← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قال النووي: «وهذا الحديث ينبغي أن يعتني بحفظه، واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك» (١). وقال الحافظ: «فيحتج به في إبطال جميع العقود المنهي عنها، وعدم وجود ثمراتها المرتبة عليها، وفيه رد المحدثات، وأن النهي يقتضي الإلغاء؛ لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها» (٢). وما لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الخلفاء بعده، ولا عن الصحابة، ولا أمراء الأجناد من التابعين في تولية النساء ولاية من ولايات المسلمين، أو تقليدهن إمارة قلّت أو جلّت، فَمَنْ عَملَ ذلك فهو محدِثٌ في دين الله بدعة تُرَدُّ عليه. رابعًا: الأدلة العقلية: ١ - إن الإمام لا يستغني عن الاختلاط بالرجال، والتشاور معهم في الأمور، والمرأة ممنوعة من الاختلاط بالرجال والخلوة بهم؛ لأن حالها مبني على الستر والقرار في البيت (٣)، وتعتمد الممارسة السياسية على أسلوب الاتصال الإنساني الواسع العميق بين الساسة والجمهور بما يكفل وحدتهم الاجتماعية، وحمايتهم من التأثيرات الخارجية (٤). فهي علاقة إنسانية من الدرجة الأولى، تخضع بصورة أساسية للخبرة التراكمية التي تبنيها الممارسة الواقعية، وتمحصها التجربة العملية، فلا تغني فيها المعرفة العلمية بالقواعد والأصول السياسية -مهما كانت متفوقة- دون فنيِّات

стр. 492

الممارسة التطبيقية؛ لأن المسألة السياسية ليست من العلوم المشاعة التي تؤخذ كما تؤخذ النظرية العلمية، بل هي علاقات إنسانية وتفاعلات تراكمية ترتبط بخصوصيات الأمم الثقافية فلا تستعار ولا تقتبس فإذا كان كمال العلم وأعلى مراتبه لا يحصل إلا بالمخالطة والاحتكاك، فإن أدن مراتب القدرة السياسية لا تحصل إلا بالدربة والمعاطاة. ومن هنا تظهر قوة العلاقة بين العمل السياسي وبين البروز الاجتماعي بحيث تحتاج المرأة إلى قدر من الصفاقة الخلقية، والجراءة الشخصية التي تؤهلها للممارسة السياسية، ولهذا لحقت رياح التغريب بغالب النساء والفتيات المطالبات اليوم بالعمل السياسي، وأخذت من بعيدًا عن ضوابط الأخلاق التي يرسمها منهج الإسلام للمرأة المسلمة ضمن خصوصيات حضارته ونظامه للحكم، الذي قضى بتأخير جملة الإناث مطلقًا في كل مناشط الحياة العامة عن الرجال. إن الشارع الحكيم في تعامله مع أحكام النساء ضيق أسباب بروزهن الاجتماعي حتى منعهن من وسط الطريق (١)، وربط مصالحهن الخارجية بأوليائهن فلا تسافر إحداهن إلا مع محرم لها (٢)، وأعفاها عن المشاركة العبادية في الحياة العامة

стр. 493

كحضور الجمعة والجماعات وشهود الجنائز (١)، ولم يرض لها مهما بلغت من العلم والفضل أن تتقدم على ذكر حر أو عبد نافلة أو فريضة، ومن هذه الجهة كان خبير النساء عبر التاريخ الإسلامي مبنيًّا على الستر والصون، فكيف تكون صاحبة ولاية عامة تحكم فيها الرجال والنساء؟! ٢ - إن الإمام بحكم منصبه عليه قيادة الجيش، وإقامة أمر الجهاد، والنظر في أمور المسلمين، والمرأة بحكم تكوينها الخَلْقي لا تصلح للقهر والغلبة والعساكر، وتدبير الحروب، وإظهار السياسة غالبًا (٢)، ومن ثم فهي لا تصلح أن تلي منصب الإمامة. ٣ - إن المرأة بحكم تكوينها الخلقي تعتريها عوامل طبعية من حمل وولادة وإرضاع وحيض … وهذه توهن قواها وتفكيرها، وتحول دون تفرغها للأمور المهمة التي تخص الدولة (٣). وجاء في فتوى علماء الأزهر: « … إذا حكمنا بالقياس وهو إلحاق النظير بالنظير لاشتراكهما في علة الحكم، لكان الواجب هو حرمان المرأة من الولاية، والوظائف العامة؛ لأن كثيرًا من الأحكام في الشريعة الإسلامية تميز بين الرجل والمرأة، وعلتها هي (ضعف) الأنوثة؛ لأن مهمة الأمومة حضانة النشء وتربيته، وهذه قد جعلتها ذات تأثير خاص بدواعي العاطفة، وهي مع ذلك تعرض لها

стр. 494

عوارض طبيعية متكررة عليها في الأشهر والأعوام من شأنها أن تضعف قواها المعنوية، وتوهن عزيمتها في تكوين الرأي والتمسك به، والقدرة على الكفاح، لذلك جعلت القوامة على النساء للرجال، وجعل حق الطلاق للرجل دوفا، ومنعتها الشريعة من السفر من غير محرم أو زوج أو رفقة مأمونة، ولو كان سفرها لأداء فريضة الحج» (١). فإذا كان الفارق الطبيعي بينهما قد أدى في الإسلام إلى التفرقة في هذه الأحكام التي لا تتعلق بالشؤون العامة للأمة، فإن التفرقة بمقتضاه في الولايات العامة تكون من باب أولى أحق وأوجب؛ لأن كثيرًا من الأحكام تعفي المرأة من معالجة ما هو دون السياسة والحكم من أمور وواجبات خارج البيت، منها صلاة الجمعة والجماعة. ٤ - إن المرأة مرهفة الحس والعاطفة، سريعة التأثر والانفعال، مجبولة على الرفق والحنان، وهذه الصفات إن كانت لازمة في مضمار الأمومة والحضانة فقد تكون ضارة في مضمار القيادة والرئاسة وإدارة أمور الأمة (٢)، والسياسة تعارض الطبيعة العاطفية لدى الأنثى، ويمكن رصد هذه الناحية الفطرية في الطبيعة النسائية من حيث تأثر توجيهات الإناث واختيارات من الفكرية والسلوكية بسلطان العاطفة الجياشة التي تدخل بقوة استفحالها الفطري في قرارهن من جهة، وفي سلوكهن من جهة أخرى، حتى لا يكاد يخرج أداؤهن الواقعي عن طبيعة الانفعال العاطفي، الذي يظهر أشد ما يكون قوة ومضاءً عند الأزمات المهيجة للعواطف، والمثيرة للانفعالات، فلا تتناسب حدّة هذه الطبيعة الفطرية مع طبيعة الأداء السياسي الذي

