← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقرر ﵀ أن بيعة العقبة الأولى وقعت على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول بالحق، ولا نخاف في الله لومة لائم (١). المسألة الثانية: أدلة البيعة: أ- أخرج الطيالسي في المسند (٢)، والإمام أحمد في المسند (٣)، والحميدي في المسند (٤)، وابن ماجه في السنن (٥)، والترمذي في السنن (٦)، وفي العلل الكبير (٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٨)، والنسائي في المجتبى (٩)، والطبري في التفسير (١٠)، وابن حبان في صحيحه (١١)، والطبراني في الكبير (١٢)، والحاكم في المستدرك (١٣) من طرق عن ابن المنكدر، عن أميمة بنت رُقَيْقَة قالت: أتيت النبي ﷺ في نسوة من الأنصار نبايعه، فقلنا: يا رسول الله نبايعك على ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف قال: «فيما

стр. 387

استطعتن وأطقين» قالت: قلنا: الله ورسوله أرحم بنا، هلم نبايعك يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : «إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، أو مثل قولي لامرأة واحدة» واللفظ للنسائي. قال الترمذي: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر، وروى سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن المنكدر ونحوه. قال: وسألت محمدًا (أي: البخاري) عن هذا الحديث، فقال: لا أعرف لأميمة بنت رقيقة غير هذا الحديث، وأميمة امرأة أخرى لها حديث عن رسول الله ﷺ . وقال ابن كثير بعد أن ساق رواية الإمام أحمد: «هذا إسناد صحيح» (١). قلت: رجاله رجال الشيخين، غير صحابيته أميمة ﵂ فقد روى لها أصحاب السنن هذا الحديث. وصححه الألباني في صحيح جامع الترمذي (٢). • وجاءت تسمية هذه البيعة بيعة الإسلام، كما أخرج أحمد في المسند (٣)، والطبري في التفسير (٤) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاءت أميمة بنت رُقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام … وذكر الحديث بنحوه. قال الهيثمي في المجمع (٥): «رواه الطبراني (٦)، ورجاله ثقات».

стр. 388

وفاته ﵀ أن ينسبه لأحمد، قلت: إسناده حسن، لأجل رواية عمرو بن شعيب له، وقد تقدم تحقيق القول في روايته (١). ٢ - وقد كانت هذه البيعة معروفة لدى الصحابيات، وكن يتوافدن لأخذها من رسول الله ﷺ ، أخرج الإمام أحمد في المسند (٢)، عن إبراهيم بن أبي العباس ويونس، ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة (٣)، والطبراني في الكبير (٤) من طريق زكريا بن يحيى زحمويه، كلاهما عن عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم، عن أبيه، عن أمه عائشة بنت قدامة، قالت: أنا مع رائطة بنت سفيان الخزاعية، والنبي ﷺ يبايع النسوة، ويقول: «أبايعكن على ألا تشركن بالله شيئًا، ولا تسرقن، ولا تزنين، ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصين في معروف» قالت: فأطرقن، فقال لهن النبي ﷺ : «قلن: نعم فيما استطعتن» فكن يقلن وأقول معهن، وأمي تلقنني: قولي أي بنية: نعم، فيما استطعت، فكنت أقول كما يقلن. قال الهيثمي في المجمع (٥): «رواه أحمد والطبراني، وفيه عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم، وهو ضعيف».

стр. 389

قلت: إسناده ضعيف؛ فيه عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب من رجال التعجيل (١)، قال أبو حاتم: «ضعيف الحديث؛ يهولني كثرة ما يسند» (٢)، وأبوه عثمان من رجال التعجيل (٣)، قال أبو حاتم: «شيخ يكتب حديثه، وقد روى عنه ابنه عبد الرحمن أحاديث منكرة» (٤) وبقية رجاله ثقات؛ لكن ما قبله شاهد له، وما سيأتي بعده أيضًا، فيكون الحديث صحيحًا لغيره. وتأمل -حفظك الله- وافر رحمته ﷺ على المبايعات حين يؤكد عليهن أن يقلن «فيما نستطيع». ٣ - أخرج عبد الرزاق في مصنفه (٥)، ومن طريقه الإمام أحمد في المسند (٦)، وابن حبان في صحيحه (٧)، والبزار في المسند (٨)، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة بن ربيعة تبايع النبي ﷺ فأخذ عليها: «أن لا يشركن بالله شيئًا ولا يزنين … » قالت: فوضعت يدها على رأسها حياءً؛ فأعجب رسول الله ﷺ ما رأى منها، فقالت عائشة: أقرِّي أيتها المرأة، فو الله ما بايعنا إلا على هذا، قالت: فنعم إذًا، فبايعها بالآية. واللفظ لعبد الرزاق.

стр. 390

قال البزار: «لا نعلم رواه إلا معمر بهذا». وقال الهيثمي في المجمع (١). «رواه أحمد، إلا أنه قال: عن معمر، عن الزهري أو غيره، عن عروة، والبزار لم يشك، ورجاله رجال الصحيح». قلت: إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين. ٤ - أخرج البخاري (٢)، ومسلم (٣) من حديث أم عطية قالت: بايعنا النبي ﷺ فقرأ علينا ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة منّا يدها (٤)، فقالت: فلانة أسعدتني (٥)، وأنا أريد أن أجزيها، فلم يقل شيئًا، فذهبت ثم رجعت (٦)، فما وفت امرأة إلا أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، أو

стр. 391

ابنة أبي سيرة وامرأة معاذ. واللفظ للبخاري. ٥ - بل كان ﷺ يتعاهد النساء هذه البيعة يوم العيد كما قال ابن كثير (١)، أخرج البخاري (٢)، ومسلم (٣) من حديث ابن عباس قال: شهدت صلاة الفطر مع نبي الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة، ثم يخطب، قال: فنزل النبي ﷺ كأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى جاء النساء ومعه بلال فقال: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) فتلا هذه الآية حتى فرغ منها، ثم قال حين فرغ منها: «أنتين على ذلك؟» فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها منهن: نعم يا نبي الله لا يدري حينئذ من هي … الحديث، واللفظ لمسلم. يقول العيني: «وإنما تلا هذه الآية الكريمة ليذكرهن البيعة التي وقعت بينه وبين النساء لما فتح مكة، وكان النبي ﷺ لما فرغ من أمر الفتح اجتمع الناس للبيعة، فجلس بهم على الصفا، ولما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء (٥)، وذكر لهن ما ذكر الله

