[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
الحمد لله الوهّاب المفضل، المعطي المجزل، باسط الرزق لمن يشاء ومقدّره، ومانع ما يشاء وميسّره، الذي مدح القناعة وأعزّها، وذمّ الضّراعة وأذلّها، وأنزل الحريص بمنزلة المتسخّط فكدّر حياته وحرمه، وعلم أنّ القنوع راض بقسمته فهنّأ عيشه وسلّمه. وأعوذ بعصمته من موردات الطمع، وألوذ برأفته من مخزيات الطّبع، وأسأله أن يرضينا بما قسم لنا من رزقه، ولا يجعل لنا تطلّعا إلى ما في أيدي خلقه، والصلاة على نبيّه وصفوته، ورسوله وخيرته، الراضي من الدنيا بكفافها وميسورها، الرافض لما آتاه من كنوزها حين حيزت له بحذافيرها، وعلى آله ما حسر الصبح عن ظلم الدياجي وديجورها.
стр. 1053
(الباب العاشر في القناعة والظّلف والحرص والطمع)
[آيات وأحاديث وحكم]
«٢٩٥» - جاء في تفسير قوله : (مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً)
(النحل: ٩٧) أنّ المراد بها القناعة. وقال تعالى لنبيّه ﵇: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى)
(طه: ١٣١) .
«٢٩٦» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: القناعة مال لا ينفد.
«٢٩٧» - وقال ﷺ : ما عال من اقتصد.
«٢٩٨» - وقال ﷺ : أربع من الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، والحرص، والأمل.
«٢٩٩» - ومن كلام عليّ بن أبي طالب ﵇: كفى بالقناعة ملكا، وبحسن الخلق نعيما. من اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة وتبوّأ خفض
стр. 1054
الدعة. ما أقبح الخشوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى. الطمع مورد غير مصدر، وضامن غير وفيّ، وربما شرق شارب الماء قبل ريّه، وكلّما عظم قدر الشيء المتنافس فيه عظمت الرزيّة لفقده. والأماني تعمي البصائر. أزرى بنفسه من استشعر الطمع.
٣٠٠- وقال أرسطاطاليس: لا غنى لمن ملكه الطمع واستولت عليه الأماني.
٣٠١- ويقال: لا تخلق نفسك بالحرص فتذهب عنك بهجة الوقار.
«٣٠٢» - وقال أعرابيّ لرجل حريص على الدنيا: يا أخي أنت طالب ومطلوب: يطلبك ما لا تفوته، وتطلب ما قد كفيته، كأنك بما غاب عنك قد كشف لك، وما أنت فيه قد نقلت عنه، أما رأيت حريصا محروما وزاهدا مرزوقا؟
«٣٠٣» - وقال آخر: الحرص ينقص من قدر الإنسان ولا يزيد في رزقه.
٣٠٤- قيل: أنفق ما يكون التعب إذا وعد كذاب حريصا.
٣٠٥- وقال آخر: احتمل الفقر بالتنزّه عما في يدي غيرك، والزم القناعة بما قسم لك، فإنّ سوء حمل الفقر يضع الشريف، ويخمل الذكر، ويوجب الحرمان.
«٣٠٦» - قال أبو ذؤيب: [من الكامل]
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع
«٣٠٧» - وقال سالم بن وابصة: [من الطويل]
غنى النفس ما يكفيك من سدّ خلّة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
стр. 1055
«٣٠٨» - قال الكنديّ: العبد حرّ ما قنع، والحرّ عبد ما طمع.
«٣٠٩» - قيل: إنّ الغنى والعزّ خرجا يجولان فلقيا القناعة فاستقرّا.
٣٠٩ ب- وقيل: انتقم من الحرص بالقناعة كما تنتصر من العدوّ بالقصاص.
«٣١٠» - قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم فأفسداها أشدّ من حرص المرء على المال.
«٣١١» - وقال ﷺ : يهرم ابن آدم وتشبّ منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر.
٣١٢- وقال ﷺ : إنّ لكلّ رجل من الدنيا رزقا هو يأتيه لا محالة، من رضي به بورك له فيه ووسعه، ومن لم يرض به لم يبارك له فيه ولم يسعه.
«٣١٣» - وقال ﷺ : لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغه آخر رزق هو له، فأجملوا في الطلب: أخذ [١] الحلال وترك الحرام.
«٣١٤» - وقيل: يا رسول الله: ما الغنى؟ قال: اليأس عما في أيدي الناس؛ وإياكم والطمع فإنه الفقر الحاضر.
«٣١٥» - قال عبد الملك لأعرابيّ: تمنّ. فقال: العافية. قال: ثم ماذا؟
قال: رزق في دعة، قال: ثم ماذا؟ قال: الخمول فإني رأيت الشرّ إلى ذي النباهة أسرع.
стр. 1056
[أخبار في هذا الباب]
٣١٦- قال قتيبة: إنّ الحريص ليتعجّل الذلّة قبل إدراك البغية.
«٣١٧» - وقيل: لا راحة لحريص ولا غنى لذي طمع.
«٣١٨» - وقال جعفر بن محمد: ثمرة القناعة الراحة.
«٣١٩» - وقال عليّ بن موسى: القناعة تجمع إلى صيانة النفس وعزّ القدرة طرح مؤن الاستكثار والتعبّد لأهل الدنيا. ولا يسلك طريق القناعة إلّا رجلان:
إمّا متقلّل يريد أجر الآخرة، أو كريم يتنزّه عن لئام الدنيا.
«٣٢٠» - وقالوا: الراضي القانع يعيش آمنا مطمئنا، مستريحا مريحا؛ والشّره الحريص لا يعيش إلّا تعبا نصبا في خوف وأذى.
«٣٢١» - قال عبيد الله بن زياد بن ظبيان: إياكم والطمع فإنه يردي، والله لقد هممت أن أفتك بالحجاج، فإني لواقف على بابه بدير الجماجم إذا أنا بالحجاج قد خرج على دابة ليس معه غير غلام، فأجمعت على قتله، فكأنه عرف ما في نفسي فقال: ألقيت ابن أبي مسلم؟ قلت: لا، قال: فالقه، فإنّ عهدك معه على الريّ. قال: فطمعت وكففت عنه، وأتيت يزيد بن أبي مسلم فسألته فقال: ما أمرني بشيء.
