← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ووجه الدلالة من الآية: أن المرأة لا تكون من أهل الشورى؛ لأن الرجل أكفأ من النساء، فكانت القوامة له؛ فلا تقدم المرأة على الرجال ولا تؤمَّر. وقد يقول قائل: إن الآية متعلقة بالمسؤولية في الأسرة، وليست عامة، فالحجة تبقى قائمة كذلك، فإن كانت المرأة عاجزة عن إدارة أسرة تتكون من مجموعة أفراد لا تعدو أصابع اليدين، فمن باب أولى أن تكون أكثر عجزًا في إدارة شؤون الناس (١). وقد مضى (٢) بيان نقاش أوسع حول هذه الآية فيما مر. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. فالقرآن كلّف المرأة بالبقاء في بيتها، ولا تخرج منه إلا لحاجة، وهي مأمورة بالاحتجاب، وعدم الاختلاط بالرجال، فيجب أن تبتعد عن زحمة الحياة السياسية، وهذه الآيات ليست مقصورة على نساء النبي ﷺ وإلا لكان لسائر المسلمات أن يتبرجن (٣). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٤). يقول ابن عطيّة: «لا تتمنوا ما حدّد الله في تفضيله؛ فإنه تعالى قد جعل لكل أحد مكاسب تختص به، فهي نصيبه، قد جعل الجهاد، والإنفاق، وسعي المعيشة،

стр. 527

وحمل الكلف كالأحكام، والإمارة والحسبة وغير ذلك للرجال، وجعل الحمل ومشقته، وحسن التبعل، وحفظ غيب الزوج، وخدمة البيوت للنساء» (١). ونوقش وجه الاستدلال: بأن سبب نزول الآية ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢)، وسعيد بن منصور في تفسيره (٣)، وأحمد في المسند (٤)، والترمذي في السنن (٥)، والطبري في التفسير (٦)، وأبو يعلي في المسند (٧)، والطبراني في الكبير (٨)، والحاكم في المستدرك (٩) من طرق عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال، ولا نغزو، ولنا نصف الميراث؟ فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾» واللفظ لأحمد. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، إن كان سمع مجاهد من أم سلمة، ووافقه الذهبي. وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن الترمذي (١٠).

стр. 528

ويجاب بما تقدم (١) أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، يؤكد هذا ما ثبت من أقوال المفسرين (٢) من نهي المرأة عن تمني الخلافة، وما دونها من الولايات العامة، فيكون قصد الشارع أعم من خصوص سبب نزول الآية، فيحمل حكم الآية على عمومها، وإن كانت قد نزلت على سبب خاص. ٤ - ٥ من السنة: ٤ - قوله ﷺ : «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (٣). ووجه الدلالة من الحديث الاخبار من النبي ﷺ بعدم الفلاح لقوم يسندون إلى امرأة منهم أمرًا من أمورهم كعضوية مجلس الشورى، والمسلمون مأمورون باكتساب ما يكون سببًا للفلاح، ومنهيّون عن كل عمل يجلب الخسران المبين. وقد سبقت الإشارة إلى أن الحديث معلل عند العلماء القدامى والمعاصرين بالأنوثة، والتي كان لأجلها منعها من تولي الولايات العامة، ومنها النيابة في مجلس الشورى (أهل الحل والعقد) (٤). ٥ - ما أخرجه البخاري في صحيحه (٥) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله».

стр. 529

ووجه الدلالة: أن المرأة ليست أهلًا للولايات العامة، ومنها العضوية في مجلس الشورى؛ لنقص أهلية قوامتها السياسية بأنوثتها؛ فلا يوسّد إليها عضوية مجلس الشورى، مع وجود من هو أكمل منها أهلية سياسية من الرجال الأكفاء (١). ٦ - دليل الواقع الشرعي والتاريخ: قالت لجنة كبار علماء فتوى الأزهر: «هذه قصة سقيفة بني ساعدة (٢) في اختيار الخليفة الأول بعد الرسول ﷺ ، قد بلغ فيها الخلاف أشده، ثم استقر الأمر لأبي بكر، وبويع بعد ذلك البيعة العامة في المسجد، ولم تشترك امرأة مع الرجال في مداولة الرأي في السقيفة، ولم تدع لذلك، كما أنها لم تدع، ولم تشترك في تلك البيعة العامة» (٣). وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما حضرته الوفاة (٤) عهد إلى ستة من خيار الصحابة بينهم ابنه عبد الله أن يختاروا من بينهم خليفة على أن يكون بينهم ابنه عبد الله برأيه فقط، ولا يختار خليفة، ولم يتخذ عمر من النساء أحدًا، رغم وجود جمهور عظيم من فضليات النساء وعالمات الأمة. ٧ - دليل الإجماع: قالت لجنة فتوى كبار علماء الأزهر: «الولاية العامة ومن أهمها مهمة عضو البرلمان، وهي ولاية سن القوانين والهيمنة على تنفيذها، فقد قصرتها الشريعة

стр. 530

الإسلامية على الرجال إذا ما توافرت فيهم شروط معينة. وقد جرى التطبيق العملي على هذا من فجر الإسلام إلى الآن؛ فإنه لم يثبت أن شيئًا من هذه الولايات قد أسند إلى المرأة لا مستقلة ولا مع غيرها من الرجال، وقد كان في نساء الصدر الأول مثقفات فضليات، وفيهن من تفضل كثيرًا من الرجال كأمهات المؤمنين. ومع أن الدواعي الاشتراك النساء مع الرجال في الشؤون العامة كانت متوافرة، لم تطلب المرأة أن تشترك في شيء من تلك الولايات، ولم يطلب منها الاشتراك، ولو كان لذلك مسوّغ من كتاب أو سنة لما أهملت مراعاته من جانب الرجال والنساء باطراد» (١). ٨ - دليل القياس: تقول لجنة فتوى كبار علماء الأزهر: «إذا حكمنا القياس وهو إلحاق النظير بالنظير لاشتراكهما في علة الحكم، لكان الأوجب هو حرمان المرأة من الولاية والوظائف العامة؛ لأن كثيرًا من الأحكام في الشريعة الإسلامية تميز بين الرجل والمرأة، وعلتها هي ضعف الأنوثة؛ لأن مهمة الأمومة حضانة النشأ وتربيته، وهذه قد جعلتها ذات تأثير خاص بدواعي العاطفة، وهي مع ذلك تعرض لها عوارض طبيعية، تتكرر عليها في الأشهر والأعوام من شأنها أن تضعف قوقا المعنوية، وتوهن عزيمتها في تكوين الرأي والتمسك به والقدرة على الكفاح، لذلك جعلت القوامة على النساء للرجال، وجعل حق الطلاق للرجل دونها، ومنعتها الشريعة من السفر من غير محرم أو زوج أو رفقة مأمونة ولو كان سفرها لأداء