стр. 392

في الآية المذكورة، قوله (أنتن على ذلك) مقول القول، و الخطاب للنساء أي: أنتين على ما ذكر في هذه الآية» (١). قال ابن الجوزي: «وجملة من أحصي من المبايعات إذ ذاك أربعمائة وسبع وخمسون امرأة، ولم يصافح في البيعة امرأة، وإنما بايعهن بالكلام هذه الآية» (٢). المسألة الثالثة: حكم البيعة: بوّب ابن حبان في صحيحه على حديث أميمة بنت رقيقة (٣): «ذكر ما يستحب للإمام أخذ البيعة من نساء رعيته على نفسه إذا أحب ذلك» (٤). وقال القرطبي: «قال المهدوي: أجمع المسلمون على أنه ليس للإمام أن يشترط عليهن هذا، والأمر بذلك ندب لا إلزام» (٥). يقول أبو السعود في تفسيره (٦): (فبايعهن) أي: على ما ذكر وما لم يذكر الوضوح أمره، وظهور أصالته في المبايعة من الصلاة، والزكاة، وسائر أركان الدين وشعائر الإسلام، وتقييد مبايعتهن بما ذكر من مجيئهن، لحثهن على المسارعة إليها، مع كمال الرغبة فيها من غير دعوة لهن إليها … ». ومن هنا يتبين أن هذه البيعة سنة في حق الإمام إذا جاءه النساء يبايعنه

стр. 393

عليها، دون أن يدعو إليها، ولذا شرط الله تعالى المبايعة من رسول الله ﷺ للنساء. بمجيئهن إليه مبايعات. ومن هنا تعلم أن بيعة النساء بويع بها الرجال والنساء على حد سواء يوم فتح مكة (١)، كما بويعت بها المهاجرات للامتحان (٢)، وبويعت بها نساء الأنصار (٣)، بل كان ﷺ يتعاهد النساء بها كما جاء في حديث ابن عباس (٤). المسألة الرابعة: أركان البيعة: يقول الله تعالى: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥). أركان بيعة النساء ستة: • أولها: النهي عن الشرك المناقض للإيمان الذي اعتنقوه، وآمنوا به، وجاءت «شيئًا» نكرة في سياق النفي؛ لتعم جميع أوجه الإشراك صغيرها وكبيرها، وليفردنه ويوحدنه سبحانه بالعبادة. • ثانيها: «ولا يسرقن». فلا تأخذ مال أحد بغير حق. ولذا استفسرت هند

стр. 394

بنت عتبة عن أخذها من مال زوجها أبي سفيان، أخرج ابن سعد (١) بسند رجاله رجال الصحيح لكنه مرسل عن الشعبي يذكر أن النساء جئن يبايعن، فقال النبي ﷺ : «تبايعن على ألّا تشركن بالله شيئًا» فقالت هند: إنا لقائلوها. فقال: «فلا تسرقن» فقالت هند: كنت أصيب من مال أبي سفيان، قال أبو سفيان: فما أصبت من مالي فهو حلال لك. قال: «ولا تزنين» قالت هند: وهل تزني الحرة؟ قال: «ولا تقتلن أولادكن» قالت هند: أنت قتلتهم. وقد جاءت فتوى رسول الله ﷺ لهند أصالة، ولغيرها تبعًا لما سألته فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» أخرجه البخاري (٢)، وجمع الحافظ بينه وبين ما تقدم بجمع حسن فقال: «ويمكن تعدد القصة، وأن هذا وقع لما بايعت، ثم جاءت مرة أخرى فسألت عن الحكم، وتكون فهمت من الأول إحلال أبي سفيان لها ما مضى فسألت عما يستقبل» (٣). • ثالثها: «ولا يزنين». لقد شاع في المجتمع الجاهلي قبل الإسلام -شأنه كشأن أي مجتمع منحرف عن الصراط المستقيم عقيدة وسلوكًا- الفواحش، وخضع لغوايات الشيطان، ووقع في أحابيله، وتاه في دهاليز الضلالة، يدلل على ذلك ما تقدم (٤) إيراده من أنواع الأنكحة الأربعة في الجاهلية التي أبطل الإسلام منها ثلاثة، وأقر واحدًا هو نكاح

стр. 395

الناس اليوم، وعالج الإسلام هذه الظاهرة الانحرافية في المجتمع الجاهلي علاجًا جذريًّا، وذلك من طريقين: إيجابي بالحض على الزواج المبكر، وتهيئة أسبابه، وتيسير مؤونته، وسبي: بالنهي عنه، والتحذير منه، ثم الحد لمن فعله. • رابعها: «ولا يقتلن أولادهن». قال محمد بن إسماعيل التيمي: خص القتل بالأولاد؛ لأنه قتل وقطيعة رحم، فالعناية بالنهي عنه آكد (١). ولأنه كان شائعًا فيهم، وأد البنات، وقتل البنين خشية الإملاق (٢). • خامسها: «ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن». اختلفت أقوال المفسرين في الآية: فذهب بعضهم إلى أن الآية نهي عن النميمة، والبهتان هو: الكذب الذي بهت سامعه، وخص الأيدي والأرجل بالافتراء؛ لأن معظم الأفعال تقع بهما، إذ كانت هي العوامل والحوامل للمباشرة والسعي (٣). وذهب الجمهور إلى أن الآية نهي عن إلحاق الولد بالزوج، قال ابن عباس: لا تلحق بزوجها ولدًا ليس منه (٤). قال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود، فتقول لزوجها: هذا ولدي منك (٥). فذلك البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن، وذلك أن الولد إذا أرضعته الأم

