← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قلت: أثر زرارة بن أوفي، أخرجه البيهقي (١) وقال: «هذا مرسل، زرارة لم يدركهم» لكنه صح عن عمر وعليّ ﵄ كما تقدم. ٦ - واحتجوا أيضًا بأن الغالب عند إغلاق الباب وإرخاء الستر على المرأة وقوع الجماع، فأقيمت المظنة مقام المنة؛ لما جبلت عليه النفوس في تلك الحالة من عدم الصبر عن الوقاع غالبا لغلبة الشهوة، وتوافر الدواعي لوقوع الجماع؛ ولأن الخلوة هي التي يمكن للقاضي التحقق منها، أما ما وراء ذلك فيصعب التحقق منه عند النزاع (٢)؛ ولأنه استحل منها ما لا يحل لغيره من خلوة أو المس أو تقبيل أو نظر لما لا ينبغي إلا للزوج (٣). القول الثاني: لا يستقر المهر بالخلوة فقط: ذهب مالك (٤)، والشافعي في الجديد (٥)، وداود (٦) بأن المهر لا يستقر بالخلوة فحسب، بل لا بد من الوطء. واستدلوا بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ والإفضاء هنا الجماع، وهذا ما رجحه ابن جرير الطبري ونقله عن غير واحد من السلف كما تقدم (٧).

стр. 562

٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، والمطلقة التي خلا بها من غير وطء مطلقة قبل المسيس. ٣ - حديث الملاعنة وفيه «لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها». ٤ - إن تأكد المهر يتوقف على استيفاء المستحق بالعقد وهو منافع البضع، واستيفاء منافعه يكون بالوطء -أي الدخول- ولا يحصل هذا الاستيفاء بمجرد الخلوة الصحيحة بين الزوجين بلا دخول، فلا يتأكد المهر بها. الراجح: والراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من ثبوت المهر بالخلوة؛ لقوة أدلته، وحجته، يقول ابن قدامة: «وإذا خلا بها بعد العقد فقال: لم أطأها وصدقته، لم يلتفت إلى قولهما، وكان حكمهما حكم الدخول في جميع أمورها إلا في الرجوع إلى زوج طلقها ثلاثًا، أو في الزيت فإنما يجلدان ولا يرجمان» (١). ومن هنا لتعلم أخي المرأة أن لها المهر كاملًا إن خلا ما بعد العقد، فلو أراد أن يطلقها؛ فإما تطالب بما ترجح سابقًا مستدلة بأدلة أصحابه، لا سيما في وقت كثر فيه الطلاق بعد العقد بعد خلوة صحيحة، والناظر في حال أهل زماننا يجد أن المرأة بعد عقدها يكثر الرجل التردد عليها، ويخرجان ويدخلان سويا، بل قد يتجاوز هذا كله في سفرها معه، فأحببت التنبيه على هذا، لتعلم المرأة أن الشرع كفل لها كامل الحق، وأوفر الحظ.

стр. 563

مسألة: إذا توفي أحد الزوجين قبل الدخول: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين بعد اتفاقهم على ثبوت الإرث لها: القول الأول: أن الزوجة تستحق المهر كاملًا إذا كان المهر قد سمي، ولها مهر مثلها إن لم يكن قد سمي، وهذا مذهب الحنفية (١)، وصحيح مذهب الحنابلة (٢)، ومروي عن الشافعي قال الترمذي: « … وروي عن الشافعي أنه رجع بمصر بعدُ عن هذا القول، وقال بحديث بروع بنت واشق» (٣) وحكاها ابن عبد البر عن الشافعي في رواية البويطي عنه (٤). واستدلوا بما تقدمه (٥) من حديث ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها الصداق. فقال: «لها الصداق كاملًا وعليها العدة، ولها الميراث» فقال معقل بن سنان: سمعت رسول الله ﷺ قضى في بروع بنت وَاشِق بمثل ذلك. قال الشوكاني في نيل الأوطار (٦): «والحديث فيه دليل على أن المرأة تستحق بموت زوجها بعد العقد قبل فرض الصداق جميع المهر، وإن لم يقع منه دخول ولا خلوة».

стр. 564

القول الثاني: ذهب مالك (١)، والشافعي (٢) إلى أنه لا مهر لها، لأنها فرقة وردت عن تفويض صحيح قبل فرض ومسيس؛ فلم يجب لها مهر كفرقة الطلاق. ونوزعوا في هذا الاستدلال، قال ابن قدامة بعد إيراده حديث بروع بنت واشق: «وهو نص في محل النزاع؛ ولأن الموت معني يكمل به المسمى فكمل به مهر المثل للمفوضة كالدخول، وقياس الموت على الطلاق غير صحيح؛ فإن الموت يتم به النكاح، فيكمل به الصداق، والطلاق يقطعه ويزيله قبل إتمامه، ولذلك وجبت العدة بالموت قبل الدخول، ولم تحب بالطلاق، وكمل المسمى بالموت، ولم يكمل بالطلاق» (٣). وضعفوا حديث ابن مسعود المتقدم، وقد تبين صحته. الراجح: والراجح القول الأول؛ لأن كل قياس مقابل النص فاسد، ورحم الله أبا عبد الله الشافعي حين قال بعد إيراده حديث بروع بنت واشق: «فإن كان ثبت عن النبي ﷺ فهو أولى الأمور بنا، ولا حجة في قول أحد دون النبي ﷺ وإن كثروا، ولا في قياس، فلا شيء في قوله إلا طاعة الله بالتسليم». وانظر -رحمك الله- إلى إنصاف الشرع للمرأة فقد فرض لها المهر زيادة على الإرث مقابل العدة. فلله الحمد على نعمة العظيمة.