стр. 531

فريضة الحج. فإذا كان الفارق الطبيعي بينهما قد أدى في نظر الإسلام إلى التفرقة بينهما في هذه الأحكام التي لا تتعلق بالشؤون العامة للأمة، فإن التفرقة بمقتضاه في الولايات العامة تكون من باب أولى أحق وأوجب؛ لأن كثيرًا من الأحكام تعفي المرأة من معالجة ما هو دون السياسة والحكم من أمور وواجبات خارج البيت» (١). يقول د. مصطفى السباعي: «ثم ماذا نفعل بالأمومة؟ هل نحرم النائبة أن تكون أمًّا؟ وذلك ظلم لفطرتها وغريزتها، وظلم للمجتمع نفسه، أم نسمح لها بذلك على أن تنقطع عن عملها النيابي مدة ثلاثة أشهر كما تفعل المدرسات والموظفات؟ وهل نسمح لها أن تقطع أيام الوحم، وقد تمتد شهرين فأكثر، وطبيعة المرأة في تلك الأيام غير هادئة ولا هانئة، بل تكون عصبية المزاج، تكره كل شيء؟ فماذا بقي لها بعد ذلك من أيام العمل الخالصة، وقد تكون الدورة البرلمانية خلال هذه الأشهر التي تنقطع فيها عن العمل الخارجي … ويقول: أنا لا أفهم ما هي الفائدة التي تحنيها الأمة من نجاح بضعة مرشحات في النيابة: أيفعلن ما لا يستطيع الرجال أن يفعلوه؟ أيحللن من المشاكل ما يعجز الرجال عن حلها؟ أم لأجل أن يطالبن بحقوقهن؟ إن كانت حقوقًا كفلها الإسلام فكل رجل مطالب بالدفاع عنها، وإن كانت حقوقًا لا يقرها الإسلام فلن تستجيب الأمة لهن، وهي تحترم دينها وعقائدها. يقولون: إن الفائدة من ذلك إثبات كرامة المرأة، وشعور المرأة بإنسانيتها! ونحن نسأل: هل إذا منعن من ذلك كان دليلًا على ألا كرامة لهن ولا إنسانية؟

стр. 532

أليست قوانيننا تمنع الموظف من الاشتغال بالتجارة؟ فهل يعني ذلك أنه فاقد الأهلية أو ناقصها؟! إن مصلحة الأمة قد تقتضي تخصيص فئات منها بعمل لا تزاول غيره، وليس في ذلك غض من كرامتها، أو انتقاص من حقوقها، فلماذا لا يكون عدم السماح للمرأة بالاشتغال بالسياسة هو من قبيل المصالح التي تقتضيها س عادة الأمة، كما تقتضي تفرغ الجندي لحراسة الوطن دون اشتغاله بالسياسية!! وهل تفرغ الأم لواجب الأمومة أقل خطرًا في المجتمع من تفرغ الجندي للحراسة، وتفرغ الموظف للإدارة دون التجارة» (١). الترجيح: والذي يترجح بعد عرض الآراء والأدلة ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني المانع للمرأة من المشاركة في عضوية مجلس الشورى، وذلك لقوة أدلتهم الشرعية الصريحة بالمنع. ومن هذا المنطلق يخرج العوام من الرجال، وجملة النساء والصبيان عن عضوية أهل الحل والعقد، لتبقى الشورى خالصة للخاصة من أفذاذ الرجال، ممن يستطيع أن يقف للحق في وجه الباطل، وينافح عن الأمة، ويتحمل واجب المطالبة السياسية بالالتزام الشرعي، وتنفيذ القرارات الحكيمة؛ إذ ليست المسألة مجرد صوت يدلى به، أو رأي يقوله دون مسؤولية يتحملها، وعبء ينوء به فإن الغُنْم بالغرم، وعلى هذا جرى عمل الأمة منذ فجر التاريخ الإسلامي يقصرون الشورى في الخلَّص من الرجال.

стр. 533

وقد اقترح الشيخ عبد المجيد الزنداني في كتابه «المرأة وحقوقها السياسية في الإسلام» (١) إنشاء مجلس شورى نسائي ١٠٠% يمثل بنات جنسها؛ إذ من الظلم أن عضويتها في مجالس البرلمان مخيبة لآمال المرأة، ولا تعبر عن حجمها السكاني، فتمثيلها في هذه المجالس لا يزيد على ١٥% في معظم بلدان العالم. ويقترح الشيخ تشكيل مجلس شورى نسائي يكون من صلاحياته اتخاذ القرار فيما يتعلق بشؤون المرأة والأولاد، والدفاع عن حقوق المرأة المهضومة، والتصدي لكل دعوات الإفساد للدين والأخلاق والأسرة والمجتمع، ومن ثم ترفع توصياته لمجلس الشورى. وأعتقد أن على مجلس الشورى قبل إصدار تشريعاته إجراء دراسة كاملة لما يُطْرح، يقوم بها أهل الخبرة والاختصاص، فإذا كان الأمر متعلقًا بالمرأة فإن الدارسة لها لا شك أنها ستكون امرأة لها خبرها واطلاعها بأمور النساء. وإذا تقرر حصر قضية أهل الشورى في صفوة رجال الأمة فإن لهؤلاء، وللإمام ونوابه من المسؤولين الحق في مشاورة عاقلات النساء وفضلياتهن -فرادى وجماعات- فيما تحتاجه الأمة -خاصًا بالنساء - مما لا يطلع عليه الرجال، ولا يمكن لهم أن يعرفوه إلا من جهتهن؛ فقد أمر الله تعالى بمشاورتهن في مسألة الرضاعة والفطام؛ لكونهما ألصق بمهام النساء، ويكون ذلك بقدر الحاجة التي يفتقر إليها صواب صنع القرار السياسي الخاص بمن، ويحقق المصلحة الشرعية والاجتماعية العامة، وليس لمجرد المشاركة السياسية، بشرط أن يكون كل ذلك في غير تبرج أو