стр. 396

سقط بين يديها ورجليها (١)، وقيل: لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الذي تلده به بين الرجلين (٢)، وليس المعنى نهيهن عن الزنى؛ لأن النهي عن الزنى قد تقدم. • سادسها: (ولا يعصينك في معروف). اختلف في معناه، والصحيح أنه عام في جميع ما يأمر به النبي ﷺ ، وينهى عنه، فيدخل فيه النوح، وتخريق الثوب، وجزّ الشعر، والخلوة بغير محرم إلى غير ذلك، وهذه كلها من كبائر الذنوب. وقال ابن عباس، وأنس بن مالك، وسالم بن أبي الجعد، وأبو صالح وغير واحد (٣) نهاهن يومئذ عن النوح، وقد تقدم (٤) حديث أم عطية في ذلك أيضًا. وقال زيد بن أسلم: «ولا يعصينك في معروف» قال: لا يخدشن وجهًا، ولا يشققن جيبًا، ولا يدعون ويلًا، ولا يَشْدُدْنَ شعرًا (٥). وأخرج الطبري (٦) من طريق عمرو بن أبي سلمة، عن زهير في قول الله (ولا يعصينك في معروف) قال: لا يخلو الرجل بامرأة. وجميع ما مضى يدخل فيه. قال أبو السعود: «والتقييد بالمعروف مع أن الرسول ﷺ لا يأمر إلا به؛ للتنبيه

стр. 397

على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق» (١). قلت: التقييد بالمعروف لمن جاء بعده ﷺ . وبعد هذا الاستعراض ترى أن أركان بيعة النساء كانت على شرائع الدين وأصوله، ولعلك تسأل نفسك لم جاءت البيعة بالمناهي دون الأوامر؟ يقول القرطبي: «في صفة البيعة خصلًا شتى صرح فيهن بأركان النهي في الدين، ولم يذكر أركان الأمر، وهي ستة أيضًا: الشهادة، والصلاة والزكاة، والصيام، والحج، والاغتسال من الجنابة؛ وذلك لأن النهي دائم في كل الأزمان، وكل الأحوال، فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد. وقيل: إن هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها، ولا يحجزهن عنها شرف النسب، فخصت بالذكر لهذا، ونحو منه قوله ﵇ لوفد عبد القيس «وأنهاكم عن الدُبّاء، والحنتم والنقير، والمزفت» (٢) فنبههم على ترك المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي؛ لأنها كانت شهوتهم وعادتهم، وإذا ترك المرء شهوته من المعاصي هان عليه ترك سائرها مما لا شهوة له فيها». المسألة الخامسة: كيفية البيعة: ١ - بيعة النساء بالكلام فحسبُ: المتأمل للأحاديث السابقة يرى أن بيعة النساء تمت بالكلام فحسب دون مصافحة كما هو حال الرجال، يدل على ذلك حديث أميمة بنت رقيقة المتقدم (٣)

стр. 398

وفيه جوابه ﷺ عليهن لمّا قلن له: هلم نبايعك يا رسول الله؟ فقال: «إني لا أصافح النساء، إنما قولي المائة امرأة كقولي لامرأة واحدة». وحديث عائشة (١) وفيه: «فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله ﷺ : «قد بايعتك. كلامًا. ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله: «قد بايعتك» واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم: «وكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهن رسول الله ﷺ : «انطلقن فقد بايعتكن» ولا والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط، غير أنه يبايعهن بالكلام، قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء قط إلا بما أمره الله تعالى، وما مست كف رسول الله ﷺ كف امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: «قد بايعتكن». كلامًا. يقول الثعالبي في تفسيره (٢): «واختلف في هيئة مبايعته ﷺ النساء بعد الإجماع على أنه لم تمس يده يد امرأة أجنبية قط، والمروي عن عائشة وغيرها أنه بايع باللسان قولًا، وقال: «إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة». ولا تستغرب أن تكون بيعة رسول الله ﷺ للنساء بالكلام فقط؛ لأنه ﷺ حدّث بحديث لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، أخرجه الروياني في المسند (٣)، والطبراني في الكبير (٤) من طريق أبي العلاء، عن معقل بن يسار يقول: قال رسول الله ﷺ : «لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد، خير له من أن

стр. 399

يمس امرأة لا تحل له» واللفظ للطبراني. قال المنذري: «رواه الطبراني والبيهقي، ورجال الطبراني ثقات رجال الصحيح» (١) وقال الهيثمي: «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح» (٢) وصححه الألباني في الصحيحة (٣). وهو كما قال. قال ابن حجر عند شرح حديث عائشة المتقدم: «(قد بايعتك). كلامًا. أي: يقول ذلك كلامًا فقط لا مصافحة باليد كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة، قوله: (ولا والله) القسم لتأكيد الخبر، وكأن عائشة أشارت بذلك إلى الرد على ما جاء عن أم عطية، فعند ابن خزيمة) (٤)، وابن حبان (٥) والبزار (٦)، والطبري (٧)، وابن مردويه (٨)، من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن، عن جدته أم عطية في قصة المبايعة قال: «فمد يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: «اللهم اشهد» وكذا الحديث الذي بعده حيث قالت فيه «فقبضت منا امرأة يدها … «فإنه يشعر بأنهن كن يبايعنه بأيديهن، ويمكن الجواب عن الأول: بأن مد الأيدي من وراء الحجاب إشارة إلى وقوع المبايعة، وإن لم تقع المصافحة.

