← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الفصل الخامس حق المرأة في الغنيمة

стр. 667

الفصل الخامس حق المرأة في الغنيمة إن المرأة المسلمة عضو فعّال في مجتمعها، تُسْهِم في إصلاحه والدفاع عنه، فتجدها في السلم القارّة في بيتها، المراعية لشؤون رعيتها، وفي الحرب مشاركة بدواء الجرحى، وسقي العطشى، وقد مر في حقها في الجهاد من الأدلة ما برهن على فاعليتها، وصدق عاطفتها، ورسوخ إيمانها، ودفاعها عن الدعوة، وصاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فلا تعجب حين تطالع هذا الفصل ضمن حقوقها المالية. • واختلف أهل العلم في المرأة التي تحضر الغزو هل يسهم (١) لها أو لا على قولين: القول الأول: ذهب الأوزاعي (٢) إلى أن المرأة يسهم لها كالرجل إن شهدت الغزو. واستدل بما يأتي: ١ - أخرج ابن أبي شيبة في المصنف (٣)، وأحمد في المسند (٤)، وأبو داود في

стр. 668

السنن (١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢)، والنسائي في الكبرى (٣)، والبيهقي في الكبرى (٤) من طرق عن رافع بن سلمة، عن حشرج بن زياد، عن جدته أم أبيه أنها خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر سادس ست نسوة فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث إلينا، فجئنا، فرأينا فيه الغضب، فقال: «مع من خرجان، وبإذن من خرجتن؟!. فقلنا: يا رسول الله خرجنا نغزل الشعر، ونعين به في سبيل الله، ومعنا دواء الجرحى، وتناول السهم، ونسقي السويق. قال: «قمن» حتى إذا فتح الله عليه خيبر، أسهم لنا كما أسهم للرجال. قال: فقلت لها يا جدة، وما كان ذلك؟ قالت: تمرًا واللفظ لأبي داود. وفي إسناده حشرج بن زياد الأشجعي، قال الذهبي: «لا يعرف» (٥) وقال الحافظ: «مجهول» (٦). وضعف إسناده الخطابي في معالم السنن (٧)، والألباني في ضعيف سنن أبي داود (٨). وعلى فرض صحته، فقد أجاب عنه العلماء، فقال البيهقي في الكبرى: «إخبارها عن عين ما أعطاهن دلالة على كونه رضخًا».

стр. 669

وقال ابن القيم في حاشية السنن (١): «تعي أنه أشرك بينهم في أصل العطاء الا في قدره، فأرادت أنه أعطانا مثل ما أعطى الرجال، لا أنه أعطاهن بقدرهم سواء، والله أعلم». ٢ - ما أخرجه سعيد بن منصور في السنن (٢)، وأبو داود في المراسيل (٣) من طريق سعيد بن أبي هلال، أن ابن شبل حدثه أن سهلة بنت عاصم ولدت يوم خيبر، فقال رسول الله ﷺ : «تساهلت» ثم ضرب لها بسهم. فقال رجل من القوم: أعطيت سهلة مثل سهمي. وإسناده ضعيف، فيه ابن شبل لم يسم، وقال الذهبي (٤) والحافظ (٥) «لا يعرف» ثم إنه مرسل كما قال ذاك الذهبي (٦). قال ابن قدامة في المغني (٧): « … ولذلك عجب الرجل الذي قال: أعطيت سهلة مثل سهمي. ولو كان هذا مشهورًا من فعل النبي ﷺ ما عجب منه». القول الثاني: ما ذهب إليه مالك (٨) بأن النساء لا سهم لهن ولا رضخ. واستدل بأن النساء لا جهاد عليهن، وإنما يجب السهم والرضخ لمن كان

стр. 670

مقاتلًا (١). ويجاب عنه بأنه قياس في مقابل النص، فلا يؤخذ به. القول الثالث: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء: الليث، والثوري (٢)، والكوفيون (٣)، والشافعي (٤)، وأحمد (٥) بأن النساء لا يسهم لهن، ولكن يُرْضَخ لهن. والرَضْخ: العطية (٦). يقول ابن قدامة في المغني (٧): «ومعناه أنهم (أي: المرأة والعبد) يعطون شيئًا من الغنيمة دون السهم، ولا يسهم هم سهم كامل، ولا تقدير لما يعطونه، بل ذلك إلى اجتهاد الإمام، فإن رأى التسوية بينهم سوَّى بينهم، وإن رأى التفضيل فضَّل». واستدلوا بما يأتي: ١ - ما أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الجهاد، باب: النساء الغازيات يرضخ لهن، ولا يسهم (٨)، من طريق يزيد بن هرمز، أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال، وفيه: «فكتب إليه ابن عباس (يعني: لنجدة) كتبت تسألني

стр. 671

هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهمن فيداوين الجرحى، ويُحْذَيْنَ (١) من الغنيمة، وأمّا بسهم فلم يضرب لهن … ». قال النووي: «وفي هذا أن المرأة تستحق الرضخ، ولا تستحق السهم» (٢). ٢ - قال ابن قدامة: « … ولأنهما (أي: المرأة، والمملوك) ليسا من أهل القتال، فلم يسهم لهما كالصبي. قالت عائشة: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ قال: نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة (٣). ومن هنا يتبين أن المرأة إذا شهدت الغزو لعلاج الجرحى، ومداوة العطشى يرضخ لها من الغنيمة؛ للنص؛ وتطييبًا لخاطرها؛ وتقديرًا لجهدها. فهل رأيت دينًا احترم المرأة وأعطاها حقها في السلم والحرب الإسلام؟!

