← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1063

حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

نوال العيد

Полный текст (908 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

باب أم سلمة، مر رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله ﷺ ، فقال لهما النبي ﷺ : «على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي» فقالا: سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما. فقال النبي ﷺ : «إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا» واللفظ للبخاري في الموضع الأول منه. وفي الحديث جواز زيارة المرأة لزوجها المعتكف في ليل أو نهار، وحسن خلق النبي ﷺ حيث خرج من اعتكافه لإيصال زوجته، وفيه التحرز من التعرض لسوء الظن، والاحتياط من كيد الشيطان، والاعتذار، وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يقتدي به فلا يفعلوا فعلًا يوجب سوء الظن بهم، وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم» (١). ٩ - رسول الله ﷺ يأبى إجابة دعوة الطعام حتى تصحبه زوجته: أخرج مسلم في صحيحه، كتاب الأشربة، باب: ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه صاحب الطعام، واستحباب إذن صاحب الطعام للتابع (٢)، من حديث أنس أن جارًا لرسول الله ﷺ فارسيًّا، كان طيب المرق، فصنع الرسول الله ﷺ ثم جاء يدعوه، فقال: «وهذه؟» لعائشة. فقال: لا (٣). فقال رسول الله ﷺ : لا. فعاد يدعوه. فقال رسول الله ﷺ : «وهذه؟» لعائشة. قال: «لا» قال رسول الله ﷺ : «لا» ثم عاد يدعوه. فقال رسول الله: «وهذه»؟ قال: نعم. في الثالثة. فقاما

стр. 807

يتدافعان (١) حتى أتيا منزله. قال النووي: « … فكره ﷺ الاختصاص بالطعام دونها، وهذا من جميل المعاشرة، وحقوق المصاحبة، وآداب المجالسة المؤكدة» (٢). فانظر إلى وفائه، ومراعاته ﷺ لأهل بيته، فإنه امتنع عن إجابة الدعوة؛ لكون عائشة لم يؤذن لها في المشاركة، وتأمل حلمه على الفارسي، وتقديره للداعي حيث اعتذر عن استقبال عائشة مرتين، فامتنع رسول الله ﷺ عن الإجابة دون أن يقرن امتناعه بتأنيب أو توبيخ على عدم استقبال أهله؛ لتقديره الأعذار أصحابه، وتأمل إصراره على مشاركة عائشة له الطعام؛ لطيب مرق الفارسي، ومنعه نفسه من هذا المرق الطيب حتى تشاركه زوجه، فصلوات ربي وسلامه عليه كم كان عظيمًا؟!. ١٠ - تواضعه ﷺ لزوجاته: أخرج البخاري في صحيحه في كتاب المغازي، باب: غزوة خيبر (٣) من حديث أنس بن مالك، وفيه قال: ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيت النبي ﷺ يحوي (٤) لها (أي: لصفية) وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب. فانظر إلى تواضعه ﷺ ، وحنوه على أهل بيته، ولا غرو فقد خيّر بين أن يكون

стр. 808

عبدًا رسولًا أو ملكًا فاختار العبودية والرسالة ﷺ . • وتأمل في بعض ما تقدم من هديه ﷺ في تعامله مع زوجاته، ترى أن أقواله وأفعاله توصي بحسن العشرة للنساء، والرفق بمن، ومداراتهن، وعليك بلزوم هديه، والعض بالنواجذ على سنته فإن الله سبحانه أمرنا باتباعه فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١) واعلم أن الخير كل الخير في اقتفاء أثره، وفقك الله للحق، ومتابعة السنة.

стр. 809

الفصل الرابع حق المرأة في العمل وسيتناول هذا الفصل تمهيدًا، وثلاثة مباحث: المبحث الأول: عمل المرأة الحقيقي في الإسلام. المبحث الثاني: حق المرأة في العمل خارج المنزل. المبحث الثالث: ضوابط عمل المرأة في الإسلام.

стр. 810

توطئة: يكثر في هذه الأيام الحديث عن عمل المرأة، وينقسم الناس فيه بين مؤيد ومعارض، وتنشط مؤتمرات المرأة للدعوة لفتح مجالات أوسع لعمل المرأة وتعزيزه. - جاء في تقرير المؤتمر العالمي لعقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية/ كوبنهاجن (١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م): - العمل على إيجاد فرص كاملة ومتكافئة للمرأة في مجال العمل، دون أن يغيب عن البال أن ذلك قد يقتضي من المرأة والرجل على السواء الجمع ما بين العمل المأجور، والمسؤوليات المنزلية، والعناية بالأطفال، حتى يتاح للنساء الحصول على الأعمال التي تتطلب مهارة عالية، والاندماج في تنمية بلدهن، بهدف العمل على توفير ظروف عمل للمرأة أفضل بوجه عام. - ينبغي اتخاذ التدابير التي تضمن ألا تقل فرص المرأة عن فرص الرجل في سوق العمل في فترات الانتكاس الاقتصادي، والتدابير التي تتخذ -طبقًا للتشريع الاجتماعي- فيما يختص بالبطالة، لا يجوز أن تؤدي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلى عدم المساواة بين المرأة والرجل. - وجاء في تقرير المؤتمر العالمي الرابع المعني بالسكان/ مكسيكو (١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م): - ينبغي أن تكفل الحكومات للمرأة حرية الاشتراك في القوى العاملة، وعدم تقييدها عن الاشتراك في القوى العاملة، أو إكراهها عليه لأسباب تتعلق بالسياسة الديموغرافية أو التقاليد الثقافية، كما أنه لا ينبغي بأي حال استخدام الدور البيولوجي للمرأة في عملية التناسل كسبب للحد من حقها في العمل، وينبغي

стр. 811

للحكومات أن تأخذ بزمام المبادرة في إزالة أي حواجز قائمة في س بيل إعمال هذا الحق، وأن توفر الفرص والظروف التي تمكن المرأة من الجمع بين أنشطتها خارج المنزل، والأنشطة المتصلة بتنشئة الأطفال والأعمال المنزلية) (١). وتأتي المطالبات النسائية والرجالية على حد سواء منادية بضرورة تعزيز عمل المرأة، وفتح مجالات أوسع للعمل لها، ويطرز الإعلام ساحاته بعبائر تشجب تعطيل نصف المجتمع، وليت شعري: ما شأن النصف الآخر المطالب بالنفقة في الشريعة الإسلامية؟!!. وقبل الحديث عن عمل المرأة لا بد أن أشير إلى عمل المرأة في الغرب، وأسباب خروجها للعمل وظروفه؛ لأن كثيرًا ممن ينادي بعمل المرأة دون حد أو قيد، يستدل بتجربة المرأة الغربية، وسبقها للعربية في ميدان العمل والإنتاج زعموا!. لقد خرجت المرأة الغربية إلى ميدان العمل بعد قيام الثورة الفرنسية (١٢٠٤ هـ - ١٧٨٩ م) وبداية تكون الرأسمالية، وانهيار النظام الإقطاعي السائد آنذاك، فقد كان الإقطاعي يمتلك الأرض ومن عليها، أضف إلى قيام الثورة الصناعية الكبرى. عند ذلك هاجر ملايين من القرويين والفلاحيين فارين من ملاكهم الإقطاعيين الذين كانوا يسومونهم العذاب إلى المدن الكبرى، فتتلقفهم المصانع الجديدة الباحثة عن العمال، وقد كان من حال هؤلاء العمال أنهم فروا من الظلم الإقطاعي فوقعوا في براثن الرأسمالي الجشع، الذي يعطيهم الفتات مقابل عمل