стр. 400

وعن الثاني: بأن المراد بقبض اليد التأخر عن القبول» (١). وقد جاءت روايات ضعيفة لا تقاوم الروايات الصحيحة في كيفية المبايعة؛ منها ما أخرجه أبو داود في المراسيل عن الشعبي أن النبي ﷺ حين أتى يبايع النساء أتى ببرد قطري، فوضعه على يده، فقال: إني لا أصافح النساء. قلت: رجاله ثقات؛ لكنه مرسل، والمرسل من أقسام الضعيف، وقد أورده الحافظ في الفتح (٢)، وتخريج الكشاف (٣) وسكت عنه، وضعفه الألباني في الضعيفة (٤). وأخرج ابن عبد البر في التمهيد (٥) من طريق سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: كان النبي ﷺ يصافح النساء، وعلى يده ثوب. وأخرج أيضًا من طريق سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن حازم: أن النبي ﷺ كان إذا بايع لا يصافح النساء إلا وعلى يده ثوب. وكلاهما مرسل. • قال الحافظ: «وأخرج ابن إسحاق في المغازي، من رواية يونس بن بكير، عنه عن أبان بن صالح أنه ﷺ كان يغمس يده في إناء، وتغمس المرأة يدها» (٦). وسكت الحافظ عنه في الفتح؛ ولا يخفى ضعفه؛ للإعضال بين أبان بن

стр. 401

صالح، ورسول الله ﷺ ، فأبان مات سنة بضع عشرة ومائة (١). ويظهر مما تقدم أن بيعة النساء تكون بالكلام فقط دون مصافحة خلاف بيعة الرجال. ٢ - البيعة بالكتابة: أخرج البخاري في صحيحه (٢) من طريق سفيان، قال: حدثني عبد الملك بن دينار قال: لما بايع الناس عبد الملك كتب إليه عبد الله بن عمر: «إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ﷺ فيما استطعت، وإن بَنِيَّ قد أقروا بذلك». وفيه أن البيعة تؤخذ كتابةً؛ لفعل ابن عمر، وكما أنها تؤخذ من النساء مشافهة؛ فإنها تؤخذ أيضًا مكاتبةً؛ إذ لا محظور شرعي في المسألة، والله تعالى أعلم. لكن بيعتها!! على ما تقدم من بيعة النساء.

стр. 402

المطلب الرابع: بيعة النصرة والمَنَعَة أخرج أحمد في المسند (١)، والبزار في المسند (٢)، وابن حبان في الصحيح (٣) والبيهقي في الكبرى (٤) من طرق عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن خُثَيم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين يتَّبَّع الناس في منازلهم بعكاظ ومَجَنّة، وفي المواسم بمني، يقول: «من يؤوين؟ ومن ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي، وله الجنة» حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مُضَر فيأتيه قومه، فيقولون: احذر غلام قريش، لا يفتننك، ويمشي بين رجالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله له من يثرب، فآويناه وصدّقناه، فيخرج الرجل منا، فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله، فيسلمون بإسلامه حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين، يظهرون الإسلام. ثم ائتمروا جميعًا، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله ﷺ يُطرَد في جبال مكة ويُخَاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلًا حتى قدموا عليه في المواسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله، لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم

стр. 403

وأبناءكم، ولكم الجنة» … واللفظ لأحمد، وقد رواه بأتم من هذا. وإسناده صحيح على شرط مسلم، وزال ما يخشى من تدليس أبي الزبير محمد بن مسلم؛ لتصريحه بالتحديث عند أحمد (١). وتسمى هذه البيعة بيعة العقبة الثانية، وجملة من شهدها ثلاثة وسبعون رجلًا، وامرأتان من النساء: نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجار، والثانية: أسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي إحدى نساء بني سَلِمة وهي أم منيع (٢). ولكن ولما فرغ رسول الله ﷺ من بيعته قال لهم جميعًا: «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبًا، ليكونوا على قومهم بما فيهم» (٣). والنقيب هو مقدم قومه والناظر عليهم، وسُمي أصحاب النبي ﷺ من الأنصار الذين تقدموا لأخذ البيعة لنصرة النبي ﷺ نقباء؛ لضمانهم إسلام قومهم، ونصرهم النبي ﷺ ، والنقيب الضامن، وقيل: لتقدمهم على قومهم (٤). وهناك رواية تشير إلى أن الأنصار لم يختاروا النقباء بأنفسهم، وإنما كان ذلك من رسول الله ﷺ بتوجيه من الوحي، ثم بايعوا -أي الأنصار- رسول الله ﷺ فقال لهم: «إن موسى ﵇ أخذ من بني إسرائيل اثني عشر نقيبًا، فلا يجدن منكم أحد في نفسه أن يؤخذ غيره، فإنما يختار لي جبريل» قال مالك بن أنس ﵀:

стр. 404

حدثني شيخ من الأنصار: أن جبريل ﵇ كان يشير إلى من يجعله نقيبًا، قال مالك: كنت أعجب كيف جاء من قبيلة رجلان، ومن قبيلة رجل؟ حتى حدثني هذا الشيخ أن جبريل كان يشير إليهم يوم البيعة يوم العقبة» (١). ومن هنا يُعْلِم أن البيعة انعقدت بأهل الحل والعقد النقباء، ولمن حضر على السمع والطاعة، فتنبه (٢)، ولا مانع من أن تشهد المرأة مثل ذلك؛ لإقراره ﷺ المرأتين. وما تقدم من أنواع البيعة جاءت السنة بإثباته للنساء والرجال على حد سواء، وأمّا بيعة الهجرة، وبيعة الجهاد، وبيعة الصبر وعدم الفرار فهي للرجال دون النساء، كما ذكر ذلك شراح الحديث وأهل العلم (٣)، ولذا لم أوردها في هذا المبحث.