стр. 495

يتوقف نجاحه على مزيد من التجرد العاطفي مقابل مزيد من الإمعان العقلي (١). خامسًا: الواقع: يقول الزنداني: «إن دلالة الإحصاء لعدد النساء اللاتي تمكَّنَّ من شغل منصب الولاية العامة كالرئاسة، والمحافظة، والنيابة العامة، وقيادة الشرطة، والمصانع، والشركات في المجتمعات التي تمنح لهن هذا الحق، وتضعهن على قدم المساواة مع الرجل يبدو ضئيلًا مقارنة بالرجال، مع أن النسبة السكانية لعدد النساء أكثر من النسبة السكانية لعدد الرجال، ولا يمكن أن نعزو سبب هذا إلى القوانين والتربية، فإن القوانين في تلك البلاد أو التربية لا تقيم اعتبارًا لاختلاف الجنسين، إنما يرجع السبب الحقيقي إلى الاختلاف الفطري بين الرجال والنساء، الذي تجاهله كثير من الناس اتباعًا للأهواء أو مكابرة للفطرة التي أرغمتهم على التسليم بحقائقها. فلماذا لم تتمكن المرأة من الوصول إلى مركز رئاسة الدولة بنسبة تتناسب مع عدد النساء في المجتمعات التي تمنحها هذا الحق، وتربيها عليه؟!!، وتكاد النسبة في هذا الموقع لا تزيد عن ١%، فلماذا أخذ الرجل ٩٩% إنها الفطرة المتمثلة في التركيب البدني والنفسي والهرموني والعصبي. ولماذا لم تحصل المرأة في هذه الدول من مقاعد الوزراء والمحافظين على نسبة قد لا تزيد على ٥%؟ ولماذا أخذ الرجل ٩٥& من هذه المواقع؟ لا بد أن السبب يرجع إلى الاختلاف الفطري في تركيب الرجل والمرأة» (٢). وقد بلغت النساء في المراتب القيادية في الغرب ١% رغم أن ثلث خريجي

стр. 496

الجامعات من النساء فلم تبلغ من إلا هذه النسبة، وإذا سألت عن البقية تحدهن موظفات، وعاملات، وعارضات أزياء، وفي سوق الرقيق الأبيض (١). وقد نيل من إسرائيل في حكم (جولدا مائير) حتى كادت تنتهي، لولا ما فعلته أمريكا، ما يدلل على ضعف المرأة، وعدم قدرتها على التخطيط للحروب. وقد أجرت «إنديرا غاندي» يوم حكمت الهند انتخابات لترى أيختارها قومها للحكم أم لا؟ فسقطت في الانتخابات، وجرّت الهند إلى الويلات (٢). وكما تعارضت الأنوثة شرعيًّا وتاريخيًا مع القيام بالمناصب السياسية العامة، فإنها أيضًا تتعارض بصورة واضحة في واقع الحياة السياسية المعاصرة من جهة ضعف حضور النساء السياسي، وتمكنهن القيادي، رغم الانفتاح السياسي الكبير الذي تشهده نساء هذا العصر، وإعلانات حقوق الإنسان، ورفع شعارات المساواة، وصدور القوانين العربية والعالمية التي تسمح للإناث بالمشاركة السياسية، وتولي جميع المناصب القيادية على قدم المساواة الكاملة بالرجال، ودعم ذلك كله بالمؤتمرات العالمية، والندوات المحلية بما لا يدع مجالًا للشك في صدق هذا التوجه نحو تمكين نساء العالم سياسيًّا واجتماعيًّا إلا أن واقع الإحصاءات العالمية الحديثة يشير بوضوح إلى تخلف حضور النساء السياسي على جميع المستويات، وفي جميع الدول قاطبة بما فيها الدول الصناعية المتقدمة بشكل يبعث على خيبة الأمل مقابل الجهود الكبيرة الرامية لدعمهن الاجتماعي وتمكينهن السياسي، فإن تمثيلهن في البرلمانات حتى عام (١٩٩٠ م) لا يزيد في العالم عن (١٤%) ولا يتجاوز في الدول

стр. 497

المتقدمة عن (١٣%) (١) وكذلك تولي المناصب الوزارية فإن حضورهن فيها لا يكاد يتعدى (٥. ٧%) حتى عام ١٩٩٤ م. وأما منصب رئيسة دولة فقد بلغ أقصى مداه التاريخي عام ١٩٩٤ م حين اجتمع في عام واحد لأول مرة عشر نسوة في مناصب رئاسة الدولة (٢)، ضمن (١٧٧) دولة يعني نسبة (٥. ٦%) والذي يظهر من خلال التتبع أن النساء اللاتي وصلن إلى مناصب قيادية مهمة في العصر الحاضر قليلات جدًّا، كما أنه لم يحصل لهن إلا بعد بداية النصف الثاني من القرن العشرين، ولم تبلغ امرأة منصب رئيس وزراء بريطانيا التي تعتبر واجهة الحضارة الغربية إلا مرة واحدة عبر تاريخها الطويل (٣)، ومن العجيب أن حكومة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، والتي تمثل في المنطقة العربية الإسلامية الامتداد الديمقراطي الغربي لم تتسع لأكثر من وزيرة واحدة مقابل سبعة عشر وزيرًا ضمن الحكومة المؤلفة عام ١٩٩٩ م (٤). والأمم المتحدة التي ما فتئت منذ زمن تنادي بحقوق النساء العامة، وتتابع الدول بقوة القانون الدولي في تنفيذ قراراتها الجماعية الخاصة بتمكين النساء السياسي والاقتصادي، تعجب حين تعلم أن نسبة النساء في إدارتها العليا حتى عام ١٩٩٣ م لا تتجاوز (١٣%) وأما منصب الوكالة للأمين العام فلا تكاد نسبتهن تتعدى (٢. ٣%) وهذه نسب متدنية المنظمة تتبنى الدفاع عن المرأة والتمكين ها (٥).

стр. 498

ومن هنا يظهر جليًّا أن الأنوثة بما تحمله من النقص الفطري هي العائق الحقيقي أمام تمكين النساء السياسي؛ إذ لا ينقص هؤلاء النسوة -في الغالب- الذكاء الفطري، أو المعرفة السياسية، وإنما تنقصهن الذكورة التي تفرض نفسها بدافع الطبيعة الفطرية بين أمم لا تؤمن بالفروق الجنسية، فإذا اجتمع إلى هذا التخلف الواقعي: الحكم الشرعي والعامل التاريخي فإن تخلف النساء السياسي يصبح سمة عليهن، وإقحامهن في المناصب السياسية شذوذ يتعارض مع أنوثتها. وعلى هذا فتصوير أمر الولاية في الواقع على أنها أنانية من الرجل واستبداد منه، وعنفوان من قبله ما هو إلا نوع مجازفة، وانسياق غريب، وخطير وراء الإرهاب الفكري والإعلامي الغربي العام، وذوبان ثقافي في الشعارات الثقافية الوافدة … وهل التكامل بين الرجل والمرأة بتسخير كل واحد منهما نفسه لما خلق لأجله أنانية من الرجل؟! ألست تتألم أن يصور مناط البحث على أنه صراع جنسي بين الزوجين (الجنسين) على نمط نظرية الصراع الطبقي الماركسي الهالكة؟ كيف وربك يقول: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (١). رأيٌ مخالفٌ لجمهور الأمة: يعزو كثير من كتاب هذا الزمن جواز تولية الإمامة العظمى لابن جرير الطبري، ولم أقف عليه في كتبه، بل ولم يصرح العلماء بعزوه له اللهم إلا ما تقدم من نقل مذهبه في جواز توليها القضاء مطلقًا، وأوردتُ مناظرة جرت بين أبي بكر بن الطيب المالكي وأبي الفراج بن طرار وفيه إيماء إلى أن ابن طرار

