← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

حديث أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ أيام الجمل بعدما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل، فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». ولا يقال إن هذا يختص بالإمامة العظمى (١)؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد فهم الصحابي من لفظ الحديث العموم فاستدل به، ولأنها نكرة في سياق النفي فتعم. وفي تعيين الاحتساب على الأسواق وغيرها إسناد أمر الناس إليها. ٤ - يقول د. فضل إلهي: «متطلبات الحسبة تتنافى مع طبيعة الأنثى» (٢) وقد ذكر علماء الأمة أن من شروط المحتسب أن يكون ذا قوة وصرامة، يقول الماوردي: «ومن شروط المحتسب أن يكون حرًا عدلًا ذا رأي وصرامة وخشونة في الدين، وعلم بالمنكرات الظاهرة» (٣). وأين المرأة المسلمة من هذا كله، هل تكلف. متابعة الخبثاء، ومطاردة الأشرار، ومقاتلة العابثين، والمفسدين؟!. القول الثاني: جواز تعيين المرأة ولاية الحسبة: وإليه ذهب محمد كمال الدين إمام في كتابه «أصول الحسبة» وظافر القاسمي في «نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي» (٤).

стр. 422

واستدلوا بما يأتي: ١ - الاحتجاج بعموم النصوص الدالة على فرضية الحسبة. والجواب أن النساء في النصوص خوطبن بهذه الشعيرة على المستوى الشخصي، ولم يأت نص في توليها ولاية الحسبة، بل جاء النص على أنه ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. ٢ - الاحتجاج بما نُسب إلى الفاروق من تعيين الشفاء ﵄ محتسبة على السوق. وبداية لا بد من تثبيت العرش ثم النقش، وأثر عمر أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١) عن دحيم، عن رجل سماه، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن عمر ﵁ استعمل الشفاء على السوق، قال: ولا نعلم امرأة استعملها غير هذه. وإسناده ضعيف؛ لجهالة أحد رجاله، وضعف ابن لهيعة (٢)، والانقطاع بين يزيد بن أبي حبيب وعمره) (٣). قال ابن العربي: «وقد روي أن عمر قدم امرأة على حسبة السوق، ولم يصح، فلا تلتفتوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث» (٤). ولا أعتقد أن هذا من دسائس المبتدعة؛ لأن الإمامين المحققين ابن عبد البر، والحافظ أورداه في كتابيهما كما سيأتي، ولم يتعقباه، فيبعد أن يغفلا عنه. وبعد أن تبين ضعفه، فاعلم أنه لا حجة فيه.

стр. 423

وعلى فرض ثبوته فإن القاضي أبا العباس أحمد بن سعيد المجيلدي قال: «إن الحكم للغالب، والنادر لا حكم له، وتلك القضية من الندور بمكان» (١). أو تكون توليتها على بعض أمر السوق فيما يختص بأمور النساء لا على العموم كما بيّن ابن عبد البر (٢)، ونقله عنه الحافظ في الإصابة (٣): «وكان عمر يقدمها في الرأي، ويرضاها، ويفضلها، وربما ولاها شيئًا من أمر السوق» وكلمة «ربما» تدل على التقليل، و «شيئًا» على التخصيص، وقد صدرت من إمام في الحديث، وتابعه حافظ عصره عليه، فتنبه. قال القاضي المجيلدي: «ولعلّه في أمر خاص يتعلق بأمور النسوة» (٤). ٣ - الاحتجاج بقيام سمراء بنت نيك بالاحتساب في السوق، أخرج الطبراني (٥) في الكبير عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن محمد بن يزيد الواسطي، عن أبي بَلْج يحيى بن أبي سليم قال: رأيت سمراء بنت نهيك وكانت قد أدركت النبي ﷺ ، عليها درع غليظ، وخمار غليظ، بيدها سوط تؤدب الناس، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. قال الهيثمي في المجمع (٦): «رواه الطبراني ورجاله ثقات». قلت: إسناده صحيح. وجوّد إسناده الألباني (٧). وسمراء بنت فيك صحابية كما يدل عليه هذا الحديث، وقد ذكرها الذهبي

стр. 424

في التجريد (١) وقال: «أدركت النبي ﷺ وعمرت» وترجم لها ابن عبد البر في الاستيعاب (٢). وأمّا الحافظ فأحال في ترجمتها في القسم الأول في الإصابة (٣) إلى القسم الثالث ثم أنسي، فلم يذكرها فيه ولا في غيره. وقد تقدم ثبوت الأثر عن سمراء، لكنه لا يصح الاستدلال به على تعيين المرأة ولاية الحسبة؛ لأنه لم يرد فيه أن النبي ﷺ أو أحدًا من خلفائه الراشدين ولّاها ولاية الحسبة، غاية ما في الأمر أنها كانت تقوم بالاحتساب في السوق، وقيامها ﵂ بذلك لا يدل على تعيينها والية على الحسبة. قال د. فضل إلهي: «لا يستبعد ولا يستغرب قيام امرأة معمّرة مسنّة بالاحتساب تطوعًا في بيئة يحترم ويُوقر الصغير فيها الكبير» (٤). ومن هنا يتبين -وفقك الله- أن على المرأة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر احتسابًا وتطوعًا لا ولاية، على الرجال والنساء، كما أن لولي الأمر أن يعينها محتسبة في الأماكن المخصصة للنساء فقط، سواءٌ كان ذاك المكان سوقًا أو مؤسسة، لتقوم بواجب الأمر والنهي، أمّا أن تعيّن على ولاية الاحتساب المراقبة الرجال، وأمرهم، ونهيهم فالراجح المنع؛ لقوة أدلة الفريق الأول، وسلامتها من المعارضة، وموافقتها لتعاليم الإسلام التي تبعد المرأة عن الرجال، وتأمرها بالقرار، والله الموفق لكل خير.