стр. 405

المبحث الثاني: بيعة المرأة لولي الأمر إن البيعة لولي الأمر من أبرز جوانب العمل السياسي الذي تمارسه الأمة، إذ أنها في الرؤية الإسلامية هي التي تضفي الشرعية على نظام الحكم، وقد سبقت إنشاء الدولة في عهد رسول الله ﷺ ، فهي ميثاق تأسيس المجتمع السياسي الإسلامي، وأداة إعلانه التزامه بالمنهج والشريعة والشورى، وهي صيغة تمكين الأمة لا خضوعها، فالبيعة هي الوجه الآخر للشورى، بل هي إحدى صورها، وهي ليست ممارسة قهرية بل اختيارية حرة؛ لأن البيعة، وإدارة تولي السلطة، ووجود إدارة سياسية في المجتمع الإسلامي تنظّم شؤونه، وتدير مصالحه هو شرط التمدن الإسلامي، وتجنب الوقوع في الفوضى التي قد تُضيع مقاصد الشرع، وبالتالي تعود الجاهلية، وإجراءات البيعة تنقسم إلى مستويين متتابعين متلازمين: ١ - بيعة الانعقاد: وبموجبها ينعقد للشخص المبايع السلطان، ويكون له بها الولاية الكبرى دون غيره، حسمًا للخلاف حول من يتولى أمر المسلمين، وهذه البيعة هي التي يقوم بها أهل الحل والعقد، ودلائل هذه البيعة واضحة تمامًا في انعقاد البيعة للخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين- فقد كان أهل الاختيار يقومون باختيار الإمام، ثم يبايعونه بيعة انعقاد أولية. ٢ - البيعة العامة أو بيعة الطاعة: وهي بيعة شعبية عامة للكافة من الأمة، أي: بيعة سائر المسلمين للخليفة، وهذا ما تم بالنسبة للخلفاء الراشدين جميعًا، فأبو بكر الصديق ﵁ بعد أن بايعه أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة، دُعي المسلمون للبيعة العامة في المسجد، فصعد المنبر بعد أن أخبرهم عمر بن الخطاب ﵁ باختيارهم له، ومبايعتهم إيّاه، وأمرهم بمبايعته فبايعه

стр. 406

المسلمون، وما حدث مع أبي بكر الصديق حدث مع كل الخلفاء الراشدين (١). يقول القرطبي: «إذا انعقدت الإمامة باتفاق أهل الحل والعقد، أو بواحد على ما تقدم (بشرط ألا يخالفه الأكثرية على الراجح) وجب على الناس مبايعته على السمع والطاعة، وإقامة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن تأبى عن البيعة العذر عذر، ومن تأبى لغير عذر أُجبر وقهر؛ لئلا تفترق كلمة المسلمين» (٢). وقال الدسوقي في حاشيته: «وبيعة أهل الحل بالحضور والمباشرة بصفقة اليد، وإشهاد الغائب منهم، ويكفي العامي اعتقاد أنه تحت أمره؛ فإن أضمر خلاف ذلك فسق، ودخل تحت قوله ﵇: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية … (٣)» (٤). وهذه البيعة هي التي تقصدها معظم الكتابات تأسيسًا على الممارسة في عصور الملك المتتالية، وهي التي تتبادر للذهن إذا أطلقت كلمة البيعة دون تحديد. • وقبل أن آتي إلى بيان حكم المسألة بالنسبة للمرأة، لا بد أن نعرف من هم أهل الحل والعقد؟ عرف صاحب نهاية المحتاج أهل الحل والعقد بأهم: «العلماء والرؤساء

стр. 407

ووجهاء الناس الذين يتيسر اجتماعهم» (١). • وبعد أن عرضت مستويات البيعة، فإنه مما لا شك فيه أن المرأة تدخل دخولًا أوليًّا في القسم الثاني في بيعة الطاعة، أو البيعة العامة شأنها في ذلك شأن عوام المسلمين؛ وأنه يجب عليها السمع والطاعة لولي الأمر في السر والجهر ما لم يأمر بمعصية، ولا تعتقد خلاف ذلك؛ شأنها في ذلك شأن الرجل؛ لأن الأحاديث التي همت عن الخروج على الإمام، وفسخ بيعة السمع والطاعة عامة؛ جاءت بـ «من» الشرطية، وهي أعلى صيغ العموم، كما قرر ذلك الأصوليون (٢). وقد أخرج البخاري (٣)، ومسلم (٤) من حديث ابن عباس مرفوعًا: «من كره من أميره شيئًا فليصبر؛ فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية». وأخرج مسلم (٥) من طريق نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثًا سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». قال الحافظ: «والمراد بالميتة الجاهلية -وهي بكسر الميم- أي الموت كموت

стр. 408

أهل الجاهلية على ضلال، وليس له إمام مطاع؛ لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافرًا بل يموت عاصيًّا، ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره، ومعناه أنه يموت مثل موت الجاهلي، وإن لم يكن هو جاهليًّا، وأن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير وظاهره غير مراد» (١). • وأمّا بيعة الانعقاد فيشترط أن تكون من أهل الحل والعقد، ومن شروط أهل الحل والعقد الذكورة، بل حكى الجويني الإجماع على ذلك في غياث الأمم (٢) فقال: «ما نعلمه قطعًا أن النسوة لا مدخل لهن في تخير الإمام وعقد الإمامة، فإن ما روجعن قط، ولو استشير في هذا الأمر امرأة لكان أحرى الناس وأجدر من هذا الأمر فاطمة ﵂ ثم نسوة رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ونحن بابتداء الأذهان نعلم أنه ما كان لهن في هذا المجال مخاض في منقرض العصور، وكرّ الدهور». وقال الماوردي في الأحكام السلطانية (٣): «ويعتبر في تقليد هذه الوزارة -أي وزارة التفويض- شروط الإمامة إلا النسب وحده» ومن شروط الإمامة العظمى كما سيأتي (٤) الذكورة، ومن أدل الأدلة على ذلك أن استخلاف الخلفاء الراشدين) (٥) لم يؤثر فيه أن امرأة واحدة من أمهات المؤمنين ولا الصحابيات شاركن في أخذ البيعة، بل اكتفت النساء ببيعة الرجال -ولا يجتمعون على ضلالة- ولا في بيعة من جاء بعدهم مع وفرة الدواعي التي تؤيد