стр. 499

لا يذهب لمنعها (١). وهناك فرقة من فرق الخوارج لم تشترط الذكورة المنصب الإمامة العظمى، حيث أجاز شبيب بن يزيد الخارجي، وفرقته المسماة (بالشبيبة) أن تتولى المرأة منصب الإمامة (٢). أدلة المجيزين ولاية المرأة العامة: ١ - لا يوجد هناك دليل منقول أجاز الخوارج بموجبه إمامة المرأة، إلا أنه يمكن القول بأنهم أجازوا لها الخروج انتصارًا للشريعة، وقيامًا بأمر الرعية، مستدلين بخروج أم المؤمنين عائشة ﵂ إلى البصرة مع جندها إلا أنهم في حقيقة الأمر قد أنكروا وعابوا على عائشة ﵂ هذا الخروج، بل و كفروها بسببه، فكيف يستقيم هذا الحكم مع استدلالهم بصحة الخروج؟!! (٣). والذي يتبين في هذا الشأن أهم ما أنكروا وعابوا على عائشة ﵂ إلا لأنها خرجت بدون محرم لها، وهذا توجيه سيئ من الخوارج. يقول البغدادي: «أنكرتم على أم المؤمنين عائشة خروجها إلى البصرة مع جندها الذي كل واحد منهم محرم لها؛ لأنها أم جميع المؤمنين في القرآن لقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٤) وزعمتم أنا كفرت بذلك، وتلوتم عليها قول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٥) فهلّا تلوتم هذه

стр. 500

الآية على غزالة أم شبيب؟ هلا قلتم بكفرها، وكفر من خرجن معها من نساء الخوارج إلى قتال جيش الحجاج؟ فإن أجزتم لهن ذلك؛ لأنه كان معهن أزواجهن أو بنوهن وأخوتهن، فقد كان مع عائشة أخوها عبد الرحمن، وابن أختها عبد الله بن الزبير، وكل واحد منهم محرم لها، وجميع المسلمين بنوها، وكل واحد محرم لها، فهلّا أجزتم لها ذلك؟ على أن من أجاز منكم إمامة غزالة فإمامتها لائقة به وبدينه، والحمد لله على العصمة من البدعة» (١). ثم إن خروج عائشة ﵂ لم يكن لأجل الحرب، أو منازعة عليّ في الخلافة، وإنما أنكرت عليه منعه من قتل قتلة عثمان ﵁ وترك الاقتصاص منهم، وكان علي ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه، فإذا ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه، فاختلفوا بسبب ذلك، ولتعلق الناس بها ﵂ وشكايتهم إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة، وتهارج الناس، ورجوا بركتها في الإصلاح، وطمعوا في الاستحياء منها إذا وقفت إلى الخلق، وظنت هي ذلك، فخرجت مهتدية بقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٣). والأمر بالإصلاح مخاطب به جميع الناس من ذكر أو أنثي حر أو عبد، فلم يرد الله بسابق قضائه ونافذ حكمه أن يقع إصلاح، ولكن جرت مطاعنات وجراحات

стр. 501

حتى كاد يفين الفريقان، فعمد بعضهم إلى الجمل فعرقبه، فلما سقط الجمل لجنبه أدرك محمد بن أبي بكر أخته عائشة، فلما احتملها إلى البصرة وخرجت في ثلاثين امرأة حتى أُوصلت إلى المدينة برة تقية مجتهدة مصيبة مثابة، ومأجورة فيما تأولت وفعلت (١). ثم إن صنيع عائشة ﵂ ليس فيه دليل شرعي يصح الاستناد إليه، فإنه كان عن اجتهاد منها، وكانت مخطئة فيه، وقد أنكر عليها بعض الصحابة هذا الخروج (٢)، فاعترفت بخطئها وندمت على خروجها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإن عائشة لم تقاتل، ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها» (٣). ٢ - يستدل المجيزون بحكم بلقيس لليمن، وذكر الله تعالى حكمها في كتابه حيث قال عز من قائل سبحانه على لسانها: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٤). وفي الآية الكريمة دليل على أن المرأة يمكن أن تدير الملك، وتكون حاكمة

стр. 502

وتحسن السياسة، وذلك لما أظهرته بلقيس من حصافة الرأي. ويمكن الجواب عن هذا بأوجه ثلاثة: الأول: أن ذكر القرآن لما عليه الحال في سبأ، وحكم المرأة لها كان في معرض الحكاية عن حالهم لا عن التشريع، وقد وردت في آيات مكية. الثاني: أن هذه القصة حكاية عن شرع من قبلنا، والمعلوم عند العلماء أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت شرعنا بخلافه (١)، وقد جاءت النصوص بخلافه كما تقدم. الثالث: أن الهدهد استنكر أمرين في مملكة سبأ: الأول أنهم كانوا يعبدون الشمس. والثاني: أن امرأة تملكهم. قال تعالى على لسان الهدهد: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢) ثم إن حكمها لقومها كان قبل إسلامها مع سليمان لله رب العالمين، ولم يأت في القرآن إقرار سليمان لحكمها بعد إسلامها، وما جاء من زواجه منها، أو زواجها من ملك همدان فإسرائيليات لم تثبت. ٣ - الناظر إلى تاريخ مصر في نهاية حكم الأيوبيين يجد أن شجرة الدر وهي أم خليل جارية الملك صالح قد بويعت بالخلافة إثر مقتل توران شاه الملك المعظم، فقد وثب إليه غلمان أبيه الملك الصالح وذلك في المحرم في سنة ثمان وأربعين وستمائة للهجرة. وقد عقد لها على أنها القائمة بأمور السلطة في مصر، وقدم لها الأتراك ونائبها