стр. 534

اختلاط، أو بروز سياسي عام (١). كما تستطيع المرأة أن تُسْهم في أعمال مجلس الشورى، وإن لم تكن عضوًا فيه، كأن تشير على المسؤول بما تراه صوابًا، أو تذكره بما هو مطلوب منه، أو تلفت نظره إلى أمور تقع في المجتمع، وتحب إزالتها أو منع وقوعها مستقبلًا، أو تقوم بنشر ما تعتقد صلاحه للمرأة في وسائل النشر إن كانت أهلًا له، مذيلة ما تنشره بتوصيات تسهم في نهضة الأمة ولا تصادم نصوصها الشرعية. كما تستطيع أن تستنبط الأحكام الاجتهادية المتعلقة بشؤون الدولة إذا كانت أهلًا للاجتهاد، وتقوم بنشرها بين الناس، وتعرضها على ولاة الأمور. وهذه الأمور هي في الحقيقة من أعمال مجلس الشورى، ولكن تستطيع المرأة أن تشارك فيها وهي في بيتها (٢). فالحمد لله الذي رفع عنّا معاشر النساء عبء المسؤوليات السياسية، وجعلنا مُرَبِّيات الساسة، ومخرِّجات الأمراء، والعلماء وأهل الحل والعقد.

стр. 535

الباب الثالث حقوق المرأة المالية وتتناول الفصول المتعلقة بالحقوق المالية للمرأة في الإسلام الآتي: الفصل الأول: حق المرأة في الصداق. الفصل الثاني: حق المرأة في النفقة. الفصل الثالث: حق المرأة في الإرث. الفصل الرابع: حق المرأة في التعاقدات المالية. الفصل الخامس: المرأة والغنيمة. الفصل السادس: المرأة والدية.

стр. 536

توطئة: الاستقراء الدقيق للنصوص الشرعية، التي جاءت بخصوص مباشرة التصرفات المالية، يوقف على حقيقة مفادها أنه لا يوجد فرق بين الرجل والمرأة في الأهلية المالية، وما يتبعها من تصرفات، ذلك أن الإسلام أباح لها كل ما أباح للرجل سواء بسواء، وجعل لها كالرجل حق مباشرة العقود المالية بكافة ألوانها، وجعلها صاحبة الحق المطلق على ملكها، ولم يجعل للرجل أيًّا كانت صفته أو قرابته منها أي سلطان عليها، فلها أن تتملك الأرض، والمباني، وكافة الممتلكات، والأموال، ولها أن تمارس التجارة من بيع، أو شراء، أو مساقاة، أو مزارعة، أو شركة، أو مضاربة، وسائر تصرفات الكسب الحلال، ولها توكيل غيرها فيما لا تريد مباشرته بنفسها، ولها أن تضمن غيرها، وأن يضمنها غيرها، ولها أن توصي لمن تشاء ممن هو أهل للوصية، ويصح أن تكون وصيًّا، لا فرق في ذلك بينها وبين الرجل. وستأتي الأدلة تباعًا تؤكد أن المرأة تملك مالها ويحق لها التصرف فيه كالرجل، سواء أكانت متزوجة أم لم تكن؛ لأن الزوج ليست له ولاية على أموالها، ولأن الأنوثة بحد ذاتها لم تكن سببًا في الحجر عليها. وستجد لسانك أثناء القراءة في ثنايا الفصول يلهج بالحمد والثناء للرب جل وعلا على أحكامة العادلة، إذ إن البشر لما حكموا ظلموا، فقد تحملت المرأة في الغرب الأغلال باعتبارها مخلوقًا ناقص الأهلية، وهذا الأمر بقي شائعًا في أوروبا وملحقاتها حتى فترة قريبة، إذ قضت دساتيرهم بأنه لا يجوز للمرأة أن تتصرف بمالها وما تملك -إذا كانت متزوجة- إلا بإذن زوجها وموافقته، ومن أخطر الوسائل

стр. 537

الظالمة لحقوق النساء -خاصة- ما هو شائع الآن في المجتمع الغربي من جواز الوصية بالتركة لأي كان، وحرمان الورثة -أو بعضهم- من ذلك، حتى جوّزوا الوصية لكلب أو قط؟! (١).

стр. 538

الفصل الأول حق المرأة في الصداق وسيتناول هذا الفصل سبعة مباحث: المبحث الأول: أمر بالله تعالى بإعطاء النساء صداقهن. المبحث الثاني: أدلة مشروعية الصداق. المبحث الثالث: مقدار الصداق. المبحث الرابع: استحقاق الزوجة كامل الصداق. المبحث الخامس: استحقاق الزوجة نصف الصداق. المبحث السادس: متعة المطلقات. المبحث السابع: حكم تحديد ولي الأمر للصداق، وإلزام الناس به.

стр. 539

المبحث الأول: أَمْر بالله تعالى بإعطاء النساء صداقهن الصداق من أبرز الحقوق المالية للمرأة، فرضه الله تعالى في النكاح على الزوج، تكريمًا لها، وإظهارًا لصدق رغبة الزوج فيها، وحتى تبرز المرأة مطلوبة من قبل الرجل لا طالبة له، ولا يخفى ما في ذلك من صون لكرامتها، ورفع لشأنها، ولم يفرض المهر بدلًا للبضع كالثمن في البيع، أو أجرة له، وإنما جعله الله بمثابة العطية والهدية التي يقدمها الزوج لزوجته حين العقد عليها، يدل على ذلك قول الحق ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (١). قال القرطبي في تفسيره (٢): «أمرهم الله تعالى بأن يتبرعوا بإعطاء المهور نحلة منهم لأزواجهم … قوله تعالى (نحلة) النحلة -بكسر النون، وضمها لغتان- وأصلها من العطاء، نحلت فلانًا شيئًا أعطيته، فالصداق عطية م ن الله تعالى للمرأة، وقيل: نحلة، أي: عن طيب نفس من الأزواج من غير تنازع. وقال قتادة: معنى (نحلة) فريضة واجبة … وقال الزجاج: نحلة تدينا، والنحلة: الديانة، والمال. يقال: هذا نِحْلَتُهُ أي دينه، وهذا يحسن مع كون الخطاب للأولياء الذين كانوا يأخذونه في الجاهلية … ». وهو حق مالي خالص للمرأة، وتأمل قول الرب جل وعلا: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ

стр. 540

صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (١). • ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ﴾ إمّا خطاب لأولياء النساء؛ لأن العرب في الجاهلية لا تعطي النساء من مهورهن شيئًا، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئًا لك النافجة: مال يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته، فنهى الله تعالى ع ن ذلك، وأمر بدفع الحق إلى أهله. والقول الثاني: إن الخطاب للأزواج، أمروا بإيتاء النساء مهورهن؛ لأنه لا ذكر للأولياء ههنا، وما قبل هذا خطاب للناكحين وهم الأزواج. ولا مانع من حمل الآية على المعنيين، فخاطب الله كلا من الأزواج والأولياء بإيتاء النساء صدقاتهن (٢). • ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾ أضاف الرب جل وعلا الصداق للنساء؛ وفيه دليل على تملك المرأة المهر بالعقد (٣). • ثم عقب الرب جل ذكره الأمر بقوله: ﴿نِحْلَةً﴾ أي عطية من الله للنساء حيث أوجب المهور لهن، وحرم على الأولياء الأخذ منها إلا بطيب نفس من المرأة، وقيل في معنى نحلة: ديانة وشريعة، وقيل: طيبة بإعطائكم لهن نفوسكم (٤). • وقوله ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ يقول الرازي: «معنى الآية: فإن وهبن لكم شيئًا من الصداق عن طيبة النفس، من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن، أو سوء معاشرتكم معهن، فكلوه، وأنفقوه، وفي الآية

стр. 541

دليل على ضيق المسلك في هذا الباب، ووجوب الاحتياط حيث بني الشرط على طيب النفس. فقال: فإن طبن، ولم يقل: فإن وهبن، أو سمحن، إعلامًا بأن المراعي هو تحافي نفسها عن الموهوب طيبة» (١). • ثم أباح الله -بعد أن ضَيّقَ مسلك الأخذ، وقَنّن شروطه- الأكل وأكده بقوله: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ وهو مبالغة في الإباحة، وإزالة التبعة. • وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٢). • وقد ذكر الرب في كتابه أن الرجل إن أراد تزوج امرأة بدل أخرى، وقد أعطى التي تحت يديه (قنطارًا) أي: مالًا كثيرًا، فلا يحل له أن يأخذ من القنطار شيئًا، وشيئًا نكرة تدل على العموم حتى لو كان يسيرًا فضلًا عن الكثير، فإذا نهى باذل القنطار عن الأخذ ما ظنك بما دونه (٣). • ثم قال: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ وهذا استئناف مسوق لتقرير النهي، والتنفير من المنهي عنه، والاستفهام للإنكار والتوبيخ، أي: أتأخذونه باهتين وآثمين، والبهت الكذب، والله تعالى فرض للمرأة المهر، فمن استرده كأنه يقول ليس ذلك بفرض فيكون بهتانًا، ويأثم على ما فعله إنما قد أبان الله أمر أخذه، بأنه

стр. 542

بأخذه بات لمن أخذه ظالم (١). • ثم استفهم استفهامًا إنكاريًّا فقال: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ إنكار لأخذه إثر إنكار، وتنفير منه غِبَّ تنفير، وقد بولغ فيه حيث وجه الإنكار إلى كيفية الأخذ إيذانًا بأنه مما لا سبيل له إلى التحقق والوقوع أصلًا؛ ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ حال من فاعل ﴿تَأْخُذُونَهُ﴾ تأخذونه مفيدة تأكيد النكير، وتقرير الاستبعاد أي على أي حال تأخذونه وقد جرى بينكم وبينهن أحوال منافية له من الحلوة والجماع، فيكون المساق في معرض التعجب فقال: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ فلأي وجه، ولأي معنى تفعلون هذا؟ فإنها بذلت نفسها لك، وجعلت ذاقا لذاتك، وحصلت الألفة التامة والمودة الكاملة بينكما، فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئًا بذله لها بطيبة نفسه إن هذا لا يليق البتة. من له طبع سليم، وذوق رفيع (٢). فتبين بهذا كله أن المهر حق خالص للمرأة لا يجوز أن يأخذ أحد منه شيئًا حتى تعطيه شيئًا منه طيبة به نفسها، وإلا أثم الآخذ إثمًا بينا. ألا فليتق الله ولاة أمور النساء وأزواجهن من أكل أموالهن، فقد حرّج رسول الله ﷺ في حق الضعيفين: المرأة واليتيم (٣)، فهل يطيب أن تأكل ما حرّم الله وحرّجه رسوله ﷺ ؟!.

стр. 543

تعريف الصداق: الصداق لغة: مهر المرأة (١) وفيه لغات: صداق -بفتح الصاد وكسرها- وصدقة -بفتح الصاد، وضم الدال- وصدقة -بسكون الدال فيهما، مع ضم الصاد وفتحها- وله أسماء: الصداق، والصدقة - والمهر، والنحلة، والفريضة، والأجر، والعلائق، والعقر، والحباء، وقد نُظِمت في بيت: صداق ومهر نحلة وفريضة … حباء وأجر ثم عقر علائق (٢) واصطلاحًا هو: المال الذي يجب في عقد النكاح على الزوج لزوجته إمّا بالتسمية أو بالعقد (٣).

стр. 544

المبحث الثاني: أدلة مشروعية الصداق الصداق ثابت للمرأة بالكتاب والسنة، والإجماع. فمن الكتاب: ١ - قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. قال القرطبي: هذه الآية تدل على وجوب الصداق للمرأة، وهو مجمع عليه ولا خلاف فيه (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (٢). يقول الشنقيطي: «ثم بيّن أن من نكحتم منهن، واستمتعتم بما يلزمكم أن تعطوها مهرها» (٣). ٣ - قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤).

