← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

المطلب الثالث: نفقة الزوجية النفقة الزوجية ما يجب على الزوج شرعًا نحو زوجته من طعام وشراب وملبس وفراش وخدمة، وما يتبع ذلك حسب العرف في إطار القواعد الشرعية (١). وفي هذا المطلب عشر مسائل: المسألة الأولى: حكمها، وأدلة وجوبها. المسألة الثانية: سبب وجوب النفقة الزوجية. المسألة الثالثة: مقدار النفقة الزوجية. المسألة الرابعة: توابع النفقة الزوجية. المسألة الخامسة: امتناع الزوج عن الإنفاق. المسألة السادسة: نفقة زوجة الغائب. المسألة السابعة: نفقة الزوجة المريضة. المسألة الثامنة: نفقة الزوجة الموظفة. المسألة التاسعة: نفقة الناشز. المسألة العاشرة: نفقة المعدات من طلاق. المسألة الأولى: حكمها، وأدلة وجوبها: اتفق الفقهاء (٢) على أن حكم النفقة الزوجية الوجوب بوصفها حكمًا وأثرًا

стр. 597

من آثار عقد الزواج الصحيح، وحقًا من حقوقه الثابتة للزوجة على زوجها بمقتضى عقد النكاح المعتبر شرعًا. ولذلك تحب على الزوج حتى ولو كانت الزوجة غنية، مسلمة كانت أم كتابية؛ لأن سبب وجوبها هو الزواج الصحيح، وهو أمر متحقق في جميع الزوجات. واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة، والإجماع، والمعقول. أدلة الكتاب: ١ - قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (١). يقول القرطبي: «أي لينفق الزوج على زوجته، وعلى ولده الصغير، علي قدر وسعه حتى يوسع عليهما إذا كان موسعًا عليه، ومن كان فقيرًا فعلي قدر ذلك» (٢). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقول ابن كثير: «وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن، من غير إسراف، ولا إقتار بحسب قدرته في يساره، وتوسطه وإقتاره» (٣). وتأمل تصدير الآية بـ (على) التي معناها الإلزام والحتمية، والمولود له هو الأب، فعليه رزق وكسوة الوالدات. ٣ - قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ

стр. 598

لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١). يقول الشيخ السعدي: «تقدم أن الله هي عن إخراج المطلقات من البيوت، وهنا أمر بإسكان، وقدر إسكان بالمعروف، وهو البيت الذي يسكنه مثله ومثلها بحسب وجد الزوج وعسره» (٢). وهذه الآية تدل على أن الزوج المطلق مطالب شرعًا بإسكان زوجته المطلقة ما دامت في العدة، لما تعارف عليه العلماء من كون الأمر يدل على الوجوب، وإذا كان الإسكان واجبًا على الزوج لزوجته المطلقة حال قيام عدتها، فمن باب أولى أن يكون مطالبًا شرعًا بنفقة الزوجة التي لم تطلق. ٤ - قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (٣). يقول القرطبي: «ودلت هذه الآية على تأديب الرجال نساءهم، فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسيء الرجال عشرتها، وقوّام فعال للمبالغة من القيام على الشيء، والاستبداد بالنظر فيه، وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد، وهو أن يقوم بتدبيرها، وتأديبها، وإمساكها في بيتها، ومنعها من البروز، وأن عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية، وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة» (٤). فالله تعالى أثبت قِوَامة الرجل على المرأة، وأناط ذلك بأمرين:

стр. 599

الفضيلة (١)، والنفقة. أدلة السنة: ٥ - ما أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) من حديث عائشة أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم. فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». قال النووي: «في هذا الحديث فوائد منها: وجوب نفقة الزوجة. ومنها: وجوب نفقة الأولاد الفقراء الصغار» (٤) وكذا قال الحافظ (٥). وهذا الحديث أصل عظيم في باب النفقات، ورسول الله ﷺ جعل للزوجة الحق في أخذ النفقة من مال الزوج -إذ قصّر في الإنفاق عليها-، قَبِل الزوج أو لم يقبل، علم أو لم يعلم، وحدد ذلك بالمعروف. ٦ - ما أخرجه مسلم (٦) في صحيحه من حديث جابر الطويل في صفة حج رسول الله ﷺ ، وفيه أنه قال في خطبة عرفة: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله (٧)، ولكم عليهن ألّا يوطئن

стр. 600

فرشكم أحًدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف». يقول النووي: «وفيه وجوب نفقة الزوجة وكسوتها وذلك ثابت بالإجماع» (١). وقد أفاد لفظ (هن) أن حق النفقة ثابت بمقتضى الإلزام، وسبحان من أعطى رسوله ﷺ جوامع الكلم، فقرر في كلماتٍ قليلة تحمل قواعد الحقوق والواجبات الزوجية، وذلك بما تَحْمله من معانٍ عظيمة!. ٧ - ما أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢)، وابن ماجه في السنن (٣)، والنسائي في الكبرى (٤)، والطبري في التفسير (٥)، والطبراني في الكبير (٦)، والبيهقي في الكبرى (٧) من طريق حكيم بن معاوية، عن أبيه معاوية بن حيدة عن النبي ﷺ قال: سأله رجل: ما حق المرأة على زوجها؟ قال: «تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبِّح، ولا تجر إلا في البيت» واللفظ لأحمد. وإسناده حسن، فيه حكيم بن معاوية قال الحافظ عنه: «صدوق» (٨).

стр. 601

وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (١)، وله طرق، لم أوردها اختصارًا، يرتقي بها الحديث إلى الصحة. وفي الحديث النص على الطعام والكسوة، وجعلها حقًا من حقوق المرأة. ٨ - ما تقدم (٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلي، وابدأ بمن تعول». قال الحافظ: «وابدأ بمن تعول» أي بمن يجب عليك نفقته، يقال عال الرجل أهله إذا مَانَهُمْ، أي قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة، وهو أمر بتقديم ما يجب على ما لا يجب» (٣). وبوّب عليه البخاري باب: وجوب النفقة على الأهل والعيال. والأهل في الترجمة: الزوجة، وعطف العيال عليها من العام بعد الخاص (٤). • الإجماع: قال ابن قدامة: «نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة، والإجماع» (٥) ونقل الإجماع أيضًا النووي في شرح صحيح مسلم (٦)، وروضة الطالبين (٧)، والحافظ في الفتح (٨)، وابن الهمام في شرح فتح القدير (٩).

стр. 602

• المعقول: ويستدل على وجوب النفقة الزوجية من المعقول أخذًا من القواعد الشرعية المتفق على صحة العمل بها، ومنها: أن من حبس لحق غيره تكون نفقته واجبة عليه (١). المسألة الثانية: سبب وجوب النفقة الزوجية: إذا كانت نفقة الزوجة واجبة على زوجها فلا بد أن يكون لهذا الوجوب سبب؛ لأن الأحكام الشرعية تناط بأسبابها، وتدور معها وجودًا أو عدمًا. وذهب جمهور الفقهاء الأحناف (٢)، والمالكية (٣)، والشافعي في مذهبه الجديد (٤)، والحنابلة (٥) إلى أن النفقة تحب بالتمكين التام لا بمجرد العقد، والتمكين يكون إذا سلمت المرأة نفسها إلى زوجها، وتمكن من الاستمتاع بها، ونقلها إلى حيث يريد، وهي من أهل الاستمتاع في نكاح صحيح. واستدلوا بما يأتي: ١ - أن النبي ﷺ تزوج عائشة وهي بنت ست سنين، ودخل بها بعد سنتين (٦)، ولم ينقل أنه أنفق عليها قبل الدخول، ولو كان حقًا لها لما منعها إياه، ولو وقع لنقل إلينا (٧).