стр. 503

عز الدين أيبك التركماني فروض الولاء والطاعة، وحلفوا على ذلك. وأجيب عنه بأوجه: الأول: أنه ليس في هذه الواقعة التاريخية أي سند شرعي أو دلالة شرعية، يستدل بها في أيامنا هذه على حق المرأة في تولي رئاسة الدولة، بل هي مصادمة للنص مخالفة له، فلا يستدل بها، ولا يعول عليها. الثاني: إن أهل عصرها أنكروا على قومها، ولما بلغ الخليفة المستنصر بالله أبو جعفر وهو ببغداد أن أهل مصر قد سلطنوا عليهم امرأة، أرسل يقول لأمراء مصر: «أعلمونا إن كان لم يبق عندكم من الرجال من يصلح للسلطنة، فنحن نرسل لكم من يصلح لها، أما سمعتم في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» وأنكر عليهم إنكارًا عظيمًا، وهددهم، وحضهم على الرجوع عن توليتها مصر، فلما بلغ شجرة الدر ذلك خلعت نفسها من السلطة برضاها من غير إكراه بعد أن حكمت بالديار المصرية نحو ثلاثة أشهر إلا أيامًا» (١). الثالث: نوقش بأن تغلب المرأة على السلطة لا يمنحها أهلية الإمامة ووجوب طاعتها فيما تأمر به أو تنهى عنه، وإنما يجب الخروج عليها حال الاستطاعة؛ لأنها مغتصبة لحق ليس لها، ومن غير اختصاصها ومهامها، وعلى الرعية إعادة الأمور إلى نصابها. فلا يصح افتراض طاعتها لكي لا يتخذ هذا الافتراض ذريعة إلى ش رعية وجودها، وإنما ينفذ تصرفها العام فيما يوافق الحق لضرورة الرعايا ومصلحتهم، مع

стр. 504

وجوب القطع بأنه لا ولاية ولا إمامة لها، وشأنها في هذا شأن تصرفات البغاة وأئمة الجور حينما لا يتساوى دفع المفسدتين (١). وقد قرر فقهاء الشافعية أن إمامة المرأة على الولاية تنعقد في حال وحيدة وهي: «استيلاء شخص متغلب على الإمامة، ولو غير أهل لها كصبي أو امرأة بأن قهر الناس بشوكته وجنده» (٢). ولكن إذا قويت شوكة المسلمين وجندهم توجّب عليهم خلعها، إذ لا يجوز بقاء حكمها، لزوال الضرورة الاستثنائية التي اقتضته، إذ يتوجب عليهم عندئذ الرجوع إلى حكم الأصل؛ لأن بقاء المرأة على ذلك المنصب في هذه الحالة فيه مفسدة غالبة لا يجوز الإبقاء عليها. ولا يضير اتفاق الأمة وإجماع الأئمة الأقوال الشاذة؛ لأن مسائل الإجماع في الفقه الإسلامي لا تكاد تخلو من أقوال شاذة (٣) تعارضها إلا أنها لا تقوم لها، ولا تضر الإجماع في شيء. ومن جهة أخرى لا تسوِّغ هذه الأقوال الشاذة لأحد -خاصة من أهل العلم- التقليد فيما تبين له خطؤه (٤)، فليس كل من قال قولًا توبع عليه، إذ الحق هو المعتبر دون الرجال، ونبش كتب التراث على نوادر الفقهاء، وغرائب أقوالهم مسلك مذموم في الشريعة، يأباه طالب الحق المتجرد عن الهوى.

стр. 505

يقول عبد الرحمن بن مهدي: «ليس بإمام في العلم من أخذ بالشاذ من العلم» (١) وقال إبراهيم بن أدهم: «من حمل شواذ العلماء حمل شرًا كثيرًا» (٢). فالزم -وفقك الله- الجماعة، وانظر إلى صحة الدليل، ووجْهِ الدلالة منه على حسب قواعد اللغة، وفهم السلف الصالح، وفقنا الله وإياك للحق، وجعلنا من الدعاة إليه (٣).

стр. 506

الفصل السابع المرأة ومجلس الشورى مجلس الشورى هو المجلس الذي يضم أهل الحل والعقد في الدولة. وليتضح الفصل في حكم عضوية المرأة في مجلس الشورى. سيتناول هذا الفصل ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف «أهل الشورى». المبحث الثاني: وظائف مجلس الشورى. المبحث الثالث: حكم عضوية المرأة في مجلس الشورى.

стр. 507

المبحث الأول: تعريف «أهل الشورى» عرف الفقهاء القدامى أهل الشورى بأهم أهل الحل والعقد، وأوردوا تعاريف كثيرة منها: ١ - نقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١) تعريف ابن خويز بنداد فقال: «واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح العباد وعمارتها». ٢ - وعرّفهم الرملي في نهاية المحتاج (٢) بقوله: «أهل الحل والعقد: من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم» وفسّر الشبر املسي في حاشيته على نهاية المحتاج «وجوه الناس» بقوله: «ووجوه الناس من عطف العام على الخاص، فإن وجوه الناس عظماؤهم بإمارة أو علم أو غيرهما». ٣ - وعرفهم القلقشندي في صبح الأعشى (٣): «القضاة، والعلماء، وأهل الخير، والصلحاء، وأرباب الرأي، والنصحاء». وواضح من هذه التعاريف المتقدمة أن مجلس الشورى يضم أصحاب

стр. 508

الولايات العامة، وهم أصحاب السلطات الثلاثة: التنفيذية، والقضائية، والتشريعية، وهؤلاء هم أولو الأمر في الدولة. ٤ - وعرفهم الدكتور فتحي الدريني من المعاصرين بقوله: «أهل الاختيار أو أعضاء مجلس الشورى هم الذين يمثلون الأمة تمثيلًا كاملًا من الرؤساء ذوي النفوذ والمكانة فيها، والفقهاء المجتهدين، وأرباب الكفاءات العلمية المتخصصة، والخبرة المكتسبة في شتى الشؤون السياسية، والاقتصادية، والزراعية، والتجارية، والصناعية، والصحية، والتشريعية، ورؤساء المهن، إذ لكل من هذه الفئات مصالحه التي لا يحسن القيام عليها إلا من كان خبيرًا بها، وهذا من باب توسيد الأمر إلى أهله» (١). ومما سبق يتبين أن أهل الشورى هم أهل العلم والرأي من أبناء الأمة في كافة الشؤون الدنيوية والدينية، بحيث يكون رأيهم الاجتهادي عند الإجماع ملزمًا للأمة حاكمها ومحكومها، وعند الاختلاف خاضعًا للأغلبية، أو ترجيح الحاكم.

стр. 509

المبحث الثاني: وظائف مجلس الشورى (١) أولًا: الوظيفة التشريعية: يقوم مجلس الشورى الإسلامي بسن القوانين والأنظمة التي تحتاجها الدولة في جميع مرافقها بما يوافق روح الشريعة الإسلامية، ولا تصدم بنص وارد في القرآن وصحيح السنة (٢). وهذه الوظيفة التشريعية التي يقوم بها مجلس الشورى الإسلامي مبنية على أن المجلس -وأعضاءه من أولي الأمر- مؤتمن على إقامة الحكم على أساس ش رعي، مستمد من القرآن والسنة، وذلك هو المقصود الأول من انتخاب الأمة له. ثانيًا: الوظيفة المالية: وما تأذن للسلطة التنفيذية أن تقوم بجباية الإيرادات وصرف المصروفات المبينة في القانون، وهي مقررة في النظامين النيابي والرئاسي.

