← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

عائشة أعطت المرأة التمرة، فآثرت بها ابنتيها، فوصفها النبي ﷺ ما أشار إليه من الحكم المذكور، فدل على أن من فعل معروفًا لم يكن واجبًا عليه، أو زاد على قدر الواجب عليه عدّ محسنًا، والذي يقتصر على الواجب وإن كان يوصف بكونه محسنًا، لكن المراد من الوصف المذكور قدر زائد، وشرط الإحسان أن يوافق الشرع لا ما خالفه، والظاهر أن الثواب المذكور إنما يحصل لفاعله إذا استمر إلى أن يحصل استغناؤهن عنه بزوج أو غيره، كما أشير إليه في بعض ألفاظ الحديث، والإحسان إلى كل أحد بحسب حاله». • وفسّرت الأحاديث النبوية معنى الإحسان، أخرج الإمام أحمد في المسند (١)، والبخاري في الأدب المفرد (٢)، والبزار كما في كشف الأستار (٣)، والطبراني في الأوسط (٤)، والبيهقي في الشعب (٥) من طرق عن علي بن زيد، عن محمد بن المُنْكَدر قال: حدثني جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «من كنّ له ثلاث بنات يُؤْويهنَّ، ويرحمهنّ، ويَكْفُلُهُن وجبت له الجنة البتة» قال: قيل: يا رسول الله، فإن كانت اثنتين؟ قال: «وإن كانت اثنتين» قال: فرأى بعض القوم أن لو قالوا له: واحدة. لقال: واحدة. واللفظ لأحمد. قال الهيثمي في المجمع (٦): «رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الأوسط بنحوه، وزاد «ويزوجهن» من طرق، وإسناد أحمد جيد».

стр. 702

قلت: إسناده ضعيف، لضعف علي بن زيد بن جدعان (١)، لكنه توبع، تابعه سفيان بن حسين وهو ثقة في غير الزهري (٢) عند ابن أبي شيبة في المصنف (٣)، والبزار في المسند (٤)، وأبي يعلى في المسند (٥)، وأيوب السختياني الثقة الثبت الحجة (٦) عند الطبراني في الأوسط (٧) كلاهما عن محمد بن المنكدر به بنحوه. فالحديث بمجموع طرقه صحيح. وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (٨). ومن الحديث يؤخذ أن الثواب المذكور يحصل لمن أحسن لواحدة فقط (٩). • وقد بيّن حديث جابر المتقدم بعض صور الإحسان: الإيواء، والرحمة، والكفالة، وبيّنها -أيضًا- ما أخرج أحمد في المسند (١٠)، والبخاري في الأدب المفرد (١١)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر (١٢)، وأبو يعلى في المسند (١٣) من طرق عن عبدالله بن يزيد المقرئ، عن حَرْملة بن عمران، عن أبي عُشّانة المَعافري، قال:

стр. 703

سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كانت له ثلاث بنات، فصبر عليهنّ فأطعمهن، وسقاهن، وكساهن مِنْ جِدَته كن له حجابًا من النار» واللفظ لأحمد. وإسناده صحيح. وهذه الأوصاف المتقدمة يجمعها لفظ «الإحسان» وقد تقدم (١) إيراد الخلاف في المراد بالإحسان هل يقتصر به على قدر الواجب أو بما زاد عليه. جـ- جاء في رواية عمر بن عبد العزيز للحديث عند مسلم (٢) عن عائشة قالت: « … فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبي ش أنا، فذكرت الذي صنعت لرسول الله ﷺ فقال: «إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار» فأثيبت المرأة على رحمتها الفطرية لابنتيها بالعتق من النار، ودخول الجنة، فكيف بمن يرحم بنات لا نسب له بهن ولا سبب. ٢ - الإحسان إلى البنات سبب مرافقة رسول الله ﷺ في الجنة: قد يخطر على بال قارئ الحديث الأول أن الإحسان إلى البنات منجاة من النار فحسب، لكن تأتي الأدلة لتبين أن الإحسان إلى البنات سبب مرافقة رسولنا ﷺ في الجنة. أخرج مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة والآداب، باب: فضل الإحسان إلى البنات (٣) من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو، وضم أصابعه».

стр. 704

قال النووي: «ومعنى (عالهما) قام عليهما بالمؤونة والتربية ونحوهما، مأخوذ من العول وهو القرب، ومنه «ابدأ بمن تعول»» (١). ٣ - بل إن الإحسان إلى البنت وملاطفتها يتعدى أسوار المنازل ليظهر للناس، أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته (٢)، ومسلم في صحيحه في كتاب الصلاة، باب: جواز حمل الصبيان في الصلاة (٣) من حديث أبي قتادة قال: خرج علينا النبي ﷺ وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه فصلّى، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها» واللفظ للبخاري. قال الحافظ: « … وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة، وهو رحمة الولد، وولد الولد ولد، ومن شفقته ﷺ ورحمته لأمامة أنه كان إذا ركع أو سجد يخشى عليها أن تسقط، فيضعها بالأرض، وكأنها كانت لتعلقها به لا تصبر في الأرض، فتجزع من مفارقته، فيحتاج أن يحملها إذا قام. واستنبط منه بعضهم عظم قدر رحمة الولد؛ لأنه تعارض حينئذ المحافظة على المبالغة في الخشوع، والمحافظة على مراعاة خاطر الولد فقدم الثاني، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ إنما فعل ذلك لبيان الجواز» (٤). فها هو أخشع المصلين، وأقربهم لرب العالمين يحمل أمامة في صلاته ليقتدي به أهل السنة في محبة البنات، والإحسان إليهن.