стр. 672

الفصل السادس حق المرأة في الدِيَّة

стр. 673

الفصل السادس حق المرأة في الدِيَّة لم يحفظ الإسلام حق المرأة في حياتها فحسب، بل وحفظه بعد مماتها؛ لأنه ساوى بين المرأة والرجل في أصل الإنسانية، وكفل لكل منهما حقوقه، وألزمه بواجبات تتناسب مع خلقته، وحين يعتدى عليه فتتلف روحه أو جزء منه، فإن الإسلام يلزم المتعدي بلوازم سواءٌ كان مخطئًا أو عامدًا. • ومن تلك اللوازم الدية: والدية أصلها: وَدْية، تقول: ودى القتيل يديه إذا أعطى وليه ديته، وهي: المال الواجب بالجناية على الجاني في نفس أو طرف أو غيرهما (١). وتسمى الدية بـ (العقل) وأصل ذلك: أن القاتل كان إذا قتل قتيلًا جمع الدية من الإبل، فعقلها بفناء أولياء المقتول، أي شدها بعقالها؛ ليسلمها إليهم (٢). • قال ابن قدامة: «كتاب الديات: الأصل في وجوب الدية الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (٣) (٤). ودية المرأة على النصف من دية الرجل، ونقل ابن المنذر (٥)، والقرطبي (٦)،

стр. 674

وابن عبد البر (١) الإجماع على ذلك. يقول الشافعي: «لم أعلم مخالفًا من أهل العلم قديمًا ولا حديثًا في أن دية المرأة نصف دية الرجل وذلك خمسون من الإبل» (٢). قال القرطبي: «وأجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل. قال أبو عمر: إنما صارت ديتها -والله أعلم- على النصف من دية الرجل من أجل أن لها نصف ميراث الرجل، وشهادة امرأتين بشهادة رجل، وهذا إنما هو في دية الخطأ، وأما العمد ففيه القصاص بين الرجال والنساء لقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ (٣) (٤). وكما جرت عادت مقلِّدي المستشرقين الجهلة بالشريعة وأحكامها بدأوا يدندنون حول موضوع دية المرأة، متمسكين بخيوط أوهي من خيوط بيت العنكبوت، مثيرين التساؤلات، ومبدين الاستغرابات، ومطالبين بالمساواة؛ ولنقض شبهتهم؛ أُورد الآتي: ١ - إن كان قتل الخطأ فيه الدية، فإن قتل العمد فيه القصاص، ويستوي في الثاني منهما الذكور والإناث، قال ابن عبد البر: «وأما جمهور العلماء، وجماعة أئمة الفتيا بالأمصار فمتفقون على أن الرجل يقتل بالمرأة، كما تقتل به لقول الله : ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ (٥) ولقول رسول الله ﷺ : «المسلمون

стр. 675

تتكافأ دماؤهم» (١). ودليله -أيضًا- ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الديات، باب: قتل الرجل بالمرأة (٢)، ومسلم في صحيحه في كتاب القسامة، والمحاربين والديات، باب: ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره من المحددات والمثقلات وقتل الرجل بالمرأة (٣)، من حديث أنس بن مالك قال: أن يهوديًّا قتل جارية على أوضاح لها، فقتلها بحجر. قال: فجيء بها إلى النبي ﷺ ، وبها رمق. فقال لها: «أقتلك فلان؟» فأشارت برأسها أن لا: ثم قال لها الثانية، فأشارت برأسها أن لا. ثم سألها الثالثة فقالت: نعم، وأشارت برأسها، فقتله رسول الله ﷺ بين حجرين. واللفظ لمسلم. قال النووي: «وفي هذا الحديث فوائد منها: قتل الرجل بالمرأة وهو إجماع من يعتد به، ومنها أن الجاني عمدًا يقتل قصاصًا على الصفة التي قتل، فإن قتل بسيف قتل هو بالسيف، وإن قتل بحجر أو خشب أو نحوهما قتل بمثله؛ لأن اليهودي رضخها، فرضخ هو» (٤).

стр. 676

ومن هنا يتَّضح أن العقوبات المعنوية التي تعد أشد أثرًا، وأنكى ألمًا يتساوى فيها الرجال والنساء، فتقاد المرأة بالرجل، ويقاد بها، ولا شك أن العقوبات المادية أقل منها بمراحل، وعقوبة القتل العمد القصاص إلا أن يعفو أهل المقتول، فيقتص من القاتل رجلًا كان أو امرأة، للمقتول أيَّا كان منهما؛ لأننا هنا بصدد روح إنسانية في مقابل روح إنسانية أخرى، والرجل والمرأة في الإنسانية سواء. ٢ - وإذا كان القتل خطأ، أو عفا أهل المقتول وطلبوا الدية؛ فإن الدية لا تعد ثمنا مقابل المقتول؛ لأن الإنسان لا يقدر بمال، لكن الدية منحة ربانية روعي فيها الخسارة المالية التي تلحق الأسرة في فقد رجل يعولها أو سيعولها إن أنس الرشد، وبلغ مبلغ الرجال، بخلاف المرأة التي تعال وينفق عليها؛ فإذا كان الغنم بالغرم، فلا تخفاك حكمة اللطيف الخيبر، ويدلل على هذا أن الإسلام لم يفرق في دية الجنين بين كونه أنثى أو ذكرًا، إذ قضى فيه بغرة (١): عبد أو أمة، وعلة عدم هذه التفرقة أن الجنين ذكرًا كان أم أنثى لم يكن قد دخل بعد في المسؤولية في نظام النفقات في الأسرة؛ لأنه لم يولد حيًّا حتى يصبح بعد ذلك كاسبًا، فحكمه على التساوي الأصلي بين الذكر والأنثى في الديات. ودليل هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الديات، باب: جنين المرأة، وأن العقل على الوالد، وعصبة الوالد لا على الولد (٢)، ومسلم في صحيحه في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب: دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ، وشبه العمد على عاقلة الجاني (٣) من حديث أبي هريرة قال: اقتتلت