стр. 812

الساعات الطويلة التي لا تكفيهم سد حاجتهم فضلا عن أن يرسلوا لمن وراءهم من أهليهم. كل هذه الظروف اضطرت النساء والأطفال القابعين في الأرياف إلى الزحف على المدن بحثًا عن لقمة العيش بأي وسيلة وأي ثمن، ومرة أخرى تلقفهم الأغنياء ليدفعوا بهم إلى أتون المصانع بأقل من ربع أجر الرجل في بعض الأحيان، وقد ساعدت هذه الظروف على رواج تجارة البغاء، وكان لذلك أسباب، تجمل في الآتي: ١ - العوز والفقر الشديد الذي حل بالأسر القادمة من الريف، إذ أصبحت دون عائل. ٢ - بقاء الملايين من العمال دون زوجات، ولا بد من الاستجابة لنداء الغريزة الجنسية، فإن لم يكن بالزواج فالبغاء. ٣ - وجود السماسرة المستفيدين من هذه التجارة الرابحة بالنسبة لهم. ومنذ خروج المرأة من بيتها في أوروبا، وهي تدور في الدوامة الرهيبة، تلهث وراء لقمة العيش، وتحتذب الجميلات منهن لتجارة الرقيق الأبيض الذي يعتبر من أكثر المهن تنظيمًا، يقول عضو البرلمان الفرنسي: «إن حرفة البغاء لم تعد الآن عملًا شخصيًّا، بل لقد أصبحت تجارة واسعة، وحرفة منظمة، بفضل ما تحلب وكالاتها من الأرباح» (١). «وكان من نتائج النظام الرأسمالي أن أصبحت المرأة كلًا على زوجها، وأصبح الولد عبئًا على أبيه، وتعذر على كل فرد أن يقيم أود نفسه فضلًا عن أن يعول غيره من المتعلقين به. وقضت الأحوال الاقتصادية أن يكون كل واحد من أفراد المجتمع عاملًا مكتسبًا، فاضطرت جميع طبقات النساء من الأبكار والأيامي أن يخرجن من

стр. 813

بيوتهن لكسب الرزق رويدًا رويدًا» (١). فالمرأة الأوروبية -في السابق- لم تخرج طائعة مختارة، وإنما خرجت مكرهة محبرة؛ سدًا للرمق، بعد أن قام النظام الرأسمالي بتحطيم الأسرة، وأخذ الرجل إلى أتون المصانع، وأقبية المناجم، فاضطرت المسكينة للخروج بحثا عن لقمة العيش، تقول إحدى الغربيات: «إن المرأة في الغرب تجد نفسها مجبرة على العمل خارج البيت، لتحقق ما يطلبه منها المجتمع» (٢). ويمكن تلخيص أسباب خروج المرأة الغربية للعمل فيما يأتي: ١ - الأب في الغرب غير مكلف بالإنفاق على ابنته إذا بلغت الثامنة عشرة من عمرها، لذا فهو يجبرها أن تجد لها عملًا إذا بلغت هذا السن، ثم إن كثيرًا من الآباء يكلف الفتاة دفع أجرة الغرفة التي تسكنها في بيت أبيها. ٢ - البخل والأنانية المسيطرة على الرجل، إذ إنه لا يقبل أن ينفق على من لا يعمل؛ لأنه لا يرى تربية الأولاد أمرًا مهمًا، ومهمة شاقة. ولا غرو فإنه مجتمع لا ديني. ٣ - إشباع شهوات الرجل وغرائزه على حساب حاجة المرأة المادية، فهم يريدون المرأة في كل مكان؛ لتكون معهم ولهم، ويدل على ذلك تسخيرهم لها في شهواتهم الدنيئة من خلال الأفلام الداعرة، والصور العارية … ٤ - بحث المرأة عن الحرية المزعومة من خلال الاستقلال الاقتصادي الذي

стр. 814

يجعلها تستغني عن الرجل (١). وهكذا فإن المرأة الغربية عاشت امرأة لاهثة وراء لقمة العيش التي لا تضمن لها من عائلها، وليتهم يوم أخرجوها من محضنها، وكلفوها ما لا تطيق س ووا أجرها بالرجل بل على العكس من ذلك، فالمرأة الأمريكية غير المتزوجة التي يتراوح عمرها ما بين (٢٥ - ٦٤) سنة لا تحصل إلا على ٦٥% من أجر الرجل، أما المتزوجة فقد بلغت نسبة أجرها ٥٦% من أجر الرجل فقط (٢).

стр. 815

المبحث الأول: عمل المرأة الحقيقي في الإسلام إنك تعجب حين تقرأ في توصيات مؤتمرات المرأة، وأفكار المنادين بتلك التوصيات عدم إقامتهم لعمل المرأة في بيتها قدرًا، بل يرونه من أسباب فقر المرأة، وضحالتها العلمية، وعملها المعتبر هو ما كان خارج المنزل، وما سوى ذلك فهو بطالة!. والرد على هذا التصور الخاطئ يتبين من خلال ما يلي: ١ - إن ما تقوم به المرأة من عمل داخل بيتها يعد من العمل المعتبر عند الاقتصاديين. فالعمل في اللغة هو المهنة والفعل، يقال: عمل عملًا، أي: فعل فعلًا عن قصد. والعمل في الاقتصاد: مجهود يبذله الإنسان لتحصيل منفعة (١). والمتأمل لعمل المرأة المنزلي يجده يدخل ضمن مفهوم العمل بمعناه اللغوي والاقتصادي، بل إن الاقتصاديين أنفسهم يعتبرون صراحة العمل المنزلي عملًا منتًجا، يقول د: عبد الرحمن يسري أحمد: «إن إهمال تقدير خدمات وأعمال ربات المنزل عند حساب الناتج القومي يؤدي إلى كثير من المغالطات» (٢). كما يفرد (رونالد إيرنبرج، وروبرت سميث) في كتابيهما (اقتصاديات العمل)

