق النساء، فعرفت بهمن، ثم استعملت في الرجال (١). وفي هذا المطلب خمس مسائل: المسألة الأولى: وقت البيعة. المسألة الثاني: أدلة البيعة. المسألة الثالثة: حكم البيعة. المسألة الرابعة: أركان البيعة. المسألة الخامسة: كيفية البيعة. المسألة الأولى: وقت البيعة: أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الأحكام، باب: بيعة النساء (٢)، من حديث عبادة بن الصامت قال: قال لنا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس: «تبايعوني على ألّا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا بهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله، فأمره إلى الله إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه فبايعناه على ذلك». وأخرجه في كتاب الإيمان (٣) من حديث عبادة بن الصامت وكان شهد بدرًا -

стр. 385

وهو أحد النقباء ليلة العقبة- قال وحوله عصابة من أصحابه: «بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا» فذكره بمثله. وذكر الحافظ في الفتح ما ملخصه: أن التصريح بأن البيعة الأولى ليلة العقبة كانت على بيعة النساء وَهَمٌ من بعض الرواة؛ وأن البيعة على مثل بيعة النساء كانت بعد ذلك، ولما كانت بيعة العقبة من أجل ما يتمدح به، فكان يذكرها إذا حدث تنويهًا بسابقيته، فلما ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء عقب ذلك، توهم من لم يقف على حقيقة الحال أن البيعة الأولى وقعت على ذلك. وقال: «والذي يقوي أنا وقعت بعد فتح مكة بعد أن نزلت الآية التي في الممتحنة وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ ونزول هذه الآية متأخر بعد قصة الحديبية بلا خلاف، والدليل على ذلك ما عند البخاري في الحدود (١) من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري في حديث عبادة هذا أن النبي ﷺ لما بايعهم قرأ الآية كلها، وعنده في تفسير الممتحنة) (٢) من هذا الوجه قال: «قرأ آية النساء» ولمسلم (٣) من طريق معمر عن الزهري قال: «فتلا علينا آية النساء؟ قال: ألّا تشركن بالله شيئًا … وللطبراني (٤) من وجه آخر عن الزهري هذا الإسناد: «بايعنا رسول الله ﷺ على ما بايع عليه النساء يوم فتح مكة» (٥).

стр. 386

وقرر ﵀ أن بيعة العقبة الأولى وقعت على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول بالحق، ولا نخاف في الله لومة لائم (١). المسألة الثانية: أدلة البيعة: أ- أخرج الطيالسي في المسند (٢)، والإمام أحمد في المسند (٣)، والحميدي في المسند (٤)، وابن ماجه في السنن (٥)، والترمذي في السنن (٦)، وفي العلل الكبير (٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٨)، والنسائي في المجتبى (٩)، والطبري في التفسير (١٠)، وابن حبان في صحيحه (١١)، والطبراني في الكبير (١٢)، والحاكم في المستدرك (١٣) من طرق عن ابن المنكدر، عن أميمة بنت رُقَيْقَة قالت: أتيت النبي ﷺ في نسوة من الأنصار نبايعه، فقلنا: يا رسول الله نبايعك على ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف قال: «فيما

стр. 387

استطعتن وأطقين» قالت: قلنا: الله ورسوله أرحم بنا، هلم نبايعك يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : «إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، أو مثل قولي لامرأة واحدة» واللفظ للنسائي. قال الترمذي: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر، وروى سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن المنكدر ونحوه. قال: وسألت محمدًا (أي: البخاري) عن هذا الحديث، فقال: لا أعرف لأميمة بنت رقيقة غير هذا الحديث، وأميمة امرأة أخرى لها حديث عن رسول الله ﷺ . وقال ابن كثير بعد أن ساق رواية الإمام أحمد: «هذا إسناد صحيح» (١). قلت: رجاله رجال الشيخين، غير صحابيته أميمة ﵂ فقد روى لها أصحاب السنن هذا الحديث. وصححه الألباني في صحيح جامع الترمذي (٢). • وجاءت تسمية هذه البيعة بيعة الإسلام، كما أخرج أحمد في المسند (٣)، والطبري في التفسير (٤) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاءت أميمة بنت رُقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام … وذكر الحديث بنحوه. قال الهيثمي في المجمع (٥): «رواه الطبراني (٦)، ورجاله ثقات».

стр. 388

وفاته ﵀ أن ينسبه لأحمد، قلت: إسناده حسن، لأجل رواية عمرو بن شعيب له، وقد تقدم تحقيق القول في روايته (١). ٢ - وقد كانت هذه البيعة معروفة لدى الصحابيات، وكن يتوافدن لأخذها من رسول الله ﷺ ، أخرج الإمام أحمد في المسند (٢)، عن إبراهيم بن أبي العباس ويونس، ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة (٣)، والطبراني في الكبير (٤) من طريق زكريا بن يحيى زحمويه، كلاهما عن عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم، عن أبيه، عن أمه عائشة بنت قدامة، قالت: أنا مع رائطة بنت سفيان الخزاعية، والنبي ﷺ يبايع النسوة، ويقول: «أبايعكن على ألا تشركن بالله شيئًا، ولا تسرقن، ولا تزنين، ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصين في معروف» قالت: فأطرقن، فقال لهن النبي ﷺ : «قلن: نعم فيما استطعتن» فكن يقلن وأقول معهن، وأمي تلقنني: قولي أي بنية: نعم، فيما استطعت، فكنت أقول كما يقلن. قال الهيثمي في المجمع (٥): «رواه أحمد والطبراني، وفيه عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم، وهو ضعيف».

стр. 389

قلت: إسناده ضعيف؛ فيه عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب من رجال التعجيل (١)، قال أبو حاتم: «ضعيف الحديث؛ يهولني كثرة ما يسند» (٢)، وأبوه عثمان من رجال التعجيل (٣)، قال أبو حاتم: «شيخ يكتب حديثه، وقد روى عنه ابنه عبد الرحمن أحاديث منكرة» (٤) وبقية رجاله ثقات؛ لكن ما قبله شاهد له، وما سيأتي بعده أيضًا، فيكون الحديث صحيحًا لغيره. وتأمل -حفظك الله- وافر رحمته ﷺ على المبايعات حين يؤكد عليهن أن يقلن «فيما نستطيع». ٣ - أخرج عبد الرزاق في مصنفه (٥)، ومن طريقه الإمام أحمد في المسند (٦)، وابن حبان في صحيحه (٧)، والبزار في المسند (٨)، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة بن ربيعة تبايع النبي ﷺ فأخذ عليها: «أن لا يشركن بالله شيئًا ولا يزنين … » قالت: فوضعت يدها على رأسها حياءً؛ فأعجب رسول الله ﷺ ما رأى منها، فقالت عائشة: أقرِّي أيتها المرأة، فو الله ما بايعنا إلا على هذا، قالت: فنعم إذًا، فبايعها بالآية. واللفظ لعبد الرزاق.

стр. 390

قال البزار: «لا نعلم رواه إلا معمر بهذا». وقال الهيثمي في المجمع (١). «رواه أحمد، إلا أنه قال: عن معمر، عن الزهري أو غيره، عن عروة، والبزار لم يشك، ورجاله رجال الصحيح». قلت: إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين. ٤ - أخرج البخاري (٢)، ومسلم (٣) من حديث أم عطية قالت: بايعنا النبي ﷺ فقرأ علينا ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة منّا يدها (٤)، فقالت: فلانة أسعدتني (٥)، وأنا أريد أن أجزيها، فلم يقل شيئًا، فذهبت ثم رجعت (٦)، فما وفت امرأة إلا أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، أو
следующие страницы →