٣٢٢- قال بعض الأعراب: [من الرجز]
أريد أن أبقى ويبقى ولدي ... وأن تدوم صحّتي وجلدي
موفّرا عليّ ما تحوي يدي ... وهذه أمانيات الفند
стр. 1057
«٣٢٣» - وقال كلثوم بن عمرو العتّابي: [من الطويل]
تلوم على ترك الغنى باهليّة ... زوى الدهر عنها كلّ طرف وتالد
رأت حولها النسوان يرفلن في الكسى ... مقلّدة أجيادها بالقلائد
أسرّك أني نلت ما نال جعفر ... من المال أو ما نال يحيى بن خالد
وأنّ أمير المؤمنين أغصّني ... مغصّهما بالمشرقات البوارد
ذريني تجئني ميتتي مطمئنّة ... ولم أتجشّم هول تلك الموارد
فإنّ جسيمات الأمور منوطة ... بمستودعات في بطون الأساود
«٣٢٤» - صحب أعشى همدان، واسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث، خالد بن عتّاب بن ورقاء فقصّر به في العطاء، وأعطى الناس عطايا جعله في أقلّها، وفضّل عليه آل عطارد، فقال من أبيات: [من الطويل]
ما كنت ممّن ألجأته خصاصة ... إليك ولا ممّن تغرّ المواعد
ولكنّها الأطماع وهي مذلّة ... دنت بي وأنت النازح المتباعد
٣٢٥- قال المدائني: أبطأ على رجل من أصحاب الجنيد بن عبد الرحمن ما قبله وهو على خراسان، وكان يقال للرجل: زامل بن عمرو، من بني أسد بن خزيمة. فدخل على الجنيد يوما فقال: أصلح الله الأمير، قد طال انتظاري، فإن رأى الأمير أن يضرب لي موعدا أنتهي إليه فعل، قال: موعدك الحشر. فخرج زامل وارتحل متوجها إلى أهله. ودخل على الجنيد بعد ذلك رجل من أصحابه فقال: [من الطويل]
أرحني بخير منك إن كنت فاعلا ... وإلّا فميعاد كميعاد زامل
стр. 1058
فقال: وما فعل زامل؟ قال: لحق بأهله. فأبرد الجنيد في أثره بريدا، وبعث بعهده على الكورة التي يدرك بها، فأدرك بنيسابور فوليها.
«٣٢٦» - وفد الوليد بن عقبة إلى معاوية، فقيل له: هذا الوليد بن عقبة بالباب فقال: والله ليرجعنّ مغيظا [١] غير معطى، فإنه قد أتانا يقول: عليّ دين وعليّ كذا وكذا. يا غلام إيذن له. فأذن له، فساءله معاوية وتحدّث معه فقال له: أما والله إن كنّا لنحبّ إتيان [٢] مالك بالوادي وقد أعجب أمير المؤمنين، فإن رأيت أن تهبه ليزيد فعلت، قال الوليد: هو ليزيد. انظر يا أمير المؤمنين في شأني، فإنّ عليّ مؤونة وقد أرهقني دين [٣] ، فقال له معاوية: ألا تستحيي بحسبك ونسبك [٤] تأخذ ما تأخذه فتبذره ثم لا تنفكّ تشكو دينا؟! فقال الوليد: أفعل، ثم انطلق من مكانه وصار [٥] إلى الجزيرة وقال: [الكامل المجزوء]
تأبى فعال الخير لا ... تروى وأنت على الفرات
فإذا سئلت تقول لا ... وإذا سألت تقول هات
أفلا تميل إلى «نعم» ... أو ترك «لا» حتى الممات؟
وبلغ معاوية مقدمه إلى الجزيرة فخافه وكتب إليه أن أقبل إليّ، فكتب إليه:
[من الطويل]
أعفّ وأستغني كما قد أمرتني ... فاعط سواي ما بدا لك وانحل [٦]
стр. 1059
سأحدو ركابي عنك إنّ عزيمتي ... إذا نابني أمر كسلّة منصل
وإني امرؤ للرأي مني تطرّب [١] ... وليس شبا قفل عليّ بمقفل
ورحل إلى الحجاز، فبعث إليه معاوية بصلته وجائزته.
[عروة بن أذينة والرزق]
«٣٢٧» - خرج عروة بن أذينة إلى هشام بن عبد الملك في قوم من أهل المدينة وفدوا عليه، وكان ابنه مسلمة بن هشام سنة حجّ أذن لهم في الوفود عليه. فلما دخلوا على هشام انتسبوا له [٢] ، فقال له: ما جاء بك [٣] يا ابن أذينة؟ فقال:
[من المتقارب]
أتينا نمتّ بأرحامنا ... وجئنا بإذن أبي شاكر
بإذن الذي سار معروفه ... بنجد وغار مع الغائر ضإلى خير خندف في ملكها
لباد من الناس أو حاضر
فقال له هشام: ما أراك إلّا قد أكذبت نفسك حيث تقول: [من البسيط]
لقد علمت وما الإشراف [٤] من خلقي ... أنّ الذي هو رزقي سوف يأتيني
فقال له ابن أذينة: ما أكذبت [٥] نفسي يا أمير المؤمنين، ولكني صدقتها وهذا من ذاك. ثم خرج من عنده وركب راحلته راجعا إلى المدينة، فلما أمر لهم هشام
стр. 1060
بجوائزهم تفقدهم فقال: أين ابن أذينة؟ فقالوا: غضب من تقريعك له فانصرف راجعا إلى المدينة. فبعث إليه بجائزته وقال للرسول: قل له قد أردت أن تكذبنا وتصدّق نفسك. فمضى الرسول فلحقه على ماء يتغدّى عليه فأبلغه رسالته ودفع إليه الجائزة فقال: قال له: قد صدقني الله وكذبك.
وبيت عروة الذي واقفه هشام عليه من قصيدة مختارة وبعده:
أسعى له فيعنّيني تطّلبه ... ولو جلست أتاني لا يعنّيني
لا خير في طمع يدني إلى طبع ... وغفّة من قوام العيش تكفيني
لا أركب الأمر تزري بي عواقبه ... ولا يعاب به عرضي [١] ولا ديني
كم من فقير غنيّ النفس تعرفه ... ومن غنيّ فقير النفس مسكين
ومن عدوّ رماني لو قصدت له ... لم آخذ النّصف منه حين يرميني
ومن أخ لي طوى كشحا فقلت له ... إنّ انطواءك عني سوف يطويني
إني لأنظر فيما كان من أربي ... وأكثر الصمت فيما ليس يعنيني
لا أبتغي وصل من يبغي مقاطعتي ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني
[أبو دهمان الغلابي]
«٣٢٨» - قال سعيد بن سلم [٢] : كنت واليا بأرمينية، فغبر أبو دهمان الغلابي على بابي أياما، فلما وصل مثل بين يديّ بين السماطين فقال: إني والله لأعرف أقواما لو علموا أنّ سفّ التراب يقيم من أود أصلابهم لجعلوه مسكة لأرماقهم، إيثارا للتنزّه عن عيش رقيق الحواشي. أما والله إني لبعيد الوثبة [٣] ، بطيء العطفة،
стр. 1061
إنه والله ما يثنيني عليك إلّا مثل ما يصرفك عنّي، ولأن أكون مقلّا مقرّبا أحبّ اليّ مّن أن أكون مكثرا مبعدا، ما نسألك عملا لا نضبطه، ولا مالا إلّا ونحن أكثر منه.