стр. 816

فصلًا كاملًا حول الإنتاج المنزلي، والأسرة، وفرص العمل، يتحدثان فيه بإسهاب عن توزيع الوقت المتاح بين العمل في المنزل وخارجه، ومن يقوم بالعمل في المنزل ونحو ذلك (١). ويؤكد تقرير للأمم المتحدة صدر عام ١٩٨٥ م القيمة الاقتصادية لعمل المرأة في البيت، فيقول: «لو أن نساء العالم تلقين أجورًا نظير القيام بالأعمال المنزلية، البلغ ذلك نصف الدخل القومي لكل بلد، ولو قامت الزوجات بالإضراب عن القيام بأعمال المنزل لعمت الفوضى العالم: سيسير الأطفال في الشوارع، ويرقد الرضع في أسرهم جياعا تحت وطأة البرد القارس، وستتراكم جبال من الملابس القذرة دون غسيل، ولن يكون هناك طعام للأكل، ولا ماء للشرب. ولو حدث هذا الإضراب … فسيقدر العالم أجمع القيمة الهائلة لعمل المرأة في البيت … إن المرأة لو تقاضت أجرًا لقاء القيام بأعمالها المنزلية لكان أجرها أكثر من ١٤٥٠٠٠ دولار في السنة … وإن النساء الآن في المجتمعات الصناعية يساهمن بأكثر من ٢٥% إلى ٤٠% من منتجات الدخل القومي، بأعمالهن المنزلية» (٢). بل إن عمل الأمهات في البيوت لا يقدر بثمن، وقد قامت مؤسسة مالية في الولايات المتحدة (٣) بدراسة عمل الأم في المنزل «كالتربية، والطبخ، والإدارة المالية، والعلاج النفسي للأسرة … » ومحاولة تقديره بحسابات مادية على الورق، فوجدت أن الأم تستحق أجرًا سنويًّا يصل إلى ٥٠٨ آلاف دولار -محسوبًا على أساس الأجور السائدة في الولايات المتحدة الأمريكية- وقال المحلل المالي ريك إدمان لهذه

стр. 817

المؤسسة: «حيث إن الأم تعمل ٢٤ ساعة مستمرة يوميًّا، توصلنا إلى أنها تستحق أجر وقت دائم سنوي، يساوي أجر سبع عشرة وظيفة مهمة». إلا أن محررة (١) في مجلة عمل المرأة الأمريكية، وصفت مبلغ نصف مليون دولار بأنه منخفض جدًّا، مشيرة إلى أن كثيرًا من الأمهات يؤدين أعمالًا أكثر من تلك التي أشارت إليها هذه الدراسة (٢). وقد كان هناك تقرير صدر في الولايات المتحدة عن لجنة مكونة من دائرة الصحة، والتربية، والرعاية الاجتماعية لدراسة شؤون العاملين في ميادين العمل -ومن ذلك عمل المرأة الأمريكية، وانعكاساته على أسرتها وأطفالها- ومما جاء في هذا التقرير المهم ما يأتي: ١ - «حين ننظر في عمل المرأة في بيتها، نجد أنه من السخافة أن يقتصر تعريف العمل على الذي يتقاضى صاحبه عنه أجرًا، فالمرأة في بيتها لا تعتبر عاملة طبقًا للتعريف المشار إليه، ولكن عملها في تربية الآخرين يعتبر عملًا، وإن أجورهن تسهم في زيادة الدخل القومي بآلاف الدولارات». وجاء في هذا التقرير: «والحقيقة الواضحة أن رعاية الأطفال يعتبر عملًا بكل ما يفيده مفهوم العمل؛ لأن هذه الرعاية مهمة صعبة، وذات أثر خطير على المجتمع الكبير، أكثر من أي عمل آخر تدفع له الأجور، إن المشكلة ليست في قبول الناس في مجتمعنا الأمريكي بهذه الحقيقة أو عدم قبولهم، وإنما المشكلة هي في معتقداتنا وثقافتنا الخاصة، فنحن كمجتمع لم ندرك بعد الحقيقة عن قيمنا وتقديراتنا عن النافع وغير النافع، وسوف يتحقق هذا الإدراك حين نبدأ النظر إلى اللاتي

стр. 818

يكرسن أنفسهن للأمومة، ورعاية البيت باعتبارهن عاملات منتجات، وندفع لهن أجورًا ورواتب، مقابل هذه الرعاية، وحين نعتبر عملهن في البيت إسهامًا جليلًا في زيادة الدخل القومي». كما جاء في التقرير: «والمشكلة هنا إذا اعتبرت الأم عاملة، وتؤدي عملًا جليلًا، فمن يا ترى صاحب العمل المكلف بأن يدفع لها أجرًا؟ ربما قد يكون الجواب: إن الزوج هو المكلف بالدفع؛ لأن عمل زوجته في البيت يسهم في راحته، وزيادة إنتاجه خارج البيت، وإذا لم يكن لربة البيت زوج، فكانت أمًا لأيتام -مثلًا- فمن الذي يدفع لها، لقاء رعايتها أطفالها وبيتها؟ الجواب: طالما أن عملهن يفيد المجتمع عامة فمن الواجب أن يدفع لهن من دخل الأمة» (١). ٢ - إن دعامة الأسرة هي المرأة، وهذه الدعامة تتمثل في وظيفة المرأة الأساسية ألا وهي العناية بالأسرة من رعاية الأبناء، وتنشئتهم النشأة الصالحة دينيًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا حتى ينشأوا أسوياء، ولا يمكن أن يقوم بهذا الدور إلا الأم. ومن الواضح أن عمل الأنثى الأول الذي لا يصلح له غيرها هو النسل، وحفظ النوع؛ لأن تركيب الذكر ان العضوي لا يسمح لهم بحمل الجنين ولا إرضاعه، ومن الثابت أن إرهاق المرأة بالعمل يترك أثرا في مزاجها وفي أعصابها، ومن الثابت أيضًا أن ذلك الأثر ينتقل إلى جنينها في حالة الحمل، كما ينتقل إلى طفلها في حالة الرضاعة … ويقول مجموعة من أساتذة طب النساء والولادة في كتاب «الحمل والولادة»: «تحتاج الحامل إلى عناية شديدة من المحيطين بها في هذه الفترة بالذات، إذ تكون أكثر حساسية من أي فترة مضت، سريعة التأثر والانفعال، والميل

стр. 819

إلى الهموم والحزن لأتفه الأسباب .. وذلك بسبب التغير الفسيولوجي في كل أجزاء الجسم … لذا يجب أن تحاط بجو من الحنان والبعد عن الأسباب التي تؤدي إلى تأثرها وانفعالها، وخاصة من ناحية الزوج أو الذين يعيشون ويتعاملون معها» (١). وقل لي بالله هل يمكن أن تحاط بجو من الحنان في المصنع أو المتجر أو في المكتب … وصاحب العمل لا تهمه حالتها الفسيولوجية، ولا يعرف حاجتها البيولوجية إلى الحنان والراحة … إنه يعرف فقط أن عليها أن تؤدي عملا تأخذ مقابله راتبا مهما كانت ظروفها. ثم إن المرأة بحاجة إلى أن توفر لها الفرصة الكاملة لملازمة طفلها ملازمة كاملة تسمح بأن يصنع على عينها جسمًا وعقلًا وخلقًا، لكي تغرس فيه العادات الفاضلة، وتجنبه ما قد يعرض له، أو يطرأ عليه من عادات قبيحة. كما أن اعتماد المرأة العاملة على الخدم، وعلى دور الحضانة في رعاية وليدها لا يؤدي إلى اكتمال تنشئته، لأن الإخلاص له، والحرص على ابتغاء الكمال من كل وجه لا يتوافر في أحد توافره في الأم، فإن من وراء إخلاصها وحرصها غريزة الأمومة. وهذا الجيل الغربي من التائهين الضائعين … محطمي الأعصاب … مبلبلي الأفكار … قلقي النفوس، وهذه النسبة الآخذة -حسب إحصاء الغربيين أنفسهم- للانحراف والشذوذ بكل ضروبه وأنواعه، وكل هذه الظواهر والآثار، هي من آثار التجربة التي خاضها الغرب في المرأة؛ لأن هؤلاء جميعا هم أبناء العاملات والموظفات، والذين عانوا من إرهاق أمهاتهم وهم في بطونهن، ثم تعرضوا لإهمالهن بعد