стр. 409

مشاركة المرأة، وانتفاء الموانع في ذلك الوقت حين بلغت المرأة شأنًا عظيمًا برفع الإسلام لمكانتها، والقرب من مشكاة النبوة، وقد أخرج البخاري (١) في حديث طويل من حديث ابن عباس وفيه قول عمر: «كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئًا، فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقًا من غير أن يدخلهن في شيء من أمورنا». فتكون عدم مشاركتهن (٢) إجماعًا من الصحابة ومن بعدهم من المسلمين، وقد أخرج أحمد في المسند (٣)، وأبو داود في السنن (٤)، وابن ماجه في السنن (٥)، والترمذي في السنن (٦)، وابن حبان في صحيحه (٧)، والحاكم في المستدرك (٨)، من حديث العرباض بن سارية وفيه قال: قال ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ». قال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح وليس له علة، ووافقه الذهبي. وأبو نعيم فيما نقله ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٩)،

стр. 410

والبزار فيما نقله عنه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١). وصححه الألباني (٢) في صحيح سنن أبي داود. وخلاصة هذه المسألة أن للمرأة حقًا في بيعة السمع والطاعة ولو ح ضرت البيعة جاز لها ذلك لأن نسيبة بنت كعب أم عمارة، وأسماء بنت عمرو أم منيع شهدتا بيعة العقبة الثانية، وسميتا من أهلها؛ وبايعتا بيعة السمع والطاعة، لكن بيعة الانعقاد تمت على يد النقباء الاثني عشر. وفقنا الله للصواب، وهدانا لما اختلف فيه من الحق بإذنه؛ إنه سبحانه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

стр. 411

الفصل الثاني حق المرأة في مناصحة الولاة أو الاحتساب على أصحاب السلطة

стр. 412

الفصل الثاني حق المرأة في مناصحة الولاة أو الاحتساب على أصحاب السلطة لقد مرّ -أيّها القارئ الكريم- فيما مضى دور المرأة الجليل في الدعوة إلى الله، على المستوى الفردي والجماعي (١)، وما أولته من عناية للعلم جعلتها تصاف كبار علماء عصرها، وثني أجلاء العلماء ركبهم عندها، فأفتت، وناظرت، وراجعت العلماء وطلاب العلم حتى إن كثيرا منهم رجع إلى رأيها، واستضاء بعلمها (٢)، وستجدها الآن صاحبة الرأي المستنير، والحجة القوية التي تأمر بها السلطان بالمعروف، وتنهاه عن المنكر، ولا غرو فإن الإسلام يربي أفراده على القوة وقول الحق ولو على أنفسهم يقول تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣). يقول ابن النحاس الدمشقي: «قلت: وفي ذكره تعالى (والمؤمنات) هنا دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على النساء، كوجوبه على الرجال

стр. 413

حيث وجدت الاستطاعة» (١). وأفتى الفقهاء بأن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتساوى فيه النساء والرجال (٢). وسأدلل فيما سيأتي على ما بذلته المرأة في تطبيق هذه الشعيرة على أصحاب السلطة وكبار القوم؛ لتعلم أن الإسلام حباها مكانة لا تساميها مكانة: ١ - أخرج البخاري في صحيحه (٣) من طريق يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد وسليمان بن يسار أنه سمعهما يذكران أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق بنت عبدالرحمن بن الحكم، فانتقلها عبد الرحمن، فأرسلت عائشة إلى مروان -وهو أمير المدينة-: «اتق الله وارددها إلى بيتها». قال مروان في حديث سليمان: إن عبدالرحمن بن الحكم غلبني (٤). وقال القاسم بن محمد: أو ما بلغكِ شأن فاطمة بنت قيس؟ قالت: لا يضرك ألا تذكر حديث فاطمة. فقال مروان: إن كان بك شر فحسبك ما بين هذين من الشر (٥). وفي الحديث أمر أم المؤمنين عائشة ﵂ أمير المدينة برد المطلقة

стр. 414

البائنة إلى بيتها، وقد عارضت في ذلك حديث فاطمة بنت قيس فإنها أفتت بانتقال المطلقة البائنة عن بيتها (١). ٢ - أخرج مسلم في صحيحه من طريق أبي نوفل قال: رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة (٢)، قال: فجعلت قريش تمر عليه والناس، حتى مرّ عليه عبد الله بن عمر فوقف عليه، فقال: السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أخاك عن هذا، أمّا والله لقد كنت أفاك عن هذا، أمّا والله إن كنت ما علمت صوامًا قوامًا وصولًا للرحم، أما والله لأمة أنت أشرها لأمة خير (٣). ثم نفذ عبد الله بن عمر، فبلغ الحجاج موقف عبد الله وقوله، فأرسل إليه، فأنزل عن جذعه، فألقي في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول لتأتيني، أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك. قال: فأبت. وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إليّ من يسحبني بقروني. قال: فقال: أروني سِبْتيّ (٤)، فأخذ نعليه ثم انطلق يتوذف (٥) حتى دخل عليها. فقال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله. قالت:

стр. 415

رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، بلغني أنك تقول له يا ابن ذات النطاقين، أنا والله ذات النطاقين، أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ ، وطعام أبي بكر من الدواب، وأمّا الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه، أما إن رسول الله ﷺ حدثنا أن في ثقيف كذابًا ومبيرًا (١)، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إيّاه. قال: فقام عنها ولم يراجعها. الله أكبر ما أجرأ أسماء ﵂ في الجهر بكلمة الحق عند السلطان الجائر! ولا عجب فهي بنت أبيها رضوان الله عليهم أجمع. لكنها الجرأة في مكانها المناسب، لا الحماقة والخروج عن الحكمة أو الحكام. ٣ - أخرج الإمام أحمد في المسند (٢) عن يحيى بن إسحاق السيلحيني، وقتيبة بن سعيد، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣) من طريق سعيد بن كثير بن عفير ثلاثتهم عن ابن لهيعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد قال: سمعت أم الطفيل -قال قتيبة: امرأة أبيِّ بن كعب- أنها سمعت عمر بن الخطاب، وأُبيَّ بن كعب يختصمان، فقالت أم الطفيل: أفلا يسأل عمر بن الخطاب سُبيعة الأسلمية؟ توفي عنها زوجها وهي حامل، فوضعت بعد ذلك بأيام، فأنكحها رسول الله ﷺ . واللفظ لأحمد. وفي لفظ آخر له (٤): «فقالت أم الطفيل لعمر ولي: قد أمر رسول الله ﷺ