إنّ هذا الأمر الذي صار في يدك قد كان في يد غيرك فأمسوا والله حديثا، إن خيرا فخيرا وإن شرّا فشرّا، فتحبّب إلى عباد الله بحسن البشر ولين الحجاب، فإنّ حبّ عباد الله موصول بحبّ الله، وهم شهداء على خلقه، ورقباؤه على من اعوجّ سبيله.
[مزيد من الأخبار والأشعار]
٣٢٩- قال المنصور لبعض أصحابه: سلني، فقال: يبقي الله أمير المؤمنين. فقال: ويحك اذكر ما تريد فليس كلّ وقت تؤمر بهذا. فقال: والله ما أغتنم مالك، ولا أخاف بخلك، ولا أستقصر عمرك، وإنّ سؤالك لزين، وإنّ عطاءك لشرف، وما بامرىء بذل وجهه إليك من عار. فتلافى المنصور بالمدح بما ليس فيه، وكفته القناعة من اجتدائه.
٣٣٠- رئي بهلول في مقبرة فقيل له: هلّا خالطت الناس؟ فقال: إني بين قوم إن حضرت لم يؤذوني، وإن غبت لم يغتابوني. قيل له: فادع الله تعالى فإنّ الناس في ضرّ وشدة من الغلاء، فقال: وما عليّ من ذاك ولو بلغت الحبة دينارا، وإنما عليّ أن أعبد [١] الله تعالى كما أمرني، وعليه أن يرزقني كما وعدني.
«٣٣١» - قال رجل: دخلت على هند بنت المهلب فرأيت بيدها مغزلا تغزل به، فقلت لها: تغزلين؟ قالت: نعم سمعت أبي يذكر عن رسول الله ﷺ أنه قال:
أعظمكنّ أجرا أطولكنّ طاقة؛ وهو يطرد الشيطان ويذهب بحديث النفس.
стр. 1062
«٣٣٢» - وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: المغزل في يد المرأة مثل الرمح في يد الغازي في سبيل الله تعالى.
«٣٣٣» - روي أنّ كعبا لقي عبد الله بن سلام فقال: يا ابن سلام، من أرباب العلم؟ قال: الذين يعملون به، قال: فما أذهب العلم من قلوب العلماء بعد إذ علموه ووعوه؟ قال: الطمع وشره النفس وطلب الحوائج إلى الناس.
«٣٣٤» - قال شيخ كوفيّ من بني عبس: سألت الحسن عما تنبسط فيه أيدينا من الطعام فقال، قال عمر: كفى شرها إذا اشتهيت شيئا أكلته؛ وقال: إن كان عمر ليشتهي الشيء فيدافعه سنة.
٣٣٥- قال فيلسوف: الإنسان يزداد على كثرة المال نهما كما تزداد النار على الحطب ضرما.
٣٣٦- الطامع في وثاق الذلّ.
٣٣٧- ربّ مغرق قد خاب، ومقتصد قد فاز.
٣٣٨- قال الأصمعي: لقيت أعرابيّا في بعض نواحينا فقلت: ممّن الرجل؟
قال: من بني أسد، قلت: من أين أقبلت؟ قال: من البادية بأرض ما نريد بها بدلا ولا نبغي عنها حولا، بعجتها الغاديات، وحفّتها الفلوات، فنحن فيها بأرقّ عيشة وأنعم معيشة، فقلت: ما طعامكم فيها؟ فقال: بخ بخ أطيب طعام وأهنأه وأمرأه: الهبيد والفطس والعنكث والعلهز [١] ، وربّما والله أكلنا القديد واشتوينا
стр. 1063
الجلد، فما نرى أنّ أحدا أحسن منا حالا، ولا أرضى منا بالا ولا أخصب رحالا، فالحمد لله على ما رزقنا من القناعة وحسن الدعة، أما سمعت ما قاله قائلنا؟ قلت: وما قال؟ فأنشدني: [من الطويل]
إذا ما امتذقنا كلّ يومين مذقة ... بخمس تميرات صغار كوانز
فنحن ملوك الأرض خصبا ونعمة ... ونحن ليوث الحرب عند الهزاهز
«٣٣٩» - وقال يزيد بن الحكم الثقفي: [من الطويل]
رأيت السخيّ النفس يأتيه رزقه ... هنيئا ولا يعطى على الحرص جاشع
وكلّ حريص لن يجاوز رزقه ... وكم من موفّى رزقه وهو وادع
«٣٤٠» - وقال عمرو بن مالك الحارثي: [من البسيط]
الحرص للنفس فقر والقنوع غنى ... والقوت إن قنعت بالقوت مجزيها
والنفس لو أنّ ما في الأرض حيز لها ... ما كان إن هي لم تقنع بكافيها
«٣٤١» - وقال آخر: [من المتقارب]
لعمرك لليأس عند اليقي ... ن خير من الطمع الكاذب
«٣٤٢» - وقال ابن هرمة: [من الطويل]
إذا أنت لم تأخذ من اليأس عصمة ... تشدّ بها في راحتيك [١] الأصابع
شربت بطرق الماء حيث لقيته ... على رنق واستعبدتك المطامع
стр. 1064
«٣٤٣» - وقال أيضا: [من الطويل]
وفي اليأس عن بعض المطامع راحة ... ويا ربّ خير أدركته المطامع
«٣٤٤» - وقال هدبة بن خشرم: [من الطويل]
وبعض رجاء المرء ما ليس نائلا ... عناء وبعض اليأس أعفى وأروح
«٣٤٥» - وقال مكنف بن معاوية التميمي: [من المتقارب]
ترى المرء يأمل ما لن يرى ... ومن دون ذلك ريب الأجل
وكم آيس قد أتاه الرجاء ... وذي طمع قد لواه الأمل
«٣٤٦» - قال عبد الله بن مسعود: لو أنّ العلماء أعزّوا العلم بما أعزّه الله تعالى، ووضعوه عند أهله، لسادوا به أهل زمانهم، وصار الناس لهم تبعا.
ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا من فضلهم فهانوا عليهم.
٣٤٦ ب- كان سويد بن غفلة إذا قيل له قد ولي فلان قال: حسبي كسرتي وملحي.
٣٤٧- وقيل: من أمّل رجلا هابه، ومن قصرّ عن شيء عابه.
«٣٤٨» - قال بشر بن الحارث: خرج فتى في طلب الرزق، فبينا هو يمشي إذ أعيا، فأوى إلى خراب يستريح فيه، فبينا هو يدير بصره إذ وقعت عيناه على بناء فيه كتاب [١] : [من الكامل]
стр. 1065
إني رأيتك قاعدا مستقبلي ... فعلمت أنك للهموم قرين
هوّن عليك وكن بربّك واثقا ... وأخو التوكّل شأنه التهوين
طرح الأذى عن نفسه في رزقه ... لما تيقّن أنه مضمون
قال: فرجع الفتى إلى بيته وقال: اللهم أدّبنا أنت.