стр. 820

وضعهم. وماذا يبتغي الناس من تجربة فاشلة كهذه؟ أفلا يتدبرون (١). وقد أكد هذا الكلام (أجوست كونت) حيث يقول: «ينبغي أن تكون حياة المرأة بيتية، وألا تكلف بأعمال الرجال؛ لأن ذلك يقطعها عن وظيفتها الطبيعية، ويفسد مواهبها الفطرية، وعليه فيجب على الرجال أن ينفقوا على النساء دون أن ينتظروا منهن عملًا ماديًّا كما ينفقون على الكتاب والشعراء والفلاسفة، فإذا كان هؤلاء يحتاجون الساعات كثيرة من الفراغ لإنتاج ثمرات قرائحهم، كذلك يحتاج النساء لمثل تلك الأوقات ليتفرغن فيها لأداء وظيفتهن الاجتماعية من حمل ووضع وتربية» (٢). إن الحكم على وظائف المرأة -من حمل وإرضاع ورعاية أبناء- بأنه لا شيء، وأن بقاءها في بيتها، واقتصارها على تلك الوظائف يجعلها عاطلة، يعتبر حكمًا سطحيًّا محجوبًا عن تبيين الحقائق، فإننا حين ننظر في جدول يوازن بين عمل المرأة والرجل -من حيث الجدوى على الحياة ومجد الدولة- نرى أن المرأة قد ذهبت باللب، والرجل قد قام من ذلك اللب بدور، لا يقال: إنه ثانوي ولكنه ليس في صميم اللب. فأي الدورين يكون صاحبه عاطلًا؟ إذا كان مقياس العمل والعطل هو الإنتاج للحياة؟ ماذا يكون أجر من ثمرتهما طفل؟ وأجر من ثمرته جلب حزمة من حطب، أو بضع ثمرات من شجرة قريبة؟! ولكن الحياة لا تجزي ذلك الأجر النقدي، فإن ثمر المرأة ومقامها أجلّ من أن يقدر بعرض» (٣). وهذا الإنجليزي (سامويل سمائلس) وهو من أركان النهضة الإنجليزية

стр. 821

يقول: «إن النظام الذي يقضي بتشغيل المرأة في المعامل، مهما نشأ عنه من الثروة، فإن نتيجته هادمة لبناء الحياة المنزلية، لأنه يهاجم هيكل المنزل، ويقوض أركان الأسرة، ويمزق الروابط الاجتماعية، ويسلب الزوجة من زوجها، والأولاد من أقاربهم، وصار لا نتيجة له إلا تسقيل أخلاق المرأة، إذ وظيفة المرأة الحقيقة هي القيام بالواجبات المنزلية من ترتيب مسكنها، وتربية أولادها، والاقتصاد في وسائل معيشتها مع القيام باحتياجاتها البيتية. لكن المعامل تسلخها من كل هذه الواجبات، بحيث أصبحت المنازل غير المنازل، وأضحت المواليد تشب على عدم التربية، وتلقى في زوايا الإهمال، وانطفأت المحبة الزوجية، وخرجت المرأة عن كونها الزوجة الظريفة، والمحبة اللطيفة، وصارت زميلته في العمل والمشاق، وصارت معرضة للتأثيرات التي تمحو غالبا التواضع الفكري، والتواد الزوجي، والأخلاق التي عليها مدار حفظ الفضيلة» (١). ٣ - إن البطالة الحقيقية تتمثل في خروج المرأة للعمل، وبقاء الرجال عاطلين بلا عمل، مع أن الرجل ملزم بالنفقة على المرأة في شرع الإسلام (٢)، ففي كل بلد يوجد الآلاف من الشباب الذين لا يجدون عملًا، ومع هذا تقام حملات إعلانية ضخمة تتحدث عن نصف الأمة المشلول … ونصف الأمة المسجون … ونصف الأمة المعطل؟!. ٤ - يؤكد المناصرون لخروج المرأة دعاواهم على الجدوى الاقتصادية الخروج المرأة من بيتها، ومساهمتها كما يزعمون في رفع إنتاجية الوطن، ويكثرون من السخرية، والتشنيع بالمجتمعات الرجعية كما يسموها حيث تبقى المرأة حبيسة بيتها.

стр. 822

وإذا أبعدنا عن أسلوب المهاترات، والدعاوى وكان بحثنا موضوعيًّا، لنقرأ لغة الأرقام التي تعكس الجدوى الاقتصادية لعمل المرأة: أثبتت دراسة ميدانية للدكتور/ حسين شحاته -أستاذ المحاسبة بكلية التجارة جامعة الأزهر- أن المرأة العاملة خارج بيتها تنفق من دخلها ٤٠% على المظهر والمواصلات، أما تلك التي تعمل في بيتها فهي توفر من تكلفة الطعام والشراب ما لا يقل عن ٣٠%، وخلصت الدراسة إلى أن المرأة التي تمكث في البيت توفر ما لا يقل عن ٧٠% من الدخل الذي كان بالإمكان أن تحصل عليه، بل يمكنها أن تحقق دخلًا أكثر مما تحققه الموظفة؛ إذ تستطيع أن تحول بيتها إلى ورشة إنتاجية، بأن تصنع في وقت فراغها ما يحتاج إليه بيتها ومجتمعها (١). ومما يؤكد ذلك ما قالته السويسرية (بيناو لاديف) بعد تركها للعمل: «فلو حسبت أجر المربية، والمعلمين الخصوصين، ونفقاتي الخاصة، لو أني واصلت العمل، ولم أتفرغ للأسرة، لوجدنا أكثر مما أتقاضاه في الوظيفة» (٢). ثم إن المرأة يمكن أن تعمل في بيتها أعمالًا تدر عليها ربحًا ماديًّا دون أن تضطر للعمل خارج المنزل؛ حيث إن العمل خارج المنزل ليس الطريق الوحيد للكسب المادي. ففي أمريكا -مثلا- ١١. ٨ مليون يعملون في المنزل دوامًا كاملًا، ويحققون من خلال عملهم هذا كامل دخولهم، بينما يحقق ٢٦. ٦ مليون أمريكي دخولًا إضافية من أعمال يمارسونها في منازلهم، أي أن أكثر من ٣٨ مليون أمريكي

