قلت: إسناده حسن، من أجل سليمان بن موسى الأموي، قال الحافظ عنه: «صدوق فقيه في حديثه بعض لين، خلط قبل موته بقليل» (١).
وصححه الألباني في الإرواء (٢) وتكلم على شواهده ومتابعاته، وكذا محققو مسند الإمام أحمد (٣).
وعلى كل فقد جهدت للحصول على نسب يتبين بها انتشار هذا النوع، ولكني لم أظفر بمرادي؛ لأن هذا النوع سري لا يمكن تتبع حالاته عن طريق موثق، إلا أن ما قرأته في الشبكة العنكبوتية يدل على انتشاره المخيف في أروقة الجامعات ولاسيما المختلطة، وهذه الظاهرة حديثة ابتدعها جند الشيطان وأولياؤه، ليخربوا بها الأمة من قبل شبابها وبخاصة في ظل هذا الاختلاط المتفشي، وهوجاء الشهوات المستعرة.
وهذا الزواج يغيب فيه مراقبة الرب، ومخالفة الشرع، وغياب الضمير، وتغلب الشهوة … إن الشرع لا يحارب العواطف والشهوات، ولكنه يرضيها ويهذبها؛ لتكون في خدمة الإنسانية جمعاء، وتكون بيتًا مسلمًا مستقرًا تحويه المودة، وتكتنفه الرحمة، ويسوده الهدوء العاطفي الذي يكفل إنجاح عملية بناء هذه اللبنة المباركة التي يتكون منها المجتمع، وينتظر منها تكامل نجاحه وعزته.
فإليك أخي المسلمة أهمس بهذه الوصية، لا تكوني ألعوبة في يد أهل الأهواء، ولا يغرنك تغير المسميات في زمن انقلاب المثل، فلو سُمي زواجًا فإن حقيقته السفاح، وعاره يلحق الآباء والأبناء، وبين يدي الساعة أقوام يسمون الحرام بغير اسمه ترويجًا له، فقد سموا الربا فوائد مادية، والغناء فنًا، والعلاقات
стр. 772
المحرمة صداقة، والسفاح زواجًا عرفيًّا، فهيهات هيهات أن تقبله فتاة عفيفة رضيت الإسلام منهجًا لها، وسمعت حديث رسول الله ﷺ : «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاثًا».
والمتأمل للأنكحة الفاسدة، يرى حماية الإسلام للمرأة من شهوات الرجل ونزواته، أو استغلاله للولاية التي جعلها الله بيده، فلله الحمد والمنة (١).
стр. 773
المبحث الرابع: حق المرأة في الحضانة
الحضانة: بكسر الحاء المهملة وفتحها- من حضن الصبي حضنًا وحضانة أي: جعله في حضنه، أو رباه فاحتضنه، والحضن -بكسر الحاء- هو ما دون الإبط إلى الكشح. وقيل: هو الصدر والعضدان وما بينهما (١).
والحضانة في الاصطلاح: تربية الولد، أو معاقدة على حفظ من لا يستقل بحفظ نفسه كالطفل، وعلى تربيته وتعهده كي يقوى على النهوض بتبعات الحياة والاضطلاع بمسؤولياتها (٢).
• إن أسمى ألوان التربية تربية الطفل في أحضان والديه، إذ ينال من رعايتهما وحسن قيامهما عليه، ما يبني به جسمه، وينمي عقله، ويزكي نفسه، ويعده للحياة.
فإذا حدث أن افترق الوالدان وبينهما طفل، فالأم أولى الناس بكفالته إذا كملت الشرائط (٣) فيها ذكرًا كان أو أنثى، ولم يقم بالولد وصف يقتضي تخييره.
قال ابن قدامة: «وهذا قول يحيى الأنصاري، والزهري، والثوري،
стр. 774
ومالك (١)، والشافعي (٢)، وأبي ثور، وإسحاق، وأصحاب الرأي (٣)، ولا نعلم أحد خالفهم» (٤).
والدليل على ذلك:
١ - ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥)، وأحمد في المسند (٦)، وأبو داود في السنن (٧)، والدارقطني في السنن (٨)، والحاكم في المستدرك (٩)، والبيهقي في الكبرى (١٠) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن امرأة أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطيني له وِعَاء، وحِجْري له حِوَاء وثديي له سِقاءً، وزعم أبوه أنه ينزعه مني؟ قال: «أنت أحق به ما لم تنكحي» واللفظ لأحمد.
وقال الحاكم: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي.
قلت: إسناد الحديث حسن للخلاف المعروف في عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد تقدم تحقيق القول فيه (١١).
стр. 775
وحسّنه الألباني في الإرواء (١).
قال ابن القيم في الزاد (٢): «ودلّ الحديث على أنه إذا افترق الأبوان، وبينهما ولد، فالأم أحق به من الأب ما لم يقم بالأم ما يمنع تقديمها، أو بالولد وصف يقتضي تخييره، وهذا ما لا يعرف فيه نزاع».
وقال الشوكاني في النيل (٣): «قوله «أنت أحق به» فيه دليل على أن الأم أولى بالولد من الأب، ما لم يحصل مانع من ذلك كالنكاح؛ لتقييده ﷺ للأحقية بقوله «ما لم تنكحي» وهو مجمع على ذلك كما حكاه صاحب البحر، فإن حصل منها النكاح بطلت حضانتها، وبه قال مالك، والشافعية والحنفية والعترة. وقد حكى ابن المنذر الإجماع عليه» (٤).
٢ - ما أخرجه مالك في الموطأ (٥)، وعنه البيهقي في الكبرى (٦)، وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة (٧) عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: كانت عند عمر بن الخطاب امرأة من الأنصار، فولدت له عاصم بن عمر، ثم إنه فارقها، فجاء عمر قباء، فوجد ابنه عاصمًا يلعب بفناء المسجد، فأخذ بعضده، فوضعه بين يديه على الدابة، فأدركته جدة الغلام، فنازعته إيّاه حتى أتيا أبا بكر الصديق. فقال عمر: ابي. وقالت المرأة: أبي. فقال أبو بكر: خلِّ بينها وبينه. قال:
стр. 776
فما راجعه عمر الكلام.
ورجال الإسناد ثقات إلا أن القاسم بن محمد لم يدرك عمر. قال ابن عبد البر: «هذا خبر منقطع في هذه الرواية، ولكنه مشهور مروي من وجوه منقطعة، ومتصلة، تلقاه أهل العلم بالقبول والعمل. وزوج عمر بن الخطاب أم ابنه عاصم: هي جميلة ابنة عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري … وفيه دليل على أن عمر كان مذهبه في ذلك خلاف مذهب أبي بكر، ولكنه سلم للقضاء ممن له الحكم والقضاء، ثم كان بعد في خلافته يقضي به ويفي، ولم يخالف أبا بكر في شيء منه ما دام الصبي صغيرًا لا يميز، ولا مخالف لهما من الصحابة» (١) وللأثر شاهد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢) عن ابن جريج قال: أخبري عطاء الخرساني، عن ابن عباس قال: طلق عمر بن الخطاب امرأته الأنصارية أم ابنه عاصم، فلقيها تحمله محسر، ولقيه قد فُطِم ومشي، فأخذ بيده لينتزعه منها، ونازعها إيّاه حتى أوجع الغلام، وبكى، وقال: أنا أحق بابني منك. فاختصما إلى أبي بكر، فقضى لها به. وقال: ريحها، وحجرها، وفِراشُها خير له منك حتى يشبَّ، ويختار لنفسه. ومحسر: سوق بين قباء والمدينة. وزعم لي أهل المدينة إنما لقي جدته الشموس تحمله بمحسر.
وإسناده ضعيف، لأن رواية عطاء بن أبي مسلم الخراساني عن ابن عباس مرسلة (٣)، قال العلائي: «لم يسمع من ابن عباس شيئًا» (٤) فيتقوى بما قبله.
٣ - لأن الأم أقرب إلى الطفل، وأشفق عليه، وأقوم على مصالحه، لذا جعلت
стр. 777
الحضانة لها.
جاء في مغني المحتاج: «والحضانة نوع ولاية وسلطة، ولكن الإناث أليق بها؛ الأمن أشفق وأهدى إلى التربية، وأصبر على القيام بها، وأشد ملازمة للأطفال» (١).
وفيما يأتي كلام عن هذا الموضوع في مطلبين:
المطلب الأول: أجرة الحضانة.
المطلب الثاني: مدة الحضانة.
المطلب الأول: أجرة الحضانة
وإذا كانت الحضانة من حقوق النساء، فإن الإسلام يجعل عليها أجرًا لمن يتولاها، وأجرة الحضانة مثل أجرة الرضاع لا تستحقها الأم ما دامت زوجة أو معتدة لأبي ولدها المحضون؛ لأن لها نفقة الزوجية، أو نفقة العدة إذا كانت زوجة أو معتدة، ولوجوب الحضانة عليها ديانة؛ نظرًا لقيام النكاح، وأما إن لم تكن زوجة ولا معتدة؛ فإن على الأب أجرة الرضاع، وأجرة الحضانة، ونفقة المحضون (٢).
• أمَّا أجرة الرضاع فلقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا
стр. 778
وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١).
وفي قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ قولان: أحدهما: أنه عام في كل أم، والثاني: أن المراد منه المطلقات، والدليل على ذلك وجهان:
١ - أن الله تعالى ذكر هذه الآية عقيب آية الطلاق، فكانت هذه الآية تتمة تلك الآيات ظاهرًا، وسبب التعليق بين هذه الآية وبين ما قبلها أنه إذا حصلت الفرقة حصل التباغض والتعادي، وذلك يحمل المرأة على إيذاء الولد من وجهين أحدهما: أن إيذاء الولد يتضمن إيذاء الزوج المطلق. والثاني: أنها ربما رغبت في التزوج بزوج آخر، وذلك يقتضي إقدامها على إهمال أمر الطفل، فلما كان هذا الاحتمال قائمًا ندب الله الوالدات المطلقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم.
٢ - ما ذكره السدي قال: المراد بالوالدات المطلقات؛ لأن الله تعالى قال بعد هذه الآية ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ولو كانت الزوجية باقية لوجب على الزوج ذلك بسبب الزوجية لا لأجل الرضاع (٢).
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وذكر أبو الفرج هل هو عام في جميع الوالدات أو يختص بالمطلقات على قولين، والخصوص قول سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، والسدي، ومقاتل، وآخرين، والعموم قول أبي سليمان الدمشقي، والقاضي أبي يعلى في آخرين. قال القاضي: ولهذا نقول لها أن تؤجر نفسها
стр. 779
لرضاع ولدها سواء كانت مع الزوج أو مطلقة.
قلت: الآية حجة عليهم، فإما أوجبت للمرضعات رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا زيادة على ذلك، وهو يقول تؤجر نفسها بأجرة غير النفقة، والآية لا تدل على هذا بل إذا كانت الآية عامة دلت على أنها ترضع ولدها مع إنفاق الزوج عليها كما لو كانت حاملًا فإنه ينفق عليها، وتدخل نفقة الولد في نفقة الزوجية؛ لأن الولد يتغذى بغذاء أمه، وكذلك في حال الرضاع، فإن نفقة الحمل هي نفقة المرتضع، وعلى هذا فلا منافاة بين القولين فالذين خصوه بالمطلقات أوجبوا نفقة جديدة بسبب الرضاع كما ذكر في سورة الطلاق وهذا مختص بالمطلقة» (١).
وقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (٢).
يقول ابن كثير: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ أي إذا وضعن حملهن، وهن طوالق، فقد بن بانقضاء عدن، ولها حينئذ أن ترضع الولد، ولها أن تمتنع منه، ولكن بعد أن تغذيه باللبأ، وهو باكورة اللبن الذي لا قوام للمولود غالبًا إلا به، فإن أرضعت استحقت أجر مثلها، ولها أن تعاقد أباه أو وليه على ما يتفقان عليه من أجرة، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾، أي ولتكن أموركم فيما بينكم بالمعروف من غير إضرار ولا مضارة، كما
стр. 780
قال تعالى في سورة البقرة: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ أي وإن اختلف الرجل والمرأة فطالبت المرأة في أجرة الرضاع كثيرًا، ولم يجبها الرجل إلى ذلك، أو بذل الرجل قليلًا ولم توافقه عليه، فليسترضع له غيرها، فلو رضيت الأم بما استؤجرت به الأجنبية فهي أحق بولدها» (١).
ومن هنا يتبين أن الولد إن كان في حضن أمه بعد فراقها لأبيه، فإن الشرع يلزمه بأجرة الرضاعة، وتقدم الأم إذا طلبت أجر مثلها على المتبرعة، يقول ابن قدامة في المغني (٢): «وأما الدليل على وجوب تقديم الأم إذا طلبت أجر مثلها على المتبرعة فقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) وقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٤) ولأن الأم أحنى، وأشفق، ولبنها أمرأ من لبن غيرها، فكانت أحق به من غيرها كما لو طلبت الأجنبية رضاعة بأجر مثلها؛ ولأن في رضاع غيرها تفويتا لحق الأم في الحضانة، وإضرارًا بالولد، و لا يجوز تفويت حق الحضانة الواجب، والإضرار بالولد؛ لغرض إسقاط حق أوجبه الله تعالى على الأب … فأما إن طلبت الأم أكثر من أجر مثلها، ووجد الأب من ترضعه بأجر مثلها أو متبرعة جاز انتزاعه منها؛ لأنها أسقطت حقها باشتطاطها،
стр. 781
وطلبها ما ليس لها فدخلت في عموم قوله: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾.
• وأمّا أجرة الحضانة فقد اختلف فيها الفقهاء وذهب الجمهور الأحناف (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣) إلى أن للأم المطلقة أجرة الحضانة إن طالبت بها، وهي من مال الولد المحضون إن كان له مال، فإن لم يكن له مال فمن مال أبيه، أو من تلزمه نفقته.
جاء في الدر المختار (٤): «(أجرة الحضانة إذا لم تكن منكوحة ولا معتدة الأبيه) وهي غير أجرة إرضاعه ونفقته كما في البحر … وقال نجم الأئمة: المختار أنه عليه السكنى في الحضانة، وكذا إن احتاج الصغير إلى خادم يلزم الأب به».
ثم إن الأحناف، والشافعية ذهبوا إلى وجوب أجرة مسكن للأم الحاضنة تحضن فيه الولد إن لم يكن لها مسكن، ويعتبر هذا من أجرة الحضانة التي تستحقها، فإن كان لها مسكن تسكن فيه، ويمكنها أن تحضن فيه الولد ويسكن تبعًا لها، فلا تستحق أجرة مسكن مع أجرة حضانتها (٥).
يقول سيد سابق: « … وكما تحب أجرة الرضاع، وأجرة الحضانة على الأب، تحب عليه أجرة المسكن، أو إعداده إذا لم يكن للأم مسكن مملوك لها تحضن فيه الصغير».
стр. 782
وكذلك تحب عليه أجرة خادم (١)، أو إحضاره إذا احتاجت إلى خادم وكان الأب موسرًا. وهذا بخلاف نفقات الطفل الخاصّة من طعام، وكساء، وفراش، وعلاج ونحو ذلك من حاجاته الأوليّة التي لا يستغني عنها، وهذه الأجرة تحب من حين قيام الحاضنة بها، وتكون دينًا في ذمة الأب لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء» (٢).
وتأمل في نصوص الشرع وأقوال الفقهاء في حفظ حق المرأة المطلقة الحاضنة، تحد أن لها أجرة الرضاعة، والحضانة، مع أن قرب ولدها غاية مناها، ومنتهى سؤها لوالده، ومع ذلك يحفظ الإسلام حقها المالي، ويراعي عاطفتها فيجعلها أولى الناس بالولد، ويوجب على الرجل دفع الأجرة، ومثلها كمثل أم موسى ترضع ولدها، وتأخذ أجرها.
وإذا تبين ذلك، فاعلم أن الولاية على الطفل نوعان:
نوع يقدم فيه الأب على الأم ومن في جهتها وهي ولاية المال، والنكاح.
ونوع تقدم فيه الأم على الأب وهي ولاية الحضانة والرضاع، وقدم كل من الأبوين فيما جعل له من ذلك؛ لتمام مصلحة الولد، وتوقف مصلحته على من يلي ذلك من أبويه، وتحصل به كفايته. ولما كان النساء أعرف بالتربية وأقدر عليها،
стр. 783
وأصبر، وأرأف، وأفرغ لها، قدِّمت الأم على الأب.
ولما كان الرجل أقوم بتحصيل مصلحة الولد، والاحتياط له في البضع، قدِّم الأب على الأم.
فتقديم الأم في الحضانة من محاسن الشريعة والاحتياط للأطفال، والنظر لهم، وتقديم الأب في ولاية المال والتزويج كذلك (١).
المطلب الثاني: مدة الحضانة
تنتهي الحضانة إذا استغني الصغير أو الصغيرة عن خدمة النساء، علىي اختلاف بينهم في تحديد فترة الاستغناء.
• الأحناف قالوا مدة الحضانة للغلام قدرها بعضهم بسبع سنين، وبعضهم بتسع سنين. قالوا: والأول هو المفتى به، ومدها في الجارية على قولين: أحدها: حتى تحيض. والثاني: حتى تبلغ حدّ الشهوة، وقدرت بتسع سنين، فإذا كان الولد في حضانة أمه فلأبيه أن يأخذه بعد هذا السن، فإذا بلغ الولد عاقلًا رشيدًا كان له أن ينفرد ولا يبقى في حضانة أبيه، إلا أن يكون فاسد الأخلاق، فلأبيه ضمه وتأديبه، ولا نفقة للبالغ إلا أن يتبرع والده بما. وأما الأنثى فإن كانت بكرًا ضمها لنفسه (٢).
• وذهب المالكية (٣) إلى أن مدة حضانة الغلام من حين ولادته حتى يبلغ، ومدة حضانة الأنثى حتى تتزوج، ويدخل بها الزوج.
стр. 784
ولا تخيير عند الأحناف والمالكية؛ استدلالًا بحديث رسول الله ﷺ : «أنت أحق به ما لم تنكحي» ولو خير الطفل لم تكن هي أحق به إلا إذا اختارها.
ويجاب عنه بأن استدلالهم لا يتأتى لهم بوجه من الوجوه؛ لأن الأحناف قالوا إن الأب أحق بالغلام والجارية إذا استغنى، والنبي ﷺ قد حكم له بالأم ما لم تنكح، ولم يفرق بين أن تَنْكِح قبل بلوغ الصبي السن الذي يكون عنده أو بعده، فخالفوا نص الحديث.
وثانيًا: أن الحديث اقتضى أمرين:
أحدهما: أنها لا حق لها في الولد بعد النكاح.
والثاني: أنها أحق به ما لم تنكح، وكونها أحق به له حالتان:
١ - أن يكون الولد صغيرًا لم يميز، فهي أحق به مطلقًا من غير تخيير.
٢ - أن يبلغ سن التمييز، فهي أحق به أيضًا، ولكن هذه الأولوية مشروطة بشرط، والحكم إذا عُلِق بشرط صدق إطلاقه اعتمادًا على تقدير الشرط، وحينئذ فهي أحق به بشرط اختياره لها، وغاية هذا أنه تقييد للمطلق بالأدلة الدالة على تخييره.
ولو حمل على إطلاقه، وليس بممكن، لاستلزم ذلك إبطال أحاديث التخيير، وأيضًا إن قيدتموه بأنها أحق به إذا كانت مقيمة، وكانت حرة، ورشيدة وغير ذلك من القيود التي لا ذكر لشيء منها في الأحاديث البتة، فتقييده بالاختيار الذي دلت عليه السنة، واتفق عليه الصحابة أولى (١).
стр. 785
• وذهب الشافعية إلى أن الحضانة ليس لها مدة معلومة، فإن الطفل متى ميز بين أبيه وأمه، واختار أحدهما كان له، سواء كان ذكرًا أو أنثى.
واستدلوا بما أخرجه الشافعي في الأم (١)، وأحمد في المسند (٢)، وابن ماجه في السنن (٣)، والترمذي في السنن (٤)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥)، وابن حزم في المحلى (٦) من حديث أبي هريرة: خيّر النبي ﷺ رجلًا وامرأة وابنًا لهما، فخيّر الغلام، فقال رسول الله ﷺ : «يا غلام هذا أبوك، وهذه أمك اختر» واللفظ لأحمد.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح … والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. قالوا: يخير الغلام بين أبويه إذا وقعت بينهما المنازعة في الولد، وهو قول أحمد وإسحاق. وصحح إسناد الحديث الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند، وهو كما قال فإسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي ميمونة الفارسي الآبّار، روى له أصحاب السنن وهو ثقة (٧).
• وله قصة أخرجها عبد الرزاق في المصنف (٨)، والحميدي في المسند (٩)،
стр. 786
والدارمي في السنن (١)، وأبو داود في السنن (٢)، والنسائي في المجتبى (٣)، والبيهقي في الكبرى (٤) من طرق عن ابن جريج، أخبريني زياد، عن هلال بن أسامة، أن أبا ميمونة سَلْمي مولى من أهل المدينة رجل صدق قال: بينما أنا جالس مع أبي هريرة، جاءته امرأة فارسية معها ابن لها، فادعياه، وقد طلقها زوجها، فقالت: يا أبا هريرة، ورطنت له بالفارسية: زوجي يريد أن يذهب بابي، فقال أبو هريرة: استهما عليه (٥)، رطن لها بذلك، فجاء زوجها فقال: من يحاقي في ولدي، فقال أبو هريرة: اللهم إني لا أقول هذا إلا أني سمعت امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ ، وأنا قاعد عنده فقالت: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقان من بئر أبي عنبة، وقد نفعي، فقال رسول الله ﷺ استهما عليه، فقال زوجها: من يحاقي في ولدي؟ فقال النبي ﷺ : «هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت» فأخذ بيد أمه فانطلقت به» واللفظ لأبي داود.
وصححه ابن القطان فيما نقله الحافظ (٦) عنه، وكذا الألباني في الإرواء (٧).
стр. 787
قلت: إسناده صحيح، وزال ما يخشى من تدليس ابن جريج؛ لتصريحه بالسماع.
قالوا: والحديث المتقدم حجة في تخيير الأنثى، لأن كون الطفل ذكرًا لا تأثير له في الحكم بل هي كالذكر، ثم إن لفظ الصبي ليس من كلام الشارع، وإنما الصحابي حكي القصة، وأنها كانت في صبي، فإذا نقّح المناط تبين أنه لا تأثير؛ لكونه ذكرًا (١).
• أخرج أحمد في المسند (٢)، وأبو داود في السنن (٣)، والنسائي في الكبرى (٤)، والدارقطني في السنن (٥)، والحاكم في المستدرك (٦)، والبيهقي في الكبرى (٧)، وابن الأثير في أسد الغابة (٨) من طرق عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جده رافع بن سنان أنه أسلم، وأبت امرأته أن تسلم (٩)، فأتت النبي ﷺ فقالت: ابنتي، وهي فَطِيم أو شبهه. وقال رافع: ابنتي. فقال له النبي ﷺ : «اقعد ناحية» وقال لها: «اقعدي ناحية» فأقعد الصبية بينهما، ثم قال: «ادْعُوَاها» فمالت إلى أمها. فقال النبي
стр. 788
- ﷺ : «اللهم اهْدِها» فمالت إلى أبيها، فأخذها. واللفظ لأحمد.
قال الحاكم: «صحيح الإسناد» ولم يخرجاه.
قال الشوكاني: «وفي إسناده اختلاف كثير، وألفاظه مختلفة، ورجح ابن القطان رواية عبد الحميد بن جعفر (١). وقال ابن المنذر: لا يثبته أهل النقل، وفي إسناده مقال. ولكن قد صححه الحاكم. وذكر الدارقطني أن البنت المخيرة اسمها عميرة. وقال ابن الجوزي: رواية من روى أنه كان غلامًا أصح. وقال ابن القطان: «لو صح رواية من روى أنها بنت لاحتمل أنهما قصتان لاختلاف المخرج» (٢).
قلت: إسناده حسن، فيه عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع من رجال مسلم، صدوق (٣).
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٤).
والحديث نص على تغيير الجارية كالغلام.
وأجيب عنه بأنه جاء في لفظ الحديث أن الجارية كانت «فطيمًا» وهذا قطعًا دون السبع، والظاهر أنه دون الخمس، وأنتم لا تخيرون من له دون السبع (٥)، وأجاب الشافعية بأن السن المعتبرة عندهم في التخيير التمييز، والجارية ميزت ولذا خيرت.
стр. 789
• وأمّا الحنابلة فقالوا: مدة الحضانة سبع سنين للذكر والأنثى، ولكن إذا بلغ الصبي سبع سنين، واتفق أبواه أن يكون عند أحدهما فإنه يصح، وإن تنازعا خير الصبي، فكان مع من اختار فيها بشرط ألا يعلم أنه اختار أحدهما لسهولته، وعدم التشدد عليه في التربية فيشب فاسدًا، وأما الأنثى فإنها متى بلغت سبع سنين فأكثر كانت من حق أبيها؛ لأن الغرض من الحضانة الحفظ والصيانة والحفظ للجارية بعد السبع في الكون عند أبيها؛ لأنها تحتاج إلى حفظ، والأب أولى بذلك؛ فإن الأم تحتاج إلى من يحفظها ويصونها؛ ولأنها إذا بلغت السبع قاربت الصلاحية للتزويج، وقد تزوج النبي ﷺ عائشة وهي ابنة سبع، وإنما تخطب الجارية من أبيها؛ لأنه وليها، والمالك لتزويجها (١).
• والراجح بعد النظر في أدلة القوم أن القول قول الشافعية؛ لقوة الدليل، والتعليل في تغيير الغلام والجارية بعد التمييز بين الأب والأم إن توفرت فيهما شروط الحضانة، ولا شك أن الأم إذا توفرت فيها شروط الحضانة كانت قادرة على رعاية البنت وحفظها، والنظر في مصالحها، وإن جاء وقت تزويجها زوجها أبوها بمن يراه كفئًا لها.
• وعلى كل فإن تقديم أحد الأبوين على الآخرين بعد انتهاء مدة الحضانة يراعى فيه مصلحة الولد، يقول ابن القيم في الزاد (٢): «فمن قدمناه بتخيير أو قرعة بنفسه، فإنما نقدمه إذا حصلت به مصلحة الولد، ولو كانت الأم أصون من الأب وأغير منه قدمت عليه، ولا التفات إلى قرعة، ولا اختيار الصبي في هذه الحالة، فإنه
стр. 790
ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب، فإذا اختار من يساعده على ذلك، لم يلتفت إلى اختياره، وكان عند من هو أنفع له، وأخير، ولا تحتمل الشريعة غير هذا … والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (١).
وقال الحسن: علموهم، وأدبوهم، وفقهوهم، فإذا كانت الأم تتركه في المكتب، وتعلمه القرآن، والصبي يؤثر اللعب، ومعاشرة أقرانه، وأبوه يمكنه من ذلك، فإنها أحق به بلا تخيير ولا قرعة، وكذلك العكس، ومن أخل أحد الأبوين بأمر الله ورسوله في الصبي وعطّله، والآخر مراع له، فهو أحق به وأولى … قال شيخنا (يعني شيخ الإسلام ابن تيمية): وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم، والنكاح، والولاء، سواء كان الوارث فاسقًا أو صالحًا، بل هذا من جنس الولاية التي لابد فيها من القدرة على الواجب، والعلم به، وفعله بحسب الإمكان. قال: فلو قدر أن الأب تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته، ولا تقوم بها، وأمها أقوم بمصلحتها من تلك الضرّة، فالحضانة هنا للأم قطعًا، قال: ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس عنه نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقًا، ولا تخيير الولد بين الأبوين مطلقًا، والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقًا، بل لا يقدم ذو العدوان والتفريط على البر العادل المحسن».
• ولذا فإن الواجب على كل رجل وامرأة أن يفقها قضية التخيير عند انتهاء مدة الحضانة، وأن الحكمة منها مصلحة الولد، فيراعيان هذه المصلحة ويحمدا الله أن كفل لابنهما ما يترتب عليه حفظ مصالحه، والقيام بشؤونه.
стр. 791
المبحث الخامس: حقوق المرأة المعنوية
المرأة عاطفة تتدفق، ومشاعر تتألق، جعلها الإسلام سكن الوالد، ومحضن الولد، وأمر رسول الله ﷺ بالرفق بها، وشبهها بالقوارير فقال: «رويدك يا أنجشة سوقك بالقوارير» (١).
يقول الحافظ في الفتح (٢): «قال الرامهرمزي: كنى عن النساء بالقوارير؛ لرقتهن، وضعفهن عن الحركة، والنساء يشبّهن بالقوارير في الرقة واللطافة وضعف البنية».
وقد راعى رسول الله ﷺ هذا الجانب في النساء فأشبعه، دل على ذلك حسن عشرته، وطيب قربه، ودماثة أخلاقه، ولا غرو فقد زكاه ربه، وامتدح خلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٣) وإنك لتعجب حين ترى بعض الرجال يرى أنه أعطى المرأة حقها فأطعمها، وكساها، وأسكنها، لكن لم يرعَ يومًا نفسيتها، ولم يتفهم حاجاتها المعنوية، ومتطلباتها النفسية، وستقف من خلال ما سيأتي على ضرورة مراعاة نفسية المرأة، والحفاظ على معنوياتها. من خلال هدي
стр. 792
رسول الله ﷺ في التعامل مع زوجاته (١):
١ - رسول الله ﷺ في مهنة أهله:
وكان هديه ﷺ في بيته مع أزواجه أحسن الهدي وأتمه وأكمله، فقد كان يقضي عامة وقته الذي في بيته في مهنة أهله، ومساعدتهم في أعمالهم، رفقًا بهم، ورحمة وشفقة عليهم، أخرج البخاري في كتاب الأدب، باب: كيف يكون الرجل في أهله؟ (٢) من طريق الأسود قال: سألت عائشة: ما كان النبي ﷺ يصنع في أهله؟ قالت: كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة. وأخرج ابن حبان (٣) من طريق عروة قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين أي شيء كان يصنع رسول الله ﷺ إذا كان عندك؟ قالت: ما يفعل أحدكم في مهنة أهله يخصف (٤) نعله، ويخيط ثوبه، ويرقع دلوه.
٢ - استقراؤه ﷺ لحال زوجته:
أخرج البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب: غيرة النساء ووجدهن (٥)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب: في فضائل عائشة (٦)، من طريق
стр. 793
عروة، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علّ غضبى» قالت: فقلت: ومن أين تعرف ذلك؟ قال: «أما إذا كنت عني راضية، فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى. قلت: لا ورب إبراهيم» قالت: أجل، والله يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك» واللفظ لمسلم.
• وفي الحديث إن من فطنة الرجل، ورِقّة عاطفته، ويقظة إحساسه، استقراءه لحال زوجته، من فعلها، وقولها، وحركاتها، فيما يتعلق بالميل إليه وعدمه، والحكم بما تقتضيه القرائن؛ لأنه ﷺ جزم برضا عائشة وغضبها بمجرد ذكرها لاسمه وسكوتها … ! فبنى على تغير الحالتين من الذكر والترك، تغير الحالين من الرضا والغضب (١).
وهذا تأصيل للمنهج العلمي الصحيح القائم على الملاحظة، والتتبع، ثم استنتاج الحقيقة، والتحقق منها، وليس المنهج القائم على الظن والشك المفضي للخلاف والشقاق.
• كما أن فيه من الحكمة إشعار الحبيب بما ينوب خاطره من الوداد والعتاب، والعناية بمعرفة دلائل الرضا والأسى … والفرح والحزن … لحسن التصرف مع أسبابها … وما يورثه ذلك من علاج للخلافات الزوجية، والمشكلات الأسرية، ليهنأ الزوجان بحياة آمنة … هادئة … سعيدة.
• غضب عائشة ﵂ على النبي ﷺ لفرط غيرتها عليه، أو العوارض الحياة اليومية، ومكابدة متاعبها وأعبائها ونحو ذلك، مما لا حرج في التأثر به مع بقاء أصل المحبة، ولولا ذلك لكان غضبها معصية، وهجره كبيرة، إذ ليس
стр. 794
كهجر أحد من الناس.
وعندما تأمل قولها: أجل -وهي تقال في التصديق- والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك، حصر لطيف جدًّا … أخبرت أما في حال الغضب الذي يسلب العاقل اختياره. ورأيه، لا تنفك عن المحبة العظيمة المستقرة في قلبها، الممتزجة بروحها، الصادقة في عواطفها، وإن كانت تترك التسمية اللفظية، وتعبر عنها بالهجران؛ لتدل على أنها تتألم من هذا الصدود الذي لا اختيار لها فيه، فقلبها معلق بذاته الكريمة ﷺ ، ممتلئ مودة ومحبة (١).
• وفي اختيارها ﵁ ذكر إبراهيم ﵇ دون غيره من الأنبياء دلالة على مزيد فطنتها، وحدّة ذكائها؛ لأن النبي ﷺ أولى الناس به، كما نص عليه القرآن الكريم، فلما لم يكن لها بد من هجر الاسم الشريف أبدلته بما هو منه بسبيل حتى لا تخرج عن دائرة التعلق في الجملة (٢).
• قال ابن بطال: فيه الصبر على النساء، وما يبدو منهن من الجفاء، والحرج عند الغيرة، لما جبلن عليه منها، وأنهن لا يملكنها، فعفي عن عقوبتهن على ذلك … وعذرهن الله فيه (٣).
٣ - مراعاة الغيرة عند المرأة:
أخرج البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب: الغيرة (٤)، من حديث
стр. 795
أنس قال: كان النبي ﷺ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين (١) بصحفة (٢) فيها طعام، فضربت التي النبي ﷺ في بيتها يد الخادم (٣)، فسقطت الصحفة، فانفلقت (٤) فجمع النبي ﷺ فِلَقَ الصَّحْفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: «غارت أمكم» ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت.
• وفي الحديث ما كان عليه نبي الأمة ﷺ من رفق عظيم، وصبر جميل، وتصرف حكيم مع نسائه الضرائر، وأثر ذلك الخلق القويم في تهدئة المشاعر الثائرة، واحتواء الأزمات الطارئة، وعلاجها وتفادي الأضرار المحتملة.
ولنقترب أكثر … وندلف إلى بيت الحبيب ﷺ … فإذا الخادم يحمل طعامًا صنعته ضرة عائشة ﵂ ليأكل منه رسول الله ﷺ في بيتها … والبيت مليء رجالًا من أصحابه … وعائشة مشغولة بإعداد الطعام لضيوف زوجها … فترى الخادم بين يديه الصحفة، فتتحرك حمية الغيرة في خواطرها … وتحتدم عواطفها … وتغتم لمرآه … فلا تملك نفسها حتى تضرب إناء ض رتها، فيتصدع، ويتناثر على الأرض بما فيه … على مرأى ومسمع من رسول الله ﷺ … وهو يلمح ذلك
стр. 796
بطمأنينة وهدوء … ويتنفس هموم حبيبته … ويعذر الغيرى … ويعرض عن لومها وعتابها … ويضرب عن تأديبها ولو بالكلام … ويهوي بتواضعه الجمِّ إلى فلق الصحفة، وأشلاء الطعام فيجمعها من الأرض وهو يردد … ويتودد … بأرق عبارة … وأعذب بيان … وأجمل اعتذار «كلوا، غارت أمكم» وقوله ﷺ «غارت أمكم» اعتذارًا منه ﷺ ؛ لئلا يحمل صنيعها على ما يذم، بل يجرى على عادة الضرائر من الغيرة، فإنها مركبة في النفس بحيث لا يقدر على دفعها (١).
وفي الحديث عدله ﷺ وإنصافه حيث غرّم عائشة ﵂ الصحفة لتعديها عليها، وعليه بوّب البخاري في صحيحه في كتاب المظالم، باب: إذا كسر قصعة أو شيئًا لغيره (٢).
٤ - وفاء رسول الله ﷺ :
لم تكن محبة رسول الله ﷺ ، وحنوه على زوجاته، ووفاؤه لهن مقصورًا على حال الحياة فحسب، بل تعدت تلك المحبة والوفاء حال الحياة لتبقى بعد وفاة الزوجة، أخرج البخاري في صحيحه في مناقب الأنصار، باب: تزويج النبي ﷺ خديجة وفضلها (٣)، ومسلم في الفضائل، باب: من فضائل خديجة أم المؤمنين ﵂ (٤) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت
: ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت
стр. 797
له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة. فيقول: «إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد» وزاد مسلم: «فأغضبته يوما فقلت: خديجة؟! فقال رسول الله ﷺ : «إني قد رزقت حبها».
وأخرجا (١) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ﷺ ، فعرف استئذان خديجة، فارتاح لذلك فقال: «اللهم هالة بنت خويلد» فَغِرت، فقلت: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشِّدقين (٢)، حمشاء الساقين (٣)، هلكت في الدهر، فأبدلك الله خيرًا منها.
• وفي روايات الحديث وفاء رسول الله ﷺ لخديجة ﵂ يظهر ذلك في:
- التصريح بحبها: فجاء في رواية مسلم: «إني قد رزقت حبها» وفي هذا التعبير وصف حبها بالرزق الذي تنعم به معها، ولم يقل «رزقت حبي» فكأنه شُرف ﷺ بحبها. قال النووي: «قوله «رزقت حبها» فيه إشارة إلى أن حبها فضيلة حصلت».
- الحنين إلى ذكرياتها:
من أحب شيئًا … أحب محبوباته … وما يشبهه، وما يعيد الذكرى إليه. ولما
стр. 798
استأذنت «هالة» عرف النبي ﷺ استئذان خديجة؛ لتشابههما فارتاح للصوت لما سمعه، وحملته الذكرى الجميلة إلى رياض خديجة فارتاح نفسًا بها، وتنفس عبر ماضيها.
وفي استئذان هالة بنت خويلد ﵂ على الرسول ﷺ دليل على جواز السلام على الرجل الأجنبي، وزيارة المعرفة، ما لم تكن مصافحة أو خلوة، والتزمت المرأة الحجاب الشرعي؛ لرضا النبي بمجيء هالة، وارتياحه لزيارتها، وسروره بسلامها وتحيتها.
وهذا الترحيب والإكرام … رعاية لحق أختها خديجة ﵂ ووفاء بعهدها، وهو من حسن الإيمان (١).
- كثرة ذكرها، والثناء عليها:
وهو دليل على عمق المحبة ورسوخها … وسبق في رواية البخاري قوله ﷺ : «إنها كانت … وكانت» وقولها «كأنه لم يكن في الدنيا إلا خديجة».
- بر معارفها وإكرام صواحبها بعد موتها:
والإحسان إليهم، وإرسال الهدايا والتحف إليهن، وتعاهدهم بها، وهذا مشعر باستمرار حبّه لها.
وجاء في رواية البخاري في كتاب الأدب، باب: حسن العهد من الإيمان (٢) من حديث عائشة قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، ولقد هلكت قبل
стр. 799
أن يتزوجني بثلاث سنين لما كنت أسمعه يذكرها، ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنة من قَصَب، وإن كان ليذبح الشاة ثم يهدي في خلتها منها».
فهل رأيت برًا ووفاء للنساء كبر رسول الله ﷺ .
هـ- مؤانسة النبي ﷺ لنسائه:
ولعل من أصرح الأدلة على ذلك حديث أم زرع (١)، وبوّب عليه البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب: حسن المعاشرة مع الأهل (٢). وفي آخر الحديث بعد سماع رسول الله ﷺ وصف أزواج النساء قال: «كنت لك كأبي زرع لأم زرع».
وفي الحديث حسن عشرة المرء أهله بالتأنيس، والمحادثة بالأمور المباحة ما لم يفض ذلك إلى الإثم، وفيه المزاح أحيانًا، وبسط النفس به، ومداعبة الرجل أهله، وإعلامه بمحبته لهم، وحاله معهم، وتذكيرهم بذلك، لا سيما عند وجود ما يغلب عليهن من كفران العشير، وجحود الإحسان (٣).
٦ - صبره ﷺ على نسائه، ومداراته لهن:
أخرج البخاري في صحيحه في كتاب التيمم (٤)، ومسلم في صحيحه في كتاب الطهارة، باب: التيمم (٥) من حديث عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ
стр. 800
في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء (١) -أو بذات الجَيْش (٢) - انقطع عقد لي (٣)، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر، فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله وبالناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي، قد نام. فقال: حبست رسول الله ﷺ ، والناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء. قالت: فعاتبني أبو بكر، وقال: ما شاء الله أن يقول. وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء. فأنزل الله آية التيمم، فتيممّوا. فقال أُسَيْد بن الحُضَير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر؟ قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته. واللفظ لمسلم.
• ومن فوائد الحديث: استحضار آثار الابتلاءات الفردية والجماعية والاعتبار بها، وما يترتب عليها، نلمح مشاعر الحسرة والقلق تهز كيان الجارية الصديقة عائشة ﵂ حينما أضاعت عقدا استعارته من أختها!!.
ونلمح الشعور بالضعف، والضيق والاضطراب الذي طوّق الركب ورجال العسكر … لا نحبا سهم من أجل عقد زهيد (من جَزْع ظفار)) (٤) لا تربو قيمته على اثني عشر درهمًا … مع معاناة وعثاء السفر، ومشقة الرّحلة، وأنهم ليسوا على
стр. 801
ماء … وليس معهم ماء، فعظم الأمر عليهم؛ لما تقرر عندهم من شرطية الوضوء ووجوبه عليهم.
وتمضي الساعات الحرجة … واللحظات العصيبة ما بين ملتمس للعقد، ومرتقب للماء؛ لتهب نسمات الفرج الرخية مع تباشير الصبح الندية: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (١) وتجد عائشة عقدها أقرب ما يكون إليها، تحت بعيرها الذي كانت تركبه. وتنزل آيات الرخصة في ذروة الحاجة إليها؛ ليستبشر بها الصحابة، والأمة بأسرها، فتأمل كيف صارت البلية نعمة أبدية، والمحنة منحة ربانية!! وآل أمر القلادة التي سَخِطها الناس، وتبرموا منها إلى بركة وخير ويسر: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٢).
• وفيه ما كان عليه من حلم عظيم، واستشعار لعظمة الأمانة، فقد اهتم لأمر ضياع العقد الذي تقلدته عائشة، واستجدى الحل النافع لأمره، فبعث في أثره «رجالًا يبتغونها» وفي رواية أبي داود (٣) «فبعث أسيد بن حضير، وأناسًا معه في طلب قلادة أضلتها عائشة» استنفر الرجال، واستبصر الصبر الجميل، وأحسن الظن بالله، فظفر بخيرين: القلادة، وآيات التيمم.
• وفيه بيان حال خيار هذه الأمة، وحال نبيهم ﷺ في تلك الشدة، فقد استثقل الناس ما حلّ بهم، حتى شكوا أمرهم إلى أبي بكر الصديق الذي ضاق ذرعًا، وأسي من صنيع ابنته.،. فأتاها معاتبا ومؤدبًا قالت: «فعاتبني أبو بكر، وقال
стр. 802
ما شاء الله أن يقول. «ومما قاله لها كما في رواية: «في كل مرة تكونين عناءً» (١) وسمّت المعاتب «أبا بكر» ولم تقل أبي؛ لأن الأبوة مظنة الحنو والعطف، وما وقع من أبيها مغاير لذلك في الظاهر، فأنزلته منزلة الأجنبي (٢). هذا شأن الناس، فما شأن نبيهم ﷺ ؟!.
لقد تحمل أمرها بصدر رحب، وحكمة بالغة، إن ما أشغل الركب، لا يكاد يكون شيئًا في التاريخ النبوي الحافل بالمتاعب والمصائب، وحينما يعتريه الأمر، يقضي فيه بحكمة، وصبر، ثم يستلقي بذهنه المكدود، وجسمه المهدود على أرق ضجاع، وألطفه على فخذ الحبيبة عائشة ﵂ وينام قرير العين حتى يصبح.
هدوء، وتماسك، ورفق، وثبات، ينم عن رسوخ عقيدته الراسخة، وحكمته البالغة، فتأمل القصة لتجد أن الصبر مفتاح الفرج.
٧ - تقديره ﷺ لحاجات النساء النفسية:
• أخرج البخاري في صحيحه في كتاب العيدين، باب: الحراب والدراق يوم العيد (٣)، ومسلم في صحيحه في كتاب العيدين، باب: الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد (٤) من حديث عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ،
стр. 803
وعندي جاريتان تغنيان بغناء بُعاث (١)، فاضطجع على الفراش، وحوّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند رسول الله ﷺ ، فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقال: «دعهما»، فلما غفل غمزتهما فخرجتا.
وقالت: وكان يوم عيد يلعب السودان بالدّرق (٢)، والحِرَاب (٣)، فإمّا سألت النبي ﷺ ، وإمّا قال: «تشتهين تنظرين؟» فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدّي على خده، وهو يقول: «دونكم يا بني أَرْفِدة» حتى إذا مللت قال: «حسبك» قلت: نعم. قال: «فاذهبي».
وفي الحديث تقدير النبي ﷺ للحاجات النفسية الفطرية في حياة الناس (٤) كالرغبة في الترويح واللعب، والفرح والسرور، والإذن الشرعي فيها بقدر معتدل مصون من الإسراف والعبث والفساد، فإن العبد يسعى إلى تحقيق مطالب الروح كما يؤدي وظائف الجسد بتوازن شرعي لا إفراط فيه ولا تفريط، فلئن واظب على الجد والحزم في العبادة ربما يكل ويتعب ويمل، ومراوحة النفس بين الجد واللهو النافع يمنحها مزيدًا من الإقبال على الدين والنشاط للعمل.
стр. 804
إن اعتراف الحبيب ﷺ بحرص عائشة الجارية الفتية المحبة للهو، والطرب بلا ازدراء أو احتقار، من أعظم الأدلة على واقعية هذا الدين، ومراعاته للطبيعة الإنسانية، والجوانب العاطفية حتى إنه يسخر نفسه الكريمة، ويذللها لعائشة كيما تروي شوقها للعب والمرح، فتعتلي قامته، وتضع خدّها على خده، وتنظر وينتظر، تطلبًا لسعادتها، واستجلابًا لمودتها.
• وأخرج ابن ماجه في سننه (١) وابن أبي الدنيا في الإشراف في منازل الأشراف (٢)، والطبراني في الصغير (٣)، والخطيب في تاريخ بغداد (٤) كلهم من طريق عوف بن أبي جميلة، عن تمامة بن عبد الله، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ مرّ ببعض المدينة، فإذا هو بجَوَار يضربن بدفهن، ويتغنين ويقلن:
نحن جَوَارٍ من بني النجار … يا حبذا محمد من جار
فقال النبي ﷺ : «والله يعلم إني أحبكن» واللفظ لابن ماجه.
وإسناده صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٥).
• وأخرج البخاري في صحيحه في الأدب، باب: الانبساط إلى الناس (٦)، ومسلم في صحيحه في الفضائل، باب: في فضائل عائشة أم المؤمنين (٧) من حديث
стр. 805
عائشة ﵂ قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ ، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يتقمَّعن (١) منه، فيُسَرِّ بُهُن (٢) إليّ، فيلعبن معي» واللفظ للبخاري.
وفي الحديث أن النبي أحسن الأمة خُلقًا، وأبسطهم وجهًا فكان يلاطف الأهل، ويمازح الصغار، ويفاكههم، ويسأل عن لُعَبهم، مؤانسة لهم، واهتمامًا بشأنهم، وتقديرًا لحاجتهم للهو، فينبغي للمؤمنين الاقتداء بحسن عشرته وطلاقته (٣) ﷺ .
٨ - رسول الله ﷺ يستقبل زوجته في معتكفه:
أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الاعتكاف، باب: هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد (٤)، وباب: زيارة المرأة زوجها في اعتكافه (٥).
ومسلم في صحيحه في كتاب السلام، باب: بيان أنه يستحب لمن رؤي خاليًّا بامرأة وكانت زوجة أو محرمًا له أن يقول: هذه فلانة؛ ليدفع ظن السوء به (٦)، من طريق علي بن الحسين، أن صفية زوج النبي ﷺ أخبرته أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي ﷺ معها يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد عند
стр. 806
باب أم سلمة، مر رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله ﷺ ، فقال لهما النبي ﷺ : «على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي» فقالا: سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما. فقال النبي ﷺ : «إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا» واللفظ للبخاري في الموضع الأول منه.
وفي الحديث جواز زيارة المرأة لزوجها المعتكف في ليل أو نهار، وحسن خلق النبي ﷺ حيث خرج من اعتكافه لإيصال زوجته، وفيه التحرز من التعرض لسوء الظن، والاحتياط من كيد الشيطان، والاعتذار، وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يقتدي به فلا يفعلوا فعلًا يوجب سوء الظن بهم، وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم» (١).
٩ - رسول الله ﷺ يأبى إجابة دعوة الطعام حتى تصحبه زوجته:
أخرج مسلم في صحيحه، كتاب الأشربة، باب: ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه صاحب الطعام، واستحباب إذن صاحب الطعام للتابع (٢)، من حديث أنس أن جارًا لرسول الله ﷺ فارسيًّا، كان طيب المرق، فصنع الرسول الله ﷺ ثم جاء يدعوه، فقال: «وهذه؟» لعائشة. فقال: لا (٣). فقال رسول الله ﷺ : لا. فعاد يدعوه. فقال رسول الله ﷺ : «وهذه؟» لعائشة. قال: «لا» قال رسول الله ﷺ : «لا» ثم عاد يدعوه. فقال رسول الله: «وهذه»؟ قال: نعم. في الثالثة. فقاما
стр. 807
يتدافعان (١) حتى أتيا منزله.
قال النووي: « … فكره ﷺ الاختصاص بالطعام دونها، وهذا من جميل المعاشرة، وحقوق المصاحبة، وآداب المجالسة المؤكدة» (٢).
فانظر إلى وفائه، ومراعاته ﷺ لأهل بيته، فإنه امتنع عن إجابة الدعوة؛ لكون عائشة لم يؤذن لها في المشاركة، وتأمل حلمه على الفارسي، وتقديره للداعي حيث اعتذر عن استقبال عائشة مرتين، فامتنع رسول الله ﷺ عن الإجابة دون أن يقرن امتناعه بتأنيب أو توبيخ على عدم استقبال أهله؛ لتقديره الأعذار أصحابه، وتأمل إصراره على مشاركة عائشة له الطعام؛ لطيب مرق الفارسي، ومنعه نفسه من هذا المرق الطيب حتى تشاركه زوجه، فصلوات ربي وسلامه عليه كم كان عظيمًا؟!.
١٠ - تواضعه ﷺ لزوجاته:
أخرج البخاري في صحيحه في كتاب المغازي، باب: غزوة خيبر (٣) من حديث أنس بن مالك، وفيه قال: ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيت النبي ﷺ يحوي (٤) لها (أي: لصفية) وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب.
فانظر إلى تواضعه ﷺ ، وحنوه على أهل بيته، ولا غرو فقد خيّر بين أن يكون
стр. 808
عبدًا رسولًا أو ملكًا فاختار العبودية والرسالة ﷺ .
• وتأمل في بعض ما تقدم من هديه ﷺ في تعامله مع زوجاته، ترى أن أقواله وأفعاله توصي بحسن العشرة للنساء، والرفق بمن، ومداراتهن، وعليك بلزوم هديه، والعض بالنواجذ على سنته فإن الله سبحانه أمرنا باتباعه فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١) واعلم أن الخير كل الخير في اقتفاء أثره، وفقك الله للحق، ومتابعة السنة.
стр. 809
الفصل الرابع حق المرأة في العمل
وسيتناول هذا الفصل تمهيدًا، وثلاثة مباحث:
المبحث الأول: عمل المرأة الحقيقي في الإسلام.
المبحث الثاني: حق المرأة في العمل خارج المنزل.
المبحث الثالث: ضوابط عمل المرأة في الإسلام.
стр. 810
توطئة:
يكثر في هذه الأيام الحديث عن عمل المرأة، وينقسم الناس فيه بين مؤيد ومعارض، وتنشط مؤتمرات المرأة للدعوة لفتح مجالات أوسع لعمل المرأة وتعزيزه.
- جاء في تقرير المؤتمر العالمي لعقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية/ كوبنهاجن (١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م):
- العمل على إيجاد فرص كاملة ومتكافئة للمرأة في مجال العمل، دون أن يغيب عن البال أن ذلك قد يقتضي من المرأة والرجل على السواء الجمع ما بين العمل المأجور، والمسؤوليات المنزلية، والعناية بالأطفال، حتى يتاح للنساء الحصول على الأعمال التي تتطلب مهارة عالية، والاندماج في تنمية بلدهن، بهدف العمل على توفير ظروف عمل للمرأة أفضل بوجه عام.
- ينبغي اتخاذ التدابير التي تضمن ألا تقل فرص المرأة عن فرص الرجل في سوق العمل في فترات الانتكاس الاقتصادي، والتدابير التي تتخذ -طبقًا للتشريع الاجتماعي- فيما يختص بالبطالة، لا يجوز أن تؤدي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلى عدم المساواة بين المرأة والرجل.
- وجاء في تقرير المؤتمر العالمي الرابع المعني بالسكان/ مكسيكو (١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م):
- ينبغي أن تكفل الحكومات للمرأة حرية الاشتراك في القوى العاملة، وعدم تقييدها عن الاشتراك في القوى العاملة، أو إكراهها عليه لأسباب تتعلق بالسياسة الديموغرافية أو التقاليد الثقافية، كما أنه لا ينبغي بأي حال استخدام الدور البيولوجي للمرأة في عملية التناسل كسبب للحد من حقها في العمل، وينبغي