стр. 677

امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقضى أن دية جنينها غرّة: عبد أو وليدة (١)، وقضى أن دية المرأة على عائلتها. واللفظ للبخاري، وزاد في رواية خالد بن عبد الرحمن عند البخاري في كتاب الطب، باب: الكهانة (٢): «فقال ولي المرأة التي غرمت: كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل (٣)؟ فقال النبي ﷺ : «إنما هذا من إخوان الكهان». قال النووي: « … واعلم أن المراد بهذا كله إذا انفصل الجنين ميتًا، أما إذا انفصل حيا ثم مات، فيجب فيه كمال دية الكبير فإن كان ذكرًا وجب مائة بعير، وإن كان أنثي فخمسون» (٤). فإذا مات الجنين في بطن أمه غرم القاتل قيمة العبد أو الأمة سواءٌ كان الجنين ذكرًا أو أنثى، وما ذاك إلا لمراعاة نظام النفقات، فتنبه.

стр. 678

٣ - إن من أعظم ما انفردت به شريعة الإسلام - فيما أعلم- أن جعلت دية القتل الخطأ وما في حكمه على عاقلة الجاني. والدليل على ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الديات، باب: العاقلة) (١) من طريق أبي جحيفة قال: سألت عليا ﵁ هل عندكم شيء ما ليس في القرآن؟ فقال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهمًا يعطى رجل في كتابه، وما في الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: «العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر». • وما تقدم -أيضًا- من حديث أبي هريرة: «وفيه: (وقضى أي: رسول الله ﷺ ) أن دية المرأة على عاقلتها». يقول الشوكاني: « … وعاقلة الرجل قراباته من قبل الأب، وهم عصبته، وهم الذين كانوا يعقلون الإبل على باب ولي المقتول، وتحميل العاقلة الدية ثابت بالسنة، وهو إجماع أهل العلم كما في الفتح (٢)، وتضمين العاقلة مخالف لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ﴾ (٣) فتكون الأحاديث القاضية بتضمين العاقلة مخصصة لعموم الآية؛ لما في ذلك من المصلحة؛ لأن القاتل لو أخذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله، لأن تتابع الخطأ لا يؤمن، ولو ترك بغير تغريم لأهدر دم المقتول، وعاقلة الرجل عشيرته، فيبدأ بفخذه الأدنى، فإن عجزوا ض م إليهم الأقرب فالأقرب المكلف الذكر الحر من عصبة النسب، ثم السبب، ثم في بيت المال» (٤). وقد راعت الشريعة في إيجاب الدية على العاقلة أمرين مهمين:

стр. 679

الأول: أن عصبة الرجل هم قراباته من قبل أبيه خاصة، وقد أعفيت القرابات من ناحية الأم في إشارة واضحة لاختصاص الذكورة بالنفقات والغرامات المالية. الثاني: أن الذين يسهمون في العاقلة كل مكلف ذكر، وتخرج المرأة من تحمل شيء منها، قال ابن المنذر: «وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة، والصبي الذي لم يبلغ لا يعقلان من العاقلة» (١). وفي هذا دليل على أن الإسلام راعي جانب النفقة، والكسب، فجعل للمرأة نصف دية الرجل. ٤ - أن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبدالعزيز، وعروة بن الزبير، والزهري، وقتادة، وابن هرمز (٢)، قال ابن عبد البر: وهو قول فقهاء المدينة السبعة، وجمهور أهل المدينة، ومالك (٣)، وأحمد بن حنبل (٤). قالوا: تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث دية الرجل إصبعها كإصبعه، وسنها كسنه، وموضحتها كموضحته (٥)، ومنقلتها كمنقلته (٦).

стр. 680

واستدلوا بما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١)، والدارقطني في السنن (٢)، والنسائي في المجتبى (٣) من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها». وإسناده ضعيف، فيه علتان: الأولى: عنعنة ابن جريج، فإنه مدلس عدّه الحافظ في المرتبة الثالثة (٤). الثانية: ضعف إسماعيل بن عياش في روايته عن الحجازيين (٥)، وهذه منها. وضعف الحديث الألباني في الإرواء (٦). • وقال الحافظ في التلخيص (٧): «قال الشافعي: وكان مالك يذكر أنه السنة، وكنت أتابعه عليه، وفي نفسي منه شيء، ثم علمت أنه يريد سنة أهل المدينة، فرجعت عنه». • قال ابن قدامة: «ولأنه إجماع الصحابة ﵃، إذ لم ينقل عنهم خلاف ذلك إلا عن علي، ولا نعلم ثبوت ذلك عنه، ولأن ما دون الثلث يستوي فيه الذكر والأنثى بدليل الجنين فإنه يستوي فيه الذكر والأنثى.

стр. 681

فأما الثلث نفسه فهل يستويان فيه، على روايتين إحداهما: يستويان فيه؛ لأنه لم يعتبر حد القلة، ولهذا صحت الوصية به. وروي أنهما يختلفان فيه وهو الصحيح، لقوله «حتى يبلغ الثلث» وحق للغاية، فيجب أن تكون مخالفة لما قبلها» (١). • وفي ختام هذا الفصل يتبين أني لم أتطرق لحق المرأة في التبرعات المالية، وقد سبقتْ دراسة هذا بالتفصيل في فصل الحقوق الشرعية (٢)، فلتحمد النساء الله تعالى على ما مَنَّ به عليهن من نِعَمٍ عظيمة، فله الحمد كما ينبغي الجلال وجهه، وعظيم سلطانه.