стр. 823

يحققون كسبًا ماديًّا من عملهم في المنزل (١). وهناك فكرة العمل بما يسمى بنظام [المكتب المنزلي] (٢) وهو نظام يحقق لمن ترغب من النساء أن تمارس عملًا ما في بيتها، أو تمارس مشاريع استثمارية صغيرة، وفي نفس الوقت ترعى أسرتها، وهذا النوع من العمل منتشر في أمريكا وأوروبا، وقد أوجد في أمريكا -وحدها- ٤١ مليون فرصة عمل، ويحقق العاملون والعاملات منه عوائد جيدة. وأما نوعية العمل الذي يمكن تأديته من داخل المنزل، فنذكر على سبيل المثال ما يلي: «مساعدة إدارية- تخطيط- تحرير صحفي- معالجة إدخال بيانات- تحليل مالي- باحثة إنترنت- تدقيق لغوي- مبيعات وتسويق- ترجمة لغات- طباعة- معالجة نصوص- إعلانات- تصميم فني- تصميم ديكور- صناعات تقليدية» وغيرها من المهن التي تناسب طبيعة المرأة. وأما عن عمل المرأة في الإسلام: فهو إدارة شؤون مملكتها، ومقر عملها، ترعى زوجها، وتربي نشأها، وتتقي الله في بيتها، ولا شك أن هذا يتلاءم مع فطرتها التي فطرها الله عليه، ومما يستدل به على ذلك كثير من نصوص القرآن والسنة، منها: ١ - قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٣).

стр. 824

قال القرطبي: «معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي ﷺ فقد دخل غيرهن فيه بالمعن، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منها إلا الضرورة على ما تقدم في غير موضع» (١). ٢ - وجوب النفقة للزوجة والمعتدة من طلاق رجعي كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (٢) فقد كفيت المرأة النفقة حتى تنصرف لمهمتها الرئيسية في البيت، ولا تنشغل بالتكسب عنها. وقد مرّ في البحث (٣) في أحكام النفقات ما يجعل العاقل يبصر أن الكسب خارج البيت وظيفة الرجل، وللمرأة عليه الرزق والكسوة بالمعروف تفريغًا لها؛ الرعاية بيتها، وشؤون زوجها وولدها، فسبحان من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. ٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (٤). وفي هذه الآية بيان لسبب خروجهما لهذا العمل الخارجي مما يعني أنه ليس أصل عملهما.

стр. 825

يقول أبو السعود: «وقوله تعالى: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ إبراء منهم للعذر إليه ﵇ في توليهما للسقي بأنفسهما، كأنهما قالتا: إننا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلة الرجال، ومزاحمتهم، وما لنا رجل يقوم بذلك، وأبونا شيخ كبير السن قد أضعفه الكبر، فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يقضي الناس أوطارهم من الماء» (١). ٤ - قوله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ (٢). فالله ﵎ حذر آدم ﵇ من أن يستمع لإبليس؛ لأنه عدو له ولزوجه، ونبهه إلى أن الشيطان سيسعى لإخراجهما من الجنة، ثم يحذر الرحمن عبده -أيضًا- من أنه إذا أخرج من الجنة فإنه يشقى، والخطاب هنا في النص القرآني ينصرف إلى آدم وحده، وفي إفراد الخطاب إليه في قوله تعالى: ﴿فَتَشْقَى﴾ بعد التثنية فيما تقدم من قوله تعالى: ﴿عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ وفي قوله: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا﴾ في هذا الإفراد بعد التثنية معنى واضح ذكره المفسرون وعلماء الشريعة يتلخص في أن آدم (ومن ثم الرجل دون المرأة) هو الذي يشقى في سبيل تدبير معاش الأسرة (٣).

стр. 826

قال القرطبي ﵀: «﴿فَتَشْقَى﴾ يعني أنت وزوجك؛ لأهما في استواء العلة واحد، ولم يقل: فتشقيا؛ لأن المعني معروف، وآدم ﵇ هو المخاطب، وهو المقصود، وأيضًا لما كان الكاد عليها، والكاسب لها كان بالشقاء أخص. وقيل: الإخراج واقع عليهما، والشقاوة على آدم وحده، وهو شقاوة البدن. ألا ترى أنه أعقبه بقوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ أي في الجنة ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ فأعلمه أن له في الجنة هذا كله! الكسوة والطعام والشراب والمسكن، وأنك إن ضيعت الوصية، وأطعت العدو، أخرجكما من الجنة، فشقيت تعبًا ونصبًا، أي جعت وعريت وظمئت وأصابتك الشمس (١)، لأنك ترد إلى الأرض إذا أخرجت من الجنة، وإنما خصه بذكر الشقاء، ولم يقل: فتشقيا؛ ليعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج، فلما كانت نفقة حواء على آدم، كذلك نفقات بناها على بني آدم بحق الزوجية، وأعلمنا في هذه الآية أن النفقة التي تحب للمرأة على زوجها هذه الأربعة: الطعام والشراب، والكسوة، والمسكن، فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها، فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور، فأما هذه الأربعة فلا بد لها منها؛ لأن بها إقامة المهجة» (٢). ٥ - ما أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (٤) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله

стр. 827

عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده، وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». فالحديث نص على رعاية المرأة لبيت زوجها وولده، مما يتطلب بقاءهما فيه، والعناية بشؤونه. يقول الحافظ: «ورعاية الرجل أهله سياسته لأمرهم، وإيصالهم حقوقهم، ورعاية المرأة تدبير أمر البيت، والأولاد، والخدم، والنصيحة للزوج في كل ذلك» (١). ٦ - أخرج البخاري في صحيحه في كتاب النفقات، باب: حفظ المرأة زوجها في ذات يده والنفقة (٢)، وفي كتاب النكاح، باب: إلى من ينكح، وأي النساء خير (٣)، ومسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل نساء قريش (٤) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده» واللفظ للبخاري في كتاب النكاح. قال الحافظ: « … وفيه فضل الحنو، والشفقة، وحسن التربية، والقيام على

стр. 828

الأولاد، وحفظ مال الزوج وحسن التدبير فيه، ويؤخذ منه مشروعية إنفاق الزوج على زوجته» (١). وتأمل ثناء رسول الله ﷺ على نساء قريش تراه فيما يتعلق باختصاصهن، ومقر عملهن أصلًا. ٧ - ما شاع من عمل النساء في بيوتهن منذ صدر الإسلام وإلى يومنا هذا، مما لا يحتاج لضرب الأمثلة والاستشهاد؛ لتواتره، وظهور أدلته. يقول الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «فالرجل يقوم بالنفقة والاكتساب، والمرأة تقوم بتربية الأولاد، والعطف والحنان، والرضاعة والحضانة والأعمال التي تناسبها، كتعليم البنات، وإدارة مدارسهن، والتطبيب لهن، ونحو ذلك من الأعمال المختصة بالنساء … فترك واجبات من قبل المرأة يعتبر ضياعًا للبيت، ويترتب عليه تفكك الأسرة، حسيًّا ومعنويًّا، وعند ذلك يصبح المجتمع شكلًا أو صورة لا حقيقة ومعنى» (٢). وقال الشيخ صالح الفوزان: «ومنها -أي: من منافع الزوج-: قيام الزوج بكفالة المرأة وصيانتها، وقيام المرأة بأعمال البيت، وأداؤها لوظيفتها الصحيحة في الحياة، لا كما يدعيه أعداء المرأة، وأعداء المجتمع من أن المرأة شريكة الرجل في العمل خارج المنزل؛ فأخرجوها من بيتها، وعزلوها عن وظيفتها الصحيحة، وسلموها عمل غيرها، وسلموا عملها إلى غيرها، فاختل نظام الأسرة، وساء التفاهم بين الزوجين، مما سبب -كثيرًا من الأحيان- الفراق بينهما، أو البقاء على

стр. 829

مضض ونكد» (١). • ومما تقدم يتبين أن وظيفة المرأة في بيتها أسمي من كل وظيفة، فهي تنتج العقول النيرة، والنفوس المؤمنة الطيبة، وتربي النشأ، وتبني الجيل وتغذيه بأعلى الأحاسيس الاجتماعية، التي تربي فيه روح الائتلاف مع المجتمع فيخرج إليه، وهو يألف ويؤلف، ولا تعجب حين ينيط الإسلام هذه الوظيفة العظيمة لها؛ من أجل عظمتها، وما هيأه الله فيها من قدرات تجعلها تقوم بهذه الوظيفة بكفاءة ونجاح، ويجعل منها الجنة تحت قدميها.

стр. 830

المبحث الثاني: حق المرأة في العمل خارج المنزل وإن كان الإسلام يحث المرأة على لزوم بيتها، والقيام بتربية ولدها إلا أنه لا يعارض عملها بشروطه (١) وضوابطه، والسنة والسيرة شاهدتان على هذا المبحث، ومن الأدلة على ذلك: ١ - أخرج مسلم في صحيحه (٢) من حديث جابر بن عبد الله قال: طُلقت خالتي فأرادت أن تجد (٣) نخلها، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي ﷺ ، فقال: «بلى، فجدي نخلك، فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفًا». وفي الحديث إذن رسول الله ﷺ للمعتدة البائن (٤) للخروج لصرام النخل، وعُلِم من مفهوم الحديث أن خالة جابر كانت تخرج قبل عدها من غير نكير عليها، فلما اعتدت أنكر رجل عليها الخروج، فرفعت ذلك لرسول الله ﷺ فأذن لها، بل وعلل ذلك بالصدقة وفعل المعروف.

стр. 831

يقول النووي: «وفيه استحباب الصدقة من التمر عند جداده، والهدية، واستحباب التعريض لصاحب التمر بفعل ذلك، وتذكير المعروف والبر». والحديث دليل أن للمرأة أن تقوم على زراعتها شأنها كالرجل. ٢ - أخرج البخاري في صحيحه في كتاب البيوع، باب: ذكر النساج (١) من حديث سهل بن سعد قال: جاءت امرأة بيردة، قال: أتدرون ما البردة؟ فقيل له: نعم، هي الشملة) (٢) منسوج في حاشيتها. قالت: يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي اكسوكها، فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليها، فخرج إلينا، وإنها إزاره. فقال رجل من القوم: يا رسول الله اكسنيها، فقال: «نعم» فجلس النبي ﷺ في المجلس، ثم رجع، فطواها، ثم أرسل بها إليه. فقال القوم: ما أحسنت سألتها إياه، لقد علمت أنه لا يرد سائلًا. فقال الرجل: والله ما سألته إلا لتكون كفني يوم أموت. قال سهل: فكانت كفنه. وفي الحديث أن المرأة كانت تعمل بالنسج، وعليه بوّب البخاري: باب: ذكر النساج. يقول ابن عابدين: «للوالد دفع ابنته إلى امرأة تعلمها حرفة كالتطريز، والخياطة مثلًا، وذلك حتى تستطيع أن تعول نفسها من كسبها عند الحاجة» (٣). ٣ - ما تقدم (٤) في حق المرأة في التعاملات المالية من أحاديث تدلل على

стр. 832

اشتغال النساء في عهد رسول الله ﷺ بالبيع والشراء دون نكير. ٤ - أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد، باب: مداواة النساء الجرحى في الغزو (١)، وفي كتاب الطب، باب: هل يداوي الرجل المرأة أو المرأة الرجل (٢) من حديث الربيع بنت معوذ قالت: كنا مع النبي ﷺ نسقي، ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة. واللفظ في كتاب الجهاد. قال الحافظ: «وفيه جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل الأجنبي، للضرورة. وقال ابن بطال: ويختص ذلك بذوات المحارم، ثم بالمتجالات (٣) منهن؛ لأن موضع الجرح لا يلتذ بلمسه، بل يقشعر منه الجلد، فإن دعت الضرورة لغير المجالات، فليكن بغير مباشرة ولامس، ويدل على ذلك اتفاقهم على أن المرأة إذا ماتت، ولم توجد امرأة تغسلها أن الرجل لا يباشر غسلها بالمس، بل يغسلها من وراء حائل في قول بعضهم كالزهري، وفي قول الأكثر تيمم. وقال الأوزاعي: تدفن كما هي. قال ابن المنير: الفرق في حال المداوة، وتغسيل الميت، أن الغسل عبادة، والمداوة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات» (٤). • وأخرج البخاري في الأدب المفرد (٥) من حديث محمود بن لبيد قال: لما أصيب أكحل سعد يوم الخندق، فثقل، حولوه عند امرأة يقال لها: رُفَيْدة، وكانت تداوي الجرحى، فكان النبي ﷺ إذا مر به يقول: «كيف أمسيت» وإذا أصبح:

стр. 833

«كيف أصبحت». وصحح إسناده الحافظ في الإصابة (١)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (٢). وقال الحافظ في الإصابة (٣): «رفيدة الأنصارية ذكرها ابن إسحاق في قصة سعد بن معاذ لما أصابه بالخندق، فقال رسول الله ﷺ : اجعلوه في خيمة رفيدة التي في المسجد حتى أعوده من قريب، وكانت امرأة تداوي الجرحى. وتحتسب بنفسها على خدمة من كان به ضيعة من المسلمين». وفي هذه الأحاديث مزاولة المرأة مهنة التطبيب. وما تقدم من أحاديث في حق المرأة في العلم، والدعوة، والبيع والشراء (٤) يتضح واقعية هذه الدين، ودعوة أفراده للمشاركة في تقدم المجتمع ورقيه مع المحافظة على الأولويات، وترتيب المهمات، ودون الإخلال بالواجبات الأساسيات.

