نتفانى؟ هلمّوا إلى الصّلح ولكم عهد الله وذمة آبائنا أن لا نهيجكم أبدا، ولا نزاحمكم في هذا الماء؛ فأجابتهم بنو مفروق إلى ذلك، فلما اطمأنوا ووضعوا السلاح عدا عليهم بنو جهم فنالوا منهم منالا عظيما، وقتلوا جماعة من أشرافهم، فقال أبيّ بن ظفر المحاربي في ذلك: [من البسيط]
هلا غدرتم بمفروق وأسرته ... والبيض مصلتة والحرب تستعر
لما اطمأنوا وشاموا من سيوفهم ... ثرتم إليهم وغبّ الغدر مشتهر
غررتموهم بأيمان موكّدة ... والورد من بعده للغادر الصّدر
[الوفاء في النساء]
«٦٤» - تزوج عبد الرحمن بن سهيل بن عمرو أمّ هشام بنت عبد الله بن عمر ابن الخطاب، وكانت من أجمل نساء قريش، وكان يجد بها وجدا شديدا.
فمرض مرضته التي هلك فيها، فجعل يديم النظر إليها وهي عند رأسه، فقالت له: إنك تنظر إليّ نظر رجل له حاجة، قال: اي والله، إنّ لي إليك حاجة لو ظفرت بها لهان عليّ ما أنا فيه، قالت: وما هي؟ قال: أخاف أن تتزوجي بعدي، قالت: فما يرضيك من ذلك؟ قال: أن توثّقي لي بالأيمان المغلّظة، فحلفت له بكلّ يمين سكنت إليها نفسه، ثم هلك. فلما انقضت [١] عدّتها خطبها عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فأرسلت إليه: ما أراك إلّا وقد بلغتك يميني، فأرسل إليها: لك مكان كلّ عبد وأمة عبدان وأمتان، ومكان كلّ علق علقان، ومكان كلّ شيء ضعفه، فتزوّجته فدخل عليها بطّال بالمدينة، وقيل بل كان رجلا من مشيخة قريش مغفّلا، فلما رآها مع عمر جالسة قال: [من الطويل]
стр. 982
تبدّلت بعد الخيزران جريدة ... وبعد ثياب الخزّ أحلام نائم
فقال عمر: ويحك، جعلتني جريدة وأحلام نائم؟! فقالت أمّ هشام: ليس كما قلت، ولكن كما قال أرطأة بن سهيّة: [من الطويل]
وكائن ترى من ذات شجو وعولة ... بكت شجوها بعد الحنين المرجّع
وكانت كذات البوّ لما تعطّفت ... على قطع من شلوه المتمزّع
متى لا تجده تنصرف لطياتها ... من الأرض أو تعمد لإلف فتربع [١]
[عن الدهر فاصفح إنه غير معتب ... وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع]
«٦٥» - لما قدّم هدبة بن الخشرم للقتل قودا قالت زوجته: إنّ لهدبة عندي وديعة، وذلك بحضرة مروان بن الحكم، فأمهله حتى آتيك بها فقال: أسرعي فإنّ الناس قد كثروا، وكان جلس لهم بارزا عن داره، فمضت إلى السوق فانتهت إلى قصّاب فقالت: أعطني شفرتك، وخذ هذين الدرهمين، وأنا أردّها عليك، فقرّبت من حائط وأرسلت ملحفتها على وجهها ثم جدعت أنفها من أصله وقطعت شفتيها وردّت الشفرة، ثم أقبلت حتى دخلت بين الناس فقالت:
أتراني يا هدبة متزوّجة بعد ما ترى؟ فقال: لا، الآن طابت نفسي بالموت، وخرج يرسف في قيوده، فإذا هو بأبويه يتوقّعان الثّكل، فهما بسوء حال، فأقبل عليهما وقال: [من الرمل]
أبلياني اليوم صبرا منكما ... إنّ حزنا إن بدا بادىء شرّ
стр. 983
لا أرى ذا اليوم إلّا هيّنا [١] ... إنّ بعد الموت دار المستقرّ
اصبرا اليوم فإني صابر ... كلّ حيّ لقضاء وقدر
وقد روي أنها تزوجت بعده على تشويه خلقتها ولم تدم على وفائها.
«٦٦» - كان للنمر بن تولب العكلي أخ يقال له الحارث بن تولب، وكان سيّدا معظما. فأغار الحارث على بني أسد فسبى امرأة منهم يقال لها جمرة [٢] بنت نوفل، فوهبها لأخيه النمر، ففركته فحبسها حتى استقرّت، وولدت له أولادا.
ثم قالت له في بعض أيامها: أزرني أهلي فإني قد اشتقت إليهم، فقال لها: إني أخاف إن صرت إلى أهلك أن تغلبيني على نفسك، فواثقته لترجعنّ إليه. فخرج بها في الشهر الحرام حتى أقدمها بلاد بني أسد، فلما أطلّ على الحيّ تركته واقفا وانصرفت إلى منزل بعلها الأول، فمكث [٣] طويلا فلم ترجع إليه، فعرف ما صنعت وأنها اختدعته، فانصرف وقال: [من الطويل]
جزى الله عنّا جمرة ابنة نوفل ... جزاء مغلّ بالأمانة كاذب
لهان عليها أمس موقف راكب ... إلى جانب السّرحان أخيب خائب
وقد سألت عنّي الوشاة ليكذبوا ... عليّ وقد أبليتها في النّوائب
وصدّت كأنّ الشمس تحت قناعها ... بدا حاجب منها وضنّت بحاجب
«٦٧» - ومن أخبار العرب ما رواه أبو عبيدة أنّ رجلا خرج إلى جبّانة بلده مع
стр. 984
أخيه وجار له ينتظرون الرفاق، وتبعه كلب له فضربه ورماه بحجر فلم ينته، فلما قعد ربض بين يديه، وجاء عدوّ له يطلبه بطائلة، فجرح جراحات وطرح في بئر قريبة القعر وحثي عليه التراب، وقد فرّ أخوه وجاره، والكلب ينبح حوله، ثم أتاه عند انصراف العدوّ فكشف التراب عن رأسه حتى تنفّس، ومرّ ناس فاستشالوه وأدّوه إلى أهله، وسمي الموضع بئر الكلب، وقيل فيه: [من الطويل]
يعرّد عنه جاره وشقيقه ... وينبش عنه كلبه وهو ضاربه
[وفاء كلب]
«٦٨» - ويحكون في ضدّه أنّ قوما خرجوا للصيد فطردوا ضبعا حتى ألجأوها إلى خباء أعرابيّ، فأجارها وجعل يطعمها، فبينما هو نائم إذ وثبت عليه فبقرت بطنه ومرّت، وجاء ابن عمّ له يطلبه، فإذا هو بقير، فتبعها حتى قتلها وقال:
[من الطويل]
ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاق الذي لاقى مجير امّ عامر
أعدّ لها لما استجارت ببيته ... أحاليب ألبان اللقاح الدرائر
وأسمنها حتى إذا ما تمكّنت ... فرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من ... يجود بمعروف على غير شاكر
стр. 985
نوادر من هذا الباب
«٦٩» - دخل ابن أبي زهير المديني الحمام فرأى رجلا منعظا، فقال: ما شأن هذا؟ قال: ذكر صديقا له بالعراق، فقال: إيذن لي في تقبيله فقد انقطع الوفاء [١] إلّا منه.
«٧٠» - قال المنصور لعامل بلغته عنه خيانة: يا عدوّ الله وعدوّ أمير المؤمنين، أكلت مال الله؟ قال: يا أمير المؤمنين نحن عيال الله، وأنت خليفة الله، والمال مال الله، فمال من نأكل إذن؟ فضحك وقال: خلّوه ولا تولّوه.
«٧١» - أمر الإسكندر بصلب سارق فقال: أيّها الملك، إني فعلت ما فعلت وأنا كاره، قال: وتصلب وأنت أيضا للصلب كاره.
٧»
- وسرق مدنيّ قميصا فأعطاه ابنه ليبيعه، فسرق منه، فجاء إلى أبيه فقال له: بكم بعته؟ قال: برأس المال.