стр. 425

الفصل الثالث حق المرأة في الأمان والإجارة

стр. 426

الفصل الثالث حق المرأة في الأمان والإجارة • تأتي الإجارة والأمان بمعنى واحد، والأمان والأمن لغة معناه: طمأنينة النفس، وزوال الخوف، ويطلق على الحالة التي يكون عليها الإنسان (١). • والأمان اصطلاحًا: تحقيق الأمن والحماية لمن طلبها (٢). والمستأمن -بكسر الميم- الطالب للأمان، وهو من يدخل دار غيره بأمان لمدة محدودة، أو بلاد غيره بأمان سواء كان مسلمًا أو حربيًا (٣). • والدليل على مشروعيته قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤). قال الزمخشري ﵀: «المعنى إذا جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر لا عهد بينك وبينه، واستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن، فأمنه حتى يسمع كلام الله، ثم إذا لم يسلم أوصله إلى ديار قومه التي يأمن فيها على

стр. 427

نفسه وماله» (١). ثم بيّن كيف يعطي الأمان، وما يجب على مانح الأمان فعله. • وقد أوضح ابن كثير ﵀ سببها فقال: «والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة، أو تجارة، أو طلب صلح، أو مهادنة، أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام أو نائبه أعطي أمانًا ما دام مترددًا في دار الإسلام وحتى يرجع إلى داره و مأمنه ووطنه» (٢). • وقد ذهب جمهور العلماء على نفاذ أمان المرأة وإجارتهما، بل نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، قال الحافظ: «قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة إلا شيئًا ذكره عبد الملك -يعني: ابن الماجشون- صاحب مالك لا أحفظ ذلك عن غيره، أن أمر الأمان إلى الإمام. وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة، وفي قول النبي ﷺ : «يسعى بذمتهم أدناهم» (٣) دلالة على إغفال هذا القائل. انتهى. وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون فقال: هو إلى الإمام إن أجازه جاز، وإن رده رد» (٤). واستدل جمهور العلماء بما يأتي: ١ - ما أخرجه البخاري (٥)، ومسلم (٦) من حديث أم هانئ بنت أبي طالب

стр. 428

تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره، فسلمت عليه، فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب. فقال: مرحبًا بأم هانئ، فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثماني ركعات ملتحفًا في ثوب واحد. فقلت: يا رسول الله زعم ابن أمي عليّ أنه قاتلٌ رجلًا قد أجرته فلان بن هبيرة. فقال رسول الله ﷺ : «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» قالت أم هانئ: وذلك ضحى. واللفظ للبخاري. وأخرج الإمام أحمد في مسنده (١) هذا الحديث بسند صحيح على شرط مسلم من طريق عَقِيل بن أبي طالب، عن فاخِتة أم هانئ، قالت: لما كان يوم فتح مكة، أَجَرْت حموين لي من المشركين، إذ طلع رسول الله ﷺ ، وعليه رَهْجَة -الغبار- (٢) في مِلْحَفة متوشحا بها، فلما رآني، قال: «مرحبَا بفَاخِتة أم هانئ» قلت: يا رسول الله أجرت حموين (٣) لي من المشركين، فقال: «قد أجرنا من أجرت، وأمَّنا من أمنت» ثم أمر فاطمة، فسكبت له ماء، فتغسل به … الحديث. ٢ - أخرج ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤)، والطبراني في الكبير (٥)، والحاكم في المستدرك (٦) من طرق عن عبد الله بن شبيب، عن أيوب بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن أنس بن مالك أن زينب بنت رسول الله ﷺ هاجرت إلى رسول الله ﷺ ، وزوجها أبو

стр. 429

العاص بن الربيع كافر، ثم لحق أبو العاص بن الربيع بالشام فأسر المسلمون أبا العاص، فقالت زينب: قد أجرت أبا العاص. فقال النبي ﷺ : «قد أجرنا من أجرت» واللفظ لابن أبي عاصم. وسكت عنه الحاكم والذهبي، ولم أجده في مجمع الزوائد. وإسناده ضعيف؛ لضعف عبد الله بن شبيب، قال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث (١). وقال ابن حبان: يقلب الأخبار ويسرقها، ولا يجوز الاحتجاج به؛ لكثرة ما خالف أقرانه في الروايات عن الأثبات (٢). وقال ابن عدي: حدث بالمناكير (٣). وقد تابعه أبو الزنباع روح بن الفرج، وأحمد بن رشدين عند الطبراني في الكبير (٤)، والمقدام عند الطبراني في الأوسط (٥)، وعبيد بن شريك عند الحاكم في المستدرك (٦)، أربعتهم عن يحيى بن بكير، عن عبد الله بن السمح، عن عباد بن كثير، عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب به بمثله، لكنها متابعة س اقطة؛ في إسنادها عباد بن كثير، قال الحافظ: «متروك، قال أحمد: روى أحاديث كذب» (٧). قال الهيثمي في المجمع (٨). «رواه الطبراني في الكبير والأوسط باختصار،

стр. 430

وفيه عباد بن كثير الثقفي وهو متروك». وله شاهد من حديث أم سلمة أخرجه الطبراني في الأوسط (١) والكبير (٢) والحاكم في المستدرك (٣) مطولًا وفيه: «ثم إن أبا العاص بن الربيع لحقها (أي: زينب) بالمدينة، فأرسل إليها أن خذي من أبيك أمانًّا، فأطلعت رأسها من باب حجرتها، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس الصبح. فقالت: أيّها الناس أنا زينب، وإني قد أجرت أبا العاص، فلما فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة. قال: «إني لم أعلم بهذا حتى سمعته الآن، وإنه يجير على المسلمين أدناهم» واللفظ للطبراني في الكبير. وقال في الأوسط: «لا يروى هذا الحديث عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن لهيعة». قال الهيثمي (٤): «رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات». قال الحافظ عن ابن لهيعة: «صدوق، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون» (٥) والحديث من غير رواية العباد له عنه. وله شواهد أخرى تركت إيرادها اختصارًا، والحديث بمجموع طرقه حسن. ٣ - أخرج الترمذي (٦) عن يحيى بن أكثم، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن

стр. 431

كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن المرأة لتأخذ للقوم يعني تجير على المسلمين». قال الترمذي: حديث حسن غريب، وسألت محمدًا فقال: هذا حديث صحيح، وكثير بن زيد قد سمع من الوليد بن رباح، والوليد بن رباح سمع من أبي هريرة وهو مقارب الحديث. وحسنه الألباني في صحيح جامع الترمذي (١). قلت: في إسناده يحيى بن أكثم (٢)، وعبد العزيز بن أبي حازم (٣)، وكثير بن زيد (٤)، والوليد بن رباح (٥) كلهم قال الحافظ عنهم في التقريب: «صدوق» وزاد في كثير: «يخطئ». ٤ - وتقدم (٦) أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام أخذت الأمان لزوجها عكرمة بن أبي جهل عام الفتح، فأمنه النبي ﷺ ، رغم أنه ذكر اسم عكرمة من بين الذين أمر بقتلهم ولو وُجِد تحت أستار الكعبة. ٥ - أخرج البخاري (٧)، ومسلم (٨) من حديث علي بن أبي طالب وفيه: قال