стр. 565

المبحث الخامس: استحقاق الزوجة نصف الصداق إذا وقع الطلاق قبل الوطء والخلوة الصحيحة لزم نصف المهر المسمى، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم (١)، وفي ذلك يقول الرب جل وعلا: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٢). يقول الشيخ السعدي في تفسيره (٣): «أي: إذا طلقتم النساء قبل المسيس وبعد فرض المهر، فللمطلقات من المهر المفروض نصفه، ولكم نصفه. هذا هو الواجب ما لم يدخله عفو ومسامحة بأن تعفو عن نصفها لزوجها إذا كان يصح عفوها (أو يعفو الذي بيده عقد النكاح) وهو الزوج على الصحيح؛ لأنه الذي بيده حل عقدته، ولأن الولي لا يصح أن يعفو عن ما وجب للمرأة لكونه غير مالك ولا وكيل، ثم رغب في العفو، وأنّ من عفا كان أقرب لتقواه، لكونه إحسانًا موجبًا لشرح الصدر، ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف، وينسي الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة؛ لأن معاملة الناس فيما بينهم على

стр. 566

درجتين إما عدل وإنصاف واجب، وهو أخذ الواجب وإعطاء الواجب. وإمّا فضل وإحسان وهو إعطاء ما ليس بواجب، والتسامح في الحقوق، والغض مما في النفس، فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة ولو في بعض الأوقات خصوصًا لمن بينك وبينه معاملة أو مخالطة». فإن طلق الرجل المرأة قبل الدخول عليها أو الخلوة بها، وبعد العقد المسمى فيه المهر وجب لها النصف إلا أن تعفو المرأة عن حقها فيسقط عن الرجل الواجب، أو يعفو هو عن حقه فيكون المهر كاملًا للمرأة، وأوضح الرب جلا وعلا أن العفو أقرب للتقوى، فأقربهما للتقوى من عفا.

стр. 567

المبحث السادس: متعة المطلقات ومن حقوق المرأة المطلقة حق المتعة. والمتعة: مبلغ من المال يختلف باختلاف حال الزوج يسرًا وعسرًا، يدفعه الزوج لمطلقته (١). وفي هذا المبحث مطلبان: المطلب الأول: مقدار المتعة. المطلب الثاني: مذاهب العلماء في حكمها. المطلب الأول: مقدار المتعة يقول ابن عبد البر: «لم يختلف العلماء أن المتعة التي ذكرها الله في كتابه بقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (٣) أنها غير مقدرة ولا محددة، ولا معلوم مبلغها، ولا معروف قدرها معرفة وجوب لا يتجاوزه، بل هي على الموْسِع بقدره، وعلى المُقْتِر

стр. 568

أيضًا بقدره، متاعًا بالمعروف كما قال الله لا يختلف العلماء في ذلك» (١). ومتّع رسول الله ﷺ بثوبين رازقييّن، أخرج البخاري في صحيحه (٢) من طريق عباس بن سهل، عن أبيه وأبي أسيد قالا: تزوج النبي ﷺ أميمة بنت شَراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين (٣). قال ابن التين: «متعها بذلك إما وجوبًا وإما استحبابًا» (٤). وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف (٥)، وابن جرير في التفسير (٦) عن سفيان، عن إسماعيل بن علية، عن ابن عباس قال: «أرفع المتعة الخادم، ثم دون ذلك الكسوة، ثم دون ذلك النفقة». وإسناده صحيح على شرط البخاري. وصححه الألباني (٧). وأخرج ابن أبي شيبة (٨) في المصنف أن عبد الرحمن بن عوف متع امرأته، التي

стр. 569

طلق، جارية سوداء. وأخرج -أيضًا-: أن أنس بن مالك متع امرأته بثلاث مئة. وأخرج أن الحسن بن علي متع امرأته بعشرة آلاف. وأورد آثارًا أُخَرَ عن السلف الصالح يمكن مراجعتها إن رمت الزيادة. المطلب الثاني: مذاهب العلماء في حكم المتعة اختلف العلماء في حكم المتعة على أقوال: القول الأول: وجوب المتعة لكلِّ مطلقةٍ: وجوب المتعة لكل مطلقة، وبهذا قال علي بن أبي طالب، والحسن، وسعيد بن جبير، وأبو قلابة، والزهري، وقتادة، والضحاك، وأبو ثور (١). وأحمد بن حنبل في رواية حنبل عنه (٢). واستدلوا بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٣). وقد دل قوله (حقًا) على الوجوب، وقوله (على المتقين) تأكيد للإيجاب (٤)، وابتدأها بقوله (وللمطلقات) وظاهرها يدل على أن المتعة حق لكل مطلقة على مطلقها المتقي سواء أطلقت قبل الدخول أم لا، فرض لها صداق أم لا، ويدل لهذا العموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا

стр. 570

وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (١) مع قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ وقد تقرر في الأصول أن الخطاب الخاص به ﷺ يعم حكمه جميع الأمة إلا أن يقوم دليل على الخصوصية (٢). ٢ - قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). دل قوله تعالى (ومتعوهن) على الوجوب؛ لأنه أمر، والأمر يدل على الوجوب حتى يقوم الدليل على الندب، ولا دليل هنا على الندب؛ وقوله (حقًا على المحسنين) تأكيد لإيجابه؛ إذ جعلها من شرط الإحسان، وعلى كل أحد أن يكون محسنًا (٤)، ثم تأمل (حقًا) (وعلى) فإن الحقية تقتضي الثبوت، و (على) كلمة إلزام وإثبات، والجمع بينهما يقتضي التأكيد (٥). ٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٦) وظاهر عموم الآية يشمل المفروض لها

стр. 571

الصداق وغيره إن طلق قبل المسيس (١). ٤ - ما تقدم (٢) أن رسول الله ﷺ تزوج أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها، ويكسوها ثوبين رازقيين. قال ابن التين: متعها بذلك إما وجوبًا وإما استحبابًا. وأجيب عن هذا الاستدلال باحتمال أن يكون ﷺ لم يسم لها صداقًا فمتعها، ويحتمل أنه كان سمي لها فمتعها إحسانًا منه وتفضلًا (٣). القول الثاني: المتعة مستحبة لكل مطلقة، لا واجبة: أن المتعة مستحبة لكل مطلقة، وليست بواجبة، لا فرق بين المطلقة قبل الدخول أو بعده، والمفروض لها وغير المفروض لها، ذهب إلى هذا شريح، والليث بن سعد، وابن أبي ليلى») (٤)، ومالك (٥). واستدلوا بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ و ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قالوا: فلو كانت واجبة لكانت حقًا على كل أحد، ولم تقصر على المحسنين والمتقين. وأجيب بأنه إنما ذكر المتقين، والمحسنين تأكيدًا لوجوبها، وليس تخصصيهم بالذكر نفيًّا عن غيرهم كما قال تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهو هدى للناس كافة