стр. 682

الباب الرابع حقوق المرأة الاجتماعية ويحتوي على خمسة فصول: الفصل الأول: حق المرأة أُمًّا. الفصل الثاني: حق المرأة بنتًا. الفصل الثالث: حق المرأة زوجةً. الفصل الرابع: حق المرأة في العمل. الفصل الخامس: شبهات حول قضايا المرأة الاجتماعية.

стр. 683

توطئة: الإنسان مدني بطبعه، يأنس بالناس كما يأنسون إليه، ويحتاج لتقدير من حوله، وتعزيز مكانته بينهم، والإسلام يضمن لأفراده صغارًا وكبارًا ذكورًا وإناثًا حقوقهم الاجتماعية، ويرفلون في عدله، ويشربون من سلسبيل تعاليمه، وستقف جليًّا من خلال هذه الفصول على تعزيز الإسلام لمكانة المرأة الاجتماعية أيًّا كانت: أمًا، أو بنتًا أو زوجةً، أو عضوًا في مجتمع تعدّ أساسًا فيه، وتركيزه على إثبات حقوقها الاجتماعية الشرعية أو المعنوية من خلال هدي رسول الله ﷺ الذي أُمرنا باتباعه، واقتفاء أثره، ولتحمد نساءُ المؤمنين الرب -جل ذكره، وتعالى اسمه- على نعمه العظيمة علينا معاشر النسوة. وفي الآتي حديثٌ عن هذه الحقوق في خمسة فصولٍ.

стр. 684

الفصل الأول حق المرأة أُمًّا

стр. 685

الفصل الأول حق المرأة أُمًّا لقد أوصى الله تعالى في مواضع من كتابه بالإحسان إلى الوالدين، وقرنه بالأمر بعبادته، وبالنهي عن الشرك به، وأمر بالشكر لهما متصلًا بالشكر له، وتأّمل تبويبات العلماء حول آي البر وأحاديثه: «باب: بر الوالدين» (١) وإيرادهم الآيات والأحاديث الدالة على وجوب البر التي تدل على عظيم قدرهما، وعدّ الإسلام ضده وهو «عقوق الوالدين» من كبائر الذنوب، وأورد العلماء أحاديثه في كتب الكبائر (٢). وسأشير هنا إلى ما جاء في بر الوالدين على وجه العموم، وما خُصَّتْ به الأم من مزيد عناية، وتأكيد؛ بتقديم حقها في البر: ١ - قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (٣). وتأمل -رحمك الله- الآية الموصية بير الوالدين لتطالع عظيم حقهما، ورفيع

стр. 686

قدرهما عند الله تعالى: أ- افتتحت الآية بـ (وقضى) والقضاء معناه الحكم الجزم البت الذي لا يقبل النسخ، وقضاء الله هنا قضاؤه الشرعي، والدليل عليه أن الواحد منا إذا أمر غيره بشيء، فإنه لا يقال إنه قضى عليه، إلا إذا أمره أمرًا جزمًا، وحكم عليه بذلك الحكم على سبيل البت والقطع (١)، فكان التعبير بـ (قضى) عند الوصاية ببر الوالدين آكد من التعبير بغيرها من الألفاظ. ب- اختيار مقام الربوبية في الأمر بالبر والإحسان للوالدين؛ مشعر بالخلق والملك والتدبير للعبد، ولزوم السمع والطاعة للرب سبحانه. جـ- القرن بين إخلاص العبادة لله سبحانه، وبر الوالدين يدل على شدة تأكيد وجوب برهما، ورفيع منزلتهما. واعلم أنه تعالى أَمر الإنسان بعبادته سبحانه، ثم أتبعه بالأمر ببر الوالدين لأن السبب الحقيقي لوجود الإنسان هو تخليق الله تعالى وإيجاده، والسبب الظاهري هو الأبوان، فأمر بتعظيم السبب الحقيقي، ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري (٢). د- ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا﴾ إمّا مركبة من أن الشرطية وما المزيدة لتأكيدها، ولذلك دخل الفعل نون التأكيد، ومعنى ﴿عِنْدَكَ﴾ عندك في كنفك وكفالتك، وتقديمه على المفعول مع أن حقه التأخر عنه للتشويق إلى وروده، فإنه مدار تضاعف الرعاية والإحسان، ونبه بـ ﴿الْكِبَرَ﴾ لأنه وقت حاجتهما إليك، وأتى

стр. 687

بـ ﴿عِنْدَكَ﴾ لتأكيد هذه الحاجة» (١)، يقول الرازي: «معناه أفما يبلغان إلى حالة الضعف والعجز فيصيران عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أول العمر» (٢). هـ- ثم كلف الإنسان في حق الوالدين بخمسة أشياء: الأول: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ وهذا مثل يضرب للمنع من كل مكروه وأذية وإن خف. الثاني: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ يقال: نهره، وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره. فإن قيل: المنع من التأفيف يدل على المنع من الانتهار بطريق الأولى، فلِمَ قدم المنع من التأفيف ثم أتبعه بالمنع من الانتهار؟ قيل: المراد من قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ المنع من إظهار الضجر بالقليل أو الكثير، والمراد من قوله ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليه، والتكذيب له. الثالث: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ولما منع الله تعالى الإنسان بالآية المتقدمة من ذكر القول المؤذي الموحش، والنهي عن القول المؤذي لا يكون أمرًا بالقول الطيب أردفه بأن أمره بالقول الحسن، والكلام الطيب فقال: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ والمراد منه أن يخاطبه بالكلام المقرون بأمارات التعظيم والاحترام. قال عمر بن الخطاب: هو أن يقول له يا أبتاه، يا أماه، وسئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد الفظ. الرابع: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ والمقصود منه المبالغة في التواضع. وفي ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ وجهان:

стр. 688

الأول: أن الطائر إذا أراد ضم فرخيه إليه للتربية خفض لهما جناحه، ولهذا السبب صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية، فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك حال صغرك. والثاني: أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد ترك الطيران، وترك الارتفاع خفض جناحه، فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه. الخامس: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ولم يقتصر في تعليم البر بالوالدين على تعليم الأقوال، بل أضاف إليه تعليم الأفعال، وهو أن يدعو لهما بالرحمة، فيقول: رب ارحمهما، ولفظ الرحمة جامع لكل الخيرات في الدين والدنيا، ثم يقول: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، أي افعل بهما يا رب هذا النوع من الإحسان كما أحسنا إليّ في تربيتهما إيّاي، والتربية هي التنمية (١). فانظر إلى مراعاة نفسيات الوالدين في الآية بالقول والفعل؛ واحرص على أن تحفظ باب الجنة، ولا تضيعه. وقد خص الرب جل وعلا الأم بالذكر فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٢). يقول الشيخ السعدي: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ أي عهدنا إليه، وجعلناه وصية عنده، سنسأله عن القيام بها، وهل حفظها أم لا فوصيناه ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ وقلنا له: ﴿اشْكُرْ

стр. 689

لِي﴾ بالقيام بعبوديتي، وأداء حقوقي، وأن لا تستعين بنعمي على معصيتي ﴿وَلِوَالِدَيْكَ﴾ بالإحسان إليهما بالقول اللين، والكلام اللطيف، والفعل الجميل، والتواضع لهما، وإكرامهما، وإجلالهما، والقيام بمؤونتهما، واجتناب الإساءة إليهما من كل وجه بالقول والعمل، فوصيناه بهذه الوصية، وأخبرناه أن ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ أي سترجع أيها الإنسان إلى من وصاك، وكلفك بهذه الحقوق فيسألك هل قمت بها، فيثيبك الثواب الجزيل، أم ضيعتها فيعاقبك العقاب الوبيل، وذلك السبب الموجب لبر الوالدين في الأم فقال ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ أي مشقة على مشقة، فلا تزال تلاقي المشاق من حيث يكون نطفة من الوحم والمرض والضعف والثقل وتغير الحال، وثم وجع الولادة ذلك الوجع الشديد ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ وهو ملازم لحضانة أمه، وكفالتها، ورضاعها، أفما يحسن من تحمل على ولده هذه الشدائد مع شدة الحب، أن يؤكَّد على ولده، ويوصى إليه بتمام الإحسان إليه» (١). ٢ - ما أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣) من طريق أبي عمرو الشيباني قال: أخبرنا صاحب هذه الدار، وأومأ بيده إلى دار عبد الله، قال: سألت النبي ﷺ : أيُّ العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها» قال: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين» قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني. قال الطبري: «إنما خصّ ﷺ هذه الثلاثة بالذكر؛ لأنها عنوان على ما سواها

стр. 690

من الطاعات، فإن من ضيع الصلاة المفروضة حتى خرج وقتها من غير عذر مع خفة مؤونتها، وعظيم فضلها فهو لما سواها أضيع، ومن لم يبر والديه مع وفور حقهما عليه كان لغيرهما أقل برًا، ومن ترك جهاد الكفار مع شدة عداوتهم للدين كان لجهاد غيرهم من الفساق أترك» (١). قال الحافظ: «وفي الحديث فضل تعظيم الوالدين، وأن أعمال البر يفضل بعضها على بعض» وقال أيضًا: «وقال ابن التين: تقديم البر على الجهاد يحتمل وجهين: أحدهما: التعدية إلى نفع الغير. والثاني: أن الذي يفعله يرى أنه مكافأة على فعلهما، فكأنه يرى أن غيره أفضل منه. فنبهه على إثبات الفضيلة فيه. قلت: والأول ليس بواضح، ويحتمل أنه قُدم لتوقف الجهاد عليه، إذ من بر الوالدين استئذانهما في الجهاد، لثبوت النهي عن الجهاد بغير إذنهما» (٢). ٣ - ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب، باب: من أحق الناس بحسن الصحبة (٣)، ومسلم في صحيحه في كتاب البر، باب: بر الوالدين وأنهما أحق به (٤) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك» ثم قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك».

стр. 691

قال ابن بطال: «مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، وكان ذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الرضاع فهذه تنفرد بها الأم وتشقى بها، ثم تشارك الأب في التربية» (١). وقال القرطبي: «المراد أن الأم تستحق على الولد الحظ الأوفر من البر، وتقدم في ذلك على حق الأب عند المزاحمة» (٢). ونقل المحاسبي الإجماع على أن الأم مقدمة في البر على الأب (٣). ٤ - ما أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب: الجهاد بإذن الوالدين (٤) وفي كتاب الأدب، باب: لا يجاهد إلا بإذن الأبوين (٥)، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: بر الوالدين، وأنهما أحق به (٦)، من حديث عبد الله بن عمرو يقول: جاء رجل إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد. فقال: «أحيٌّ والداك؟ قال: نعم. قال: «ففيهما فجاهد» واللفظ للبخاري في الموضع الأول منهما. وفي رواية لمسلم (٧) من طريق ناعم مولى أم سلمة، عن عبد الله بن عمرو أنه قال «فأحسن صحبتهما» وفي