стр. 416

سُبيعة الأسلمية أن تنكح إذا وضعت». قال الهيثمي في المجمع (١): «رواه أحمد والطبراني أنتم منه، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات». واختُلِف في إسناده على ابن لهيعة، وأصح ما ورد عنه ما أوردتُهُ من الرواية؛ لأن يحيى بن إسحاق من قدماء أصحاب ابن لهيعة، وقد صححوا سماع قتيبة منه (٢)، فإسناده حسن. وحديث سُبيعة الأسلمية أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (٤). وفي الحديث احتساب أم الطفيل زوج أبيٍّ على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضوان الله عليهم- مع علو مكانته، وعظيم منزلته، إلا أن أم الطفيل راجعته لمّا وجدت رأيه يخالف من أرسله الله تعالى ليطاع بإذنه، لكن الملاحظة أيضًا، أنها لم تكن سيئة الأدب معه، وهذا هو الهدى الواجب مراعاته من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٤ - أخرج مسلم في صحيحه (٥) من طريق حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم أن عبد الملك بن مروان بعث إلى أم الدرداء بأنجاد (٦) من عنده، فلما أن كان

стр. 417

ذات ليلة قام عبد الملك من الليل فدعا خادمه، فكأنه أبطأ عليه، فلعنه، فلما أصبح، قالت له أم الدرداء سمعتك الليلة لعنت خادمك حين دعوته. فقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة». وأخرجه أحمد في المسند (١) من طريق معمر، عن زيد بن أسلم قال: كان عبد الملك يرسل إلى أم الدرداء، فتبيت عند نسائه، ويسألها عن النبي ﷺ وذكر الحديث بنحوه. وإسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين. ولم تمنع أم الدرداء ﵂ استضافة عبد الملك بن مروان إيّاها، ولا منزلته من الإنكار عليه يوم أخطأ، ودللت على إنكارها ﵂ وفيه حرص الصحابة على تعليم أهليهم الخير، يظهر ذلك من تحديث أم الدرداء عن زوجها -رضوان الله عليهم-. على أن أُمَّ الدرداء لم تُسءِ الأدب مع عبد الملك في إنكارها عليه، ﵂، وهذا أدبٌ ينبغي مراعاته. وإن كان الإسلام كما سيأتي (٢) منع المرأة من الولاية العظمى إلا أنه جعلها عضوًا فاعلًا، وعنصًرا نشطًا يأمر وينهي، ويسمع له ولا سيما إن كان ما تذكره مبنيًا على أصول الشريعة وقواعدها، وقد دللت فيما مضى، والله ولي التوفيق.

стр. 418

حكم تولي المرأة لولاية الحسبة لا شك أن النصوص الشرعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عامة تستوعب كل مسلم عاقل بالغ قادر رجلًا كان أو امرأة يقول ابن القيم: قد استّقر في عرف الشارع أن الأحكام المذكورة بصيغة المذكّرين إذا أطلقت، ولم تقترن بالمؤنث، فإنها تتناول الرجال والنساء؛ لأنه يغلب المذكر عند الاجتماع (١). فعلى المرأة أن تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وقد تقدم أمرها الولاة والخلفاء، وتقدم أيضًا دورها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حقِّ عامة الناس والأقارب والعلماء وطلبة العلم. أمّا أن تلي المرأة ولاية الحسبة على النساء والرجال، فإن للعلماء في المسألة قولين: القول الأول: المنع: يقول المجيلدي: «ومن شروط المحتسب أن يكون ذكرًا؛ إذ الداعي إلى اشتراط الذكورية أسباب لا تُحصَى، وأمور لا تُسْتَقْصى» (٢). واستدلوا بما يأتي: ١ - قوامة الرجال على النساء، يقول تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى

стр. 419

النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (١) قال البغوي: «أي مسلّطون على تأديبهن، والقوّام والقيّم بمعين واحد، والقوّام أبلغ، وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب» (٢). ويقول السيوطي في تفسير الآية: «قوّام: الناظر في الشيء الحافظ له، واستدلّ بها على أن المرأة لا يجوز لها أن تلي القضاء، كالإمامة العظمى؛ لأنه جعل الرجال قوّامين على النساء، فلم يجز أن يقمن على الرجال» (٣). يقول فضل إلهي: «وهكذا لا يجوز تعيينهن محتسبات على السوق؛ لأن هذا يجعلهن قوّامات على الرجال الذين جعلهم الله تعالى قوّامين عليهن … ولا يظنن أحد أن الآية الكريمة تتحدّث عن قِوامة الرجل على زوجته فحسب، بل المراد -والله أعلم- قِوامة صنف الرجال على صنف النساء» (٤). ٢ - منع النساء من الاستقلال بالتصرّف في بعض شؤون الخاصة، ومن ذلك أنه ليس لهن تزويج أنفسهن بغير إذن أولياء أمورهن، وكذلك ليس لهن تزويج غيرهن من النساء، واستدلوا بما أخرجه أحمد في المسند (٥)، وأبو داود في السنن (٦)، والترمذي في السنن (٧)، وابن ماجه في السنن (٨)، والدارقطني في السنن) (٩)، والحاكم

стр. 420

في المستدرك (١) عن عائشة ﵂ قالت: «إذا نكَحَت المرأة بغير أمر مَوْلاها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها، فلها مهرها ما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» واللفظ لأحمد. قال الترمذي: حديث حسن. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في إرواء الغليل (٢). يقول الإمام الخطابي: قوله (أيما امرأة) كلمة استيفاء واستيعاب، وفيه إثبات الولاية على النساء كلهن، ويدخل فيها البكر والثيب والشريفة والوضيعة، وفيه بيان أن المرأة لا تكون ولِيّة نفسها (٣). وأخرج ابن ماجه في السنن (٤)، والدارقطني في السنن (٥)، والبيهقي في الكبرى (٦) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها». قال الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٧): «صحيح دون جملة الزانية» وصححه في الإرواء (٨). ٣ - أن النبي ﷺ نفى الفلاح عمن ولوا أمرهم امرأة، أخرج البخاري (٩) من