стр. 834

المبحث الثالث: ضوابط عمل المرأة في الإسلام (١) لقد وضع الإسلام لعمل المرأة منهجًا قويمًا، سليم الخطوة، بعيد النظرة عميق الإحساس، ترفرف على جنباته السلامة، والأمان، والمودة، وتحفظ به كرامة المرأة، ولا يجني المجتمع الذي يرتضي هذا المنهج ويحكمه فيه، إلا ثمرات الخير دائمة العطاء، وإليك بيان هذه الضوابط: الضابط الأول: أن يأذن لها وليها -زوجًا كان أم غير زوج- بالعمل، وبدون موافقة وليها لا يجوز لها العمل، لأن الرجل قوام على المرأة كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (٢) إلا إذا منعها نكاية بها، وظلمًا مع حاجتها للعمل، فلا إذن له، كما أنه لا يحق له أن يلزمها القيام بعمل مهني لا ترضاه. الضابط الثاني: ألا يكون هذا العمل الذي تزاوله صارفًا لها عن الزواج الذي حث عليه الإسلام وأكده، أو مؤخرًا له بدون حاجة. الضابط الثالث: الإسلام يحث على الإنجاب، وكثرة النسل، والأدلة على

стр. 835

ذلك كثيرة، كما قال : ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (١) فلا ينبغي للمرأة المسلمة أن تجعل العمل صارفًا لها عن الإنجاب بحجة الانشغال بالعمل. الضابط الرابع: ألا يكون هذا العمل على حساب واجباتها نحو زوجها وولدها، فعمل المرأة أصلًا في بيتها، والعمل خارجه طارئ، وفي حديث عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم» (٢). الضابط الخامس: أن يكون عمل المرأة مشروعًا، والعمل المشروع: ما كان متفقًا مع كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ كالبيع والشراء، والتعليم، والطب، والدعوة إلى الله … وأمّا الأعمال غير المشروعة فهي كل عمل ورد النهي بخصوصه في الشرع كعمل المرأة في المؤسسات الربوية، ومصانع الخمور، والرقص والغناء، والتمثيل، ومزاولة البغاء. الضابط السادس: أن يتفق عمل المرأة مع طبيعتها، وأنوثتها، وخصائصها البدنية والنفسية مثل الأعمال المشروعة التي ذكرت آنفًا، وأمّا الأعمال التي لا تتفق مع طبيعتها ولا أنوثتها، مثل: العمل في تنظيف الشوارع العامة، وبناء العمارات، وشق الطرق، والعمل في مناجم الفحم وغيرها من الأعمال الشاقة؛ فلا يجوز لها أن تمارسها؛ لأن ممارستها يُعَدُّ عدوانًا على طبيعتها وأنوثتها، وتكليفها ما لا تطيق،

стр. 836

والرب جل وعلا يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١) والتكليف بدون التمكن ومراعاة الحلقة تكليف بما لا يطاق (٢). الضابط السابع: أن تخرج للعمل باللباس الشرعي الساتر لجميع جسدها، بأوصافه وشروطه (٣). ومن شروطه: ١ - أن يكون ساترًا لجميع البدن؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٤) (٥) والجلباب هو الملاءة (أي: العباءة) التي تلتحف به المرأة فوق ثيابها على أصح الأقوال (٦). قال الألباني ﵀: «فالحق الذي يقتضيه العمل بما في آيتي النور والأحزاب، أن المرأة يجب عليها إذا خرجت من دارها أن تختمر، وتلبس الجلباب على الخمار؛ لأنه كما قلنا سابقًا أستر لها، وأبعد عن أن يصف حجم رأسها وأكتافها،

стр. 837

وهذا أمر يطلبه الشارع … واعلم أن هذا الجمع بين الحمار والجلباب من المرأة إذا خرجت قد أخلّ به جماهير النساء المسلمات، فإن الواقع منهن إما الجلباب وحده على رؤوسهن أو الخمار، وقد يكون غير سابغ في بعضهن؛ كالذي يسمى اليوم بـ (الإيشارب) بحيث ينكشف منهن ما حرّم الله عليهن أن يظهر من زينة باطنة … أفما آن للنساء الصالحات حيثما كن أن ينتبهن من غفلتهن، ويتقين الله في أنفسهن، ويضعن الجلابيب على خمرهن» (١). ٢ - ألا يكون زينة في نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (٢) فإنه بعمومه يشمل الثياب الظاهرة إذا كانت مزينة تلفت أنظار الرجال إليها، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٣). قال في فتح البيان (٤): «والتبرج أن تبدي المرأة من زينتها، ومحاسنها وما يجب عليها ستره مما تستدعي به شهوة الرجال» والمقصود من الأمر بالجلباب إنما هو ستر زينة المرأة، فلا يعقل حينئذ أن يكون الجلباب نفسه زينة، وهذا كما ترى بيّن لا يخفى. ولقد بالغ الإسلام في التحذير من التبرج إلى درجة أنه قرنه بالشرك، والزين، والسرقة، وغيرها من المحرمات، وذلك حين بايع النبي النساء ﷺ على ألّا يفعلن ذلك، فقال عبد الله بن عمرو ﵁: «جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام، فقال: «أبايعك على ألّا تشركي بالله شيئًا، ولا تسرقي،

стр. 838

ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تتبرجي تبرج الجاهلية الأولى» (١). يقول الألوسي في روح المعاني (٢): «ثم اعلم أن عندي مما يلحق بالزينة المنهي عنها إبداؤها ما يلبسه أكثر مترفات النساء في زماننا فوق ثيابهن، ويسترن به إذا خرجن من بيوتهن، وهو غطاء منسوج من حرير ذي عدة ألوان، وفيه من النقوش الذهبية والفضية ما يبهر العيون، وأرى أن تمكين أزواجهن ونحوهم لهن من الخروج بذلك، ومشيهن به بين الأجانب، من قلة الغيرة وقد عمت به البلوى». ٣ - أن يكون صفيقًا لا يشف؛ لأن الستر لا يتحقق إلا به، وأما الشفاف فإنه يزيد المرأة فتنة وزينة، أخرج مسلم في صحيحه في كتاب اللباس والزينة، باب: النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات (٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا». قال ابن عبد البر: «أراد النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر، فهن كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة» (٤).

стр. 839

وقد عقد ابن حجر الهيثمي في «الزواجر» (١) بابًا خاصًا في لبس المرأة ثوبًا رقيقًا يصف بشرتها، وأنه من الكبائر. ٤ - أن يكون فضفاضًا غير ضيق فيصف شيئًا من جسمها؛ لأن الغرض من الثوب إنما هو رفع الفتنة، ولا يحصل ذلك إلا بالفضفاض الواسع، وأما الضيق فإنه وإن ستر لون البشرة، فإنه يصف حجم جسمها أو بعضه، ويصوره في أعين الرجال، وفي ذلك من الفساد، والدعوة إليه مما لا يخفى، أخرج أحمد في المسند (٢)، والبيهقي في السنن (٣)، والمقدسي في المختارة (٤) من حديث أسامة بن زيد قال: «كساني رسول الله ﷺ قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي، فقال: مالك لم تلبس القبطية؟ قال: كسوتها امرأتي. قال: مرها فلتجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها … واللفظ لأحمد. وحسنه الألباني في جلباب المرأة المسلمة (٥). وقد أمر النبي ﷺ أسامة أن يأمر زوجته أن تجعل تحت القبطية غلالة -وهي شعار يلبس تحت الثوب- (٦) ليمنع به وَصْفَ بدها، والأمر يفيد الوجوب (٧).