٣٤٩- قال عامر بن عبد قيس [١] : ما أبالي ما فاتني من الدنيا بعد آيات في كتاب الله ﵎: (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ)
(هود: ٦) (ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ)
(فاطر: ٢) (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
(الأنعام: ١٧) ٣٥٠- قال أنس: كان رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله لا يدّخر شيئا لغد. وأهدي إليه صلّى الله عليه وعلى آله ثلاث طوائر فأطعم خادمه طائرا، فلما كان من الغد أتته به فقال لها لله: ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد فإنّ الله يأتي برزق كلّ غد [٢] .
٣٥١- وقال ﷺ : قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه.
٣٥٢- وقال ﷺ لابن مسعود: لا تكثر همّك، ما يقدّر يكن، وما ترزق يأتك.
٣٥٣- قيل: ما ترك عيسى ﵇ حين رفع إلّا مدرعة من صوف، وخفّي راع، وحذّافة يحذف بها الطير.
стр. 1066
«٣٥٤» - وروى بعض أصحاب عليّ ﵇ قال: دخلنا عليه وبين يديه طبق من خوص عليه قرص أو قرصان من خبز شعير، وإنّ أشطاب النّخالة لتبين في الخبز، وهو يكسره على ركبته [١] ، ويأكله بملح جريش، فقلنا لجارية له سوداء يقال لها فضّة: ألا نخلت هذا الدقيق لأمير المؤمنين؟ فقالت: يأكل هو المهنّا ويكون الوزر في عنقي، فتبسّم عليّ ﵇ وقال: أنا أمرتها أن لا تنخله. قلنا: فلم يا أمير المؤمنين؟ قال: ذاك أجدر أن يذلّ النفس، ويقتدي بي المؤمن، وألحق بأصحابي.
٣٥٥- وقال سلمان الفارسي: قسمت الدنيا على درهمين: أبتاع بأحدهما خوصا والآخر طعاما، فأعمل الخوص، وإلى أن ينفد طعامي [أكون] قد عملت الخوص فأبيعه بدرهمين فأبتاع بأحدهما طعاما والآخر خوصا.
٣٥٦- يقال [٢] : من لزم العفاف هانت عليه موجدة الملوك.
٣٥٧- قيل للزهريّ: ما الزهد؟ قال: ليس هو تقشّف الجلد ولا خشونة المطعم ولكن ظلف النفس عن محبوب الشهوات.
«٣٥٨» - قال عليّ ﵇: لا تجاهد في الطلب جهاد المغالبة، ولا تتّكل على القدر اتّكال المستسلم، فإنّ ابتغاء الفضل من السنّة، والإجمال في الطلب من العفة.
«٣٥٩» - قال عيسى ﵇ للحواريين: أنتم أغنى من الملوك، قالوا:
كيف؟ قال: لأنكم لا تطلبون وهم يطلبون.
стр. 1067
٣٦٠- أصحر الحسن يوما فرأى صيادا فقال: ما أكثر ما يقع في شبكتك؟
قال: كلّ طير زاقّ، فقال الحسن: هلك المعيلون.
«٣٦١» - في الحديث: إنّ الصفاة الزلّاء التي لا تثبت عليها أقدام العلماء الطمع.
٣٦٢- شدة الحرص من سبل المتالف.
٣٦٣- المرء توّاق إلى ما لم ينل.
«٣٦٤» - النابغة الذبياني ويروى لأوس بن حجر: [من الوافر]
ولست بخابىء لغد طعاما ... حذار غد لكلّ غد طعام
٣٦٥- آخر [١] : [من الطويل]
إذا كنت تأتي المرء توجب حقّه ... ويجهل منك الودّ فالهجر أوسع
٣٦٦- آخر: [من البسيط]
لا تنكرنّ كلامي إنّ مخرجه ... من جرأة اليأس لا من هيبة الأمل
«٣٦٧» - ضده لجرير [٢] : [من الكامل]
إني لآمل منك خيرا عاجلا ... والنفس مولعة بحبّ العاجل
стр. 1068
٣٦٨- هشام بن إبراهيم البصري: [من الطويل]
وكم ملك جانبته عن كراهة ... لإغلاق باب أو لتشديد حاجب
ولي في غنى نفسي مراد ومذهب ... إذا انصرفت عنّي وجوه المذاهب
«٣٦٩» - بشار [١] : [من الكامل المرفّل]
اسكن إلى سكن تسرّ به ... ذهب الزمان وأنت منفرد
ترجو غدا وغد كحاملة ... في الحيّ [٢] لا يدرون ما تلد
«٣٧٠» - استشار ابن المعتز صديق له في عمل فقال: ربّما أورد الطمع ولم يصدر، وضمن [٣] ولم يف، ومن تماسكت حاله في أهل طبقته وجب على عقله القناعة، وربّما شرق شارب الماء قبل ريّه، ومن تجاوز الكفاف لم يغنه الإكثار، وكلّما عظم قدر المتنافس فيه عظمت الفجيعة به. ومن ارتحله الحرص أنضاه الطلب. والأماني تعمي أبصار البصائر [٤] ، والحظّ يأتي من لا يأتيه. وربما كان الطمع [٥] وعاء حشوه المتالف. وأشقى الناس بالسلطان صاحبه كما أنّ أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقا.
«٣٧١» - حكيم: عزّ النزاهة أحبّ إليّ من فرح الفائدة، والصبر على
стр. 1069
العسرة أحبّ إليّ من احتمال المنّة.
«٣٧٢» - قال قدامة بن زياد الكاتب: دخلت والحسن بن وهب إلى محمد بن عبد الملك الزيات وعنده جماعة من خاصّة إخوانه، فجعل الجماعة منهم يشكون أحوالهم والحسن ساكت، وكنت فيمن شكا، فقال له محمد: يا أبا عليّ، إن كانت حالك تستغني عن الشكوى فإنّ ذلك يسرّني، وإن كانت على غير ذلك وأنفت من الشكوى إليّ لقد سؤتني، فقال الحسن: لا ولكني أخذت بقول الكميت حيث يقول [١] : [من الطويل]
صموت إذا ضجّ المطيّ كأنّما ... تكرّم عن أخلاقهنّ وترغب
«٣٧٣» - قال الجاحظ: إنّ الله تعالى إنما خالف بين طبائع الناس ليوفّق بينهم في مصالحهم، ولولا ذلك لاختاروا كلّهم الملك والسياسة، أو التجارة والفلاحة، وفي ذلك ذهاب المعاش وبطلان المصلحة. فكلّ صنف من الناس مزيّن لهم ما هم فيه، فالحائك إذا رأى من صاحبه تقصيرا أو خرقا قال: يا حجّام، والحجّام إذا رأى مثل ذلك من صاحبه قال: يا حائك، فأراد الله تعالى أن يجعل الاختلاف سببا للائتلاف، فسبحانه من مدبّر حكيم. وترى البدويّ في بيت من قطعة كساء، معمّد بعظام الجيف مع كلبه، لباسه شملة من وبر أو شعر، ودواؤه بول الإبل، وطيبه القطران وبعر الظباء، وحلي امرأته الودع وثمار المقل، وصيده اليربوع في مفازة لا يسمع فيها إلّا نئيم بومة، وزقاء هامة، وعواء ذئب، وهو راض بذلك مفتخر به.
