← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وإذا لم يف الزوج به، وطالبته الزوجة ولم يرضَ بذلك، فإن لها الفسخ (١). ٢ - وإما أن يكون خروج الزوجة للعمل بدون إذن الزوج ورضاه، أو شرط عليها في العقد أن تترك عملها، ففي هذه الحالة لا يكون للزوجة نفقة على زوجها لعدم رضاه بعملها، وعدم تحقق كمال الاحتباس والتمكين الموجب للنفقة، ولأن عملها واحترافها بعد علمها بعدم رضا الزوج، وعدم امتثالها لأوامره يُعَدُّ نشوزًا، والنشوز مسقط للنفقة على الراجح (٢). وبعد هذا لا يحل للرجل أن يتنصل من المسؤولية، ويتهرب من الإنفاق على من أخذها بأمان الله، واستحل فرجها بكلمة الله، فعليه أن يعيد الحق لأهله، وأن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب. المسألة التاسعة: نفقة الناشز: • النشوز في اللغة مأخوذ من النشز، وهو المرتفع من الأرض، فكأن المرأة ارتفعت عن طاعة زوجها، وامتنعت عن فراشه (٣). • ومن النشوز عند الفقهاء: ١ - أن تمتنع الزوجة من الانتقال إلى منزل الزوجية ابتداء بغير حق شرعي، وقد دعاها إلى الانتقال، وأعد لها المسكن الذي يليق بها. ٢ - خروجها من منزله بغير إذنه أو حق شرعي، وإذا استمرت علي ذلك

стр. 632

طالت المدة أو قصرت فلا نفقة لها، وإذا عادت إلى طاعة زوجها واستقرت في مسكنه أنفق عليها، وسقط ما مضى من النفقة وقت خروجها. ٣ - امتناعها من الوطء بلا عذر أو غيره من الاستمتاعات كالقبلة واللمس وغيرها سواء كان المنع في بيت الزوج أو بيتها. ٤ - امتناعها من السفر معه إذا كان الطريق مأمونًا، ولم تخش حدوث ضرر أو مشقة لا تتحمل عادة (١). • ذهب جمهور العلماء: مالك (٢)، والشافعي (٣)، وأصحاب الرأي (٤)، والحنابلة (٥) إلى أن الناشز لا نفقة لها ولا سكنى. وقيّد ابن عبد البر النشوز الذي تسقط به نفقة الزوجة بعدم الحمل، قال: «ومن نشزت عنه امرأته بعد دخوله بها سقطت عنه نفقتها إلا أن تكون حاملًا» (٦). وهذا تقييد صحيح، فالنفقة للولد، ولا يمكن إيصالها إليه إلا بالإنفاق عليها. قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا خالف هؤلاء إلا الحكم، ولعله يحتج بأن نشوزها لا يسقط مهرها فكذلك نفقتها (٧).

стр. 633

واستدل الجمهور بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ (١). ووجه الدلالة من الآية أن الله قد أذن للزوج في هجر زوجته في المضجع الخوف نشوزها، فكان مباحًا له ترك الإنفاق عليها إذا نشزت من باب أولى (٢)؛ مع أن الحظ في الصحبة قاسم يشترك فيه الزوجان، بينما الإنفاق حق خالص للزوجة، فكان إسقاط الحق الخالص للزوجة أولى (٣). ٢ - ما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر أنه ﷺ قال في خطبة الوداع: «فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألّا يوطئن فرشكم أحًدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (٤). قال ابن العربي: «وفي هذا دليل أن الناشز لا نفقة لها ولا كسوة» (٥) وذلك لأن رسول الله ﷺ نص على صورة من صور النشوز، وعلق الرزق والكسوة بعدمها. ٣ - قال ابن قدامة: «ولنا أن النفقة إنما تحب في مقابلة تمكينها، بدليل أنها لا تحب قبل تسليمها إليه، وإذا منعها النفقة كان لها منعه التمكين. فإذا منعته التمكين

стр. 634

كان له منعها من النفقة» (١). والنفقة إلزام وغرم وجب على الزوج مقابل احتباس الزوجة، فإذا نشرت وألزم بالنفقة كان إلزامًا بدون مقابل، وفيه من الإجحاف بالزوج ما فيه. • ومما تقدم تعلم أن الناشز لا نفقة لها على الراجح. وإن كان لها ولد فعليه نفقة ولده؛ لأنها واجبة له، فلا يسقط حقه بمعصيتها. وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء (٢). المسألة العاشرة: نفقة المعدات من طلاق: تعريف الطلاق: يحسن بدءًا قبل إثبات حق المطلقة المعتدة في النفقة أن ينبه على بعض التعريفات: الطلاق: حل قيد النكاح في الحال أو في المآل بلفظ مشتق من مادة الطلاق أو ما في معناها. الطلاق الرجعي: هو الذي يملك الزوج فيه مراجعة زوجته، ولو لم ترض ما دامت في العدة دون حاجة إلى مهر وعقد جديدين. المطلقة طلاقًا بائنًا بينونة صغرى: هو الطلاق الذي لا يملك الزوج معه مراجعة زوجته إلا بإذنها، وبعقد، ومهر جديدين، ويكون دون ثلاث طلقات. المطلقة المبتوتة أو البينونة الكبرى: وهي من بت زوجها طلاقها، وأصبحت لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. وتكون طلقاتها ثلاثًا (٣).

