ومثال الماضي معنى لا لفظا قول الشاعر:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو إساءة مجرم؟
فإن لم يكن فعل الشرط ماضيا بأن كان مضارعا لفظا ومعنى لم يصح -في الأرجح- حذف الجملة الجوابية١ إلا إن سد مسدها جملة أخرى بعدها٢ تدل عليها، ولا يستقيم المعنى بجعلها هي الجواب؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ، والأصل: وإن تجهر بالقول فإنه غني عن جهرك، فحذف الجواب الأصلي، وسد مسدة جملة: "فإنه يعلم السر"، وهي جملة بعده شغلت مكانه، ولا يستقيم المعنى على اعتبارها الجواب الحقيقي؛ لأن الجهر بالقول لا يترتب عليه أن الله يعلم السر؛ إذ الله يعلم السر دائما؛ سواء أوجد جهر بالقول أم لم يوجد٣. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ
стр. 2382
فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ، والأصل: وإن يكذبوك فلا تحزن، فقد كذبت رسل من قبلك١، ولا يصح أن تكون الجملة المذكورة هي الجواب؛ لأنها ليست مترتبة على ما قبلها. وكذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ فالجواب المحذوف تقديره: فليبادر للعمل الصالح.
والكوفيون لا يشترطون لحذف الجواب أن يكون فعل الشرط ماضيا، بل يجيزون أن يكون مضارعا، ولذا يقولون فيما سد مسده، إنه الجواب الحقيقي، وليس بالدليل، ولا بالساد مسد الجواب، مستدلين بأمثلة كثيرة تؤيدهم، كالآيتين السالفتين، وكقول الشاعر٢:
لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم ... ليعلم ربي أن بيتي واسع
فقد حذف جواب الشرط "إن" مع أن فعله مضارع؛ وهو: "تلك"، أما جملة "ليعلم X" فهي جواب القسم الذي تدل عليه اللام الداخلة على "إن"، ولا يصح -في الراجح- أن تكون هذه الجملة جوابا للشرط، لأنه متاخر هنا عن القسم، ولأن جوابه لا يكون مبدوءا باللام. وكذلك قول الشاعر:
يثني عليك، وأنت أهل ثنائه ... ولديك إن هو يستزدك مزيد
والأصل: إن يستزدك٣ -هو- يستزدك فلديك مزيد.
والأخذ برأي الكوفيين -وإن كان ليس بالأعلى هنا- أنسب وأيسر؛ بسبب الشواهد القوية الكثيرة التي تؤيدهم، وبسبب ما يراه أكثر المحققين، وهو: "أن جواب الشرط قد يكون غير مترتب على فعل الشرط" -كما أوضحناه من قبل٤.
ومتى اجتمع الشرطان الخاصان بالحذف صار الحذف غالبا، وقيل إنه واجب، والأول أنسب.
стр. 2383
هذا حكم الجملة الجوابية من ناحية حذفها حذفا غالبا، أو واجبا. أما حذفها جوازا فأشهر صوره اثنتان:
الأولى: أن تقع جملة الشرط جوابا لسؤال؛ نحو: أترشد الغريب؟ فتجيب إن رأيته، والتقدير: إن رأيته أرشده.
الثانية: إن تشعر الجملة الشرطية نفسها -دون سواها- بالجواب المحذوف؛ كقوله تعالى يخاطب الرسول في شأن المعارضين: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ، والتقدير: فإن استطعت ... فاعل.
٥- امتناع تكرار مدلولها إذا كان مدلول الجملة الشرطية يقتضي التكرار. إلا إن اقتضى العرف التكرار، أو قامت قرينة تدل عليه. ففي مثل: إن أسافر أركب طائرة لا يكون المراد أن ركوبي الطائرة يتكرر بتكرار السفر، وإنما المراد أن سفري سيقتض ركوبي الطائرة مرة واحدة. فإذا تكرار السفر فقد يكون في الطائرة أو في غيرها ... ، بخلاف قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ، فإن الجواب وهو: الأمر بغسل الوجوه والأيدي وغيرها مما يحتمه الوضوء يقتضي التكرار كل مرة، لدليل شرعي آخر؛ يوجب الوضوء قبل كل صلاة على من ليس متوضئا.
٦- جزم فعلها لفظا إن كان مضارعا، ومحلا إن كان ماضيا١؛ بشرط ألا تقترن به في الصورتين "الفاء" أو "إذا" الفجائية -وهما لمجرد الربط طبقا، لما سيأتي-٢ كقول الشاعر يصف الحساد:
إن يعلموا الخير يخفوه، وإن علموا ... شرا أذاعوا، وإن لم يعلموا كذبوا٣
فالمضارع: "يخفوا" مجزوم بحذف النون وواو الجماعة فاعل والماضي: "أذاع" مبني على الضم لمناسبة الواو في محل جزم. ومثله الماضي: "كذب" ولا محل
стр. 2384
للجملة الفعلية الماضوية فيما سبق؛ لأن الجازم قد عمل في محل الفعل الماضي؛ فلا يؤثر بعد هذا في محل الجملة١ المشتملة على هذا الفعل.
فإن كان الجواب مقترنا "بالفاء الرابطة، أو "إذا" الفجائية التي تحل محلها -أحيانا- فإن الجازم يؤثر في مجموع الجملة، لا في الفعل وحده، ولا في غيره من أجزائهاز فتأثيره مسلط عليها كلها مجتمعة متماسكة الأجزاء -ومن بين أجزائها: الفاء، وإذا الفجائية- فتصير الجملة كلها في محل جزم بأداة الشرط٢. ويظهر أثر هذا الإعراب المحلي في توابعها -كما سلف وكما سيجيء هنا. ولا يصح جزم الفعل.
٧- جواز اقترانه -لداع بلاغي- بكلمة: "إذا" الجوابية؛ لتفيده توكيدا وتقوية، بشرط أن تكون أداة الجزم، هي: "إن"؛ نحو: إن تنصر أهل البغي إذا يصبك بغيهم٣.
стр. 2385
٨- وجوب اقتران الجواب -في غير الضرورة-١ "بالفاء"، أو "إذا" الفجائية التي تخلفها في بعض المواضع الآيتة٢، إذا كان الجواب نوعا من الأنواع التي لا تصلح فعل شرط. وهذه "الفاء" زائدة للربط المحض الدال على
стр. 2386
التعليل؛ وليست للعطف ولا لغيره١، ولا تفيد معنى إلا عقد الصلة ومجرد الربط المعنوي بين جملة الجواب وجملة الشرط، كي لا تكون إحداهما مستقبلة بمعناها عن الأخرى بعد زوال الجزم الذي كان يربط بينهما. وتعرب "الفاء" و"إذا" الفجائية مع الجملة التي بعدهما في محل جزم جوابا للشرط، ولا يصح في الجملة الفعلية بعدهما أن يكون الفعل وحده هو الجواب، ولا أن يجزم -كما تقدم- وأشهر هذه الأنواع التي لا تصلح فعل شرط ما يأتي٢:
الأول: الجملة الطلبية. وتشمل الأمر، والنهي، والدعاء -ولو بصيغة الخبر- والاستفهام، وغيره من بقية أنواع الطلب التي سبقت٣. فمثال الأمر قولهم: إذا غضبت فاسكت لتأمن زلل اللسانز وقول الشاعر:
إن ملكت النفوس فابغ رضاها ... فلها ثورة، وفيها مضاء
ومثال النهي: من يستشرك فلا تكتم٤ عنه صادق المشورة، ومن يستنصحك فلا تحجب٤ عنه خالص النصح٥..