стр. 510

وهذه الوظيفة تبين في الإسلام على أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى سلطة الأمة التي منحت هذا المجلس التكلم باسمها، والحفاظ على مصالحها. ثالثًا: الوظيفة السياسية: للمجلس الإشراف على تنفيذ القوانين في كل مرافق الدولة، ومراقبة ذلك مراقبة دقيقة، بالسؤال، ومناقشة موضوع عام، وإجراء تحقيق، والاستجواب، أضف إلى مسؤولية الرئيس الجنائية والسياسية، وهذه الوظائف أمر مقرر في الإسلام بناء على: أن الأمة صاحبة الحق في تنصيب الإمام ومراقبته وعزله، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو حق لأي فرد، فكيف بمن يمثل الأمة جميعًا في مجلس. رابعًا: انتخاب رئيس الدولة: إن انتخاب الرئيس بالطريقة المباشرة أو غير المباشرة جائز إلا أن المرجّح الطريقة غير المباشرة، وهي أن مجلس الشورى هو الذي يتولى أمر اختيار الإمام ومبايعته البيعة الخاصة، وبعدها تتم البيعة العامّة من الناخبين (١).

стр. 511

المبحث الثالث: حكم عضوية المرأة في مجلس الشورى اختلف العلماء المعاصرون في حكم كون المرأة عضوا في مجلس الشورى (البرلمان) على رأيين: الرأي الأول: ذهب بعض المعاصرين إلى جواز أن تُنْتَخب المرأة لعضوية مجلس الشورى (١). ١ - ٢ - ٣ - ٤ من القرآن الكريم: واستدلوا بما يأتي: ١ - قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ

стр. 512

لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). فدلت الآية على مشروعية مبايعة النساء كالرجال، وفي تفسير هذه الآية يقول الشيخ محمد شلتوت: «وقد كانت هذه المبايعة من فروع استقلال النساء في المسؤولية، بايعهن على خصوص وعموم». وأجاب المانعون عن الاستدلال بالآية بأنه ليس فيها حجة تؤهل الإناث العضوية أهل الاختيار والشورى؛ لأنها بيعة إيمانية أخلاقية تتعهد فيها المرأة بالالتزامات الإيمانية، وليست بيعة لترشيح النبي ﷺ للقيادة السياسية، فتأهيله ﵇ للقيادة لا يفتقر إلى شورى أو موافقة من الأمة، وإنما يستمد سلطته من النبوة، في حين كانت بيعة الرجال سياسية يلتزمون فيها الجهاد إضافة إلى التزامهم الإيماني والأخلاقي (٢). وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجب على الإمام مبايعة النساء بهذه الطريقة؛ ولهذا لم تكن بيعة النساء الإيمانية ضمن اهتمامات الخلفاء الراشدين ﵃ رغم حرصهم الشديد على متابعة رسول الله ﷺ ، فلم يثبت أن امرأة جاءت تبايع خليفة بعد رسول الله ﷺ ، وإنما هن كسائر عموم الأمة تبع لأهل الحل والعقد، يلزمهم الانقياد لطاعته في المعروف (٣). قال الشيخ محمد أبو زهرة: «ما نوع هذه المبايعة؟ أهي مبايعة على الولاية؟ كلا، كان يبايعهن على ألا يشركن بالله، ولا يزنين، ولا يأتين بفاحشة فهي له معاهدة

стр. 513

على القيم الدينية، وليست معاهدة على ولاية بأية صورة من الصور» (١). قال مجيد أبو حجير: «وعلى فرض أن الآية الكريمة قد جاءت في معرض أن المرأة تُبَايِع الخليفة، إلا أنها ليست في معرض أن المرأة تُبَايَعُ لعضوية البرلمان (مجلس الشورى) فلا يلزم من كونها مبايعة ناخبة أن تكون نائبة عن الأمة في البرلمان» (٢). ٢ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (٣). ففي هذه الآية دلالة على مشاركة النساء للرجال في الاجتماع للأمور المهمة العامة (٤). وأجيب عن الاستدلال بأن الآية ليس فيها دلالة على مشاركة النساء للرجال في شؤون الحكم والسياسة، إذ أنها قد جاءت في معرض التوحيد وأنه ليس في الوجود معبود إلا الله تعالى، ونفي زعم النصارى ببنوة سيدنا المسيح ﵇ لله تعالى، وألوهيته، فالاستدلال بها على المسألة استدلال في غير محله. ٣ - قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ

стр. 514

وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). ووجه الدلالة من الآية: أنها محكمة تعني أن الرجال والنساء شركاء في سياسة المجتمع، وأن السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية ليست إلا أوامر بالمعروف ونهي عن المنكر، أحيانًا بالتشريع، والاجتهاد، ومعرفة الأحكام، وأخرى بالفصل في الخصومات، وثالثة بالتنفيذ والإلزام (٢). وأجاب الدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد عن هذا الاستدلال بقوله: «إن الاستدلال بالآية الكريمة استدلال مردود، فليس فيها ما يشير إلى مباشرة المرأة للحقوق السياسية، ولم يذهب أحد من المفسرين القدامى (٣) إلى القول بذلك» (٤). يقول الشيخ محمد أبو زهرة: «وإتيان هذا الدليل في تولية المرأة للولايات العامة هو من باب إدخال الخلاف في الدليل، وهو نوع من المصادرة على الاستدلال» (٥). إن وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة إيمانية، والرجل والمرأة فيها سواء، ليست ولاية سياسية ورد منع المرأة عنها، وقد قدمتُ في هذا البحث إثبات حق المرأة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٦).

стр. 515

٤ - قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (١). ووجه الدلالة منها: أنها قد تضمنت اعترافًا بأن للمرأة أن تجادل في شؤونها، وتحاور في حقوقها، خاصة فيما يتعلق بها (٢). وأجيب عن الاستدلال: بأنه لا يلزم من كون المرأة مجادلة ومدافعة عن حقوقها أن يكون لها حق تولي الولايات العامة، ومنها عضوية مجلس الشورى، فالآية جاءت في معرض بيان حكم عام نزل على سبب خاص (وهو الظهار) وغاية ما يستفاد من الآية إثبات حق المرأة في إبداء رأيها في المسائل والشؤون التي تمس حياتها الاجتماعية، والاقتصادية وغيرها، وهي أبعد ما تكون عن موضوع المرأة والسياسة (٣). ٥ - ٦ من السنة: وقد استدلوا بآيات أخر أعرضت عن إيرادها لضعف دلالتها على المطلوب (٤). ٥ - واستدلوا بقبول رسول الله ﷺ لأمان أم هانئ وقال لها: «قد أجرنا من