стр. 432

رسول الله ﷺ : «وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم». قال أبو عبيد: «وأما قوله (يسعى بذمتهم أدناهم) فإن الذمة الأمان يقول: إذا أعطى الرجل منهم العدو أمانًا جاز ذلك على جميع المسلمين ليس لهم أن يخفروه» (١). وقال في «الأموال» (٢): «وجاءت سنة النبي ﷺ بذلك في النساء». ومن كل ما تقدم ترى تضافر الروايات؛ لإثبات هذا الحق للمرأة، ويتضح مدى احترام الإسلام وتكريمه لها، حين أعطاها حق الإجارة والأمان لمن شاءت، ما لم يكن المستأمن فيه شبهة التجسس على المسلمين شأنها في ذلك شأن الرجل، وهذا حق أعطيت إياه لم يعط لها من قبل أي قانون دولي لا في القديم ولا في الحديث.

стр. 433

الفصل الرابع المرأة والجهاد وفي الفصل مبحثان: المبحث الأول: جهاد الكفاية. المبحث الثاني: الجهاد العيني.

стр. 434

توطئة: • لقد فرض الرب جل وعلا القتال على المسلمين في السنة الثانية من الهجرة (١) بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). • قال الإمام أحمد: لا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد (٣)، وأخرج البخاري (٤)، ومسلم (٥) من حديث ابن مسعود قال: سألت النبي ﷺ : أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها». قال: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين». قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قال: حدثني بهن ولو استزدته لزادني. واللفظ للبخاري.

стр. 435

المبحث الأول: جهاد الكفاية الجهاد في الإسلام فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهذا في قول عوام أهل العلم كما جاء في الشرح الكبير (١)، إلا في حالات معينة يتعين فيها الجهاد، وسيأتي مزيد بيان لهذا فيما بعد (٢). • واشترط العلماء لوجوب جهاد الكفاية سبعة شروط: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والسلامة من الضرر، ووجوب النفقة (٣). • وقد نقل ابن بطال الإجماع على عدم وجوب جهاد الكفاية على المرأة، وقال في شرحه على صحيح البخاري (٤) عند حديث عائشة ﵂: «جهادكن الحج»: «هذا الحديث يدل أن النساء لا جهاد عليهن واجب، وأنهن غير داخلات في قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ (٥) وهذا إجماع من العلماء، وليس في قوله ﵇: «جهادكن الحج». دليل أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد، وإنما فيه أنه الأفضل لهن. وإنما كان الحج أفضل من الجهاد؛ لأنهن لسن من أهل القتال للعدو،

стр. 436

ولا قدرة لهن عليه، ولا قيام به. وليس للمرأة أفضل من الاستتار، وترك المباشرة للرجال بغير قتال، فكيف في حال القتال التي هي أصعب؟ والحج يمكنهن فيه مجانبة الرجال، والاستتار عنهم، فلذلك كان أفضل لهن من الجهاد» (١). وقال الحافظ في الفتح (٢) بعد أن نقل قول ابن بطال بنحوه: «وقد لمح البخاري بذلك في إيراده الترجمة محملة، وتعقيبها بالتراجم المصرحة بخروج النساء إلى الجهاد». وعلل الكاساني الحنفي ﵀ عدم إيجاب القتال الكفائي على المرأة بقوله: «إن بِنْيَتَها لا تحتمل الحرب عادة» (٣). ولا أعلم خلافًا بين أهل العلم في عدم وجوب الجهاد على المرأة (٤). وهذا من رحمة الرب جل وعلا بالمرأة؛ لأنه خلقها بصفات جسدية، ونفسية تتناسب مع مسؤوليتها المنوطة بها، والتي لا تقل في الأهمية عن مسؤولية الرجل إن لم تكن أهم، فوظيفتها لا تنقطع ولا تتوقف حتى في حال خروج الرجل لا بد للحياة أن تستمر، فالأولاد يحتاجون إلى تربيتها، ورعايتها، ولمساتها الحانية، وحضنها الدافئ، فجاء شرع الله مراعيًا في حكمه خلقها ووظيفتها؛

стр. 437

فله الحمد كالذي نقول وخيرًا مما نقول. وفي المطلب ثلاث مسائل: المسألة الأولى: الأدلة على جواز خروج المرأة الجهاد الكفاية. المسألة الثانية: شروط خروج المرأة الجهاد الكفاية. المسألة الثالثة: أعمال المرأة في الجهاد. المسألة الأولى: الأدلة على جواز خروج المرأة لجهاد الكفاية: قتال المسلمين للكفار، وإن كان فرض كفاية على الرجال المسلمين دون النساء، إلا أن هذا لا يمنع من اشتراك المسلمة في القتال إذا رغبت في ذلك، وكان في اشتراكها مصلحة للمسلمين؛ لأن اشتراكها مباح لها، وليس بواجب عليها، والأدلة على ذلك: ١ - ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث أنس قال: «لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ ، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر، وأم س ليم وإنما لمشمرتان أرى خَدَم (٣) سُوقِهما تَنْقُزَان القرب -وقال غيره: تَنْقُلان القرب- على متونهما، ثم تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملأها، ثم تجيئان فنفرغانها في أفواه القوم» واللفظ للبخاري، وبوّب عليه «باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال» وبوّب عليه النووي «باب: غزوة النساء مع الرجال».

стр. 438

٢ - ما أخرجه البخاري في صحيحه (١) من حديث ثعلبة بن أبي مالك قال: إن عمر بن الخطاب قسّم مُرُوطًا (٢) بين نساء من نساء المدينة، فبقي مِرْطٌ جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا ابنة رسول الله ﷺ التي عندك -يريدون أم كلثوم بنت علي- فقال عمر: أم سَلِيط أحق - وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله ﷺ قال عمر: فإنها كانت تَزْفِر (٣) لنا القرب يوم أحد. وبوّب عليه «باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو». ٣ - أخرج البخاري (٤) من حديث الرُبيِّع بنت مُعوِّذ قالت: «كنا مع النبي ﷺ نسقي، ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة (٥). وبوّب عليه: «باب مداواة النساء الجرحى في الغزو». ٤ - أخرج البخاري) (٦)، ومسلم) (٧) من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان

стр. 439

رسول الله ﷺ يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله ﷺ فأطعمته، وجعلت تفلي رأسه، فنام رسول الله ﷺ ثم استيقظ، وهو يضحك، قالت: فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج (١) هذا البحر ملوكًا على الأسرة -أو مثل الملوك على الأسرة، شك إسحاق- قالت: فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. فدعا لها رسول الله ﷺ ، ثم وضع رأسه، ثم استيقظ، وهو يضحك. فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله» كما قال في الأول. قالت: فقلت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «أنت من الأولين» فركبت البحر زمن معاوية بن أبي سفيان فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت. واللفظ للبخاري. وبوّب عليه البخاري في كتاب الجهاد ببابين: باب: الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء، وباب: غزو المرأة في البحر (٢). ٥ - أخرج مسلم في صحيحه (٣) من حديث أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم، ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فيسقين الماء، ويداوين الجرحى. ٦ - جاء في البداية والنهاية (٤) لابن كثير: «وعن أم كثيّر امرأة همّام بن

стр. 440

الحارث النخعي قالت: شهدنا القادسية في زمن عمر بن الخطاب، مع سعد بن أبي وقاص مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس، شددنا علينا ثيابنا، وأخذنا الهراوي، ثم أتينا القتلى فمن كان من المسلمين سقيناه ورفعناه، ومن كان من المشركين أجهزنا عليه، ومعنا الصبيان، فنوليهم ذلك -تعني استلابهم- لئلا يكشفن عن عورات الرجال». ٧ - أخرج سعيد بن منصور في سننه (١) من حديث عبد الله بن قرط الأزدي قال: «غزوت الروم مع خالد بن الوليد، فرأيت نساء خالد بن الوليد، ونساء أصحابه مشمرات يحملن الماء للمهاجرين يرتجزن» وصحح إسناده الألباني (٢). ومن مجموع الأدلة يتبين أن اشتراك النساء في القتال مع محارمهن كان معروفًا مألوفًا من الصحابة الكرام، ولم ينقل لنا إنكار له، فيكون ذلك إجماعًا سكوتيًّا على جواز مشاركة النساء للرجال في الجهاد. المسألة الثانية: شروط خروج المرأة لجهاد الكفاية: تقدم أن هذا الضرب من الجهاد مباح للمرأة غير واجب عليها، لكن لخروجها لهذا الجهاد شروط عدة هي: ١ - أن يكون الخروج بإذن زوجها: قال الكاساني ﵀: «ولا يباح للعبد أن يخرج -أي: للقتال- إلا بإذن

стр. 441

مولاه، ولا المرأة إلا بإذن زوجها؛ لأن خدمة المولى، والقيام بحقوق الزوجية كل ذلك فرض عين، فكان مقدمًا على فرض الكفاية» (١). ٢ - أن يكون في خروجها فيه مصلحة: لقد دلت الأحاديث النبوية المتقدمة على إباحة خروج المرأة للجهاد مع المقاتلين لتقوم بخدمتهم، ورعاية شؤونهم، فخروجها مقيد بالمصلحة، وبهذا صرح الفقهاء، يقول الإمام محمد بن الحسن الشيباني في كتابه «السير الكبير»: «ولا بأس بأن يحضر منهن الحرب العجوز الكبيرة، فتداوي الجرحى، وتسقي الماء، وتطبخ للغزاة إذا احتاجوا إلى ذلك … » (٢) وقال ابن قدامة: «فأما المرأة الطاعنة في السن وهي الكبيرة، إذا كان فيها نفع مثل سقي الماء، ومعالجة المرضى، فلا بأس به» (٣). ٣ - ألا يكون في خروجها مفسدة: ويشترط في خروج المرأة للمشاركة في القتال ألَّا يكون في خروجها مفسدة لها ولا لغيرها، كما لو كانت المرأة شابة، ولهذا قال الإمام محمد بن الحسن: «ولا بأس بأن يحضر منهن الحرب العجوز الكبيرة» (٤). وقد نصت القاعدة الفقهية على أن: «درء المفاسد أولى من جلب المصالح» فإن كان في خروج المرأة فتنة منعت من الخروج. وقال الإمام السرخسي تعليقًا على قول الإمام محمد بن الحسن: «ولا بأس أن

стр. 442

تحضر منهن الحرب العجوز الكبيرة» قال: «فالشواب يمنعن من الخروج، الخوف الفتنة، والحاجة ترتفع بخروج العجائز» (١). وقال ابن قدامة: «ولا يدخل مع المسلمين من النساء إلى أرض العدو إلا الطاعنة في السن، لسقي الماء، ومعالجة الجرحى كما فعل النبي ﷺ . وجملته أنه يكره دخول النساء الشواب أرض العدو؛ لأنهن لسن من أهل القتال، وقلما ينتفع بمن فيه، لاستيلاء الخور والجبن عليهن، ولا يؤمن ظفر العدو بهمن، فيستحلون ما حرم الله منهن … فإن قيل: فقد كان النبي ﷺ يخرج معه من تقع عليها القرعة من نسائه، وخرج بعائشة مرات. قيل: تلك امرأة واحدة يأخذها لحاجته إليها، ويجوز مثل ذلك للأمير عند حاجته، ولا يرخص لسائر الرعية لعلا يفضي إلى ما ذكرنا» (٢). ٤ - إذن الإمام للمرأة بالخروج: والإمام هو الذي يأذن للمرأة في الخروج مع المقاتلين في ضوء تحقق الشروط السابقة حسب اجتهاده، فلا يكفي إذن ولي المرأة لها بالخروج، لتخرج فعلًا للمشاركة في القتال دون اعتبار لرأي الإمام، ويدل على هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣)، وابن سعد في الطبقات (٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥)، والطبراني في الأوسط (٦) والكبير (٧)، من طرق عن حميد بن عبد الرحمن، عن حسن

стр. 443

بن صالح، عن الأسود بن قيس، عن سعيد بن عمرو القرشي أن أم كبشة امرأة من بني عذرة قالت: يا رسول الله ائذن لي أن أخرج في جيش كذا وكذا. قال: «لا». قلت: يا رسول الله إني لست أريد أن أقاتل، إنما أريد أن أداوي الجريح والمريض- أو أسقي المريض. فقال: «لولا أن تكون سنة، ويقال فلانة خرجت، لأذنت لك، ولكن اجلسي» واللفظ لابن أبي شيبة، وزاد ابن سعد: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يغزو بامرأة». قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أم كبشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به الحسن بن صالح. وقال الهيثمي في المجمع (١): «رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجالهما رجال الصحيح». قلت: إسناده صحيح رجاله رجال الشيخين غير حسن بن صالح ثقة من رجال مسلم (٢). وصحح إسناده الألباني في الصحيحة (٣). وجزم الحافظ في الإصابة (٤) أن حديث أم كبشة ناسخ لما تقدمه من الإذن للنساء بالغزو؛ لأنه كان يوم الفتح. وسبحان من لا يسهو، ولا أدري كيف فات الحافظ ما سيأتي وجزم بأن حديث أم كبشة ناسخ، ولكن كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه، والدليل على أن حديث أم كبشة ليس بناسخ، وإنما ذاك راجع إلى رأي الإمام ما يلي:

стр. 444

١ - لم يأت في رواية أن حديث أم كبشة كان بعد الفتح. ٢ - مشاركة أم سليم للمسلمين يوم حنين، واتخاذها خنجرًا (١)، يدفع النسخ ويمنعه، ومن المعلوم أن غزوة حنين كانت بعد فتح مكة. ٣ - دعاؤه ﷺ لأم حرام أن يجعلها الله من الذين يركبون البحر للجهاد في سبيل الله (٢)، وفي دعائه ﷺ إقرار لها على المشاركة في الغزو. فتنبه. • ومما يدل على اعتبار إذن الإمام -أيضًا- ما أخرج أبو داود (٣) من طريق ليلى بنت مالك، وعبد الرحمن بن خلاد، عن أم ورقة بنت نوفل أن النبي ﷺ لما غزا بدرًا قالت: قلت له: يا رسول الله، أئذن لي في الغزو معك، أمرض مرضاكم، لعل الله أن يرزقني شهادة. قال: «قري في بيتك فإن الله تعالى يرزقك الشهادة» قال: فكانت تسمى الشهيدة. قال وكانت قد قرأت القرآن، فاستأذنت النبي ﷺ أن تتخذ في دارها مؤذنًا، فأذن لها. قال: وكانت دبرت غلامًا لها وجارية، فقاما إليها بالليل فغماها بقطيفة لها حتى ماتت، وذهبا، فأصبح عمر، فقام في الناس فقال: من كان عنده من هذين علم، أو من رآهما فليجيء بهما. فأمر بهما فصلبا، فكانا أول مصلوب بالمدينة. وإسناده حسن كما تقدم. ومما تقدم يُعلم أن خروج المرأة للجهاد لابد فيه من إذن الإمام، وفقًا لما يرتأيه من مصلحة خروجها أو عدمه.

стр. 445

المسألة الثالثة: أعمال المرأة في الجهاد: وإذا اشتركت المسلمة مع الرجل في الجهاد؛ فإن عملها يتحدد في ضوء السنة النبوية، ومما مضى من الأدلة يتبين ما يأتي: ١ - سقي المسلمة للمقاتلين، يدل على ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث أنس قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس، ولقد رأيت عائشة وأم س ليم وإنما المشمرتان أرى خدم سوقهما، تنقلان القرب على متوهما، ثم تفرغانه في أفواه القوم … والحديث الذي أخرجه البخاري وفيه أن أم سَليط كانت تزفر القرب يوم أحد. وعلى حديث أم سليط بوّب البخاري في كتاب الجهاد باب: حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو (١). ٢ - مداواة الجرحى، ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري من حديث الرُبيِّع بنت مُعوِّذ قالت: كنا مع النبي ﷺ نسقي، ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة» وبوّب عليه «باب: مداواة النساء الجرحى في الغزو». وحديث أنس الذي أخرجه مسلم وفيه: كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا فيسقين الماء، ويداوين الجرحى (٢). وأخرج مسلم في صحيحه (٣) عن ابن عباس ﵁ أنه كتب إلى نجْدة الحروري جوابًا عن سؤاله وفيه: «وقد كان ﷺ يغزو بهن فيداوين الجرحى».

стр. 446

وأخرج (١) -أيضًا- من حديث أم عطية الأنصارية قالت: غزوت مع النبي ﷺ سبع غزوات أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى. قال ابن بطال في شرحه (٢) لحديث الربيّع بنت معوذ: «قال المهلب: فيه مباشرة المرأة غير ذي محرم منها في المداواة وما شاكلها من إلطاف المرضى، ونقل الموتى. فإن قيل: كيف جاز أن يباشر النساء الجرحى، وهم غير ذوي محارم منهن؟ فالجواب أنه يجوز ذلك للمتجالات (٣) منهن، لأن موضع الجرح لا يلتذ بلمسه، بل تقشعر منه الجلود، وقابه النفوس، ولمسه عذاب للامس والملموس، وأما غير المتجالات منهن فيعالجن الجرحى بغير مباشرة منهن لهم، بأن يصنعن الدواء، ويضعه غيرهن على الجرح، ولا يمسسن شيئًا من جسده» ثم استدل ﵀ على اتفاقهم أن المرأة إذا ماتت ولم توجد امرأة تغسلها، أن الرجل لا يباشر غسلها بالمس، بل يغسلها من وراء حائل في قول بعضهم كالزهري (٤)، وفي قول الأكثر: تيمم (٥). ثم قال: «وهذا يدل من قولهم إنه لا يجوز عندهم مباشرة غير ذوي المحارم؛ لأن حالة الموت أبعد من التسبب إلى دواعي اللذة والذريعة إليها من حال

стр. 447

الحياة، فلما اتفقوا أنه لا يجوز للأجنبي غسل الأجنبية الميتة مباشرًا لها دون ثوب يسترها، دل بأن مباشرة الأحياء الأحسّ أولى بأن لا تجوز، والله أعلم». وقد أورد الحافظ في الفتح (١) قول ابن بطال وتعقبه فقال: «قال ابن المنير: الفرق بين حال المداواة وتغسيل الميت؛ أن غسل الميت عبادة، والمداواة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات». وقال في الفتح (٢) عند باب: هل يداوي الرجل المرأة، والمرأة الرجل؟ في كتاب الطب: «وأما حكم المسألة فتجوز مداواة الأجانب عند الضرورة، وتقدر بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجسّ باليد وغير ذلك». فإلى اللائي توسعن في معالجة الرجال وملامستهم بغير ضرورة، وإلى اللذين توسعوا أيضًا؛ أقول لهم: اتق الله، والزم الدليل، وعض عليه بالناجذ، فإن أخذه نجاة، وتركه مهلكة. • فإن قيل: أليس للمرأة حق أن تقاتل كما يقاتل الرجل، وتصافه في الجيش، وتناصفه المسؤولية؟ الأصل كما تقدم أن عمل المرأة مقصور على ما صرحت به الأدلة من سقي المقاتلين، ومداواة الجرحى، والقيام على المرضى، وصنع الطعام. وإن حضرت النساء المعركة مع الرجال؛ فإنهن يكن في صفوف على حدة في مؤخرة الجيش، دليل ذلك ما أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣)، والطبراني في الكبير (٤) من حديث عمران