стр. 635

وأهل العلم اتفقوا في نفقة المعتدات على ما يأتي: ١ - لا نفقة للمطلقة قبل الدخول؛ لأنه لا عدة لها؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١). ٢ - وجوب النفقة للمطلقة الرجعية؛ يقول ابن عبد البر: «لا خلاف بين علماء الأمة أن اللواتي لأزواجهن عليهن الرجعة لهن النفقة، وسائر المؤونة على أزواجهن، حوامل كن أو غير حوامل؛ لأنهن في حكم الزوجات في النفقة والسكن والميراث ما كنّ في العدة» (٢). فالمطلقة الرجعية لها النفقة والسكنى؛ لأن الطلاق الرجعي يعتبر امتدادًا للزوجية؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٣). يقول ابن كثير: «﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ أي في مدة العدة لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه، فليس للرجل أن يخرجها، ولا يجوز لها أيضًا الخروج؛ لأنها متعلقة لحق الزوج أيضًا … ﴿وَتِلْكَ

стр. 636

حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي شرائعه ومحارمه ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾، أي يخرج عنها ويتجاوزها إلى غيرها ولا يأتمر بها ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، أي بفعل ذلك، وقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أي إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة، لعل الزوج يندم على طلاقها، ويخلق الله تعالى في قلبه رجعتها، فيكون ذلك أيسر وأسهل» (١). وتأمل الآية تقف على الآتي: أ- ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ أضاف البيوت إلى الزوجات، وهي للأزواج؛ لتأكيد النهي بيان كمال استحقاقهن لسكناها كأنها أملاكهن. ب- قوله سبحانه بعد نواهيه ﴿وَتِلْكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر من الأحكام، وما في اسم الإشارة من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو درجتها، وبعد منزلتها. جـ- ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ أظهر حدود الله في الثانية مع أن الموضع موضع إضمار، والإظهار في حيز الإضمار لتهويل أمر التعدي والإشعار بعلة الحكم (٢). واستدلوا -أيضًا- بما أخرجه أحمد في المسند (٣)، والنسائي في المجتبى (٤)،

стр. 637

والطبراني في الأوسط (١) والكبير (٢) من طرق عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس قالت: أتيت النبي ﷺ فقلت: أنا بنت آل خالد، وإن زوجي فلانًا أرسل لي بطلاقي، وإني سألت أهله النفقة والسكنى، فأبوا علي. قالوا: يا رسول الله إنه قد أرسل إليها بثلاث تطليقات. قالت: فقال رسول الله ﷺ : «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة» واللفظ للنسائي. وصححه الألباني (٣). ٣ - الحامل المطلقة طلاقًا بائنًا تجب لها النفقة، يقول ابن عبد البر: «إن كانت المبتوتة حاملًا فالنفقة لها بإجماع العلماء» (٤) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٥). يقول الرازي: «وهذا بيان حكم المطلقة البائنة لأن الرجعية تستحق النفقة وإن لم تكن حاملًا، وإن كانت مطلقة ثلاثًا أو مختلعة فلا نفقة لها إلا أن تكون حاملًا» (٦) فالنفقة لها لأجل الحمل. • وأمّا المطلقة المبتوتة غير الحامل وكذا المختلعة؛ لأن جمهور الفقهاء يعدون الخلع طلاقًا بائنًا (٧)، فإنه لا نفقة لها ولا سكنى على الراجح من أقوال أهل العلم،

стр. 638

وإلى هذا ذهب أحمد في المشهور عنه (١)، وأبو ثور (٢)، وأبو داود (٣) ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وتلميذه ابن القيم (٥). واستدلوا بما أخرجه مسلم في صحيحه (٦) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله مالك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: «ليس لك عليه نفقة» فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: «تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم؛ فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنيني» قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم، خَطَباني. فقال رسول الله ﷺ : «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، أنكحي أسامة بن زيد» فكرهته، ثم قال: «أنكحي أسامة» فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا واغتبطت. وأخرج -أيضًا- من طريق أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس أنه طلقها زوجها في عهد النبي ﷺ ، وكان أنفق عليها نفقة دون، فلما رأت ذلك قالت: والله لأعلمن رسول الله ﷺ ، فإن كان لي نفقة أخذت الذي يصلحني، وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ منه شيئًا. قالت: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «لا نفقة لك ولا سكنى». ووقع في رواية الجماعة إلا البخاري أنها طلقها زوجها ثلاثًا، فلم يجعل لها

стр. 639

رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى (١). وقد تقدم (٢) قول رسول الله ﷺ : «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة». ثم إن هذا الحكم موافق لما جاء في كتاب الله قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٣). فأمر الله سبحانه الأزواج الذين لهم عند بلوغ الأجل الإمساك والتسريح بألا يخرجوا أزواجهم من بيوتهن، وأمر أزواجهم ألّا يَخْرُجن، فدّل على جواز إخراج من ليس لزوجها إمساكها بعد الطلاق، فإنه سبحانه ذكر هؤلاء المطلقات أحكامًا متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض، وأشار سبحانه إلى حكمة ذلك، وأنه في الرجعيات خاصة لقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ والأمر الذي يرجى إحداثه ها هنا: المراجعة، واقتضت حكمة أحكم الحاكمين، و أرحم الراحمين ببقاء الزوجة في بيتها لعل الزوج يندم، ويزول الشر الذي نزغه الشيطان

стр. 640

بينهما، فتتبعها نفسه، فيراجعها. وهكذا يكون السياق خاصًا بالمطلقات الرجعيات يرشد لذلك القرينة في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ا﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وما الإمساك بالمعروف إلا حيث تكون الرجعة ممكنة. وإذا كان الطلاق بائنًا بينونة كبرى فلا إحداث ولا إمساك، وكيف يكون الإمساك ممكنًا أو الرجعة وقد قال تعالى في شأن المبتوتة: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١). وعلى هذا التخريج يتضح أن المتحدث عنهن في آية الطلاق من المطلقات الرجعيات لا غير. ولا سبيل إلى إقحام المبتوتة إلا بتفكيك الضمائر واختلافها مع مفسرها، وهو ما لا تحتمله بلاغة القرآن ونظمه الفصيح (٢). يقول ابن القيم: « … وكان قول النبي ﷺ «إنما النفقة والسكن للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة» مشتقًا من كتاب الله ، ومفسرًا له، وبيانًا لمراد المتكلِّم منه، فقد تبين اتحاد قضاء النبي ﷺ كتاب الله ، والميزان العادل معهما أيضًا لا يخالفما» (٣).

стр. 641

الفصل الثالث حق المرأة في الإرث يشتمل هذا الفصل على مبحثين: المبحث الأول: ميراث المرأة في الكتاب والسنة. المبحث الثاني: شبهة حول ميراث المرأة، والرد عليها.

стр. 642

توطئة: لقد تقدم فيما مضى أن المرأة في الجاهلية لم تكن ترث؛ لكونها تُوْرَث هي في جملة التركة، والذي يورث لا يرث، بل لا إرث له ولا ملك، ومعلوم أن العرب في جاهليتهم قبل الإسلام كانوا لا يرون المرأة أهلًا للإرث من أقاربها؛ لأنها لا تحمل سيًفا، ولا تدافع عن قبيلة، ولا تعزو، ولا تحوز الغنائم، وخشوا على المال أن ينتقل إلى الغريب إن هي تزوجته، فحرموها الإرث والمهر والوصية (١)؛ وأكلوا مالها ظلمًا وعدوانًا حتى أشرقت شمس الإسلام لتزيل غياهب ظلام الجاهلية، وتثبت حق المرأة في الإرث أمًّا كانت أو زوجة أو أختًا أو بنتًا، وجاءت آيات القرآن لتؤكد حق المرأة في الميراث، وكذا الأحاديث النبوية.

стр. 643

المبحث الأول: ميراث المرأة في الكتاب والسنة الأدلة من الكتاب: ١ - قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (١). وقد أثبت الله حق النساء في الميراث، وأكده من عدة نواحٍ: أ- أفرد ذكر النساء بعد ذكر الرجال، ولم يقل: للرجال والنساء نصيب؛ لعلا يستهان بأصالتهن في هذا الحكم، ودفع ما كانت عليه الجاهلية من عدم التوريث (٢). ب- قوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، فليس أدل من ذلك على أن حق المرأة في الإرث ثابت، ولو من القليل التافه الذي خلفه الميت، مما لا يَدَعُ مجالًا للشك أو الريب أو التهرب من إعطاء المرأة لما تستحقه بعطاء الله لها. جـ- قوله: «نصيبًا مفروضًا» فبالرغم من أن ذكر نصيب المرأة جاء في أول الآية وللنساء نصيب، إلا أن الله تعالى كرر ذكر هذا النصيب مع توكيده بكلمة (مفروضًا) لإزالة أي لبس، ولإثبات هذا الحق ثبوتًا قطعًا (٣).

стр. 644

٢ - أثبت القرآن حق الأم في الإرث فقال عزّ من قائل سبحانه: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١). ٣ - وأثبت حق الزوجة، فقال سبحانه: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ (٢). ٤ - وأثبت حق البنت، فقال سبحانه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ (٣). ٥ - وأثبت حق الأخت، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (٤) وقال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا

стр. 645

وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١). الأدلة مِنَ السنة: ١ - أخرج البخاري (٢) من طريق عطاء، عن ابن عباس قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع. ٢ - أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الفرائض، باب: ميراث البنات (٣)، ومسلم (٤) من حديث سعد بن أبي وقاص قال: مرضت بمكة مرضًا أشفيت منه على الموت، فأتاني النبي ﷺ يعودني، فقلت: يا رسول الله إن لي مالًا كثيرًا، وليست ترثني إلا ابنتي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قال: فالشطر. قال: «لا» قلت: الثلث؟ قال: «الثلث كثير، إنك إن تركت ولدك أغنياء، خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة إلا أُجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى امرأتك» الحديث. واللفظ للبخاري. • وأخرج البخاري -أيضًا- في ميراث البنات (٥) من طريق الأسود بن يزيد قال: أتانا معاذ بن جبل باليمن معلمًا وأميرًا، فسألناه عن رجل توفي، وترك ابنته وأخته، فأعطى الابنة النصف، والأخت النصف.

стр. 646

٣ - أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الفرائض، باب: ميراث ابنة ابن مع ابنة (١)، وباب: ميراث الأخوات مع البنات عصبة (٢) من طريق هزيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى عن بنت وابنة ابن وأخت، فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وائت ابن مسعود فسيتابعي، فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ : «للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الخبر فيكم» واللفظ في الموضع الأول من البخاري. ٤ - أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الفرائض، باب: ميراث الأخوات والأخوة (٣)، ومسلم في صحيحه في كتاب الفرائض، باب: ميراث الكلالة (٤) من طريق محمد بن المنكدر قال: سمعت جابرًا قال: دخل علي النبي ﷺ ، وأنا مريض، فدعا بوضوء فتوضأ، ثم نضح عليّ من وضوئه، قال: فأفقت، فقلت: يا رسول الله، إنما لي أخوات، فنزلت آية الفرائض. ولفظ مسلم: حتى نزلت آية الميراث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٥). ٥ - أخرج أبو داود في السنن (٦)، وابن ماجه في السنن (٧)، والترمذي

стр. 647

في السنن (١)، والدارقطني في السنن (٢)، والحاكم في المستدرك (٣)، والبيهقي في الكبرى (٤) من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قُتل أبوهما معك يوم أحد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالًا، ولا تنكحان إلا ولهما مال. قال: «يقضي الله في ذلك» فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله ﷺ إلى عمهما، فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعطِ أمهما الثمن، وما بقي فهو لك. قال الترمذي: هذا حديث صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وإسناده حسن، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه، والراجح أنه حسن الحديث إذا لم يخالفه (٥)، ولم يخالف هنا. وحسنه الألباني في الإرواء (٦). ٥ - أخرج عبد الرزاق في مصنفه (٧)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٨)، وأحمد في

стр. 648

المسند (١)، وأبو داود في السنن (٢)، وابن ماجه في السنن (٣)، والترمذي في السنن (٤)، وابن الجارود في المنتقى (٥)، والطبراني في الكبير (٦)، والبيهقي في الكبرى (٧)، والمقدسي في المختارة (٨) من طرق عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ما أرى الدية إلا للعَصبَة؛ لأنهم يعقلون عنه، فهل سمع أحد منكم من رسول الله ﷺ في ذلك شيئًا؟ فقال الضحاك بن سفيان الكلابي، وكان استعمله رسول الله ﷺ على الأعراب: كتب إليّ رسول الله ﷺ أن أورث امرأة أَشْيَمَ الضِّبَابي من دية زوجها. فأخذ بذلك عمر بن الخطاب. واللفظ لأحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. قال الترمذي: حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم. وقال المقدسي في المختارة: إسناده صحيح. وبوّب عليه أبو داود: باب في المرأة ترث من دية زوجها. ٦ - أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التفسير، باب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا

стр. 649

آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ (١) من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت الآية. وقد أوردتُ نزرًا يسيرًا من الأحاديث النبوية التي تثبت حق المرأة في الإرث، وإلا فكتب السنة ملأى بأقوال رسول الله ﷺ وأحكامه في إثبات حقها، فراجع كتب الفرائض منها إن رمت الزيادة.

стр. 650

المبحث الثاني: شبهة حول ميراث المرأة، والرد عليها المطلع على توصيات المؤتمرات العالمية للمرأة يقف على المطالبة بمساواة المرأة بالرجل في حق الميراث، ويعتبر عدم المساواة من باب التمييز ضد المرأة، وفي هذه الإجراءات لمز بأحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بميراث المرأة، مما جعل بعضًا من الدول الإسلامية المشاركة في هذه المؤتمرات وغير المشاركة تعترض على هذه الإجراءات والتوصيات، وتبين أن هذا الأمر من الأحكام الشرعية القطعية التي لا تقبل الأخذ والرد، ومن الدول المعترضة: ليبيا، ومصر، وإيران، وموريتانيا، والمغرب، وتونس في كل من المؤتمر الدولي للسكان والتنمية في القاهرة: ١٩٩٤ م - ١٤١٥ هـ، والمؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة ببكين: ١٩٩٥ م - ١٤١٦ هـ (١). وبدأ الناعقون الذي ينعقون بما لا يعقلون يرددون كالأبواق توصيات المؤتمرات، ويتولى دعاة جهنم إثارة الشبهات؛ ليطفئوا نور الله ويأبى الله إلا أن يتم نوره؛ لأن الزبد يذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وأجزم أن مثير الشبهة لديه جهل تام بأحكام الشرع، ولو درس علم الفرائض الخجل من هذه المطالبة، وإليك تفنيد دعواه، وإبطال شبهته: ١ - إنّ التفاوت بين الذكور والإناث في بعض مسائل الميراث تحكمه معايير ثلاثة:

стр. 651

أولها: درجة القرابة بين الوارث -ذكرًا أو أنثى- وبين المورِّث -المتوفى- فكلما اقتربت الصلة زاد النصيب في الميراث، وكلما بعدت الصلة قل النصيب في الميراث دون ما اعتبار لجنس الوارثين. ثانيها: موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال … فالأجيال التي تستقبل الحياة، وتستعد لتحمل أعبائها، عادة يكون نصيبها في الميراث أكبر من نصيب الأجيال التي تستدبر الحياة، وتخفف من أعبائها، بل وتصبح أعباؤها عادة مفروضة على غيرها، وذلك بصرف النظر عن الذكورة أو الأنوثة للوارثين والوارثات. ثالثها: العبء المالي الذي يوجب الشرع الإسلامي على الوارث تحمله، والقيام به حيال الآخرين، وهذا هو المعيار الوحيد الذي يثمر تفاوتًا بين الذكر والأنثي … لكنه تفاوت لا يفضي إلى أي ظلم للأنثى أو انتقاص إنصافها (١). ٢ - لا بد أن تُعْلَم الحكمة من كون نصيب المرأة على النصف من نصيب الرجل، ذلك أن النصيب في الإرث مبني على الأعباء الاقتصادية في الحياة العائلية، لكل منهما؛ فالرجل مكلف شرعًا كما مرّ بدفع المهر (٢)، والالتزام بالنفقة (٣)، وإن طلق زوجته كان لها المتعة (٤)، فالرجل في شريعة الإسلام هو الملتزم بأعباء الأسرة من الناحية المالية، فكان من العدالة أن يكون لهذا الرجل حظ من الإرث أكثر من

стр. 652

حظ المرأة، ليستعين به على أداء هذه التكاليف (١)، أما المرأة فتأخذ نصيبها من الميراث دون أدنى مشاركة أو أدني مسؤولية مالية، ويمكن بيان الأمر بصورة حسابية على النحو التالي: لو توفي رجل -مثلًا- وترك بنتًا وابنًا، وترك لهما مبلغ ستة آلاف، فإن نصيب الابن أربعة آلاف، والبنت ألفان، فإذا تزوج الولد فإن عليه أن يعطي زوجته مهرًا، وأن يعد لها منزلًا، وينفق عليها من ماله، أما أخته فإنه ليس عليها أن تنفق على زوجها، أو تدفع له مهرًا، بل إن زوجها هو المطالب بالنفقة عليها، وإذا لم تتزوج فنفقتها على أبيها أو أخيها أو أقرب الناس إليها، ففي هذه الحالة تكون الأربعة آلاف له ولزوجته وأولاده، فيكون نصيبه مساويًا نصيب أخته، أو أقل منها (٢). قال الإمام النووي ﵀ في بيان الحكمة من تفضيل الرجال على النساء في الإرث: «حكمته أن الرجال تلحقهم مؤن كثيرة في القيام على العيال، والضيفان، والأرقاء والقاصدين، ومواساة السائلين، وتحمل الغرامات وغير ذلك. والله أعلم» (٣). وقال الشنقيطي: «الحكمة في تفضيل الذكر على الأنثى في هذه الآية، أي قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، هي ما أشار إليه في آية أخرى، بقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا

стр. 653

مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (١) لأن القائم على غيره، المنفق ماله عليه مترقب للنقص دائمًا، والمَقُوم عليه المنفق عليه المال مترقب للزيادة دائمًا، والحكمة في إيثار مترقب النقص على مترقب الزيادة جبرًا لنقصه المترقب ظاهرة جدًّا» (٢). وختامًا يمكن القول بأن مال الميراث لم يتسبب فيه أحدهما البتة، وما سعيا في تحصيله عرفًا، وإنما هو تمليك من الله ملكهما إيّاه تمليكًا جبريًا، فاقتضت حكمة الحكيم الخبير أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين وإن أدليا بسبب واحد؛ الترقب الذكر للنقص، والمرأة للزيادة، وهذه حكمة ظاهرة لا ينكرها إلا من أعمى الله بصيرته. ٣ - إن استقراء حالات الميراث ومسائله كما جاءت في علم الفرائض -المواريث- يكشف عن حقيقة قد تذهل الكثيرين عن أفكارهم السابقة والمغلوطة في هذا الموضوع … فهذا الاستقراء لحالات ومسائل الميراث يبين لنا: ١ - أن هناك أربع حالات فقط ترث فيها المرأة نصف الرجل، وهي: أ- وجود البنت مع الابن، وذلك لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٣). ب- وجود الأب مع الأم عند عدم وجود أولاد ولا زوج أو زوجة، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (٤) ففرض للأم الثلث، ويكون الباقي وهو الثلثان للأب. جـ- وجود الأخت الشقيقة أو لأب، مع الأخ الشقيق أو لأب، وذلك لقوله

стр. 654

تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١). د- الزوج والزوجة، وذلك لقوله : ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (٢) فإذا مات أحد الزوجين وترك الآخر، يكون الميراث كما يلي: عند عدم الولد يكون نصيب الزوج النصف، ونصيب الزوجة الربع، وعند وجود الولد يكون نصيب الزوج الربع، ونصيب الزوجة الثمن (٣). ٢ - وهناك حالات أضعاف هذه الحالات الأربع ترث المرأة فيها مثل الرجل تمامًا ومن ذلك: أ- حالة ميراث الأم مع الأب مع وجود ولد ذكر؛ فالأب يأخذ السدس، والأم كذلك تأخذ السدس، والابن يأخذ الباقي تعصيبًا. ب- ميراث الإخوة لأم مع الأخوات لأم دائمًا في الميراث يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (٤) فهذه الآية ظاهرة الدلالة على تساوي حظ المرأة مع الرجل، إن كانت الأخوّة من جهة الأم. ٣ - وهناك حالات عشر أو تزيد ترث فيها المرأة أكثر من الرجل، ومن هذه: أ- فرض الثلثين مفيد للمرأة عن التعصيب للرجل أحيانًا، ومثاله: إذا ماتت المرأة عن ستين ألفًا، والورثة (زوج، أب، أم، بنتان) فيكون نصيب الزوج الربع أي

стр. 655

١٢ ألفًا (١)، ونصيب الأب السدس أي ٨ آلاف، والباقي تعصيبًا (ولم يبق شيء)، ونصيب الأم السدس أي ٨ آلاف، ونصيب البنتين الثلثين أي ٣٢ ألفًا لكل بنت ١٦ ألفًا. وإذا افترضنا المسألة نفسها ولكن بدل البنتين ابنان، فسيكون نصيب الورثة كما يلي: نصيب الزوج الربع أي: ١٥ ألفًا، ونصيب الأب السدس أي ١٠ آلاف، ونصيب الأم السدس أي ١٠ آلاف، ونصيب الابنين الباقي تعصيبًا أي ٢٥ ألفًا (لكل ابن ١٢٥٠٠) فيتضح من هذا المثال أن نصيب البنت (١٦) ألفًا، كان أكثر من نصيب الابن (١٢٥٠٠). ب- فرض النصف أفاد الإناث عن التعصيب للرجل أحيانًا، ومثاله: إذا ماتت المرأة عن ١٥٦ ألفًا، والورثة (زوج، أب، أم، بنت) (٢) فيكون نصيب الزوج الربع أي: ٣٦ ألفًا، ونصيب الأب السدس أي: ٢٤ ألفًا + الباقي تعصيبًا (لم يبق شيء)، ونصيب الأم السدس أي: ٢٤ ألفًا، والبنت النصف أي: ٧٢ ألفًا. وإذا افترضنا المسألة نفسها ولكن بدل البنت ابن فسيكون نصيب الابن (٦٥ ألفًا) وهو الباقي تعصيبًا، فيكون أقل من نصيب البنت.

стр. 656

جـ- فرض الثلث قد يكون أحظ للمرأة من التعصيب للرجل أحيانًا: ومثاله: الإرث (٤٨) ألفًا، والورثة (زوجة، أم، أختان لأم، أخوان شقيقان) فيكون نصيب الزوجة الربع: أي: ١٢ ألفًا، ونصيب الأم السدس أي ٨ آلاف، ونصيب الأختين لأم الثلث أي ١٦ ألفًا لكل أخت ٨ آلاف، ونصيب الأخوين الشقيقين الباقي تعصيبا أي ١٢ ألفًا، لكل أخ ستة آلاف. ففي هذا المثال أخذت كل واحدة من الأختين لأم (٨ آلاف) وهما الأبعد قرابة، على حين أخذ كل من الأخوين الشقيقين ستة آلاف. ٤ - الحالات التي ترث فيها المرأة، ولا يرث نظيرها من الرجال: ومثال هذه الحالات: أ- بنت الابن وابن الابن و مثال هذه الحالة: إذا كانت التركة ١٩٥ ألفًا، والورثة (زوج، أب، أم، بنت، بنت ابن) فيكون نصيب الزوج الربع أي: ٣٩ ألفًا (١)، ونصيب الأب السدس أي ٢٦ ألفًا + الباقي تعصيبًا (ولم يبق شيء)، ونصيب الأم السدس أي ٢٦ ألفًا، ونصيب البنت النصف أي ٧٨ ألفًا، ونصيب بنت الابن السدس أي ٢٦ ألفًا. وإذا افترضنا المسألة نفسها، ولكن بدل بنت الابن (ابن الابن) فسيكون نصيب الزوج الربع أي: ٤٥ ألفًا، ونصيب الأب السدس أي ٣٠ ألفًا، ونصيب البنت النصف أي ٩٠ ألفًا، ونصيب ابن الابن الباقي تعصيبًا، ولم يبق شيء. فهنا أخذت بنت الابن بفرض السدس ٤٥ ألفًا، ولم يأخذ ابن الابن شيئًا، وإذا قيل إن ابن الابن هنا له وصية واجبة، فإن هذا خلاف رأي الجمهور (٢).

стр. 657

ب- الأخت لأب والأخ لأب و مثال هذه الحالة: إذا كانت التركة (٨٤) ألفًا، والورثة (زوج، أخت شقيقة، أخت لأب) فيكون نصيب الزوج النصف أي: ٣٦ ألفًا (١)، ونصيب الأخت الشقيقة النصف أي ٣٦ ألفًا، ونصيب الأخت لأب السدس أي ١٢ ألفًا. وإذا افترضنا المسألة نفسها، ولكن بدل الأخت لأب أخ لأب، فسيكون نصيب الزوج النصف أي: ٤٢ ألفًا، ونصيب الأخت الشقيقة النصف أي ٤٢ ألفًا، ونصيب الأخ لأب الباقي تعصيبًا، ولم يبق شيء. فهنا أخذت الأخت لأب بفرضها السدس أي ١٢ ألفًا، ولم يأخذ نظيرها وهو الأخ لأب شيئًا، ولا توجد له وصية واجبة؛ لأنه ليس من فرع ولد الميت. جـ- ميراث الجدة: فكثيرًا ما ترث، ولا يرث نظيرها من الأجداد، ومثاله: (أب أم، وأم أم) فأب الأم ممنوع؛ لأنه جد غير وارث، وأم الأم ترث السدس فرضًا + الباقي ردًا عليها. وهكذا هناك عشرات الأمثلة التي تأخذ فيها المرأة مثل الرجل، أو أكثر منه، أو ترث هي ولا يرث نظيرها من الرجال، في مقابل أربع حالات محددة ترث فيها المرأة نصف الرجل؛ لأسباب تتوافق مع الروافد الأخرى من الأحكام الشرعية التي تتكامل أجزاؤها في توازن دقيق، ولا يظلم طرف على ح ساب آخر؛ لأنها شريعة الله تعالى الحكيم الخبير (٢). • ونظرًا للحقوق المالية التي كفلها الإسلام للمرأة في ظله؛ جعلت منصفي الغرب يرونه أنموذجًا حريًّا أن يُقتدى به، ولا غرو فإن م شرعه الله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٣) ومن أقوالهم في ذلك:

стр. 658

• قالت «أني بيزنت» مؤلفة كتاب «الأديان المنتشرة في الهند»: «ما أكبر خطة العالم في تقدير نظريات النبي ﷺ فيما يتعلق بالنساء». وبعد أن سردت كثيرًا من الآيات التي تحث على رعاية المرأة وإكرامها قالت: «ولا تقف تعاليم النبي ﷺ عند حدود العموميات، فقد وضع قانونًا لوراثة النساء، وهو قانون أكثر عدلًا، وأوسع حرية من ناحية الاستقلال الذي يمنحها إيّاه القانون المسيحي الإنكليزي الذي كان معمولًا به إلى ما قبل نحو عشرين سنة، فما وضعه الإسلام للمرأة يعتبر قانونًا نموذجيًّا فقد تكفل بحمايتهن في كل ما يملكنه من أقاربهن وإخوان وأزواجهن» (١). • وقال مؤلف كتاب حضارة الغرب «غوستاف لوبون»: «فالقرآن قد منح المرأة حقوقًا إرثية أحسن مما في قوانين الأوروبية، ومبادئ المواريث التي نص عليها القرآن على جانب عظيم من العدل والإنصاف، ويمكن للقارئ أن يدرك ذلك من الآيات التي أنقلها منه، وأن أشير فيه بدرجة الكفاية إلى أحكامها العامة، ويظهر من مقابلتي بينها وبين الحقوق الفرنسية، والانكليزية أن الشريعة الإسلامية منحت الزوجات اللاتي يزعمن أن المسلمين لا يعاشروهن بالمعروف حقوقًا في المواريث لا نجد مثلها في قوانينا» (٢) … فسبحان من حكم فعدل.

стр. 659

الفصل الرابع حق المرأة في التعاقدات المالية

стр. 660

الفصل الرابع حق المرأة في التعاقدات المالية ضمن الإسلام للنساء حقوقهن في تملك المال، والضِّياع، والدور ونحوها بأي سبب من أسباب التملك المشروع، وأباح لها أن تمارس التجارة، وسائر تصرفات الكسب المباح، ولها أن تقب الهبات من أموالها، وأن تتصدق (١)، وأن توصي منه لمن تشاء من غير ورثتها في حدود الثلث، وأن تخاصم غيرها إلى القضاء، ولها أن تفعل ذلك بنفسها أو بمن توكله عنها باختيارها، ومما يدل على ذلك قوله تبارك تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٢). فأمر الله تعالى أولياء اليتامى أن يدفعوا إليهم أموالهم بشرط بلوغهم وإيناسهم رشدهم من غير تفرقة بين الذكر والأنثى، فدل ذلك على أهلية المرأة وحقها في التصرف بأموالها، وأن يدفع إليها ما ورثته بعد بلوغها وإيناس رشدها وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥) في المشهور عنهم وهو الراجح لظاهر دلالة الآية. وستقف من الأدلة على إثبات أحقيتها في البيع والشراء، والتعاقدات المالية عمومًا:

стр. 661

١ - أخرج البخاري في صحيحه في كتاب البيوع، باب: الشراء والبيع مع النساء (١)، ومسلم في كتاب العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق (٢)، من طريق عروة بن الزبير، قالت عائشة: دخل عليّ رسول الله ﷺ ، فذكرت له، فقال لها رسول الله ﷺ : «اشتري وأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق» ثم قام النبي ﷺ من العشي، فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: «ما بال أناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن اشترط مائة شرط، شرط الله أحق وأوثق» واللفظ للبخاري. وبوّب عليه البخاري «باب الشراء والبيع مع النساء» قال العيني: «مطابقته للترجمة في قوله» اشتري «يخاطب به عائشة، والبيع والشراء كان في بريرة حيث اشترتها عائشة من أهلها، وصدق البيع والشراء هنا من النساء مع الرجال» (٣). ٢ - أخرج أبو عبيد في الأموال (٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٥) من طريق الليث بن سعد، والإمام أحمد في المسند (٦) من طريق ابن إسحاق، وابن حبان في صحيحه (٧)، والطبراني في الكبير (٨) من طريق عمرو بن الحارث، والبيهقي في

стр. 662

السنن الكبرى (١) من طريق أنس بن عياض، وابن عبد البر في الاستيعاب (٢) من طريق وهيب بن خالد خمستهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عتبة، عن رائطة امرأة عبد الله بن مسعود وأمِّ ولده، وكانت امرأة صَنَاع اليد قال: فكانت تنفق على ولده من صنعتها. قالت: فقلت لعبد الله بن مسعود: لقد شغلتني أنت وولدك عن الصدقة، فما أستطيع أن أتصدّق معكم بشيء. فقال لها عبد الله: والله ما أحب -إن لم يكن في ذلك أجر- أن تفعلي. فأتت رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة ذات صنعة أبيع منها، وليس لي ولا لولدي ولا لزوجي نفقة غيرها، وقد شغلوني عن الصدقة، فما أستطيع أن أتصدّق بشيء، فهل لي من أجر فيما أنفقت؟ قال: فقال لها رسول الله ﷺ : «أنفقي عليهم؛ فإن لك في ذلك أجر ما أنفقت عليهم» واللفظ لأحمد. قال الهيثمي في المجمع (٣): «رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه ابن إسحاق وهو مدلس، ولكنه ثقة، وقد توبع». قلت: أمّا تدليس ابن إسحاق فقد انتفى؛ لأنه صرح بالتحديث عند الإمام أحمد؛ لكنه صدوق (٤)، قد توبع، كما تقدم، فالإسناد صحيح. وفيه اشتغال زوج عبد الله بن مسعود بالبيع والشراء، بل وفضلها على زوجها وولدها، وإقرار رسول الله ﷺ لها.

стр. 663

٣ - أخرج مسلم (١) من أثر طويل من طريق ابن أبي مليكة، أن أسماء قالت: … وفيه: فجاءني رجل فقال: يا أم عبد الله إني رجل فقير أردت أن أبيع في ظل دارك، قالت: إني إن رخصت لك ذلك، أبي ذاك الزبير فتعال: فاطلب إليّ والزبير شاهد. فجاء، فقال: يا أم عبد الله إني رجل فقير أردت أن أبيع في ظل دارك. فقالت: مالك بالمدينة إلا داري؟ فقال لها الزبير: مالك أن تمنعي رجلًا فقيًرا يبيع، فكان يبيع إلى أن كسب، فبعته الجارية، فدخل عليّ الزبير، وثمنها في حجري، فقال: هبيها لي. قالت: إني قد تصدقت بهما. قال ابن حزم: «فهذا الزبير وأسماء بنت الصديق قد أنفذت الصدقة بثمن خادمها، وبيعها بغير إذن زوجها». وقد مرّ في البحث (٢) أن مال المرأة ملك لها، تتصرف فيه كيف شاءت، وكانت الجارية ملكًا لأسماء فباعتها، ولم يفتقر ذلك لإذن الزبير زوجها ﵄. ٣ - أخرج مسلم (٣) من طريق عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين. قالت: قال رسول الله ﷺ : «أسرعكن لحوقًا بي، أطولكن يدًا» قالت: فكن يتطاولن أيتهن أطول يدًا. قالت: فكانت أطولنا يدًا زينب؛ لأنها كانت تعمل بيدها، وتصدّق. وأخرجه الحاكم في مستدركه (٤) من طريق عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ لأزواجه أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا. قالت عائشة: فكنا إذا

стр. 664

اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينت بنت جحش زوج النبي ﷺ ، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن أطولنا يدًا، فعرفنا حينئذ أن النبي ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقة. قال: وكانت زينت امرأة صناعة اليد، فكانت تدبغ وتخرز، وتصدق في سبيل الله . قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وفي الحديث أن زينب ﵂ كانت تدبغ وتخرز، وتبيع ذلك؛ لتتصدق به في سبيل الله، فكوفئت بسرعة لحاقها بالمصطفى ﷺ . ٤ - ذكر ابن الأثير في أسد الغابة (١)، والحافظ في الإصابة (٢) أن مليكة والدة السائب بن الأقرع كانت تبيع العطر أيام رسول الله ﷺ . ٥ - وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب (٣) أن أسماء بنت مخرمة كانت تبيع العطر بالمدينة. ومن هنا يتّضح أن المرأة المسلمة كانت تقوم بالمعاملات المالية من بيع وشراء، وينفذ تصرفها في مالها دون الحاجة لإذن وليها، وفي ظل شريعة الإسلام تحررت المرأة من عوامل الحجر والوصاية الظالمة. يقول د. محمد البوطي: «وإذ قد ثبت أن التملك حق للمرأة، كما هو حق للرجل دون تفريق، فذلك يستلزم أن مصادر الملكية بالنسبة إليهما واحدة، ومن المعلوم أن مصادر الملكية إحراز المباحات، والعقود المالية، والتولد من المملوك

стр. 665

والخلفية -أي الميراث- والهبات وما في حكمها من الصدقات، فهذه المصادر هي مصادر التملك لكل من الرجل والمرأة على السواء» (١). وسيأتي مزيد بيان لهذا الفصل في حقها في العمل (٢)، لارتباط بعضهما مع بعض.

стр. 666

الفصل الخامس حق المرأة في الغنيمة

стр. 667

الفصل الخامس حق المرأة في الغنيمة إن المرأة المسلمة عضو فعّال في مجتمعها، تُسْهِم في إصلاحه والدفاع عنه، فتجدها في السلم القارّة في بيتها، المراعية لشؤون رعيتها، وفي الحرب مشاركة بدواء الجرحى، وسقي العطشى، وقد مر في حقها في الجهاد من الأدلة ما برهن على فاعليتها، وصدق عاطفتها، ورسوخ إيمانها، ودفاعها عن الدعوة، وصاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فلا تعجب حين تطالع هذا الفصل ضمن حقوقها المالية. • واختلف أهل العلم في المرأة التي تحضر الغزو هل يسهم (١) لها أو لا على قولين: القول الأول: ذهب الأوزاعي (٢) إلى أن المرأة يسهم لها كالرجل إن شهدت الغزو. واستدل بما يأتي: ١ - أخرج ابن أبي شيبة في المصنف (٣)، وأحمد في المسند (٤)، وأبو داود في

стр. 668

السنن (١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢)، والنسائي في الكبرى (٣)، والبيهقي في الكبرى (٤) من طرق عن رافع بن سلمة، عن حشرج بن زياد، عن جدته أم أبيه أنها خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر سادس ست نسوة فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث إلينا، فجئنا، فرأينا فيه الغضب، فقال: «مع من خرجان، وبإذن من خرجتن؟!. فقلنا: يا رسول الله خرجنا نغزل الشعر، ونعين به في سبيل الله، ومعنا دواء الجرحى، وتناول السهم، ونسقي السويق. قال: «قمن» حتى إذا فتح الله عليه خيبر، أسهم لنا كما أسهم للرجال. قال: فقلت لها يا جدة، وما كان ذلك؟ قالت: تمرًا واللفظ لأبي داود. وفي إسناده حشرج بن زياد الأشجعي، قال الذهبي: «لا يعرف» (٥) وقال الحافظ: «مجهول» (٦). وضعف إسناده الخطابي في معالم السنن (٧)، والألباني في ضعيف سنن أبي داود (٨). وعلى فرض صحته، فقد أجاب عنه العلماء، فقال البيهقي في الكبرى: «إخبارها عن عين ما أعطاهن دلالة على كونه رضخًا».

стр. 669

وقال ابن القيم في حاشية السنن (١): «تعي أنه أشرك بينهم في أصل العطاء الا في قدره، فأرادت أنه أعطانا مثل ما أعطى الرجال، لا أنه أعطاهن بقدرهم سواء، والله أعلم». ٢ - ما أخرجه سعيد بن منصور في السنن (٢)، وأبو داود في المراسيل (٣) من طريق سعيد بن أبي هلال، أن ابن شبل حدثه أن سهلة بنت عاصم ولدت يوم خيبر، فقال رسول الله ﷺ : «تساهلت» ثم ضرب لها بسهم. فقال رجل من القوم: أعطيت سهلة مثل سهمي. وإسناده ضعيف، فيه ابن شبل لم يسم، وقال الذهبي (٤) والحافظ (٥) «لا يعرف» ثم إنه مرسل كما قال ذاك الذهبي (٦). قال ابن قدامة في المغني (٧): « … ولذلك عجب الرجل الذي قال: أعطيت سهلة مثل سهمي. ولو كان هذا مشهورًا من فعل النبي ﷺ ما عجب منه». القول الثاني: ما ذهب إليه مالك (٨) بأن النساء لا سهم لهن ولا رضخ. واستدل بأن النساء لا جهاد عليهن، وإنما يجب السهم والرضخ لمن كان

стр. 670

مقاتلًا (١). ويجاب عنه بأنه قياس في مقابل النص، فلا يؤخذ به. القول الثالث: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء: الليث، والثوري (٢)، والكوفيون (٣)، والشافعي (٤)، وأحمد (٥) بأن النساء لا يسهم لهن، ولكن يُرْضَخ لهن. والرَضْخ: العطية (٦). يقول ابن قدامة في المغني (٧): «ومعناه أنهم (أي: المرأة والعبد) يعطون شيئًا من الغنيمة دون السهم، ولا يسهم هم سهم كامل، ولا تقدير لما يعطونه، بل ذلك إلى اجتهاد الإمام، فإن رأى التسوية بينهم سوَّى بينهم، وإن رأى التفضيل فضَّل». واستدلوا بما يأتي: ١ - ما أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الجهاد، باب: النساء الغازيات يرضخ لهن، ولا يسهم (٨)، من طريق يزيد بن هرمز، أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال، وفيه: «فكتب إليه ابن عباس (يعني: لنجدة) كتبت تسألني
следующие страницы →