стр. 840

٥ - ألا يكون مبخرًا مطيبًا؛ لأحاديث كثيرة تنهى النساء عن التطيب إذا خرجن من بيوتهن، منها ما أخرج الإمام أحمد في المسند (١) وأبو داود في السنن (٢)، والترمذي في السنن (٣)، والنسائي في المجتبى (٤)، والحاكم في المستدرك (٥) من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: «أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها؛ فهي زانية». وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وحسن إسناده الألباني في الصحيحة (٦). وأخرج مسلم في صحيحه في كتاب الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، وأنها لا تخرج متطيبة (٧) من حديث زينب امرأة عبد الله قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : «إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبًا». ومن حديث أبي هريرة (٨) مرفوعًا: «أيما امرأة أصابت بخورًا، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة». قال ابن دقيق العيد: «وفيه حرمة التطيب على مريدة الخروج إلى المسجد، لما

стр. 841

فيه من تحريك داعية شهوة الرجال» (١). قال الألباني: «فإذا كان ذلك حرامًا على مريدة المسجد، فماذا يكون الحكم على مريدة السوق والأزقة والشوارع» (٢). ثم إن هذه الأحاديث عامة تشمل جميع الأوقات، وإنما خص العشاء الآخرة بالذكر في حديث أبي هريرة؛ لأن الفتنة وقتها أشد، للظلمة وخلو الطريق، بخلاف غيرها من الأوقات (٣). ٦ - ألا يشبه لباس الرجل، أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الحدود، باب: نفي أهل المعاصي والمخنثين (٤) من حديث ابن عباس قال: لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء. وقال: «اخرجوهم من بيوتكم» وأخرج فلانًا، وأخرج عمر فلانًا. وأخرج في كتاب اللباس، باب: المتشبهين بالنساء، والمتشبهات بالرجال (٥) من حديث ابن عباس: لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال. قال الحافظ في الفتح: «قال الطبري: لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس» (٦). وقال ابن أبي جمرة في بهجة النفوس (٧): «والحكمة في لعن من تشبه؛ إخراجه

стр. 842

الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء، وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله: «المغيرات خلق الله» (١). ٧ - ألَّا يشبه لباس الكافرات، فالرسول ﷺ حذّر من التشبه بالكفار، أخرج مسلم في صحيحه (٢) من حديث عبد الله بن عمرو أخبره قال: رأى رسول الله ﷺ عليّ ثوبين معصفرين. فقال: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها». ٨ - ألَّا يكون لباس شهرة، أخرج أحمد في المسند (٣)، وأبو داود في السنن (٤)، وابن ماجه في السنن (٥) من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة». وحسن إسناده الألباني في جلباب المرأة المسلمة (٦). فعلى من تخرج لعملها أن تتقي ربها، وتلزم الستر، يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٧). الضابط الثامن: ألا تخلو بالرجل الأجنبي ولا تزاحمه، وأي عمل يقوم على

стр. 843

الاختلاط والخلوة، فإن الإسلام يحرمه ويمنعه، أخرج أبو داود في سننه (١) من طريق حمزة بن أبي أسيد، عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو خارج من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق. فقال رسول الله ﷺ للنساء: «استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق (٢)، عليكن بحافات الطريق» فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها؛ ليتعلق بالجدار من لصوقها به. وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣). وقد نبه الإمام ابن القيم على خطورة الاختلاط بين الرجال والنساء، وبين أن من آثاره انتشار الأمراض الجنسية فمما قاله حول هذا الأمر: «ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة. واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزيني، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة، ولما اختلط البغايا بعسكر موسيى، وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون، فمات في يوم واحد سبعون ألفًا والقصة مشهورة في كتب التفاسير) (٤)، فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزي؛ بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات، ولو علم أولياء الأمور ما في ذلك من

стр. 844

فساد الدنيا والرعية قبل الدين؛ لكانوا أشد شيء منعًا لذلك» (١). وتأمل نتائج الاختلاط ووقائعه: أ- الحمل غير الشرعي: - نسبة الحبالى من تلميذات المدارس الثانوية في أمريكا بلغت في إحدى المدن ٤٨% (٢). - دلت الإحصاءات على أن (١٢٠) ألف طفل أنجبتهم فتيات بصورة غير شرعية، لا تزيد أعمارهن على العشرين، وأن كثيرًا منهن طالبات في الكليات والجامعات (٣). - أكدت نقابة القومية للمدرسين البريطانيين في -دراسة أجرتها- أن التعليم المختلط أدى إلى انتشار ظاهرة التلميذات الحوامل سفاحًا، وعمرهن أقل من ١٦ عامًا، كما تبين أن استخدام الفتيات الحبوب منع الحمل في المدارس يتزايد، كمحاولة للحد من هذه الظاهرة دون علاجها واستئصالها من جذورها (٤). ومن أبلغ ما كتب بهذا الصدد مقال لكاتب أمريكي نشره قبل أيام، في صدر إحدى المجلات الفكرية الكبرى، ويحذر فيه الغرب من عواقب ذلك التدهور الذي سيحول الدول الغربية إلى دوائر إغاثة، وإعاشة لضحايا الجنس، ويستهل مقاله بقوله: «إن إحصائيات عام ١٩٧٩ م تدق ناقوس الخطر … فعدد اللواتي يلدن سنويًّا من دون زواج شرعي وفي سن المراهقة لا يقل عن ستمائة ألف فتاة بينهن، لا أقل

стр. 845

من عشرة آلاف فتاة دون سن الرابعة عشرة من العمر … وإذا أضيف إلى ذلك عدد اللواتي يلدن بدون زواج بعد سن المراهقة فإن العدد الإجمالي يتجاوز المليون … ومعنى هذا أن الولايات المتحدة الأمريكية تستقبل مليون طفل سنويًّا من الزنى والسفاح» (١). ب- الاغتصاب: إن أكثر حوادث الاغتصاب تحدث في المدارس المختلطة حيث يترصد الذكور للإناث في دورات المياه، وهناك ملتقى النجاسات الحسية والمعنوية ولأجل ذلك أصدرت إحدى المدارس في نيويورك بلاغًا عممته على جميع المدرسات والطالبات، حذر من فيه من الذهاب إلى دورات المياه منفردات، وذلك بعد أن تعددت حوادث الاعتداء عليهن من قبل الطلاب الذكور في المدرسة، وعلى إثر ذلك قامت صيحات تنادي بفصل الإناث عن الذكور (٢). - نشرت مجلة الطب النفسي الأمريكية عن الاعتداء الجنسي خلال العمل أن ٤٢% من النساء العاملات يتعرضن له، وأن أقل من ٧? فقط من الحوادث يرفع إلى الجهات المسؤولة، وأن ٩٠? من المعتدى عليهن يتأثرن نفسيًّا، و ١٢? منهن يذهبن لطلب المعونة الطبية النفسية (٣). - أكدت دراسة أجريت في النمسا (عام ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م) أن ٣٠. ٥% من النساء أبلغن عن تعرضهن لتحرشات خطيرة غير أخلاقية. - كما بينت دراسة أجريت في ألمانيا (عام 1410 هـ - 1990 م) أن 6? من
следующие страницы →