стр. 516

أجرت يا أم هاني» (١) وقبول إجارة زينب ابنة رسول الله ﷺ لأبي العاص بن الربيع (٢). ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقرّ للمرأة الحقوق السياسية، بأن جعل لها الأمان في السلم والحرب. وأجاب عن هذين الاستدلالين: الدكتور عبد الغني محمود بقوله: «الاستدلال بإقرار الرسول ﷺ الأمان لابنته زينب وأم هانئ لا يدل على جواز إسناد الولايات العامة للمرأة؛ لأن أمان زينب كان لزوجها أبي العاص ب ن الربيع، وأمان أم هانئ كان لرجل أو رجلين من أحمائها، فهذه حوادث فردية، وحرصًا على الروابط العائلية لم يشأ الرسول ﷺ تمزيقها؛ لعل الله يهدي من استجار بهما إلى الإسلام، خاصة أن الأمان شرع لسماع كلام الله لعل ذلك يكون سبيل هداية للكافرين، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (٣)» (٤). والإجارة مقصورة على إعطاء الأمان فحسب، ولا يقاس عليها تحويز عضوية المرأة لمجلس الشورى لورود المنع من ذلك عند جمهور الفقهاء والعلماء كما سيأتي (٥) أولًا، ولاختلاف العلة بين الحكمين ثانيًا، إذ العلة في حكم إعطاء الأمان

стр. 517

من المسلم أو المسلمة هي الإسلام (١)، وأما العلة في منع المرأة من الولايات العامة هي الأنوثة فيكون قياسًا مع الفارق، وهو فاسد. ٦ - ما أخرجه البخاري في صحيحه (٢) من حديث المسور بن مخرمة ومروان في قصة صلح الحديبية، وفيه: « … فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا» قال: فو الله ما قام منهم رجل حين قال ذلك ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أم سلمة: «يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَكَ، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم، حتى فعل ذلك، نحر بُدْنَهُ، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غما … ». ووجه الدلالة منه: مشاورة الرسول ﷺ لأم سلمة، يدل على حق المرأة في الشورى، وأن رسول الله ﷺ كان يشاور النساء، ويأخذ برأيهن، فيجوز للمرأة أن تكون عضوًا في مجلس الشورى؛ لتعطي رأيها كما فعلت أم سلمة مع رسول الله ﷺ (٣). ويجاب عن هذا الاستدلال: بأن مشاورة الرسول ﷺ لأم سلمة ﵂ لا يمكن أن يستفاد منها أن المرأة يجوز أن تكون عضوًا في مجلس الشورى،

стр. 518

تعطي رأيها في المسائل السياسية والاقتصادية، وغيرها من الأمور التي تهم الأمة، فالمرأة يجوز أن تشاور ولكن في مجال اختصاصها، أو فيما يتعلق بشؤون النساء، أو في الأمور الخاصة عدا ما يتعلق بالأمور والولايات العامة، ويشترط ألا يؤدي ذلك إلى خلوة محرمة أو اختلاط. وما فعلته أم سلمة ﵂ مع رسول الله ﷺ ليس فيه أنها كانت في مجلس شورى أبدت فيه رأيها الحكيم، إنما زوج شكى لزوجه ما لقيه، يدل على ذلك لفظ الحديث، فأشارت عليه بالرأي السديد، ولا يمانع أحد من أن يشاور الحاكم زوجته فيما يلقاه إن كانت ذات رأي سديد كأم سلمة، قال السهيلي في الروض الأنف: «وفيه أيضًا إباحة مشاورة النساء، وذلك أن النهي عن مشاورتهن إنما هو عندهم في أمر الولاية خاصة» (١). والرسول ﷺ استشار بريرة ﵂ في حادثة الإفك عن سيرة أم المؤمنين عائشة ﵂ الطاهرة المطهرة (٢). • وقد أجاب الدكتور محمد أبو حجير عن هذا الاستدلال بقوله: «إن مقام استشارته ﷺ أم سلمة في أمر المسلمين كان بصفته إمامًا حاكمًا للمسلمين، وليس رسولًا مبلغًا شرع الله؛ لأنه لو كان في هذه المسألة رسولًا مبلغًا لانصاع المسلمون ابتداءً، وهو ما لم يكن، فيكون الاستدلال بهذه الحادثة مردودًا؛ لأنها ليست تشريعًا صادرًا من الرسول ﷺ يوجب فيه على الحكام الاستعانة بآراء النساء السياسية، أو تقليدهن واليات على أمور المسلمين من نحو توليتهن على الوزارات التنفيذية أو

стр. 519

غيرها من السلطات العامة» (١). • وأجاب الدكتور عدنان با حارث عن الاستدلال فقال: «كما أن أعظم مشورة على الإطلاق أدلت بها امرأة في ذلك الجيل الفريد كانت من أم سلمة ﵂ يوم الحديبية حين أخذ النبي ﷺ مشورها، ومع ذلك لم يُبْنَ عليها مهم في الأمة، ولم يتوقف امتثال الصحابة لأمر النبي ﷺ على مشورها ﵂ فهم أطوع خلق الله تعالى له؛ وما حصل منهم بعد مشورتها لا بد حاصل في نهاية الأمر، وإنما كان أثر مشورها الفعلي في قطع أملهم من إمكانية تغيير اجتهاد النبي ﷺ في المسألة حين رأوه يحلق رأسه» (٢). ٧ - دليل الإجماع: قال الأستاذ محمد الحجوي: «ووقع الإجماع بعد النبي ﷺ على أن المرأة لا تتولى شأن الخلافة العظمى، فكان إجماعًا ضمنيًّا -أي: سكوتيًّا (٣) - على أن تكون المرأة تتولى ما عدا ذلك» (٤). وأجاب عنه د. مجيد أبو حجير (٥) بقوله: «إن مثل هذا الإجماع الضمني

стр. 520

السكوتي الذي يزعمه الأستاذ الحجوي لم يرد، ولو على لسان فقيه واحد من الفقهاء المجتهدين، ثم سكت عن رأيه بقية المجتهدين بلا إنكار أو موافقة صريحة في كل الأعصار والأمصار؛ ليصح جواز تولي المرأة ما دون رئاسة الدولة من الولايات العامة، بل قام الإجماع التام والصريح قولًا وعملًا (١) على منع المرأة من كل الولايات العامة عند جمهور الفقهاء والعلماء، وعلة التحريم في سند هذين الإجماعين -العلمي والفقهي- واحدة وهي الأنوثة ولذلك لم تول ولو امرأة واحدة في تاريخ الدولة الإسلامية وعلى مرِّ عصورها على أية ولاية عامة مما يدحض قول الحجوي المتقدم». ٨ - دليل القياس: قال المجيزون لنيابة المرأة في مجلس الشورى: كون المرأة منتخبة لا يعدو أن تكون وكيلة عن الأشخاص الذين تمثلهم، ووكالة المرأة جائزة كما جاز نصبها وصية، وناظرة وقف. ومن يستعرض أقوال الفقهاء في شروط أهل الشورى أو أهل الحل والعقد يجد أنها تدور على العدالة والعلم والرأي، ولم نجد أحدًا منهم يجعل الذكورة شرطًا في هذا الباب، بل شرطهم صفة الشهود (٢). وأجاب الدكتور قحطان الدوري على دليل القياس بقوله: «إذا قلنا باستفادة شروط المُنْتَخب من شروط الوكيل فهذا لا يتم لما يأتي: ١ - لأنه يصطدم بالآية الكريمة ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ التي تشير إلى أن

