← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وموافقة، واجتهاد ومبالغة- عهد الله، إنّ عهده كان مسؤولا، وما أخذ الله على أنبيائه ورسله ﵈ وعلى من أخذ من عباده من موكدات مواثيقه، ومحكمات عهوده، وعلى أن تتمسك بها فلا تبدّل، وتستقيم فلا تميل. وإن نكثت هذه البيعة أو بدلت شرطا من شروطها، أو عفّيت رسما من رسومها، أو غيّرت حكما من أحكامها، معلنا أو مسرّا أو محتالا أو متأوّلا، أو زغت عن السبيل التي يسلكها من يخفر الأمانة، وكنت ممّن يستحلّ الغدر والخيانة، ويستجيز حلّ العقود وختر العهود، فكلّ ما تملكه من عين أو ورق أو آنية أو عقار، أو سائمة أو زرع أو ضرع، أو غير ذلك من صنوف الأملاك المعتقدة والأموال المدّخرة، صدقة على المساكين، محرّم عليك أن يرجع شيء من ذلك إلى مالك بحيلة من الحيل، على وجه من الوجوه، وسبب من الأسباب، أو مخرج من مخارج الأيمان. فكلّ ما تفيده [١] في بقيّة عمرك من مال يقلّ خطره أو يجلّ، فتلك سبيله إلى أن تتوفاك منيتك أو يأتيك أجلك، وكل مملوك [٢] لك اليوم من ذكر أو أنثى أو تملكه إلى آخر أيامك أحرار سائبون لوجه الله. ونساؤك يوم يلزمك الحنث، ومن تتزوّج بعدهنّ مدة بقائك، طوالق ثلاثا، طلاق الحرج والسنّة لا مثنويّة فيها ولا رجعة، وعليك المشي إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجّة حافيا راجلا، لا يرضى الله منك إلا بالوفاء بها، ولا يقبل الله لك صرفا ولا عدلا، وخذلك يوم تحتاج إليه، وبرّأك من حوله وقوته، وألجأك إلى حولك وقوتك، والله بذلك شهيد (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) *. [عودة إلى الصدق والكذب] «١٥٨» - قال عليّ ﵇: أحلفوا الظالم إذا أردتم يمينه بأنّه بريء من حول الله وقوته، فإنه إذا حلف بها كاذبا عوجل، وإذا حلف بالله الذي لا إله إلّا

стр. 1017

هو لم يعاجل لأنه قد وحّد الله سبحانه. وقد روي أنّ جعفر بن محمد ﵉ أحلف مدّعيا بالله لم يزد، فهلك الحالف لوقته. وقال له القاضي ومن حضر: ما هذا؟ فقال: إنّ يمينه بما فيه ثناء على الله ومدح يؤخّر العقوبة كرما منه وتفضّلا. «١٥٩» - وخبر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن مع الزبيريّ عبد الله بن مصعب مشهور وهو قول أبي فراس الحمداني [١] : [من البسيط] ذاق الزبيريّ غبّ الحنث وانكشفت ... عن ابن فاطمة الأقوال والتهم وهو خبر طويل يليق بهذا الموضع منه: أنّ الزبيريّ سعى بيحيى إلى الرشيد وجمع بينهما وتواقفا، ونسب يحيى إلى الزبيريّ شعرا يقول فيه: [من البسيط] قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتها ... إنّ الخلافة فيكم يا بني حسن وكان الزبيري خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وأنكر الزبيريّ الشعر فأحلفه يحيى فقال: قل برئت من حول الله وقوته، واعتصمت بحولي وقوتي، وتقلّدت الحول والقوة من دون الله استكبارا واستغناء عنه واستعلاء عليه، فامتنع، حتى غضب الرشيد وقال: إن كان صادقا فليحلف، وكان للفضل بن الربيع فيه هوى فرفسه برجله وقال له: احلف ويحك، فحلف ووجهه متغير وهو يرعد، فما برح من موضعه حتى أصابه الجذام، فتقطّع ومات بعد ثلاثة أيام. ولما حمل إلى قبره ليوضع فيه انخسف حتى غار عن أعين الناس، وخرجت منه

стр. 1018

غبرة عظيمة، وكلّما هالوا عليه التراب انخسف، حتى سقفوه وانصرفوا. «١٦٠» - قيل: اثنان لا تخطئهما سعادة وغبطة: سلطان حليم، ورجل صدوق. «١٦١» - الصدق محمود من كلّ أحد إلا الساعي. «١٦٢» قال أبو حنيف [١] الأنطاكي: لا يستغني حال من الأحوال عن الصدق، والصدق مستغن عن الأحوال كلّها. «١٦٣» - لو صدق عبد فيما بينه وبين الله حقيقة الصدق لا طّلع على خزائن من خزائن الغيب، ولكان أمينا في السموات والأرض. «١٦٤» - قال عامر بن الظّرب العدوانيّ في وصيّته: إني وجدت صدق الحديث طرفا من الغيب فاصدقوا. يعني من لزم الصدق الحق وعوّده لسانه وفّق فلا يكاد يتكلّم بشيء يظنه إلّا جاء على ظنّه. «١٦٥» - قيل: الكذب والنفاق والحسد أثافيّ الذلّ. «١٦٦» - قال ابن عباس: حقيق على الله أن لا يرفع للكاذب درجة، ولا يثبت له حجة. «١٦٧» - وقال سليمان بن سعد: لو صحبني رجل وقال: لا تشترط عليّ إلا

стр. 1019

شرطا واحدا لقلت له: لا تكذبني. «١٦٨» - سأل سعيد بن المسيّب أيوب السختياني عن حديث فقال: إني أشكّ فيه فقال: شكّك أحبّ إليّ من يقين شعبة. «١٦٩» - قيل لرقبة بن مصقلة: ما أكثر ما تشكّ!! قال: ما ذاك إلا محاماة على اليقين. «١٧٠» - خطب بلال لأخيه رباح امرأة قرشية فقال لأهلها: نحن من قد عرفتم: كنّا عبدين فأعتقنا الله، وكنّا ضالّين فهدانا الله، وكنّا فقيرين فأغنانا الله. وأنا أخطب إليكم على أخي فلانة فإن تنكحونا فالحمد لله، وإن تردّونا فالله أكبر. فأقبل بعضهم على بعض فقالوا: بلال من قد عرفتم سابقته ومشاهده ومكانه من رسول الله ﷺ فزوّجوا أخاه. فلما انصرفا قال له أخوه: يغفر الله لك أما كنت تذكر سوابقنا ومشاهدنا مع رسول الله ﷺ ؟ قال: يا أخي صدقت فأنكحك الصدق. ١٧١- شاعر: [من الكامل] وإذا افتخرت بأعظم مقبورة ... فالناس بين مكذّب ومصدّق فأقم لنفسك في انتسابك شاهدا ... بحديث مجد للقديم محقّق «١٧٢» - قال ابن السائب: جالست وكيعا سنين فما رأيته يحلف بالله. «١٧٣» - وقال عبد الله بن السريّ، قلنا لابن المبارك: حدّثنا قال: ارجعوا فإني لست أحدّثكم. فقيل له إنك لم تحلف فقال: لو حلفت لكفّرت وحدثتكم

стр. 1020

ولكن لست أكذب، فكان هذا أحبّ إلينا من الحديث. «١٧٤» - وقال مجاهد: يكتب على ابن آدم كلّ شيء حتى أنينه في سقمه، حتى إنّ الصبيّ ليبكي فيقول له: اسكت أشتر لك كذا، ثم لا يفعل، تكتب كذبته. «١٧٥» - قال الشعبي: وجّهني عبد الملك إلى أخيه عبد العزيز، فقدمت عليه مصر وهو واليها- على رجل سخيّ صدوق اللسان، فقلت له يوما: أصلح الله الأمير، إنك تبلغ في منطقك وأنت في مجلسك ولا تفعل ذلك على منبرك، فقال: يا شعبيّ إني لأستحيي من الله أن أقول على منبري خلاف ما يعلم من قلبي. ١٧٦- اجتمع متكلمان فقال أحدهما: هل لك في المناظرة؟ فقال الآخر: على شرائط: أن لا تغضب ولا تعجب ولا تشغب، ولا تقبل على غيري وأنا أكلمك، ولا تجعل الدعوى دليلا، ولا تجوّز لنفسك دليل آية على مذهبك إلّا جوّزت لي تأويل مثلها على مذهبي، وعلى أن تؤثر التصادق، وتنقاد للتعارف، وعلى أنّ كلّا منا تبنى مناظرته على أنّ الحقّ ضالّته والرشد غايته. «١٧٧» - قال رجل: أنا لا أكذب كذبة بألف، فقال صاحبه: أمّا هذه فواحدة بلا درهم. «١٧٨» - قيل: الراوية [١] أحد الكاذبين. «١٧٩» - وقيل: إيّاك أن تكون للكذب واعيا أو راويا.

стр. 1021

«١٨٠» - وقيل: إيّاك وحكاية ما يستبعد فيجد عدوّك سبيلا إلى تكذيبك. «١٨١» - قيل: إذا أردت أن تعرف عقل الرجل فحدّثه في خلال حديثك بما لا يكون، فإن أنكره فهو عاقل، وإن صدّقه فهو أحمق. «١٨٢» - خطب الحجاج يوما فأطال، فقام رجل فقال: الصلاة، الوقت لا ينتظرك، والله لا يعذرك. فأمر بحبسه، فأتاه قومه وزعموا أنه مجنون، وسألوه أن يخلّي سبيله، فقال: إن أقرّ بالجنون خلّيته، فقيل له فقال: معاذ الله أن أزعم أنّ الله ابتلاني وقد عافاني، فبلغ ذلك الحجاج فعفا عنه لصدقه وأطلقه.

стр. 1022

نوادر من هذا الباب والفصل «١٨٣» - قال دغفل: حمى النعمان ظهر الكوفة [١] فخرج يوما يسير في ذلك الظهر فإذا هو بشيخ يخصف نعلا فقال: ما أولجك ها هنا؟ قال: طرد النعمان الرّعاء فأخذوا يمينا وشمالا، فانتهيت إلى هذه الوهدة في خلاء من الأرض، فنتجت الإبل وولّدت الغنم وسلأت السمن (والنعمان معتمّ لا يعرفه الرجل) فقال: وما تخاف النعمان؟ قال: وما أخاف منه؟ لربما لمست بيدي هذه بين عانة أمّه وسرتها، فأجده كأنه أرنب جاثم. فهاج غضبا وسفر عن وجهه، فإذا خرزات الملك [٢] . فلما رآه الشيخ قال: أبيت اللعن لا تر أنك ظفرت بشيء، قد علمت العرب أنه ليس بين لا بتيها شيخ أكذب منّي. فضحك النعمان ومضى. «١٨٤» - ذكر أنّ قاصا كان يكثر الحديث عن هرم بن حيان، فاتفق معه هرم في المسجد وهو يقول حدثنا هرم مرّة بعد مرّة، بأشياء لا يعرفها هرم. فقال له: يا هذا أتعرفني؟ أنا هرم بن حيان، ما حدّثتك بشيء. فقال له القاصّ: وهذا أيضا من عجائبك، إنه ليصلّي في مسجدنا خمسة عشر رجلا، اسم كلّ واحد منهم هرم بن حيان، فكيف توهّمت أنه ليس في الدنيا هرم غيرك؟

стр. 1023

«١٨٥» - وذكروا أنّ أعرابيّا أضلّ بعيرا له عربيا، وكان في الصائفة، فبينا هو يطوف في طلبه إذا هو عند حجرة الوالي ببختيّ لنابيه صريف، فتأمّله طويلا ثم رجع إلى أصحابه فقال: بعيري الذي ضلّ قد وجدته، فجاء معه نحو من خمسمائة رجل من قومه حمير إلى الوالي، فقالوا: نشهد أنه بعيره. فقال له الوالي: خذه، فلما انصرف قال له بعضهم: يا فلان، ألم يكن بعيرك الذي أضللته عربيّا؟ قال: بلى ولكنه أكل من شعير الأمير فتبختى. ١٨٦- قال بعض المجّان: اليمين بعد الكذب كالمترس خلف الباب. «١٨٧» - باع مزبّد جارية له على أنها طبّاخة، ولم تحسن شيئا فردّت، فلم يقبلها مزبد، وقدّم إلى القاضي وطولب بأن يحلف أنه ملكها وكانت تطبخ وتحسن، فاندفع وحلف بيمين غليظة أنه دفع إليها جرادة فطبخت منها خمسة ألوان، وفضلت منها شريحتين [١] للقديد سوى الجنب فإنها شوته، فضحك من حضر ويئس خصمه من الوصول منه إلى شيء، فخلّوه. «١٨٨» - استعدت بنو بهز من سليم عثمان بن عفان ﵀ على الشمّاخ ابن ضرار، وادّعوا عليه أنه هجاهم، وساموه اليمين، فتلكأ عليهم ليحرّضهم عليها وليرضوا بها، فلما رضوا باليمين قال من أبيات: [من الطويل] يقولون لي احلف ولست بحالف ... أخادعهم عنها لكيما أنالها ففرّجت غمّ الموت عني بحلفة ... كما شقّت الشقراء عنها جلالها

стр. 1024

«١٨٩» - ومثل ذلك قول الآخر، وهو الأخيل بن مالك الكلابيّ: [من الطويل] تمنّعت لما قيل لي احلف هنيهة ... لتحلو في النوكى الخساس يميني فلما رأوا منّي التمنّع خيّلوا ... صعوبتها عندي كقطع وتيني ولم يعلموا أنّي قديما أعدّها ... لفكّ خناقي من وثاق ديوني «١٩٠» - وقال الأخيل أيضا: [من الوافر] فإنّ دراهم الغرماء عندي ... معلّقة لدى بيض الأنوق فإن دلفوا دلفت لهم بحلف ... كعطّ البرد ليس بذي فتوق وإن لانوا وعدتهم بلين ... وفي وعدي بنيّات الطريق وإن وثبوا عليّ وجرّروني ... حلفت لهم كإضرام الحريق «١٩١» - وقال آخر: [من الخفيف] سألوني اليمين فارتعت منها ... ليغرّوا بذلك الإرتياع ثم أرسلتها كمنحدر السي ... ل تهادى من المكان اليفاع ذكر البحتري أنه لأخيل بن مالك الكلابي. «١٩٢» - وحلف الأخيل العجليّ بالطلاق والعتاق أن لا يهرب فهرب وقال: [من الطويل] إذا أحلفوني بالطلاق منحتهم ... يمينا كسحق الأتحميّ المخرّق [١]

стр. 1025

وإن أحلفوني بالعتاق فقد درى ... سحيم [١] غلامي أنّه غير معتق وإن أحلفوني بالطلاق رددتها ... كأحسن ما كانت إذا لم تطلّق «١٩٣» - قال مسعود بن مازن العكلي، وكان لرجل من تيم الرّباب عليه دين فجحده إياه وحلف له عليه: [من الوافر] كفى لك بالوفاء أخيّ تيم ... يميني إذ مضت عنك الحقوق وما يدريك ما أيمان عكل ... إذا يبست من الريق الحلوق أبت أيمانها إلّا مضيّا ... كما يلتجّ في الأجم الحريق «١٩٤» - قال الأصمعي: كان لأعرابيّ امرأتان فأخذه غرماؤه فأحلفوه بطلاقهما لا يغيب عنهم، فحلف، فأطلقوه فهرب، وقال: [من الكامل] لو يعلم الغرماء منزلتيهما ... ما حلّفوني بالطلاق العاجل قد ملّتا ومللت من وجهيهما ... عوجاء حاملة [٢] وأخرى [٣] حائل لا حلوتان فتمسكا بحلاوة ... تشفي الضجيع ولا لدل عاسل «١٩٥» - قال المدائني: كان عندنا بالمدائن دهقان يقال له دينارويه، وكان خبيثا، فقال له والي المدائن: إن كذبت كذبة لم أعرفها فلك عندي شراب ودراهم وغيرها. قال دينارويه: هرب لي غلام فغبر عنّي دهرا لا أعرف له

стр. 1026

خبرا، فاشتريت يوما بطيخا فشققته فإذا الغلام فيه يعمل خفّا، وإذا هو إسكاف. قال العامل: قد سمعت هذا. قال: كان لي برذون فدبر، فوصف لي قشور الرمان فألقيتها على دبرته فخرج من ظهره شجرة رمّان عظيمة. قال: وقد سمعت بهذا أيضا. قال: كان لغلامي فروة فقملت فحملها القمل ميلين. قال: قد سمعت بهذا. فلما رأى أنه يبطل عليه كلّ ما جاء به قال: إني وجدت في كتب أبي صكّا فيه أربعة آلاف درهم، والصكّ عليك. فقال: هذا كذب ما سمعته قط. قال: فهات ما خاطرت عليه، فأخذه. «١٩٦» - قال بعض الرواة، قلت للشرقيّ بن القطاميّ: ما كانت العرب تقول في صلاتها على موتاها؟ فقال: لا أدري، فكذبت له فقلت: كانوا يقولون: [من الطويل] ما كنت وكواكا ولا بزونّك ... رويدك حتى يبعث الخلق باعثه فإذا أنا به يحدّث به في المقصورة يوم الجمعة. ١٩٧- قرع قوم الباب على الجاحظ، فخرج غلامه فسألوه ما يصنع، فقال: يكذب على الله، قالوا: كيف؟ قال: نظر في المرآة فقال: الحمد لله الذي خلقني وأحسن صورتي. «١٩٨» - شهد أعرابيّ عند حاكم فقال المشهود عليه: أتقبل شهادته وله من المال كذا ولم يحجّ؟ فقال الأعرابيّ: بل لقد حججت كذا وكذا مرة، قال: سله أصلحك الله عن مكان زمزم، فسأله فقال: إني حججت قبل أن تحفر زمزم. «١٩٩» - قال الأصمعي: كان قوم من الأعراب يسمطون أيمانهم سمطا

стр. 1027

للمصدّقين [١] ، فقال مصدق: هؤلاء لا يخافون الله، ولكن أستحلفهم بأيمان في أمر معاشهم، فقال: سلخك الله برصا، وأبدى عورتك، وفتّك فتّ البعرة، وحتّك حتّ الشّعرة، ولا ترك لك صاهلا ولا ناهلا، ولا خفّا ولا ظلفا، إن كان لله في مالك حق؛ فيكيع عنها. «٢٠٠» - أراد قاضي البدو [٢] أن يستحلف الخصم فقال: هو لا يبالي بالحلف، فقال: احمله على حلف لا يستجري عليه، فقال: جعل الله نومك نغصا، وطعامك غصصا، ومشيك رقصا، وسلخك برصا، وقطعك حصصا، وملأ عينيك رمصا، وأدخلك قفصا، وابتلاك بهذه العصا. فأبى أن يحلف وأذعن للحقّ. «٢٠١» - كان بفارس محتسب يعرف بجراب الكذب، فكان يقول: إن منعت من الكذب انشقّت مرارتي، وإني لأجد به مع ما يلحقني من عاره ما لا أجد للصدق مع ما ينالني من نفعه. «٢٠٢» - شاعر: [من الكامل] وتقول لي قولا أظنّك صادقا ... فأجيء من طمع إليك وأذهب فإذا اجتمعت أنا وأنت بمجلس ... قالوا مسيلمة وهذا أشعب «٢٠٣» - شريك بن عبد الله القاضي: [من البسيط] صلّى وصام لدنيا كان يأملها ... فقد أصاب فلا صلّى ولا صاما

стр. 1028

«٢٠٤» - تشاجر رجلان في سواد تراءى من سطح فقال أحدهما: غراب، وقال الآخر: خفّ، وحلف كلّ واحد منهما بما قاله، فدنوا منه فطار، فقال صاحب الغراب: كيف ترى؟ فقال الآخر: امرأته طالق إن كان إلّا خفّا ولو بلغ مكة طيرانا. «٢٠٥» - قال بعضهم [١] : كان أبي زرع سنة الشلجم فزكا، فكان يبلغ مساحة موضع كلّ شلجمة جريب أرض. فقال الآخر: كان أبي اتخذ مرجلا فكان يعمل فيه خمسون حدّادا لا يسمع كلّ واحد صوت مطرقة الآخر، فقال صاحبه: ما أكذبك، أيّ شيء كان يطبخ في ذلك المرجل؟ قال: الشلجم الذي زرعه أبوك. يتلوه: باب التواضع والكبر.