стр. 1070
«٣٧٤» - قال الأصمعي: سمعت أعرابيّا يقول: عجبت للحريص المستقلّ لكثير ما في يده، والمستكثر لقليل ما في يد غيره، حتى طلب الفضل بذهاب الأصل، فركب مفاوز البراري ولجج البحار معرّضا نفسه للممات وماله للافات، ناظرا إلى من سلم، غير معتبر بمن عدم.
[لما افتتح الرشيد هرقلة]
٣٧٥- لما افتتح الرشيد هرقلة أباحها ثلاثة أيام، وكان بطريقها الخارج إليه بسيل الرومي، فنظر إليه الرشيد مقبلا على جدار فيه كتاب باليونانية، وهو يطيل النظر فيه، فدعا به فقال: لم تركت الانتهاب وأقبلت على هذا الجدار تنظر فيه؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنّ في هذا الجدار كتابا هو أحبّ إليّ من هرقلة وما فيها. قال الرشيد: ما هو؟ قال: بسم الله الملك الحقّ المبين، ابن آدم: غافص الفرصة عند إمكانها، وكل الأمور إلى وليها. لا تحمل على قلبك همّ يوم لم يأت، إن يكن من أجلك يأتك الله برزقك فيه، ولا تجعل سعيك في المال أسوة المغرورين، فربّ جامع لبعل حليلته. واعلم أنّ تقتير المرء على نفسه توفير منه على غيره. فالسعيد من اتّعظ بهذه الكلمات ولم يضيّعها. قال له الرشيد: أعدها عليّ يا بسيل، فأعادها حتى حفظها.
«٣٧٦» - قال سعد بن أبي وقاص: يا بنيّ إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة فإنها مال لا ينفد، وإيّاك والطمع فإنه فقر حاضر، وعليك باليأس فإنك لم تيأس من شيء قطّ إلّا أغناك الله عنه. الغنيّ من استغنى بالله، والفقير من افتقر إلى الناس.
[عود إلى إيراد أشعار]
«٣٧٧» - قيس بن الخطيم: [من الوافر]
فقل للمتّقي غرض المنايا ... توقّ وليس ينفعك اتقاء
стр. 1071
فلا يعطى الحريص غنى بحرص ... وقد ينمي على الجود الثراء
غنيّ النفس ما استغنت غنيّ ... وفقر النفس ما عمرت شقاء
٣٧٨- قيل [١] : اثنان لا يجتمعان أبدا: القنوع والحسد.
«٣٧٩» - الرضيّ في الأمل: [من الطويل]
غرست غروسا كنت أرجو لحاقها ... وآمل يوما أن تطيب جناتها
فإن أثمرت لي غير ما كنت أرتجي ... فلا ذنب لي إن حنظلت نخلاتها
٣٨٠- المنتصر بن المتوكل في مثله [٢] : [من الطويل]
متى ترفع الأيام من قد وضعنه ... وينقاد لي دهر عليّ جموح
أعلّل نفسي بالرجاء وإنني ... لأغدو على ما ساءني وأروح
٣٨١- بلبل الصفّار: [من الطويل]
وما صاحب السبعين والعشر بعدها ... بأقرب ممّن حنّكته القوابل
ولكنّ آمالا يؤمّلها الفتى ... وفيهنّ للراجين حقّ وباطل [٣]
«٣٨٢» - وقال الرضيّ: [من الطويل]
أرى كلّ زاد ما خلا سدّ جوعة ... ترابا وكلّ المال عندي آل
ومثلي لا يأسى على ما يفوته ... إذا كان عقبى ما ينال زوال
стр. 1072
«٣٨٣» - وقال أيضا: [من الطويل]
وما جمعي الأموال إلّا غنيمة ... لمن عاش بعدي واتهاما لرازقي
«٣٨٤» - وقال: [من الطويل]
فما التذّ طعم السير إلّا بمنية ... وإنّ الأماني نعم زاد المسافر
«٣٨٥» - وقال: [من المتقارب]
ولا بدّ من أمل للفتى ... وأمّ المنى أبدا حامل
[مزيد من الحكايات]
٣٨٦- قال عمر بن عبد العزيز: تعلّموا العلم فإنه عون للفقر، أما إني لا أقول تطلب به الدنيا ولكن يدعو إلى القنوع.
«٣٨٧» - الأعشى: [من الطويل]
كلانا غنيّ عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
«٣٨٨» - أصابت داود الطائي ضيقة شديدة، فجاءه حماد بن أبي حنيفة بأربعمائة درهم من تركة أبيه، فقال: هي من مال رجل ما أقدّم عليه أحدا في زهده وورعه وطيب كسبه، ولو كنت قابلا من أحد شيئا لقبلتها إعظاما للميت وإيجابا للحيّ، ولكني أحبّ أن أعيش في عزّ القناعة.
«٣٨٩» - العبيد ثلاثة: عبد رقّ، وعبد شهوة، وعبد طمع.
стр. 1073
«٣٩٠» - لقي كعب عبد الله بن سلام فقال: يا ابن سلام من أرباب العلم؟
قال: الذين يعملون به. قال: فما أذهب العلم عن قلوب العلماء بعد إذ علموه؟
قال: الطمع، وشدة الحرص، وطلب الحوائج إلى الناس.
«٣٩١» - قيل لحكيم: ما بال الشيخ أحرص على الدنيا من الشابّ؟ قال:
لأنه ذاق من طعم الدنيا ما لم يذقه الشابّ.
«٣٩٢» - قيل للاسكندر: ما سرور الدنيا؟ قال: الرضى بما رزقت منها.
قيل: فما غمّها؟ قال: الحرص.
«٣٩٣» - إبراهيم بن المهدي: [من البسيط]
قد شاب رأسي ورأس الحرص لم يشب ... إنّ الحريص من الدنيا لفي تعب
قد يرزق المرء لم تنصب رواحله ... ويحرم الرزق من لم يؤت من طلب
«٣٩٤» - سعيد بن جبير: الاغترار بالله المقام على الذنوب رجاء المغفرة.
«٣٩٥» - الفضيل: الخوف أفضل من الرجاء ما كان العبد صحيحا، فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل من الخوف.
«٣٩٦» - قيل لرجل: كيف حالك؟ قال: أخدم الرجاء إلى أن ينزل القضاء.
стр. 1074
«٣٩٧» - إياكم وطول الأمل فإنّ من ألهاه أمله أخزاه أجله.
«٣٩٨» - أنذر أبا مسلم شيخ نصرانيّ حين دنا قتله، فبكى، فقال: لا تبك فإنك لم تؤت من رأي رنيق، ولا حزم وثيق، ولا تدبير نافع، ولا سيف قاطع، ولكن ما اجتمع لأحد أمله إلّا أسرع في تفريقه أجله.
هو من قول عليّ ﵇: من بلغ أقصى أمله، فليتوقّع أدنى أجله.