стр. 448

بن حُصيّن الطويل وفيه: «قال: قال رسول الله ﷺ : «اغزوا بي فلان مع فلان» قال: فصف الرجال، وكانت النساء من وراء الرجال» وإسناده ضعيف؛ لإبهام الراوي عن عمران. لكن لا يخفى أن رسول الله ﷺ كان يعزل النساء عن الرجال، ويجعل صفوفهن في المؤخرة كما في صلاة النساء جماعة مع الرجال، بل جعل خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها، فإذا كان الحال هذا في الصلاة مع وجود الأمن فكيف بالقتال؟ فإن قيل: ألا يشرع لها القتال؟ يقال: بوّب البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد «باب: غزو النساء وقتالهن مع الرجال» ثم أورد تحته حديث أنس قال: لما كان يوم أحد اهزم الناس عن النبي ﷺ قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم، وإنما لمشمرتان، أرى خَدَم سوقهما تَنْقُزان القرب -أو: تنقلان القرب- على متوهما، ثم تفرغانه في أفواه القوم (١). قال الحافظ في الفتح (٢) بعد أن أورد الأدلة على مشاركة الصحابيات في الجهاد، دون تصريح بأنهن قاتلن- وقد تقدمت فيما مضى: « … ولم أر في شيء من ذلك التصريح بأن قاتلن، ولأجل ذلك قال ابن المنير: بوّب على قتان، وليس هو في الحديث فإمّا: أن يريد أن إعانتهن للغزاة غزو، وإما أن يريد أنهن ما ثبتن لسقي الجرحى ونحو ذلك، إلا وهن بصدد أن يدافعن عن أنفسهن وهو الغالب.

стр. 449

وقد وقع عند مسلم (١) من وجه آخر عن أنس أن أم سليم اتخذت خنجرًا يوم حنين فقالت: «اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه» ويحتمل أن يكون غرض البخاري بالترجمة أن يبين أنهن لا يقاتلن، وإن خرجن في الغزو، فالتقدير بقوله (وقتالهن مع الرجال) أي: هل هو سائغ، أو إذا خرجن مع الرجال في الغزو يقتصرن على ما ذكر من مداواة الجرحى ونحو ذلك». والمتتبع لمشاركة النساء الرجال في القتال يرى أن ذلك يقع منهن إذا كانت الدائرة على المسلمين، فخروجهن ابتداءً كان للسقي والإطعام والمداواة، ولكن إن طال المسلمين هزيمة، أو كاد يتغلب عليهم عدو شرع للنساء القتال بما يتحملنه ويقدرن عليه، والأدلة على ذلك كثر منها: ١ - ما جاء في ترجمة أم عمارة نَسيبة بنت كعب وقتاها يوم أحد، وقد جاء في طبقات ابن سعد (٢): « … فكانت أم سعيد بن ربيع تقول: دخلت عليها (أي: أم عمارة) فقلت: «حدثيني خبرك يوم أحد. قالت: خرجت أول النهار إلى أحد، وأنا أنظر ما يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو في أصحابه، والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انجزت إلى رسول الله ﷺ ، فجعلت أباشر القتال، وأذب عن رسول الله ﷺ بالسيف، وأرمي بالقوس حتى خلصت إليّ الجراح … » ثم ذكر قصة جرح ابن قميئة لها. حتى قال لها رسول الله: « … ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟». وجرحت يوم أحد ثلاثة عشر جرحًا. وشهدت قتال مسيلمة باليمامة، وجرحت يومئذ اثنا عشر جرحًا ما بين طعنة،

стр. 450

وضربة، وقطعت يدها، وذلك لما الحزم الأعراب، وتحصن بنو حنيفة بحديقة الموت، وقد آلت -رحمها الله- أن تقتل مسيلمة لقتله لولدها (١). ٢ - أخرج ابن سعد في الطبقات (٢) من طريق هشام بن عروة أن صفية بنت عبدالمطلب جاءت يوم أحد، وقد انهزم الناس، وبيدها رمح تضرب في وجوه الناس، وتقول: انهزمتم عن رسول الله ﷺ ، فلما رآها رسول الله ﷺ قال: «يا زبير المرأة» وكان حمزة قد بقر بطنه فكره رسول الله ﷺ أن تراه. وكانت أخته. ٣ - وذكر الطبري في تاريخه (٣) أن النساء قاتلن يوم اليرموك، فخرجت جويرية ابنة أبي سفيان في جولة، وكانت مع زوجها، وأصيبت بعد قتال شديد، وكان قتالها حين كرّ الروم على المسلمين حتى كادوا ينالون منهم. إلى أن قلب الله الدائرة على أعدائه، وأورث المسلمين أرضهم وديارهم. ٤ - أخرج سعيد بن منصور في السنن (٤)، والطبراني في الكبير (٥) من حديث مهاجر الأنصاري أن أسماء بنت يزيد الأنصارية شهدت اليرموك مع الناس، فقتلت سبعة من الروم بعمود فسطاطها». قال الهيثمي في المجمع) (٦): «رواه الطبراني، ورجاله ثقات» وحسن إسناده الألباني (٧)؛ لأن فيه مهاجر بن أبي مسلم قال الحافظ عنه: «مقبول» (٨) وقد جرى