«٧٣» - كان لمروان بن الحكم غلام قد وكله بأمواله، فقال له يوما: أظنّك
стр. 986
تخونني، فقال: قد يخطىء الظنّ، اتخذتني في مدرعة صوف ولم أملك قيراطا وأنا اليوم أتصرّف في ألوف وأتبختر في الخزوز. إني أخونك، وأنت تخون معاوية، ومعاوية يخون الله ورسوله.
نجز الباب السابع من التذكرة بعون من الله وحسن رعاية.
يتلوه إن شاء الله تعالى الباب الثامن:
في الصدق والكذب ويتصل به فصل في العهود والمواثيق وأقسام العرب.
стр. 987
الباب الثّامن في الصّدق والكذب ويتّصل به فصل في العهود والمواثيق وأقسام العرب
стр. 988
[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
الحمد لله الواجب شكره وحمده، الصادق قوله ووعده، الوفيّ ميثاقه الخفيّ برّه ورفده، الذي جعل الصدق منجاة لقائليه، والإفك مرداة لمؤتفكيه، أمر باجتناب الزّور، ونهى عن اتّباع الغرور، وندب إلى حفظ المواثيق والعهود، فقال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)
(المائدة: ١) وابتعث من أكرم محتد وأطيب مولد رسولا صادقا في المقالة، صادعا بالرسالة، ما كذب فؤاده ما رأى، ولا نطق عن الهوى، وأيّده من صحبه بالصادقين قولا وفعلا، والمخلصين سرّا وجهرا، صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وكلّ منهم قضى نحبه مؤدّيا حقّه إليه.
وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له وأنّ محمدا نبيّه ورسوله، وعبده وخليله، شهادة أدّخرها ليوم المعاد، وأجعلها العدّة فيه والزاد، يوم ينفع الصادقين صدقهم، ويؤدّى جزاؤهم عما قدّموه وحقّهم.
стр. 989
[آيات وأحاديث وأقوال في الصدق]
(الباب الثامن في الصدق والكذب (ويتصل به فصل من العهود والمواثيق وأقسام العرب)) ٧٤- قال الله مبشّرا للصادقين (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ)
(المائدة: ١١٩) وقال (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)
(الأحزاب: ٣٥) وقال تعالى في الكاذبين (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ)
(البقرة: ١٠) وإن كان أراد الكذب عليه سبحانه في آي كثير من القرآن: (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ)
(الجاثية: ٧) (إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ)
(النحل: ١٠٥) وفي شهادة الزور والكذب (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا)
(الإسراء: ٣٦) .
«٧٥» - وقال رسول الله ﷺ : إنّ الطير يوم القيامة لتضرب بمناقيرها، وتقذف بما في حواصلها، وتحرّك أذنابها، من هول يوم القيامة، وما يكلّم شاهد الزور ولا تقرّ قدماه في الأرض حتى يقذف به في النار.
стр. 990
«٧٦» - وقال ﷺ : إياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار. وتحرّوا الصدق فإنّ الصدق يهدي إلى البرّ والبرّ يهدي إلى الجنة.
«٧٧» - روي أنّ رجلا أتى النبي صلّى الله عليه وعلى آله فأسلم ثم قال: يا رسول الله إنّما أوخذ من الذنوب بما ظهر، وأنا أستسرّ بخلال أربع: الزنا والسّرق وشرب الخمر والكذب، فأيهنّ أحببت تركت لك سرّا. قال: دع الكذب. فلما تولّى من عند رسول الله ﷺ همّ بالزنا فقال: يسألني رسول الله فإن جحدت نقضت ما جعلت له، وإن أقررت حددت؛ فلم يزن، ثم همّ بالسرق، ثم بشرب الخمر فتفكّر في مثل ذلك فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال:
يا رسول الله قد تركتهنّ جمع.
«٧٨» - ومن كلام لعليّ بن أبي طالب ﵇: علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك، على الكذب حيث ينفعك.
«٧٩» - وقال عمر ﵁: عليك بالصدق وإن قتلك.
«٨٠» - وقيل: ما السيف الصارم في كفّ الشجاع بأعزّ له من الصّدق.
«٨١» - وقيل: الصدق زين إلّا أن يكون سعاية فإنّ الساعي أخبث ما يكون إذا صدق.
стр. 991
«٨٢» - قال رسول الله ﷺ : ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صلّى وصام وزعم أنه مسلم: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان.
«٨٣» - قال الأصمعيّ: كان ربعيّ بن خراش لم يكذب قطّ، فأقبل ابنان له من خراسان من عند قتيبة وقد أخلّا بمركز هما فباتا عنده، فسعي بهما، فدعا به عامل البصرة فقال: أين ابناك؟ قال: تركتهما في المنزل قال: هما لك.
«٨٤» - لما نصب معاوية ابنه يزيد لولاية العهد أقعده في قبّة حمراء وجعل الناس يسلّمون على معاوية ثم يميلون إلى يزيد، حتى جاء رجل ففعل ذلك ثم رجع إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين اعلم انك لو لم تولّ هذا أمور المسلمين لأضعتها، والأحنف جالس، فقال معاوية: ما بالك لا تقول يا أبا بحر؟ فقال:
أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت. فقال: جزاك الله عن الطاعة خيرا؛ وأمر له بألوف.
فلما خرج الأحنف لقيه الرجل بالباب فقال: يا أبا بحر، إني لأعلم أنّ شرّ ما خلق الله تعالى هذا وابنه، ولكنهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال، فلسنا نطمع في استخراجها إلّا بما سمعت. قال له الأحنف: يا هذا أمسك، فإنّ ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها.
«٨٥» - قال رجل لعبد الملك بن مروان: إني أريد أن أسرّ إليك شيئا، فقال له عبد الملك: قف، لا تمدحني فإني أعلم بنفسي، ولا تكذبني فإنّه لا رأي لمكذوب، ولا تغتب عندي أحدا. فقال: يا أمير المؤمنين، أتأذن في الانصراف؟
قال: إذا شئت.
стр. 992
«٨٦» - روي أنّ الحجّاج جلس لقتل أصحاب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فقام رجل منهم: فقال: أصلح الله الأمير، إنّ لي عليك حقّا قال:
وما حقّك؟ قال: سبّك عبد الرحمن يوما فرددت عليه، فقال: من يعلم ذلك؟
قال: أنشد الله رجلا سمع ذلك إلّا شهد به. فقام رجل من الأسراء فقال: قد كان ذاك أيها الأمير، قال: خلّوا عنه. ثم قال للشاهد: فما منعك أن تنكر كما أنكر؟ قال: لقديم بغضي إياك، قال: وليخلّ عنه لصدقه.
٨٧- كتب عمر بن عبد العزيز في إشخاص إياس بن معاوية المزني وعديّ ابن أرطأة الفزاري، أمير البصرة وقاضيها يومئذ، فصار إليه عديّ فقرب أن يثني عليه عند الخليفة فقال: يا أبا وائلة إنّ لنا حقّا ورحما، فقال إياس: أعلى الكذب تريدني؟! والله ما يسرّني أن كذبت كذبة يغفرها الله لي ولا يطّلع عليها إلا هذا- وأومأ إلى ابنه- ولي ما طلعت عليه الشمس.
«٨٨» - امتدح ابن ميادة جعفر بن سليمان فأمر له بمائة ناقة فقبّل يده وقال:
والله ما قبّلت يد قرشيّ غيرك إلا واحدا فقال: أهو المنصور؟ قال: لا والله قال:
فمن هو؟ قال: الوليد بن يزيد. فغضب، فقال: والله ما قبّلتها لله، ولكن قبّلتها لنفسي فقال: والله لا ضرّك الصدق عندي، أعطوه مائة ناقة أخرى.
«٨٩» - استشهد ابن الفرات في أيام وزارته عليّ بن عيسى فلم يشهد له وكتب إليه لما عاد إلى بيته: لا تلمني على نكوصي عن نصرتك بشهادة زور، فإنه لا اتفاق على نفاق، ولا وفاء لذي مين واختلاق، وأحر بمن تعدّى الحقّ في مسرّتك إذا رضي، أن يتعدّى إلى الباطل في مساءتك إذا غضب.