стр. 521

الشورى يجب أن تكون بين المسلمين، فلا يجوز أن يكون المنتخب من غير المسلمين، وهذا بخلاف عقد الوكالة الذي يجوز فيه أن يكون الوكيل غير مسلم. ٢ - لأن الفقهاء وضعوا شروطًا لأهل الشورى أهل الحل والعقد وهي: الإسلام، والعدالة، والعلم، والرأي، والحكمة، والذكورة، والبلوغ، وعدم الحجر بسفه (١)، وهذه لا يشترط الفقهاء وجودها في الوكيل، الذي أجازوا أن يكون صبيًا مميزًا أو عبدًا أو كافرًا أو امرأة» (٢). - ثم إن كون المرأة وصية، ووكيلة، وناظرة وقف لا يعدو كونه ولاية خاصة، فلا تمنع الأنوثة من ممارستها كالإفتاء، بخلاف عضوية مجلس الشورى فإنها ولاية عامة. ٩ - دليل المعقول: واستدل المجيزون بأن اشتراك المرأة في المجالس النيابية مما يتفق مع أهليتها، وحقوقها السياسية، والاجتماعية، واستقلال شخصيتها، وكل ذلك مما قرره لها القرآن نصًا صريحًا وضمنًا. وإلى هذا فإنا نصف المجتمع وكل ما يتقرر في هذه المجالس يتناولها كما يتناول الرجل على السواء، فمن حقها أن يكون لها رأي فيه مثله، ولا سيما أن المرشحين للمجالس أفراد قليلون جدًّا، وليس في هذا ما يمنع جمهور النساء ولا جمهور الرجال عن أعمالهم المعتادة، وكثير من النساء يشتغلن خارج بيوتهن في أشغال متنوعة من غير إنكار عليهن كالتعليم، والتمريض، والآلات الكاتبة …

стр. 522

وهذه الأعمال تشغل عددًا منهن أكثر بكثير مما يمكن أن تشغله النيابة التي لن تتاح إلا لأفراد قلائل جدًّا منهن، فضلًا عن أنها تشغل من أوقاتهن أقل بكثير مما تشغله تلك الأشغال (١). ويجاب عن هذه المناقشة بقول لجنة فتوى كبار علماء الأزهر: «إن الشريعة الإسلامية تمنع المرأة كما جاء في الحديث الشريف «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (٢) أن تلي شيئًا من هذه الولايات، وفي مقدمتها ولاية سن القوانين التي هي مهمة أعضاء البرلمان، هذا، وليس من الولايات العامة التي تمنع المرأة ما يعهد به إلى بعض النساء من الوظائف، والأعمال كالتدريس للبنات، وعمل الطبيبة والممرضة في علاج المرضى من النساء وتمريضهن، فإن هذه الأعمال وما شابهها ليس فيها معنى الولاية العامة الذي هو سلطان الحكم، وقوة الإلزام» (٣). ١٠ - دليل التاريخ الإسلامي: استدل المجيزون لعضوية المرأة في مجلس الشورى بالسوابق التاريخية التالية: ١ - ما أخرجه البخاري (٤) من حديث عائشة أن فاطمة ﵂ بنت النبي ﷺ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه بالمدينة، وفَدك، وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» إنما يأكل آل محمد ﷺ في هذا المال، وإني والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ﷺ ،

стр. 523

ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله ﷺ ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئًا، فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته، فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي ﷺ ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها عليّ ليلًا، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا … » الحديث. ووجه الدلالة أن فاطمة ﵂ لم ترض عن سياسة أبي بكر، وكف علي عن مبايعة أبي بكر ﵄. وأجيب عن هذا الاستدلال بأنه لا يستدل من الحادثة بأي دلالة شرعية على جواز نيابة المرأة في البرلمان؛ إذ لم تكن فاطمة ﵁ عضوًا في مجلس أهل الحل والعقد، لا في زمن رسول الله ﷺ ، ولا في زمن أبي بكر، ولا منعت الناس من مبايعة أبي بكر، وما وقع بينها وبين أبي بكر كان بسبب منعها من الإرث، وهو سبب شخصي، اعتمد فيه أبو بكر على النص (١). ثم إن الموقف لم يكن قاصرًا على فاطمة ﵂ وحدها، فقد أثاره أزواج النبي ﷺ ﵅ فردّت عليهن عائشة بالخير، ومنعتهن من المطالبة، أخرج مسلم في صحيحه (٢) من حديث عائشة أنها قالت: إن أزواج النبي ﷺ أردن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر فيسألنه ميراثهن من النبي ﷺ ، قالت

стр. 524

عائشة لهن: أليس قد قال رسول الله ﷺ : «لا نورث ما تركنا صدقة»؟!. يقول ابن كثير في تلك الحادثة: ١ - «وأما ما يأتي من مبايعة عليّ إيّاه بعد موت فاطمة، وقد ماتت بعد أبيها بستة أشهر؛ فذلك محمول على أنها بيعة ثانية، أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث، ومنعه إيّاهم بالنص عن رسول الله ﷺ في قوله: «لا نورث ما تركناه صدقة» (١). ٢ - استدلوا بفعل عائشة ﵂ يوم الجمل. وقد مضى إيراد الحادثة والإجابة عن الاستدلال عنها بما يغني عن الإعادة هنا (٢). ٣ - استدلوا بتولية الشفاء بنت عبد الله الحسبة في السوق زمن عمر. وقد مضى إيراد الأثر، والإجابة عنه (٣). ٤ - ما أثر من استشارة عبد الرحمن بن عوف النساء في أمر انتخاب الخليفة والبيعة له بعد وفاة عمر ﵁. يقول شيخ الإسلام: «بقي عبد الرحمن يشاور الناس ثلاثة أيّام، وأخبر أن الناس لا يعدلون بعثمان، وأنه شاور حتى العذارى في خدورهن» (٤). وقال ابن كثير في استشارة عبد الرحمن القوم في تولية عثمان ﵄: «حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في

стр. 525

المكاتب» (١) ولم أقف على سند رواية عبد الرحمن ﵁ لنقدها من حيث الصحة والضعف. وعلى فرض صحته يقال: إن النسوة اللواتي استشارهن سيدنا عبد الرحمن بن عوف ﵁ في أمر انتخاب الخليفة الثالث أدلين برأيهن مع الأمة فيمن يصلح للخلافة، ولم يشاركن مع أهل الاختيار والعقد للإمام في البيعة الخاصة، فلا يلزم من هذا أن تكون المرأة عضو مجلس شورى. جاء عند ابن كثير أن عبد الرحمن بن عوف استشار النساء في خدورهن، والولدان في المكاتب، فهل يعني هذا أن يطالب الصبيان بحقوقهم في عضوية مجلس الشورى؟!. الرأي الثاني: ذهبت لجنة فتوى كبار علماء الأزهر، ومجموعة من المعاصرين إلى حرمة عضوية المرأة في مجلس الشورى (٢). ١ - ٢ - ٣ من القرآن الكريم: واستدلوا بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (٣).