стр. 1029

الباب التّاسع في التّواضع والكبر

стр. 1030

[خطبة الباب] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) * (وبه أثق) الحمد لله ذي الجلال والعلاء، المتفرّد بصفة العظمة والكبرياء، قاصم من نازعه فيهما سمة الرداء، المتعالي عن الأشباه والنّظراء، الناهي لعباده عن الكبر والخيلاء، ندبنا إلى التواضع فكان سبب التحابّ رأفة بنا ولطفا، وأدبنا أن نختال باستمرار الشباب فجعل من بعد قوّة شيبا وضعفا، قال للسموات والأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين، ولو يشاء نزل من السماء آية فظلّت أعناقهم لها خاضعين. أحمده شاكرا طائعا، وأعبده صاغرا خاضعا، وأومن بربوبيّته مخلصا موحّدا، وأوقن بالمعاد مصدّقا معتقدا، وأشهد أن لا إله إلّا الله منشىء الأمم ومبيدها، ومنشر الرّمم ومعيدها، لا مشارك له فيما خلق، ولا مشاجر فيما قسم من العطايا ورزق. وأشهد أنّ محمدا رسوله المأمور بخفض الجناح لمن اتّبعه، المأمون على سرّ الغيب حيث اطّلعه، صلّى الله عليه وعلى آله ما زجر الكتاب عبدا ووزعه، وقهر الحقّ باطلا وقمعه.

стр. 1031

(الباب التاسع ما جاء في التواضع والكبر والخيلاء والعجب) [آيات وأحاديث] ٢٠٦- قد وصف الله قوما فقال: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (المائدة: ٥٤) وقال لنبيّه ﷺ : (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٨) وأبان عن سخطه على المتكّبرين بقوله : (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ) (النحل: ٢٣) وقوله تعالى: (فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) (النحل: ٢٩) . وهذه الآيات مخرجها من الاستكبار في الدين. فأما الكبر الدنيويّ فالنهي عنه في قوله تعالى (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) الآية (لقمان: ١٨) والتصعير الميل من الكبر. وقوله تعالى: (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا) (الإسراء: ٣٧) وقوله: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص: ٨٣) (وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) (البقرة: ٢٠٦) وقال قتادة في قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) (الحج: ٣٤) قال هم المتواضعون. «٢٠٧» - وقال رسول الله ﷺ : إنكم لتغفلون أفضل العبادة، التواضع؛ وكان ﷺ يأكل على الأرض تواضعا. «٢٠٨» - وقال ﷺ : لا ترفعوني فوق قدري فتقعوا في ما قالت النصارى في المسيح، فإنّ الله اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا.

стр. 1032

«٢٠٩» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من كبر. «٢١٠» - وقال ﷺ : لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب مع الجبّارين فيصيبه ما أصابهم. ٢١١- وفي الأثر: من آتاه الله زهدا وتواضعا وحسن خلق فهو إمام المتقين. «٢١٢» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: من تعظّم في نفسه واختال في مشيته لقي الله وهو عليه غضبان. «٢١٣» - وقال ﷺ : من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه. [أقوال للأئمة] «٢١٤» - وقال عليّ ﵇: عجبت للمتكبّر الذي كان بالأمس نطفة وهو غدا جيفة. «٢١٥» - وقال ﵇: الإعجاب يمنع من الازدياد. ٢١٦- وقال محمد بن علي بن الحسين: إياك والكبر فإنه داعية المقت. «٢١٧» - أعطى رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله أبا سفيان مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مائة، وأعطى سهيل بن عمرو مائة، فقالوا: يا نبيّ الله، أتعطي هؤلاء وتدع جعيلا، وكان جعيل رجلا من بني غفار، فقال ﷺ : جعيل

стр. 1033

خير من طلاع الأرض مثل هؤلاء [١] ، ولكن أعطي هؤلاء أتألّفهم، وأكل جعيلا إلى ما جعل الله عنده من التواضع. ٢١٨- وقال ﷺ : إنّ الله يأمركم أن تتواضعوا ولا يبغي بعضكم على بعض. «٢١٩» - وقال أنس: كان رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله يعود المريض، ويتبع الجنائز، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار. ولقد رأيته يوم حنين على حمار خطامه ليف. ٢٢٠- وقال أنس أيضا: لم يكن شخص أكرم علينا من النبي صلّى الله عليه وعلى آله، وكنّا إذا رأيناه لم نقم لما نعلم من كراهيته لذلك [٢] . «٢٢١» - وقال أيضا: جاء جبريل ﵇ إلى النبيّ ﷺ وهو يأكل طعيما له متكئا فقال: إنّ التّكأة من النعمة، فاستوى قاعدا، فما رأيته بعدها متكئا. «٢٢٢» - وقال: إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأشرب كما يشرب العبد. «٢٢٣» - وأتاه ﷺ رجل فكلّمه فأخذته رعدة، فقال له ﷺ : هوّن عليك فإني لست بملك، وإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد. «٢٢٤» - وروي أنّ عبد الله بن سلام مرّ في السوق وعليه حزمة من حطب،

стр. 1034

فقيل له: أليس قد أغناك الله عن هذا؟ قال: بلى، ولكنّي أردت أن أقمع به الكبر؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر. [تواضع عمر] ٢٢٥- وروي أنّ عمر بن الخطاب خرج وعلى ظهره قربة، فقيل له: يا أمير المؤمنين ما هذا [١] ؟ قال: إنّ نفسي أعجبتني فأحببت أن أذلّها. «٢٢٦» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: إنّ العفو لا يزيد العبد إلّا عزّا فاعفوا يعزكم الله، وإنّ التواضع لا يزيد العبد إلّا رفعة، فتواضعوا يرفعكم الله، وإنّ الصدقة لا تزيد المال إلّا نماء، فتصدّقوا يزد كم الله. ٢٢٧- قال أبو أمامة: خرج النبيّ ﷺ علينا فقمنا فقال لنا: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم لعظمائها فما قام إليه أحد منّا بعد ذلك. «٢٢٨» - ومرّ ﷺ على صبيان في المكتب فسلّم عليهم. ٢٢٩- وقال أبو قتادة: قدم وفد النجاشيّ على رسول الله ﷺ فقام يخدمهم بنفسه، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله، فقال: إنهم كانوا لأصحابي مكرمين. «٢٣٠» - وصنع عيسى ﵇ طعاما للحواريّين فلما أكلوا وضّأهم بنفسه فقالوا: يا روح الله نحن أولى أن نفعله منك، فقال: إنما فعلت هذا لتفعلوه بمن تعلّمون.

стр. 1035

«٢٣١» - لما تزوّج عليّ ﵇ النهشلية بالبصرة قعد على سريره وأقعد الحسن عن يمينه، والحسين عن يساره [١] ، وجلس محمد بن الحنفية بالحضيض، فخاف أن يجد من ذلك فقال: يا بنيّ أنت ابني، وهذان ابنا رسول الله ﷺ . «٢٣٢» - ومن التواضع المأثور ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه خرج ويده على المعلّى [٢] ، فلقيته امرأة من قريش فقالت له: يا عمر، فوقف لها فقالت: كنّا نعرفك مرّة عميرا ثم صرت من بعد عمير عمر، ثم صرت من بعد عمر أمير المؤمنين، فاتّق الله يا ابن الخطاب، وانظر في أمور الناس، فإنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت. فقال لها المعلّى: إيها إليك يا أمة الله فقد أبكيت أمير المؤمنين، فقال له عمر: أتدري من هذه ويحك؟ هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من سمائه، فعمر أحرى بأن يسمع قولها ويقتدي به. ٢٣٣- وجلس رجل إلى الحسين بن علي ﵉، فقال له الحسين: إنك جلست إلينا ونحن نريد القيام، أفتأذن؟ «٢٣٤» - أقبل رجل يمشي مرخيا يديه، طارحا رجليه يتبختر، فقال له عمر ﵁: دع هذه المشية [٣] فقال: ما أطيق، فجلده فترك التبختر؛ فقال عمر: إذا لم أجلد في مثل هذا ففيم أجلد؟ فجاءه الرجل بعد ذلك فقال: جزاك الله خيرا إن كان إلا شيطانا أذهبه الله بك.

стр. 1036

[كبر وائل بن حجر] «٢٣٥» - أتى وائل بن حجر النبيّ ﷺ فأقطعه أرضا وقال لمعاوية: اعرض هذه الأرض عليه واكتبها له، فخرج مع وائل في هاجرة شاوية، ومشى خلف ناقته، وقال له: أردفني على عجز راحلتك، قال: لست من أرداف [١] الملوك، قال: فاعطني نعليك، قال: ما بخل يمنعني يا ابن أبي سفيان ولكن أكره أن يبلغ أقيال اليمن أنك لبست نعلي، ولكن امش في ظلّ ناقتي فحسبك بها شرفا. وهذا من كبر الجاهليّة المستهجن. قال: ثم إنّ وائلا لحق زمن معاوية ودخل عليه فأقعده معه على سريره [٢] وحدّثه. «٢٣٦» - قال عديّ بن أرطأة لإياس بن معاوية: إنك لسريع المشية، قال ذاك أبعد من الكبر وأسرع في الحاجة. وهو منقول من قول عمر ﵁ وقد قيل له مثله فقال: هو أنجح للحاجة، وأبعد من الكبر، أما سمعت قول الله : (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) (لقمان: ١٩) . «٢٣٧» - خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر [٣] وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس فإني سمعت رسول الله ﵇ يقول: من أحبّ أن يتمثّل [٤] له الناس قياما فليتبوّأ مقعده من النار.

стр. 1037

[علي والتواضع] «٢٣٨» - وقال عليّ ﵇: عجب المرء بنفسه أحد حسّاد عقله [١] . «٢٣٩» - ولقيه دهاقين الأنبار عند مسيره إلى الشام فترجلوا له واشتدوا بين يديه فقال: ما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا: خلق نعظّم به أمراءنا، فقال: والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم، وإنكم لتشقّون به على أنفسكم، وتشقون به في آخرتكم، وما أخسر المشقة وراءها العقاب، وأربح الدعة معها الأمان من النار. «٢٤٠» - ومشى معه حرب بن شرحبيل الشبّاميّ [٢] وكان من وجوه قومه، وهو راكب، فقال له: ارجع فإنّ مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي ومذلّة للمؤمن. [أقوال في التواضع والكبر] ٢٤١- وقال الحسن ﵇: الحلم وزير العلم، والرفق أبوه، والتواضع سرباله. ٢٤١ ب- وقال غيره: ما آتى الله عبدا علما إلّا آتاه معه حلما وتواضعا وحسن خلق ورفقا. «٢٤٢» - وقال عمرو بن الزبير: التواضع أحد مصايد الشرف. وفي لفظ آخر: التواضع سلّم الشرف.

стр. 1038

«٢٤٣» - وقال جعفر بن محمد: رأس الخير التواضع فقيل له: وما التواضع؟ قال: أن ترضى من المجلس بدون شرفك، وأن تسلّم على من لقيت، وأن تترك المراء وإن كنت محقّا. وقد روي عن عليّ ﵇ ولم يذكر المراء فيه وزاد فيه: وتكره الرياء والسمعة. «٢٤٤» - وقيل: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبة. «٢٤٥» - ومثله: التواضع نعمة لا يفطن لها إلّا [١] الحاسد. «٢٤٦» - وقالوا: المتواضع كالوهدة يجتمع فيها قطرها وقطر غيرها [٢] . ونظر إلى هذا المعنى ابن المعتز فقال: متواضع العلماء أكثرهم علما كما أنّ المكان المنخفض أكثر الأماكن ماء. ٢٤٧- قال الحسن: إنّ قوما جعلوا تواضعهم في ثيابهم، وكبرهم في صدورهم، حتى لصاحب المدرعة بمدرعته أشدّ فرحا من صاحب المطرف بمطرفه. ٢٤٨- قال علي ﵇: الحرص والكبر والحسد دواع إلى التقحّم في الذنوب. «٢٤٩» - رؤي بعض العلماء وهو يكتب من فتى حديثا، فقيل له: مثلك

стр. 1039

يكتب عن هذا؟ فقال: أما إني أحفظ له منه، ولكن أردت أن أذيقه كأس الرياسة ليدعوه ذلك إلى الازدياد من العلم. «٢٥٠» - كان يحيى بن خالد يقول: لست ترى أحدا تكبّر في إمارة إلّا وقد دلّ على أنّ الذي نال فوق قدره، ولست ترى أحدا تواضع في إمارة إلّا وهو في نفسه أكبر مما نال من سلطانه. «٢٥١» - ومن كلام لابن المعتز: لما عرف أهل النقص حالهم عند أهل الكمال، استعانوا بالكبر ليعظّم صغيرا ويرفع حقيرا، وليس بفاعل. «٢٥٢» - والعرب تجعل جذيمة الأبرش الغاية في الكبر. ورووا أنه كان لا ينادمه أحد ترفّعا وكبرا ويقول: إنما ينادمني الفرقدان، ومن هذا قول متمم: [من الطويل] وكنّا كندماني جذيمة حقبة أراد به الفرقدين، لا كما ذكرته الرواة أنهما مالك وعقيل فإنهما لا بدّ أن يفترقا، وإنما ضرب المثل على ما لا يصحّ وقوعه، وهو تفرّق الفرقدين. «٢٥٣» - وكان عبيد الله بن زياد بن ظبيان، أحد بني تيم اللات بن ثعلبة، قاتل مصعب بن الزبير، شديد الكبر والخيلاء. ولما حدث أمر مسعود بن عمرو المعني من الأزد لم يعلمه مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب، أحد بني قيس بن ثعلبة، وكان سيد بكر بن وائل في زمانه، فقال عبيد الله: أيكون مثل هذا الحدث ولا تعلمني به؟ لهممت أن أضرم دارك عليك نارا. فقال له مالك: اسكت أبا

стр. 1040

مطر، فو الله إنّ في كنانتي سهما [١] أنا أوثق به مني بك، فقال له عبيد الله: وأنا [٢] في كنانتك؟ فو الله لو قعدت فيها لطلتها ولو قمت فيها لخرقتها. فقال له مالك، وأعجبه ما سمع: أكثر الله في العشيرة مثلك، فقال: لقد سألت ربّك شططا. «٢٥٤» - لما قال علي بن أبي طالب ﵇ لصعصعة بن صوحان في المنذر بن الجارود ما قال، قال صعصعة: لئن قلت ذاك يا أمير المؤمنين، إنه لنظّار في عطفيه، نقّال [٣] في شراكيه، تعجبه حمرة برديه. [تيه عمارة بن حمزة] «٢٥٥» - كان عمارة بن حمزة أتيه الناس على جود فيه وسخاء، فمشى المهديّ يوما ويده في يد عمارة، فقال له رجل: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال المهديّ: أخي وابن عمي عمارة بن حمزة، فلما ولّى الرجل ذكر ذلك المهديّ كالممازح لعمارة، فقال عمارة: انتظرت والله أن تقول: ومولاي، فأنفض يدي من يدك، فتبسّم المهديّ. «٢٥٦» - قال الواقدي: دخل الفضل بن يحيى ذات يوم على أبيه وأنا عنده، وهو يتبختر في مشيته فكره ذلك منه، فقال لي يحيى: يا أبا عبد الله أتدري ما بقّى الحكيم في طرسه؟ فقلت: لا، فقال: إنّ البخل والجهل مع التواضع أزين

стр. 1041

بالرجل من الكبر مع السخاء والعلم، فيا لها حسنة غطّت على عيبين عظيمين، ويا لها سيئة غطّت على حسنتين كبيرتين. ثم أومأ إليه بالجلوس وقال لي: احفظه يا أبا عبد الله فإنه أدب كبير أخذناه عن العلماء. ٢٥٧- قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: [من الطويل] كفى حزنا ألّا صديق ولا أخ ... ينال غنى إلّا تداخله كبر وإلّا التوى أو ظنّ أنك دونه ... وتلك التي جلّت وما دونها صبر «٢٥٨» - وكان ابن ثوابة من أقبح الناس كبرا؛ روي أنه قال لغلامه: اسقني ماء، فقال: نعم، فقال: إنما يقول نعم من يقدر أن يقول لا، وأمر بصفعه. ودعا أكّارا وكلمه، فلما فرغ دعا بماء وتمضمض استقذارا لمخاطبته. «٢٥٩» - قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: [من الطويل] لقد جعلت تبدو شواكل منكما ... كأنكما بي موقران من الصخر فمسّا تراب الأرض منها خلقتما ... ومنها المعاد والمصير إلى الحشر ولا تعجبا أن تؤتيا فتكلما [١] ... فما حشي الأقوام شرّا من الكبر «٢٦٠» - قال أكثم بن صيفي: من أصاب حظّا من دنياه فأصاره ذلك إلى كبر وترفّع فقد أعلم أنه نال فوق ما يستحقّ، ومن تواضع وغادر الكبر فقد أعلم أنه نال دون ما يستحقّ.

стр. 1042

«٢٦١» - مرّ بعض أولاد المهلّب بمالك بن دينار وهو يخطر فقال: يا بنيّ لو خفضت بعض هذه الخيلاء، ألم يكن أحسن بك من هذه الشهرة التي قد شهرت بها نفسك؟ قال له الفتى: أو ما تعرف من أنا؟ قال له: بلى والله أعرفك معرفة جيدة، أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك حامل عذرة. فأرخى الفتى ردنيه، وكفّ مما كان يفعله، وطأطأ رأسه ومضى مسترسلا. «٢٦٢» - قال محمد بن حازم: مرّ بي أحمد بن سعيد بن سلم [١] وأنا على بابي فلم يسلّم عليّ سلاما أرضاه، فكتبت رقعة وأتبعته بها فيها: [من السريع] وباهليّ من بني واثل ... أفاد مالا بعد إفلاس قطّب في وجهي خوف القرى ... تقطيب ضرغام لدى الباس وأظهر التيه فتايهته ... تيه امرىء لم يشق بالياس أعرته إعراض مستكبر ... في موكب مرّ بكنّاس [العجب أفسد أمر خالد القسريّ] «٢٦٣» - بلغ خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسريّ من هشام بن عبد الملك محلّا رفيعا، فأفسد أمره العجب والكبر وأدّياه إلى الهلكة، وعذّب حتى مات: روي أنه التفت يوما إلى ابنه يزيد بن خالد وهو عند هشام فقال له: كيف بك يا بنيّ إذا احتاج إليك ولد أمير المؤمنين؟ فقال: أواسيهم ولو بقميصي.

стр. 1043

فتبيّن الغضب في وجه هشام واحتملها. وكان إذا ذكر هشام قال: ابن الحمقاء. فسمعها رجل من أهل الشام فقال لهشام: إنّ هذا البطر الأشر الكافر لنعمتك ونعمة أبيك يذكرك بأسوأ الذكر، قال: ماذا يقول؟ لعلّه يقول الأحول، قال: لا والله ولكن يقول ما لا تلتقي به الشفتان، قال لعلّه قال: ابن الحمقاء؟ فأمسك الشاميّ فقال: قد بلغني كلّ ذلك عنه. وكان خالد يقول: والله ما إمارة العراق مما يشرّفني، فبلغ ذلك هشاما فغاظه فكتب إليه: بلغني أنك يا ابن النصرانية تقول: ما إمارة العراق مما يشرفك، وأنت دعيّ إلى بجيلة القليلة الذليلة. أم والله إني لأظنّ أنّ أوّل ما يأتيك ضغن من قيس فيشدّ يدك إلى عنقك. قال خالد بن صفوان بن الأهتم: لم تزل أفعال خالد حتى عزله هشام وعذّبه وقتل ابنه يزيد بن خالد، فرأيت في رجله شريطا قد شدّ به، والصبيان يجرّونه، فدخلت إلى هشام يوما فحدّثته فأطلت، فتنفس وقال: يا خالد، ربّ خالد كان أحبّ إليّ قربا وألذّ عندي حديثا منك، يعني خالدا القسري، فانتهزتها ورجوت أن أشفع له فتكون لي عند خالد يدا، فقلت: يا أمير المؤمنين ما يمنعك من استئناف الصنيعة عنده، فقد أدّبته بما فرط منه. فقال: هيهات إنّ خالدا أوجف فأعجف، وأدلّ فأملّ، وأفرط في الإساءة فأفرطنا في المكافأة، فحلم الأديم، ونغل الجرح، وبلغ السيل الزبى والحزام الطّبيين، ولم يبق فيه مستصلح، ولا للصنيعة عنده موضع؛ عد إلى حديثك [١] . ٢٦٤- جلس الأحنف مع مصعب بن الزبير على السرير، فمدّ مصعب رجله، فنحاه الأحنف ثم قال: العجب لمن يتعظّم وقد خرج من مخرج البول مرتين.

стр. 1044

«٢٦٥» - قيل لبزرجمهر: ما النعمة التي لا يحسد عليها؟ قال: التواضع، قيل: فالبلاء الذي لا يرحم؟ قال: العجب. «٢٦٦» - البحتري: [من الوافر] دنوت تواضعا وعلوت مجدا ... فشأناك انحدار وارتفاع كذاك الشمس تبعد أن تسامى ... ويدنو الضوء منها والشعاع «٢٦٧» - أبو محمد التيمي: [من الطويل] تواضع لما زاده الله رفعة ... وكلّ رفيع قدره متواضع «٢٦٨» - قال حرسيّ عمر بن عبد العزيز: خرج علينا عمر في يوم عيد وعليه قميص كتّان وعمامة على القلنسوة لاطية، فقمنا إليه وسلّمنا عليه فقال: مه أنا واحد وأنتم جماعة، السلام عليّ والردّ عليكم، ثم سلّم وردّوا عليه، ومشى ومشينا معه إلى المسجد. «٢٦٩» - كان يحيى بن خالد يقول: إذا ترقّى [١] الشريف تواضع، فأفشى السلام، وصافح العوامّ، وأنصف الضعفاء، وجالس الفقراء، وعاد المرضى، وشيّع الجنائز؛ وإذا ترقّى [٢] الوضيع أمر بالمعروف، ووعظ الشريف، وأخذ

стр. 1045

في الحسبة، وأمّ أهل محلّته، واحتدّ على من ردّ [١] عليه، ورأى أنّ له فضيلة على كلّ أحد. ٢٧٠- قال الحسن: من لبس الصوف تواضعا زاده الله نورا في بصره، ونورا في قلبه. ومن لبسه للكبر والخيلاء كوّر في جهنّم مع المردة. ٢٧١- قال عمرو بن عبيد: أتي الحسن بفالوذج فقال لي: هلمّ يا عمرو، فما فرحت بشيء فرحي بأن عرف اسمي. وكان المنصور يكنيه، فقيل له إنّ أمير المؤمنين يكنيك، فقال: ما ذكرت ذلك إلا دخلتني غضاضة. ٢٧٢- قال معاوية بن سويد: لطمت مولى لنا فدعاه أبي فقال: اقتصّ منه. «٢٧٣» - قال عبد الله بن حسن بن حسن، أتيت باب عمر بن عبد العزيز في حاجة، فقال لي: إذا كانت لك حاجة فأرسل إليّ رسولا أو اكتب إليّ كتابا، فإني لأستحيي من الله أن يراك على بابي. ٢٧٤- اجتمع أنس بن مالك وثابت البنانيّ على طعام، فقدّم إليه أنس الطّست فامتنع، فقال أنس: إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردّها. [الرشيد يصب الماء على يدي عالم] «٢٧٥» - دعا الرشيد أبا معاوية الضرير فصبّ على يده ثم قال له: يا أبا معاوية، أتدري من صبّ على يدك؟ قال: لا، قال: صبّ على يدك أمير المؤمنين، قال: يا أمير المؤمنين، إنما أكرمت العلم وأجللته، فأكرمك الله وأجلّك. ٢٧٦- ونزل الشافعي بمالك فصبّ بنفسه الماء على يده وقال: لا يرعك

стр. 1046

ما رأيت مني فخدمة الضيف فرض. «٢٧٧» - قال المساور بن هند لرجل: أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا المساور ابن هند، قال: لا أعرفك، قال: فتعسا ونكسا لمن لا يعرف القمر. [عقيل بن علّقة والكبر] ٢٧٨- كان عقيل بن علّقة المريّ أعرابيّا جافيا شديد الكبر. خطب إليه يزيد بن عبد الملك ابنته وقال له: زوّجني فلست بواجد في قومي مثلي، فقال عقيل: بلى والله لأجدنّ في قومك مثلك، وما أنت بواجد في قومي مثلي، وقال لابنه: يا بنيّ زوّجه فإنه [١] أحقّ بالأمة. [لو أدرك الحجاج أربعة] «٢٧٩» - قيل للحجاج كيف وجدت منزلك بالعراق؟ قال: خير منزل، لو أدركت بها أربعة فتقرّبت إلى الله بدمائهم. قيل: ومن هم؟ قال: مقاتل بن مسمع ولي سجستان فأتاه الناس فأعطاهم الأموال، فلما قدم البصرة بسط له الناس أرديتهم فقال: (لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) (الصافات: ٦١) ؛ وعبيد الله ابن ظبيان خطب خطبة فأوجز فيها، فناداه الناس من أعراض المسجد: كثّر الله فينا أمثالك، فقال: لقد كلّفتم ربّكم شططا؛ ومعبد بن زرارة كان ذات يوم جالسا على طريق فمرّت به امرأة فقالت له: يا عبد الله أين الطريق إلى مكان كذا؟ فقال: ألمثلي يقال عبد الله ويلك!! وأبو سمال الحنفي أضلّ ناقته فقال: والله لئن لم يردّ إليّ ناقتي لا صلّيت أبدا، فلما وجدها قال: علم أنّها مني صرّى [٢] .

стр. 1047

«٢٨٠» - قال بعض الحكماء: يا بنيّ عليك بالترحيب والبشر، وإياك والتقطيب والكبر، فإنّ الإخوان يحبّون أن يلقوا بما يحبون وإن منعوا ولا يحبّون أن يلقوا بما لا يحبون وإن أعطوا [١] ، فانظر إلى خصلة غطّت على مثل اللؤم فالزمها، وانظر إلى خصلة غطّت على مثل الكرم فاجتنبها، ألم تسمع إلى قول حاتم: [من الطويل] أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخصب عندي والمكان جديب وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيب [المذكورون بالكبر من قريش] «٢٨١» - قال الجاحظ: المذكورون بالكبر من قريش: بنو مخزوم وبنو أمية، ومن العرب بنو جعفر بن كلاب وبنو زرارة بن عدس. وأما الأكاسرة فكانوا لا يعدّون الناس إلّا عبيدا، وأنفسهم إلّا أربابا. والكبر في الأجناس الذليلة أرسخ، ولكنّ القلّة والذلّة مانعتان من ظهور كبرهم. والجملة أنّ من قدر من الوضعاء أدنى قدرة ظهر من كبره ما لا خفاء به، وشيء قد قتلته علما وهو أني لم أر ذا كبر قطّ على من دونه إلّا وهو يذلّ لمن فوقه بمقدار ذلك ووزنه. وقال: أما بنو مخزوم وبنو أمية وبنو جعفر بن كلاب واختصاصهم بالتيه فإنهم أبطرهم ما وجدوا لأنفسهم من الفضيلة، ولو كان في قوى عقولهم فضل على قوى دواعي الحميّة فيهم لكانوا كبني هاشم في تواضعهم وإنصافهم لمن دونهم. «٢٨٢» - أبو البيداء الأعرابي: [من الطويل]

стр. 1048

ولست بتيّاه إذا كنت مثريا ... ولكنه خلقي إذا كنت معدما وإنّ الذي يعطى من المال ثروة ... إذا كان نذل الوالدين تعظّما «٢٨٣» - قال رجل: ما رأيت ذا كبر قطّ إلّا تحوّل داؤه فيّ؛ يريد إني أتكبر عليه. «٢٨٤» - وقال آخر: ما تاه عليّ أحد مرتين. يريد أنه إذا تاه مرة لم أعاوده. «٢٨٥» - قيل لرجل من بني عبد الدار: ألا تأتي الخليفة؟ قال: أخاف أن لا يحمل الجسر شرفي. «٢٨٦» - قيل للحجاج بن أرطأة: ما لك لا تحضر الجماعة؟ قال: أكره أن يزاحمني البقالون. «٢٨٧» - عليّ بن الجهم: [من البسيط] جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما ... تيه الملوك وأحوال المساكين [١] «٢٨٨» - استأذن نافع بن جبير بن مطعم على معاوية بن أبي سفيان فمنعه الحاجب فهشم أنفه، فقال له معاوية: أتفعل هذا بحاجبي؟ فقال له: وما يمنعني وأنا بالمكان الذي أنا به من أمير المؤمنين؟ فقال له أبوه: فضّ الله فاك، ألا قلت:

стр. 1049

وأنا بالمكان الذي أنا فيه من بني عبد مناف [١] . «٢٨٩» - دخل عقال بن شبة على هشام بن عبد الملك وأراد أن يقبّل يده فقال: لا تفعل، فلم يفعل هذا من العرب إلّا هلوع، ومن العجم إلّا خضوع. «٢٩٠» - ولما أفضت الخلافة إلى أبي العباس وفدت عليه قريش، فأمروا بتقبيل يده حتى دخل إبراهيم بن محمد العدوي فقال: يا أمير المؤمنين لو كان تقبيل اليد يزيد في القربة [٢] منك لأخذت بحظّي منه، وإنك لغنيّ عما لا أجر لك فيه، وفيه منقصة لنا، فقارّه ولم ينقصه من حظوظ أصحابه شيئا.

стр. 1050

نوادر من هذا الباب «٢٩١» - مرّ رجل بجمين [١] فسلّم عليه، فلم يردّ عليه، فقيل له في ذلك فقال: سلّم عليّ بالإيماء فرددت عليه بالضمير. ٢٩» - مرّ أبو دهمان، وهو أمير نيسابور، على رجل جالس، ومع أبي دهمان صديق له يسايره، فقام الناس إليه ودعوا له إلا ذلك الرجل، فقال أبو دهمان لصديقه الذي يسايره: أما ترى ذلك الرجل في النظّارة [٢] وتيهه عليّ؟ فقال له: وكيف يتيه عليك وأنت الأمير؟ قال: لأنه قد ناكني وأنا غلام. ٢٩٣- قيل لأعرابيّ كيف تقول: استخذأت أو استخذيت؟ قال: لا أقوله، قيل: ولم؟ قال: لأنّ العرب لا تستخذي. «٢٩٤» - الهنادي: [من الكامل] يا قبلة ذهبت ضياعا في يد ... ضرب الإله بنانها بالنقرس يتلوه: باب القناعة والحرص إن شاء الله تعالى.

стр. 1051

الباب العاشر في القناعة والظّلف والحرص والطّمع

стр. 1052

[خطبة الباب] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) * الحمد لله الوهّاب المفضل، المعطي المجزل، باسط الرزق لمن يشاء ومقدّره، ومانع ما يشاء وميسّره، الذي مدح القناعة وأعزّها، وذمّ الضّراعة وأذلّها، وأنزل الحريص بمنزلة المتسخّط فكدّر حياته وحرمه، وعلم أنّ القنوع راض بقسمته فهنّأ عيشه وسلّمه. وأعوذ بعصمته من موردات الطمع، وألوذ برأفته من مخزيات الطّبع، وأسأله أن يرضينا بما قسم لنا من رزقه، ولا يجعل لنا تطلّعا إلى ما في أيدي خلقه، والصلاة على نبيّه وصفوته، ورسوله وخيرته، الراضي من الدنيا بكفافها وميسورها، الرافض لما آتاه من كنوزها حين حيزت له بحذافيرها، وعلى آله ما حسر الصبح عن ظلم الدياجي وديجورها.

стр. 1053

(الباب العاشر في القناعة والظّلف والحرص والطمع) [آيات وأحاديث وحكم] «٢٩٥» - جاء في تفسير قوله : (مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً) (النحل: ٩٧) أنّ المراد بها القناعة. وقال تعالى لنبيّه ﵇: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) (طه: ١٣١) . «٢٩٦» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: القناعة مال لا ينفد. «٢٩٧» - وقال ﷺ : ما عال من اقتصد. «٢٩٨» - وقال ﷺ : أربع من الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، والحرص، والأمل. «٢٩٩» - ومن كلام عليّ بن أبي طالب ﵇: كفى بالقناعة ملكا، وبحسن الخلق نعيما. من اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة وتبوّأ خفض

стр. 1054

الدعة. ما أقبح الخشوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى. الطمع مورد غير مصدر، وضامن غير وفيّ، وربما شرق شارب الماء قبل ريّه، وكلّما عظم قدر الشيء المتنافس فيه عظمت الرزيّة لفقده. والأماني تعمي البصائر. أزرى بنفسه من استشعر الطمع. ٣٠٠- وقال أرسطاطاليس: لا غنى لمن ملكه الطمع واستولت عليه الأماني. ٣٠١- ويقال: لا تخلق نفسك بالحرص فتذهب عنك بهجة الوقار. «٣٠٢» - وقال أعرابيّ لرجل حريص على الدنيا: يا أخي أنت طالب ومطلوب: يطلبك ما لا تفوته، وتطلب ما قد كفيته، كأنك بما غاب عنك قد كشف لك، وما أنت فيه قد نقلت عنه، أما رأيت حريصا محروما وزاهدا مرزوقا؟ «٣٠٣» - وقال آخر: الحرص ينقص من قدر الإنسان ولا يزيد في رزقه. ٣٠٤- قيل: أنفق ما يكون التعب إذا وعد كذاب حريصا. ٣٠٥- وقال آخر: احتمل الفقر بالتنزّه عما في يدي غيرك، والزم القناعة بما قسم لك، فإنّ سوء حمل الفقر يضع الشريف، ويخمل الذكر، ويوجب الحرمان. «٣٠٦» - قال أبو ذؤيب: [من الكامل] والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع «٣٠٧» - وقال سالم بن وابصة: [من الطويل] غنى النفس ما يكفيك من سدّ خلّة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا

стр. 1055

«٣٠٨» - قال الكنديّ: العبد حرّ ما قنع، والحرّ عبد ما طمع. «٣٠٩» - قيل: إنّ الغنى والعزّ خرجا يجولان فلقيا القناعة فاستقرّا. ٣٠٩ ب- وقيل: انتقم من الحرص بالقناعة كما تنتصر من العدوّ بالقصاص. «٣١٠» - قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم فأفسداها أشدّ من حرص المرء على المال. «٣١١» - وقال ﷺ : يهرم ابن آدم وتشبّ منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر. ٣١٢- وقال ﷺ : إنّ لكلّ رجل من الدنيا رزقا هو يأتيه لا محالة، من رضي به بورك له فيه ووسعه، ومن لم يرض به لم يبارك له فيه ولم يسعه. «٣١٣» - وقال ﷺ : لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغه آخر رزق هو له، فأجملوا في الطلب: أخذ [١] الحلال وترك الحرام. «٣١٤» - وقيل: يا رسول الله: ما الغنى؟ قال: اليأس عما في أيدي الناس؛ وإياكم والطمع فإنه الفقر الحاضر. «٣١٥» - قال عبد الملك لأعرابيّ: تمنّ. فقال: العافية. قال: ثم ماذا؟ قال: رزق في دعة، قال: ثم ماذا؟ قال: الخمول فإني رأيت الشرّ إلى ذي النباهة أسرع.
следующие страницы →