стр. 705

المبحث الثاني: تسوية البنت مع الذكر في العطية أتت الأوامر النبوية بوجوب العدل بين الأولاد في الهبة، أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الهبة، باب: الهبة للولد، وإذا أعطى بعض ولده شيئًا لم يجزْ حتى يعدل بينهم، ويعطي الآخر مثله، ولا يشهد عليه (١)، ومسلم في صحيحه في كتاب الهبات، باب: كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة (٢)، من طريق حميد بن عبد الرحمن، ومحمد بن النعمان بن بشير: أفما حدثاه عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا. فقال: أكل ولدك نحلت مثله؟ قال: لا. قال: فارجعه» وأخرجا (٣) من طريق الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ . فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله. قال: «أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا. قال: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» قال: فرجع فردّ عطيته. واللفظ للبخاري. وجاء لمسلم (٤) من رواية: أبي حيان، عن الشعبي، عن النعمان وفي آخره:

стр. 706

«فلا تشهدني إِذَنْ فإني لا أشهد على جور». وفي رواية (١) داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن النعمان وفي آخره: قال: «فأشهد على هذا غيري» ثم قال: «أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء» قال: بلى. قال: «فلا إِذَنْ». وأخرج (٢) من حديث جابر «وإني لا أشهد إلا على حق». • وذهب إلى وجوب التسوية بين الأولاد في العطية البخاري وبه صرّح في الترجمة، وهو قول طاووس (٣)، والثوري (٤)، وأحمد (٥)، وإسحاق (٦)، ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة لرواية «فأرجعه» وعن أحمد: تصح، وعنه يجوز التفاضل إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد لزمانته، ودَيْنه أو نحو ذلك دون الباقين. يقول ابن القيم: «ومن العجب أن يحمل قوله (اعدلوا بين أولادكم) على غير الوجوب، وهو أمر مطلق مؤكد ثلاث مرات، وقد أخبر الآمر به أن خلافه جور، وأنه لا يصلح، وأنه ليس بحق وما بعد الحق إلا الباطل، هـ ذا والعدل واجب في كل حال، فلو كان الأمر به مطلقًا لوجب حمله على الوجوب، فكيف وقد اقترن به

стр. 707

عشرة أشياء تؤكد وجوبه فتأملها في القصة» (١). وقال ابن قدامة: « … وهو دليل على التحريم، لأنه سماه جورًا، وأمر برده، وامتنع من الشهادة عليه، والجور حرام، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم فمنع منه كتزويج المرأة على عمتها أو خالتها» (٢). • وذهب أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤)، والشافعي (٥) إلى أن التسوية مندوبة لا واجبة، وأنه إن فضل بعضهم صح وكره. واحتج هؤلاء: ١ - بقوله ﷺ : «فأشهد على هذا غيري» قالوا: ولو كان محرمًا أو باطلًا، لما قال هذا الكلام (٦). وأجيب عن هذا الاستدلال، بأن قوله ﷺ : «أشهد على هذا غيري» ليس بأمر؛ لأن أدنى أحوال الأمر الاستحباب والندب، ولا خلاف في كراهة هذا، وكيف يجوز أن يأمره بالإشهاد مع أمره برده، وتسميته جورًا، وحمل الحديث على هذا حمل لحديث النبي ﷺ على التناقض والتضاد، ولو أمر النبي ﷺ بإشهاد غيره امتثل بشير أمره، وإنما هذا تهديد له، فيفيد ما أفاده النهي عن إتمامه كقول الله تعالى:

стр. 708

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١) وكقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٢) وحاشاه له ﵇ أن يبيح لأحد الشهادة على ما أخبر به هو أنه جور، وأن يمضيه ولا يرده، هذا ما لا يجيزه مسلم (٣). ٢ - واستدلوا بما أخرجه مالك في الموطأ (٤)، والبيهقي في السنن (٥) من طريق مالك، ومن طريق شعيب (٦)، كلاهما عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: «إن أبا بكر الصديق كان نحلها جادّ (٧) عشرين وسقًا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية، ما من الناس أحد أحب إلى غنى بعدي منك، وإني كنت نحلتك جادّ عشرين وسقًا، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك، وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله، قالت عائشة: فقلت: يا أبت والله لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء، فمن الأخرى؟ فقال أبو بكر: ذو بطن بنت خارجة، أراها جارية» وصحح إسناده الحافظ في الفتح (٨)، وصححه الألباني في الإرواء (٩)، والإسناد صحيح

стр. 709

على شرط الشيخين. قالوا: فهذا أبو بكر ﵁ أعطى عائشة دون سائر ولده، ورأى ذلك جائزًا، ورأته هي كذلك، ولم ينكره عليهما أحد من أصحاب النبي ﷺ (١). وأجاب ابن قدامة: «وقول أبي بكر لا يعارض النبي ﷺ ، ولا يحتج به معه. ويحتمل أن أبا بكر ﵁ خصها بعطيته لحاجتها، وعجزها عن الكسب والتسبب فيه مع اختصاصها بفضلها، وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله ﷺ وغير ذلك من فضائلها، ويحتمل أن يكون قد نحلها ونحل غيرها من ولده، أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها، فأدركه الموت قبل ذلك، ويتعين حمل حديثه على أحد هذه الوجوه؛ لأن حمله على مثل محل النزاع منهي عنه، وأقل أحوالها الكراهة والظاهر من حال أبي بكر اجتناب المكروهات» (٢). وأجاب عروة عن قصة عائشة بأن إخوتها كانوا راضين بذلك (٣). ٣ - واحتجوا بإجماع العلماء على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده، فإذا جاز أن يخرج جميع ولده عن ماله جاز له أن يخرج عن ذلك بعضهم (٤). قال الحافظ: «ولا يخفى ضعفه؛ لأنه قياس مع وجود النص» (٥). • والراجح القول الأول؛ لقوة أدلته، وخلوها من المعارضة.