«٩٠» - قيل: أيّ الصدقين السكوت عنه أمثل؟ قيل تزكية المرء نفسه.
стр. 993
«٩١» - وقيل: إنّ الكذب يحمد إذا قرّب بين المتقاطعين، ويذمّ الصدق إذا كان غيبة.
«٩٢» - وقد رفع الحرج عن الكاذب في الحرب، والمصلح بين المرء وزوجه.
«٩٣» - وكان المهلّب في حرب الخوارج يكذب لأصحابه، يقوّي بذاك جأشهم، فإذا رأوه مقبلا إليهم قالوا: قد جاءنا يكذب.
٩٤- وقيل: خصلتان لا تفارقان صاحبهما: الأبنة والكذب.
«٩٥» - وقال يحيى بن خالد: رأيت شرّيب خمر نزع، ولصّا أقلع، وصاحب فواحش راجع، ولم نر كذّابا قطّ صار صادقا.
٩٦- وقالوا: لا تجعل رسولك كذّابا فإنه إن كذبك أو رطك، وإن صدقك حيّرك.
«٩٧» - قال أبو عمرو ابن العلاء: ساد عتبة بن ربيعة وكان مملقا، وساد أبو جهل وكان حدثا، وساد أبو سفيان وكان بخّالا، وساد عامر بن الطفيل وكان عاهرا، وساد كليب وائل وكان ظلوما، وساد عيينة وكان محمّقا، ولم يسد قطّ كذاب. فصلح السؤدد مع الفقر والحداثة والبخل والعهر والظلم والحمق، ولم يصلح مع الكذب، لأنّ الكذب يعمّ الأخلاق كلّها بالفساد.
стр. 994
«٩٨» - قال الجاحظ: قلت لروح بن الطائفية: رأيت من يكذب فيما يضرّ وينفع، ولم أر من يكذب فيما لا يضرّ ولا ينفع غيرك، فقال: يا أبا عثمان، لا يكون الكذّاب عندنا كذّابا حتى يكذب فيما لا يضرّه ولا ينفعه.
«٩٩» - قيل لكذاب بما تغلب الناس؟ قال: أبهت بالكذاب وأستشهد بالموتى.
١٠٠- قال الأصمعي: عذلت كذابا في الكذب فقال: والله إني لأسمعه من غيري فيدار بي من شهوته.
١٠١- من كلام سهل بن هارون: إنّ زخرف الكلام لا يثبّت زلل الأقدام، وللصدق آثار في القلوب لا تعفّيها عواصف رياح الكذوب.
«١٠٢» - وللعرب أقوال منكرة، فمن ذاك قول رجل من آل الحارث بن ظالم: والله لقد غضب الحارث يوما فانتفخ في ثوبه، فبدر من عنقه أربعة أزرار، ففقأت أربعة أعين من عيون جلسائه.
وتزعم الرواة أنّ عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب قال لابني الجون الكنديين: إنّ لي عليكما حقّا لرحلتي ووفادتي، فدعاني أنذر قومي من موضعي، فقالا: شأنك، فصرخ بقومه فأسمعهم على مسيرة ليلة.
ويقولون إنّ أبا عروة السبّاع كان يصيح على السبع فيفتق مرارته في جوفه.
ويقولون في خبر لقمان بن عاد: إنّ جارية له سئلت عما بقي من بصره لدخوله في السنّ، فقالت: لقد ضعف بصره، ولقد بقيت منه بقيّة، إنه ليفصل
стр. 995
بين أثر الأنثى والذكر من الذرّ إذا دبّ على الصفا.
[عمرو بن معديكرب والكذب]
«١٠٣» - وكان عمرو بن معدي كرب مشهورا بالكذب. وكان أهل الكوفة الأشراف يظهرون بالكناسة فيتحدّثون على دوابّهم إلى أن تطردهم الشمس.
فوقف عمرو بن معدي كرب وخالد بن الصّقعب النهديّ، وأقبل عمرو يحدّثه فقال: أغرنا على بني نهد فخرجوا مسترعفين [١] بخالد بن الصقعب، فحملت عليه فأذريته، ثم ملت إليه بالصمصامة فأخذت رأسه، فقال خالد: حلّا أبا ثور، إنّ قتيلك هو المحدّث. فقال يا هذا إذا حدّثت فاستمع، فإنما نتحدّث بمثل هذا لنرهب به هذه المعديّة.
«١٠٤» - وقيل لخلف الأحمر، وكان شديد التعصب لليمن: أكان عمرو بن معدي كرب يكذب؟ فقال: كان يكذب في المقال، ويصدق في الفعال.
«١٠٥» - وسئل أبو عبيدة عن مثل هذه الأخبار من أخبار العرب فقال: إنّ العجم تكذب فتقول: كان رجل نصفه من نحاس ونصفه من رصاص، فتعارضها العرب بهذا وشبهه.
[تكاذب الأعراب]
«١٠٦» - قال المبرد: تكاذب أعرابيّان فقال أحدهما: خرجت مرة على فرس فإذا بظلمة شديدة فيمّمتها حتى وصلت إليها فإذا قطعة من الليل لم تنتبه، فما زلت أحمل عليها بفرسي حتى أنبهتها فانجابت. فقال الآخر: لقد رميت ظبية مرة بسهم فعدل الظبي يمنة فعدل السهم خلفه، ثم تياسر فتياسر
стр. 996
السهم، ثم علا الظبي فعلا السهم، ثم انحدر فأخذه.
«١٠٧» - وذكروا أنّ رجلا نظر إلى ظبية فقال له أعرابيّ: أتحبّ أن تكون لك؟ قال: نعم، قال: فأعطني أربعة دراهم حتى أردّها إليك، ففعل، فخرج يمحص في أثرها فجدّت وجدّ حتى أخذ بقرنيها فجاء بها وهو يقول:
[من الرجز]
وهي على البعد تلوّي خدّها ... تريغ شدّي وأريغ شدّها
كيف ترى عدو غلام ردّها
«١٠٨» - قال العتبيّ: أنا أصدق في صغير ما يضرّني، ليجوز كذبي في كبير ما ينفعني.
«١٠٩» - قال الجاحظ: قلت لخباب [١] إنك لتكذب في الحديث، قال: وما عليك إذا كان الذي أزيد فيه أحسن منه؟ فو الله ما ينفعك صدقه ولا يضرّك كذبه، وما يدور الأمر إلا على لفظ جيد ومعنى حسن. لكنك والله لو أردت ذلك لتلجلج لسانك وذهب كلامك.
[حماد الراوية والمفضل عند المهدي]
«١١٠» - روي أنه اجتمع بدار المهديّ بعيساباذ عالم من الرواة والعلماء بأيام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب فدعا بالمفضّل الضبيّ الراوية فدخل، فمكث مليّا ثم خرج ذلك الرجل بعينه فدعا بحماد الراوية، فمكث مليّا ثم خرج إلينا ومعه حماد والمفضّل جميعا، وقد بان في
стр. 997
وجه حماد الانكسار والغمّ، وفي وجه المفضّل السرور والنشاط. ثم خرج الحسين الخادم معهما فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم، إنّ أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادا الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس فيها، ووصل المفضّل بخمسين ألف درهم لصدقه وصحّة روايته. فمن أراد أن يسمع شعرا محدثا جيّدا فليسمع من حمّاد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضّل. فسألنا عن السبب فأخبرنا أنّ المهديّ قال للمفضّل لما دعا به وحده: إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال: دع ذا وعدّ القول في هرم، ولم يتقدّم [له] قبل ذلك قول، فما الذي أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضّل: ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئا إلّا أنّي توهّمته كان [يفكر] في قول يقوله أو يروّي في أن يقول شعرا، فعدل عنه إلى مدح هرم [وقال] : دع ذا، أو كان مفكرا في شيء من شأنه فتركه وقال: دع ذا، أي دع ما أنت فيه من الفكر وعدّ القول في هرم. ثم دعا بحماد فسأله عن مثل ما سأل عنه المفضل فقال: ليس هكذا قال زهير يا أمير المؤمنين، قال: فكيف قال؟ فأنشده: [من الكامل المرفّل]
لمن الديار بقنّة الحجر ... أقوين من حجج ومن عشر [١]
قفر بمندفع النجائب [٢] من ... ضفوى أولات الضال والسدر
دع ذا وعدّ القول في هرم ... خير الكهول وسيد الحضر
قال: فأطرق المهديّ ساعة ثم أقبل على حماد فقال: قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لا بدّ من استحلافك عليه، ثم أحلفه بأيمان البيعة وكلّ يمين محرجة ليصدقنّه عن كلّ ما يسأله عنه، فلما توثّق منه قال له: اصدقني عن حال هذه الأبيات ومن أضافها إلى زهير، فأقّر له حينئذ أنه قالها، فأمر فيه وفي
стр. 998
المفضل بما أمر من شهر [١] أمرهما وكشفه.