стр. 603

٢ - حديث جابر المتقدم (١) وفيه «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف». فربط رسول الله ﷺ بين العقد والاستمتاع، ووجوب النفقة، فدل على أن النفقة تحصل بمجموع الأمرين (٢). وقد قالها ﷺ في خطبة حجة الوداع بمحضر الجمع العظيم قبل وفاته ببضعة وثمانين يومًا. ٣ - أن النفقة تحب لاحتباس المرأة لحق الزوج ومصلحته، والاحتباس الموجب للنفقة هو الذي يمكن معه استيفاء الزوج حقوقه الزوجية، والتمكن من الاستمتاع بها متى أراد، والقاعدة تنص على أن كل من حبس لمصلحة غيره و منفعته، فنفقته واجبة على من كان حبسه لمصلحته ومنفعته، ولذلك استحق القاضي وغيره من عمال الدولة الإسلامية رزقهم من بيت المال؛ لتفرغهم الأعمالهم؛ لمنفعة ومصلحة المسلمين (٣). ٤ - أن العقد يوجب المهر، والتمكين يوجب النفقة (٤). المسألة الثالثة: مقدار النفقة: اختلف الفقهاء في تقدير النفقة على أقوال، منها: القول الأول: ما ذهب إليه جمهور العلماء أبو حنيفة (٥)، ومالك (٦)، والشافعي

стр. 604

في القديم (١)، وأحمد (٢) إلى أن النفقة مقدرة بالكفاية تختلف باختلاف من تحب له النفقة بمقدارها. واستدل الجمهور بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣). والله تعالى أطلق في كتابه الرزق والكسوة وشرط في ذلك المعروف، والرزق شيء غير محدد، وإنما هو لبيان الكفاية والوفاء، فالقول بالتحديد زيادة على النص، والزيادة عليه أمر غير جائز شرعًا، ولو كان سبحانه يريد تحديد النفقة، لبيَّنه سبحانه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (٤). ٢ - ما تقدم من حديث عائشة ﵂، وقوله ﷺ لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». قال النووي: «في هذا الحديث فوائد منها … أن النفقة مقدرة بالكفاية لا بالأمداد، ومذهب أصحابنا أن نفقة القريب مقدرة بالكفاية كما هو ظاهر هذا الحديث، ونفقة الزوجة مقدرة بالأمداد على الموسر كل يوم مدان، وعلى المعسر مد، وعلى المتوسط مد ونصف وهذا الحديث يرد على أصحابنا» (٥). وقال شيخ الإسلام: «فأمرها أن تأخذ الكفاية بالمعروف، ولم يقدر لها نوعًا ولا قدرًا، ولو تقدر ذلك بشرع أو غيره لبيّن لها القدر والنوع كما بيّن فرائض الزكاة

стр. 605

والديات … وإذا كان الواجب هو الكفاية بالمعروف، فمعلوم أن الكفاية تتنوع بحالة الزوجة في حاجتها، وبتنوع الزمان، والمكان، وبتنوع حال الزوج في يساره وإعساره، وليست كسوة القصيرة الضئيلة ككسوة الطويلة الجسيمة، ولا كسوة الشتاء ككسوة الصيف، ولا كفاية طعامه كطعامه، ولا طعام البلاد الحارة كالباردة، ولا المعروف في بلاد التمر والشعير المعروف في بلاد الفاكهة والحمير» (١). فإن رسول الله ﷺ أمر هندًا بأخذ كفايتها من مال زوجها من غير تقدير معين بل قيد ذلك الأخذ بالكفاية والحاجة، وهي أمر غير مقدر. ٣ - لم يحفظ عن أحد من الصحابة قط تقدير النفقة لا بد ولا برطل، بل الذي اتصل به العمل في كل مصر وعصر ما تقدم أنه بالمعروف (٢). القول الثاني: ذهب الشافعي في الجديد (٣)، والقاضي أبو يعلى من الحنابلة (٤) إلى أنها مقدرة بمقدار محدد. فقال القاضي أبو يعلى: إن المقدار الواجب هو رطلان من الخبز في كل يوم اعتبارًا بالكفارات، وهذا المقدار لا يختلف في الكمية بسبب اليسار ولا الإعسار، وإنما يختلف في الصفة والجودة. أما الشافعية فقدَّروها بمد، ومد ونصف، ومدين على حسب حالة الزوج يسرًا وعسرًا، وتوسطًا بين الأمرين. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾.

стр. 606

والنفقة نفقتان: نفقة الموسر، ونفقة المقتر عليه رزقه وهو الفقير، وأقل ما يلزم المقتر من نفقة امرأته المعروف ببلدها، وأقل ما يعده لها ما لا يقوم بدن أحد على أقل منه، وذلك مد النبي ﷺ في كل يوم من طعام البلد الذي يقتاتون. وإن كان زوجها موسعًا عليه في الرزق فرض لها مدّين بمد النبي ﷺ . وإنما كان أقل الفرض مدًا بالدلالة عن الرسول ﷺ في دفعه إلى الذي أصاب أهله في شهر رمضان بعرق فيه خمسة عشر أو عشرون صاعًا لستين مسكينًا، فكان ذلك مدًا لكل مسكين، وإنما جعل أكثر ما فرض مدان؛ لأن أكثر ما جعل النبي ﷺ في فدية الكفارة للأذى مدين لكل مسكين، وبينهما وسط فلا يقصر عن هذا، ولم يتجاوز هذا (١). ورد الجمهور على الشافعية فقالوا: إن قياس النفقة على الكفارة غير صحيح؛ لأن الكفارة لا تختلف باليسار والإعسار، ولأن تحديد التقدير في الكفارات ليس لكونها نفقة واجبة، بل لكونها عبادة محضة كالزكاة فكانت مقدرة بنفسها (٢). قال شيخ الإسلام: «ثم من الفقهاء من يقول: إن نفقة الزوجة مقدرة بالشرع، والصواب ما عليه الجمهور أن ذلك مردود إلى العرف كما قال لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (٣). قال الحافظ: «والراجح من حيث الدليل أن الواجب الكفاية، ولا سيما وقد نقل بعض الأئمة الإجماع الفعلي في زمن الصحابة والتابعين على ذلك، ولا يحفظ