ومثال الدعاء: رب: إن أدعك لما يرضيك فاستجب، وإن أتجه لما يغضبك فلترشدني للسداد. رب، إن هفوت فلا تحرمني المغفرة، وإن ضللت فلا تتركني ضالا ... ونحو: إن يمت المجاهد فيرحمه الله، ... ٦.
стр. 2387
ومثال الاستفهام قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ١، ومثل: من تسنح له الفرصة فهل يتركها تفر؟ ومن تلوح له الآمال أفيقعد عن السعي وراءها؟
ومن الواجب أن تتقدم الفاء على أداة الاستفهام إن كانت الأداة غير الهمزة: "مثل: هل، أين، متى ... " فإن كانت الأداة هي الهمزة وجب تقديمها على الفاء، وقد سبقت الأمثلة.
ومثال التمني: العافية أغلى ما في الحياة، إن وهبها الله لإنسان فليته يرعى حقها. ومثل: الربيع شباب الزمان وجماله، إن يقبل فليت الناس يغتنمون إقباله، ويسارعون إلى التمتع بمباهجة ومفاتنه ...
وهكذا بقية أنواع الطلب..
الثاني: الجملة الفعلية التي فعلها جامد؛ نحو: من يطلق لسانه بذم الناس فليس له واق من ألسنتهم. وقول الشاعر:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس عن شيء سواه بخزان
الثالث: الجملة الفعلية المصدرة بالحرف: "قد"٢؛ نحو: من يحكم أمره فقد ضمن إصابة الهدف. ومن أساء الوسيلة فقد ضل السبيل إلى الغاية. وقول الشاعر:
فإن تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب
الرابع: الجملة الفعلية المصدرة بأحد حرفي التنفيس "وهما: السين، وسوف" نحو: من يحسن فسيجزى على الإحسان إحسانا. ومن يسيء فسيلقى على الإسارة شرا وخسرانا. ونحو:
إن يعدل الحاكم فسوف تستقيم له الأمور، وإن يظلم فسوف تنهار دعائم حكمه، وتدوم بعدها حسراته وآلامه.
الخامس: الجملة المصدرة بأحد أحرف النفي الثلاثة، وهي:
стр. 2388
"ما، لن، إن"١؛ نحو: من يقصر فيما ينتظر حسن الجزاء٢، ونحو قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ ، ونحو: من يستسلم للغضب فإن يلومن إلا نفسه على ما يصيبه. أي: فلا يلومن إلا نفسه١ ...
فإن كانت أداة الشرط هي: "إذا" والنافي هو: "إن" جاز مجيء الفاء وعدم مجيئها. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ . أي: ما يتخذونك٣ ...
السادس: الجملة المبدوءة بكلمة لها الصدارة؛ "مثل: رب، كأن٤، أداوت الشرط، أداة القسم عند كثير من النحاة" ... نحو:
إن كان عادكمو عيد فرب فتى ... بالشوق قد عاده من ذكركم حزن
ونحو قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ، وقولهم: من يأكل مال اليتيم فكأنه يأكل نارا. ومثل قوله تعالى يخاطب الرسول في أمر المعارضين: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ ، ومثل: متى تعتمد أمة على أسباب القوة فوالله يخافها أعداؤها.
стр. 2389
السابع: الجملة الاسمية كقول الشاعر:
إن يحسدوك على فضل خصصت به ... فكل منفرد بالفضل محسود
وقول الآخر:
ومن كان منحل العزائم تابعا ... هواه فإن الرشد منه بعيد
...............................١ ... ................................
وقد تغني "إذا" الفجائية٢ عن الفاء في الدخول على الجملة الاسمية بشرطين؛ أحدهما: متفق عليه، وهو أن تكون الجملة اسمية غير دالة على طلب، ولا مسبوقة بنفين ولا بناسخ؛ ومن الأمثلة:
"إن يحسدوك إذا كل منفرد بالفضل محسود ... " بخلاف: إن يطع الولد أبويه فويح له٣، وإن يعصهما فويل له٣. أو: إن يعصهما فما له حظ من التوفيق، أو: إن يعصهما فإن خسرانه مبين. فالفاء واجبة في هذه الأمثلة وأشباهها. ولا يصح: "إذا".
والآخر: غير متفق عليه، وهو أن تكون أداة الشرط "عن" دون غيرها من أخواتها الشرطية. فكثرة النحاة تشترطها. نحو: إن تخلص إذا الإخلاص
стр. 2390
ينفعك. وقلة النحاة لا تشترطها بعينها، وإنما تعجل مثلها "إذا" الشرطية؛ مستدلين بقوله تعالى في المطر: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ ١ ... والأحسن الأخذ برأي القلة؛ إذ تؤيدها الشواهد، ولا سيما بعض الآيات القرآنية، ولا داعي للتأويل.
هذا وقد اجتمع في البيت الآتي أكثر الأمور السابقة التي لا يصح فيها الجواب أن يكون شرطا، ويجب في كل منها اقتران الجواب بالفاء، أو بما قد يخلفها -والبيت هو:
اسمية، طلبية، وبجامد ... وبما، وقد، وبلن، وبالتنفيس
...................................٢ ... ....................................
٩- ورد في المسموع القليل اقتران جواب "إن الشرطية" باللام، على اعتبار "إن الشرطية" بمنزلة "لو"٣.... ومنه قول الشاعر٤:
فإن يجزع عليه بنو أبيه ... لقد خدعوا. وفاتهمو قليل ...
وقول أبي بكر ﵁ في خطبة له٥: "يا معشر الأنصار إن شئتم أن
стр. 2391
تقولوا إنا آويناكم في ظلالنا، وشاطرناكم في أموالنا، ونصرناكم بأنفسنا لقلتم"١. وتفصيل الكلام على هذين المثالين وحكم نظائرهما من كلام المحديثين موضح فيما سبق.
وقد يقترن جواب "إن" و "لو" الشرطيتين بكلمة: "إذا، الجوابية" طبقا للبيان الذي سلف٢.
إلى هنا انتهت الأحكام الخاصة بالجملة الجوابية، وستجيء٣ أحكام عامة تتصل بها وبالجملة الشرطية.
стр. 2392
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيادة وتفصيل:
أ- أيجوز الجمع بين "الفاء وإذا" السالفتين؟ صرح أكثر النحاة بأنه لا يجوز، وتألوا قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ، فقالوا إن "إذا" لمجرد التأكيد هنا، وليست للربط، والممنوع أن تكون للربط عوضا عن الفاء، إذ لا يصح الجمع بين العوض والمعوض عنه. وهذا تأويل بادي الضعف عندي؛ لأن المهم الذي يراد معرفته هو الجمع بين هذين الحرفين أحيانا؛ أصحيح هو -على قلته- سائغ الاستعمالن أم غير صحيح وغير سائغ؟ والقرآن قد جمع بينهما؛ فلم يبق مجال لمنع الجمع، وإن كان قليلا نسبيا. أما التعليل بالتأكيد أو بالربط فأمر لا أهمية له بعد الحكم بصحة الاستعمال؛ محاكاة للقرآن الكريم؛ إذ لا شك أن محاكاته جائزة بالصورة والمعنى الواردين به؛ وإن كان أحد الاستعمالين أكثر فيه من الآخر، بل هي اختيار موفق لأسمى الأساليب التي تحاكي.