«١١١» - عبد الصمد بن المعذل في صديق له كان معروفا بالكذب:
[من المنسرح]
لي صاحب في حديثه البركه ... يزيد عند السكون والحركه
لو قال لا في قليل أحرفها ... لردّها بالحروف مشتركه [٢]
[نماذج من الكذابين]
«١١٢» - لما أراد المنصور البيعة لابنه المهدي أمر بإحضار الناس، وقامت الخطباء فتكلّمت، وقالت الشعراء فأكثرت [٣] في وصف المهديّ وفضائله، وفيهم مطيع بن إياس، فلما فرغ من كلامه في الخطباء وإنشاده في الشعراء قال للمنصور: يا أمير المؤمنين حّدّثنا فلان بن فلان أنّ النبي صلّى الله عليه وعلى آله قال: المهديّ منّا محمد بن عبد الله، وأمّه من غيرنا، يملؤها عدلا كما ملئت جورا، وهذا العباس بن محمد أخوك يشهد على ذلك. ثم أقبل على العباس فقال: أنشدك الله أسمعت هذا؟ فخاف من المنصور فقال: نعم، فأمر المنصور الناس بالبيعة للمهديّ. قال: ولما انقضى المجلس قال العباس بن محمد لمن يأنس به: أرأيتم هذا الزنديق، لم يرض أن كذب على الله ورسوله ﵇ حتى استشهدني على كذبه، فشهدت له خوفا وشهد كلّ من حضر عليّ بأنّي كاذب.
стр. 999
«١١٣» - قال إسحاق: دخلت على الفضل بن الربيع وقد بلغ الرشيد إطلاقه يحيى بن عبد الله بن الحسن، وقد كان أمر بقتله فلم يظهر له أنه قتله، وسأله عن خبره هل قتله؟ فقال: لا، قال: فأين هو؟ قال: أطلقته. قال: ولم؟ قال:
لأنه سألني بحقّ الله ورسوله وقرابته منه ومنك، وحلف لي أنّه لا يحدث حدثا وأنه يجيئني متى طلبته، فأطرق ساعة ثم قال: امض بنفسك في طلبه حتى تجيئني به واخرج الساعة، فخرج.
قال: فدخلت عليه مهنّئا بالسلامة، فقلت له: ما رأيت أثبت من جأشك، ولا أصحّ من رأيك فيما جرى، وأنت والله كما قال أشجع، ويروى أيضا لسلم الخاسر: [من الوافر]
بديهته وفكرته سواء ... إذا ما نابه الخطب الكبير
وأحزم ما يكون الدهر رأيا ... إذا عيّ المشاور والمشير
وصدر فيه للهمّ اتساع ... إذا ضاقت عن الهمّ الصدور
فكانت نجاة الفضل في صدقه.
«١١٤» - وقد روي أنّ يعقوب بن داود كذب المهديّ في مثل هذه القصة، فكان سبب فساد حاله معه، وكان بلغ به الغاية، وله أمناء في البلاد، فكان لا ينفذ للمهديّ توقيع حتى يكون معه كتاب من يعقوب إلى أمينه في ذلك البلد.
ثم اتهمه المهديّ بميله إلى العلوية، وأراد اختباره، فدعا به يوما وهو في مجلس أنسه، وعلى رأسه جارية حسناء، فقال له: كيف ترى مجلسنا؟ قال: على غاية الحسن، يمتع [١] الله أمير المؤمنين به. فقال له: جميع ما فيه لك، وهذه الجارية
стр. 1000
لك ليتمّ سرورك، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم تصرفها [١] في بعض شأنك.
فدعا له بما يحبّ، وقال له: لي إليك حاجة، فقام قائما وقال: يا أمير المؤمنين، ما هذا القول إلا لموجدة، وقال: أنا أستعيذ بالله من سخطك، فقال: أحبّ أن تضمن قضاءها، فقال له: السمع والطاعة. فأحلفه المهديّ، فلما استوثق منه قال له: هذا فلان بن فلان- رجل من العلوية- أحبّ أن تكفيني مؤونته وتريحني منه، فخذه إليك. فحوّله إليه وحوّل [٢] الجارية وما كان في المجلس والمال، وأحضر العلويّ فوجده لبيبا فهما تقيّا فقال له: ويحك يا يعقوب، تلقى الله بدمي وأنا من ولد فاطمة بنت محمد ﷺ ، فقال له يعقوب: يا هذا فيك خير؟ فقال له: إن فعلت فيّ خيرا شكرت ودعوت لك واستغفرت، فقال له:
خذ هذا المال وخذ أيّ طريق شئت، فقال: طريق كذا وكذا آمن لي، فقال له:
امض مصاحبا. وسمعت الجارية الكلام كلّه فأرسلت به إلى المهديّ، فشحن الطريق حتى ظفر بالرجل وبالمال، ثم وجّه إلى يعقوب فأحضره وسأله عن الرجل فقال: قد أراحك الله منه، قال: مات؟ قال: نعم، قال: آلله، قال: والله، قال: فضع يدك على رأسي ففعل، وحلف له به أنّه مات. فقال: يا غلام أخرج إلينا من في هذا البيت، ففتح بابه عن العلويّ والمال، فتحير يعقوب وامتنع عليه الكلام، فقال له المهديّ: لقد حلّ لي دمك، وحبسه في مطبق، وطوى خبره عن كلّ أحد حتى أخرجه الرشيد بعد صدر من ولايته وقد عمي.
«١١٥» - قيل: كان يزيد بن أسد أكذب الناس، معروفا بذلك، وكان يسمّى خطيب الشيطان، ونشأ ابنه عبد الله فسلك منهاجه في الكذب، ثم نشأ
стр. 1001
ابنه خالد بن عبد الله ففاق الجماعة في الكذب، إلّا أنّ الولاية [١] وسخاء كان فيه سترا بعض أمره. فقال عمرو بن يزيد [٢] : فإني لجالس على باب هشام بن عبد الملك إذ قدم إسماعيل بن عبد الله أخو خالد بخبر المغيرة بن سعيد وخروجه بالكوفة، وجعل يأتي بأحاديث أنكرها، فقلت له: من أنت يا ابن أخي؟ فقال:
إسماعيل بن عبد الله بن يزيد القسريّ، فقلت له: أنكرت ما جرى حتى عرفت نسبك، فجعل يضحك.
«١١٦» - وقال ابن الكلبي: أول كذبة كذبتها في النّسب أنّ خالد بن عبد الله سألني عن جدّته أمّ كرز، وكانت أمة بغيا لبني أسد يقال لها زرنب، فقلت: هي زينب بنت عرعرة بن جذيمة بن نصر بن قعين، فسرّ بذلك ووصلني. قال: ثم قال خالد ذات يوم لمحمد بن منظور الأسدي: يا أبا الصباح قد ولدتمونا، قال:
ما أعرف فينا ولادة لكم، إنّ هذا لكذب. فقيل: لو أقررت للأمير بولادة ما ضرّك، قال: أفسد وأستليط [٣] من ليس منّي، وأقرّ بالكذب على قومي!! «١١٧» - روي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله سأل عمرو بن الأهتم عن الزّبرقان بن بدر فقال: مانع في حوزته، مطاع في أدنيه [شديد] العارضة.