стр. 545

يقول ابن كثير: «وادفعوا مهورهن بالمعروف أي عن طيب نفس منكم» (١). ومِن السنة: ١ - ما أخرجه مسلم (٢) في صحيحه من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة زوج النبي ﷺ كم كان صداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقِيّة، ونَشّا. قالت: أتدري ما النش؟ قال: لا. قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم، فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه. قال النووي: «واستدل أصحابنا هذا الحديث على أنه يستحب كوْن الصداق خمسمائة درهم، والمراد في حق من يحتمل ذلك. فإن قيل: فصداق أم حبيبة زوج النبي ﷺ كان أربعة آلاف درهم، وأربعمائة دينار (٣)؟ فالجواب أن هذا القدر تبرع به النجاشي من ماله إكرامًا» (٤). ٢ - أخرج البخاري (٥)، ومسلم (٦) من حديث أنس أن رسول الله ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها.

стр. 546

٣ - أخرج البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث أنس قال: سأل النبي ﷺ عبد الرحمن بن عوف، وتزوج امرأة من الأنصار: «كم أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب. واللفظ للبخاري. ٤ - أخرج مسلم (٣) في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال له النبي ﷺ : «هل نظرت إليها؛ فإن في عيون الأنصار شيئًا؟» قال: قد نظرت إليها. قال: «على كم تزوجتها؟» قال: على أربع أواق. فقال النبي ﷺ : «على أربع أواق؟» كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه» قال: فبعث بعثًا إلى بني عبس، بعث ذلك الرجل فيهم. وما سيأتي من الأدلة بعد هذا المبحث دليل على مشروعية الصداق. وأمّا الإجماع: فقد نقل الإجماع على وجوب المهر في النكاح القرطبي في تفسيره (٤)، وابن قدامة في المغني (٥).

стр. 547

المبحث الثالث: مقدار الصداق المهر إمّا أن يكون متفقًا عليه بين الطرفين، ومذكورًا في العقد فيسمى عند الفقهاء (المهر المسمى)، أو غير متفق عليه فيجب فيه ما يسمى بمهر المثل، وسأذكر بعون الله كلا النوعين فيما يأتي: ١ - المهر المسمى: الأصل في مقدار المهر المسمى أن يكون حسبما اتفق عليه طرفا عقد النكاح، فلم تحدد الشريعة مقدارًا معينًا من المهر، بل «كل ما كان مالًا جاز أن يكون صداقًا» كما قال ذلك ابن قدامة (١) ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (٢). ويطلق المال عند الجمهور على النقد، والعين، والمنفعة (٣). والعلماء يستحبون تسميته؛ اقتداء برسول الله ﷺ ، ودفعًا للخصومة، يقول أبو بكر بن محمد الحسيني: «والمستحب ألا يعقد عقد النكاح إلا بصداق؛ اقتداء برسول الله ﷺ ، فإنه لم يعقد إلا بمسمى: ولأنه أدفع للخصومة» (٤). وإذا كان الأصل في المهر أن يكون مسمى، فهل هناك حد لأكثره وأقله؟

стр. 548

اتفق العلماء على أنه لا حد لأكثره، بل قال ابن عبد البر في التمهيد (١): «وأجمع العلماء على أنه لا تحديد في أكثر الصداق لقول الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (٢). وقال القرطبي في تفسير الآية: «الآية دليل على جواز المغالاة في المهور؛ لأن الله تعالى لا يمثل إلا بمباح» (٣). والقنطار المال الكثير (٤)، قال الراغب: «والقناطير جمع القنطرة، والقنطرة من المال ما فيه عبور الحياة تشبيهًا بالقنطرة، وذلك غير محدود القدر في نفسه، وإنما هو بحسب الإضافة كالغي، فرب إنسان يستغني بالقليل، وآخر لا يستغني بالكثير، ولما قلنا اختلفوا في حده فقيل: أربعون أوقية، وقال الحسن: ألف ومائتا دينار، وقيل: ملء مسك ثور ذهبا إلى غير ذلك، وذلك كاختلافهم في حد الغنى» (٥). وأما قليله فالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء: إسحاق، وأبو ثور، وفقهاء المدينة من التابعين (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، والظاهرية (٩) من أنه لا حد لأقله.

стр. 549

واستدل الجمهور بعموم الأدلة من الكتاب والسنة الواردة في ذكر الصداق. حيث لم يحدد مقداره. واستدلوا أيضًا بما يأتي: ١ - ما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله جئت أهب لك نفسي. قال: فنظر إليها رسول الله ﷺ ، فصعد النظر فيها وصوبه، ثم طأطأ رسول الله ﷺ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا جلست فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها. فقال: «وهل عندك من شيء؟ قال: لا والله يا رسول الله. فقال: «اذهب إلى أهلك، فانظر هل تجد شيئًا» فذهب، ثم رجع. فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتمًا من حديد، ولكن هذا إزاري -قال سهل: ما له رداء- فلها نصفه. فقال رسول الله ﷺ : «ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك شيء» فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام، فرآه رسول الله ﷺ موليًّا، فأمر به فدعي فلما جاء قال: «ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا عددها. فقال: «ملكتكها بما معك من القرآن». وبوّب عليه البخاري في كتاب النكاح، باب: «التزويج على القرآن بغير

стр. 550

صداق» (١) قال الحافظ: «أي على تعليم القرآن وبغير صداق عيني مالي» (٢). وقال أيضا: «واستدل به على جواز المنفعة صداقًا ولو كان تعليم القرآن. قال المازري (٣): هذا ينبني على أن الباء للتعويض، كقولك: بعتك ثوبي بدينار، وهذا هو الظاهر، وإلا لو كانت بمعنى اللام على معنى تكريمه لكونه حاملًا للقرآن لصارت المرأة معن الموهوبة، والموهوبة خاصة بالنبي ﷺ (٤) ويدل على هذا أيضًا ما تقدم من زواج أم سليم بأبي طلحة، وكان مهرها إسلامه، وبوّب عليه النسائي باب التزويج على الإسلام (٥). ٢ - أخرج مسلم (٦) من حديث جابر بن عبد الله قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر، والدقيق الأيام على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر حتى في عنه عمر (٧) في شأن عمرو بن حريث. والشاهد من الحديث: «نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق» وكان ما يقدمونه من الطعام مهرًا للمرأة.