стр. 526

ووجه الدلالة من الآية: أن المرأة لا تكون من أهل الشورى؛ لأن الرجل أكفأ من النساء، فكانت القوامة له؛ فلا تقدم المرأة على الرجال ولا تؤمَّر. وقد يقول قائل: إن الآية متعلقة بالمسؤولية في الأسرة، وليست عامة، فالحجة تبقى قائمة كذلك، فإن كانت المرأة عاجزة عن إدارة أسرة تتكون من مجموعة أفراد لا تعدو أصابع اليدين، فمن باب أولى أن تكون أكثر عجزًا في إدارة شؤون الناس (١). وقد مضى (٢) بيان نقاش أوسع حول هذه الآية فيما مر. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. فالقرآن كلّف المرأة بالبقاء في بيتها، ولا تخرج منه إلا لحاجة، وهي مأمورة بالاحتجاب، وعدم الاختلاط بالرجال، فيجب أن تبتعد عن زحمة الحياة السياسية، وهذه الآيات ليست مقصورة على نساء النبي ﷺ وإلا لكان لسائر المسلمات أن يتبرجن (٣). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٤). يقول ابن عطيّة: «لا تتمنوا ما حدّد الله في تفضيله؛ فإنه تعالى قد جعل لكل أحد مكاسب تختص به، فهي نصيبه، قد جعل الجهاد، والإنفاق، وسعي المعيشة،

стр. 527

وحمل الكلف كالأحكام، والإمارة والحسبة وغير ذلك للرجال، وجعل الحمل ومشقته، وحسن التبعل، وحفظ غيب الزوج، وخدمة البيوت للنساء» (١). ونوقش وجه الاستدلال: بأن سبب نزول الآية ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢)، وسعيد بن منصور في تفسيره (٣)، وأحمد في المسند (٤)، والترمذي في السنن (٥)، والطبري في التفسير (٦)، وأبو يعلي في المسند (٧)، والطبراني في الكبير (٨)، والحاكم في المستدرك (٩) من طرق عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال، ولا نغزو، ولنا نصف الميراث؟ فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾» واللفظ لأحمد. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، إن كان سمع مجاهد من أم سلمة، ووافقه الذهبي. وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن الترمذي (١٠).

стр. 528

ويجاب بما تقدم (١) أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، يؤكد هذا ما ثبت من أقوال المفسرين (٢) من نهي المرأة عن تمني الخلافة، وما دونها من الولايات العامة، فيكون قصد الشارع أعم من خصوص سبب نزول الآية، فيحمل حكم الآية على عمومها، وإن كانت قد نزلت على سبب خاص. ٤ - ٥ من السنة: ٤ - قوله ﷺ : «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (٣). ووجه الدلالة من الحديث الاخبار من النبي ﷺ بعدم الفلاح لقوم يسندون إلى امرأة منهم أمرًا من أمورهم كعضوية مجلس الشورى، والمسلمون مأمورون باكتساب ما يكون سببًا للفلاح، ومنهيّون عن كل عمل يجلب الخسران المبين. وقد سبقت الإشارة إلى أن الحديث معلل عند العلماء القدامى والمعاصرين بالأنوثة، والتي كان لأجلها منعها من تولي الولايات العامة، ومنها النيابة في مجلس الشورى (أهل الحل والعقد) (٤). ٥ - ما أخرجه البخاري في صحيحه (٥) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله».

стр. 529

ووجه الدلالة: أن المرأة ليست أهلًا للولايات العامة، ومنها العضوية في مجلس الشورى؛ لنقص أهلية قوامتها السياسية بأنوثتها؛ فلا يوسّد إليها عضوية مجلس الشورى، مع وجود من هو أكمل منها أهلية سياسية من الرجال الأكفاء (١). ٦ - دليل الواقع الشرعي والتاريخ: قالت لجنة كبار علماء فتوى الأزهر: «هذه قصة سقيفة بني ساعدة (٢) في اختيار الخليفة الأول بعد الرسول ﷺ ، قد بلغ فيها الخلاف أشده، ثم استقر الأمر لأبي بكر، وبويع بعد ذلك البيعة العامة في المسجد، ولم تشترك امرأة مع الرجال في مداولة الرأي في السقيفة، ولم تدع لذلك، كما أنها لم تدع، ولم تشترك في تلك البيعة العامة» (٣). وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما حضرته الوفاة (٤) عهد إلى ستة من خيار الصحابة بينهم ابنه عبد الله أن يختاروا من بينهم خليفة على أن يكون بينهم ابنه عبد الله برأيه فقط، ولا يختار خليفة، ولم يتخذ عمر من النساء أحدًا، رغم وجود جمهور عظيم من فضليات النساء وعالمات الأمة. ٧ - دليل الإجماع: قالت لجنة فتوى كبار علماء الأزهر: «الولاية العامة ومن أهمها مهمة عضو البرلمان، وهي ولاية سن القوانين والهيمنة على تنفيذها، فقد قصرتها الشريعة

стр. 530

الإسلامية على الرجال إذا ما توافرت فيهم شروط معينة. وقد جرى التطبيق العملي على هذا من فجر الإسلام إلى الآن؛ فإنه لم يثبت أن شيئًا من هذه الولايات قد أسند إلى المرأة لا مستقلة ولا مع غيرها من الرجال، وقد كان في نساء الصدر الأول مثقفات فضليات، وفيهن من تفضل كثيرًا من الرجال كأمهات المؤمنين. ومع أن الدواعي الاشتراك النساء مع الرجال في الشؤون العامة كانت متوافرة، لم تطلب المرأة أن تشترك في شيء من تلك الولايات، ولم يطلب منها الاشتراك، ولو كان لذلك مسوّغ من كتاب أو سنة لما أهملت مراعاته من جانب الرجال والنساء باطراد» (١). ٨ - دليل القياس: تقول لجنة فتوى كبار علماء الأزهر: «إذا حكمنا القياس وهو إلحاق النظير بالنظير لاشتراكهما في علة الحكم، لكان الأوجب هو حرمان المرأة من الولاية والوظائف العامة؛ لأن كثيرًا من الأحكام في الشريعة الإسلامية تميز بين الرجل والمرأة، وعلتها هي ضعف الأنوثة؛ لأن مهمة الأمومة حضانة النشأ وتربيته، وهذه قد جعلتها ذات تأثير خاص بدواعي العاطفة، وهي مع ذلك تعرض لها عوارض طبيعية، تتكرر عليها في الأشهر والأعوام من شأنها أن تضعف قوقا المعنوية، وتوهن عزيمتها في تكوين الرأي والتمسك به والقدرة على الكفاح، لذلك جعلت القوامة على النساء للرجال، وجعل حق الطلاق للرجل دونها، ومنعتها الشريعة من السفر من غير محرم أو زوج أو رفقة مأمونة ولو كان سفرها لأداء
следующие страницы →