٣٩٩- قيل لراهب بالشام عليه مدرعة صوف ضيّقة الكمين: لم ضيّقت كمّيك؟ قال: إنّ المسيح أمرنا أن نضيّق أكمامنا لئلّا ندّخر فيها شيئا إذا فضل عنّا.
«٤٠٠» - قال عباد بن منصور: كان بالبصرة من هو أفقه من عمرو بن عبيد وأفصح، ولكنّه كان أصبرهم عن الدرهم والدينار فساد أهل البصرة. قال له خالد بن صفوان: لم لا تأخذ منّي قال: لا يأخذ أحد من أحد إلّا ذلّ له، وأنا أكره أن أذلّ لغير الله. وكان معاشه من دار غلّتها دينار في الشهر.
٤٠١- حبس عمر بن عبد العزيز الغداء على مسلمة حتى برّح به الجوع، ثم دعا بشربة سويق فسقاه، حتى إذا انتفخ بطنه دعا بالغداء فلم يقدر على الأكل فقال: يا مسلمة أما يكفيك من الدنيا ما ترى؟ قال: بلى. قال: فعلام التقحّم في النار؟.
«٤٠٢» - وقف الملك على سقراط وهو في المشرقة، وقد أسند ظهره إلى حبّ
стр. 1075
كان يأوي إليه، فقال: سل حاجتك قال: حاجتي أن تزيل عنّي ظلك، فقد منعتني المرفق بالشمس. فدعا له بذهب وبكسى فاخرة من الديباج والقصب، فقال: ليس بسقراط حاجة إلى حجارة الأرض وهشيم النبت ولعاب الدود، إنّ حاجته إلى شيء يكون معه أنّى توجه.
«٤٠٣» - التقى عبد الرحمن بن عوف وأبو ذر، فقبّل عبد الرحمن ما بين عيني أبي ذرّ لكثرة سجوده، وقبّل أبو ذرّ يمين عبد الرحمن لكثرة صدقته. فلما افترقا بعث إليه عبد الرحمن ببدرة وقال لغلامه: إن قبلها منك فأنت حرّ، فأبى أن يقبلها. فقال الغلام: اقبل رحمك الله، فإنّ في قبولك عتقي، فقال أبو ذرّ: إن كان عتقك فيه فإنّ فيه رقّي، وردّها.
«٤٠٤» - من كلام عليّ ﵇: لا تجاهدوا الطلب مجاهدة الغالب، ولا تتكلوا على القدر اتّكال المستسلم، فإنّ ابتغاء الرزق من السنّة، والإجمال في الطلب من العفّة، وليست العفّة بدافعة رزقا، ولا الحرص بجالب فضلا.
стр. 1076
نوادر من هذا الباب
«٤٠٥» - قال رجل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ قال: لم تقل هذا إلّا وفي نفسك خير تصنعه إليّ [١] .
«٤٠٦» - وقيل: إنه لم يمت شريف قط من أهل المدينة إلّا استعدى أشعب على وصيّه أو وارثه [وقال له: احلف أنه لم يوص لي بشيء قبل موته] [٢] .
«٤٠٧» - وسأل سالم بن عبد الله بن عمر أشعب عن طمعه فقال: قلت لصبيان مرة هذا سالم قد فتح بيت صدقة عمر حتى يطعمكم تمرا فلما أحضروا ظننت أنه كما قلت فعدوت في أثرهم.
«٤٠٨» - وقال مرّة: بلغ من طمعي أني إذا رأيت دخان جاري أثرد [٣] . وما رأيت اثنين يتسارّان إلّا ظننت أنهما يأمران لي بشيء.
стр. 1077
«٤٠٩» - وقال: ما رأيت عروسا بالمدينة تزفّ إلّا كنست بيتي ورششته طمعا في أن تزفّ إليّ.
«٤١٠» - ووقف على رجل يعمل طبقا من الخيزران فقال له: وسّعه قليلا، قال الخيزراني: كأنك تريد أن تشتريه؟ قال: لا ولكن يشترى لبعض الأشراف فيهدي إليّ فيه شيئا.
«٤١١» - وقيل له: هل رأيت أطمع منك؟ قال: نعم كلب أمّ حومل تبعني فرسخين وأنا أمضغ كندرا ولقد حسدته على ذلك.
«٤١٢» - وسئل مرة عن مثل ذلك فقال: نعم، خرجت إلى الشام مع رفيق لي، فنزلنا بعض الديارات فتلاحينا في شيء، فقلت: أير الراهب في حر أمّ الكاذب، فلا نشعر إلّا بالراهب قد اطّلع علينا وقد أنعظ وهو يقول: أيّكما الكاذب؟
«٤١٣» - قال أشعب: تعلّقت بأستار الكعبة فقلت: اللهمّ أذهب عنّي الحرص والطلب إلى الناس، فمررت بالقرشيّين وغيرهم فلم يعطني أحد شيئا، فجئت إلى أمي فقالت: ما لك قد جئت خائبا؟ فأخبرتها فقالت: لا والله لا تدخل حتى ترجع فتستقيل ربّك، فجعلت أقول: يا ربّ أقلني. ثم رجعت فما مررت بمجلس لقريش ولا غيرهم إلّا أعطوني. ووهب لي غلام فجئت إلى أمي بحمّال موقر من كلّ شيء فقالت: ما هذا الغلام؟ فخفت أن أخبرها فتموت فرحا، فقلت: وهبوا لي، فقالت أيّ شيء قلت؟ قلت: غين. قالت: أيّ شيء
стр. 1078
قلت؟ قلت: لام، قالت: أيّ شيء قلت؟ قلت: ألف، قالت: أيّ شيء قلت؟ قلت: ميم. قالت: وأيّ شيء ميم؟ قلت: غلام. فغشي عليها، ولو لم أقطّع الحروف لماتت الفاسقة فرحا.
«٤١٤» - وكان لأشعب خرق في بابه [١] ، فينام ويخرج يده من الخرق، يطمع أن يجيء إنسان فيطرح في يده شيئا.
٤١٥- قطع على رجل فلقيه صديق له فقال: أحسبك جئت بخفّي حنين، فقال: تلقّاني حنين في الطريق فأخذ الخفّين من رجليّ وتركني حافيا.
ومما وضع على لسان الحيوان:
٤١٦- قالوا: جاء روميّ بخنزير فشدّه على اسطوانة، ووضع القتّ بين يديه ليسمّنه، وإلى جنبه أتان لها جحش كان يلتقط ما تناثر منه، فقال لأمه: ما أطيب هذا العلف، قالت: لا تغترّ بهذا العلف فإنّ وراءه الطامة الكبرى. فلما وضع السكين على حلق الخنزير ورآه الجحش وهو يضرب وينفح هرب وأتى أمه وأطلع أسنانه وقال: ويحك انظري هل بقي في خلال أسناني شيء من ذلك العلف؟
«٤١٧» - ومنه: أنّ قصّارا كان يعمل على شاطىء نهر، وكان يرى كلّ يوم كركيا يجيء فيلتقط من الحمأة دودا ويقتصر في القوت عليه، فرأى يوما بازيا قد ارتفع في الجوّ فاصطاد حماما فأكل منها بعضا وترك في موضعها البعض وطار، فتفكر الكركي في نفسه وقال: ما لي لا أصطاد الطير كما يصطاد البازيّ، وأنا أكبر جسما منه، فارتفع في الجوّ وانقضّ على حمام فأخطأه وسقط في الحمأة فتلطّخ ريشه ولم يمكنه أن يطير، فأخذه القصّار وحمله إلى منزله، فاستقبله رجل
стр. 1079
فقال له: ما هذا؟ فقال: كركي يتصقّر.