стр. 572

وليس لأحد أن يقول: لست متقيًّا، لوجوب التقوى على جميع الناس (١). ٢ - لو كانت المتعة واجبة لَعَيَّن القدر الواجب فيها، ولكانت مقدرة معلومة كسائر الفرائض في الأموال، فلما لم تكن كذلك خرجت من حد الفروض إلى حد الندب والإرشاد والاختيار وصارت كالصلة والهدية (٢). وأجاب الشنقيطي عن هذا الدليل، فقال بعد أن ذكره: «ظاهر السقوط، فنفقة الأزواج والأقارب واجبة، ولم يعين فيها القدر اللازم» (٣). وليس في ترك تحديد الرب جل وعلا لها ما يسقط وجوبها كنفقات البنين والزوجات، قال الله : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤) ولم يحدد شيئًا مقدرًا فيما أوجب من ذلك، بل قال : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٥) كما قال في المتعة: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾. القول الثالث: وجوب المتعة للمفوِّضة: وجوب المتعة للمفوِّضة، وهي المطلقة قبل الدخول التي لم يفرض لها مهر دون غيرها من المطلقات وقال به ابن عمر، وابن عباس، والحسن، وعطاء وجابر

стр. 573

بن زيد، والشعبي، والزهري، والنخعي (١)، وهو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤) في رواية الجماعة عنه. واستدلوا بما يأتي: بقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥) ثم قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٦). «فخص الأولى بالمتعة، والثانية بنصف المفروض مع تقسيمه النساء قسمين، وإثباته لكل قسم حكمًا، فيدل ذلك على اختصاص كل قسم بحكمه، وهذا يخص المتاع لكل مطلقة، ويحتمل ألّا يحمل الأمر بالمتاع في غير المفوضة على الاستحباب؛ لدلالة الآيتين اللتين ذكرناهما على نفي وجوهما؛ جمعًا بين دلالة الآيات والمعن» قاله ابن قدامة (٧). وناقش الطبري هذا الاستدلال في تفسيره (٨) فقال: «فإن قال قائل: فإن الله

стр. 574

-تعالى ذكره- قد خصص المطلقة قبل المسيس إذا كان مفروضًا لها بقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ إذ لم يجعل لها غير نصف الفريضة. قيل: إن الله -تعالى ذكره- إذا دل على وجوب شيء في بعض تنزيله، ففي دلالته على وجوبه في الموضع الذي دل عليه الكفاية عن تكريره حتى يدل على بطول فرضه، وقد دل بقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ على وجوب المتعة لكل مطلقة فلا حاجة بالعباد إلى تكرير ذلك في كل آية وسورة، وليس في دلالته على أن للمطلقة قبل المسيس المفروض لها الصداق نصف ما فرض لها دلالة على بطول المتعة عنه؛ لأنه غير مستحيل في الكلام لو قيل: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم والمتعة؛ فلما لم يكن ذلك محالًا في الكلام، كان معلومًا أن نصف الفريضة إذا وجب لها، لم يكن في وجوبه لها نفي عن حقها من المتعة، ولما لم يكن اجتماعهما للمطلقة محالًا، وكان الله -تعالى ذكره- قد دل على وجوب ذلك لها، وإن كانت الدلالة على وجوب أحدهما في آية غير الآية التي فيها الدلالة على وجوب الأخرى ثبت وصح وجوهما لها، هذا إذا لم يكن على أن للمطلقة المفروض لها الصداق إذا طلقت قبل المسيس دلالة غير قول الله -تعالى ذكره-: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فكيف وفي قول الله تعالى ذكره: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى﴾ الدلالة الواضحة على أن المفروض لها إذا طلقت قبل المسيس لها من المتعة مثل الذي لغير المفروض لها منها، وذلك أن الله تعالى ذكره لما قال: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ علم أن النصف الآخر هو المفروض له، وأنا المطلقة المفروض لها قبل المسيس لأنه قال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا

стр. 575

لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ فأوجب المتعة للصنفين منهن جميعًا: المفروض لهن وغير المفروض لهن، فمن ادعى أن ذلك لأحد الصنفين سئل البرهان عن دعواه من أصل أو نظير، ثم عكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في شيء منه قولًا إلا ألزم في الآخر مثله» وقد نقلت النص بأكمله لنفاسته، فتأمله. الراجح من الأقوال: أن المتعة واجبة لكل مطلقة على حسب يسار الزوج وإعساره، ومرجع التقدير فيها الاجتهاد في ضوء ما تعارف الناس عليه، وهذا مما يختلف باختلاف الأشخاص، والعصور، والبلاد، ورجح هذه الرواية شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، و الشنقيطي (٢)، فهل رأيت دينًا أكرم المرأة كالإسلام، فأوجب على الزوج المتعة في حق كل مطلقة جبرًا لخاطرها، وتطييبًا لنفسها، فصار التمتيع كالمرهم لجرح القلب لكي يتسامح الناس، فيقال: إن فلانًا أعطى فلانة كذا وكذا فهو لم يطلقها إلا لعذر، وهو آسف عليها، معترف بفضلها؛ لا أنه رأى عيبًا فيها أو رابه شيء من أمرها.

стр. 576

المبحث السابع: حكم تحديد ولي الأمر للصداق، وإلزام الناس به وإذا كان الشرع قد رغب في التيسير في المهور ونبذ المغالاة، فهل معن هذا أن لولي الأمر التدخل في تحديد المهر إذا رأى إسراف الناس ومجاوزتهم الحد، وحملهم على أعلى حد للمهر. الذي يترجح أنه ليس لولي الأمر التدخل في تحديد حد أعلى للمهر للأدلة التالية: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (١). واختلف أهل العلم في تأويل (قنطار) فقال بعضهم هو ألف ومائتا أوقية، وقال آخرون: اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار، وقال آخرون: مائة رطل من ذهب، وقال آخرون: ملء مسك ثور ذهبًا، وأرجح ما قيل في ذلك أن القنطار هو المال الكثير (٢). يقول ابن العربي المالكي في تفسير الآية: «فيه جواز كثرة الصداق، وإن كان النبي ﷺ وأصحابه كانوا يقللون فيه» (٣) ويقول القرطبي: «قوله تعالى:

стр. 577

﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ دليل على جواز المغالاة في المهور؛ لأن الله لا يمثل إلا بمباح» (١) ويقول ابن كثير: «في هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل» (٢). ٢ - ما قاله القرطبي ﵀ بأن الله تعالى لا يمثل إلا بمباح. ٣ - لو أن إعطاء القنطار للمرأة مهرًا، أو الالتزام به في الذمة من المحرمات شرعًا، لما في الله تعالى عن استرداد شيء منه بعد إعطائه، أو بعدم الوفاء بإيتائه للمرأة إن كان في الذمة؛ لأن الوفاء بالتزام الحرام لا يجوز؛ ولأن معطي الحرام لا يمنع من استرداده. ٤ - إجماع العلماء (٣) على أنه لا حد لأكثر المهر المسمى. ٥ - قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (٤). دون تقييد كلمة «بأموالكم» بقلة أو كثرة، فيدخل في مفهوم «بأموالكم» المال الكثير، فيجوز جعله مهرًا. يقول القرطبي: «فتعلق الشافعي بعموم قوله تعالى (بأموالكم) في جواز الصداق بقليل وكثير، وهو الصحيح … قال الشافعي: كل ما جاز أن يكون ثمنًا لشيء، أو جاز أن يكون أجرة جاز أن يكون صداقًا، وهذا قول جمهور أهل العلم، وجماعة أهل الحديث من أهل المدينة وغيرها كلهم أجازوا الصداق بقليل المال وكثيره» (٥).

стр. 578

٦ - إن الأصل الأصيل في الشريعة الإسلامية عدم المساس بحرية الإنسان في دار الإسلام ما دامت حريته تحول وتتحرك في حدود المباحات، ولا ضرر فيها على الآخرين؛ لأن ما أباحته الشريعة أوكلته إلى حرية الفرد، إن شاء فعله، وإن شاء تركه، إلا إذا اقتضت المصلحة العامة المؤكدة، أو الضرورة المعتبرة شرعًا لظروف خاصة أمرًا غير ذلك، أما بدون هذا المبرر الشرعي فليس من حق ولي الأمر التدخل في حرية الإنسان في تحريم ما أباحه الله له، أو ما استحبه دون إيجابه. ٧ - إذا حدد ولي الأمر المهر، وألزم الناس به، فسيلجأ الناس إلى اعتماد مهرين: الأول: مهر السر، والثاني: مهر العلانية، وسيكون ذلك سببًا للنزاع والخلاف بين الزوجين ولا سيما عند الفرقة بينهما، وقد يمتد النزاع بين عائلتي الزوجين إذا وقعت الفرقة بسبب وفاة أحدهما، وذلك بأن يتمسك أحد الطرفين مهر العلانية؛ لأنه الأصلح له لكونه هو الأقل عادة، ويمكن إثباته، بينما يتمسك الطرف الآخر بمهر السر؛ لأنه أكثر من مهر العلانية. ٨ - الزواج والمهر من أخص خصوصيات الرجل والمرأة، فلا يجوز التدخل في ذلك مطلقًا ما داما يعقدان عقد النكاح وفق الضوابط الشرعية، وقد اتفقا ورضيا بالمهر الذي سمياه في عقد النكاح تسمية صحيحة. ٩ - تحديد حد أعلى للمهر سيجعل النساء إحدى امرأتين: إمّا أن يكون الحد الأعلى أقل مما تطمح إليه نظرًا لحالتها الاجتماعية، أو مواصفاتها، فتلجأ هي وأولياؤها إلى المطالبة بمهر أكثر من المقرر، وفي حالة الامتناع س ترغب بنفسها عنه. وقد تطمح بعض النسوة إلى الحد الأعلى في المهور مع أنها لا تستحق هذا المهر إمّا لوسطها الاجتماعي أو أي سبب آخر، وهذا يؤدي إلى عزوف الخطاب عنها، وقلة رغبتهم فيها.

стр. 579

١٠ - لم ينقل إلينا أن تحديد المهر جرى في عهد رسول الله ﷺ ولا أحد من خلفائه الراشدين، مع قلة ذات اليد، ولم يطالب الفقهاء بوضع حد له، فدل على أن الله أطلق المهر، فلا مساغ لتحديده (١). • ولعل سائلًا يسأل: وما السبيل إلى اعتدال الناس في المهور؟ فالجواب أن ذلك ممكن تحقيقه عن طريق الآتي: ١ - توعية الناس بالغرض من الزواج، فهو وسيلة لتكثير النسل، وتكوين أسرة مسلمة تعبد الله في أرضه و تقيم شرعه، وإحصان للرجل، وإعفاف للمرأة، وسكن ومودة، فالزواج إذن وسيلة لتحقيق مقاصد شرعية عليا، ولا شك أن التعجيل بإيجاد هذه الوسيلة يعجل في تحقيق هذه المقاصد، ولا ينبغي لعاقل أو عاقلة أن يجعل المهر العالي عائقًا لهذا كله. ٢ - على العلماء وطلبة العلم أن يبينوا للعوام أنَّ مِنْ عضْل ولي الأمر: المغالاة في المهر لا سيما إن وجد للأيم الكفء. ٣ - الزواج معني سامٍ لا بيع وشراء، إنما هو إقامة لسنة من سنن الإسلام، وهدي سيد الأنام ﷺ . ٤ - الاقتداء بالسلف الصالح، وضرب الأمثلة للناس بما كانوا عليه من قلة المهور، وحرصهم على الرجل الكفء المرضي دينًا وخلقًا. ٥ - تدريس الآيات والأحاديث المرغبة في الاعتدال في المهور في مناهج التعليم، ونشرها في وسائل الإعلام، ومدارستها في المساجد.

стр. 580

الفصل الثاني حق المرأة في النفقة يشتمل هذا الفصل على مبحثين: المبحث الأول: تعريف النفقة. المبحث الثاني: أقسام النفقة. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: نفقة القرابة. المطلب الثاني: نفقة الملك. المطلب الثالث: النفقة الزوجية.

стр. 581

المبحث الأول: تعريف النفقة كما كفل الإسلام للمرأة بداية عرسها المهر، فإنه يكفل لها في أثنائه النفقة عليها، وتمتد النفقة من قبل الرجل على مولودته، وابنته، وأمه، ومن قرب منه من الأصول كما سيأتي بيانه. تعريف النفقة: • النفقة في اللغة: مأخوذة من مادة النفوق. تقول: نفق الفرس والدابة أي: مات أو هلك. أو من النَّفاق تقول: نفق البيع نفاقًا إذا راج (١). ويستفاد مما سبق أن النفقة إهلاك المال لمصلحة الآخر، وروجانه في يده. • وفي الشرع: عرّفها الأحناف بقولهم: الإوراد على الشيء. ما به بقاؤه (٢). وعرّفها ابن عرفة المالكي: ما به قوام معتاد حال الآدمي دون سرف (٣). وعرّفها الشافعية بأنها: طعام مقدر لزوجة وخادمها على زوج، ولغيرهما من أصل وفرع ورقيق وحيوان ما يكفيه (٤).

стр. 582

وعرّفها الحنابلة بأنها: كفاية من يمونه خبزًا وأدمًا وكسوة ومسكنًا وتوابعها (١). والناظر فيما سبق يجد أن التعاريف متفقة من حيث المعنى والغرض وإن اختلفت عباراتها في الظاهر بالنسبة للألفاظ. ثم إن هذه التعريفات تجمع الأمور المتفق عليها كالطعام والشراب، واللباس، والسكن، ويظهر بجلاء تام أن تعريف الحنفية، والشافعية، والحنابلة للنفقة أدق وأشمل؛ لتضمنها كل ما ينفقه الإنسان على نفسه وغيره، وتناولها الأقسام النفقة الواجبة، وأنواعها المختلفة وعدم تخصيصها بالنفقة الزوجية فحسب. ولم يفرد الفقهاء فيما وقع نظري عليه تعريفًا خاصًا للنفقة الزوجية اكتفاء تعاريفهم للنفقة تعريفًا عامًا، ولكن يمكن استخلاص تعريف لها من ثنايا السطور، ومن مجموع ما كتبوه على النحو التالي: ما يجب على الزوج شرعًا نحو زوجته من طعام وشراب وملبس ومسكن وفراش وخدمة وما يتبع ذلك حسب العرف في إطار القواعد الشرعية (٢).

стр. 583

المبحث الثاني: أقسام النفقة تنقسم النفقة باعتبار أسبابها إلى ثلاثة أقسام: ١ - نفقة قرابة .... ٢ - نفقة ملك .... نفقة زوجية. وفي الآتي حديثٌ عن هذه الأقسام. المطلب الأول: نفقة القرابة وهي النفقة التي تحب للقريب المعسر على قريبه الموسر بسبب الرحم المحرمية الواصلة بينهما على اختلاف بين الفقهاء في حصتها. واختلف الفقهاء في تحديد القرابة الموجبة للإنفاق: فذهب المالكية (١) والشافعية (٢) إلى أنها قرابة الولادة مطلقًا، وذهب الأحناف (٣) إلى أنها القرابة المحرمة للزواج لا غير، وذهب الحنابلة (٤) إلى أنها القرابة التي يكون فيها القريب وارثًا لقريبه فتجب للأصول على الفروع والعكس، كما تحب بين سائر الأقارب من كانوا وارثين بالفرض أو التعصيب كالإخوة والأعمام وأبنائهم. حكم نفقة القرابة: حكمها الوجوب.

стр. 584

أدلة على وجوها من السنة: والدليل على ذلك: ١ - أخرج ابن ماجه في السنن (١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢) و مشكل الآثار (٣)، والطبراني في الأوسط (٤) عن عيسى بن يونس، ثنا يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر أن رجلًا قال: يا رسول الله إن لي مالًا وولدًا، وإن أبي يريد أن يجتاح مالي. فقال: «أنت ومالك لأبيك» واللفظ لابن ماجه. قال البزار: صحيح. وقال المنذري: إسناده ثقات (٥). وصححه عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الكبرى (٦). وقال البوصيري: إسناد صحيح، رجاله ثقات على شرط البخاري (٧). قلت: وهو كماقال. وصححه الألباني في الإرواء (٨)، وتتبع شواهده. • وله شاهد أخرجه أحمد في المسند (٩)، وأبو داود في السنن (١٠)، وابن ماجه

стр. 585

في السنن (١)، والبيهقي في الكبرى (٢) من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: أتي أعرابي رسول الله ﷺ فقال: إن أبي يريد أن يَجْتَاح مالي؟ قال: «أنت ومالك لوالدك، إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أموال أولادكم من كسبكم، فكلوه هنيئًا». وإسناده حسن؛ لأنه من رواية عمرو بن شعيب وقد تقدم تحقيق القول في روايته (٣). وبوّب على الحديث أبو داود: «باب: في الرجل يأكل من مال ولده» وابن ماجه «باب: ما للرجل من مال ولده». وقال الترمذي بعد أن أخرج حديث عائشة بنحو حديث عبد الله بن عمرو: « … والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، وغيرهم قالوا: إن يد الوالد مبسوطة في مال ولده يأخذ ما شاء، وقال بعضهم: لا يأخذ من ماله إلا عند الحاجة إليه» (٤). وقال الخطابي: «فيه من الفقه أن نفقة الوالدين واجبة على الولد إذا كان واجدًا لها، واختلفوا في صفة من يجب لهم النفقة من الآباء والأمهات. فقال الشافعي: إنما يجب ذلك للأب الفقير الزمن، فإن كان له مال أو كان ص حيح البدن غير زمن فلا نفقة له عليه. وقال سائر الفقهاء: نفقة الوالدين واجبة على الولد، ولا أعلم أن أحدًا منهم

стр. 586

اشترط فيها الزمانة كما اشترط الشافعي» (١). وقال ابن قدامة في المغني (٢): «وللأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء، ويتملكه مع حاجة الابن إلى ما يأخذه، ومع عدمها صغيرًا كان الولد أو كبيرًا بشرطين: أحدهما: ألا يجحف بالابن، ولا يضر به، ولا يأخذ شيئًا تعلقت به حاجته. الثاني: ألّا يأخذ من مال ولده، فيعطيه الآخر، نص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، وذلك لأنه ممنوع من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه؛ فلأن يمنع من تخصيصه. ما أخذ من مال ولده الآخر أولى. ٢ - أخرج مسلم (٣) في صحيحه من حديث جابر قال: أعتق رجل من بني عذرة عبدًا له عن دبر، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: ألك مال غيره؟ فقال: لا. فقال: «من يشتريه مني فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي بثمانمائة درهم» فجاء بها رسول الله ﷺ فدفعها إليه، ثم قال: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا، يقول فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك» قال النووي: «في هذا الحديث فوائد، منها: الابتداء في النفقة بالمذكور على هذا الترتيب، ومنها أن الحقوق والفضائل إذا تزاحمت قُدِّم الأوكد فالأوكد» (٤). ٣ - أخرج البخاري في صحيحه (٥) من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ :

стр. 587

«أفضل الصدقة ما ترك غين، واليد العليا خير من اليد السفلي، وابدأ بمن تعول. تقول المرأة: إما أن تطعمي، وإما أن تطلقني. ويقول العبد: أطعمي واستعملي. ويقول الابن: أطعمني؛ إلى من تدعي؟!. فقالوا: يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة. وبوّب البخاري على هذا الحديث في كتاب النفقات، باب: وجوب النفقة على الأهل والعيال. قال العين في عمدة القارئ (١): «أي هذا في بيان وجوب النفقة على الأهل أراد به الزوجة هنا، وعطف عليه العيال من باب عطف العام على الخاص». ٤ - أخرج مسلم في صحيحه (٢) من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو، وضم أصابعه». قال النووي: «ومن عالهما قام عليهما بالمؤونة والتربية ونحوهما، مأخوذ من العول وهو القرب، ومنه ابدأ بمن تعول» (٣). ٥ - أخرج عبد بن حميد في مسنده) (٤)، وأحمد في المسند (٥)، وابن أبي الدنيا في العيال (٦)، وابن حبان في صحيحه (٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨) من طرق

стр. 588

عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس أو غيره قال: قال رسول الله ﷺ : «من عال ابنتين أو ثلاث بنات، أو أختين أو ثلاث أخوات حتى يينِّ أو يموت عنهن كنت أنا وهو كهاتين» وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى. وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والشك في صحابيه لا يضر، وقد جاء من طريق ثابت وغيره دون شك. وصححه الألباني في الصحيحة (١). • وأخرج الإمام أحمد في المسند (٢)، والطبراني في الكبير (٣) من حديث أم سلمة ﵂ وفيه سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أنفق علي ابنتين، أو أختين، أو ذواتي قرابة، يحتسب النفقة عليهما حتى يغنيهما الله م ن فضله ، أو يكفيهما كانتا له سترًا من النار» واللفظ لأحمد. قال الهيثمي: «رواه أحمد والطبراني، وفيه محمد بن حميد المدني وهو ضعيف» (٤) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٥). وما قبله شاهد له. وفيه دليل صريح على النفقة على الأخوات. ٦ - أخرج النسائي في المجتبى (٦)، والدارقطني في السنن (٧)، وابن حبان في

стр. 589

صحيحه (١)، والحاكم في المستدرك (٢)، والبيهقي في الكبرى (٣)، والمقدسي في المختارة (٤) من طرق عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق المحاربي قال: قدمنا المدينة فإذا رسول الله ﷺ قائم على المنبر يخطب الناس، وهو يقول: «يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك» وهو عند النسائي مختصر. واللفظ له. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال المقدسي: إسناده صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (٥). • الإجماع: قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد، وأجمع كل من نحفظ من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم؛ ولأن ولد الإنسان بعضه، وهو بعض والده فكما يجب عليه أن ينفق على نفسه وأهله كذلك على بعضه وأصله» (٦). • شروط وجوب نفقة القرابة: اشترط أهل العلم لوجوب نفقة الأقارب شروطًا فيما يلي تفصيلها:

стр. 590

أ- ما يشترط لوجوب نفقة الفرع: ١) أن يكون الأصل قادرًا على الإنفاق على الفرع، وقد اتفق الفقهاء بأن نفقة الآباء على أبنائهم لا يشترط لوجوبها يسر الآباء، وإنما الشرط في وجوبها هو القدرة فقط حتى ولو كان الأب معسرًا، ولا يسقط وجوبها عن الأب إلا إذا كان عاجزًا بحيث تكون نفقته على غيره من الأصول أو الفروع، فإنه في هذه الحالة يسقط عنه الوجوب، ويعتبر في حكم المعدوم؛ لأنه لا يسوغ عقلًا أن توجب عليه نفقة غيره، وهو يأخذ نفقته من غيره. ٢) أن يكون الفرع فقيرًا، لأن الأصل أن يتحمل الإنسان نفقه نفسه. ٣) أن يكون الفرع عاجزًا عن التكسب ويتحقق ذلك ما يلي: أ- الصغر. ب. المرض الذي يحول دون العمل والكسب. ج- طلب العلم الذي يشغل صاحبه عن التكسب. د- الأنوثة والمراد بها التي لا تتكسب ما يفي بحاجتها (١). ب- شروط وجوب نفقة الأصول: ١) أن يكون الأصل فقيرًا لا مال له. ٢) أن يكون الفرع موسرًا أو قادرًا على العمل والتكسب. ويلاحظ بالنسبة للنفقة الواجبة للأصول على فروعهم بأن عجز الأصول عن

стр. 591

الكسب ليس مشروطًا فيها، فتجب نفقة الأب على ابنه ما دام محتاجًا حتى ولو كان الأب قادرًا على التكسب، وكذلك الحد وإن علا من جهة الأب أو من جهة الأم؛ لأنه سبحانه في عن إيذاء الآباء، وفي إلزامهم بالعمل مع غناهم إيذاء؛ ولأن الولد كسب أبيه. جـ- ما يشترط لنفقة الحواشي: ١) عجزهم عن التكسب مع فقرهم. ٢) يسار من تحب عليه النفقة؛ لأن النفقة بذل وتحمل، ولن يتحقق ذلك إلا إذا كان الباذل المتحمل موسرًا يسرًا يمكنه من تحمل عبء الإنفاق على غيره. ٣) اتحادهما في الدين. ٤) أن يكون المنفق وارثًا للمنفق عليه بفرض أو تعصيب (١). ومن هنا يتبين أن نفقة المرأة: الأم وإن علت، والبنت وإن نزلت، والأخت، المحتاجات حق على القريب الموسر؛ تطالبه به، وتعطى إياه، منة ورحمة من الله لها. المطلب الثاني: نفقة المِلْك تكلم الفقهاء في هذا النوع على أصناف ثلاثة: الرقيق، والحيوان، والجماد. وسأخص الصنف الأول منها بالذكر؛ لارتباطه بالخدم من جهة انتفاع الإنسان منه بالخدمة؛ ولأن أهل العلم نصوا على وجوب نفقة الخادم؛ ولا يكاد بيت يخلو منهم ولا سيما في بعض البلدان.

стр. 592

حكم نفقة المِلْك: نقل الطحاوي الإجماع على أن الزوج ليس له إخراج خادم المرأة من بيته، فدل على أنه يلزمه نفقة الخادم على حسب الحاجة إليه (١). وقال الشافعي (٢)، والكوفيون (٣): يفرض لها ولخادمها النفقة إذا كانت ممن تخدم. وقال ابن قدامة: «وعلى الزوج نفقة الخادم ومؤونته من الكسوة والنفقة» (٤). الأدلة على ما تقدم: ١ - ما أخرجه البخاري (٥)، ومسلم (٦) من طريق المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر الغفاري ﵁ وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألناه عن ذلك، فقال: إني سابت رجلًا فشكاني إلى النبي ﷺ . فقال لي النبي ﷺ : «أعيرته بأمه؟!» ثم قال: «إن إخوانكم خولكم (٧)، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليُطْعمه مما يأكل، وليُلْبِسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن

стр. 593

كلفتموهم فأعينوهم» واللفظ للبخاري. قال النووي: «(هم إخوانكم) الضمير في «هم إخوانكم» يعود إلى المماليك، والأمر بإطعامهم مما يأكل السيد، وإلباسهم مما يلبس محمول علي الاستحباب، لا على الإيجاب وهذا بإجماع المسلمين، وأما فعل أبي ذر في كسوة غلامه مثل كسوته فعمل بالمستحب، وإنما يجب على السيد نفقة المملوك، وكسوته بالمعروف، بحسب البلدان، والأشخاص، سواء كان من جنس نفقة السيد ولباسه، أو دونه أو فوقه، حتى لو قتر السيد على نفسه تقتيرًا خارجًا عن عادة أمثاله إمّا زهدًا، وإمّا شحًا لا يحل له التقتير على المملوك، وإلزامه موافقته إلا برضاه، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يكلفه من العمل ما لا يطيقه، فإن كان ذلك لزمه إعانته بنفسه أو بغيره» (١). قال الحافظ: «وفي الحديث النهي عن سب الرقيق وتعييرهم ممن ولدهم، والحث على الإحسان إليهم، والرفق بهم، ويلتحق بالرقيق من في معناهم من أجير وغيره» (٢). ٢ - أخرج مسلم (٣) من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «للمملوك طعامه وكِسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق». قال ابن عبد البر في الجمع بين هذا الحديث وما تقدم من حديث أبي ذر: «من جعل قوله «بالمعروف» وهذه زيادة وردت في الموطأ في حديث أبي هريرة»، معارضًا لقوله «أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون» قالوا: المعروف أن العبد لا يساوي سيده في مطعم ولا ملبس، وحسبه أن يكسوه، ويطعمه ما يعرف

стр. 594

لمثله من المطعم والملبس. قالوا: وقوله «أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون» هو أمر معناه الندب والاستحسان، وليس ذلك عليهم بواجب، وعلى هذا مذهب العلماء قديمًا وحديثًا لا أعلم بينهم فيه اختلافًا» (١). قلت: فمردُّ الإنفاق على الخدم العرف، ومن زاد عليه كان متطوعًا. ٣ - أخرج البخاري (٢)، ومسلم (٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه ثم جاء به، وقد ولي حره ودخانه فليقعده معه فليأكل، فإن كان الطعام مشفوهًا (٤) قليلًا، فليضع في يده منه أكلة أو أُكلتين» واللفظ لمسلم. وبوّب عليه البخاري باب: الأكل مع الخادم، قال الحافظ: «أي على قصد التواضع، والخادم يطلق على الذكر، والأنثى، أعم من أن يكون رقيقًا أو حرًا، محله فيما إذا كان السيد رجلًا أن يكون الخادم إذا كان أنثى ملكه أو محرمه أو ما في حكمه وبالعكس» (٥). قال النووي: «وفي هذا الحديث الحث على مكارم الأخلاق، والمواساة في الطعام لا سيما في حق من صنعه أو حمله؛ لأنه ولي حره ودخانه، وتعلقت به نفسه،

стр. 595

وشم رائحته، وهذا كله محمول على الاستحباب» (١). ٤ - ما تقدم (٢) من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : «أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول» تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني. ويقول العبد: أطعمني واستعملني. ويقول الابن: أطعمني، إلى من تدعني؟ قالوا: يا أبا هريرة هذا من رسول الله ﷺ سمعت؟ قال: الا. هذا من كيس أبي هريرة. وبوّب عليه البخاري باب: وجوب النفقة على الأهل والعيّال. ووجه الدلالة: «ويقول العبد: أطعمني واستعلمني» ووقع في رواية الإسماعيلي: «ويقول خادمك أطمعني وإلا فبعني» (٣). فما دام أن الخادم محتبس لخدمة مخدومه، وجب على المخدوم إطعامه وكسوته. ومن مجموع الأحاديث يتبين أن من حقوق المرأة المالية إذا كانت خادمةً: إطعامها وكسوها بالمعروف، حقٌّ على مستخدمها، ما لم يكن بينهما شرط بأن أجرها طعامها وكسوقا وهذا جائز عند الفقهاء (٤)، أو يشترط المخدوم أن على الخادم طعامه وكسوته، بل إن العلماء استحبوا مساواة المخدوم بالخادم في المأكل والملبس كما تقدم، وإجلاس الخادم مع مخدومه للأكل معه، وإن لم يُجْلِسْه ناوله من المطعوم؛ لأن للعين حظًا في المأكول فينبغي صرفها بإطعام صاحبها من ذلك الطعام لتسكن نفسه. فهل رأيت دينًا أولى جميع أفراده هذه العناية كهذا الدين الذي ختم الله به الملل، ورضيه للعباد دينًا؟!.

стр. 596

المطلب الثالث: نفقة الزوجية النفقة الزوجية ما يجب على الزوج شرعًا نحو زوجته من طعام وشراب وملبس وفراش وخدمة، وما يتبع ذلك حسب العرف في إطار القواعد الشرعية (١). وفي هذا المطلب عشر مسائل: المسألة الأولى: حكمها، وأدلة وجوبها. المسألة الثانية: سبب وجوب النفقة الزوجية. المسألة الثالثة: مقدار النفقة الزوجية. المسألة الرابعة: توابع النفقة الزوجية. المسألة الخامسة: امتناع الزوج عن الإنفاق. المسألة السادسة: نفقة زوجة الغائب. المسألة السابعة: نفقة الزوجة المريضة. المسألة الثامنة: نفقة الزوجة الموظفة. المسألة التاسعة: نفقة الناشز. المسألة العاشرة: نفقة المعدات من طلاق. المسألة الأولى: حكمها، وأدلة وجوبها: اتفق الفقهاء (٢) على أن حكم النفقة الزوجية الوجوب بوصفها حكمًا وأثرًا

стр. 597

من آثار عقد الزواج الصحيح، وحقًا من حقوقه الثابتة للزوجة على زوجها بمقتضى عقد النكاح المعتبر شرعًا. ولذلك تحب على الزوج حتى ولو كانت الزوجة غنية، مسلمة كانت أم كتابية؛ لأن سبب وجوبها هو الزواج الصحيح، وهو أمر متحقق في جميع الزوجات. واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة، والإجماع، والمعقول. أدلة الكتاب: ١ - قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (١). يقول القرطبي: «أي لينفق الزوج على زوجته، وعلى ولده الصغير، علي قدر وسعه حتى يوسع عليهما إذا كان موسعًا عليه، ومن كان فقيرًا فعلي قدر ذلك» (٢). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقول ابن كثير: «وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن، من غير إسراف، ولا إقتار بحسب قدرته في يساره، وتوسطه وإقتاره» (٣). وتأمل تصدير الآية بـ (على) التي معناها الإلزام والحتمية، والمولود له هو الأب، فعليه رزق وكسوة الوالدات. ٣ - قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ

стр. 598

لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١). يقول الشيخ السعدي: «تقدم أن الله هي عن إخراج المطلقات من البيوت، وهنا أمر بإسكان، وقدر إسكان بالمعروف، وهو البيت الذي يسكنه مثله ومثلها بحسب وجد الزوج وعسره» (٢). وهذه الآية تدل على أن الزوج المطلق مطالب شرعًا بإسكان زوجته المطلقة ما دامت في العدة، لما تعارف عليه العلماء من كون الأمر يدل على الوجوب، وإذا كان الإسكان واجبًا على الزوج لزوجته المطلقة حال قيام عدتها، فمن باب أولى أن يكون مطالبًا شرعًا بنفقة الزوجة التي لم تطلق. ٤ - قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (٣). يقول القرطبي: «ودلت هذه الآية على تأديب الرجال نساءهم، فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسيء الرجال عشرتها، وقوّام فعال للمبالغة من القيام على الشيء، والاستبداد بالنظر فيه، وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد، وهو أن يقوم بتدبيرها، وتأديبها، وإمساكها في بيتها، ومنعها من البروز، وأن عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية، وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة» (٤). فالله تعالى أثبت قِوَامة الرجل على المرأة، وأناط ذلك بأمرين:

стр. 599

الفضيلة (١)، والنفقة. أدلة السنة: ٥ - ما أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) من حديث عائشة أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». قال النووي: «في هذا الحديث فوائد منها: وجوب نفقة الزوجة. ومنها: وجوب نفقة الأولاد الفقراء الصغار» (٤) وكذا قال الحافظ (٥). وهذا الحديث أصل عظيم في باب النفقات، ورسول الله ﷺ جعل للزوجة الحق في أخذ النفقة من مال الزوج -إذ قصّر في الإنفاق عليها-، قَبِل الزوج أو لم يقبل، علم أو لم يعلم، وحدد ذلك بالمعروف. ٦ - ما أخرجه مسلم (٦) في صحيحه من حديث جابر الطويل في صفة حج رسول الله ﷺ ، وفيه أنه قال في خطبة عرفة: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله (٧)، ولكم عليهن ألّا يوطئن

стр. 600

فرشكم أحًدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف». يقول النووي: «وفيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها وذلك ثابت بالإجماع» (١). وقد أفاد لفظ (هن) أن حق النفقة ثابت بمقتضى الإلزام، وسبحان من أعطى رسوله ﷺ جوامع الكلم، فقرر في كلماتٍ قليلة تحمل قواعد الحقوق والواجبات الزوجية، وذلك بما تَحْمله من معانٍ عظيمة!. ٧ - ما أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢)، وابن ماجه في السنن (٣)، والنسائي في الكبرى (٤)، والطبري في التفسير (٥)، والطبراني في الكبير (٦)، والبيهقي في الكبرى (٧) من طريق حكيم بن معاوية، عن أبيه معاوية بن حيدة عن النبي ﷺ قال: سأله رجل: ما حق المرأة على زوجها؟ قال: «تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبِّح، ولا تجر إلا في البيت» واللفظ لأحمد. وإسناده حسن، فيه حكيم بن معاوية قال الحافظ عنه: «صدوق» (٨).
следующие страницы →