стр. 551

• ولا شك أن الأفضل عدم الإجحاف بالمرأة في مهرها، وعدم المغالاة فيه؛ لأن من بركة المرأة يُسْرَ مهرها، أخرج الإمام أحمد في المسند (١)، والبزار في المسند (٢)، والطبراني في الأوسط (٣)، وفي الصغير (٤)، وابن حبان في الصحيح (٥) والحاكم في المستدرك (٦)، والبيهقي في الكبرى (٧) من طرق عن أسامة بن زيد، عن صفوان بن سليم، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «إن من يُمْن المرأة تيسير خِطْبتها، وتيسير صداقها، وتيسير رحمها» واللفظ لأحمد. قال الطبراني في الصغير: لم يرو هذا الحديث عن صفوان بن سليم إلا أسامة بن زيد، تفرد به ابن المبارك وعبد الله بن وهب. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقد أخرج مسلم لأسامة بن زيد في المتابعات، ولم يحتج به. وقال الهيثمي: «رواه أحمد، وفيه أسامة بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف، وقد وثق، وبقية رجاله ثقات» (٨). وقد أخطأ الهيثمي في تعيين أسامة بن زيد، فقال: ابن أسلم، والصواب أنه الليثي. وإسناد الحديث حسن، فيه أسامة بن زيد الليثي، قال الحافظ عنه: «صدوق

стр. 552

يهم» (١) وحسنه الألباني في الإرواء (٢). • أخرج الدارمي في السنن (٣)، وأبو داود في السنن (٤)، والترمذي في السنن (٥)، والنسائي في المجتبى (٦)، وابن حبان في صحيحه (٧)، والحاكم في المستدرك (٨)، والبيهقي في الكبرى (٩)، والضياء في المختارة (١٠) من طرق عن محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء السلمي قال: سمعت عمر بن الخطاب يخطب فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإما لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله كان أولاكم بها رسول الله ﷺ ، ما أصدق امرأة من نسائه، ولا أُصْدِقت امرأة من بناته فوق ثنتي عشرة أوقية ألا وإن أحدكم ليغالي بصداق امرأته حتى يبقى لها في نفسه عداوة، حتى يقول كلفت لك علق القربة» (١١) واللفظ للدارمي. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

стр. 553

قال الحاكم: «صحيح الإسناد، وأبو العجفاء السلمي، اسمه هرم بن حيان، وهو من الثقات، ووافقه الذهبي، ولكن تعقبه في اسم أبي العجفاء فقال: «قلت: بل هرم بن نسيب» وقيل في اسمه غير ذلك. وصححه الألباني في الإرواء (١). وهو كما قال. • وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (٢)، والنسائي (٣) في المجتبى من طريق داود بن قيس، عن موسى بن يسار، عن أبي هريرة قال: كان الصداق إذ كان فينا رسول الله ﷺ عشرة أواق. وإسناده صحيح، وبوّب عليه النسائي «باب القسط في الأصدقة». ولتعلم النساء أن الخير كل الخير في اقتفاء السلف الصالح؛ فإن تيسير المهور مكرمة، ويمن كما ورد في الأثر، فلتجعل ناصيتها على الرجل مباركة، ولا يعتقدن أن السنة في خاتم الحديد، أو عود الأراك، بل خير الأمور أوسطها؛ فلا غلو ولا مجافاة، وقد كان مهر رسول الله ﷺ لزوجاته، ومهور بناته سطة: ثنتي عشرة أوقية. قال ابن قدامة: «فلا يستحب الزيادة على هذا -أي خمسمائة درهم- وهو المقدار الذي ورد في مهور أزواج النبي ﷺ » (٤). ٢ - مهر المثل: هو المهر الذي يساوي مهر نظيرات المرأة المقصودة بالنكاح، أو المنكوحة من قريباتها، أو غيرهن من النساء اللاتي يماثلها في الصفات المعتبرة في النكاح (٥).

стр. 554

وقد سنه الشرع تحاشيًّا لوقوع الخلاف والنزاع بين أطراف العقد بسبب الصداق، في بعض الأحوال منها: ١ - إذا لم يحدد المهر في العقد أو سكت عنه. ٢ - إذا اتفق أطراف العقد على أن لا مهر ها (١). ٣ - إذا حدد في العقد مهر لا يصلح أن يكون مهرًا شرعًا، كما لو جعل المهر خمرًا أو خنزيرًا. ٤ - إذا دخل الرجل بالمرأة في نكاح فاسد. فإذا كان الحال كذلك وجب للمرأة مهر المثل، قال ابن عابدين: «ثم اعلم أن اعتبار مهر المثل المذكور حكم كل نكاح صحيح لا تسمية فيه أصلًا … وحكم كل نكاح فاسد بعد الوطء سمي فيه مهرًا أو لا» (٢). ودليل مهر المثل أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف» (٣)، وأحمد في المسند (٤)، وأبو داود في السنن (٥)، وابن ماجه في السنن (٦)، والترمذي في السنن (٧)، والنسائي في

стр. 555

المجتبى (١)، وابن حبان في صحيحه (٢)، والطبراني في الكبير (٣)، والحاكم في المستدرك (٤)، والبيهقي في الكبرى (٥) من طرق عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها الصداق؟ فقال: لها الصداق كاملًا، وعليها العدة، ولها الميراث. فقال معقل بن سنان: سمعت رسول الله ﷺ قضى في بَروع بنت وَاشِق بمثل ذلك. واللفظ لأبي داود. قال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح. وصححه الألباني في الإرواء (٦). قال ابن قدامة: وجملته أن النكاح يصح من غير تسمية صداق في قول عامة أهل العلم، وقد دل على هذا قول الله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٧) ثم استدل بحديث ابن مسعود (٨).

