← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

واحدة أو اثنتين، فأنت مخير فيها ما دامت عدها باقية بين: أن تردها إليك ناويًا الإصلاح بها، والإحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها فتبين منك، وتطلق سراحها محسنًا إليها لا تظلمها من حقها شيئًا، ولا تضار بها» (١). فحمى الإسلام حق الزوجة في حال كره الرجل لها، وفي اختيار طلاقها، فلله الحمد والمنة. ٣ - أخرج الدارمي في السنن (٢)، والترمذي في السنن (٣) وابن حبان في صحيحه (٤)، والبيهقي في الكبرى (٥) والشعب (٦)، وأبو نعيم في الحلية (٧) من طرق عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، وإذا مات صاحبكم فدعوه» واللفظ للترمذي. وقال: حديث حسن غريب صحيح من حديث الثوري، ما أقل من رواه عن الثوري. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٨)، والصحيحة (٩). قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري.

стр. 737

قال المباركفوري: «(خيركم خيركم لأهله) أي: لعياله وذوي رحمه، وقيل: لأزواجه وأقاربه، وذلك لدلالته على حسن الخلق (وأنا خيركم لأهلي) فأنا خيركم مطلقًا، وكان أحسن الناس عشرة لهم، وكان على خلق عظيم» (وإذا مات صاحبكم) أي واحد منكم، ومن جملة أهاليكم (فدعوه) أي: اتركوا ذكر مساويه، فإن تركه من محاسن الأخلاق، ودلهم ﷺ على المجاملة وحسن المعاملة مع الأحياء والأموات» (١). ٤ - ما أخرجه ابن ماجه في السنن (٢)، والترمذي في السنن (٣) من طريق زائدة، عن شبيب بن غَرْقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، قال: حدثي أبي أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، وذكَّر، ووعظ، فذكَر في الحديث قصة، فقال: «ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا، ألا إن لكم على نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن، وطعامهن» واللفظ للترمذي. وقال: هذا حديث حسن صحيح. ومعنى قوله «عوان عندكم» يعني أسرى بين أيديكم.

стр. 738

وصححه ابن القيم في الزاد (١)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢). وفي إسناده سليمان بن عمرو بن الأحوص قال الحافظ عنه: «مقبول» (٣) أي حيث يتابع وإلا فلين الحديث كما هو اصطلاحه، وقد تقدم (٤) تحقيق القول فيمن كان هذا حاله، من فئة التابعين، وترجيح ابن القيم تحسين حديثه. وللحديث شاهد من حديث جابر تقدم (٥). وعلى كل فرسول الله ﷺ أوصى بالنساء في محفل عظيم في أواخر حياته، وذكر أنهن عوان عند الرجال، فَلَزِم الإحسان إليهن. ٥ - أخرج ابن أبي شيبة في المصنف (٦)، وأحمد في المسند (٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (٨)، والترمذي في السنن (٩)، وابن حبان في صحيحه (١٠)، والحاكم في المستدرك (١١)، والبيهقي في الشعب (١٢) من طرق عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أكمل المؤمنين إيمانًا، أحسنهم خُلقًا،

стр. 739

وخِيارهم خيارهم لنسائهم». وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح لم يخرج في الصحيحين، وهو صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي (١): «حسن صحيح». وهذا الإسناد حسن؛ رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي فمن رجال السنن، وروى له البخاري مقرونًا، ومسلم متابعة، وهو حسن الحديث (٢)، والحديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده. وقد تقدم حديث عائشة فيما قبله (٣) وهو شاهد له. وله شاهد -أيضًا- أخرجه أحمد في المسند (٤)، والترمذي في السنن (٥)، والنسائي في الكبرى (٦) من طرق عن خالد الحذّاء، عن أبي قِلابة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وألطفهم بأهله» واللفظ لأحمد. قال الترمذي: هذا حديث صحيح، ولا نعرف لأبي قلابة سماعًا من عائشة، وقد روى أبو قلابة عن عبد الله بن يزيد رضيع لعائشة عن عائشة غير هذا الحديث، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجَرْمي.

стр. 740

والإسناد ضعيف؛ لانقطاعه، وما قبله شاهد له. وتأمل -حفظك الله- الحديث تجد أن أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وقد ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرة، ولا يتصور في مؤمن يحكِّم شرع الله أن يجفو القريب، ويصل البعيد، ويحسن إليه، ومَنْ في بيته يعاني ظلمه وتسلطه، ولا شك أن الزوجة من أقرب الناس للرجل فهي لباسه وسكنه ووصية رسول الله ﷺ إياه. ٦ - ما أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الرضاع، باب: الوصية بالنساء (١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يَفْرُكْ (٢) مؤمن مؤمنة، إن كره منها خُلقًا، رضي منها آخر». قال النووي: « … بل الصواب أنه في، أي ينبغي ألّا يبغضها؛ لأنه إن وجد فيها خلقًا يكره، وجد فيها خلقًا مرضيًّا بأن تكون شرسة الخلق لكنها دينة أو جميلة أو عفيفة أو رفيقة به أو نحو ذلك» (٣). وقال الشوكاني: « … فيه الإرشاد إلى حسن العشرة، والنهي عن البغض للزوجة بمجرد كراهة خلق من أخلاقها، فإنها لا تخلو مع ذلك عن أمر يرضاه منها، وإذا كانت مشتملة على المحبوب والمكروه. فلا ينبغي ترجيح مقتضي الكراهة على مقتضى المحبة» (٤). ثم إن الإنسان لا يكاد يجد محبوبًا ليس فيه ما يكره، فليصبر على ما يكره لما

стр. 741

يحب، ورحم الله القائل: ومن يتتبع جاهدًا كل عثرة … يجدها، ولا يسلم له الدهرَ صاحبُ فانظر إلى حماية الإسلام للمرأة ففي الآية يحث الله تعالى على الصبر على الزوجة عند الكره لها، ويأمر بمعاشرتهما بالمعروف، ويعلق على ذلك الخير الكثير، والحديث يحث الرجلَ على عدم التركيز على السلبيات والغض عن الحسنات بل إن أبغضَ خلقًا نظر في الآخر.