стр. 692

رواية أبي داود (١)، والنسائي (٢)، وصححها الألباني (٣) من حديث عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبوي يبكيان، فقال: «ارجع عليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما». قال الحافظ: «قوله: (ففيهما فجاهد) أي خصصهما بجهاد النفس في رضاهما، ويستفاد منه جواز التعبير عن الشيء بضده إذا فُهِم المعين؛ لأن صيغة الأمر في قوله (فجاهد) ظاهرها إيصال الضرر الذي كان يحصل لغيرهما لهما، وليس ذلك مرادًا قطعًا، وإنما المراد إيصال القدر المشترك من كلفة الجهاد، وهو تعب البدن والمال، ويؤخذ منه أن كل شيء يتعب النفس يسمى جهادًا … قال جمهور العلماء: يحرم الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برهما فرض عين عليه، والجهاد فرض كفاية فإذا تعين الجهاد فلا إذن» (٤). ٥ - وكما أنه يقدم أمر الوالدين في الجهاد، فإنه يقدم في صلاة التطوع، أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة، باب: إذا دعت الأم ولدها في الصلاة (٥)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة والآداب، باب: بر الوالدين وأنهما أحق به (٦) من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: كان جريج يتعبد في صومعة، فجاءت أمه -قال حميد: فوصف لنا أبو رافع صفة أبي هريرة لصفة رسول الله ﷺ أمه حين دعته، كيف جعلت كفها فوق حاجبها، ثم رفعت رأسها

стр. 693

إليه تدعوه- فقالت: «يا جريج أنا أمك كلمني. فصادفته يصلي. فقال: اللهم أمي وصلاتي. فاختار صلاته. فرجعت ثم عادت في الثانية. فقالت: يا جريج أنا أمك فكلمني. قال: اللهم أمي وصلاتي. فاختار صلاته. فقالت: اللهم إن هذا جريج وهو ابن، وإني كلمته فأبى أن يكلمني، اللهم فلا تمته حتى تريه المومسات. قال: ولو دعت عليه أن يفتين لفتن. قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره. قال: فخرجت امرأة من القرية، فوقع عليها الراعي فحملت، فولدت غلامًا. فقيل لها: ما هذا؟ قالت: من صاحب هذا الدير. قال: فجاؤوا بفؤوسهم ومساحيهم فنادوه، فصادفوه يصلي. فلم يكلمهم. قال: فأخذوا يهدمون ديره. فلما رأى ذلك نزل إليهم. فقالوا: سل هذه؟ قال: فتبسم، ثم مسح رأس الصبي. فقال: من أبوك؟ قال: أبي راعي الضأن. فلما سمعوا ذلك منه، قالوا: نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة. قال: لا، ولكن أعيدوه ترابًا كما كان. ثم علاه» واللفظ لمسلم. قال الحافظ: «وفي الحديث إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع؛ لأن الاستمرار فيها نافلة، وإجابة الأم وبرها واجب. قال النووي وغيره: إنما دعت عليه فأجيبت؛ لأنه كان يمكنه أن يخفف ويجيبها، لكن لعله خشي أن تدعوه إلى مفارقة صومعته، والعود إلى الدنيا وتعلقاتها. كذا قال النووي، وفيه نظر لما تقدم من أنها كانت تأتيه، فيكلمها. والظاهر أنها كانت تشتاق إليه فتزوره، وتقتنع برؤيته وتكليمه، وكأنه إنما لم يخفف ثم يجيبها؛ لأنه خشي أن ينقطع خشوعه … واختلف أهل العلم هل تقطع الصلاة الإجابة دعوة الأم أم لا؟ والراجح أنها لا تقطع في الفرض، وأمّا إذا كانت الصلاة نفلًا، وعلم تأذي الوالد بالترك وجبت الإجابة وإلا فلا» (١). ٦ - بل إن الرب جعل بر الوالدين م ن أكبر الأسباب المكفرة

стр. 694

للذنوب، أخرج الإمام أحمد في المسند (١) وابن حبان في صحيحه (٢)، والحاكم في المستدرك (٣) والسهمي في تاريخ جرحان (٤) من طريق أبي معاوية، عن محمد بن سُوقَة؛ عن أبي بكر بن حفص، عن ابن عمر قال: أتى رسول الله ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله إني أذنبت ذنبًا كبيرًا، فهل لي توبة؟ فقال له رسول الله ﷺ : «ألك وَالِدان؟ «قال: لا. قال: «فلك خالة؟» قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : «فبّرها إذن» واللفظ لأحمد. وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وفي الحديث تعليم لكيفية التوبة بأنه ينبغي أن يزيد عليها حسنة؛ لتكون ماحية للسيئة. وفيه أن الخالة بمنزلة الأم. ٧ - بل أوجب الإسلام بر الوالد المشرك أو المخالف دون طاعته في معصية الله، يقول تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٥). وأخرج البخاري في صحيحه في كتاب الأدب، باب: صلة الوالد المشرك (٦)، ومسلم في صحيحه في كتاب الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين

стр. 695

والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين) (١) من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: أتتني أمي راغبة في عهد النبي ﷺ ، فسألت النبي ﷺ أصلها؟ قال: نعم. قال ابن عيينة فأنزل الله تعالى فيها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٢). واللفظ للبخاري. ٨ - كما عدّ الإسلام عقوق الوالدين من الكبائر، بل إن التسبب في مسبتهما كبيرة. أ- أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الأدب، باب: عقوق الوالدين من الكبائر (٣)، ومسلم في صحيحه في كتاب الأقضية، باب: النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، والنهي عن منع وهات … (٤) من حديث المغيرة، عن النبي ﷺ قال: «إن الله حرّم عليكم عقوق الأمهات، ومنع وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» واللفظ للبخاري. قال الحافظ: « … قيل: خص الأمهات بالذكر؛ لأن العقوق إليهن أسرع من الآباء، لضعف النساء، ولينبه على أن بر الأم مقدم على بر الأب في التلطف والحنو ونحو ذلك» (٥). ب- أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الأدب، باب: عقوق الوالدين من الكبائر (٦)، ومسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها (٧)

стр. 696

من حديث أبي بكرة قال: قال النبي ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ «فقلنا: بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين» وكان متكئًا فجلس فقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور، وشهادة الزور» فما زال يقولها حتى قلنا: «لا يسكت» واللفظ للبخاري. جـ- بل نهى الإسلام عن التسبب في لعن الوالد، وعده من أكبر الكبائر، فكيف إذا صرح الولد بسبهما؟! أخرج البخاري في كتاب الأدب، باب: لا يسب الرجل والديه (١)، من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال النبي ﷺ : «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه» قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه». قال ابن بطال: «هذا الحديث أصل في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم، والأصل في هذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢). ومما تقدم يتبين وجوب الإحسان إلى الوالدين عمومًا، وإلى الأم على وجه الخصوص؛ لأن رسول الله ﷺ جعل لها ثلاثة أضعاف ما للأب، فيحسن إليها بالقول والفعل، ويكف أذاه عنها، بل لا يتسبب في أن يكون سببًا لإيذائها، وإن اختلف الدين بين الوالد والولد وجب بر الوالد لعظيم حقه، ما لم يأمر بمعصية، فتنبه -حفظك الله- لحق الأم، والزم رجليها فَثَّم الجنة، أعانني الله وإيّاك على برهما، وأداء حقهما.

стр. 697

الفصل الثاني حق المرأة بنتًا وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: الأمر بالإحسان للبنات. المبحث الثاني: تسوية البنت مع الذكر في العطية. المبحث الثالث: حرية البنت في اختيار الزوج. المبحث الرابع: تحريم العَضْل.

стр. 698

لا يحفظ الإسلام حق المرأة كبيرة فحسب عند شيب الرأس، وكبر الولد، بل يحفظه -أيضًا- للمرأة منذ نعومة أظافرها، وصغر سنها، فيوجب حفظ حياتها كما مرّ (١)، بل ويجعل هذه الحياة كريمة تليق بها، وسيتضح ذلك جليًّا من خلال مباحث هذا الفصل.

стр. 699

المبحث الأول: الأمر بالإحسان إلى البنات أتت النصوص الشرعية مختلفة الألفاظ، متحدة المعاني في الأمر بالبر بالبنات، والإحسان إليهن، وتأمل ما سيأتي لتقف على رفيع قدر البنت، وتغتبط أن رُزِقتها؛ لتنال عظيم الأجر، ورفيع القدر إن شاء الله. ١ - الإحسان إلى البنات ستر من النار: أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الزكاة، باب: اتقوا النار ولو بشق تمرة (١)، وفي كتاب الأدب، باب: رحمة الولد، وتقبيله، ومعانقته (٢)، ومسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة والآداب، باب: فضل الإحسان إلى البنات (٣) من حديث عائشة زوج النبي ﷺ قالت: جاءتني امرأة، ومعها ابنتان لها، فسألتني فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة واحدة، فأعطيتها إيّاها، فأخذتها فقسمتها بين ابنتيها و لم تأكل منها شيئًا. ثم قامت فخرجت وابنتاها. فدخل عليّ النبي ﷺ فحدثته حديثها. فقال النبي ﷺ : «من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن، كن له سترًا من النار» واللفظ لمسلم.

стр. 700

وفي الحديث من الفوائد المتعلقة بالمبحث: ١ - تأكيد حق البنات لما فيهن من الضعف غالبًا عن القيام بمصالح أنفسهن، بخلاف الذكور لما فيهم من قوة البدن، وإمكان التصرف في الأمور المحتاج إليها في أكثر الأحوال (١). ٢ - الابتلاء يكون بالخير كما يكون بالشر، يقول تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (٢) والبنات خير إن أُحْسِن إليهن، لتسببهن في دخول المحسن الجنة، والنجاة من النار. قال النووي تبعًا لابن بطال: «إنما سماه ابتلاء؛ لأن الناس يكرهون البنات، فجاء الشرع بزجرهم عن ذلك، ورغب في إبقائهن، وترك قتلهن بما ذكر من الثواب الموعود به من أحسن إليهن، وجاهد نفسه في الصبر عليهن» (٣). وقال الحافظ: «قال شيخنا في «شرح الترمذي»: يحتمل أن يكون معنى الابتلاء هنا الاختبار، أي من اختبر بشيء من البنات لينظر ما يفعل أيحسن إليهن أو يسيء، ولهذا قيده في حديث أبي سعيد بالتقوى، فإن من لا يتقي لا يأمن أن يتضجر من وكله الله إليه، أو يقصر عما أمر بفعله، أو لا يقصد بفعله امتثال أمر الله، وتحصيل ثوابه. والله أعلم» (٤). ٣ - في الحديث فضل الإحسان إلى البنات، وقد اختلف في المراد بالإحسان هل يقتصر به على قدر الواجب، أو بما زاد عليه؟ قال الحافظ: «والظاهر الثاني؛ فإن

стр. 701

عائشة أعطت المرأة التمرة، فآثرت بها ابنتيها، فوصفها النبي ﷺ ما أشار إليه من الحكم المذكور، فدل على أن من فعل معروفًا لم يكن واجبًا عليه، أو زاد على قدر الواجب عليه عدّ محسنًا، والذي يقتصر على الواجب وإن كان يوصف بكونه محسنًا، لكن المراد من الوصف المذكور قدر زائد، وشرط الإحسان أن يوافق الشرع لا ما خالفه، والظاهر أن الثواب المذكور إنما يحصل لفاعله إذا استمر إلى أن يحصل استغناؤهن عنه بزوج أو غيره، كما أشير إليه في بعض ألفاظ الحديث، والإحسان إلى كل أحد بحسب حاله». • وفسّرت الأحاديث النبوية معنى الإحسان، أخرج الإمام أحمد في المسند (١)، والبخاري في الأدب المفرد (٢)، والبزار كما في كشف الأستار (٣)، والطبراني في الأوسط (٤)، والبيهقي في الشعب (٥) من طرق عن علي بن زيد، عن محمد بن المُنْكَدر قال: حدثني جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «من كنّ له ثلاث بنات يُؤْويهنَّ، ويرحمهنّ، ويَكْفُلُهُن وجبت له الجنة البتة» قال: قيل: يا رسول الله، فإن كانت اثنتين؟ قال: «وإن كانت اثنتين» قال: فرأى بعض القوم أن لو قالوا له: واحدة. لقال: واحدة. واللفظ لأحمد. قال الهيثمي في المجمع (٦): «رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الأوسط بنحوه، وزاد «ويزوجهن» من طرق، وإسناد أحمد جيد».