стр. 556

المبحث الرابع: استحقاق الزوجة كامل الصداق تستحق الزوجة كامل المهر في حالتين: الأولى: إذا طلقها زوجها بعد دخوله بها: فإذا دخل الرجل بزوجته ووطنها فلا خلاف بين أهل العلم (١) في استحقاقها جميع المهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٢) وذهب ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وغير واحد (٣) إلى أن معنى الإفضاء الجماع. وبما أخرجه البخاري، ومسلم من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال للمتلاعنين: «حسابكما على الله، أحد كما كاذب، لا سبيل لك عليها». قال: يا رسول

стр. 557

الله مالي!، قال: «لا مال لك؛ إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك» واللفظ للبخاري. مسألة: مهر من خلا بها زوجها، ولم يدخل بها بعد: اختلف أهل العلم في الخلوة التي يقع فيها الوطء، وعلى هذه المسألة بوّب البخاري في صحيحه: «باب المهر للمدخول عليها، وكيف الدخول» (١). يقول الحافظ: «(باب المهر للمدخول عليها) أي: وجوبه واستحقاقه، وقوله (وكيف الدخول) يشير إلى الخلاف فيه» (٢). وللعلماء في المسألة أقوال أشهرها: القول الأول: ثبوت كامل المهر بالخلوة: ذهب الحنفية (٣)، والحنابلة) (٤)، وهو قديم قول الشافعي) (٥) إلى ثبوت كامل المهر بالخلوة، واشترط الأحناف أن تكون الحلوة حقيقية أو صحيحة «والخلوة الصحيحة هي التي لا يمنع فيها مانع من الوطء طبعًا أو شرعًا، فالمرض المانع من الوطء من جهته أو جهتها مانع طبعًا، وكذلك القرن، والرتق، والحيض، والإحرام، وصوم رمضان، وصلاة الفرض» (٦).

стр. 558

ولا يصح كلام الأحناف إذا وجد شخص ثالث، أو كانا في مكان لا يصلح للخلوة. أما إذا كان أحدهما مريضًا أو صائمًا صوم فرض أو حاجًا، فالخلوة صحيحة، ويتحقق بها الدخول، وهذا مذهب الحنابلة؛ لأن المريض قد لا يمنعه المرض من المعاشرة، والمحرم أو الصائم قد يرتكب المحظور (١). واستدلوا بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (٢) قال الجصاص في أحكامه (٣): «وقد أخبر أن الإفضاء اسم للخلوة، فمنع الله تعالى أن يأخذ منه شيئا بعد الخلوة، وقد دل على أن المراد هو الخلوة الصحيحة التي لا يكون ممنوعا فيها من الاستمتاع؛ لأن الإفضاء مأخوذ من الفضاء من الأرض، وهو الموضع الذي لا بناء فيه، ولا حاجر يمنع من إدراك ما فيه، فأفاد بذلك استحقاق المهر بالخلوة على وصف، وهي التي لا حائل بينها، ولا مانع من التسليم والاستمتاع إذ كان لفظ الإفضاء يقتضيه» ونوزع الاستدلال بحمل معنى الإفضاء على الجماع كما فسره غير واحد، وقد تقدم. ٢ - ما أخرجه البخاري (٤) من حديث ابن عمر في قصة المتلاعنين وفيه: قول رسول الله ﷺ : «الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ فأبيا، ففرق بينهما. قال الرجل: مالي! قال: «لا مال لك، إن كنت صادقًا فقد دخلت بها، وإن كنت

стр. 559

كاذبًا فهو أبعد منك». قال الحافظ: «والجواب عن حديث الباب أنه ثبت في الرواية الأخرى في حديث الباب: «فهو بما استحللت من فرجها» فلم يكن في قوله «دخلت عليها» حجة لمن قال مجرد الدخول يكفي» (١). ٣ - أخرج الدارقطني في سننه (٢)، والبيهقي في الكبرى (٣) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «من كشف خمار امرأة، ونظر إليها، وجب الصداق دخل بها، أو لم يدخل بها» واللفظ للدارقطني قال البيهقي: «وهذا منقطع، وبعض رواته غير محتج به». ويشير البيهقي إلى ابن لهيعة إلا أنه لم يتفرد به (٤). لكن للحديث علة أخرى وهي الإرسال، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان تابعي. وضعف الحديث الألباني في الإرواء (٥). وأجيب عن الحديث أنه لم يثبت. ٤ - ما أخرجه الدارقطني في سننه (٦)، ومن طريقه البيهقي (٧) من طريق

стр. 560

عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: «إذا أجيف الباب، وأرخيت الستور، فقد وجب المهر». وإسناده صحيح. ٥ - ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٢) والبيهقي في الكبرى (٣) من طرق عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس أن عمر وعليًّا قالا: «إذا أرخيت الستور، وغلقت الأبواب فقد وجب الصداق» قال الحسن: «ولها المهر، وعليها العدة» واللفظ لعبد الرزاق، ورجاله ثقات. فهذا حكم من عمر وعلي ﵄ بثبوت المهر بالدخول؛ ولعمر سنة متبعة، وكذا عليٌّ ﵁؛ لكونه أحد الخلفاء الراشدين الذين أُمرنا باتّباع سنّتهم. قال ابن قدامة: «ولنا إجماع الصحابة ﵁، روى الإمام أحمد والأثرم بإسنادهما عن زرارة بن أوفي قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق بابًا، أو أرخى سترًا فقد وجب المهر، ووجبت العدة. ورواه أيضًا عن الأحنف عن عمر وعليّ، وعن سعيد بن المسيب، وعن زيد بن ثابت عليها العدة، ولها الصداق كاملًا. وهذه قضايا تشتهر ولم يخالفهم أحد في عصرهم فكان إجماًعا، وما رووه عن ابن عباس لا يصح» (٤).