стр. 742

المبحث الثاني: حقوق المرأة الجنسية وتمثلت هذه الحقوق فيما يخص علاقة المرأة الجنسية بزوجها، وفي هذا المبحث أربعة مطالب: المطلب الأول: حق المرأة في الجماع. المطلب الثاني: أوقات الوطء وهيئاته. المطلب الثالث: حكم العزل. المطلب الرابع: حفظ الأسرار الخاصة بين الزوجين. المطلب الأول: حق المرأة في الجماع وإن كان على المرأة حق إجابة الرجل إذا دعاها لفراشه، فإنَّ أبت فإن فعلها كبيرة، أخرج البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب: إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها (١)، ومسلم في صحيحه في كتاب النكاح، باب: تحريم امتناعها من فراش زوجها (٢) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح» واللفظ لمسلم. فعلى الرجل أيضًا أن يشبع رغبات زوجته؛ لأن هذا عدل أمرنا الله بأدائه،

стр. 743

أخرج مسلم في صحيحه (١) من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» ومن العدل أن يعطي حق الآخر كما يأخذ حقه، وإلا فالتطفيف فعله، وقد حذر الرب جل وعلا منه فقال: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (٢). يقول ابن القيم: «وقد اختلف الفقهاء هل يجب على الزوج بجامعة امرأته، فقالت طائفة: لا يجب عليه ذلك؛ فإنه حق له فإن شاء استوفاه، وإن شاء تركه بمنزلة من استأجر دارًا إن شاء سكنها، وإن شاء تركها. وهذا من أضعف الأقوال، والقرآن والسنة والعرف والقياس يرده، أما القرآن فإن الله قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) فأخبر أن للمرأة من الحق مثل الذي عليها، فإن كان الجماع حقًا للزوج عليها، فهو حق على الزوج بنص القرآن، وأيضًا فإنه أمر الأزواج أن يعاشروا الزوجات بالمعروف، ومن ضد المعروف أن يكون عنده شابة شهوتها تعدل شهوة الرجل أو تزيد عليها بأضعاف مضاعفة، ولا يذيقها لذة الوطء مرة واحدة، ومن زعم أن هذا من المعروف كفاه طبعه ردًا عليه، والله إنما أباح للأزواج إمساك نسائهم على هذا الوجه لا على غيره فقال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٤).

стр. 744

وقالت طائفة: يجب عليه وطؤها في العمر مرة واحدة؛ ليستقر لها بذلك الصداق، وهذا من جنس القول الأول، وهذا باطل من وجه آخر؛ فإن المقصود إنما هو المعاشرة بالمعروف، والصداق دخل في العقد تعظيمًا لحرمته، وتفريقا بينه وبين السفاح، فوجوب المقصود بالنكاح أقوى من وجوب الصداق. وقالت طائفة ثالثة: يجب عليه أن يطأها في كل أربعة أشهر مرة، واحتجوا على ذلك بأن الله أباح للْمُوْلي تربص أربعة أشهر، وخير المرأة بعد ذلك إن شاءت أن تقيم عنده، وإن شاءت أن تفارقه، فلو كان لها حق في الوطء أكثر من ذلك، لم يجعل للزوج تركها في تلك المدة، وهذا القول وإن كان أقرب من القولين اللذين قبله، فليس بصحيح، فإنه غير المعروف الذي لها وعليها، وأما جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر فنظرًا منه سبحانه للأزواج، فإن الرجل قد يحتاج إلى ترك وطء امرأته مدة لعارض من سفر، أو تأديب، أو راحة نفس، أو اشتغال بهم؛ فجعل الله له أجلًا أربعة أشهر، ولا يلزم من ذلك أن يكون الوطء مؤقتًا في كل أربعة أشهر مرة. وقالت طائفة: بل يجب عليه أن يطأها بالمعروف، كما ينفق عليها ويكسوها ويعاشرها بالمعروف بل هذا عمدة المعاشرة، ومقصودها، وقد أمر الله أن يعاشرها بالمعروف، فالوطء داخل في هذه المعاشرة ولابد قالوا: وعليه أن يشبعها وطْأً إذا أمكنه ذلك كما عليه أن يشبعها قوتًا، وكان شيخنا ﵀ يرجح هذا القول ويختاره» (١).

стр. 745

وقد اتفق الفقهاء على أن للمرأة فسخ النكاح إذا ثبتت عِنّة (١) الرجل (٢). وإن امتنع الرجل من وطء الزوجة مع قدرته، ضرب الحاكم له أمد الإيلاء أربعة أشهر؛ فإن فاء وإلا لزمه الطلاق (٣). المطلب الثاني: أوقات الوطء وهيئاته حرّم الإسلام في أوقات الوطء وهيئاته ما فيه مضرة على الذكر والأنثى، وما ذاك إلا لحفظ الحقوق الإنسانية. • فحرم إتيان المرأة في حيضتها، أو دبرها يقول تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤).

стр. 746

أخرج أحمد في المسند (١)، وأبو داود في السنن (٢)، وابن ماجه في السنن (٣) والترمذي في السنن (٤)، والنسائي في الكبرى (٥)، وابن الجارود في المنتقى (٦) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٧)، والبيهقي في الكبرى (٨) من طرق عن حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من أتى حائضًا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنًا فصدّقه، فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ » واللفظ لأحمد. وقال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة … وضعف محمد (يعني البخاري) هذا الحديث من قبل إسناده، وأبو تميمة الهجيمي اسمه طريف بن مجالد. وضعفه البغوي فيما نقله عنه المناوي (٩)، وقال الذهبي في الكبائر: ليس إسناده بالقائم (١٠). وصححه الألباني في الإرواء (١١).