стр. 451

ابن القيم كما تقدم (١) على تحسين حديث من كان مثل مهاجر. وكل ما تقدم دليل على أن للمرأة تحمل السلاح في الجهاد، والقتال للدفاع عن نفسها كما فعلت أم سليم، أو عند الحاجة وكون الدائرة على المسلمين كما فعلت أم عمارة، وصفية، وأسماء، والنساء اللاتي شهدن اليرموك. فكل ما للمرأة في الحرب أن تقوم بعمل الهلال الأحمر كما كان نساء الصحابة -رضوان الله عليهن- يفعلن، ولها أن تحمل السلاح عند الحاجة كما مضى من الأدلة، أمّا إذا كانت لا تبغي من الالتحاق بالجيش إلا أن تلبس كسوة الجندي، وتمشي بها مزهوة هنا وهناك معتبرة هذا شارة من شارات الرقي المزعوم، فسخافة لا تمت إلى الحد بصلة، وشؤون الحياة لا تحتمل هذا الهزل؟!. ومن عجب أنك ترى في زمن انتكاس الفطر من ينادي بتقليد المرأة رئاسة الجيوش، وفيالق الفرسان، ووضع الخطط، وقد شهدنا حربين عالميتين في مدى أربعين عامًا-وهي أوروبية غربية- فلم نرَ ولم نقرأ، ولم نسمع أن امرأة كانت في إحداها تقود الرجال، وتدير المعارك، وترسم لهم الخطط؟ فإذا كان هؤلاء قد نصبوا أوروبا لهم قدوة، وسنوا سنتها، فليت شعري من لقنهم الهتاف بذلك، ما دامت أوروبا لم تأخذ به بعد في شؤونها الحربية؟ وبئس القوم من تحميهم نساؤهم … ويستدل بعضهم بخروج أم المؤمنين عائشة ﵂ قائدة جيش المعارضة -كذا زعموا-، وقد أبعدوا، والله، النجعة، قال ابن حزم ﵀: «وأمّا أم المؤمنين و الزبير وطلحة، ومن كان معها فما أبطلوا إمامة علي قط، ولا

стр. 452

طعنوا فيها، ولا ذكروا فيه جرحة تحطه عن الإمامة، ولا أحدثوا إمامة أخرى، ولا جددوا بيعة لغيره، هذا ما لا يقدر أحد أن يدعيه بوجه من الوجوه، فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي، ولا خلافًا عليه، ولا نقضًا لبيعته. إنما فمضوا لسد الفتق الحادث من قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ ظلمًا» (١). فخروج أم المؤمنين لم يكن حربًا ولا فسخ بيعة، وإنما كان للإصلاح بين الناس، وأيّدها في خروجها طلحة والزبير -رضوان الله عليهم- فاجتهدت رأيها، ثم ندمت عليه ﵂ يقول شيخ الإسلام: «وظنت عائشة أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها» (٢). إن نظام الإسلام السياسي في إعفائه الإناث عن المسؤولية العسكرية يراعي فيهن التكوين الطبيعي، والاستعداد النفسي في جانبين رئيسين: الأول: جسمي، يراعى فيه حدود قدرات الإناث البدنية التي تبدو واضحة الأول وهلة (٣)، فلا يصل -غالبًا- للمهمة العسكرية، ومعاناتها الصحية؛ لهذا غلب على الجندية في عصورها المختلفة طابع الرجولة؛ فلا تزال حتى في هذا العصر الذي تطورت فيه الآلة الحربية تفتقر إلى القوة الجسمية، والمهارات الحركية التي تتعارض بوضوح مع الطبيعة الأنثوية، فلا تزال القطع والمعدات الحربية محتاجة في تشغيلها

стр. 453

إلى كمال البنية الجسمية العامة، و لذا فإن الأسلحة بشكل عام -ولا سيما المعقدة منها- قد هُيِّئت فنيًا لاستخدامات الرجل، وأعدت تقنيًا حسب قدراته وطبيعته الجسمية (١)، فإذا ما قُدِّمت الفتاة المتجندة إلى تلك القطعة الحربية قام التنافر بينهما، ورغم بروز هذه الطبيعة الأنثوية العامة يبقى لكل قاعدة شواذ، والحكم دائمًا في مثل هذه الأمور للأغلب الأعم. الثاني: نفسي، يراعى فيه محدودية طاقة التحمل النفسي عند الإناث؛ لأن الحياة العسكرية تتسم بشدة ضغوطها النفسية على الفرد، وتمدده بصورة مباشرة من خلال قسوة التجارب القتالية في سلامته النفسية، التي تعكس بالتالي آثارها السلبية في جوانب صحته العامة حين لا يكون له من القوى النفسية ما يكفي لحفظ اتزانه الداخلي، وقد عاش هذه المعاناة والاضطرابات النفسية حوالي ثلث الجنود الأمريكيين الذين شاركوا في حرب بلادهم مع فيتنام، فرغم اشتراك الجنسين في بحمل هذه المعاناة إلا أن أثرها في الإناث أعظم، وفعلها فيهن أبلغ (٢). بناء على هذه الحقائق الفطرية في كيان الإناث، وما تعكسه من آثار سلوكية واضحة على الجانبين النفسي والجسمي بما يحد من تمام عطائهن العسكري بوجه عام، يمكن تفسير أسباب تخلفهن العسكري العام من جهة العدد، والقيادة، فرغم الانفتاح القانوني الذي يشهده العالم المعاصر أمام مشاركة النساء في الميادين العسكرية المختلفة، وانخراط فئات منهن في غالب قطاعات السلك العسكري،

стр. 454

حتى أمكن تكوين فرق نسائية متكاملة في بعض البلاد (١)، إلا أن مجمل أعدادهن لا تزال قليلة إذا ما قوبلت بأعداد الذكور؛ ففي حرب الولايات المتحدة الأمريكية مع فيتنام -وهي من حروب النصف الثاني من القرن العشرين- شارك ثلاثة ملايين من الرجال عبر سنوات الحرب مقابل سبعة آلاف امرأة، يعني نسبة (٠. ٢%) فقط (٢). فإلى أولئك الزاجين بالجنس اللطيف في الثكنات العسكرية، والصفوف القتالية، منصِّبين أنفسهم دعاة لتحريرها زعموا، لابسين جلود الضأن على قلوب الذئاب، كلامهم أحلى من العسل، وحقيقته أَمرُّ من الصَبِر، أقول لهم على لسان كل مجندة: أراحتكم تطلبون، وأمنكم تريدون من وراء كل ضعيفة لطيفة؟!! أثقلتم عواتقنا بما قد ضرنا منكم. وحطمتم أنوثتنا، دفنتم كل معناها. لبسنا زي عسكركم، وقد فتلت سواعدنا. وفوق الكتف حُمِّلنا سلاحًا من ذخيرتكم. وناديتم بأن الحق عندكم، وأن العدل دينكم. فيا لله كم قُتِلت نضارتنا، وأُنْسينا منازلنا. حمينا صفكم يا قبح منظركم. رجالًا قد تترستم بأنثى خاب مسعاكم.