فقال الزبرقان: أمّا إنّه قد علم أكثر، ولكنه حسدني شرفي. فقال عمرو: أما لئن قال ما قال فو الله ما علمته إلّا ضيّق العطن، زمر المروءة، لئيم الخال، أحمق الوالد، حديث الغنى. فلما رأى الإنكار في وجه رسول الله صلّى الله عليه وعلى
стр. 1002
آله قال: يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت، وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى. فقال ﷺ عند ذلك: إنّ من البيان لسحرا.
[أقوال في الصدق والكذب]
«١١٨» - قال قائل: رأيت أرسطاطاليس في النوم فقلت: أيّ الكلام أحسن؟
فقال ما صدق قائله. قلت: ثم ماذا؟ قال: ما استحسنه سامعه، قلت: ثم ماذا؟ قال: كلّ كلام جاوز هذا فهو ونهيق الحمار بمنزلة.
«١١٩» - ويقال: الصدق أفضل من الكذب إلا في السعاية، والعزة أفضل من الذلّ إلا في الاعتداء، والأناة أنجح من العجلة إلّا في التقوى، والشجاعة أفضل من الجبن إلّا في أمر الله ، والأمن أفضل من الخوف إلا من مكر الله ، والراحة أفضل من التعب إلّا في طاعة الله ، والحلم أفضل من الجهل إلا عن من يعصي الله ، والجود أفضل من البخل إلّا في بذل الدين والعرض.
١١٩ ب- ويقال: الكذب مفتاح كلّ كبيرة، والخمر جماع كلّ شرّ.
«١٢٠» - وقيل: لا تأمن من يكذب لك أن يكذب عليك.
١٢١- ويقال: الكذاب محلّ كلّ تهمة.
«١٢٢» - وقيل: الأذلّاء أربعة: النمام والكذاب والمديون والفقير.
١٢٣- وقال بعض العلماء: الأناة قبل الرأي، والصدق توفيق المنطق.
«١٢٤» - وقال حكيم: الصدق أزين حلية، والمعروف أربح تجارة، والشكر أدوم نعمة.
стр. 1003
«١٢٥» - وقال رسول الله ﷺ : كفى بك إثما أن لا تزال مخاصما، وكفى بك كذبا أن لا تزال محدّثا في غير ذات الله .
«١٢٦» - وروي عنه ﷺ أنه قال: ليس بكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرا أو نمى خيرا. وأنه صلّى الله عليه وعلى آله قال: يا أيّها الناس ما يحملكم على أن تتايعوا في الكذب كما يتتايع الفراش في النار. كلّ الكذب يكتب على ابن آدم إلّا في ثلاثة: رجل يكذب رجلا في إصلاح بين اثنين، أو يكذب امرأته، أو يكذب في خدعة حرب. إنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب.
«١٢٧» - وقال ابن سيرين: الكلام أوسع من أن يصرّح بالكذب [من الظريف] «١٢٨» - قال المنصور لهشام بن عروة: يا أبا المنذر تذكر يوم دخلت عليك وإخوتي مع أبي الخلائف- يعني أباه- وأنت تشرب سويقا بقصبة يراع، فلما خرجنا قال لنا أبونا: اعرفوا لهذا الشيخ حقّه فإنه لا يزال في قومكم خير ما بقي، قال: لا أذكر ذلك يا أمير المؤمنين. فلامه بعض أهله وقالوا: يذكرك أمير المؤمنين بما يمتّ به إليك، فتقول لا أذكره؟ فقال: لم أذكر ذلك، ولم يعوّضني الله من الصدق إلّا خيرا.
[مواقف لعمر وبلال والمأمون]
«١٢٩» - مرّ عمر بن الخطاب ﵁ بعجوز تبيع اللبن في سوق الليل فقال لها: يا عجوز، ألم أعهد إليك لا تشوبي لبنك بالماء؟ فقالت: والله ما فعلت
стр. 1004
يا أمير المؤمنين، فتكلمت بنت لها من داخل الخباء فقالت: يا أمّه أغشّا وخشّا [١] جمعت على نفسك؟ فسمعها عمر فأعجبته، فالتفت إلى ولده فقال: أيّكم يتزوّجها فلعلّ الله أن يخرج منها نسمة طيّبة؟ فقال له ابنه عاصم: أنا أتزوّجها يا أمير المؤمنين، فزوّجها منه، فأولدها أمّ عاصم، تزوّجها عبد العزيز بن مروان فولدت له عمر بن عبد العزيز.
«١٣٠» - روي أنّ بلالا لم يكذب منذ أسلم، فبلغ ذلك بعض من يحسده فأراد أن يعنته فقال: اليوم أكذبه، فسارّه فقال: يا بلال ما سنّ فرسك؟ قال:
عظم، قال: فما جريه؟ قال: يحضر ما استطاع، قال: فأين تنزل؟ قال:
حيث أضع قدمي، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن أبي وأمي، قال: فكم أتى عليك؟ قال: ليال وأيام الله يعلم عددها. فقال: هيهات، أعيت فيك حيلتي، ما أتعنّت بعد اليوم أبدا.
١٣١- روي أنّ المأمون أمر الكتّاب أن يعملوا لعمرو بن مسعدة عملا بما يلزمه من المال عن أعمال السواد التي كان يتقلّدها، فعملوا له عملا بثمانية وعشرين ألف ألف درهم. فأمرهم المأمون بإعادة النظر فيه وإسقاط كلّ ما كان فيه تأويل أو حجّة، وتقريره على ما لا يدفع ولا يحتجّ بإبطال شيء منه.
وقرر الجميع على اثنين وعشرين ألف ألف درهم، ولم يكن له في شيء منها شبهة فضلا عن حجّة. فدعا به المأمون وقال له: ما تقول في هذا المال يا عمرو؟ قال: هو صحيح وعندي منه ثمانية عشر ألف ألف درهم، وتخرّمت مؤونتي أربعة آلاف ألف درهم، فقال: ليحمل إليك من بيت المال أربعة آلاف ألف درهم مكان ما تخرّمت مؤونتك، وبارك الله لك في الجميع
стр. 1005
جزاء على صدقك. فحمل إليه المال فكان بأخصّ منزلة عنده.
«١٣٢» - قال عبد الله بن عمرو: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله ما عمل أهل الجنة؟ فقال: الصدق، إذا صدق العبد برّ، وإذا برّ أمن، وإذا أمن دخل الجنة. فقال: يا رسول الله، ما عمل أهل النار؟ قال: الكذب، إذا كذب العبد فجر، وإذا فجر كفر، وإذا كفر دخل النار.
«١٣٣» - وعنه ﵇: الصدق يهدي إلى البرّ، والبرّ يهدي إلى الجنّة، وإنّ المرء ليتحرّى الصدق حتى يكتب صدّيقا.
«١٣٤» - وقالت عائشة ﵂: سألت رسول الله ﷺ : بم يعرف المؤمن؟ قال: بوقاره ولين كلامه وصدق حديثه.
«١٣٥» - وقال ﷺ : ما أملق تاجر صدوق: التاجر الصدوق إن مات في سفره مات شهيدا، وإن مات على فراشه مات صدّيقا.
«١٣٦» - وقال الأحنف لابنه: يا بنيّ يكفيك من شرف الصدق أنّ الصدوق يقبل قوله في عدوّه، ومن دناءة الكذب أنّ الكذّاب لا يقبل قوله في صديقه ولا عدوّه.
«١٣٧» - لكلّ شيء حلية، وحلية المنطق الصدق.
«١٣٨» - الصدق يدلّ على اعتدال وزن العقل.
стр. 1006
فصل في الأيمان والمواثيق وأقسام العرب
١٣٩- قال الله : (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ)
(البقرة:
٢٢٤) وقال تعالى: (وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ)
(المائدة: ٨٩) .
«١٤٠» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان.
«١٤١» - وقال ﷺ : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه.
«١٤٢» - وقال ابن عمر: كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يحلف: لا ومقلّب القلوب.
١٤٣- وقد أقسم الله في كتابه العزيز بمصنوعاته الدالّة على قدرته وحكمته تعظيما له تعالى لا لها. وقيل المراد: وربّ هذه الأشياء.
«١٤٤» - واليمين الغموس عند الفقهاء تكون على ماض لم يكن. وقال الشافعي: يكون في خبره كاذبا وتجب بها الكفارة، وهو مذهب عطاء والزهري
стр. 1007
والحكم بن عيينة وعثمان البتّي. وقال أبو حنيفة ومالك والثوريّ والليث وأحمد وإسحاق لا تجب بها الكفارة، وحكي ذلك عن سعيد بن المسيب وقال: هي من الكبائر أعظم من أن تكفّر.
«١٤٥» - ولغو اليمين عند الشافعي ما وقع من غير قصد ماضيا كان أو مستقبلا مثل قوله: لا والله، بلى والله. وقال أبو حنيفة: لغو اليمين الحلف على الماضي من غير أن يقصد الكذب في يمينه، كأنه يظنّ شيئا فيحلف عليه، وهو إحدى الروايتين عند أحمد، والأخرى مثل الشافعي. وحكي عن مالك أنه قال:
هو اليمين الغموس.
«١٤٦» - واختلفوا فيما يكون يمينا توجب الكفارة وما لا يوجبها، فقال الشافعي: إذا قال: إن فعلت كذا وكذا فأنا يهوديّ، أو بريء من الله، أو من رسوله، أو من الإسلام، لم تكن يمينا، ولم تتعلق به الكفارة، وهو مذهب مالك والأوزاعيّ والليث بن سعد. وقال أبو حنيفة وأحمد والثوري وإسحاق تتعلّق الكفارة بفعله. وقال الشافعيّ ومالك وأحمد إذا قال: وحقّ الله فهو يمين.
وقال أبو حنيفة: لا تكون يمينا لأنّ حقوق الله إنما هي طاعات، وتلك مخلوقة، ولا يمكن الحلف بها يمينا.
[الحلف وتفسير بعض الأقسام]
١٤٧- وقالوا: الحلف لا يخلو إما أن يكون بما هو عبارة عن الله تعالى خاصة، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته، فالأول يكون الحلف به يمينا بكلّ حال. وأما الثاني فالأسماء على ثلاثة أضرب: أحدها ما لا يسمّى به إلا الله تعالى، مثل الرحمن أو الأول الذي ليس قبله شيء، فهذا يكون يمينا بكلّ حال،
стр. 1008
والثاني ما يسمّى به الله تعالى ويسمّى به غيره على سبيل المجاز والإطلاق ينصرف إلى الله تعالى فيكون يمينا في الإطلاق إذا قصد به اليمين، وإذا أراد بالاسم غير الله تعالى لم تكن يمينا. والثالث ما يستعمل في الله تعالى ويشاركه فيه غيره، ولا ينصرف الإطلاق إليه، مثل قولهم: الموجود، الحيّ، الناطق، فذلك لا يكون الحلف به يمينا سواء قصد به الله تعالى أو لم يقصد، لأنّ اليمين إنما تنعقد بحرمة الاسم، فإذا كان مشتركا لم يكن له حرمة.
فأما الثالث وهو الصفة فإذا حلف بصفة من صفات ذاته كان يمينا، قال الشافعي: مثل أن يقول وعظمة الله، أو جلال الله، أو قدرة الله. والحلف بالقرآن يكون عند الشافعي يمينا. قال أبو حنيفة: لا يكون ذلك يمينا، فهذه جمل أقوالهم.
«١٤٨» - وأذكر الآن ما جاء في تفسير بعض الأقسام التي وردت في الكتاب العزيز.
(أ) فمن ذلك قوله سبحانه: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا. فَالزَّاجِراتِ زَجْراً.
فَالتَّالِياتِ ذِكْراً)
(الصافات: ١- ٣) قيل: المراد بالصافّات الملائكة.
(فَالزَّاجِراتِ زَجْراً)
الملائكة تزجر السحاب، وقيل كلّ ما زجر عن معصية الله . (فَالتَّالِياتِ ذِكْراً)
الملائكة، قال الزجّاج: وجائز أن يكون الملائكة وغيرهم ممن يتلو ذكر الله .
(ب) وقوله (حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ) *
(الزخرف: ١- ٢ والدخان:
١- ٢) أي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة وأبان كلّ ما تحتاج إليه الأمّة.
(ج) وقوله تعالى (وَالذَّارِياتِ ذَرْواً. فَالْحامِلاتِ وِقْراً. فَالْجارِياتِ يُسْراً فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً)
(الذاريات: ١- ٤) .
стр. 1009
روي أنّ ابن الكوّاء سأل عليّا ﵇ عن هذه الآيات فقال: (الذاريات ذروا) الرياح، (فالحاملات وقرا) السحاب، (فالجاريات يسرا) الفلك، (فالمقسمات أمرا) الملائكة.
«١٤٨» (د) وقوله سبحانه (وَالطُّورِ. وَكِتابٍ مَسْطُورٍ. فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ. وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ. وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ. وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ)
(الطور: ١- ٦) (والطور) جبل قيل هو الذي كلّم الله عليه موسى ﵇. (والكتاب المسطور) ها هنا ما أثبت على بني آدم من أعمالهم. (رقّ منشور) الصحائف. (والسقف المرفوع) السماء. (والبيت المعمور) في التفسير أنه بيت في السماء بإزاء الكعبة يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك ثم يخرجون منه ولا يعودون إليه. (والبحر المسجور) جاء في التفسير أنّ البحر يسجر فيكون نار جهنّم، وأهل اللغة يقولون: (البحر المسجور) المملوء، وأنشدوا: [من المتقارب]
إذا شاء طالع مسجورة ... ترى حولها النبع والسّاسما [١]
يعني عينا مملوءة بالماء.
(هـ) وقوله (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى)
(النجم: ١) قيل أقسم بالنجم.
وقال أهل اللغة: النجم بمعنى النجوم، وأنشدوا: [من الطويل]
فظلّت تعدّ النجم في مستحيرة ... سريع بأيدي الآكلين جمودها
ومثله (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ)
(الواقعة: ٧٥) (وهوى) سقط، وجاء في التفسير أنّ النجم نزول القرآن نجما بعد نجم، وكان تنزل منه الآية
стр. 1010
والآيتان، وعلى هذا يكون (هوى) بمعنى نزل.
«١٤٨» (و) وقوله سبحانه (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)
(القيامة: ١- ٢) [معناه] أقسم بيوم القيامة (والنفس اللوّامة) تفسيرها: أنّ كلّ نفس تلوم صاحبها في الآخرة إن كان عمل شرّا لامته نفسه، وإن كان عمل خيرا لامته على ترك الاستكثار منه. واختلفوا في تفسير (لا) فقال بعضهم: هي لغو وإن كانت في أول السورة، لأنّ القرآن كلّه كالسورة الواحدة لأنه متصل بعضه ببعض، فجعلت «لا» ها هنا بمنزلتها في قوله (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ)
(الحديد: ٩) والمعنى لأن يعلم أهل الكتاب وقال بعض النحويين: (لا) ردّ لكلام، كأنهم أنكروا البعث فقال: لا، ليس الأمر على ما ذكرتم، أقسم بيوم القيامة أنكم مبعوثون، دلّ على الجواب قوله: بلى قادرين أن نجمعهم، قادرين على أن نسوّي بنانه.
(ز) وقوله تعالى (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً. فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً. وَالنَّاشِراتِ نَشْراً.
فَالْفارِقاتِ فَرْقاً. فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً)
(المرسلات: ١- ٥) جاء في التفسير:
(والمرسلات) الرياح أرسلت كعرف الفرس، وكذلك (فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا) الرياح تأتي بالمطر كما قال (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ)
(الأعراف: ٥٧) (فالفارقات فرقا) الملائكة جاءت بما يفرق بين الحقّ والباطل، وكذلك (فالملقيات ذكرا) .