стр. 607

عن أحد منهم خلافه» (١). ما يراعى في تقدير النفقة: تقرر فيما مضى أن نفقة الزوجة معتبرة بالكفاية على رأي الجمهور، فما الذي يراعى في هذا التقدير والاعتبار؟ هل يراعى حال الزوج، أو حال الزوجة، أو هما معًا؟ - فإن كان الزوجان متفقين في اليسر، فالاتفاق بين الفقهاء قائم على أن النفقة الواجبة هنا تكون نفقة الموسرين، ويبذل الزوج للزوجة ما يتناسب مع حاليهما. - أما إن كانا معسرين، فإن الفقهاء متفقون على وجوب النفقة المقدرة بنفقة المعسرين؛ لأن الزوجة بعسرها يكفيها الكفاف، ولا ينقص ذلك من قدرها شيئًا؛ لتعودها على تلك الحالة، وكذلك الحال بالنسبة للزوج؛ فإنه نظرًا لعسره لا يستطيع أن يبذل غير ما في مقدوره من نفقة المعسرين، وفي الوقت ذاته يكون هذا التقدير ملائمًا لحال كل من الزوجين فلا إفراط ولا تفريط. - وكذلك الشأن بالنسبة لحال التوسط والاعتدال فيهما، فتكون النفقة الواجبة للزوجة هي نفقة المتوسطين. وهذه الصور الثلاث محل اتفاق بين الفقهاء. • أمّا لو كان حال الزوجين مختلفًا بأن كان الزوج موسرًا، والزوجة معسرة أو العكس؛ فإن هذه الحالة محل اختلاف بين الفقهاء، والراجح ما ذهب إليه الحنابلة (٢)،

стр. 608

والمالكية في المعتمد (١)، والحنفية (٢) في رواية أن المعتبر في تقدير النفقة حال الزوجين معًا، وتكون النفقة نفقة المتوسطين. وجمعوا بين أدلة من اعتبر حال الزوج كقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (٣) ومن اعتبر حال الزوجة لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤)، والمعروف الكفاية؛ ولأنه سبحانه سوى بين النفقة والكسوة على قدر حالها، فكذلك النفقة (٥)؛ ولقوله ﷺ لهند «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (٦) فاعتبر كفايتها دون حال زوجها. قال ابن قدامة: «ولنا أن فيما ذكرناه جمعًا بين الدليلين، وعملًا بكلا النصين، ورعاية لكلا الجانبين فيكون أولى» (٧). والعمل بالنصين أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر. ويمكن أن تصل النفقة الواجبة للزوجة على زوجها بطريقين: الأولى: التمكين ومنها يتولى الزوج إعداد وتوفير النفقة الزوجية بأنواعها الثلاثة: المطعم الذي تحتاج إليه، والكسوة اللائقة، والمسكن الشرعي المناسب الذي

стр. 609

من شروطه أن يكون خاليا من الضرة؛ لأن وجود الضرة في ذاته إيذاء لها كما هو معروف، وأن يكون خاليًا من أهله إذا تضررت من وجودهم (١). فإذا قصر الزوج في الإنفاق، أو ماطل فللمرأة أن ترفع الأمر إلى القاضي، ومتى ثبت هذا التقصير عند القاضي مع قيام الزوجية بينهما، وعدم وجود مسقط للنفقة انتقل الوجوب إلى التمليك. الثانية: التمليك وفيه يفرض القاضي مقدارًا من المال يكفي لطعامها، وكسوتها، وسكناها وتعطى ذلك المقدار كل شهر أو كل أسبوع على حسب اتفاقهما، أو على حسب العرف السائد مع مراعاة الأحوال غلاء ورخصًا واختلاف الأمكنة والأزمنة (٢). المسألة الرابعة: توابع النفقة الزوجية: نفقة خادم الزوجة: الراجح في المسألة ما ذهب إليه جمهور الفقهاء أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤)، والشافعي (٥)، وأحمد (٦) من أن الزوج إذا كان موسرًا فعليه إيجاد خادم لزوجته إذا كانت ممن تخدم لكونها ذات قدر، وليس من شأنها الخدمة، أو مريضة. أما إذا كان الزوج معسرًا فلا تجب عليه نفقة خادم لزوجته؛ لأن الواجب على

стр. 610

الزوج المعسر هو أدنى الكفاية، أو الوسط، والخادم يعتبر إجحافًا في حق المعسر فلا يلزم به الزوج المعسر؛ لأن في إلزامه به حرجًا وتكليفًا عليه. واستدلوا: ١ - بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١)، ومن العشرة بالمعروف أن يقيم لها خادمًا ما دامت تحتاجه فأشبه النفقة (٢). ٢ - ما بوّب عليه البخاري في صحيحه (٣) في كتاب النفقات باب: خادم المرأة، وأورد حديث علي بن أبي طالب قال: إن فاطمة أتت النبي ﷺ تسأله خادمًا. فقال: «ألا أخبرك ما هو خير لك منه، تسبحين الله عند منامك ثلاثًا وثلاثين، وتحمدين الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبرين الله أربعًا وثلاثين». قال الحافظ: «أي هل يشرع ويلزم إخدامها؟ ذكر فيه حديث عليّ … قال الطبري: يؤخذ منه أن كل من كانت لها طاقة من النساء على خدمة بيتها في خبز أو طحن أو غير ذلك، أن ذلك لا يلزم الزوج إذا كان معروفًا أن مثلها يلي ذلك بنفسه؛ ووجه الأخذ أن فاطمة لما سألت أباها ﷺ الخادم، لم يأمر زوجها بأن يكفيها ذلك إما بإخدامها خادمًا، أو باستئجار من يقوم بذلك، أو يتعاطاه بنفسه، ولو كانت كفاية ذلك إلى علي لأمره به، كما أمره أن يسوق إليها صداقها قبل الدخول، مع أن سوق الصداق ليس بواجب إذا رضيت المرأة أن تؤخره، فكيف يأمره بما ليس بواجب عليه، ويترك أن يأمره بالواجب … ونقل الطحاوي الإجماع على أن الزوج ليس له إخراج خادم المرأة من بيته، فدل على أنه يلزمه نفقة الخادم على

стр. 611

حسب الحاجة إليه» (١). ولا يكون الخادم للزوجة إلا ممن يحلّ له النظر إليها، فيكون امرأة، أو ذا رحم محرم من الزوجة؛ لأن الخادم يلزم المخدوم في غالب أحواله، فلا يسلم من النظر إليه. هل يجب للمرأة أكثر من خادم؟ وحيث تقرر أن على الزوج نفقة خادم الزوجة بالشروط السالف ذكرها، فهل لها أكثر من خادم إن احتاجت إليه؟ ذهب جمهور الفقهاء الحنفية (٢)، والحنابلة (٣)، والشافعية (٤) إلى أنه لا يجب عليه أكثر من خادم؛ لأن المستحق إخدامها وهو يحصل بواحد، فالزيادة عليه نوع من الترف. علاج الزوجة: بالرجوع إلى الكتاب والسنة نجدهما يوجبان الطعام، واللباس، والسكن دون التطبيب، أمّا الفقهاء فيرون أن الزوج غير ملزم بعلاج زوجته لا ثمن دواء، ولا أجرة طبيب بحجة أن هذه المصاريف لا تدخل في النفقة شرعًا. يقول ابن قدامة: «ولا يجب عليه (أي على الزوج) شراء الأدوية ولا أجرة الطبيب؛ لأنه يراد لإصلاح الجسم، فلا يلزمه كما لا يلزم المستأجر بناء ما يقع من