стр. 455

المبحث الثاني: الجهاد العيني تقدم فيما مضى أن حكم الجهاد في الإسلام الكفاية، إن قام به البعض سقط الإثم عن الباقين إلا أنه قد يتعين على جميع أفراده المكلفين في بعض الحالات وهي: ١ - التقاء جيش المسلمين بجيش الكفار: فإذا التقيا حرم على من حضر القتال من أفراد الجيش الفرار، وتعيّن عليه المقام والقتال لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١). ويبدو أن هذه الحالة لا تشمل المرأة المسلمة إذا كانت قد خرجت مع جيش المسلمين؛ لأن عملها في هذا الخروج القيام بخدمة المقاتلين لا القتال، اللهم إلا إذا قصدها بعض الكفار فتقاتله دفاعًا عن النفس، أو تضطر لقتال الكفار دفاعًا عن قائد الجيش كفعل أم عمارة ﵂ (٢). ٢ - إذا استنفر الإمام قومًا أو عين شخصًا: قال ابن قدامة: «ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع … الثالث: إذا استنفر الإمام قومًا لزمهم النفير معه لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ

стр. 456

انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (١). وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الجهاد يتعين بتعيين الإمام للشخص ولو عبدًا أو امرأة، ويخرجون ولو منعهم المولى والزوج، وإلى هذا ذهب الصاوي في حاشيته، والدردير في شرحه عليها (٢). إلا أنه ليس للإمام أن يعين من لا يوجب الشرع جهاده؛ ولاسيما أن الغرض منه الدفاع عن الدين والحرمة والأنفس وهو قتال اضطرار (٣)؛ فكيف تستنفر من شُرِع الجهاد للدفاع عنها. ٣ - النفير العام: إذا هجم الكفار على بلد من بلاد المسلمين صار دفعه فرض عين على كل مسلم ذكرًا كان أو أنثى حرًا كان أو عبدًا، قال في الهداية شرح البداية (٤): «فإن هجم العدو على بلد وجب على جميع الناس الدفع، تخرج المرأة بغير إذن زوجها، والعبد بغير إذن المولى؛ لأنه صار فرض عين، وملك اليمين، ورق النكاح لا يظهر في حق فروض الأعيان كما في الصلاة والصوم بخلاف ما قبل النفير؛ لأن بغيرهما مقنعًا فلا ضرورة إلى إبطال حق المولى والزوج» ومعنى كلام المرغيناني: أن المرأة تحب عليها الصلاة والصيام، وتقوم بهذين الفرضين حتى لو لم يأذن الزوج، لكونها من الفروض العينية، فكذلك الجهاد إذا صار فرض عين كما في حالة النفير العام.

стр. 457

ودليل جهاد الدفع ما أخرجه الحاكم في المستدرك (١) من طريق يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن صفية بنت عبد المطلب قال عروة: وسمعتها تقول أنا أول امرأة قتلت رجلًا، كنت في فارع حصن حسان بن ثابت، وكان حسان معنا في النساء والصبيان حين خندق النبي ﷺ ، قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود، فجعل يطيف بالحصن، فقلت لحسان: إن هذا اليهودي يطيف بالحصن كما ترى، ولا آمنه أن يدل على عوراتنا، وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه، فقم إليه فاقتله. فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت صفية: فلما قال ذلك، ولم أر عنده شيئًا، احتجزت وأخذت عمودًا من الحصن، ثم نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصن. فقلت: يا حسان أنزل فاستلبه، فإنه لم يمنعني أنه أسلبه إلا أنه رجل. فقال: ما لي بسلبه من حاجة. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. قلت: فيه محمد بن عبد الجبّار النيسابوري لم يخرج له البخاري ومسلم شيئًا، قال الحافظ عنه: «مقبول» (٢). • وأخرجه أبو يعلي في المسند (٣)، والطبراني في الكبير (٤) والأوسط (٥)، والقزويني في التدوين (٦)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (٧) من طرق

стр. 458

عن إسحاق بن محمد الفروي، عن أم عروة بنت جعفر بن الزبير، عن أبيها، عن جدتها صفية بنت عبد المطلب بنحوه. قال الهيثمي: «رواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريق أم عروة بنت جعفر بن الزبير، عن أبيها، ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات» (١). • وأخرجه الطبراني في الكبير (٢) من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة عن أبيه أن النبي ﷺ أدخل النساء يوم الأحزاب أطمًا من آطام المدينة، وذكر القصة بنحوها. قال الهيثمي في المجمع (٣): «رواه الطبراني ورجاله إلى عروة رجال الصحيح، ولكنه مرسل» قلت: وهو كما قال. فالقصة بمجموع طرقها حسنة، ولها شواهد أخر أوردها الحافظ في الإصابة (٤). ومن هنا يتبين أن العدو إذا هجم على بلاد المسلمين وجب على المرأة أن تدفعه بما تطيق، والله ولي التوفيق.

стр. 459

الفصل الخامس المرأة والقضاء

стр. 460

توطئة: وفي مثل هذه الأزمنة كثرت المطالبات بتولية المرأة القضاء مثلها في ذلك مثل الرجل، وجاءت مؤتمرات المرأة لتعزيز هذا المطلب، والمناداة به، وفي تقرير المؤتمر العالمي للمرأة ببكين عام (١٤١٦ هـ - ١٩٩٩٥ م) جاء ما نصه: «وفي عالم يتسم باستمرار عدم الاستقرار وبالعنف، ثمة حاجة ملحة إلى تنفيذ نُهَج تعاونية تجاه السلم والأمن. ووصول المرأة إلى هياكل السلطة، ومشاركتها الكاملة فيها على قدم المساواة، ومشاركتها الكاملة في جميع الجهود التي تبذل من أجل منع المنازعات وتسويتها، كلها أمور أساسية لصون وتعزيز السلام والأمن، ورغم أن المرأة بدأت تؤدي دورًا هامًا في حل النزاعات وحفظ السلام، وفي آليات الدفاع، والشؤون الخارجية، فإنها ما زالت ممثلة تمثيلًا ناقًصا في مناصب صنع القرار، وإذا أريد للمرأة أن تنهض بدور متساو في تأمين السلم وصيانته، فيجب تمكينها سياسيًّا واقتصاديًّا، ويجب أن تكون ممثلة على جميع مستويات ص نع القرار تمثيلًا كاملًا» (١). تعريف القضاء: وقبل عرض أقوال الفقهاء، لا بد أن يحرر مصطلح القضاء. القضاء لغة: يطلق على معان منها: الحكم، والأداء، والإنماء، والتبليغ، والهلاك، والفراغ، والصنع، والتقدير (٢).
следующие страницы →