стр. 421

حديث أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ أيام الجمل بعدما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل، فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». ولا يقال إن هذا يختص بالإمامة العظمى (١)؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد فهم الصحابي من لفظ الحديث العموم فاستدل به، ولأنها نكرة في سياق النفي فتعم. وفي تعيين الاحتساب على الأسواق وغيرها إسناد أمر الناس إليها. ٤ - يقول د. فضل إلهي: «متطلبات الحسبة تتنافى مع طبيعة الأنثى» (٢) وقد ذكر علماء الأمة أن من شروط المحتسب أن يكون ذا قوة وصرامة، يقول الماوردي: «ومن شروط المحتسب أن يكون حرًا عدلًا ذا رأي وصرامة وخشونة في الدين، وعلم بالمنكرات الظاهرة» (٣). وأين المرأة المسلمة من هذا كله، هل تكلف. متابعة الخبثاء، ومطاردة الأشرار، ومقاتلة العابثين، والمفسدين؟!. القول الثاني: جواز تعيين المرأة ولاية الحسبة: وإليه ذهب محمد كمال الدين إمام في كتابه «أصول الحسبة» وظافر القاسمي في «نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي» (٤).

стр. 422

واستدلوا بما يأتي: ١ - الاحتجاج بعموم النصوص الدالة على فرضية الحسبة. والجواب أن النساء في النصوص خوطبن بهذه الشعيرة على المستوى الشخصي، ولم يأت نص في توليها ولاية الحسبة، بل جاء النص على أنه ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. ٢ - الاحتجاج بما نُسب إلى الفاروق من تعيين الشفاء ﵄ محتسبة على السوق. وبداية لا بد من تثبيت العرش ثم النقش، وأثر عمر أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١) عن دحيم، عن رجل سماه، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن عمر ﵁ استعمل الشفاء على السوق، قال: ولا نعلم امرأة استعملها غير هذه. وإسناده ضعيف؛ لجهالة أحد رجاله، وضعف ابن لهيعة (٢)، والانقطاع بين يزيد بن أبي حبيب وعمره) (٣). قال ابن العربي: «وقد روي أن عمر قدم امرأة على حسبة السوق، ولم يصح، فلا تلتفتوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث» (٤). ولا أعتقد أن هذا من دسائس المبتدعة؛ لأن الإمامين المحققين ابن عبد البر، والحافظ أورداه في كتابيهما كما سيأتي، ولم يتعقباه، فيبعد أن يغفلا عنه. وبعد أن تبين ضعفه، فاعلم أنه لا حجة فيه.

стр. 423

وعلى فرض ثبوته فإن القاضي أبا العباس أحمد بن سعيد المجيلدي قال: «إن الحكم للغالب، والنادر لا حكم له، وتلك القضية من الندور بمكان» (١). أو تكون توليتها على بعض أمر السوق فيما يختص بأمور النساء لا على العموم كما بيّن ابن عبد البر (٢)، ونقله عنه الحافظ في الإصابة (٣): «وكان عمر يقدمها في الرأي، ويرضاها، ويفضلها، وربما ولاها شيئًا من أمر السوق» وكلمة «ربما» تدل على التقليل، و «شيئًا» على التخصيص، وقد صدرت من إمام في الحديث، وتابعه حافظ عصره عليه، فتنبه. قال القاضي المجيلدي: «ولعلّه في أمر خاص يتعلق بأمور النسوة» (٤). ٣ - الاحتجاج بقيام سمراء بنت نيك بالاحتساب في السوق، أخرج الطبراني (٥) في الكبير عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن محمد بن يزيد الواسطي، عن أبي بَلْج يحيى بن أبي سليم قال: رأيت سمراء بنت نهيك وكانت قد أدركت النبي ﷺ ، عليها درع غليظ، وخمار غليظ، بيدها سوط تؤدب الناس، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. قال الهيثمي في المجمع (٦): «رواه الطبراني ورجاله ثقات». قلت: إسناده صحيح. وجوّد إسناده الألباني (٧). وسمراء بنت فيك صحابية كما يدل عليه هذا الحديث، وقد ذكرها الذهبي

стр. 424

في التجريد (١) وقال: «أدركت النبي ﷺ وعمرت» وترجم لها ابن عبد البر في الاستيعاب (٢). وأمّا الحافظ فأحال في ترجمتها في القسم الأول في الإصابة (٣) إلى القسم الثالث ثم أنسي، فلم يذكرها فيه ولا في غيره. وقد تقدم ثبوت الأثر عن سمراء، لكنه لا يصح الاستدلال به على تعيين المرأة ولاية الحسبة؛ لأنه لم يرد فيه أن النبي ﷺ أو أحدًا من خلفائه الراشدين ولّاها ولاية الحسبة، غاية ما في الأمر أنها كانت تقوم بالاحتساب في السوق، وقيامها ﵂ بذلك لا يدل على تعيينها والية على الحسبة. قال د. فضل إلهي: «لا يستبعد ولا يستغرب قيام امرأة معمّرة مسنّة بالاحتساب تطوعًا في بيئة يحترم ويُوقر الصغير فيها الكبير» (٤). ومن هنا يتبين -وفقك الله- أن على المرأة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر احتسابًا وتطوعًا لا ولاية، على الرجال والنساء، كما أن لولي الأمر أن يعينها محتسبة في الأماكن المخصصة للنساء فقط، سواءٌ كان ذاك المكان سوقًا أو مؤسسة، لتقوم بواجب الأمر والنهي، أمّا أن تعيّن على ولاية الاحتساب المراقبة الرجال، وأمرهم، ونهيهم فالراجح المنع؛ لقوة أدلة الفريق الأول، وسلامتها من المعارضة، وموافقتها لتعاليم الإسلام التي تبعد المرأة عن الرجال، وتأمرها بالقرار، والله الموفق لكل خير.

стр. 425

الفصل الثالث حق المرأة في الأمان والإجارة
следующие страницы →