٤١٨- منصور الحراني: [من الطويل]
سعى نحونا يبغي القرى طاوي الحشا ... لقد عملت فيه الظنون الكواذب
فبات له منّا إلى الصبح شاتم ... يعدّد تطفيل الضيوف وضارب
٤١٩- قال عبد الملك حين حجّ لحبّى المدينية: ما فعلت خزيرتك؟
فقالت: البرمة عندي، وعندي أقط وسمن. فعملتها له، فأكل منها وقال: يا حبّى ليست كما كنت أعهد. فقالت: ألهاك عنها زمكّى الدجاج، قال:
صدقت، وأمر لها بمال.
«٤٢٠» - قال رجل لمدنيّ: أيسرّك أنّ هذه الدار لك؟ قال: نعم، قال:
وليس إلّا نعم؟ قال: وكيف أقول؟ قال: تقول نعم، وأحمّ سنة وأعوّر.
«٤٢١» - وروي عن معاوية أنه قال لجلسائه مرّة: وددت لو أنّ الدنيا في يدي بيضة نيمبرشت وأحسوها كما هي. وهذا خبر غريب بعيد أورده الزمخشريّ اللغويّ في كتابه المعروف بربيع الأبرار.
٤٢٢- كتب على عصا ساسان: الحركة بركة، والتواني هلكة، والكسل شؤم، والأمل زاد العجزة، وكلب طائف خير من أسد رابض، ومن لم يحترف لم يعتلف.
٤٢٣- خرج جماعة إلى سلطان يتطلّبون شغلا فلم يجدوا، فقال بعضهم: تقوّتوا الإرجاف وانتظروا الدّول.
стр. 1080
«٤٢٤» - كان رجل يأكل الحوّارى ويطعم عبده الخشكار، فاستباع العبد فاشتراه آخر، فكان يأكل الخشكار ويطعمه الشعير، فاستباع فاشتراه آخر فكان يأكل الشعير ويطعمه النّخالة، فاستباع فاشتراه آخر فكان يجيعه وإذا قعد بالليل وضع السراج على رأسه فلم يستبعه، فقيل له في ذلك، فقال: أخشى إن باعني أن أقع إلى من يضع الفتيلة في حدقتي [١] .
يتلوه:
باب صون السرّ وتحصينه وذمّ السعاية والنميمة.
стр. 1081
الباب الحادي عشر ما جاء في صون السّر وتحصينه وذمّ السّعاية والنّميمة
стр. 1082
[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
الحمد لله الذي أحاط علما بما تجنّه الضمائر، ولم يعزب عنه معرفة ما انطوت عليه السرائر، سواء عنده الإعلان والنجوى، وكلّ سارب وسار في اطلاعه شروى، الداعي إلى التخلّق بكلّ خلق كريم، النّاهي عن طاعة كلّ همّاز مشّاء بنميم. أحمده على مواهبه الجسام الحسان، وأسأله توفيقا يقبض اليد عن السوء ويقضي بخزن اللسان، وأسأله الصلاة على نبيّه الحافظ سرّ الغيب، المنزّه عن الطعن والعيب، وعلى آله البرءاء من مظنّة الشكّ والرّيب.
стр. 1083
(الباب الحادي عشر ما جاء في صون السر وتحصينه وذم السعاية والنميمة)
[آيات وأحاديث وحكم]
٤٢٥- من شواهد الكتاب العزيز في السرّ (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى)
(النجم: ١٠) وما هو على الغيب بظنين (التكوير: ٢٤) في قراءة من قرأة بالظاء أي بمتهم، وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير والكسائي. وفي ضده (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ)
(القلم: ١٠- ١١) .
الآثار
«٤٢٦» - روي أنّ النبي صلّى الله عليه وعلى آله قال: لعن المثلّث فقيل: يا رسول الله ومن المثلث؟ قال: الذي يسعى بصاحبه إلى سلطانه، فيهلك نفسه وصاحبه وسلطانه.
«٤٢٧» - وقال ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يرفعنّ إلينا عورة أخيه المؤمن.
٤٢٨- وقال ﷺ : إنّ ذا الوجهين لا يكون وجيها عند الله.
стр. 1084
«٤٢٩» - وفي الحديث: لا يراح القتّات رائحة الجنة. وفي لفظ آخر: لا يدخل الجنة قتات؛ والقتّات النمّام.
بدأنا بما جاء عن الرسول ﷺ لما يجب من تقديمه والشرف بإيراده، ونذكر الآن ما جاء في صون السرّ وتحصينه، ثم نعود إلى ما بدأنا به.
«٤٣٠» - قال عمر بن الخطاب ﵁: من كتم سرّه كان الخيار في يده.
«٤٣١» - وقال عليّ كرّم الله وجهه: الظفر بالحزم، والحزم بإجالة الرأي، والرأي بتحصين السر.
٤٣٢- ويقال: من وهي الأمر إعلانه قبل إحكامه.
«٤٣٣» - وقيل من حصّن سرّه فله من تحصينه إياه خلّتان: إما الظفر بما يريد، وإما السلامة من العيب والضرر إن أخطأه الظفر.
«٤٣٤» - وذكر العتبي أنّ معاوية أسرّ إلى عمرو بن عتبة بن أبي سفيان حديثا فقال عمرو: فجئت إلى أبي فقلت: إنّ أمير المؤمنين أسرّ إليّ حديثا أفأحدّثك به؟ فقال: لا، لأنه من كتم حديثه كان الخيار إليه، ومن أظهره كان الخيار عليه، فلا تجعل نفسك مملوكا بعد أن كنت مالكا. قلت: أو يدخل هذا بين
стр. 1085
الرجل وأبيه؟ قال: لا، ولكن أكره أن يذلّل لسانك بإفشاء السر. قال:
فرجعت إلى معاوية فذكرت ذلك له فقال: أعتقك أخي من رقّ الخطأ.
«٤٣٥» - وقيل: كلّما كثر خزّان الأسرار زادت ضياعا. انفرد بسرّك لا تودعه خازنا [١] فيزلّ ولا جاهلا فيخون.
«٤٣٦» - أسرّ رجل إلى صديق له حديثا فلما استقصاه قال له: أفهمت؟
قال: بل نسيت.
«٤٣٧» - وقيل لآخر: كيف كتمانك للسرّ؟ قال: أجحد المخبر وأحلف للمستخبر.