على أنه قد جاء في تفسير النسفي النص الصريح على أن "الفاء" قد اجتمعت هنا مع "إذا لتأكيد الربط.
ب- هل يصح -أحيانا- الاستغناء عن هذه الفاء الرابطة، وعما يخلفها بعد حذفها؛ هو: "إذا، الفجائية"؟
أجابوا: لا يصح الاستغناء إلا في الضرورة الشعرية؛ كقول القائل:
من يفعل الحسنات الله يشكرها١ ... والشر بالشر عند الناس مثلا
وقول الآخر:
ومن لم يزل ينقاد للغي والصبا ... سيلفى على طول السلامة نادما
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن الخلاف شكلي محض. إذ مؤداه في الرأيين التأويل بالحذف، وإن اختلفا في نوع المحذوف. والتمحل ظاهر في تأويل الآية الأولى، وفي الحكم على الحديث بالندرة، لوجود شواهد أخرى فصيحة نثرية -لا تخضع للضرورة- وغير نثرية. فالأفضل أن يقال: إن الأعم الأغلب هو عدم حذف "الفاء" و "إذا" التي قد تنوب عنها، وأنه يصح -مع القلة النسبية، لا الذاتية- الاستغناء عنهما منفردين ومجتمعين، إن كانت أداة الشرط هي: "إن"١ ...
ويقول أبو حيان وفريق من النحاة إن "إذا" الشرطية قد تنفرد بخلو جوابها منهما إذا كان الجواب منفيا بإن، أو: ما، أو: لا. وجعل منه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ -كما سبقت الإشارة لهذا٢.
ج- هل يصح أن يقترن الجواب بالفاء في غير تلك المواضع التي لا يصلح فيها أن يكون فعل شرط؟
أجابوا:
١- إن كان فعل الجواب مضارعا يصلح فعلا للشرط جاز: إما تجرده من "الفاء" مع وجوب جزمه، وإما اقترانه "بالفاء"٣؛ بشرط أن يكون مثبتا أو منفيا ب"لا"، قيل: أو "لم" أيضا، "ففي "لم" خلاف"، ومتى اقترنت "الفاء" به وجب رفعه على اعتباره خبر مبتدأ محذوف، والجملة الاسمية جواب الشرط. ولا يصح أن يكون المضارع المرفوع وحده هو الجواب: إذ لو كان الواب لوجب جزمه، والحكم بزيادة الفاء زيادة مطلقة، يراعى فيها تقدير سقوطها. لكن العرب التزمت رفعه معها؛ فدل هذا على أصالة الفاء، وأنها داخلة على مبتدأ مقدر، وليست زائدة للربط. ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ ، أي: فهو لا يخاف..
стр. 2395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن لم يوجد في الكلام ما يعود عليه المبتدأ الضمير كان الضمير للشأن أو للقصة، كقراءة من قرأ قوله تعالى في حكمة شهادة المرأتين: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ بكسر همزة: "إن" ورفع المضارع: "تذكر". والتقدير: فهي -أي: القصة- تذكر، ونحو: إن قام المسافر فيتبعه صديقه. أي: فهو -الحال والشأن- يتبعه صديقه "وفي هذه القراءة نوع تكلف لا داعي له".
ومن أمثلة عدم اقترانه "بالفاء" مع نفيه بالحرف "لا" ووجوب جزمه باعتبار هذا المضارع وحده جوابا للشرط مباشرة - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ فالمضارع: "تحصوا" هو جواب الشرط مجزوم بحذف النون.
٢- إن كان فعل الجواب ماضيا متصرفا، مجردا من "قد" و"ما" ... وغيرهما مما يتصل به ويوجب اقترانه بالفاء -طبقا لما تقدم- فله ثلاثة أضرب: فإن كان ماضيا لفظا ومعنى فالواجب اقترانه بالفاء على تقدير: "قد" قبله إن لم تكن ظاهرة؛ لتقربه من الحال القريب من الاستقبال؛ كقوله تعالى في سورة يوسف: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ ١ أي فقد صدقت.
وإن كان ماضيا في لفظه مستقبلا في معناه، غير مقصود به وعد أو وعيد -امتنع اقترانه بالفاء: نحو إن قام المسافر قام زميله.
وإن قصد بالماضي الذي معناه المستقبل، وعد أو وعيد، جاز اقترانه بالفاء على تقدير: "قد"؛ إجراء له مجرى الماضي لفظا ومعنى للمبالغة في تحقق وقوعه، وأنه بمنزلة ما وقع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ وجاز عدم اقترانه مراعاة للواقع وأنه مستقبل في حقيقته وليس ماضيا. ويندرج تحت الوعد والوعيد ما كان غير صريح في أحدهما ولكنه ملحوظ في الكلام، مراد
стр. 2396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
منه؛ فيدخل الدعاء بنوعيه "الخير والشر" فمن الدعاء بالخير قول الشاعر:
وإذا ارتحلت فشيعتك سلامة ... حيث اتجهت، وديمة مدرار
ومن الدعاء بالشر ... قول جميل يخاطب غرب البين، داعيا عليه:
فإن كان حقا ما تقول فأصبحت ... همومك شتى، والجناح كسير
ودرت بأعداء حبيبك فيهمو ... كما قد تراني بالحبيب أدور
ويدخل التخويف وبيان العواقب؛ كالذي في قول النابغة الجعدي:
الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما
أي: فظلم نفسه.
د- قد ينزل بعض الظروف منزلة الشرط فيكون مضافا لجملة بعده مباشرة، ومنصوبا لعامل في الكلام المتأخر عنها، المترتب عليها؛ كأنه جواب لها، معلق عليها؛ كتعليق الجملة الجوابية على الشرطية، ومن الأمثلة لذلك قوله تعالى في موقف الكفار من القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ ، وقد سبق١ تفصيل هذه المسألة، وبيان صورها المختلفة.
هـ- بمناسبة الكلام على جواب الشرط وجزمه نذكر ما يجيزه الكوفيون من جواز جزم المضارع الواقع -مباشرة- في جملة بعد جملة الصلة٢، أو في جملة بعد الجملة الواقعة صفة لنكرة٣، بشرط أن تكون الجملة المشتملة على المضارع المراد جزمه بمنزلة الجواب والجزاء لجملة الصلة، أو الصفة. ففي مثل: الذي يكرمني أكرمه -وكل رجل يقول الحق أحترمه- يجيزون جزم المضارعين: "أكرم"؛
стр. 2397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و"أحترم" لأن جملة كل منهما -على اعتبار الجملتين بمنزلة جوابين للصلة والصفة- شبيهة بجملة الجواب للأداة الشرطية؛ كلتاهما مترتبة على الجملة التي قبلها. فلا مانع عندهم من جزم المضارع هنا كجزمه هناك.
وهذا قياس مرفوض؛ فالحجة القوية هي: "السماع عن العرب". وما عرضه الكوفيون من أمثلة قليلة. غير صالح لتأييد دعواهم، فيحسن الاقتصار على المسموع القليل، دون القياس عليه، وإنما سجلنا رأيهم هنا لنعرف به ذلك الوارد المسموع دون الموافقة على محاكاته.
стр. 2398
أحكام عامة تختص بجملتي الشرط والجواب معا:
١- ما يختص بهما من ناحية نوعهما، وكيفية إعراب فعلهما:
جملة الشرط لا بد أن تكون فعلية، وفعلها وحده هو فعل الشرط -كما عرفنا؛ سواء أكانت ماضوية أم مضارعية. فلها من هذه الناحية صورتان، أما جملة الجواب فقد تكون فعلية -ماضوية١ أو مضارعية- وقد تكون اسمية بشرط اقترانها بالفاء، أو ما يخلفها، طبقات لما سبق٢.
والصور السالفة كلها صحيحة، قياسية. ولكنها -مع صحتها- مختلفة الدرجة في قوة الفصاحة والسمو البلاغيح فبعضها أقوى وأسمى من الآخر؛ تبعا لنصيبه من كثرة الاستعمال الوارد في الأساليب العالية المأثورة. وقد يختلف هذا الوارد في ضبط المضارع وإعرابه.
هذا، ويلاحظ: أن الماضي في الجملتين قد يكون ماضيا لفظا ومعنى؛ بحسب أصله قبل مجيء أداة الشرط الجازمة، فإذا جاءت جعلته ماضيا لفظا، لا معنى، لأنها تجعل زمنه مستقبلا١؛ فيظل ماضيا بلفظه وصورته، دون زمنه الذي تغير فصار بسببها مستقبلا.
كما يلاحظ أن المضارع في الجملتين قد يكون مضارعا لفظا ومعنى بحسب أصله، فإذا دخلت عليه: "لم" الجازمة تركته مضارعا لفظا لا معنى؛ لأنها تجعل زمنه ماضيا؛ فيظل مضارعا بلفظه وصورته، دون زمنه الذي تغير وصار زمنا ماضيا. وإذا سبقتهما معا أداة شرط جازمة خلصت زمنه للمستقبل المحض، بالرغم من وجود: "لم" ذلك أن أداة الشرط الجازمة لا بد أن تخلص زمن الفعل في الجملة الشرطية، وفي الجملة الجوابية للمستقبل٣ الحض؛ سواء أكان هذا الفعل مضارعا أصيلا، أم كان ماضيا أصيلا "أي: ماضيا لفظا ومعنى" أم ماضيا معنى فقط دون لفظ كالمضارع المسبوق بالحرف "لم" فإن صورته صورة المضارع، ولكن
стр. 2399
زمنه ماض، بسبب "لم" فهذه الأفعال تتجرد للزمن المستقبل وحده؛ بسبب أداة الشرط الجازمة وفيما يلي ترتيب درجاتها.
الأولى: أن يكون الفعلان مضارعين أصيلين مجزومين، لفظا١ بأداة الشرط لأن أحدهما فعل الشرط، والثاني هو فعل الجواب المباشر٢؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ ٣ وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ .
الثانية: أن يكون الفعلان ماضيين لفظا؛ فيبنيان لفظا ويجزما محلا - أي: أن كلا منهما مبني في لفظه؛ "كالشأن في الأفعال الماضية كلها" ولكنه في محل جزم؛ لأنه فعل الشرط، أو فعل الجواب، والأصل في فعلي الشرط والجواب أن يكونا مضارعين مجزومين لفظا؛ فكذلك يجزم ما يحل محلهما. ولما كان الماضي لا يجزم لفظا وجب جزمه محلا٤. ومن الأمثلة: من أسرف في الأمل، قصر في العمل، وقول الشاعر:
ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل
وقول الآخر:
إن اللئام إذا أذللتهم صلحوا ... على الهوان، وإن أكرمتهم فسدوا
стр. 2400
ويدخل١ في هذه الدرجة: الماضي معنى دون لفظ -وهو المضارع المسبوق بالحرف "لم"؛ نحو: إن لم تتأهب للأعداء لم تتغلب عليهم -من لم يهيئ للغاية وسائلها عوقب بالخيبة في إدراكها- من قصر في الوسيلة لم يفز بتحقيق الأمل وقد سبق٢ الكلام على إعراب المضارع المسبوق "بلم".
الثالثة: أن يكون فعل الشرط ماضيا -ولو معنى- وفعل الجواب مضارعا أصيلا كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ . فالماضي مبني في محل جزم، والمضارع المجرد مجزوم مباشرة. ومثل؛ من لم يغتنم الفرصة يعاقب بالحرمان، ويجوز رفع المضارع، وهذا حسنن ولكن الجزم أحسن٣ ...
الرابعة: أن يكون فعل الشرط مضارعا أصيلا مجزوما، وفعل الجواب ماضيا -ولو معنى- وهذه الصورة أضعف الصور؛ حتى خصها بعض النحاة بالضرورة الشعرية، ولكن الصحيح أنها ليست مقصورة على الشعر، وإنما تجوز في النثر مع قلتها. ومن أمثلتها نثرا قول النبي ﷺ : "من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له". وقول عائشة عن أبيها وهي تحدث الرسول ﷺ : "إن أبا بكر رجل أسيف٤؛ متى يقم مقامك٥ رق". ومن أمثلتها شعرا قول القائل يمدح ناصره:
من يكدني٦ بسيئ كنت منه ... كالشجا بين حلقه والوريد
وقول الآخر في أعدائه:
إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحا ... مني، وما يسمعوا من صالح دفنوا ... ٧
стр. 2401
٢- ما يختص بهما من ناحية رفع المضارع في الجواب وجزمه:
الأصل أن يكون المضارع في الجواب مجزوما. لكن يصح جزمه ورفعه إن كان فعل الشرط ماضيا لفظا ومعنى، أو معنى فقط؛ كالمضارع المجزوم بلم، فكلا الضبطين حسن، ولكن الجزم أحسن -كما أشرنا-١ وقد سبقت أمثلة الجزم. ومن أمثلة الرفع قول الشاعر يمدح:
وإن أتاه خليل يوم مسغبة ... يقول: لا غائب مالي، ولا حرم٢
وقول المتغزل:
إن رأتني تميل عني كأن لم ... يك بيني وبينها أشياء
وقولهم: من لم يتعود الصبر تودي٣ به العوادي.
فإن كان فعلا الشرط والجزاء مضارعين لفظا ومعنى وجب جزمهما إلا على رأي ضعيف يجيز رفع المضارع الوقاع جوابا في النثر وفي الظلم؛ مستدلا بقراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ برفع المضارع "يدرك"، ويقول الشاعر:
يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع
وقول الآخر يخاطب جمله:
فقلت: تحمل فوق طوقك إنها ... مطبعة، من يأتها لا يضيرها٤
والأفضل إهمال هذا الرأي قدر الاستطاعة، منعا للخلط واللبس، ولأن ذلك الاستدلال واه؛ فرواية القراءة المذكورة موضع شك، وبقية الأمثلة قليلة، فوق أنها مقصورة على الشعر؛ ولذا قال بعض النحاة: إنه لا يصح الرفع مطلقا إلا في الضرورة الشعرية.
стр. 2402
لكن كيف نعرب المضارع المرفوع في جملة الجواب كالحالتين السالفتين؟
أ- الخبر: أن نواجه الحقيقة والأمر الواقع؛ فنقول عند وقوعه مرفوعا في الشعر وليس له معمول متقدم على الأداة: إنه جواب الشرط، مرفوع للضرورة أو على لغة ضعيفة. وعند وقوعه في النثر: إنه مرفوع، محاكاة لتلك اللغة الضعيفة، ولا داعي للتأويل المرهق، والتقدير، وافتراض الحذف، أو التقديم، أو التأخير ... ، رغبة في الوصول إلى وسيلة تخرجه من نطاق جواب الشرط المرفوع بضعف، إلى نطاق شيء آخر يبيح بغير ضعف؛ وبغير أن يكون جواب شرط. وفي هذا ما فيه من التكلف الذي لا يطابق الواقع. فوق ما يوجه إليه من اعتراضات أخرى١.
стр. 2403
ب- فإن كان له معمول متقدم على الأداة فأكثر النحاة يميل إلى رفع المضارع، وفي هذه بالصورة يكون المضارع دليل الجواب وليس جواب حقيقيا؛ نحو طعامنا إن تزرنا تأكل، فطعام -بالنصب- مفعول مقدم للمضارع: "تأكل" الذي يعتبر دليل الجواب المحذوف، ولا يصح أن يكون جوابا حقيقيا، لأن الجواب الحقيقي لا يتقدم هو ولا شيء من معمولاته على الجملة الشرطة، ولا على الأداة كما سلف١.
أما لو جعلنا كلمة "طعام" مرفوعة على اعتبارها مبتدأ فالأحسن الأخذ بالرأي الأقوى الذي استخلصناه من عدة آراء، وشرحناه ... ٢..
стр. 2404
٣- ما يختص بهما من ناحية عطف مضارع على أحدهما:
أ- إذا وقع بعد جملة الجواب -ولو كانت اسمية؛ لأنها في محل جزم- مضارع مقرون بالواو أو الفاء، جاز فيه ثلاثة أوجه إعرابية؛ يختار منها المتكلم والمعرب ما يناسب السياق، ويساير معنى التركيب١.
أولها: اعتبار "الواو" و"الفاء" حرفي استئناف؛ فالجملة بعدهما استئنافية مستقلة في إعرابها عما قبلها، والمضارع فيها مرفوع - إن كان مجردا من ناصب وجازم، ومن نوني التوكيد - ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ، برفع المضارع، "يغفر" بعد فاء الاستئناف، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ، برفع المضارع: "يذر" بعد واو الاستئناف، وقول الشاعر يمدح:
فإن يهلك أبو قابوس٢ يهلك ... ربيع الناس والبلد الحرام
ونأخذ بعده بذناب٣ عيش ... أجب٤ الظهر، ليس له سنام
برفع المضارع: "نأخذ" بعد واو الاستئناف.
ثانيها: اعتبار الفاء للسببية والواو للمعية -وهما عاطفان أيضا مع السببية والمعية- والمضارع بعدهما منصوب "بأن" مضمرة وجوبا "بالتفصيل الذي سبق إيضاحه عند الكلام على فاء السببية، واو المعية"٥. كالأمثلة التي سبقت في الوجه الأول، ولكن بعد نصب الأفعال المضارعة: يغفر -يذر- نأخذ.
стр. 2405
ثالثها: اعتبارها حرفي عطف مجردين له -فلا يفيدان سببية ولا معية- والمضارع بعدهما مجزوم؛ لأنه معطوف على جواب الشرطح فإن كان جواب الشرط مضارعا مجزوما مباشرة، فالمضارع المعطوف مجزوم مثله، وإن كان فعل الجواب ماضيا فهو مجزوم محلا، والمضارع المعطوف مجزوم لفظا، مراعاة لمحل المعطوف عليه. وكذلك إن كان الجواب جملة اسمية أو فعلية: فإنها تكون في محل جزم، والمضارع المعطوف عليها مجزوم لفظا تبعا لمحلها. كالأمثلة التي سبقت في الوجه الأول، ولكن بعد جزم الأفعال المضارعة: يغفر -يذر- نأخ، وكقول الشاعر:
ومن يتتبع -جاهدا- كل عثرة ... يجدها؛ ولا يسلم له -الدهر- صاحب
والكوفيون يجعلون "ثم" كالواو في الأوجه الثلاثة السالفة١؛ فكلاهما إما للاستئناف، وإما للعطف الخالص، وإما للعطف مع المعية ...
ب- وإذا وقع المضارع المسبوق بأحد الأحرف السالفة بعد الجملة الشرطية مباشرة، متوسطا بينها وبين الجملة الجوابية، فأكثر النحاة يجيز فيها وجهين؛ يختار منهما المتكلم والمعرب ما يناسب السياق.
أحدهما: اعتبار هذه الأحرف للعطف المجرد، والمضارع بعدها مجزوم؛ لأنه معطوف بها على فعل الشرط المجزوم لفظا أو محلا؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ، ومثل؛ من يتكلم فيسرف
стр. 2406
يكن عرضه للزلل.... أو: ويسرف، أو: ثم يسرف. ومثل: من تكلم فيكثر -أو: يكثر، أو: ثم يكثر كان عرضه للزلل.. بجزم الأفعال المضارعة: "يصبر، يسرف، يكثر ... " لأنها معطوفة، والمعطوف عليه مجزوم لفظا أو محلا؛ فهي تابعة له في الجزم فتجزم لفظا.
والآخر؛ النصب على اعتبار الفاء للسببية مع العطف، والواو للمعية مع العطف. وثم -عند الكوفيين- للعطف مع المعية، والمضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد الثلاثة. ومن الأمثلة نصب الأفعال المضارعة السابقة كلها. وكذا نصب المضارعك "يخضع" في قول الشاعر:
ومن يقترب منا ويخضع نؤوه ... فلا يخش ظلما ما أقام ولا هضما
أما الاستئناف فمنعه أكثر النحاة؛ بحجة أنه لا يصح الاستئناف قبل أن تستوفي أداة الشرط جملتيها "الشرطية والجوابية معا"؛ كي يتم المعنى المرتبط بأداة الشرط. ووضع الجملة الاستئنافية بين جملتي الشرط والجواب إنما هو إقحام لجملة أجنبية بين جملتين متلازمتين في المعنى.
ويرى المحققون: أن رفع المضارع المتوسط بين جملتي الشرط والجواب جائز بعد حرف مما سبق. وحجتهم أنه لا مانع من اعتبار تلك الجملة الأجنبية جملة استئنافية معترضة، وليست للاستئناف المحض. ورأيهم صحيح١، ولا ضرر في الأخذ به إن اقتضاه المعنى.
وعلى هذا يجوز في المضارع المسبوق بأحد أحرف العطف السابقة والذي تتوسط جملته بين جملتي الشرط والجواب -الأوجه الثلاثة؛ وهي الرفع على اعتبار الجملة استئنافية اعتراضية، والجزم بالعطف على فعل الشرط المجزوم لفظا أو محلا، والنصب على اعتبار "الواو"، و"ثم" للعطف مع المعية، و"الفاء"
стр. 2407
للعطف مع السببية، وأن المضارع منصوب بأن مضمرة. وجوبا بعد الثلاثة، وبهذا يكون حكمه واحدا بعد الأحرف السالفة، لا يختلف باختلاف وقوعه بعد الجملة الجوابية، أو توسطه بينهما وبين الجملة الشرطية١ ...
"ملحوظة": إذا توسط المضارع بين جلمتي الشرط والجواب، ولم يسبقه أحد أحرف العطف السالفة أعرب "بدلا"، إن كان مجزوما، وأعربت جملته "حالا" -في الغالب- إن كان مرفوعا. فمثال الأول:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا، ونارا تأججا
والثاني:
متى تأته تعشو٢ إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
٤- ما يخص بهما من ناحية حذفهما معا:
يصح حذف الجملتين معا -في النثر والنظم- بشرط أن تقوم قرينة تدل عليهما. والأغلب عند حذفهما أن تكون أداة الشرط هي: "إن"، مثل قول الشاعر وهو يودع أحبابه:
نودعكم، ونودعكم قلوبا ... لعل الله يجمنا. وإلا..
يريد: وإلا يجمعنا هلكنا، أو شقينا.. أو نحو ذلك مما يساير المعنى الناشيء من الجملتين المحذوفتين. ومثل قول الآخر في فتيات ينصحن أخرى اسمها: سلمى -برفض الزواج من رجل فقير معدم:
стр. 2408
قالت بنات العم: يا سلمى وإنن١ ... كان فقيرا معدما؟ قالت: وإنن١
التقدير: يا سلمى: أتتزوجينه وإن كان فقيرا معدما؟ قالت: وإنن، أي: وإن كان فقيرا معدما أتزوجه..
ومن أمثلة حذفها بعد أداة غير "إن" قوله ﵇: "من فعل فقد أحسنن ومن لا فلا". التقدير: ومن لا يفعل فلا حسن منه. وكذا قول العرب: من يسلم عليك فسلم عليه، ومن لا فلان أي: ومن لا يسلم عليك فلا تسلم عليه، وقول الشاعر:
فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادفه أينما ...
أي: أينما يذهب تصادفه٢ ...
أما حذف فعل الشرط وحده، أو الجملة الشرطية كلها دون الجوابية فقد سبق٣. وكذلك سبق٤ الكلام على حذف الجملة الجوابية وحدها.
стр. 2409
المسألة ١٥٨:
اجتماع الشرط والقسم، وحذف جواب أحدهما:
تمهيد -جواب الشرط، وجواب القسم:
كل واحد من الشرط والقسم يستدعي جوابا خاصا به، يتميز بعلامة أو أكثر ينفرد بها دون الآخر. فجواب الشرط الجازم لا بد أن يكون مجزوما، إما لفظا؛ لأنه "فعل" مضارع، وإما محلا لأنه فعل ماض، أو لأنه من النوع الذي يجب اقترانه "بالفاء" أو "بإذا" الفجائية، وقد سبق بيان هذا كله، وتفصيله١.
أما جواب القسم فيختلف باختلاف نوعي٢ القسم؛ وهما: "الاستعطافي" و "غير الاستعطافي". فإن كان القسم استعطافيا "وهو جملة طلبية يراد بها توكيد معنى جملة طلبية أخرى مشتملة على ما يثير الشعور والعاطفة، وتعتبر جواب القسم" فلا بد أن يكون جوابه جملة طلبية؛ كقول الشاعر:
بعيشك يا سلمى ارحمي ذا صبابة ...
وقول الآخر:
بربك هل نصرت الحق يوما ... وذقت حلاوة النصر المبين؟
فالقسم هو: "بعيشك، وبربك". وكلاهما مع متعلقه -المحذوف هنا- جملة طلبية، نراها في المثال الأول تؤكد بعدها الجملة الطلبية التي تشتمل على ما يحرك الوجدان، وهي: "ارحمي". ونراها في المثال الثاني تؤكد الجملة الطلبية التي تليها، والتي تشتمل كذلك على ما يحرك الوجدان؛ وهي: "هل نصرت".
стр. 2410
لا يكون جواب هذا النوع من القسم الاستعطافي إلا جملة إنشائية.
وإن كان القسم غير استعطافي "وهو ما جيء به لتوكيد معنى جملة خبرية، وتقوية المراد منها١" فلا بد له من جواب يكون جملة خبرية تختلف صورتها على النحو الذي سبق تفصيله في مكان أنسب٢. وملخصه:
١- إن كان الجملة الجوابية مضارعية مثبتة أكدت٣ اللام٤ والنون معا؛ نحو: والله لأبذلن جهدي في مساعدة المحتاج. ومن القليل الجائز الاقتصار على أحدهما، بالرغم مما يؤدي إليه هذا الاقتصار من نقص في درجة السمو البلاغي، وقوة الأسلوب.
وتسمى هذه اللام المفتوحة: "لام جواب القسم" أو: "اللام الداخلة على جواب القسم". وهي غير لام الابتداء، والفرق بينهما كبير، سبق إيضاحه٥.
٢- إن كانت الجملة الجوابية ماضوية مثبتة وماضيها متصرف، فالغالب تصديرها "باللام" الجوابية، و"قد" معا؛ نحو: والله لقد فاز أهل المروءة والكرامة. ويجوز -بقلة- الاقتصار على أحدهما، أو التجرد منهما. مع ما في هذا الاقتصار من إهمال الكثير الفصيح.
فإن كان فعلها جامدا، غير "ليس" فالأكثر تصديرها باللام فقط، نحو: والله لعسى التوفيق يصحب المخلص أو: والله لنعم المخلص. فإن كان الماضي الجامد "ليس" لم يقترن بشيء؛ نحو والله ليس طول العمر بالسنوات، ولكن بجلائل الأعمال.
٣- إن كانت الجملة فعلية منفية بالحرف: "ما"، أو: "لا"، أو: "إن" وجب تجريدها من اللام، سواء أكانت ماضوية أم مضارعية؛ نحو: والله
стр. 2411
ما يحتمل العزيز الضيم، والله لا يحجب ثوب الرياء ما تحته، بالله إن تحيا الأمة وأفرادها حياة العزة والقوة إلا بكرائم الأخلاق.
ومثل: والله ما احتمل عزيز ضيما والله لا حجب١ ثوب الرياء ما تحته، ولا دفع١ عن صاحبه السوء، والله إن أوجد الكون العجيب إلا الله، وإن أمسك السموات والأرض وما فيهما إلا المولى جل شأنه.
ومن الشاذ الذي لا يقاس عليه أن يكون جواب القسم جملة منفية مصدرة باللام٢، أو: أن تكون أداة النفي فيها "لم" ومثلها: "لن" أيضا عند فريق من النحاة٣.
ومما تجب ملاحظته أن أداة النفي في جواب القسم قد تكون محذوفة، ولكنها ملحوظة يدل عليها دليل؛ كقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ ، أي: لا تفتأ٤ ...
٤- إن كانت الجملة الجوابية اسمية مثبتة فالأغلب تأكيدها "باللام" و"إن" معا، ويصح الاكتفاء بأحدهما، ولكن الأول أبلغ، نحو: "تالله إن الخداع لممقوت، وإن صاحبه لشقي" -"تالله إن الخداع ممقوت، وإن صاحبه شقي- تالله للخداع ممقوت. ولصاحبه شقي". ومن أمثلة الاقتصار على أحدهما قول الشاعر:
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني ... إلى الجهل٥ في بعض الأحايين أحوج٦
стр. 2412
ومن النادر تجردها منهما إن لم يطل١ الكلام بعد القسم؛ كقول أبي بكر في نزاع بينه وبين عمر ﵄، "والله أنا كنت أظلم منه". فإن استطال الكلام بعد القسم حسن التجرد؛ كقول ابن مسعود: "والله الذي لا إله غيره، هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة". وقول الشاعر:
ورب السموات العلا وبروجها ... وأرض وما فيها المقدر كائن
ولا يصح اقتران الجملة الجوابية بالحرف: "إن" إذا كانت مصدرة بحرف ناسخ من أخوات
"إن"؛ كقول بعضهم في مدح رجل: والله لكأن القلوب والألسن ريضت له؛ فما تعقد إل على وده، ولا تنطق إلا بحمده.
فإن كانت الجملة الاسمية منفية فحكمها حكم الجملة الفعلية المنفية "بما"، أو "لا"، أو "إن" من وجوب تجريدها من اللام والاقتصار في نفسها على أحد هذه الحروف الثلاثة دون غيرها -كما سبق.
من كل ما سبق يتبين أن الجواب المنفي -في جميع أحواله- لا يتطلب زيادة شيء إلا أداة النفي قبله، مع اشتراط أن تكون إحدى الأدوات الثلاث السالفة؛ سواء أكان الجواب جملة فعلية أم اسمية.
والآن نعود إلى الكلام على اجتماع الشرط والقسم والاستغناء بجواب أحدهما عن الآخر.
أ- إذا اجتمع شرط غير امتناعي٢، وقسم فالأصل أن يكون لكل منهما جواب، غير أن جواب أحدهما قد يحذف اكتفاء بجواب الآخر الذي يغني عنه، ويدل عليه. ولهذا الحذف صور منها:
١- أن يجتمع الشرط غير الامتناعي والقسم مع تأخر الشرط، وعدم وجود شيء قبلهما يحتاج إلى خبر٣، وفي هذه الصورة يحذف -في الأرجح- جواب المتأخر منهما -وهو الشرط- نحو: والله من يراقب ربه في عمله لا يخاف
стр. 2413
شيئا. فالمضارع "يخاف" مرفوع؛ لأنه في جملة جوابية للقسم المتقدم، وليس جوابا للشرط المتأخر، المحذوف الجواب. إذ لو كان هو الجواب لتحتم جزمه١، فقيل: يخف. ومثله قول الشاعر:
لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالكا
فالجملة الفعلية: "سرني" جواب للقسم الذي تدل عليه "اللام" الأولى لتصدير هذه الجملة "باللام وقد" معا، وليست جوابا للشرط المتأخر عن "لام" القسم؛ لأن الشرط لا يكون جوابه مقترنا "باللام وقد". فجوابه هنا محذوف. كحذفه في البيت السالف، وهو:
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
فالجملة الاسمية المصدرة بالحرف الناسخ "إن" هي جواب للقسم، إلا للشرط؛ إذ لو كانت جوابا للشرط لاقترنت بالفاء.
أما عندهم تقدم الشرط فالأرجح أن يكون الجواب له وجواب القسم محذوف؛ فنقول: من يراقب ربه والله يخشه الناس. وقول أحدهم: إن يكن والله لي نصف وجه ونصف لسان - على ما بهما من قبح منظر، وسوء مخبر -يكن هذا احب من أن أكون ذا وجهين.
ومن وصفناه بأنه الأرجح في الحالتين يراه كثير من النحاة واجبا لا يصح مخالفته٢ ...
стр. 2414
ويستثنى مما سبق أن يتأخر القسم وقبله الفاء الداخلة عليه مباشرة، فإن الجواب يكون له برغم تأخره عن الشرط؛ فنقول في المثال السالف: من يراقب ربه في عمله فوالله يخشاه الناس. فالمضارع "يخشاه" مرفوع، وهو مع فاعله جملة لا محل لها من الإعراب جواب القسم وجملة القسم في محل جزم جواب الشرط.
٢- إن اجتمع الشرط غير الامتناعي، وسبقهما ما يحتاج إلى خبر، فالأرجح أن يكون الجواب للشرط مطلقا، سواء أكان متقدما على القسم أم متأخرا؛ نحو: القوانين والله من يحترمها تحرسه. أو: القوانين من يحترمها والله تحرسه؛ بجزم المضارع: "تحرس" في الصورتين، لأنه جواب للشرط، وجواب القسم محذوف فيهما.
أما غير الأرجح في كل ما تقدم "من ١، ٢ ما عدا القسم المقرون بالفاء" فيعتبر الجواب للشرط غير الامتناعي في كل الحالات، سواء أكان متقدما على القسم أم متأخرا، وسواء أكان قبلهما ما يحتاج إلى خبر أم لم يكن. ومن الأمثلة:
لئن منيت بنا عن غب معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل١
وقول الآخر:
لئن كان ما حدثته اليوم صادقا ... أصم٢ في نهار القيظ للشمس باديا
فالمضارعان: "تلف" و"أصم" مجزومان مباشرة في جواب "إن" الشرطية، برغم تأخرها وتقدم لام القسم عليها٣ ... ومن الأمثلة أيضا قول الشاعر:
أما والذي لو شاء لم يخلق النوى ... لئن غبت عن عيني فما غبت عن قلبي
стр. 2415
لأن وجود الفاء في الجواب دليل على أنه للشرط؛ إذ جواب القسم لا تدخله الفاء. ومثله قولهم١: لئن أمهل الله الظالم فلن يفوت أخذه، وهو له بالمرصاد.
ومما سبق نستخلص أن اجتماع الشرط غير الامتناعي والقسم يقتضي الاكتفاء بجواب واحد يكون -على الأرجح- للسابق منهما. أما المتأخر فجوابه محذوف يدل عليه المذكور. وأنه يستثنى من هذه القاعدة حالتان:
إحداهما: يكون الجواب فيهما للقسم مع تأخره، وهي التي يكون فيها القسم مبدوءا بالفاء.
والأخرى: يكون الجواب فيها للشرط مع تأخره عن القسم؛ وهي التي يكونان فيها مسبوقين بما يحتاج إلى خبر ...
ب- فإن كان الشرط امتناعيا "وهو: لو، لولا، لوما" وتقدم، فيتعين أن يكون الجواب له، وأن يحذف جواب القسم لدلالة جواب الشرط عليه. نحو: لولا رحمة المولى بعباده، والله لأهلكم بذنوبهم٢.
وإن كان القسم هو المتقدم على الشرط الامتناعي، فالصحيح أن الجواب المذكور هو للشرط أيضا، وأن الشرط وجوابه جواب للقسم، لم يغن شيء عن شيء، والجوابان مذكوران، لم يحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه؛ نحو: والله لولا الله ما اهتدينا؛ فجملة: "ما اهتدينا" هي جواب "لولا". وهذه مع جوابها جواب القسم.
ويتضح مما تقدم عند اجتماع الشرط الامتناعي والقسم أن الجواب للشرط الامتناعي؛ سواء أكان متقدما على القسم أم متأخرا عنه.
стр. 2416
المسألة ١٥٩:
توالي شرطين، أو أكثر، وتوالي شرط واستفهام:
أ- يصح أن تتوالى أداتان -أو أكثر- من أدوات الشرط بغير اتصال مباشر١؛ فتكون لكل أداة جملتها الفعلية الشرطية التي تليها مباشرة، وتفصل بينها وبين الأداة الشرطية التي بعدها. وتحتاج كل أداة بعد هذا إلى جملة جوابية تخضع للأحكام الآتية:
١- إن كان التوالي بغير عطف٢ فالجواب للأداة الأولى وحدها، ما لم تقم قرينة تعين غيرها. أما باقي الأدوات التالية فجوابه محذوف للدلالة جواب الأولى عليه. ومن الأمثلة؛ "من يعتدل في شبابه، من يحرص على سلامة جوارحه وحواسه يسلم من متاعب الكهولة، وويلات الشيخوخة". التقدير: من يعتدل في شبابه يسلم ... ، من يحرص على سلامة حواسه يسلم ... ومثل قول: الشاعر:
إن تستغيثوا بنا، إن تذعروا تجدوا ... منا معاقل عز زانها كرم
التقدير: إن تستغيثوا بنا تجدوا ... إن تذعروا تجدوا ...
٢- إن كان التوالي بعطف بالواو فالجواب لهما؛ لأن الواو للجمع، مثل: من يحجم عن نداء الخير، ومن ينأ عن داعي المروءة -يعش بغيضا منبوذا.
٣- إن كان التوالي بعطف ب"أو"، فالجواب لإحداهما؛ "لأن أو -في الغالب- لأحد الشيئين أو الأشياء" وجواب الأخرى محذوف يدل عليه المذكور. ومن الأمثلة: إن تغب عن عيني أو إن تحضر، فلست عن خاطري بغائب -من يكبره الناس لعلمه، أو من يرفعوه لسمو خلقه- يعش بينهم سعيدا..
стр. 2417
٤- إن كان التوالي بعطف بـ"الفاء" فالجواب للثانية؛ "لأن الفاء تفيد الترتيب". والثانية وجوابها جواب للأولى، نحو: إن تمارس عملا فإن تخلص فيه يحالفك الفوز والتوفيق.
وليس من اللازم أن تكون الفاء مذكورة، فقد تكون ملحوظة يقتضيها السياق وتدل قرينة على تقديرها. وفي هذه الحالة التي تحذف فيها مع تقديرها وملاحظتها، لا تكون عاطفة ولا تعرب شيئا١، وإنما يقتصر أثرها على الفائدة المعنوية الملحوظة.
ب- إذا توالى الاستفهام٢ والشرط فقيل الجواب للاستفهام، لتقدمه؛ نحو: أإن تدع لأداء الشهادة على وجهها تستجيب؟ برفع المضارع: "تستجيب". وقيل: "لا"، وأن الجواب للشرط غالبا؛ بدليل قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ؛ إذ لو كانت الجملة الاسمية: "هم الخالدون"، جوابا للاستفهام ما دخلتها الفاء؛ لأن الفاء لا تدخل في جواب الاستفهام، وإنما تدخل في جواب الشرط إذا كان جملة اسمية أو غيرها مما لم يستوف شروط الجواب -كما عرفنا٣.
والصحيح أن تعيين الجواب لأحدهما خاضع للقرينة التي تتحكم فيه؛ فتجعله لهذا أو لذاك، دون أن يختص به واحد منهما في كل الأساليب.
стр. 2418
المسألة ١٦٠:
"لو" الشرطية:
هي نوعان: شرطية امتناعية، وشرطية غير امتناعية، وكلا النوعين حرف، واستعماله قياسي.
أ- "لو" الشرطية الامتناعية؛ معناها، وأحكامها النحوية:
فأما معناها فأمران مجتمعان؛ هما: "إفادة الشرطية، وأن هذه الشرطية لم تتحقق في الزمن الماضي؛ فقد امتنع وقوعها فيه".
فإفادتهما الشرطية تقتضي تعليق شيء على آخر؛ وهذا التعليق يستلزم -حتما- أن يقع بعدها جملتان، بينهما نوع ترابط واتصال معنوي؛ يغلب أن يكون هو: "السببية" في الجملة الأولى، و "المسببية" في الجملة الثانية؛ نحو: لو تعلم الجاهل لنهضت بلاده، لكنه لم يتعلم -لو عف السارق لنجا من العقوبة التي تزلت له به- لو أتقن الصانع عمله بالأمس ما بارت صناعته. فالجملة الأولى من المثال الأول هي: "تعلم الجاهل"، والثانية هي: "نهضت بلاده" وبين الجملتين ذلك الارتباط المعنوي؛ لأن نهضة الجواب"١. ومثل هذا يقال في الأمثلة الأخرى.
وإفادتها امتناع المعنى الشرطي في الزمن الماضي تقتضي أن شرطها لم يقع فيما مضى، "أي: لم يتحقق معناه في الزمن السابق على الكلام" فهي تفيد القطع بأن معناه لم يحصل٢، كما تفيد أن تعليق الجواب علهي كان في الزمن الماضي
стр. 2419
أيضا١، على خلاف المعهود في التعليق بالأدوات الشرطية الجازمة، حيث يتعين الاستقبال في شروطها وجوابها معا -على الأغلب٢.
ويترتب على امتناع الشرط هنا وعدم وقوعه امتناع جوابه تبعا له، إذا كان فعل الشرط هو السبب الوحيد في إيجاد جوابه وتحقيقه، وليس هناك سبب آخر للإيجاد والتحقيق؛ لأن امتناع السبب الوحيد الموجد للشيء يؤدي حتما إلى امتناع المسبب الوحيد؛ فامتنع له الجواب -وهو المسبب عنه- إذ ظهور النار متوقف على طلوع الشمس دون شيء آخر؛ فلا يمكن أن يظهر إلا بطلوعها ما دام طلوعها هو السبب الفرد في إيجاده.
فإن كان للجواب سبب آخر فلا يتحتم الامتناع بامتناع هذا الشرط، لجواز أن يؤدي السبب الآخر إلى إيجاد الجواب، وتحقيق معناه٣؛ نحو: لو طلعت
стр. 2420
الشمس أمس لكان النور موجودا. فطلوع الشمس هنا ممتنع، أما الجواب فيصح أن يكون غير ممتنع -برغم امتناع الشرط- إذا وجد سبب آخر غير الشمس يحدثه؛ كمصباح مضيء، أو برق، أو نار ... ؛ فالشرط في هذا المثال ليس السبب الفريد في إحداث الجواب؛ فامتناعه لا يستلزم ولا يوجب امتناع جوابه؛ فقد يمتنع الجواب حينا؛ ولا يمتنع حينا آخر؛ على حسب ما تقضي به القرائن والمناسبات.
ومن الأمثلة لامتناع الجواب امتناعا حتميا تبعا لامتناع الشرط: لو توقفت الأرض عن الدوران لهلك الأحياء جميعا من شدة البرد أو الحر لو سكنت الأرض ما تعاقب عليها الليل والنهار -لو امتنع الغذاء لمات الحي- لو اختلت الجاذبية الكونية لا نفرط عقد الكواكب والنجوم لو توقف القلب عن النبض نهائيا لمات الحيوان ...
ومن أمثلة امتناع الشرط دون أن يستلزم امتناع الجواب استلزاما محتما: لو تعلم الفقير لاغتنى -لو استقل المسافر الطائرة لبلغ غايته- لو قرأ الريفي الصحف لعلم أهم الأخبار العالمية -لو واظب الغلام على السباحة لقوي جسمه- لو استشار المريض طبيبه لشفي ... ؛ فالجواب في هذه الأمثلة ليس حتمي الامتناع؛ إذ الشرط ليس السبب الوحيد في إيجاده، فهناك ما يصلح أن يكون سببا للإيجاد سواه.
ومما تقدم يتبين خطأ التعبير الشائع على ألسنة المعربين وهو: "أنها حرف امتناع لامتناع"؛ يريدون: أنها حرف يدل على امتناع الجواب لامتناع الشرط. وإنما كان هذا خطأ لما قدمناه من أن امتناع الشرط لا يستلزم امتناع الجواب؛ فقد يستلزمه، أو لا يستلزمه -طبقات للبيان السالف- إلا أن كان غرضهم أن ذلك الامتناع هو الكثير الغالب.
والصواب ما ردده سيبويه من أنها: "حرف يدل على ما كان سيقع لوقوع غيره"، أي: لما كان سيقع في الماضي؛ لوقوع غيره في الماضي أيضا. وهذه العبارة صحيحة دقيقة، لا تحتاج إلى تأويل أو تقدير، أو زيادة.