стр. 747

قلت: هذا الإسناد ضعيف؛ لانقطاعه، لأن أبا تميمة لا يعرف له سماع من أبي هريرة (١)، وفيه حكيم الأثرم «فيه لين» (٢) قاله الحافظ. لكن للحديث شواهد يرتقي بها للحسن أوردها الألباني في الإرواء، ومحققو مسند أحمد (٣). • ومواقعة المرأة أثناء الحيض تتسبب في كثير من الأمراض الصحية للرجل والمرأة على حد سواء، ولا غرو فإن الله لا يحرم على عباده إلا ما كان خبيثًا. وقد ذكر الدكتور البار بعض الأضرار الصحية لمواقعة الحائض منها: ما يختص بالمرأة: ١ - يقذف الغشاء المبطن للرحم بأكمله أثناء الحيض، وبفحص دم الحيض تحت المجهر نجد بالإضافة إلى كرات الدم الحمراء والبيضاء قطعًا من الغشاء المبطن للرحم، ويكون الرحم متقيحًا نتيجة لذلك، تمامًا كما يكون الجلد مسلوخًا، فهو معرض بسهولة لعدوان البكتريا الكاسح، ومن المعلوم طبيًا أن الدم هو خير بيئة لتكاثر المكروبات ونموها، وتقل مقاومة الرحم للميكروبات الغازية نتيجة لذلك، ويصبح دخول الميكروبات الموجودة على سطح القضيب يشكل خطرًا داهمًا على الرحم. ٢ - ومما يزيد الطين بلة أن مقاومة المهبل لغزو البكتريا تكون في أدنى مستواها أثناء الحيض، إذ يقل إفراز المهبل للحامض الذي يقتل الميكروبات،

стр. 748

ويصبح الإفراز أقل حموضة إن لم يكن قلوي التفاعل، وليس ذلك فحسب بل إن جدار المهبل المكون من عدة طبقات من الخلايا يرق أثناء الحيض، فيكون إدخال القضيب ليس إلا إدخالا للميكروبات في وقت لا تستطيع فيه أجهزة الدفاع أن تقاومها. ٣ - امتداد الالتهابات إلى قناتي الرحم تسدها، أو تؤثر على ش عيراتها الداخلية التي لها دور كبير في دفع البويضة من المبيض إلى الرحم، وذلك يؤدي إلى العقم أو إلى الحمل خارج الرحم. ٤ - كما بيّن الدكتور أن المرأة الحائض تكون في حالة جسمية ونفسية لا تسمح لها بالجماع، فإن حدث فإنه يؤذيها أذىً شديدًا. وأما ما يتعلق بجانب الرجل فيمكن تلخيصه: بأن إدخال القضيب إلى المهبل المليء بالدماء يؤدي إلى تكاثر الميكروبات، والتهاب قناة مجرى البول لدى الرجل، وتنمو الميكروبات السبحية والعنقودية على وجه الخصوص في مثل هذه البيئة الدموية. وتنتقل الميكروبات من قناة مجرى البول إلى البروستاتا والمثانة، والتهاب البروستاتا سرعان ما يزمن لكثرة قنواتها الضيقة الملتفة، والتي نادرًا ما يصلها الدواء بكمية كافية لقتل الميكروبات المختفية في تلافيفها، فإذا أزمن التهاب البروستاتا فإن الميكروبات سرعان ما تغزو بقية الجهاز البولي التناسلي، فتنتقل إلى الحالبين، ومنه إلى الكلى، وما أدراك ما التهاب الكلى المزمن إنه العذاب حتى يحين الأجل … ولا علاج (١).

стр. 749

• وتأمل -رحمك الله- فيما مرّ بك (١) من عادة اليهود، ومن قلدهم من العرب في الجاهلية أنهم لا يؤاكلون الحائض ولا يساكنوها، فنهى الإسلام عن ذلك، كما حرم إتيان الحائض، وسمح بالتمتع بما دون الفرج، وقد تقدم (٢) هدي رسول الله ﷺ في مباشرة الحائض فيما دون الفرج، فكان دين الإسلام دين الوسطية وخير الأمور أوسطها، فحفظ صحة المرأة الجسمية والنفسية حين منع وطأها، وكذا حين أباح مباشرتها فيما دون الفرج. • وأما إتيانها في دبرها: فقد قال ابن القيم ﵀: «وأما الدبر فلم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء، ومن نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة في دبرها فقد غلط … (ثم ساق أخبار النهي عنه) وقال: وقد دلت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين: أحدهما: إنه إنما أباح إتياها في الحرث وهو موضع الولد لا في الحش الذي هو موضع الأذى، وموضع الحرث هو المراد من قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ الآية ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ وإتيانها في قبلها من دبرها مستفاد من الآية أيضًا لأنه قال: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: من أين شئتم: من أمام أو من خلف، قال ابن عباس: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ يعني الفرج، وإذا كان الله حرم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظن بالحش الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض الانقطاع النسل، والذريعة القريبة جدًّا من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان. وأيضًا فللمرأة حق على الرجل في الوطء، ووطؤها في دبرها يفوت حقها، ولا يقضي وطرها، ولا يحصل مقصودها، وأيضًا فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل، ولم

стр. 750

يخلق له، وإنما الذي هيئ له الفرج، فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون ع ن حكمة الله وشرعه جميعًا. وأيضًا فإن ذلك مضر بالرجل، ولهذا ينهى عنه عقلاء الأطباء من الفلاسفة وغيرهم؛ لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن، وراحة الرجل منه، والوطء في الدبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء، ولا يخرج كل المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعي … وأيضًا فإنه محل القذر والنجو، فيستقبله الرجل بوجهه ويلابسه» (١). ويقول د. جمال باصهبي في التحذير من وطء المرأة في الدبر: « … وكما تقول دراستهم فإن أكثر الجراثيم المسببة للالتهاب المجاري البولية، وبالتالي الألم أثناء الاتصال الجنسي هي جرثومة (الأشر بشياء كولاي) والتي توجد في البراز، وتجد طريقها إلى المجاري البولية والمهبل بإتيان المرأة في دبرها (٢). المطلب الثالث: تحريم العزل (٣) وإن كان الإسلام قد أباح العزل، وعلى هذا بوّب البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب العزل (٤)، ومسلم في كتاب النكاح، باب:

стр. 751

حكم العزل (١) وأوردا حديث جابر ﵁ فيه: كنا نعزل والقرآن ينزل. واللفظ لمسلم. لكن شرط العزل إذن الزوجة إن كانت حرة، قال ابن عبد البر: «لا أعلم خلافًا أن الحرة لا يعزل عنها زوجها إلا بإذنها» (٢). وإلى وجوب إذن الزوجة ذهب أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥)، وللشافعية (٦) في المسألة قولان. واستدل الجمهور على ذلك: ١ - بما أخرجه أحمد في المسند (٧)، وابن ماجه في السنن (٨)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٩)، ومن طريقة البيهقي في الكبرى (١٠) من طريق إسحاق بن عيسى، عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن مُحَرَّر بن أبي هريرة، عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ نهي عن العَزْل عن الحرة إلا بإذنها. واللفظ لأحمد.