стр. 561

قلت: أثر زرارة بن أوفي، أخرجه البيهقي (١) وقال: «هذا مرسل، زرارة لم يدركهم» لكنه صح عن عمر وعليّ ﵄ كما تقدم. ٦ - واحتجوا أيضًا بأن الغالب عند إغلاق الباب وإرخاء الستر على المرأة وقوع الجماع، فأقيمت المظنة مقام المنة؛ لما جبلت عليه النفوس في تلك الحالة من عدم الصبر عن الوقاع غالبا لغلبة الشهوة، وتوافر الدواعي لوقوع الجماع؛ ولأن الخلوة هي التي يمكن للقاضي التحقق منها، أما ما وراء ذلك فيصعب التحقق منه عند النزاع (٢)؛ ولأنه استحل منها ما لا يحل لغيره من خلوة أو المس أو تقبيل أو نظر لما لا ينبغي إلا للزوج (٣). القول الثاني: لا يستقر المهر بالخلوة فقط: ذهب مالك (٤)، والشافعي في الجديد (٥)، وداود (٦) بأن المهر لا يستقر بالخلوة فحسب، بل لا بد من الوطء. واستدلوا بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ والإفضاء هنا الجماع، وهذا ما رجحه ابن جرير الطبري ونقله عن غير واحد من السلف كما تقدم (٧).

стр. 562

٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، والمطلقة التي خلا بها من غير وطء مطلقة قبل المسيس. ٣ - حديث الملاعنة وفيه «لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها». ٤ - إن تأكد المهر يتوقف على استيفاء المستحق بالعقد وهو منافع البضع، واستيفاء منافعه يكون بالوطء -أي الدخول- ولا يحصل هذا الاستيفاء بمجرد الخلوة الصحيحة بين الزوجين بلا دخول، فلا يتأكد المهر بها. الراجح: والراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من ثبوت المهر بالخلوة؛ لقوة أدلته، وحجته، يقول ابن قدامة: «وإذا خلا بها بعد العقد فقال: لم أطأها وصدقته، لم يلتفت إلى قولهما، وكان حكمهما حكم الدخول في جميع أمورها إلا في الرجوع إلى زوج طلقها ثلاثًا، أو في الزيت فإنما يجلدان ولا يرجمان» (١). ومن هنا لتعلم أخي المرأة أن لها المهر كاملًا إن خلا ما بعد العقد، فلو أراد أن يطلقها؛ فإما تطالب بما ترجح سابقًا مستدلة بأدلة أصحابه، لا سيما في وقت كثر فيه الطلاق بعد العقد بعد خلوة صحيحة، والناظر في حال أهل زماننا يجد أن المرأة بعد عقدها يكثر الرجل التردد عليها، ويخرجان ويدخلان سويا، بل قد يتجاوز هذا كله في سفرها معه، فأحببت التنبيه على هذا، لتعلم المرأة أن الشرع كفل لها كامل الحق، وأوفر الحظ.

стр. 563

مسألة: إذا توفي أحد الزوجين قبل الدخول: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين بعد اتفاقهم على ثبوت الإرث لها: القول الأول: أن الزوجة تستحق المهر كاملًا إذا كان المهر قد سمي، ولها مهر مثلها إن لم يكن قد سمي، وهذا مذهب الحنفية (١)، وصحيح مذهب الحنابلة (٢)، ومروي عن الشافعي قال الترمذي: « … وروي عن الشافعي أنه رجع بمصر بعدُ عن هذا القول، وقال بحديث بروع بنت واشق» (٣) وحكاها ابن عبد البر عن الشافعي في رواية البويطي عنه (٤). واستدلوا بما تقدمه (٥) من حديث ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها الصداق. فقال: «لها الصداق كاملًا وعليها العدة، ولها الميراث» فقال معقل بن سنان: سمعت رسول الله ﷺ قضى في بروع بنت وَاشِق بمثل ذلك. قال الشوكاني في نيل الأوطار (٦): «والحديث فيه دليل على أن المرأة تستحق بموت زوجها بعد العقد قبل فرض الصداق جميع المهر، وإن لم يقع منه دخول ولا خلوة».

стр. 564

القول الثاني: ذهب مالك (١)، والشافعي (٢) إلى أنه لا مهر لها، لأنها فرقة وردت عن تفويض صحيح قبل فرض ومسيس؛ فلم يجب لها مهر كفرقة الطلاق. ونوزعوا في هذا الاستدلال، قال ابن قدامة بعد إيراده حديث بروع بنت واشق: «وهو نص في محل النزاع؛ ولأن الموت معني يكمل به المسمى فكمل به مهر المثل للمفوضة كالدخول، وقياس الموت على الطلاق غير صحيح؛ فإن الموت يتم به النكاح، فيكمل به الصداق، والطلاق يقطعه ويزيله قبل إتمامه، ولذلك وجبت العدة بالموت قبل الدخول، ولم تحب بالطلاق، وكمل المسمى بالموت، ولم يكمل بالطلاق» (٣). وضعفوا حديث ابن مسعود المتقدم، وقد تبين صحته. الراجح: والراجح القول الأول؛ لأن كل قياس مقابل النص فاسد، ورحم الله أبا عبد الله الشافعي حين قال بعد إيراده حديث بروع بنت واشق: «فإن كان ثبت عن النبي ﷺ فهو أولى الأمور بنا، ولا حجة في قول أحد دون النبي ﷺ وإن كثروا، ولا في قياس، فلا شيء في قوله إلا طاعة الله بالتسليم». وانظر -رحمك الله- إلى إنصاف الشرع للمرأة فقد فرض لها المهر زيادة على الإرث مقابل العدة. فلله الحمد على نعمة العظيمة.

стр. 565

المبحث الخامس: استحقاق الزوجة نصف الصداق إذا وقع الطلاق قبل الوطء والخلوة الصحيحة لزم نصف المهر المسمى، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم (١)، وفي ذلك يقول الرب جل وعلا: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٢). يقول الشيخ السعدي في تفسيره (٣): «أي: إذا طلقتم النساء قبل المسيس وبعد فرض المهر، فللمطلقات من المهر المفروض نصفه، ولكم نصفه. هذا هو الواجب ما لم يدخله عفو ومسامحة بأن تعفو عن نصفها لزوجها إذا كان يصح عفوها (أو يعفو الذي بيده عقد النكاح) وهو الزوج على الصحيح؛ لأنه الذي بيده حل عقدته، ولأن الولي لا يصح أن يعفو عن ما وجب للمرأة لكونه غير مالك ولا وكيل، ثم رغب في العفو، وأنّ من عفا كان أقرب لتقواه، لكونه إحسانًا موجبًا لشرح الصدر، ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف، وينسي الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة؛ لأن معاملة الناس فيما بينهم على
следующие страницы →