وقيل: (المرسلات) الملائكة أرسلت بالمعروف، وقيل كعرف الفرس، وقيل (العاصفات) الملائكة، تعصف بروح الكافر. والباقي إلى آخر الآيات يعنى به الملائكة.
وقيل: (والمرسلات عرفا) يعني به الرسل.
стр. 1011
«١٤٨» (ح) وقوله تعالى: (وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً. وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً. وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً. فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً. فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً)
(النازعات: ١- ٥) جاء في التفسير:
(والنازعات) الملائكة، وكذلك (الناشطات) تنزع روح الكافر وتنشطها ويشتد عليه أمر خروج نفسه. وقيل: (والسّابحات سبحا. فالسّابقات سبقا) أرواح المؤمنين تخرج بسهولة. وقيل: (والنازعات غرقا) القسيّ، (والناشطات نشطا) الأوهاق، (والسابحات سبحا) السّفن، (فالسابقات سبقا) الخيل، (فالمدبرات أمرا) الملائكة كلّ منهم لما وكل به.
وقيل: (النازعات) النجم، تنزع من مكان إلى مكان وكذلك (السابحات) تسبح في الفلك كما قال سبحانه (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)
وكذلك (فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا) فالملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء، والله أعلم بحقيقة ذلك.
(ط) وقوله (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ. وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ. وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ)
(البروج: ١- ٣) (اليوم الموعود) : يوم القيامة، و (شاهد) يوم الجمعة (ومشهود) : يوم عرفة.
(ي) وقوله تعالى: (وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ)
(الطارق: ١- ٣) : (الطارق) النجم يعني به النجوم، وقد تقدّم الشاهد، وإنما قيل للنجم طارق لأنّ طلوعه بالليل، فكلّ ما أتى ليلا فهو طارق لأنّ الليل يسكن فيه، ومن هذا قيل: أطرق فلان إذا أمسك عن الكلام وسكن. (والثاقب) المضيء، يقال له ثقب يثقب ثقوبا إذا أضاء.
стр. 1012
«١٤٨» (ك) وقوله سبحانه (وَالْعادِياتِ ضَبْحاً. فَالْمُورِياتِ قَدْحاً. فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً)
(العاديات: ١- ٣) قيل هي الخيل، وضبحها صوت أجوافها إذا عدت. (والموريات قدحا) إذا عدت الخيل بالليل وأصابت حوافرها الحجارة انقدح منها النيران. وروي أنها سريّة كانت للنبيّ ﵇ إلى كندة.
стр. 1013
أقسام العرب
«١٤٩» - قال الجاحظ عن الهيثم: يمين لا يحلف بها أعرابي أبدا أن يقول:
لا أورد الله لك صادرا، ولا صدر لك واردا، ولا حططت رحلك، ولا خلعت نعلك.
«١٥٠» - حلف أعرابيّ فقال: لا والذي شقهنّ خمسا من واحدة، وأشار إلى كفه.
«١٥١» - وقال مالك بن الحارث الأشتر: [من الكامل]
بقّيت وفري وانحرفت عن العلى ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشنّ على ابن حرب غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس
خيلا كأمثال السعالي شزّبا ... تعدو ببيض في الكريهة شوس
حمي الحديد عليهم فكأنه ... ومضان برق أو شعاع شموس
«١٥٢» - وقال معدان بن جوّاس الكنديّ: [من الطويل]
إن كان ما بلّغت عنّي فلامني ... صديقي وشلّت من يديّ الأنامل
стр. 1014
وكفّنت وحدي منذرا بردائه ... وصادف حوطا من أعاديّ قاتل
«١٥٣» - وقال عديّ بن زيد: [من الوافر]
فإن لم تهلكوا فثكلت عمرا ... وجانبت المروّق والسماعا
ولا ملكت يداي عنان طرف ... ولا أبصرت من شمس شعاعا
ولا وضعت إليّ على خلاء ... حصان يوم جلوتها قناعا
«١٥٤» - وقال عمرو بن قميئة: [من المتقارب]
فإن كان حقا كما خبّروا ... فلا وصلت لي يمين شمالا
«١٥٥» - وقال العلويّ البصري من أبيات قد ثبتت في موضع آخر من هذا الكتاب: [من الكامل]
ويقول للطّرف اصطبر لشبا القنا ... فهدمت ركن المجد إن لم تعقر
وإذا تأمّل شخص ضيف طارقا ... متسربلا سربال ليل أغبر
أوما إلى الكوماء هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحري
١٥٦- محمد بن الحصين الأنباري: [من الخفيف]
ثكلتني التي تؤمّل إدرا ... ك العلابي وعاجلتني المنون
إن تولى بظلمنا عبد عمرو ... ثم لم تلفظ السيوف الجفون
стр. 1015
[نسخة بيعة لخليفة]
«١٥٧» - نسخة بيعة لخليفة ويمين:
تبايع عبد الله الإمام أمير المؤمنين بيعة طوع وإيثار، ورضى واختيار، واعتقاد وإضمار، وإعلان وإسرار، وإخلاص من طويتك، وصدق من نيتك، وانشراح من صدرك، وصحة من عزيمتك، طائعا غير مكره، ومنقادا غير مجبر، مقرّا بفضلها، ومعترفا ببركتها، ومعتدّا بحسن عائدتها، وعالما بما فيها وفي توكيدها من صلاح الكافّة، واجتماع كلمة الخاصّة والعامّة، ولمّ الشعث، وأمن العواقب، وسكون الدهماء، وعزّ الأولياء، وقمع الأعداء ثم على أنّ فلانا عبد الله وخليفته، المفترض عليك طاعته، الواجبة على الأمة ولايته وإمامته، اللازم لهم القيام بحقّه، والوفاء بعهده، لا تشكّ فيه، ولا ترتاب به، ولا تداهن في أمره، ولا تميل إلى غيره، وإنك وليّ أوليائه، وعدوّ أعدائه، من خاصّ وعامّ، وقريب وبعيد، وحاضر وغائب، متمسك في بيعته بوفاء العهد وذمة العقد، سريرتك مثل علانيتك، وضميرك فيه وفق ظاهرك. على أنّ إعطاءك هذه البيعة من نفسك، وتوكيدك إياها في عنقك، لفلان أمير المؤمنين عن سلامة من قلبك، واستقامة من عزمك، واستمرار من هواك ورأيك، على أن لا تتأوّل عليه فيها، ولا تسعى في نقض شيء منها، ولا تقعد عن نصرة له في الرخاء والشدة، ولا تدع النصح له في كلّ حال راهنة وحادثه، حتى تلقى الله موفيا بها، مؤدّيا للأمانة فيها، إذ كان الذين يبايعون ولاة الأمر وخلفاء الله في الأرض (إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ. فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ)
(الفتح: ١٠) .
عليك بهذه البيعة- التي طوّقتها عنقك، وبسطت لها يدك، وأعطيت فيها صفقتك، وما شرط عليك فيها من وفاء وموالاة، ونصح ومشايعة، وطاعة
стр. 1016
وموافقة، واجتهاد ومبالغة- عهد الله، إنّ عهده كان مسؤولا، وما أخذ الله على أنبيائه ورسله ﵈ وعلى من أخذ من عباده من موكدات مواثيقه، ومحكمات عهوده، وعلى أن تتمسك بها فلا تبدّل، وتستقيم فلا تميل. وإن نكثت هذه البيعة أو بدلت شرطا من شروطها، أو عفّيت رسما من رسومها، أو غيّرت حكما من أحكامها، معلنا أو مسرّا أو محتالا أو متأوّلا، أو زغت عن السبيل التي يسلكها من يخفر الأمانة، وكنت ممّن يستحلّ الغدر والخيانة، ويستجيز حلّ العقود وختر العهود، فكلّ ما تملكه من عين أو ورق أو آنية أو عقار، أو سائمة أو زرع أو ضرع، أو غير ذلك من صنوف الأملاك المعتقدة والأموال المدّخرة، صدقة على المساكين، محرّم عليك أن يرجع شيء من ذلك إلى مالك بحيلة من الحيل، على وجه من الوجوه، وسبب من الأسباب، أو مخرج من مخارج الأيمان. فكلّ ما تفيده [١] في بقيّة عمرك من مال يقلّ خطره أو يجلّ، فتلك سبيله إلى أن تتوفاك منيتك أو يأتيك أجلك، وكل مملوك [٢] لك اليوم من ذكر أو أنثى أو تملكه إلى آخر أيامك أحرار سائبون لوجه الله. ونساؤك يوم يلزمك الحنث، ومن تتزوّج بعدهنّ مدة بقائك، طوالق ثلاثا، طلاق الحرج والسنّة لا مثنويّة فيها ولا رجعة، وعليك المشي إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجّة حافيا راجلا، لا يرضى الله منك إلا بالوفاء بها، ولا يقبل الله لك صرفا ولا عدلا، وخذلك يوم تحتاج إليه، وبرّأك من حوله وقوته، وألجأك إلى حولك وقوتك، والله بذلك شهيد (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) *.
[عودة إلى الصدق والكذب]
«١٥٨» - قال عليّ ﵇: أحلفوا الظالم إذا أردتم يمينه بأنّه بريء من حول الله وقوته، فإنه إذا حلف بها كاذبا عوجل، وإذا حلف بالله الذي لا إله إلّا
стр. 1017
هو لم يعاجل لأنه قد وحّد الله سبحانه.
وقد روي أنّ جعفر بن محمد ﵉ أحلف مدّعيا بالله لم يزد، فهلك الحالف لوقته. وقال له القاضي ومن حضر: ما هذا؟ فقال: إنّ يمينه بما فيه ثناء على الله ومدح يؤخّر العقوبة كرما منه وتفضّلا.
«١٥٩» - وخبر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن مع الزبيريّ عبد الله بن مصعب مشهور وهو قول أبي فراس الحمداني [١] : [من البسيط]
ذاق الزبيريّ غبّ الحنث وانكشفت ... عن ابن فاطمة الأقوال والتهم
وهو خبر طويل يليق بهذا الموضع منه: أنّ الزبيريّ سعى بيحيى إلى الرشيد وجمع بينهما وتواقفا، ونسب يحيى إلى الزبيريّ شعرا يقول فيه: [من البسيط]
قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتها ... إنّ الخلافة فيكم يا بني حسن
وكان الزبيري خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وأنكر الزبيريّ الشعر فأحلفه يحيى فقال: قل برئت من حول الله وقوته، واعتصمت بحولي وقوتي، وتقلّدت الحول والقوة من دون الله استكبارا واستغناء عنه واستعلاء عليه، فامتنع، حتى غضب الرشيد وقال: إن كان صادقا فليحلف، وكان للفضل بن الربيع فيه هوى فرفسه برجله وقال له: احلف ويحك، فحلف ووجهه متغير وهو يرعد، فما برح من موضعه حتى أصابه الجذام، فتقطّع ومات بعد ثلاثة أيام.
ولما حمل إلى قبره ليوضع فيه انخسف حتى غار عن أعين الناس، وخرجت منه
стр. 1018
غبرة عظيمة، وكلّما هالوا عليه التراب انخسف، حتى سقفوه وانصرفوا.
«١٦٠» - قيل: اثنان لا تخطئهما سعادة وغبطة: سلطان حليم، ورجل صدوق.
«١٦١» - الصدق محمود من كلّ أحد إلا الساعي.
«١٦٢» قال أبو حنيف [١] الأنطاكي: لا يستغني حال من الأحوال عن الصدق، والصدق مستغن عن الأحوال كلّها.
«١٦٣» - لو صدق عبد فيما بينه وبين الله حقيقة الصدق لا طّلع على خزائن من خزائن الغيب، ولكان أمينا في السموات والأرض.
«١٦٤» - قال عامر بن الظّرب العدوانيّ في وصيّته: إني وجدت صدق الحديث طرفا من الغيب فاصدقوا. يعني من لزم الصدق الحق وعوّده لسانه وفّق فلا يكاد يتكلّم بشيء يظنه إلّا جاء على ظنّه.
«١٦٥» - قيل: الكذب والنفاق والحسد أثافيّ الذلّ.
«١٦٦» - قال ابن عباس: حقيق على الله أن لا يرفع للكاذب درجة، ولا يثبت له حجة.
«١٦٧» - وقال سليمان بن سعد: لو صحبني رجل وقال: لا تشترط عليّ إلا
стр. 1019
شرطا واحدا لقلت له: لا تكذبني.
«١٦٨» - سأل سعيد بن المسيّب أيوب السختياني عن حديث فقال: إني أشكّ فيه فقال: شكّك أحبّ إليّ من يقين شعبة.
«١٦٩» - قيل لرقبة بن مصقلة: ما أكثر ما تشكّ!! قال: ما ذاك إلا محاماة على اليقين.
«١٧٠» - خطب بلال لأخيه رباح امرأة قرشية فقال لأهلها: نحن من قد عرفتم: كنّا عبدين فأعتقنا الله، وكنّا ضالّين فهدانا الله، وكنّا فقيرين فأغنانا الله. وأنا أخطب إليكم على أخي فلانة فإن تنكحونا فالحمد لله، وإن تردّونا فالله أكبر. فأقبل بعضهم على بعض فقالوا: بلال من قد عرفتم سابقته ومشاهده ومكانه من رسول الله ﷺ فزوّجوا أخاه. فلما انصرفا قال له أخوه: يغفر الله لك أما كنت تذكر سوابقنا ومشاهدنا مع رسول الله ﷺ ؟ قال: يا أخي صدقت فأنكحك الصدق.
١٧١- شاعر: [من الكامل]
وإذا افتخرت بأعظم مقبورة ... فالناس بين مكذّب ومصدّق
فأقم لنفسك في انتسابك شاهدا ... بحديث مجد للقديم محقّق
«١٧٢» - قال ابن السائب: جالست وكيعا سنين فما رأيته يحلف بالله.
«١٧٣» - وقال عبد الله بن السريّ، قلنا لابن المبارك: حدّثنا قال: ارجعوا فإني لست أحدّثكم. فقيل له إنك لم تحلف فقال: لو حلفت لكفّرت وحدثتكم
стр. 1020
ولكن لست أكذب، فكان هذا أحبّ إلينا من الحديث.
«١٧٤» - وقال مجاهد: يكتب على ابن آدم كلّ شيء حتى أنينه في سقمه، حتى إنّ الصبيّ ليبكي فيقول له: اسكت أشتر لك كذا، ثم لا يفعل، تكتب كذبته.
«١٧٥» - قال الشعبي: وجّهني عبد الملك إلى أخيه عبد العزيز، فقدمت عليه مصر وهو واليها- على رجل سخيّ صدوق اللسان، فقلت له يوما: أصلح الله الأمير، إنك تبلغ في منطقك وأنت في مجلسك ولا تفعل ذلك على منبرك، فقال:
يا شعبيّ إني لأستحيي من الله أن أقول على منبري خلاف ما يعلم من قلبي.
١٧٦- اجتمع متكلمان فقال أحدهما: هل لك في المناظرة؟ فقال الآخر:
على شرائط: أن لا تغضب ولا تعجب ولا تشغب، ولا تقبل على غيري وأنا أكلمك، ولا تجعل الدعوى دليلا، ولا تجوّز لنفسك دليل آية على مذهبك إلّا جوّزت لي تأويل مثلها على مذهبي، وعلى أن تؤثر التصادق، وتنقاد للتعارف، وعلى أنّ كلّا منا تبنى مناظرته على أنّ الحقّ ضالّته والرشد غايته.
«١٧٧» - قال رجل: أنا لا أكذب كذبة بألف، فقال صاحبه: أمّا هذه فواحدة بلا درهم.
«١٧٨» - قيل: الراوية [١] أحد الكاذبين.
«١٧٩» - وقيل: إيّاك أن تكون للكذب واعيا أو راويا.