стр. 612

الدار، وحفظ أصولها، وكذلك أجرة الحجّام والفاصد» (١). ونوقش بأن قياس نفقة التطبيب على نفقة عمارة الإيجار، وحفظ أصله، قياس مع الفارق؛ لأن علاقة الزواج ليست علاقة إِجَارٍ، وإنما علاقة نكاح مبنية على المودة والرحمة، والمرأة ليست مستأجرة له، وإنما هي شريكة العمر بعقد العمر، يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (٢). ولا يخفى بعد ما ذكره الفقهاء، أن الراجح اعتبار الأدوية وأجرة الطبيب من توابع النفقة الزوجية، والدليل على ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وإنفاق الزوج على علاج زوجه لا شك أنه من مظاهر العشرة بالمعروف. ٢ - إذا أوجب الفقهاء على الزوج نفقة الخادم فمن باب أولى إيجاب علاجها؛ فحاجتها إلى التطبيب أشد من حاجتها للخدمة. ٣ - من مظاهر المودة والرحمة مسارعة الزوج لعلاج زوجته، وليس من المودة والرحمة أن يتركها الزوج تتلوى وتئن من المرض دون إسعافها بعرضها على الطبيب، وهي محتاجة إلى ذلك، وهو قادر عليه (٣). يقول د. محمد يعقوب: «ويرى البعض أن نفقة التمريض واجبة على الزوج إذا كان الأمر يتعلق بالأمراض العادية والتي قلما يخلو إنسان منها. أما العمليات

стр. 613

الجراحية التي تدعو إلى المال الوفير فيلزم فيها التفرقة بين ما إذا كان الزوج فقيرًا، وكانت غنية فإنها لا تحب عليه. أما إذا كان غنيًا وهي فقيرة فإنها تحب عليه» (١). ولا شك أن الدين الذي شمل إحسانه جميع أفراده، لن يسقط حق علاج الزوجة مع أنه يثبت الخيرية لمن كان خير الناس لأهله. جَهاز الزوجة: الجهاز (٢) كل شيء يحتاج إليه البيت من الأثاث والأدوات وغيرها. يذهب جمهور العلماء من الأحناف (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥) إلى أن الزوج هو المكلف بإعداد جهاز الزوجة من فرش، وغطاء، ومتاع ولوازم، فلا يلزمها إعداد شيء من ذلك من مالها الخاص لا من مهرها الذي تسلمته، ولا من غيره مما تملكه من الأموال؛ لأن مهرها حق خالص لها استحقته بموجب عقد الزواج، فلا تجبر على إنفاق شيء منه لجهازها. يقول ابن حزم: «ولا يجوز أن تحبر المرأة على أن تتجهز إليه بشيء أصلًا لا من صداقها الذي أصدقها، ولا من غيره، ولا من سائر مالها، والصداق كله لها تفعل فيه كله ما شاءت لا إذن للزوج في ذلك ولا اعتراض. وهو قول أبي حنيفة،

стр. 614

والشافعي، وأبي سليمان وغيرهم» (١) ثم أخذ ابن حزم بالرد علي المالكية (٢) الذين رأوا أن على المرأة أن تتجهز للرجل بما يصلح الناس في بيوتهم من المهر الذي قبضته، ولا يلزمها أن تنفق على جهازها أكثر من المهر الذي تَسَلَّمَتْهُ إلا إذا شُرِط عليها ذلك، أو قضى به العرف، ولا يخفى ضعفه. ودليل الجمهور: ١ - قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٣) فالمهر حق خالص للزوجة متى سمي حتى ولو كان عظيمًا، ولا يحل للزوج أخذ شيء منه إلا بطيب نفس منها، والجهاز تشترك فيه المنافع، فكان على الزوج لا عليها. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٤). فافترض الله على الرجال أن يعطوا النساء صدقاتهن نحلة، ولم يبح للرجال منها شيئًا إلا بطيب أنفس النساء (٥). وإذا كان الراجح أن الزوجة لا تحبر ولا تلزم بتجهيز بيتها من مهرها ولا من مال غير مهرها، فإن الصواب أنها لا تمنع من الإسهام بمالها لشراء جهازها وما يحتاجه البيت من لوازم، ويكون هذا منها على وجه التبرع، والاختيار المحض لا على سبيل الإلزام والإيجاب، وتبقى هذه الأشياء مملوكة لها، وإنما ينتفع بها الزوج،

стр. 615

ويستعملها بإذن الزوجة ورضاها، فإن لم يكن صراحة فدلالة (١). • وإن طلق الزوج زوجه واختلفا في الجهاز أو في متاع البيت وموجوداته، فالقول قول الزوج، لأنها بالطلاق صارت أجنبية فزالت يدها، والتحقت بسائر الأجنبيات. ولكن إذا أقامت الزوجة البينة على ما تدّعيه من ملكية موجودات البيت، فالحكم يكون لها بموجب بينتها حسب القواعد العامة في الإثبات (٢). المسألة الخامسة: امتناع الزوج عن الإنفاق: قضت القواعد الشرعية بوجوب إنفاق الزوج على زوجته، وأنه لا يحل له العدول عنه مهما كان، ولكن بعض الأزواج ممن لا خلاق لهم، ولا ضمير يردعهم، تسيطر عليه أهواؤه، وتسول له نفسه الأمارة بالسوء أن يُقَصِّر في هذا الواجب الشرعي لضعف دينه، وقلة إيمانه. ولكن الشريعة الغراء لم تترك هذا العمل بدون أن تضع له حلًا جذريًا، فإن الزوج إن امتنع من الإنفاق على زوجته لا يخلو الأمر من أن يكون موسرًا أو معسرًا؛ فإن كان موسرًا فإن حاله لا يخلو من أحد أمرين: ١ - أن يكون له مال ظاهر معروف، فإن قدرت الزوجة على ماله أخذت منه قدر كفايتها بغير إذنه؛ لأن النبي ﷺ قال لهند زوجة أبي سفيان عندما شكت إليه شح زوجها: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» وبوّب عليه البخاري في كتاب النفقات، باب: إذا لم ينفق الرجل للمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها وولدها بالمعروف (٣).

стр. 616

قال الحافظ: «أخذ المصنف هذه الترجمة من حديث الباب بطريق الأولى؛ لأنه دل على جواز الأخذ لتكملة النفقة، فكذا يدل على جواز أخذ جميع النفقة عند الامتناع» (١). وإذا لم تقدر الزوجة على الأخذ منه، فلها أن ترفع أمرها إلى القاضي، وتطلب فرض النفقة، أو حبسه حتى ينفق، فإن قام بالنفقة فهو المطلوب، وإن أبي حُبس، فإن صبر على الحبس أخذ الحاكم النفقة من ماله إن كان من جنس النفقة، وإن كان من غير جنسها كالعروض والعقار، فإن الجمهور يرون أن المال يباع لتدفع النفقة للزوجة منه على قدر كفايتها؛ ولأن النبي ﷺ قال لهند «خذي ما يكفيك» ولم يفرق ﷺ بين مال ومال. قال الخطابي: يؤخذ من حديث هند جواز أخذ الجنس وغير الجنس (٢). ٢ - أن يكون الزوج معسرًا، وهو الشخص العاجز الذي لا يستطيع الوفاء لزوجته بما أوجبه الله لها من نفقة شرعية بأي وجه من الوجوه (٣). فإذا ادعي الزوج الإعسار في نفقة زوجته، ولم يكن له مال ظاهر، وصدقته زوجته علي دعواه، فإنه يحكم بعسره اتفاقًا لعدم المعارض لدعواه، أما لو كذبته زوجته في دعواه فقد ذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥) إلى أن القول قول الزوجة إذا عرف للزوج مال، ويطلب منها اليمين، لتقوية دعواها؛ لأن الأصل بقاء ماله ويسره، وإن لم يعرف للزوج مال

стр. 617

يكون القول للزوج بيمينه؛ لأنه منكر؛ والأصل عدم المال، وغالبًا ما يبقى الشيء على أصله. • ولو أعسر الزوج في نفقة زوجته بعد أن كان موسرًا، فهل يفرق بينهما بسبب الإعسار؟ في المسألة قولان: القول الأول: ذهبت المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وهو قول أهل الظاهر (٤) ورجّحه الصنعاني في سبل السلام (٥) إلى أن الزوجة لو طلبت التفريق بينها وبين زوجها المعسر في نفقتها فإنها تحاب لطلبها، ويفرق القاضي أو من يقوم مقامه بينهما. واستدلوا بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. والرب جل وعلا أثبت قوامة الرجال على النساء لأمرين: ١ - ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. ٢ - ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. والباء هنا إمّا للسببية فتكون النفقة من أسباب القوامة؛ لأنه يترتب على زوال

стр. 618

السبب زوال المسبب، كما يصح أن تكون الباء للمقابلة، فتقابل القوامة بالإنفاق، فإذا انعدمت النفقة من قبل الرجل كان للمرأة طلب التفريق من زوجها المعسر في النفقة. يقول القرطبي: «﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أنه من عجز عن نفقتها لم يكن قوامًا عليها، وإذا لم يكن قوامًا عليها، كان لها فسخ العقد؛ لزوال المقصود الذي شرع لأجله النكاح، وفيه دلالة واضحة من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة» (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢). يقول الجصاص: «ومن الناس من يحتج … بقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ في إيجاب الفرقة بين المعسر العاجز عن النفقة وبين امرأته؛ لأن الله تعالى إنما خيره بين أحد شيئين إما إمساك بمعروف، أو ت سريح بإحسان، وترك الإنفاق ليس معروف فمتى عجز عنه تعين عليه التسريح فيفرق الحاكم بينهما» (٣). ٣ - قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (٤). والزوج المعسر إذا أمسك زوجته مع عجزه عن الإنفاق عليها كان ضارًا معتديًّا، وعلى القاضي دفع هذا الضرر والعدوان التفريق بينهما (٥).

стр. 619

ونوقش هذا الاستدلال وما قبله بأن الآيتين لا يصلحان للاستدلال علي المدعى؛ لأنه ليس فيهما دلالة على التفريق بين الزوجين بالإعسار؛ لأن المضارة والعدوان لا يكونان إلا إذا كان للشخص فيهما دخل واختيار، والإعسار ليس منافيًا للإمساك بالمعروف، فالإحسان في العشرة فيما يدخل تحت قدرة العبد واختياره (١). ٤ - ما أخرجه البخاري، ومسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلي، وابدأ بمن تعول «تقول المرأة: إما أن تطعمني، وإما أن تطلقني. ويقول العبد: أطعمني، واستعملني. ويقول الابن: أطعمني إلى من تدعني؟ قالوا: يا أبا هريرة هذا من رسول الله ﷺ سمعت؟ قال: لا هذا من كيس أبي هريرة. وقد ورد الجزء الأخير مرفوعا عند أحمد في المسند (٢)، والنسائي في الكبرى (٣). وأطال محققوا المسند تضعيف الرواية المرفوعة، فراجعه إن رمت الزيادة. ووجه الدلالة: «إما أن تطعمني أو تطلقني» فجُعِل للمرأة حق في طلب التفريق بينها وبين زوجها عند عدم إنفاقه عليها. ونوقش هذا الاستدلال بأنه ليس في قول أبي هريرة ما يدل على إلزام الزوج المعسر بطلاق زوجته، وكيف يكون هذا وهو كلام عام لا يختص بمعسر وحده؛ بل يشمل الموسر كذلك، ولا خلاف في أن الزوج الموسر إذا لم ينفق على زوجته لا يجبر

стр. 620

على الفراق بل يحبس لعدم إنفاقه عليها (١). ٥ - ما أخرجه الشافعي في الأم (٢)، وعنه البيهقي في الكبرى (٣) من طريق مسلم بن خالد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، يأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا. وصححه الألباني في الإرواء (٤)، ورجاله ثقات رجال الشيخين غير مسلم بن خالد الزنجي قال الحافظ: «فقيه صدوق كثير الأوهام» (٥) لكنه توبع عليه، فقد جاء في العلل (٦) لابن أبي حاتم «سمع أبي ذكر حديث حماد، عن عبيد الله بن عمر … قال أبي: نحن نأخذ بهذا في نفقة ما مضى» فالإسناد هذا يرتقي للحسن. ونوقش الاستدلال بأن عمر بعثه للموسرين لا المعسرين. ٦ - ما أخرجه الشافعي في الأم (٧)، وعبد الرزاق في المصنف (٨)، وسعيد بن منصور في سننه (٩)، والدارقطني في السنن (١٠)، والبيهقي في الكبرى (١١) من طرق

стр. 621

عن أبي الزناد قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق علي امرأته. قال: يفرق بينهما. قال أبو الزناد: قلت: سنة. قال سعيد: سنة. قال الشافعي: والذي يشبه قول سعيد سنة أن يكون سنة رسول الله ﷺ . قال ابن القيم: غايته أن يكون من مراسيل سعيد بن المسيب (١). وقال ابن حزم: «قد صح عن سعيد بن المسيب قولان كما أوردنا، أحدهما: يجبر على مفارقتها، والآخر: لا يفرق بينهما، وهما مختلفان فأيّهما السنة؟ وأيّهما كان السنة فالآخر خلاف السنة بلا شك، ولم يقل سعيد إنما سنة رسول الله ﷺ وحتى لو قاله لكان مرسلًا لا حجة فيه، فكيف وإنما أراد بلا شك أنه سنة من دونه ﵊» (٢). ٧ - قياس الإعسار بالنفقة على الحب والعنة، وقالوا: إذا ثبت الفسخ بالعجز عن الوطء فالضرر الناتج من عدم الوطء أقل من الضرر الحادث من عدم الإنفاق، إذ الضرر الحاصل من عدم الوطء لا يخرج غالبا عن فقد لذة يقوم البدن بدونها، أما الضرر المترتب على عدم الإنفاق قد يؤدي إلى هلاك البدن (٣). ونوقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن المسيس والاستمتاع لا يصيران دينًا على الزوج لزوجته عند عدم حدوثهما، بخلاف النفقة الزوجية فإنها تكون دينًا لها عليه، لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء. ولأن الجب والعنة من العيوب التي لا يرجى زوالها بخلاف الإعسار فقد يجعل الله بعد عسر يسرًا.

стр. 622

ثم إن الاستمتاع والتناسل أمران مقصودان من النكاح أصالة بخلاف المال، فإنه ليس مقصودًا لذاته في النكاح بل هو أمر تابع، ولازم من لوازمه. القول الثاني: ذهب الحنفية (١)، والظاهرية (٢) إلى أنه لا يفرق بين الزوجين لإعسار الزوج بنفقة زوجته، بل تؤمر الزوجة بالاستدانة عليه بعد فرض النفقة لها عليه، وتصبر حتى يوسر. واستدلوا بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٣). وإذا لم يجر الزوج النفقة على زوجته لإعساره، تكون دينًا عليه في ذمته وتسري عليها أحكام الديون، والله سبحانه بيّن أن المدين إذا أعسر، وعجز عن سداد ما عليه من الديون فإنه ينظر حتى يستيسر، ولو كان يتعلق بالعجز عن السداد والوفاء أمر آخر غير الانتظار إلى الميسرة لبينه القرآن الكريم، والمرأة مأمورة بالإنظار بالنص (٤). ونوقش الاستدلال بأن الآية خاصة بالديون غير النفقة، ويدل على ذلك مورد الآية وسبها، وهذا لا تصلح للاستدلال على المدعي. ٢ - قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (٥).

стр. 623

ووجه دلالة الآية أن الرجل إذا أُعسر، وليس في وسعه ما يمكنه من تحصيل النفقة لا يجب عليه التكلف لأجل الإنفاق؛ لأن الله سبحانه لم يكلفه بغير ما في وسعه، وإن كان معسرًا بنفقة زوجته لم يأثم؛ لعدم وجوب النفقة عليه حال إعساره، فلا يكون إعساره بغير ما وجب عليه سببًا للتفريق بينه وبين زوجته. ونوقش الاستدلال بأن الآية لا تدل على عدم التفريق بين الزوجين بالإعسار؛ لأنه لا يلزم من عدم تكليف المعسر بالإنفاق على زوجته عدم جواز التفريق؛ لأنه شرع لدفع الضرر عن المرأة، وتخليصها من ذلك الزوج الذي لا يستطيع الإنفاق عليها (١). ٣ - ما أخرجه مسلم (٢) في صحيحه من حديث أبي الزبير، عن جابر قال: «دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ فوجد الناس جلوسًا ببابه لم يؤذن لأحد منهم. قال: فأذن لأبي بكر، فدخل. ثم أقبل عمر فاستأذن، فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا حوله نساؤه واجمًا ساكتًا. قال: فقال: لأقولن شيئًا أضحك النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله ﷺ ، وقال: «هن حولي كما ترى يسألني النفقة» فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئًا أبدًا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرًا، أو تسعًا وعشرين ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ … الحديث. ووجه الدلالة أن أبا بكر وعمر ﵄ قاما يضربان ابنتيهما

стр. 624

بحضرة رسول الله ﷺ إذ سألتاه نفقة لا يجدها، ومن المحال أن يضر با طالبتين للحق، ويقرهما رسول الله ﷺ على ذلك، فدل على أنه لا حق لهما فيما طلبتاه من النفقة في حال الإعسار، وإذا كان طلبهما لها باطلًا فكيف تمكن المرأة من فسخ النكاح بعدم ما ليس لها طلبه، ولا يحل لها، وقد أمر الله صاحب الدين أن ينظر المعسر إلى الميسرة (١). ونوقش الاستدلال بأن الزجر عن المطالبة بما ليس عند الرسول ﷺ لا يدل على عدم جواز فسخ النكاح لأجل إعسار الزوج بنفقة زوجته، وأما إقرار رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر على ضربهما؛ فلما علم من أن للآباء تأديب الأبناء إذا أتوا ما لا ينبغي، ومعلوم أنه ﷺ لم يفرط فيما يجب عليه من الإنفاق، فلعلهن طلبن زيادة على ذلك، كما أنه لم يرو أن زوجات رسول الله ﷺ طلبن الفسخ، ولم يجبن إليه (٢)، وكيف يمكن احتمال القول بذلك، وقد خيرهن الرسول ﷺ بعد ذلك كما جاء في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٣) فاخترنه صلوات الله وسلامه عليه. ٤ - لم يزل في الصحابة المعسر والموسر، وكان معسروهم أضعاف أضعاف موسريهم، فما مكن النبي ﷺ امرأة واحدة قط من الفسخ بإعسار زوجها، ولا أعلمها أن الفسخ حق لها فإن شاءت صبرت، وإن شاءت فسخت، وهو يشرع الأحكام عن الله تعالى بأمره، فهب أن الأزواج تركن حقهن، أفما كان فيهن امرأة

стр. 625

واحدة تطالب بحقها (١). وقد تناظر فيها الإمام مالك وغيره. فقال: ليس الناس اليوم كذلك، إنما تزوجته رجاءً (٢). ومعنى كلامه: أن نساء الصحابة -رضوان الله عليهم- كنّ يردن الله والدار الآخرة، ولم يكن مرادهن الدنيا، فلم يكن يبالين بعسر أزواجهن، أما نساء اليوم فإنما يتزوجن رجاء دنيا الأزواج ونفقتهم وكسوتهم، وصار هذا المعروف كالمشروط في العقد، وكان عرف الصحابة ونسائهم كالمشروط في العقد، والشرط العرفي في أصل مذهب مالك كاللفظي. قاله ابن القيم (٣). ٥ - القاعدة الشرعية تنص على ارتكاب أخف الضررين، وأهون الشرين، إذا لم يكن هناك مفر من ارتكاب أحدهما، والحكم بالفرقة الزوجية إبطال الحق الزوج بالكلية، وإلزام الزوجة بالانتظار على زوجها حتى يوسر، والاستدانة عليه تأخير لحقها بعض الوقت، وتأخير الحق أهون شأنًا من الإبطال، فوجب أن يصار إليه. يقول ابن القيم: «وقد جعل الله الفقر والغنى مطيتين للعباد، فيفتقر الرجل الوقت، ويستغي الوقت، فلو كان كل من افتقر فسخت عليه امرأته، لعم البلاء، وتفاقم الشر، وفسخت أنكحة أكثر العالم، وكان الفراق بيد أكثر النساء، فمن الذي لم تصبه عسرة، ويعوز النفقة أحيانًا» (٤). ٦ - لو تعذر من المرأة الاستمتاع بمرض متطاول، وأعسرت بالجماع، لم

стр. 626

يمكن الزوج من فسخ النكاح، بل يوجبون عليه النفقة كاملة مع إعسار زوجته بالوطء، فكيف يمكنوها من الفسخ بإعساره عن النفقة؟! (١). الراجح: • وبالنظر في أدلة كلا الفريقين يترجح ما قاله ابن القيم: «والذي تقتضيه أصول الشريعة وقواعدها في هذه المسألة أن الرجل إذا غرّ المرأة بأنه ذو مال، فتزوجته على ذلك، فظهر مُعْدمًا لا شيء له، أو كان ذا مال وترك الإنفاق على امرأته، ولم تقدر على أخذ كفايتها من ماله بنفسها، ولا بالحاكم أن لها الفسخ، وإن تزوجته عالمة بعسرته، أو كان موسرًا ثم أصابته جائحة اجتاحت ماله ف لا فسخ لها في ذلك، ولم تزل الناس تصيبهم الفاقة بعد اليسار ولم ترفعهم أزواجهم إلى الحكام ليفرقوا بينهم وبينهن» (٢). وفي ترجيح ما ذهب إليه ابن القيم ارتكاب أخف الضررين، ودفع أعلى المفسدتين، ثم إن المطلع على مذهب الأحناف، والظاهرية يرى رفع يد الزوج المعسر عن زوجته لتكتسب وتنفق على نفسها بالطرق المشروعة، كما أنه أثبت لها حق الاستدانة على زوجها بإذن من القاضي أرضي الزوج أم لم يرض، ما دامت الاستدانة بغرض الإنفاق على نفسها فترة الإعسار. ولو طال إعسار الزوج ولحق الزوجة الضرر بالإعسار؛ فلا شك في أن لقول الجمهور حظه من النظر، ونصيبه بالأخذ.

стр. 627

المسألة السادسة: نفقة زوجة الغائب: إذا غاب الزوج وترك زوجته بلا نفقة سواء كانت غيبته لخروجه عن بلده مدة السفر، وراجعت الزوجة القاضي ليفرض لها نفقة عليه، وأقامت البينة على ذلك بأن حلفت بأن زوجها الغائب لم يعطها النفقة، ولا كانت ناشزًا، ولا مطلقة مضت عدتها، فإن كان للزوج مال ظاهر حكم لها القاضي بالنفقة، ونفذ الحكم في ماله الظاهر سواء كان من جنس النفقة كالمأكل والكسوة، أم لم يكن من جنسها كالعقار وغيره، وإن لم يكن له مال ظاهر حكم عليه بالنفقة واستدانت عليه، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء: مالك (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣) أن الغائب الحاضر بالنسبة لأحكام النفقة. واستدلوا بما أخرجه البخاري، ومسلم من حديث عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مِسيِّك، فهل عليِّ حرج أن أطعم من الذي له عيالنا؟ قال: «لا إلا بالمعروف» (٤). وبوّب عليه البخاري في كتاب النفقات، باب: نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها، ونفقة الولد (٥). وبما أخرجه الشافعي في الأم من طريق ابن عمر، أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، يأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا؛ فإن

стр. 628

طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا. وصححه الألباني في الإرواء (١). المسألة السابعة: نفقة الزوجة المريضة: إذا كانت الزوجة مريضة فإنها تنقسم إلى قسمين: ١ - أن تمرض قبل الزفاف مرضًا لا يمكنها من الانتقال إلى منزل الزوج، فلا نفقة لها في هذه الحالة؛ لعدم تحقق الاحتباس الموجب للنفقة الذي يمكن معه استيفاء أحكام الزواج من الاستمتاع والخدمة والمؤانسة. ٢ - أن تزف سليمة إلى زوجها، ثم تمرض بعد ذلك عنده مرضًا يمنعها من بذل نفسها لزوجها للاستمتاع بها؛ لأن موجب النفقة قد تم فعلًا وتحقق، والمرض شيء عارض، ومن المعروف في الشريعة الإسلامية أن النفقة من الحقوق الواجبة للزوجة على الزوج وجوبًا مستمرًا ما دامت الحياة الزوجية قائمة، والحقوق الدائمة لا تسقط بالأمور العارضة، كما أن حسن المعاشرة يوجب أن يتحمل كل من الزوجين الآخر في مرضه وسقمه، ثم إن ما تعذر عليه من الاستمتاع سبب لا تنسب فيه المرأة إلى تفريط، وإلى هذا ذهب الأحناف (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). المسألة الثامنة: نفقة الزوجة الموظفة: يحسن التنبيه قبل البدء في عرض أقوال الفقهاء بالنسبة لنفقة الزوجة الموظفة أن أشير إلى أن الإسلام كفل للمرأة حقها في التملك، وحرية التصرف فقال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ ولم يوجب عليها نفقة في بيت أبيها، ولا بيت زوجها، كما أباح لها العمل في الميادين النسائية

стр. 629

وفق الضوابط الشرعية (١)، وانخرطت كثير من النساء في العمل في هذه الميادين، ودخلن سلك التوظيف. غير أن بعض أصحاب النفوس الضعيفة سولت لهم أنفسهم أمرًا، فأحدقت ببعض الموظفات عيون طامعة تتطلع إلى ما في أيديهن من رواتب ظنًا من بعضهم أن المرأة ليست أهلًا للتملك، واعتقاًدا من آخرين أن المرأة لا يحق لها التصرف في مالها أو راتبها، واستغلالًا من الجميع؛ لضعف المرأة، وقلة حيلتها. ولعل في مقدمة هؤلاء الذين تشربت أنفسهم الطمع، وسيطر على قلوبهم الحرص حتى غطى على بصائرهم: الأولياء والأزواج، فاستخدموا حيلًا شتى لأكل من حرّج رسول الله ﷺ ماله، فيعمد أحدهم إلى الاستيلاء على بطاقة السحب المصرفي ليسحب كدح المسكينة، ويرجع لها فضلته، مظهرًا المنة والفضل، أو يقترض مبالغ ضخمة من البنك باسم الموظفة، ثم يجعلها مثقلة بالديون؛ لتقتطع من راتبها من غير طيب نفس منها، بل إن بعض الآباء يحبس ابنته عن الزواج معللًا فعلته الشنعاء بالخوف على مالها؛ وإذا به اللص الأول لهذا المال، وجمع في فعلته جريمتين شنعاوين: ظلمها المالي، وظلمها النفسي، فأي ذنب فعل؟!. وقد تقاسي المسكينة وطأة زوج لا يخاف الله فيها فيمتنع عن الإنفاق لدفعها للنفقة، ويرضى أن يقتات على ظهر امرأة، فأي رجولة زعم؟! أيحسب هؤلاء أنهم يربون شاة حلوبًا تغدو عليهم بإناء، وتروح بآخر، ألا فليتق الله الأولياء، وليحذروا من أكل أموال الناس بالباطل، وليتذكروا قول الرب سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢).

стр. 630

• واختلف الفقهاء في نفقة الزوجة العاملة التي تشتغل بمهنة أثناء النهار، وتقوم بأشغال البيت، ومطالبه بالليل أو العكس، هل يجب على زوجها نفقتها أو لا؟ وللإجابة عن هذا التساؤل نقول لا يخلو حال الزوج من أحد أمرين: ١ - إما أن يكون خروج الزوجة للعمل برضا الزوج وإذنه، وعلمه لتساعده على متطلبات الحياة، ومشكلات العصر، وفي هذه الحالة يكون للزوجة النفقة على زوجها؛ لأن عملها كموظفة وإن كانت قد فوتت علي الزوج شيئًا من حق التمكين التام، والاحتباس الكامل إلا أنه تفويت جزئي لا يخرج عن دائرة رضاه وعلمه، وهذا الحق الفائت حق خالص له من حقه أن يتصرف فيه بما يشاء. ولذا ضعف علاء الدين الحصكفي ما جاء في المجتبى قال في الدر المختار: «قال في المجتبى: وبه عرف جواب واقعة في زماننا أنه لو تزوج من المحترفات التي تكون في النهار في مصالحها، وبالليل عنده، فلا نفقة لها. قال في النهر: وفيه نظر» (١). ويتأكد حق النفقة إذا اشترطت الزوجة على زوجها في عقد النكاح الخروج للعمل أو الاستمرار فيه، فإنه يلزم الزوج الوفاء به، لقوله ﷺ : «إن أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (٢).

стр. 631

وإذا لم يف الزوج به، وطالبته الزوجة ولم يرضَ بذلك، فإن لها الفسخ (١). ٢ - وإما أن يكون خروج الزوجة للعمل بدون إذن الزوج ورضاه، أو شرط عليها في العقد أن تترك عملها، ففي هذه الحالة لا يكون للزوجة نفقة على زوجها لعدم رضاه بعملها، وعدم تحقق كمال الاحتباس والتمكين الموجب للنفقة، ولأن عملها واحترافها بعد علمها بعدم رضا الزوج، وعدم امتثالها لأوامره يُعَدُّ نشوزًا، والنشوز مسقط للنفقة على الراجح (٢). وبعد هذا لا يحل للرجل أن يتنصل من المسؤولية، ويتهرب من الإنفاق على من أخذها بأمان الله، واستحل فرجها بكلمة الله، فعليه أن يعيد الحق لأهله، وأن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب. المسألة التاسعة: نفقة الناشز: • النشوز في اللغة مأخوذ من النشز، وهو المرتفع من الأرض، فكأن المرأة ارتفعت عن طاعة زوجها، وامتنعت عن فراشه (٣). • ومن النشوز عند الفقهاء: ١ - أن تمتنع الزوجة من الانتقال إلى منزل الزوجية ابتداء بغير حق شرعي، وقد دعاها إلى الانتقال، وأعد لها المسكن الذي يليق بها. ٢ - خروجها من منزله بغير إذنه أو حق شرعي، وإذا استمرت علي ذلك

стр. 632

طالت المدة أو قصرت فلا نفقة لها، وإذا عادت إلى طاعة زوجها واستقرت في مسكنه أنفق عليها، وسقط ما مضى من النفقة وقت خروجها. ٣ - امتناعها من الوطء بلا عذر أو غيره من الاستمتاعات كالقبلة واللمس وغيرها سواء كان المنع في بيت الزوج أو بيتها. ٤ - امتناعها من السفر معه إذا كان الطريق مأمونًا، ولم تخش حدوث ضرر أو مشقة لا تتحمل عادة (١). • ذهب جمهور العلماء: مالك (٢)، والشافعي (٣)، وأصحاب الرأي (٤)، والحنابلة (٥) إلى أن الناشز لا نفقة لها ولا سكنى. وقيّد ابن عبد البر النشوز الذي تسقط به نفقة الزوجة بعدم الحمل، قال: «ومن نشزت عنه امرأته بعد دخوله بها سقطت عنه نفقتها إلا أن تكون حاملًا» (٦). وهذا تقييد صحيح، فالنفقة للولد، ولا يمكن إيصالها إليه إلا بالإنفاق عليها. قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا خالف هؤلاء إلا الحكم، ولعله يحتج بأن نشوزها لا يسقط مهرها فكذلك نفقتها (٧).

стр. 633

واستدل الجمهور بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ (١). ووجه الدلالة من الآية أن الله قد أذن للزوج في هجر زوجته في المضجع الخوف نشوزها، فكان مباحًا له ترك الإنفاق عليها إذا نشزت من باب أولى (٢)؛ مع أن الحظ في الصحبة قاسم يشترك فيه الزوجان، بينما الإنفاق حق خالص للزوجة، فكان إسقاط الحق الخالص للزوجة أولى (٣). ٢ - ما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر أنه ﷺ قال في خطبة الوداع: «فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألّا يوطئن فرشكم أحًدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (٤). قال ابن العربي: «وفي هذا دليل أن الناشز لا نفقة لها ولا كسوة» (٥) وذلك لأن رسول الله ﷺ نص على صورة من صور النشوز، وعلق الرزق والكسوة بعدمها. ٣ - قال ابن قدامة: «ولنا أن النفقة إنما تحب في مقابلة تمكينها، بدليل أنها لا تحب قبل تسليمها إليه، وإذا منعها النفقة كان لها منعه التمكين. فإذا منعته التمكين

стр. 634

كان له منعها من النفقة» (١). والنفقة إلزام وغرم وجب على الزوج مقابل احتباس الزوجة، فإذا نشرت وألزم بالنفقة كان إلزامًا بدون مقابل، وفيه من الإجحاف بالزوج ما فيه. • ومما تقدم تعلم أن الناشز لا نفقة لها على الراجح. وإن كان لها ولد فعليه نفقة ولده؛ لأنها واجبة له، فلا يسقط حقه بمعصيتها. وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء (٢). المسألة العاشرة: نفقة المعدات من طلاق: تعريف الطلاق: يحسن بدءًا قبل إثبات حق المطلقة المعتدة في النفقة أن ينبه على بعض التعريفات: الطلاق: حل قيد النكاح في الحال أو في المآل بلفظ مشتق من مادة الطلاق أو ما في معناها. الطلاق الرجعي: هو الذي يملك الزوج فيه مراجعة زوجته، ولو لم ترض ما دامت في العدة دون حاجة إلى مهر وعقد جديدين. المطلقة طلاقًا بائنًا بينونة صغرى: هو الطلاق الذي لا يملك الزوج معه مراجعة زوجته إلا بإذنها، وبعقد، ومهر جديدين، ويكون دون ثلاث طلقات. المطلقة المبتوتة أو البينونة الكبرى: وهي من بت زوجها طلاقها، وأصبحت لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. وتكون طلقاتها ثلاثًا (٣).

стр. 635

وأهل العلم اتفقوا في نفقة المعتدات على ما يأتي: ١ - لا نفقة للمطلقة قبل الدخول؛ لأنه لا عدة لها؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١). ٢ - وجوب النفقة للمطلقة الرجعية؛ يقول ابن عبد البر: «لا خلاف بين علماء الأمة أن اللواتي لأزواجهن عليهن الرجعة لهن النفقة، وسائر المؤونة على أزواجهن، حوامل كن أو غير حوامل؛ لأنهن في حكم الزوجات في النفقة والسكن والميراث ما كنّ في العدة» (٢). فالمطلقة الرجعية لها النفقة والسكنى؛ لأن الطلاق الرجعي يعتبر امتدادًا للزوجية؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٣). يقول ابن كثير: «﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ أي في مدة العدة لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه، فليس للرجل أن يخرجها، ولا يجوز لها أيضًا الخروج؛ لأنها متعلقة لحق الزوج أيضًا … ﴿وَتِلْكَ
следующие страницы →