стр. 710

• واختلفوا في صفة التسوية: ذهب الثوري، وابن المبارك (١)، وأبو حنيفة (٢)، ومالك (٣)، والشافعي (٤) إلى التسوية بين الأولاد، فيعطى الذكر مثل الأنثى، قال إبراهيم: كانوا يستحبون أن يسووا بينهم حتى في القبل (٥). واستدلوا: ١ - بقوله ﷺ : «أكل ولدك نحلت» وفي رواية مسلم: «ألك ولد سواه؟ قال: نعم» وقوله: «فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم» (٦) ولفظ الولد يشمل الذكور والإناث. وجاء في رواية لمسلم «أكل بنيك» قال الحافظ: «ولا منافاة بينهما؛ لأن لفظ الولد يشمل ما لو كانوا ذكورًا، أو إناثًا وذكورًا، وأما لفظ البنين فإن كانوا ذكورًا فظاهر، وإن كانوا إناثًا وذكورًا فعلى سبيل التغليب، ولم يذكر ابن سعد) (٧) لبشير والد النعمان ولدًا غير النعمان، وذكر له بنتا اسمها أبية بالموحدة تصغير أبي» (٨). ٢ - أن النبي ﷺ علّل العدل بين الأولاد بقوله: «أيسرك أن يكونوا إليك في

стр. 711

البر سواء» فقال: فسوُّوا بينهم، والبنت كالابن في استحقاق برها، وكذلك في عطيتها. ٣ - ولأنها عطية في الحياة فاستوى فيها الذكر والأنثى كالنفقة والكسوة (١). ٤ - خرج الحارث في مسنده (٢)، وابن عدي في الكامل (٣)، والطبراني في الكبير (٤) والبيهقي في الكبرى (٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (٦) من طرق عن إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف الرحبي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلًا أحدًا لفضلت النساء» واللفظ للطبراني. واستنكره ابن عدي فقال في ترجمة سعيد هذا: «لا أعلم يروي عنه غ ير إسماعيل بن عياش، ورواياته بإثبات الأسانيد لا بأس بها، ولا أعرف له شيئًا أنكر ما ذكرته من حديث عكرمة عن ابن عباس». وفيه سعيد بن يوسف متفق على ضعفه (٧). قال الحافظ في التخليص: «وفي إسناده سعيد بن يوسف وهو ضعيف وذكر

стр. 712

ابن عدي في الكامل أنه لم يرو له أنكر من هذا» (١) وغفل ﵀ عن هذا مع جلالة قدره فحسن إسناده في الفتح (٢). وضعف الحديث الألباني في الإرواء (٣). ٥ - أخرج ابن عدي في الكامل (٤)، وتمام في فوائده (٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (٧) من طرق عن عبد الله بن معاذ، عن معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك أن رجلًا كان جالسًا مع النبي ﷺ فجاء ابن له، فأخذه فقبله، واجلسه في حجره، ثم جاءت بنية له، فأخذها فأجلسها إلى جنبه. فقال النبي ﷺ : «فما عدلت بينهما». واللفظ لابن عدي. وقال: وهذا لا أعلم يرويه عن معمر بهذا الإسناد غير عبد الله بن معاذ … ثم قال: «لعبد الله بن معاذ أحاديث حسان غير ما ذكرت، وأرجو أنه لا بأس به». وإسناده حسن فيه عبد الله بن معاذ الصنعاني صاحب معمر، قال الذهبي (٨) والحافظ (٩) عنه: صدوق. زاد الحافظ: تحامل عليه عبد الرزاق. وفي الحديث وجوب المساواة بينهما في القبل، فكيف بالعطية؟!.

стр. 713

• وذهب عطاء، وشريح، وإسحاق، ومحمد بن الحسن (١)، واختاره الإمام أحمد (٢)، إلى القسمة بينهما حسب قسمة الله تعالى الميراث، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين. واستدلوا: ١ - بأن الله قَسم بين الذكر والأنثى فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وأولى ما اقتدي به قسمة الله. ٢ - ولأن العطية في الحياة إحدى حالي العطية فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين كحالة الموت، لأن العطية استعجال لما يكون بعد الموت فينبغي أن تكون على حسبه، كما أن معجل الزكاة قبل وجوها يؤديها على صفة أدائها بعد وجوبها، وكذلك الكفارات المعجلة. ٣ - ولأن الذكر أحوج من الأنثى من قبل أفما إذا تزوجا جميعًا فالصداق، والنفقة، ونفقة الأولاد على الذكر والأنثى لها ذلك، فكان أولى بالتفضيل لزيادة حاجته، وقد قسم الله تعالى الميراث ففضل الذكر مقرونًا بهذا المعنى فتعلل به، ويتعدى ذلك إلى العطية في الحياة (٣). • وكل ما مضى من تعليلات قياس مقابل النص، فظاهر النص الأمر بالتسوية في العطية، بل تعدى حديث أنس الأمور المادية إلى المعنوية، فأمر رسول الله ﷺ بالعدل بينهما في المعنويات، ومرّ أن بشيرًا والد النعمان لم يكن له من الولد إلا

стр. 714

النعمان وأُبية، ومع ذلك أمره رسول الله ﷺ بالعدل والسوية، فلا يلتفت عن النص إلى غيره. يقول ابن حزم: « … فقوله ﵇ «اعدلوا بين أولادكم» … وكذلك هذا القول منه ﵊ إيجاب للتسوية بين الذكر والأنثى، وليس هذا من المواريث في شيء، ولكل نص حكمه» (١). • ومن هنا يترجح القول الأول لقوة أدلته.

стр. 715

المبحث الثالث: حرية البنت في اختيار الزوج لقد حفظ الإسلام حق المرأة في اختيار الزوج، واحترم إرادتها فيه، إذ أن هذا الموقف هو أدق المواقف في حياتها، وأمسُّها بمستقبلها، وهل هناك ما هو أدل على احترام الإسلام رأي المرأة في هذا الموطن مما أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢) من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ خطب أم هانئ بنت أبي طالب فقالت: يا رسول الله إني قد كبرت، ولي عيال. فقال رسول الله ﷺ «خير نساء ركن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده» واللفظ لمسلم. فها هي المرأة تبدي صفحة العذر عن بلوغ أقدس منزلة تبلغها المرأة المسلمة، وهي منزلة أمومة المؤمنين، والارتباط برسول رب العالمين، ومع ذلك أكبر رسول الله ﷺ رأيها إكبارًا قلّد قريشًا بأسرها شهادة عليا إلى يوم الدين. وأخرج البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب: لا يُنْكِح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها (٣)، ومسلم في صحيحه في كتاب النكاح، باب: استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت (٤) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ

стр. 716

قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر (١)، ولا تنكح البكر حتى تستأذن» قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت». وأخرجا (٢) من حديث عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ عن الجارية يُنْكِحها أهلها أتستأمر أم لا؟ فقال لها رسول الله ﷺ : «نعم تستأمر» فقالت عائشة: فقلت له: فإنها تستحي؟ فقال رسول الله: «إذنها إذا هي سكتت». غير أن في المسألة تفصيلًا يذكر: أولًا: البكر الصغيرة: يجوز للأب تزويج البكر الصغيرة قبل البلوغ بدون إذنها، لأنها لا إذن لها، قال الحافظ في الفتح: «إذ لا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإذن، ومن يستوي سكوتها وسخطها» (٣) وقد دلّ على ذلك القرآن، والسنة، والإجماع. أدلة القرآن: ١ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٤). فجعل للائي لم يحضن عدة ثلاثة أشهر، ولا تكون العدة ثلاثة أشهر إلا من الطلاق في نكاح أو فسخ، فدل ذلك على أنها تزوج وتطلق، ولا إذن لها، فيعتبره (٥).

стр. 717

٢ - وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ والأيّم: الأنثى التي لا زوج لها، صغيرة كانت أو كبيرة (١). أدلة السُّنَّة: ١ - ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب: إنكاح الرجل ولده الصغار لقوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فجعل عدها ثلاثة أشهر قبل البلوغ (٢)، ومسلم في صحيحه في كتاب النكاح، باب تزويج الأب البكر الصغيرة (٣)، من حديث عائشة قالت: تزوجني النبي ﷺ وأنا بنت ست سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين. وأخرجاه (٤) بسياق أتم من هذا من طريق عروة، عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله ﷺ لست سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين، قالت: فقدمنا المدينة، فوعكت شهرًا، فوفي شعري جميمة (٥)، فأتتني أم رومان، وأنا على أرجوحة ومعي صواحبي، فصرخت بي فأتيتها، وما أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي، فأوقفتني على الباب، فقلت: هه هه حتى ذهب نفسي، فأدخلتني بيتًا فإذا نسوة من الأنصار. فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن، فغسلن رأسي،

стр. 718

وأصلحني، فلم يرعي إلا ورسول الله ﷺ ضحى، فأسلمنني إليه. ومعلوم أنها لم تكن في تلك الحال ممن يعتبر إذنها. ٢ - تزويج عليّ ﵁ ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب ﵁ وهي صغيرة. وأخرج القصة مطولة سعيد بن منصور في سننه (١)، والحاكم في المستدرك (٢)، والبيهقي في الكبرى (٣). وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. الإجماع: قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز إذا زوَّجها من كفء» (٤) كما حكى ابن بطال (٥)، والحافظ (٦) عن المهلب نقل الإجماع أيضًا. ولا بد هنا من التنبيه لعدة أمور: ١ - الحكمة من جواز تزويج الصغيرة المصلحة المترجحة في ارتباطها بالكفء، والخوف من تفويتها، قال النووي: «واعلم أن الشافعي وأصحابه قالوا: يستحب ألا يزوج الأب والجد البكر حتى تبلغ، ويستأذنها؛ لئلا يوقعها في أسر

стр. 719

الزوج وهي كارهة. وهذا الذي قالوه لا يخالف حديث عائشة؛ لأن مرادهم أنه لا يزوجها قبل البلوغ إذا لم تكن مصلحة ظاهرة يخاف فوقا بالتأخير، كحديث عائشة، فيستحب تحصيل ذلك الزوج؛ لأن الأب مأمور بمصلحة ولده فلا يفوتها. والله أعلم» (١). ٢ - إنه مع ما ذكر من الأدلة فإن الأفضل أن يتريث الأب حتى تكبر البنت، قال الشافعي في القديم: «أستحب للأب ألا يزوجها حتى تبلغ؛ لتكون من أهل الإذن؛ لأنه يلزمها بالنكاح حقوق» (٢). ٣ - إنه وإن جاز العقد عليها وهي صغيرة إلا أنه لا يمكّن منها حتى تصلح للوطء (٣). ٤ - إن البنت إذا بلغت ولم ترضَ بالزوج كان لها الخيار في الفسخ، وهذا قال أهل العراق (٤). ٥ - قال النووي: «أما غير الأب والحد من الأولياء فلا يجوز أن يزوجها عند الشافعي، والثوري، ومالك، وابن أبي ليلى، وأحمد، وأبي ثور، وأبي عبيد، والجمهور قالوا: إنْ زوجها لم يصح. وقال الأوزاعي وأبو حنيفة وآخرون من السلف: يجوز لجميع الأولياء، ويصح، ولها الخيار إذا بلغت» (٥). فعلى أولئك الذين يحجرون على بناتهم لمن يحبونه، أو يميلون إليه ويسمون

стр. 720

أزواجهن، وهن صغارٌ، مستدلين بفعل أبي بكر وتزويجه لرسول الله ﷺ ، أن يتأملوا التنبيهات المذكورة، سائلين أنفسهم عن المصلحة الراجحة، وهل مَنْ سَمَّوْهم أزواجًا لبناتهم هم مثل رسول الله ﷺ أو عمر. إن تحديد مصائر حياة الناس أمر صعب يحتاج إلى مزيد روية ونظر، فلا تستعجل أيّها الأب بإيقاع الظلم؛ فإنه ظلمات يوم القيامة. ثانيًا: البالغ الثيب (١): وهذه لا يجوز تزويجها بغير إذنها، وإذا الكلام، بخلاف البكر فإذا الصمات، ولا يجوز لأحد من الأولياء إجبارها على النكاح، سواء كان الولي أبًا أو جدًا أو غيرهما، وهذا قول عامة أهل العلم. يقول الحافظ: «ورَدُّ النكاح إذا كانت ثيبًا فَزُوِّجت بغير رضاها إجماع، إلا ما نقل عن الحسن أنه أجاز إجبار الأب للثيب ولو كرهت» (٢) وقال ابن قدامة: «وقال إسماعيل بن إسحاق: لا أعلم أحدًا قال في البنت بقول الحسن، وهو قول شاذ خالف فيه أهل العلم والسنة» (٣). والدليل: ١ - ما تقدم (٤) ذكره من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن» قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: «أن تسكت».

стр. 721

وبوّب عليه البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب: لا يُنْكِح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها (١). يقول النووي: « … وأمّا الثيب فلا بد فيها من النطق بلا خلاف سواءٌ كان الولي أبًا أو غيره؛ لأنه زال كمال حيائها بممارسة الرجال، وسواء زالت بكارتها بنكاح صحيح، أو فاسد، أو بوطء شبهة، أو بزنى» (٢). ٢ - ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب: إذا زوّج ابنته وهي كارهة، فنكاحه مردود (٣) من طريق مُجَمّع وعبد الرحمن ابني يزيد بن جارية، عن خنساء بنت خِدَام الأنصارية أن أباها زوّجها، وهي ثيِّب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ فرد نكاحه. قال البغوي: «فإن زَوَّجها وليها بغير إذنها، فالنكاح مردود» (٤). وأمْر الثيب إلى نفسها، ويحتاج الولي إلى صريح إذنها في العقد، لأن الأمر صريح في القول، والنطق، فإذا صرحت بمنعه امتنع اتفاقًا، ولو زوجت بغير إذنها، وأرادت فسخ نكاحها كان لها ذلك. ثالثا: البكر البالغة: وهذه فيها قولان مشهوران: أحدهما: أن البكر تستأذن تطييبًا لخاطرها؛ لا أن إذنها شرط في صحة العقد

стр. 722

كالثيب، وإلى هذا ذهب مالك (١)، والشافعي (٢)، وإسحاق (٣)، وهي رواية عن أحمد واختارها الخرقي والقاضي وأصحابه (٤). واستدلوا بما يأتي: ١ - حديث أبي هريرة مرفوعًا «لا تنكح الأيّم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن» (٥). ٢ - ما أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب النكاح، باب: استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت (٦) من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها». فجعل رسول الله ﷺ الأيم أحق بنفسها من وليها، فعلم أن ولي البكر أحق بها من نفسها، وإلا لم يكن لتخصيص الأيم بذلك معنى. وأيضًا: فإنه فرّق بينهما في صفة الإذن، فجعل إذن الثيب النطق، وإذن البكر الصمت، وهذا كله يدل على عدم اعتبار رضاها وأنها لا حق لها مع أبيها. والجواب: أنه ليس في ذلك ما يدل على جواز تزويجها بغير رضاها مع بلوغها وعقلها ورشدها، بل تركوا العمل بنص الحديث وظاهره، وتمسكوا بدليل خطابه، ومفهومه، ولو سلم أنه حجة، فلا يجوز تقديمه على المنطوق الصريح كما سيأتي (٧)،

стр. 723

وهذا أيضًا إنما يدل إذا قلت: إن للمفهوم عمومًا، والصواب أنه لا عموم له (١). وتأمل قوله ﷺ «والبكر يستأذنها أبوها» عقب قوله: «الأيم أحق بنفسها من وليها» قطعًا لتوهم هذا القول، وأن البكر تزوج بغير إذنها أو رضاها، فلا حق لها في نفسها البتة، فوصل إحدى الجملتين بالأخرى دفعًا لهذا التوهم (٢). والثاني: أنه يشترط إذنها كما يشترط إذن الثيب، فلا يجوز إجبارها على النكاح، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه (٣)، والثوري، والأوزاعي، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر (٤)، وهو الرواية الثانية عن أحمد، واختاره أبو بكر عبد العزيز (٥). واستدلوا بما يأتي: ١ - حديث أبي هريرة المتقدم (٦) أن رسول الله ﷺ قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن» وقوله «لا تنكح البكر حتى تستأذن» نهى يتناول الأب وغيره عن تزويج البكر دون استئذان، والنهي صريح في المنع فحمله على الاستحباب بعيد جدًا. والنبي ﷺ فرّق بين البكر والثيب، فذكر لفظ «الإذن» للبكر، وجعل إذنها صماتها، ولفظ «الأمر» للثيب، وإذنها النطق، فهذان هما الفرقان اللذان فرّق بهما النبي ﷺ بين البكر والثيب، لم يفرق بينهما في الإجبار وعدمه، وذلك لأن البكر لما كانت تستحي أن تتكلم في أمر نكاحها لم تخطب إلى نفسها، بل

стр. 724

تخطب إلى وليها، ووليها يستأذنها، فتأذن له؛ لا تأمره ابتداء، بل تأذن له إذا استأذنها، وإذنها صماتها، وأما الثيب فقد زال عنها حياء البكر، فتتكلم بالنكاح، فتخطب إلى نفسها (١)، وتأمر الولي أن يزوجها، فهي آمرة له، وعليه أن يطيعها، فيزوجها من الكفؤ إذا أمرته بذلك، فالولي مأمور من جهة الثيب، ومستأذن للبكر، فهذا هو الذي دل عليه كلام النبي ﷺ ، فلا يزاد عليه ما ليس منه (٢). ٢ - أخرج أحمد في المسند (٣)، وأبو داود في السنن (٤)، وابن ماجه في السنن (٥)، والنسائي في الكبرى (٦)، وأبو يعلى في المسند (٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٨)، والبيهقي في الكبرى (٩) من طريق جرير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن جارية بكرًا أتت النبي ﷺ ، فذكرت أن أباها زوّجها وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ . واللفظ لأحمد. وإسناده صحيح على شرط البخاري، وصححه ابن القطان فيما نقله الحافظ الزيلعي في نصب الراية (١٠).

стр. 725

قال الحافظ: «وأما الطعن في الحديث فلا معنى له، فإن طرقه يَقْوى بعضها ببعض» (١) وأطال ابن القيم النفس في الرّد على من طعن في الحديث في حاشية السنن (٢). قال ابن القيم في الزاد (٣): «وهذه غير خنساء، فهما قضيتان قضى في إحداهما بتخيير الثيب، وقضى في الأخرى بتخيير البكر». ٣ - أخرج الإمام أحمد في المسند (٤)، والدارقطني في السنن (٥)، والبيهقي في الكبرى (٦) من طريق ابن إسحاق، حدثني عمر بن حسين بن عبد الله مولى آل حاطب، عن نافع مولى عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، قال: توفي عثمان بن مظعون، وترك ابنة له من خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، قال: وأوصى إلى أخيه قُدامة بن مَظْعون قال عبد الله: وهما خالاي، قال: فخطبت إلى قدامة بن مَظْعون ابنة عثمان بن مظعون، فزوَّجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة -يعني إلى أمها- فأرْغبها في المال، فحطت إليه، وحطَّت الجارية إلى هوى أمها، فأبيا، حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله ﷺ ، فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله، ابنة أخي، أوصى بها إليّ فزوَّجتها ابن عمتها عبد الله بن عمر، فلم أُقَصِّر بها في الصلاح ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإنما حطت إلى هوى أمها. قال: فقال رسول الله ﷺ «هي

стр. 726

يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها» قال: فانتُزِعت والله مني بعد أن مَلَكْتها، فزوّجوها المغيرة. واللفظ لأحمد. قال الألباني: «وهذا إسناد جيد، رجاله رجال الشيخين غير ابن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث وقد توبع، فرواه الدارقطني (١)، والحاكم (٢) عن ابن أبي ذئب، عن عمر بن حسين به نحوه مختصرًا، وفيه عند الحاكم «لا تُنْكِحوا النساء حتى تستأمروهن، فإذا سكتين فهو إذنهن» وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وهو كما قالا (٣). وإسناده حسن، من أجل محمد بن إسحاق المطلي، قال الحافظ عنه: «صدوق يدلس» (٤). ٤ - قالوا: تزويجها مع كراهتها للنكاح مخالف للأصول والعقول، والله لم يسوغ لوليها أن يكرهها على بيع أو إجارة إلا بإذنها، ومعلوم أن إخراج مالها كله بغير رضاها، أسهل عليها من تزويجها من لا تختاره بغير رضاها، ولا على طعام أو شراب أو لباس لا تريده، فكيف يُكْرِهها على مباضعة من تكره مباضعته ومعاشرة من تكره معاشرته، والله قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة، فإذا كان لا يحصل إلا مع بعضها له، ونفورها عنه، فأي مودة ورحمة في ذلك (٥). ٥ - وقالوا: إن الصغر سبب الحجر بالنص والإجماع، وأما جعل البكارة

стр. 727

موجبة للحجر فهذا مخالف لأصول الإسلام، فإن الشارع لم يجعل البكارة سببًا للحجر في موضع من المواضع المجمع عليها، فتعليل الحجر بذلك تعليل بوصف لا تأثير له في الشرع (١). ٦ - أنه موافق لمصالح الأمة، ولا يخفى مصلحة البنت في تزويجها من ترضاه، وتختاره، وحصول مقاصد النكاح لها به، وحصول ضد ذلك ممن تبغضه وتنفر عنه، فلو لم تأت السنة الصريحة بهذا القول، لكان القياس الصحيح، وقواعد الشريعة لا تقتضي غيره (٢). قال الشاه ولي الله الدهلوي: «لا يجوز أن يحكم الأولياء فقط؛ لأنهم لا يعرفون ما تعرف المرأة من نفسها؛ ولأن حارَّ العقد وقارَّه (٣) راجعان إليها» (٤). • والقول الراجح هو القول الثاني القائل بوجوب استئذان البكر في التزويج، لقوة أدلته، وسلامتها من المعارضة، وموافقتها لمصالح الأمة. بل نقل العلماء أن على الولي إعلام البكر بأن إذنها صماتها، قال الحافظ في الفتح: «قال ابن المنذر: يستحب إعلام البكر أن سكوتها إذن» (٥) وقال الأبي: «استحباب إعلامها بذلك هو المشهور، ونقل ابن رشد عن ابن مسلمة أن إعلامها بذلك واجب، وعلى القولين يكفي إعلامها مرة واحدة، وقال ابن شعبان: يقال ذلك لها ثلاثًا: «إن رضيت فاسكتي، وإن كرهت فانطقي» (٦).

стр. 728

• وإلى أولئك الذين تعسفوا مع بناتهم، وتأذي بناهم بذلك الظلم، أورد قصة قرأها في كتاب «المرأة العربية» (١) ذلك أن فتاة زوجها أبوها وهي حدَثة بغير إذنها، فقالت: أيا أبتا تمنّيتني وابتليتني … وصيّرت نفسي في يَدَي من يهينها أيا أبتا لولا التحرج قد دعا … عليك مجابًا دعوة يستدينها وليقرأ: فلينظر الآباء كيف … يكون تزويج البنات يستأذنون البكر في التز … ويج مثل الثيبات حتى يعشن مع الرجال … منعمات راضيات طعم الحياة مع السجو … ن أمرّ من طعم الممات (٢) • وربما يتوهم البعض أن للمرأة أن تزوج نفسها، وأن ذلك حق من حقوقها ما دام أن الشارع اعتبر رضاها، لكن مما ينبغي أن يعلم، أنه مع ثبوت حق المرأة في قبول من ترضاه من الأزواج فإن هذا الحق مقيد بإذن وليها، فإن النكاح لا يصح إلا بولي على رأي جمهور العلماء (٣)، وأن المرأة لا تملك تزويج نفسها ولا غيرها (٤).

стр. 729

المبحث الرابع: تحريم العَضْل وإن كان القول الراجح يقضي بعدم جواز إجبار الولي المرأة على الزواج ممن لا تريده، فإنه لا يجوز له عضلها عن الزواج. والعَضْل هو: منع المرأة من التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل واحد منهما في صاحبه (١). وقد حرّم الإسلام العَضْل فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). وسبب نزول الآية ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب: من قال: «لا نكاح إلا بولي» لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ (٣) من طريق الحسن قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه، قال: زوجت أختًا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها، جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك، وفرشتك، وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدًا. وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾

стр. 730

فقلت: الآن أفعل يا رسول الله. قال: فزوجها إيّاه. قال الحافظ: «وفي حديث معقل أن الولي إذا عضل لا يزوج السلطان إلا بعد أن يأمره بالرجوع عن العضل، فإن أجاب فذاك، وإن أصرّ زوّج عليه الحاكم» (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: « … وإذا رضيت رجلًا، وكان كفؤًا لها، وجب على وليها -كالأخ، ثم العم- أن يزوجها به، فإن عضلها أو امتنع عن تزويجها زوّجها الولي الأبعد منه، أو الحاكم بغير إذنه باتفاق العلماء، فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه، ولا يعضلها عن نكاح من ترضاه إذا كان كفؤًا باتفاق الأئمة، وإنما يجبرها ويعضلها أهل الجاهلية، والظلمة الذين يزوجون نساءهم لمن يختارونه لغرض؛ لا لمصلحة المرأة، ويكرهوها على ذلك، أو يُخْجِلوها حتى تفعل، ويعضلوها عن نكاح من يكون كفؤًا لها لعداوة أو غرض، وهذا كله من عمل الجاهلية، والظلم والعدوان، وهو مما حرمه الله ورسوله ﷺ ، واتفق المسلمون على تحريمه، وأوجب الله على أولياء النساء أن ينظروا في مصلحة المرأة لا في أهوائهم كسائر الأولياء والوكلاء ممن تصرف الغيرة، فإنه يقصد مصلحة من تصرف له، لا يقصد هواه، فإن هذا من الأمانة التي أمر الله أن تؤدي إلى أهلها فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٢) (٣). • وقد ذكر سماحة العلامة ابن باز ﵀ صورة من صور العضل المبنية على الحمية حيث قال: «ومن المسائل المنكرة في هذا ما يتعاطاه الكثير من البادية،

стр. 731

وبعض الحاضرة من حجر ابنة العم ومنعها من الترويج من غيره، وهذا منكر عظيم، وسنة جاهلية، وظلم للنساء، وقد وقع بسبه فتن كثيرة، وشرور عظيمة من شحناء، وقطعية رحم، وسفك دماء، وغير ذلك» (١). ألا فليتق الله الأولياء فيمن تحت أيديهم من النساء، ولا يعضلوهن لأهواء نفوسهم، أو لمتاع دنيا زائف، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، ودعوة المظلوم محابة.

стр. 732

الفصل الثالث حق المرأة زوجةً وسيتناول هذا الفصل خمسة مباحث: المبحث الأول: لزوم الإحسان، والعشرة بالمعروف. المبحث الثاني: حقوق المرأة الجنسية. المبحث الثالث: حفظها من الأنكحة الفاسدة. المبحث الرابع: حق المرأة في الحضانة. المبحث الخامس: حقوق المرأة المعنوية.

стр. 733

وحين تنتقل المرأة من بيت والديها اللذين حثهما الإسلام على الإحسان إليها إلى بيت زوجها تأتي التوجيهات الشرعية لهذا الزوج بوصايا عديدة تحفظ لها كرامتها. وسيتناول هذا الفصل في مباحثه هذا الموضوع.

стр. 734

المبحث الأول: لزوم الإحسان، والعشرة بالمعروف أوصى الإسلام بالإحسان للزوجة، ووجوب عشرها بالمعروف، ومن الأدلة على ذلك: ١ - يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١). يقول ابن كثير: «وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها، مثله كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وقال رسول الله ﷺ «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» وكان من أخلاقه ﷺ أنه جميل العشرة، دائم البشر يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه» (٢)، وفي حال كراهة الرجل لزوجته يوصي القرآن بها، ويعلق عليها الخير الكثير إن صبر الزوج عليها، وعسى الله أن يُحْدِث بعد ذلك أمرًا.

стр. 735

يقول الزمخشري: «فإن كرهتموهن فلا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها، فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين، وأحمد، وأدى إلى الخير، وأحبت ما هو بضد ذلك، ولكن النظر في أسباب الصلاح» (١). وقوله: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ علة للجزاء أقيمت مقامه للإيذان بقوة استلزامها إيّاه، كأنه قيل فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة، فلعل لكم فيما تكرهونه خيرًا كثيرًا، ليس فيما تحبونه؛ فإن النفس قد تكره ما هو أصلح في الدين، وأحمد عاقبة، وأدى إلى الخير، وتحب ما هو بخلافه، فليكن نظركم إلى ما فيه خير وصلاح دون ما تقوى أنفسكم (٢). فالله تعالى أوصى الرجل بالعشرة بالمعروف حتى مع الكراهة، وعلّق سبحانه الخير الكثير على الصبر على من تكرهون من النساء إن كانت الكراهة من قبلكم دون تسبب للمرأة فيها. وقلِّب بين معاني الآية بصرك، واملأ منها يدك، وروِّ من معينها قلبك، ثم انظر هل تقيم على وجدانك، أو تقر على عاطفتك فيما تكره من امرأتك؟ وما ظنك بأمر تكرهه ثم تظل على لجاجك فيه بعد أن مناك الله بالخير الكثير من ورائه؟ وأين ذلك من حسن الثقة، وتمام الإيمان بالله! ٢ - وحين تكثر المشاكل بين الزوجين، وتصل الأمور إلى منتهاها، وتستغلق الأزمة يأتي الحل الأمثل لمثل هذه الحياة بقول تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣). يقول ابن كثير: «﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أي إذا طلقتها

стр. 736

واحدة أو اثنتين، فأنت مخير فيها ما دامت عدها باقية بين: أن تردها إليك ناويًا الإصلاح بها، والإحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها فتبين منك، وتطلق سراحها محسنًا إليها لا تظلمها من حقها شيئًا، ولا تضار بها» (١). فحمى الإسلام حق الزوجة في حال كره الرجل لها، وفي اختيار طلاقها، فلله الحمد والمنة. ٣ - أخرج الدارمي في السنن (٢)، والترمذي في السنن (٣) وابن حبان في صحيحه (٤)، والبيهقي في الكبرى (٥) والشعب (٦)، وأبو نعيم في الحلية (٧) من طرق عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، وإذا مات صاحبكم فدعوه» واللفظ للترمذي. وقال: حديث حسن غريب صحيح من حديث الثوري، ما أقل من رواه عن الثوري. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٨)، والصحيحة (٩). قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري.

стр. 737

قال المباركفوري: «(خيركم خيركم لأهله) أي: لعياله وذوي رحمه، وقيل: لأزواجه وأقاربه، وذلك لدلالته على حسن الخلق (وأنا خيركم لأهلي) فأنا خيركم مطلقًا، وكان أحسن الناس عشرة لهم، وكان على خلق عظيم» (وإذا مات صاحبكم) أي واحد منكم، ومن جملة أهاليكم (فدعوه) أي: اتركوا ذكر مساويه، فإن تركه من محاسن الأخلاق، ودلهم ﷺ على المجاملة وحسن المعاملة مع الأحياء والأموات» (١). ٤ - ما أخرجه ابن ماجه في السنن (٢)، والترمذي في السنن (٣) من طريق زائدة، عن شبيب بن غَرْقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، قال: حدثي أبي أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، وذكَّر، ووعظ، فذكَر في الحديث قصة، فقال: «ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا، ألا إن لكم على نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن، وطعامهن» واللفظ للترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح. ومعنى قوله «عوان عندكم» يعني أسرى بين أيديكم.

стр. 738

وصححه ابن القيم في الزاد (١)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢). وفي إسناده سليمان بن عمرو بن الأحوص قال الحافظ عنه: «مقبول» (٣) أي حيث يتابع وإلا فلين الحديث كما هو اصطلاحه، وقد تقدم (٤) تحقيق القول فيمن كان هذا حاله، من فئة التابعين، وترجيح ابن القيم تحسين حديثه. وللحديث شاهد من حديث جابر تقدم (٥). وعلى كل فرسول الله ﷺ أوصى بالنساء في محفل عظيم في أواخر حياته، وذكر أنهن عوان عند الرجال، فَلَزِم الإحسان إليهن. ٥ - أخرج ابن أبي شيبة في المصنف (٦)، وأحمد في المسند (٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (٨)، والترمذي في السنن (٩)، وابن حبان في صحيحه (١٠)، والحاكم في المستدرك (١١)، والبيهقي في الشعب (١٢) من طرق عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أكمل المؤمنين إيمانًا، أحسنهم خُلقًا،

стр. 739

وخِيارهم خيارهم لنسائهم». وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح لم يخرج في الصحيحين، وهو صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي (١): «حسن صحيح». وهذا الإسناد حسن؛ رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي فمن رجال السنن، وروى له البخاري مقرونًا، ومسلم متابعة، وهو حسن الحديث (٢)، والحديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده. وقد تقدم حديث عائشة فيما قبله (٣) وهو شاهد له. وله شاهد -أيضًا- أخرجه أحمد في المسند (٤)، والترمذي في السنن (٥)، والنسائي في الكبرى (٦) من طرق عن خالد الحذّاء، عن أبي قِلابة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وألطفهم بأهله» واللفظ لأحمد. قال الترمذي: هذا حديث صحيح، ولا نعرف لأبي قلابة سماعًا من عائشة، وقد روى أبو قلابة عن عبد الله بن يزيد رضيع لعائشة عن عائشة غير هذا الحديث، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجَرْمي.

стр. 740

والإسناد ضعيف؛ لانقطاعه، وما قبله شاهد له. وتأمل -حفظك الله- الحديث تجد أن أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وقد ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرة، ولا يتصور في مؤمن يحكِّم شرع الله أن يجفو القريب، ويصل البعيد، ويحسن إليه، ومَنْ في بيته يعاني ظلمه وتسلطه، ولا شك أن الزوجة من أقرب الناس للرجل فهي لباسه وسكنه ووصية رسول الله ﷺ إياه. ٦ - ما أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الرضاع، باب: الوصية بالنساء (١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يَفْرُكْ (٢) مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلقًا، رضي منها آخر». قال النووي: « … بل الصواب أنه في، أي ينبغي ألّا يبغضها؛ لأنه إن وجد فيها خلقًا يكره، وجد فيها خلقًا مرضيًّا بأن تكون شرسة الخلق لكنها دينة أو جميلة أو عفيفة أو رفيقة به أو نحو ذلك» (٣). وقال الشوكاني: « … فيه الإرشاد إلى حسن العشرة، والنهي عن البغض للزوجة بمجرد كراهة خلق من أخلاقها، فإنها لا تخلو مع ذلك عن أمر يرضاه منها، وإذا كانت مشتملة على المحبوب والمكروه. فلا ينبغي ترجيح مقتضي الكراهة على مقتضى المحبة» (٤). ثم إن الإنسان لا يكاد يجد محبوبًا ليس فيه ما يكره، فليصبر على ما يكره لما
следующие страницы →