стр. 702

قلت: إسناده ضعيف، لضعف علي بن زيد بن جدعان (١)، لكنه توبع، تابعه سفيان بن حسين وهو ثقة في غير الزهري (٢) عند ابن أبي شيبة في المصنف (٣)، والبزار في المسند (٤)، وأبي يعلى في المسند (٥)، وأيوب السختياني الثقة الثبت الحجة (٦) عند الطبراني في الأوسط (٧) كلاهما عن محمد بن المنكدر به بنحوه. فالحديث بمجموع طرقه صحيح. وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (٨). ومن الحديث يؤخذ أن الثواب المذكور يحصل لمن أحسن لواحدة فقط (٩). • وقد بيّن حديث جابر المتقدم بعض صور الإحسان: الإيواء، والرحمة، والكفالة، وبيّنها -أيضًا- ما أخرج أحمد في المسند (١٠)، والبخاري في الأدب المفرد (١١)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر (١٢)، وأبو يعلى في المسند (١٣) من طرق عن عبدالله بن يزيد المقرئ، عن حَرْملة بن عمران، عن أبي عُشّانة المَعافري، قال:

стр. 703

سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كانت له ثلاث بنات، فصبر عليهنّ فأطعمهن، وسقاهن، وكساهن مِنْ جِدَته كن له حجابًا من النار» واللفظ لأحمد. وإسناده صحيح. وهذه الأوصاف المتقدمة يجمعها لفظ «الإحسان» وقد تقدم (١) إيراد الخلاف في المراد بالإحسان هل يقتصر به على قدر الواجب أو بما زاد عليه. جـ- جاء في رواية عمر بن عبد العزيز للحديث عند مسلم (٢) عن عائشة قالت: « … فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبي ش أنا، فذكرت الذي صنعت لرسول الله ﷺ فقال: «إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار» فأثيبت المرأة على رحمتها الفطرية لابنتيها بالعتق من النار، ودخول الجنة، فكيف بمن يرحم بنات لا نسب له بهن ولا سبب. ٢ - الإحسان إلى البنات سبب مرافقة رسول الله ﷺ في الجنة: قد يخطر على بال قارئ الحديث الأول أن الإحسان إلى البنات منجاة من النار فحسب، لكن تأتي الأدلة لتبين أن الإحسان إلى البنات سبب مرافقة رسولنا ﷺ في الجنة. أخرج مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة والآداب، باب: فضل الإحسان إلى البنات (٣) من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو، وضم أصابعه».

стр. 704

قال النووي: «ومعنى (عالهما) قام عليهما بالمؤونة والتربية ونحوهما، مأخوذ من العول وهو القرب، ومنه «ابدأ بمن تعول»» (١). ٣ - بل إن الإحسان إلى البنت وملاطفتها يتعدى أسوار المنازل ليظهر للناس، أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته (٢)، ومسلم في صحيحه في كتاب الصلاة، باب: جواز حمل الصبيان في الصلاة (٣) من حديث أبي قتادة قال: خرج علينا النبي ﷺ وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه فصلّى، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها» واللفظ للبخاري. قال الحافظ: « … وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة، وهو رحمة الولد، وولد الولد ولد، ومن شفقته ﷺ ورحمته لأمامة أنه كان إذا ركع أو سجد يخشى عليها أن تسقط، فيضعها بالأرض، وكأنها كانت لتعلقها به لا تصبر في الأرض، فتجزع من مفارقته، فيحتاج أن يحملها إذا قام. واستنبط منه بعضهم عظم قدر رحمة الولد؛ لأنه تعارض حينئذ المحافظة على المبالغة في الخشوع، والمحافظة على مراعاة خاطر الولد فقدم الثاني، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ إنما فعل ذلك لبيان الجواز» (٤). فها هو أخشع المصلين، وأقربهم لرب العالمين يحمل أمامة في صلاته ليقتدي به أهل السنة في محبة البنات، والإحسان إليهن.

стр. 705

المبحث الثاني: تسوية البنت مع الذكر في العطية أتت الأوامر النبوية بوجوب العدل بين الأولاد في الهبة، أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الهبة، باب: الهبة للولد، وإذا أعطى بعض ولده شيئًا لم يجزْ حتى يعدل بينهم، ويعطي الآخر مثله، ولا يشهد عليه (١)، ومسلم في صحيحه في كتاب الهبات، باب: كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة (٢)، من طريق حميد بن عبد الرحمن، ومحمد بن النعمان بن بشير: أفما حدثاه عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا. فقال: أكل ولدك نحلت مثله؟ قال: لا. قال: فارجعه» وأخرجا (٣) من طريق الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ . فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله. قال: «أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا. قال: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» قال: فرجع فردّ عطيته. واللفظ للبخاري. وجاء لمسلم (٤) من رواية: أبي حيان، عن الشعبي، عن النعمان وفي آخره:
следующие страницы →