стр. 752

وقد تصحف في مطبوع سنن ابن ماجه من «محرر» إلى «مَحَرِّز». وتحرف في البيهقي إسحاق بن عيسى إلى «إسحاق بن حسن». قال البوصيري: «هذا إسناد ضعيف، لضعف ابن لهيعة. وله شاهد من حديث ابن عمر، ومن حديث ابن عباس، رواهما البيهقي منفردُا بهما عن أصحاب الكتب الستة» (١). والشاهدان المذكوران موقوفان خلافًا لما يوهم صنيع المؤلف، ثم إن مدار إسنادهما على سفيان بن محمد الجوهري، ولم أجد له ترجمة. وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند (٢)، وضعفه الألباني في الإرواء (٣). قلت: وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة، ورواية العبادلة عنه أعدل من غيرها» (٤)، وهو هنا من غير رواية العبادلة. ٢ - لأن لها في الولد حقًا، وعليها في العزل ضررًا فلم يجز إلا بإذنها (٥). ٣ - لأن في العزل تفويتًا لكمال لذتها، ولها حق في الجماع كالرجل فاشترط إذنها (٦). ومن هنا يتضح حرص الإسلام على حفظ حق المرأة ليس فيما يحمي حياتها

стр. 753

فحسب بل وفيما تكتمل به لذتها. المطلب الرابع: حفظ الأسرار الخاصة بين الزوجين ورعاية للأمانة، وحفظًا للسر، وتقديرًا للخصوصية، فإن من حق كلا الزوجين على الآخر ألا يحدث بما يحصل بينهما؛ لأن اللابس والملبوس لا يدخل بينهما غريب، والله تعالى يقول: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (١). • أخرج مسلم في صحيحه في كتاب النكاح، باب: تحريم إفشاء سر المرأة (٢)، من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه ثم ينشر سرها». • وأخرج أحمد في المسند (٣)، والطبراني في الكبير (٤) كلاهما من طريق شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد أنها كانت عند رسول الله ﷺ والرجال والنساء قعود عنده، فقال: «لعل رجلًا يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها» فأرمَّ القوم، فقلت: أي والله يا رسول الله، إنهم ليقلن، وإنهم ليفعلون، قال: «فلا تفعلوا، فإنما مِثلُ ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة في طريق، فغشيها والناس ينظرون» واللفظ لأحمد. • قال الهيثمي في المجمع: «رواه أحمد والطبراني، وفيه شهر بن حوشب،

стр. 754

وحديثه حسن، وفيه ضعف» (١). وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد في المسند (٢)، وسنده ضعيف لجهالة أحد رجاله حيث جاء في إسناده «عن رجل من الطُّفَاوة». وقد ساق له الألباني في آداب الزفاف (٣) شواهد أخر، ثم قال: «فالحديث بهذه الشواهد صحيح أو حسن على الأقل». قال الشوكاني في النيل (٤): «والحديثان يدلان على تحريم إفشاء أحد الزوجين لما يقع بينهما من أمور الجماع، وذلك لأن كون الفاعل لذلك من أشر الناس، وكونه بمنزلة شيطان لقي شيطانة، فقضى حاجته منها، والناس ينظرون، من أعظم الأدلة الدالة على تحريم نشر أحد الزوجين للأسرار الواقعة بينهما الراجعة إلى الوطء ومقدماته، فإن مجرد فعل المكروه لا يصير به فاعله من الأشرار، فضلًا عن كونه من أشرهم، وكذلك الجماع بمرأى من الناس لا شك في تحريمه، وإنما خص النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الرجل، فجعل الزجر المذكور خاصًا به، ولم يتعرض للمرأة؛ لأن وقوع ذلك الأمر في الغالب من الرجال. قيل: وهذا التحريم إنما هو في نشر أمور الاستمتاع، ووصف التفاصيل الراجعة إلى الجماع، وإفشاء ما يجري من المرأة من قول أو فعل حالة الوقاع، وأما مجرد ذكر نفس الجماع، فإن لم يكن فيه فائدة ولا

стр. 755

إليه حاجة فمكروه لأنه خلاف المروءة، ومن التكلم بما لا يعني، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وقد ثبت في الصحيح (١) عنه ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» فإن كان إليه حاجة، أو ترتبت عليه فائدة فلا كراهة في ذكره، وذلك نحو أن تنكر المرأة نكاح الزوج لها، وتدعي عليه العجز عن الجماع أو نحو ذلك». فلتهنأ المسلمات بشرع رب العالمين الذي ضمن لهن أسرار المعاشرة، ولتبكِ الغربيات على أنفسهن حين انتهكت خصوصياتهن باسم التقدم والمدنية؟!.

стр. 756

المبحث الثالث: حفظها من الأنكحة الفاسدة الإسلام دين الإنسانية، يحفظ من تحته من كل ما يضر بجسده أو روحه، وكما حرّم ما يلحق الضرر بجسد العبد، فإنه حرم ما يلحق الضرر بنفسه، فلا تعجب وأنت تقرأ تحريم الإسلام أنواع الأنكحة الفاسدة التي تجعل من المرأة نزوة شهوانية تؤز الرجل لقضاء وطره فحسب، بينما تتحمل المرأة كثيرًا من تبعات هذا الزواج الفاسد؛ ولذا حرّم الإسلام هذه الأنكحة. وفي الآتي حديثٌ عن الأنكحة الفاسدة، وذلك في أربعة مطالب: المطلب الأول: نكاح المتعة. المطلب الثاني: نكاح الشغار. المطلب الثالث: نكاح المحلل. المطلب الرابع: النكاح العرفي. المطلب الأول: نكاح المتعة وهو أن يتزوج الرجل المرأة مدة، فإذا انتهت وقعت الفرقة، سواءً كانت المدة معلومة أو مجهولة (١).

стр. 757

ونكاح المتعة عند القائلين به لا ميراث فيه، وتقع الفرقة بانقضاء الأجل من غير طلاق (١). • وقد اتفق أئمة علماء الأمصار من أهل الرأي والآثار من فقهاء أهل السنة على تحريم نكاح المتعة (٢)، قال ابن قدامة: «هذا قول عامة الصحابة والفقهاء» (٣). والمبطل في نكاح المتعة هو التصريح بالتأجيل في العقد، فإذا نراه في قلبه، ولم يصرّح به فإنه لا يبطل النكاح، وخالف الأوزاعي فأبطل النكاح بالقصد، بدعوى أنه نكاح متعة (٤). والفرق بينهما أن نكاح المتعة ينفسخ بانقضاء المدة بخلاف الثاني، ولعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرًا. وحرّم العلماء نكاح المتعة، وحكموا ببطلانه للأدلة الآتية: ١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٥). وقد نزعت عائشة والقاسم بن محمد وغيرهما في تحريم المتعة ونسخها بهذه الآية؛ لأن الله حرّم الفروج إلا بنكاح صحيح أو ملك يمين، وليست المتعة نكاحًا

стр. 758

صحيحًا، ولا ملك يمين (١). ومعلوم أن المستمتع بها ليست مملوكة ولا زوجة، فمبتغيها إذن من العادين بنص القرآن، أما كونها غير مملوكة فواضح، وأما كونها غير زوجة فلانتفاء لوازم الزوجية عنها كالميراث والعدة والطلاق والنفقة، ولو كانت زوجة لورثت واعتدت ووقع عليها الطلاق، ووجبت لها النفقة (٢). ٢ - ما أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب: نهي النبي ﷺ عن نكاح المتعة أخيرًا (٣)، ومسلم في كتاب النكاح، باب: نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ، ثم أبيح ثم نسخ، واستقر تحريمه إلى يوم القيامة (٤) من حديث علي أنه سمع ابن عباس يلين في متعة النساء. فقال: مهلًا يا بن عباس فإن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية. واللفظ لمسلم. ٣ - أخرج مسلم (٥) من طريق عبد العزيز بن عمر، عن الربيع بن سيرة الجهني، عن أبيه أنه كان مع رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما أتيتموهن شيئًا» وأخرج من طريق الزهري، عن الربيع، عن أبيه أن رسول الله ﷺ في يوم الفتح عن متعة النساء.

стр. 759

ومكانة المرأة في الإسلام أسمى من أن تكون سلعة مستأجرة، ينتهي عقدها بانتهاء مدتها، بل هي المعززة المكرمة المحفوظة الحق، فلله الحمد على تمام نعمته. المطلب الثاني: نكاح الشِغار الشِغار في اللغة: الحلو، يقال: بلد شاغر إذا خلا من السلطان، وأمر شاغر إذا خلا من مدبره، وأصله مأخوذ من شغور الكلب، يقال: قد شغر الكلب، إذا رفع إحدى رجليه للبول لخلو الأرض منها (١). وفي الاصطلاح: أن يزوج الرجل وليته على أن يزوجه الآخر وليته، ليس بينهما صداق (٢). وجاء النهي عنه في السنة: ١ - أخرج البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب: الشغار (٣)، ومسلم في صحيحه في كتاب النكاح، باب: تحريم نكاح الشغار وبطلانه (٤) من حديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار. والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ليس بينهما صداق. واختلف أهل العلم في تفسير الشغار الوارد في الحديث، هل هو مرفوع لرسول الل ﷺ -هـ، أو هو تفسير من أحد رواته: ابن عمر، أو نافع، أو مالك؟ ومال

стр. 760

الحافظ ابن حجر إلى كونه مرفوع للنبي ﷺ ، وساق الأدلة على ذلك (١). قال الحافظ: «ذكر البنت في تفسير الشغار مثال، وقد تقدم في رواية أخرى ذكر الأخت، قال النووي (٢) أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ وغيرهن كالبنات في ذلك» (٣). ٢ - أخرج مسلم في صحيحه (٤) من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: لا شغار في الإسلام. • ونقل ابن عبد البر (٥)، والنووي (٦) إجماع العلماء على تحريمه، لكنهم اختلفوا في حكمه، قال الشوكاني في النيل: «قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحته، فالجمهور على البطلان. وفي رواية عن مالك يفسخ قبل الدخول لا بعده (٧)، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي. وذهب الحنفية إلى صحته ووجوب المهر (٨)، وهو قول الزهري، ومكحول، والثوري، والليث، ورواية عن أحمد (٩)، وإسحاق وأبي ثور هكذا في الفتح (١٠). قال: وهو قوي

стр. 761

على مذهب الشافعي لاختلاف الجهة. لكن قال الشافعي: النساء محرمات إلا ما أحل الله أو ملك يمين، فإذا ورد النهي عن نكاح تأكد التحريم. أ. هـ. وظاهر ما في الأحاديث من النهي والنفي أن الشغار حرام باطل» (١). • ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: «والصواب الذي نفتي به، ونعتقد أنه الحق أن عقد الشغار باطل مطلقًا، ولو سمي فيه مهر مكافئًا، والواجب على من فعله أن يجدد النكاح إن كانت المرأة تريده، وإذا كانت لا تريده المرأة وجب عليه طلاقها بطلقة واحدة، وأمّا إذا كانت تريده، والأخرى تريد زوجها ف لا مانع من تحديد النكاح بعقد شرعي، ومهر شرعي ليس فيه اشتراط امرأة أخرى في كلا العقدين، ويجتنبها، ويبتعد عنها حتى يجدد النكاح في حضرة شاهدين، وولي، بمهر جديد إذا كانت ترغب فيه، ويرغب فيها، أما إذا كانت لا ترغب فيه، فإنه يطلقها بطلقة واحدة طاعة لله ولرسول الله ﷺ ، وحذرًا مما نهى عنه رسول الله ﷺ (٢). وتحريم الإسلام النكاح الشغار فيه حفظ لحقوق المرأة، ومنع الظلم الواقع عليها من قبل وليها من أجل مصلحته، أو مصلحة ولده، ويسميه العوّام في هذه الأيام «نكاح البدل» وتذوق المرأة المبتلاة به طعم الأمرين؛ لأن وقوع مشكلة في أحد البيوت القائمة عليه، إيذان بوقوع المشكلة في البيت الآخر، ومن ذاق مرارة هذا النكاح أدرك الحكمة الجلية في تحريم الإسلام له، ثم إن إسقاط حق المرأة في المهر ظلم لها، كيف وقد في الله عن أخذ شيء منه إلا بطيب نفس منها؟! وحرّج رسول الله ﷺ مالها.

стр. 762

المطلب الثالث: نكاح المحلِّل وهذا النكاح هو الذي يقصد الزوج بنكاحه فيه تحليل المطلقة ثلاثًا، سواء كان ذلك بالقول، أو بالتواطؤ، أو القصد، فإن المقصود في العقود معتبرة، والأعمال بالنيات، والشرط المتواطأ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظ، والألفاظ لا تراد لعينها، بل للدلالة على المعاني فإذا ظهرت المعاني والمقاصد، فلا عبرة بالألفاظ؛ لأنها وسائل، وقد تحققت غايتها، فترتب عليها أحكامها (١). والأدلة على تحريم هذا النوع: ١ - ما أخرجه أحمد في المسند (٢)، والبراز في المسند (٣)، والبيهقي في الكبرى (٤) من طرق عن عثمان بن محمد، عن المَقْبُري، عن أبي هريرة قال: لعن رسول الله ﷺ المُحِلَّ، والمُحَلَّل له. وحسن إسناده ابن القيم في الزاد (٥)، قلت: فيه عثمان بن محمد الأخنسي قال الحافظ «صدوق له أوهام») (٦) وليس هذا من أوهامه، لوروده من طرق أخرى. ٢ - ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧)، والدارمي في السنن (٨)، والترمذي

стр. 763

في السنن (١)، والنسائي في الكبرى (٢)، والبيهقي في الكبرى (٣) من طرق عن أبي قيس، عن هُزَيل بن شرحبيل، عن ابن مسعود قال: لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحافظ في التلخيص (٤): «وصححه ابن القطان، وابن دقيق العيد على شرط البخاري» قلت: وهو كما قالا. وصححه الألباني في الإرواء (٥). قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: «وإنما لعنهما لما في ذلك من هتك المروءة، وقلة الحمية، والدلالة على خسة النفس وسقوطها، أما بالنسبة إلى المحلل له فظاهر، وأما بالنسبة إلى المحلل؛ فلأنه يعير نفسه بالوطء لغرض الغير، فإنه إنما يطؤها ليحللها لوطء المحلل له، ولذلك مثله ﷺ بالتيس المستعار» (٦) (٧). وفي تحريم الإسلام لنكاح التحليل صيانة لحق المرأة من أن تكون ألعوبة بيد الرجل، وفتح الفرص لها لتجرب حياة أخرى، فتكون قادرة إما على الاستمرار مع الحياة الجديدة، أو العودة لبيت الزوجية الأول، فسبحان الحكيم العليم.

стр. 764

المطلب الرابع: النكاح العرفي إن المتتبع لأحوال الأمة ولا سيما في المائة الأخيرة يقف على بعد كثير من الناس عن مشكاة النبوة، ووقوع أنواع من الظلم على المرأة، ولعل «الزواج العرفي» أحد أنواع ظلم المرأة الاجتماعي، وإليك بيانه وأحكامه. • والزواج العرفي اصطلاح حديث يطلق على عقد الزواج غير الموثق بوثيقة رسمية سواء كان مكتوبًا أو غير مكتوب (١). والسبب في تسميته بهذا الاسم، أن هذا العقد اكتسب مسماه من كونه عرفًا اعتاد عليه أفراد المجتمع المسلم منذ عهد الرسول صلوات الله عليه وسلامه وما بعد ذلك. يقول د. محمد عزمي: «فلم يكن المسلمون في يوم من الأيام يهتمون بتوثيق الزواج، ولم يكن ذلك يعني إليهم أي حرج، بل أطمأنت نفوسهم إليه، فصار عُرفًا عُرف بالشرع، وأقرهم عليه، ولم يرده في أي وقت من الأوقات (٢). • وقبل الشروع في بيان أنواعه لا بد أن يعلم أن الشريعة الإسلامية لم تشترط أن يجري عقد الزواج على يد قاض أو مأذون، ويستطيع العاقدان إجراء العقد بنفسيهما من غير احتياج إلى وسيط يقوم بإجرائه، ويكفي في انعقاده النطق بالإيجاب والقبول مشافهة بحضور شاهدين، ولم يكن يطالب المسلمون بتسجيل عقد الزواج، كل ما طلبته الشريعة الإشهاد عليه، واستحبت إعلانه وإشهاره. يقول

стр. 765

شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا يفتقر تزويج الولي إلى حاكم باتفاق العلماء» (١). وابتدأت كتابة العقود عندما بدأ المسلمون يؤخرون المهر أو شيئًا منه، وأصبحت هذه الوثائق التي يدون فيها مؤخر الصداق وثيقة لإثبات الزواج. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «لم يكن الصحابة يكتبون صداقات؛ لأنهم لم يكونوا يتزوجون على مؤخر، بل يعجلون المهر، وإن أخروه فهو معروف، فلما صار الناس يزوجون على المؤخر، والمدة تطول وينسى صاروا يكتبون المؤخر، وصار ذلك حجة في إثبات الصداق، وفي أنها زوجة له» (٢). وقد نشأ من عدم تسجيل عقود الزواج مشكلات كثيرة لا يخلو كتاب من كتب الفقه من الإشارة إليها، والحديث عنها. فبعض الذين يضعف الإيمان في نفوسهم يدّعون الزوجية باطلًا وزورًا ويقيمون على ادعائهم شهودًا لا يتورعون عن الكذب والزور، وآخرون ينتفون من الزوجة تهربًا من الحقوق المترتبة عليها كمؤخر مهر، أو إسقاط شرط شرطته الزوجة. وقد نصّت معظم قوانين الأحوال الشخصية في البلاد الإسلامية على وجوب توثيق عقد الزواج، واشترطت شروطًا لا بد من توافرها لإجراء العقد، وهذه الشروط ليست شروطًا شرعية؛ لأن مدوني القوانين ليس لهم أن يُنْشئوا حكمًا شرعيًّا دينيًّا يحل حرامًا، أو يحرم حلالًا، بل هو شرط يترتب عليه أثر قانوني لا دخل له في الحكم الشرعي.

стр. 766

وإذا انتفت هذه الشروط القانونية أو انتفى بعضها فإن الزواج يقع صحيحًا، وإن كان القانون له حق فرض العقوبة المناسبة على المخالف لمخالفته المنصوص عليه (١). • ومما تقدم اعلم -وفقك الله- أن الزواج العرفي ينقسم إلى نوعين: النوع الأول: عقد يتوفر فيه أركان النكاح وشروطه من الإيجاب والقبول الدال على رضا الزوجين، والولي، والإشهاد، ولم يخل من المهر، وخلا من التأقيت، لكنه لم يسجل في المحكمة الشرعية، ولم يجر على يد مأذون، ولم تصدر فيه وثيقة زواج. • والأسباب التي تدعو بعض الأزواج إلى إجراء العقود بعيدًا عن المأذون الشرعي، والمحاكم الشرعية تعود إلى أمور: ١ - إن بعض الأزواج لا تتوافر فيهم الشروط القانونية التي يجب توافرها حين العقد، كأن يكون من أحد الزوجين أقل من السن المنصوص عليه في القانون. ٢ - إن بعض الأزواج قد لا يملك الإثباتات الرسمية اللازمة لإجراء عقد الزواج، كأن لا يكون لديه جواز سفر أو هوية شخصية. ٣ - قد يرغب بعض الأزواج كتمان زواجه لما يحدثه الإعلان من إشكالات له، كما لو كان متزوجًا وله أولاد. ٤ - أن تكون الزوجة مستحقة لمعاش من زوجها الأول، وتريد أن تحتفظ به، لأنه يسقط بالزواج إن وثق (٢).

стр. 767

• ومال كثير من المعاصرين (١) إلى أن هذا النوع نكاح صحيح لاشتماله على أركان النكاح وشروطه، وإن حذروا من غباته ومخاطره، وما يترتب عليه من أمور محرمة كمخالفة ولي الأمر مع أن طاعته واجبة فيما ليس بمعصية، يقول تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) ومن مخاطره: عدم استطاعة الزوجين إثبات عقد النكاح مع الرغبة في إثباته لسبب من الأسباب، فيتضرر الأولاد بسبب ذلك ضررًا بالغًا، كأن يهلك الوالدان قبل تسجيل عقد النكاح، أو يتوفى الزوج، ولا تستطيع الزوجة إثبات الزواج، أو ينتفي أحد الزوجين من الزواج والأولاد، فيتضرر الزوج الآخر، والخاسر الكبير في الغالب الزوجة، فقد يغرر بها الزوج، فترتبط به بعقد عرفي، ثم يهجرها بعد ذلك، ولا تستطيع أن تثبت زواجها منه، فيضيع ميراثها، و مؤخر مهرها، ونفقة عدتها، وتزداد المشكلة سوء إن رزقت منه بأطفال لا يعترف بهم، فتقع بين نارين، فهي من جهة فقدت العائل الذي ينفق عليها، وعلى ولدها، ومن جهة أخرى لا تستطيع أن تثبت نسب أولادها إلى أبيهم، ويحرمون بسبب ذلك حق الجنسية والتعليم والتطبيب. فعلى أخواتي النساء أن يكن أكثر حذرًا؛ لكيلا يقعن في حبائل من ينصبون من الشباك، ثم يتركن بعد ذلك يندبن حظهن العاثر، وما وقع لهن كان بكسب أيديهن.

стр. 768

النوع الثاني: أن يكتب الرجل والمرأة بينهما ورقة دون شهود، وأحيانًا يكون هناك شاهدان في الغالب يكونان من الأصدقاء وبدون مهر، ولا ولي، ولا إشهار، ولا توثيق (١)، وقد ظهر من هذا النوع أنواع أُخَر كزواج الكاسيت وهذا النوع لا يحتاج إلى ورقة أو شهود، وإنما يكتفي الطرفين بوجود كاسيت (أي: شريط تسجيل صوتي) ويسجل عليه كل منهما الكلمات التي يرددها المأذون الشرعي، ويحتفظ كل منهما بنسخة منه. وزواج الوشم عبارة عن كتابة وثيقة الزواج بالوشم على الجلد. وزواج الطوابع أسهل الأنواع حيث يقوم كل طرف بلصق طابع بريد على جبين الآخر، فيصيران زوجين (٢)!! • وهذا الزواج إذا تم من دون ولي، ولا شهود، ولا إعلان فهو باطل بإجماع العلماء. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «نكاح السر الذي يتواصى بكتمانه، ولا يشهدون عليه أحدًا، باطل عند عامة العلماء وهو من جنس السفاح» (٣). ويقول الشيخ عبد الرحمن النجدي: «وإن خلا الزواج من الإشهاد والإعلان فهو باطل عند عامة المسلمين» (٤).

стр. 769

• حتى وإن حضر شاهدان، ولم يحضر الولي فإن النكاح باطل عند جمهور العلماء مالك (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣)، وهو القول الراجح الذي تقتضيه الأدلة، ومنها: ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٤). قال الحافظ في الفتح (٥): «هي أصرح دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معن … وذكر ابن المنذر: أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك». ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٦). قال القرطبي: «والقراء على ضم التاء من تنكحوا الثانية، في هذه الآية دليل بالنص على أن لا نكاح إلا بولي. قال محمد بن علي بن الحسين: النكاح بولي في كتاب الله، ثم قرأ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٧). (٨) - ما أخرجه الدارقطني في السنن (٩)، وابن حبان في صحيحه من حديث

стр. 770

عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له». وحسن إسناده الألباني، وأطال في تتبع طرقه وشواهده ﵀ في الإرواء (١). ٤ - أخرج أحمد في المسند (٢)، وأبو داود في السنن (٣)، وابن ماجه في السنن (٤)، والترمذي في السنن (٥)، والحاكم في المستدرك (٦) من طرق عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «أيَّما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها مهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» واللفظ للترمذي. وقال: هذا حديث حسن. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وقد تابع أبا عاصم على ذكر سماع ابن جريج من سليمان بن موسى، وسماع سليمان بن موسى من الزهري، عبد الرزاق بن همام، ويحيى بن أيوب، وعبد الله بن لهيعة، وحجاج بن محمد المصيصي.

стр. 771

قلت: إسناده حسن، من أجل سليمان بن موسى الأموي، قال الحافظ عنه: «صدوق فقيه في حديثه بعض لين، خلط قبل موته بقليل» (١). وصححه الألباني في الإرواء (٢) وتكلم على شواهده ومتابعاته، وكذا محققو مسند الإمام أحمد (٣). وعلى كل فقد جهدت للحصول على نسب يتبين بها انتشار هذا النوع، ولكني لم أظفر بمرادي؛ لأن هذا النوع سري لا يمكن تتبع حالاته عن طريق موثق، إلا أن ما قرأته في الشبكة العنكبوتية يدل على انتشاره المخيف في أروقة الجامعات ولاسيما المختلطة، وهذه الظاهرة حديثة ابتدعها جند الشيطان وأولياؤه، ليخربوا بها الأمة من قبل شبابها وبخاصة في ظل هذا الاختلاط المتفشي، وهوجاء الشهوات المستعرة. وهذا الزواج يغيب فيه مراقبة الرب، ومخالفة الشرع، وغياب الضمير، وتغلب الشهوة … إن الشرع لا يحارب العواطف والشهوات، ولكنه يرضيها ويهذبها؛ لتكون في خدمة الإنسانية جمعاء، وتكون بيتًا مسلمًا مستقرًا تحويه المودة، وتكتنفه الرحمة، ويسوده الهدوء العاطفي الذي يكفل إنجاح عملية بناء هذه اللبنة المباركة التي يتكون منها المجتمع، وينتظر منها تكامل نجاحه وعزته. فإليك أخي المسلمة أهمس بهذه الوصية، لا تكوني ألعوبة في يد أهل الأهواء، ولا يغرنك تغير المسميات في زمن انقلاب المثل، فلو سُمي زواجًا فإن حقيقته السفاح، وعاره يلحق الآباء والأبناء، وبين يدي الساعة أقوام يسمون الحرام بغير اسمه ترويجًا له، فقد سموا الربا فوائد مادية، والغناء فنًا، والعلاقات

стр. 772

المحرمة صداقة، والسفاح زواجًا عرفيًّا، فهيهات هيهات أن تقبله فتاة عفيفة رضيت الإسلام منهجًا لها، وسمعت حديث رسول الله ﷺ : «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاثًا». والمتأمل للأنكحة الفاسدة، يرى حماية الإسلام للمرأة من شهوات الرجل ونزواته، أو استغلاله للولاية التي جعلها الله بيده، فلله الحمد والمنة (١).

стр. 773

المبحث الرابع: حق المرأة في الحضانة الحضانة: بكسر الحاء المهملة وفتحها- من حضن الصبي حضنًا وحضانة أي: جعله في حضنه، أو رباه فاحتضنه، والحضن -بكسر الحاء- هو ما دون الإبط إلى الكشح. وقيل: هو الصدر والعضدان وما بينهما (١). والحضانة في الاصطلاح: تربية الولد، أو معاقدة على حفظ من لا يستقل بحفظ نفسه كالطفل، وعلى تربيته وتعهده كي يقوى على النهوض بتبعات الحياة والاضطلاع بمسؤولياتها (٢). • إن أسمى ألوان التربية تربية الطفل في أحضان والديه، إذ ينال من رعايتهما وحسن قيامهما عليه، ما يبني به جسمه، وينمي عقله، ويزكي نفسه، ويعده للحياة. فإذا حدث أن افترق الوالدان وبينهما طفل، فالأم أولى الناس بكفالته إذا كملت الشرائط (٣) فيها ذكرًا كان أو أنثى، ولم يقم بالولد وصف يقتضي تخييره. قال ابن قدامة: «وهذا قول يحيى الأنصاري، والزهري، والثوري،

стр. 774

ومالك (١)، والشافعي (٢)، وأبي ثور، وإسحاق، وأصحاب الرأي (٣)، ولا نعلم أحد خالفهم» (٤). والدليل على ذلك: ١ - ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥)، وأحمد في المسند (٦)، وأبو داود في السنن (٧)، والدارقطني في السنن (٨)، والحاكم في المستدرك (٩)، والبيهقي في الكبرى (١٠) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن امرأة أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطيني له وِعَاء، وحِجْري له حِوَاء وثديي له سِقاءً، وزعم أبوه أنه ينزعه مني؟ قال: «أنت أحق به ما لم تنكحي» واللفظ لأحمد. وقال الحاكم: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي. قلت: إسناد الحديث حسن للخلاف المعروف في عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد تقدم تحقيق القول فيه (١١).

стр. 775

وحسّنه الألباني في الإرواء (١). قال ابن القيم في الزاد (٢): «ودلّ الحديث على أنه إذا افترق الأبوان، وبينهما ولد، فالأم أحق به من الأب ما لم يقم بالأم ما يمنع تقديمها، أو بالولد وصف يقتضي تخييره، وهذا ما لا يعرف فيه نزاع». وقال الشوكاني في النيل (٣): «قوله «أنت أحق به» فيه دليل على أن الأم أولى بالولد من الأب، ما لم يحصل مانع من ذلك كالنكاح؛ لتقييده ﷺ للأحقية بقوله «ما لم تنكحي» وهو مجمع على ذلك كما حكاه صاحب البحر، فإن حصل منها النكاح بطلت حضانتها، وبه قال مالك، والشافعية والحنفية والعترة. وقد حكى ابن المنذر الإجماع عليه» (٤). ٢ - ما أخرجه مالك في الموطأ (٥)، وعنه البيهقي في الكبرى (٦)، وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (٧) عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: كانت عند عمر بن الخطاب امرأة من الأنصار، فولدت له عاصم بن عمر، ثم إنه فارقها، فجاء عمر قباء، فوجد ابنه عاصمًا يلعب بفناء المسجد، فأخذ بعضده، فوضعه بين يديه على الدابة، فأدركته جدة الغلام، فنازعته إيّاه حتى أتيا أبا بكر الصديق. فقال عمر: ابي. وقالت المرأة: أبي. فقال أبو بكر: خلِّ بينها وبينه. قال:
следующие страницы →