«٤٣٨» - وقال عمرو بن العاص: إذا أنا أفشيت سرّي إلى صديقي فأذاعه، فهو في حلّ، فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: أنا كنت أحقّ بصيانته.
«٤٣٩» - وقال أيضا: من طلب لسرّه موضعا فقد أشاد به.
стр. 1086
«٤٤٠» - ويقال: أصبر الناس من صبر على كتمان سرّه فلم يبده لصديقه، فيوشك أن يصير عدوّا فيذيعه.
«٤٤١» - وقال المهلب: أدنى أخلاق الشريف كتمان السر، وأعلى أخلاقه نسيان ما أسرّ إليه.
وقد قال الشعراء في هذا الباب فأكثروا، فمن مختار شعرهم وعيونه:
[أشعار في صون السر]
«٤٤٢» - قول امرىء القيس: [من الطويل]
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزّان
«٤٤٣» - وكان عليّ ﵇ ينشد كثيرا هذين البيتين، فقوم ينسبونهما إليه وقوم يقولون إنما كان ينشدهما متمثلا: [من المتقارب]
فلا تفش سرّك إلّا إليك ... فإنّ لكلّ نصيح نصيحا
فإني رأيت غواة الرّجا ... ل لا يتركون أديما صحيحا
«٤٤٤» - وقال قيس بن الخطيم: [من الطويل]
إذا جاوز الاثنين سرّ فإنه ... ببثّ وتكثير الحديث قمين
стр. 1087
وإن ضيّع الإخوان سرّا فإنني ... كتوم لأسرار العشير أمين
يكون له عندي إذا ما ضمنته [١] ... مكان بسوداء الفؤاد مكين
«٤٤٥» - وقال آخر: [من الطويل]
سأكتمه سرّي وأحفظ سرّه ... ولا غرّني أني عليه كريم
حليم فينسى أو جهول يضيعه ... وما الناس إلّا جاهل وحليم
«٤٤٦» - وقال آخر: [من الطويل]
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه ... فصدر الذي يستودع السرّ أضيق
«٤٤٧» - وقال كعب بن سعد الغنويّ: [من الطويل]
ولست بمبد للرجال سريرتي ... ولا أنا عن أسرارهم بسؤول
«٤٤٨» - وقال مسكين الدارمي: [من الطويل]
وفتيان صدق لست مطلع بعضهم ... على سرّ بعض غير أني جماعها
يظلون شتّى في البلاد وسرّهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها
لكلّ امرىء منهم من القلب شعبة ... وموضع نجوى لا يرام اطّلاعها
стр. 1088
«٤٤٩» - وقال أبو مسلم صاحب الدولة [١] : [من البسيط]
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ جهدوا
ما زلت أسعى عليهم في ديارهم ... والقوم في غفلة بالشام قد رقدوا
حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا ... من نومة لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعى غنما في أرض مسبعة ... ونام عنها تولّى رعيها الأسد
«٤٥٠» - وقال ابن المعتز: [من البسيط]
وربّ سرّ كنار الصخر كامنة ... أمتّ إظهاره مني فأحياني
«٤٥١» - وقال أبو إسحاق الصابي: [من الطويل]
لسرّ صديقي مكمن في جوانحي ... تمنّع أن تدنو إليه المباحث
تغلغل مني حيث لا تستطيعه ... كؤوس الندامى والأنيس المحادث
إذا الفحص آلى جاهدا أن يناله ... تراجع عنه وهو خزيان حانث
فقل لصديقي كن على السرّ آمنا ... إذا لم يكن ما بيننا فيه ثالث
كأنه أشار في هذا البيت إلى قول جميل: [من الطويل]
ولا يسمعن سرّي وسرّك ثالث ... ألا كلّ سرّ جاوز اثنين ضائع
«٤٥٢» - وقال الصابي أيضا: [من الطويل]
стр. 1089
وللسرّ فيما بين جنبيّ مكمن ... خفيّ قصيّ عن مدارج أنفاسي
أضنّ به ضنّي بموضع حفظه ... فأحميه عن إحساس غيري وإحساسي
فقد صار كالمعدوم لا يستطيعه ... يقين ولا ظنّ لخلق من الناس
كأنّي من فرط احتياطي أضعته ... فبعضي له واع وبعضي له ناس
«٤٥٣» - وقال كثير: [من الطويل]
كريم يميت السرّ حتى كأنه ... إذا استنطقوه عن حديثك جاهله
رعى سرّكم مستودع القلب والحشا ... شفيق عليكم لا تخاف غوائله
وأكتم نفسي بعض سرّي تكرّما ... إذا ما أضاع السرّ في الناس حامله
«٤٥٤» - وقال الرقاشي: [من الطويل]
إذا نحن خفنا الكاشحين فلم نطق ... كلاما تكلّمنا بأعيننا سرّا
فنقضي ولم يعلم بنا كلّ حاجة ... ولم نكشف النجوى ولم نهتك السترا
«٤٥٥» - وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الفقيه: [من الطويل]
إذا كان لي سرّ فحدثته العدى ... وضاق به صدري فللنّاس أعذر
هو السرّ ما استودعته وكتمته ... وليس بسرّ حين يفشو ويظهر
«٤٥٦» - وقال الحسن: ما كتمته عن عدوّك لا تظهره لصديقك.
стр. 1090
«٤٥٧» - شاعر: [من الطويل]
وأبثثت عمرا بعض ما في جوانحي ... وجرّعته من غيظ ما أتجرّع
ولا بدّ من شكوى إلى ذي حفيظة ... إذا جعلت أسرار نفسي تطّلع
٤٥٨- وقال الآخر: [من الطويل]
لعمرك ما الشكوى بأمر حزامة ... ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
«٤٥٩» - وكان خالد بن صفوان يقول: احترزوا من العين فإنّها أنمّ من اللسان.
«٤٦٠» - وقد قال المتغزّل في حفظ سرّ محبوبه ما لو قاله مستودع سرّ الملك لكان محسنا: [من الطويل]
ومستخبر عن سرّ ريّا رددته ... بعمياء من ريّا بغير يقين
فقال ائتمنّي إنني ذو أمانة ... وما أنا إن خبّرته بأمين
[في الغيبة والسعاية]
«٤٦١» - كتب محمد بن خالد إلى ابن الزيات: إنّ قوما صاروا إليه منتصحين فذكروا أنّ رسوما للسلطان قد عفت ودرست، وأنه توقّف عن كشفها إلى أن يعرف موقع رأيه فيها، فوقّع على رقعته: قرأت هذه الرقعة المذمومة، وسوق السّعاة تكسد عندنا، وألسنتهم تكلّ في أيامنا، فاحمل الناس على قانونك، وخذهم بما في ديوانك، فلم ترد الناحية لكشف الرسوم العافية، ولا لتحيي الأعلام الداثرة، وجنّبني وتجنّب قول جرير: [من الوافر]
وكنت إذا حللت بدار قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا