← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

«٤٤٠» - ويقال: أصبر الناس من صبر على كتمان سرّه فلم يبده لصديقه، فيوشك أن يصير عدوّا فيذيعه. «٤٤١» - وقال المهلب: أدنى أخلاق الشريف كتمان السر، وأعلى أخلاقه نسيان ما أسرّ إليه. وقد قال الشعراء في هذا الباب فأكثروا، فمن مختار شعرهم وعيونه: [أشعار في صون السر] «٤٤٢» - قول امرىء القيس: [من الطويل] إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزّان «٤٤٣» - وكان عليّ ﵇ ينشد كثيرا هذين البيتين، فقوم ينسبونهما إليه وقوم يقولون إنما كان ينشدهما متمثلا: [من المتقارب] فلا تفش سرّك إلّا إليك ... فإنّ لكلّ نصيح نصيحا فإني رأيت غواة الرّجا ... ل لا يتركون أديما صحيحا «٤٤٤» - وقال قيس بن الخطيم: [من الطويل] إذا جاوز الاثنين سرّ فإنه ... ببثّ وتكثير الحديث قمين

стр. 1087

وإن ضيّع الإخوان سرّا فإنني ... كتوم لأسرار العشير أمين يكون له عندي إذا ما ضمنته [١] ... مكان بسوداء الفؤاد مكين «٤٤٥» - وقال آخر: [من الطويل] سأكتمه سرّي وأحفظ سرّه ... ولا غرّني أني عليه كريم حليم فينسى أو جهول يضيعه ... وما الناس إلّا جاهل وحليم «٤٤٦» - وقال آخر: [من الطويل] إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه ... فصدر الذي يستودع السرّ أضيق «٤٤٧» - وقال كعب بن سعد الغنويّ: [من الطويل] ولست بمبد للرجال سريرتي ... ولا أنا عن أسرارهم بسؤول «٤٤٨» - وقال مسكين الدارمي: [من الطويل] وفتيان صدق لست مطلع بعضهم ... على سرّ بعض غير أني جماعها يظلون شتّى في البلاد وسرّهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها لكلّ امرىء منهم من القلب شعبة ... وموضع نجوى لا يرام اطّلاعها

стр. 1088

«٤٤٩» - وقال أبو مسلم صاحب الدولة [١] : [من البسيط] أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ جهدوا ما زلت أسعى عليهم في ديارهم ... والقوم في غفلة بالشام قد رقدوا حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا ... من نومة لم ينمها قبلهم أحد ومن رعى غنما في أرض مسبعة ... ونام عنها تولّى رعيها الأسد «٤٥٠» - وقال ابن المعتز: [من البسيط] وربّ سرّ كنار الصخر كامنة ... أمتّ إظهاره مني فأحياني «٤٥١» - وقال أبو إسحاق الصابي: [من الطويل] لسرّ صديقي مكمن في جوانحي ... تمنّع أن تدنو إليه المباحث تغلغل مني حيث لا تستطيعه ... كؤوس الندامى والأنيس المحادث إذا الفحص آلى جاهدا أن يناله ... تراجع عنه وهو خزيان حانث فقل لصديقي كن على السرّ آمنا ... إذا لم يكن ما بيننا فيه ثالث كأنه أشار في هذا البيت إلى قول جميل: [من الطويل] ولا يسمعن سرّي وسرّك ثالث ... ألا كلّ سرّ جاوز اثنين ضائع «٤٥٢» - وقال الصابي أيضا: [من الطويل]

стр. 1089

وللسرّ فيما بين جنبيّ مكمن ... خفيّ قصيّ عن مدارج أنفاسي أضنّ به ضنّي بموضع حفظه ... فأحميه عن إحساس غيري وإحساسي فقد صار كالمعدوم لا يستطيعه ... يقين ولا ظنّ لخلق من الناس كأنّي من فرط احتياطي أضعته ... فبعضي له واع وبعضي له ناس «٤٥٣» - وقال كثير: [من الطويل] كريم يميت السرّ حتى كأنه ... إذا استنطقوه عن حديثك جاهله رعى سرّكم مستودع القلب والحشا ... شفيق عليكم لا تخاف غوائله وأكتم نفسي بعض سرّي تكرّما ... إذا ما أضاع السرّ في الناس حامله «٤٥٤» - وقال الرقاشي: [من الطويل] إذا نحن خفنا الكاشحين فلم نطق ... كلاما تكلّمنا بأعيننا سرّا فنقضي ولم يعلم بنا كلّ حاجة ... ولم نكشف النجوى ولم نهتك السترا «٤٥٥» - وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الفقيه: [من الطويل] إذا كان لي سرّ فحدثته العدى ... وضاق به صدري فللنّاس أعذر هو السرّ ما استودعته وكتمته ... وليس بسرّ حين يفشو ويظهر «٤٥٦» - وقال الحسن: ما كتمته عن عدوّك لا تظهره لصديقك.

стр. 1090

«٤٥٧» - شاعر: [من الطويل] وأبثثت عمرا بعض ما في جوانحي ... وجرّعته من غيظ ما أتجرّع ولا بدّ من شكوى إلى ذي حفيظة ... إذا جعلت أسرار نفسي تطّلع ٤٥٨- وقال الآخر: [من الطويل] لعمرك ما الشكوى بأمر حزامة ... ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر «٤٥٩» - وكان خالد بن صفوان يقول: احترزوا من العين فإنّها أنمّ من اللسان. «٤٦٠» - وقد قال المتغزّل في حفظ سرّ محبوبه ما لو قاله مستودع سرّ الملك لكان محسنا: [من الطويل] ومستخبر عن سرّ ريّا رددته ... بعمياء من ريّا بغير يقين فقال ائتمنّي إنني ذو أمانة ... وما أنا إن خبّرته بأمين [في الغيبة والسعاية] «٤٦١» - كتب محمد بن خالد إلى ابن الزيات: إنّ قوما صاروا إليه منتصحين فذكروا أنّ رسوما للسلطان قد عفت ودرست، وأنه توقّف عن كشفها إلى أن يعرف موقع رأيه فيها، فوقّع على رقعته: قرأت هذه الرقعة المذمومة، وسوق السّعاة تكسد عندنا، وألسنتهم تكلّ في أيامنا، فاحمل الناس على قانونك، وخذهم بما في ديوانك، فلم ترد الناحية لكشف الرسوم العافية، ولا لتحيي الأعلام الداثرة، وجنّبني وتجنّب قول جرير: [من الوافر] وكنت إذا حللت بدار قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا

стр. 1091

فأجر الأمر على ما يكسبنا الدعاء لنا لا علينا، واعلم أنها مدّة تنقضي فإما خزي طويل، وإما ذكر جميل. ٤٦٢- قال أنس: من اغتاب المسلمين، وأكل لحومهم بغير حقّ، وسعى بهم إلى السلاطين، جيء به يوم القيامة مزرقّة عيناه، ينادي بالويل والثبور والندامة، يعرف أهله ولا يعرفونه. «٤٦٣» - ابن الرومي: [من الطويل] ولو بلّغتني عنك أذني أقمتها ... لديّ مقام الكاشح المتكذّب ولست بتقليب اللسان مصارما ... خليلي إذا ما القلب لم يتقلّب «٤٦٤» - قال رجل لعمرو بن عبيد: إنّ الأسواريّ لم يزل يذكرك ويقول: الضالّ، فقال عمرو: يا هذا والله ما رعيت حقّ مجالسته حين نقلت إلينا حديثه، ولا رعيت حقّي حين أبلغتني عن أخي ما أكرهه. اعلم أنّ الموت يعمّنا، والبعث يحشرنا، والقيامة تجمعنا، والله يحكم بيننا. ٤٦٥- المستورد رفعه: من أكل بأخيه أكلة أطعمه الله مثلها من نار جهنّم (وهو أن يسعى بأخيه ويجترّ نفعا بسعايته) . «٤٦٦» - قال عليّ ﵇: الساعي ظالم لمن سعى به، خائن لمن سعى إليه. «٤٦٧» - وقال معاوية للأحنف في شيء بلغه عنه، فأنكره الأحنف: بلّغني عنك الثقة، فقال الأحنف: إنّ الثقة لا يبلّغ.

стр. 1092

«٤٦٨» - وقال عبد الله بن همام [من الطويل] أنت امرؤ إمّا ائتمنتك خاليا ... فخنت وإما قلت قولا بلا علم فأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم «٤٦٩» - وكان الفضل بن سهل يبغض السعاة، وإذا أتاه ساع قال له: إن صدقتنا أبغضناك، وإن كذبتنا عاقبناك، وإن استقلتنا أقلناك. «٤٧٠» - ويشبهه ما ذكر عن الوليد بن عبد الملك أنه قال لمنتصح أتاه يستخليه: إن كانت نصيحتك لنا فأظهرها، وإن كانت لغيرنا فلا حاجة بنا إليها. فقال: لي جار أخلّ ببعثه، فقال له: أما أنت فقد خبّرتنا أنك جار سوء، فإن شئت أن ننظر فإن كنت صادقا أقصيناك، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن شئت تاركناك، فقال: تاركوني. «٤٧١» - وكتب الفضل بن سهل في جواب كتاب ساع: ونحن نرى أنّ قبول السعاية شرّ من السعاية، لأنّ السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دلّ على شيء وأخبر به كمن قبله وأجازه، فاتّقوا الساعي فإنه لو كان في سعايته صادقا لكان في صدقه لئيما إذ لم يحفظ الحرمة ولم يستر العورة. «٤٧٢» - وجاء رجل إلى الوليد بن عبد الملك فقال: إنّ فلانا نال منك، فقال: أتريد أن تقتصّ أو تارك من الناس بي؟

стр. 1093

«٤٧٣» - وقال له رجل: إنّ فلانا شتمك، فقال: أتراه [١] شتمك؟! «٤٧٤» - رفع بعض السعاة إلى أبي العباس السفاح قصة بسعاية على بعض عماله، فوقّع فيها: هذه نصيحة لم يرد بها ما عند الله ، ونحن لا نقبل قول من آثرنا على الله تعالى. ٤٧٥- وقال بعضهم: رأيت المأمون قد ضرب غسّان بن عباد خمس عشرة درة لإعادته حديثا على النبيذ. «٤٧٦» - لما ولي عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك دمشق ولم يكن في بني أميّة ألبّ منه مع حداثة سنّه، قال أهل دمشق: هذا غلام شابّ لا علم له بالأمور وسيسمع منا. فقام إليه رجل فقال: أصلح الله الأمير، عندي نصيحة، قال: ليت شعري ما هذه النصيحة التي ابتدأتني بها من غير يد سبقت إليك مني؟ قال: جار لي عاص متخلّف عن ثغره، فقال له: ما اتّقيت الله تعالى، ولا أكرمت أميرك، ولا حفظت جوارك. إن شئت نظرنا فيما تقول: فإن كنت صادقا لم ينفعك ذلك عندنا، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن شئت أقلناك. قال: أقلني. قال: اذهب حيث شئت لا صحبك الله، إني أراك شرّ جيل رجلا. ثم قال: يا أهل دمشق، أما أعظمتم ما جاء به الفاسق؟ إنّ السعاية أحسب منه سجية، ولولا أنه لا ينبغي للوالي أن يعاقب قبل أن يعاتب، كان لي في ذلك رأي، فلا يأتينّي أحد منكم بسعاية على أحد بشيء، فإنّ الصادق فيها فاسق، والكاذب فيها بهّات. ٤٧٧- قيل: من سعى بالنميمة حذره الغريب ومقته القريب.

стр. 1094

٤٧٨- قال ابن المعتز: النمام جسر الشرّ. «٤٧٩» - قال السريّ الرفّاء يذمّ مذيعا للسرّ: [من البسيط] سرّي لديك كأسرار الزجاجة لا ... يخفى على العين منها الصفو والكدر فاحذر من الشعر كسرا لا انجبار له ... فللزجاجة كسر ليس ينجبر وقال أيضا في مثله: [من الوافر] وانك كلّما استودعت سرّا ... أنمّ من النسيم على الرياض «٤٨٠» - وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: [من الطويل] أناس أمنّاهم فنمّوا حديثنا ... فلما كتمنا السرّ عنهم تقوّلوا «٤٨١» - والجيّد في ذلك قول الأول: [من البسيط] إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... شرّا أذيع وإن لم يسمعوا كذبوا «٤٨٢» - وقال آخر: [من البسيط] إنّ النّموم أغطّي دونه خبري ... وليس لي حيلة في مفتري الكذب «٤٨٣» - خطب أبو الأسود الدؤلي امرأة من عبد القيس يقال لها أسماء بنت زياد، فأسرّ أمرها إلى صديق له من الأزد يقال له الهيثم بن زياد، فحدّث به ابن عم لها كان يخطبها، وكان لها مال عند أهلها [فمشى ابن عمها الخاطب لها إلى

стр. 1095

أهلها] الذين مالها في أيديهم، فأخبرهم خبر أبي الأسود وسألهم أن يمنعوها من نكاحه ومن مالها الذي في أيديهم، ففعلوا وضارّوها حتى تزوّجت ابن عمها، فقال أبو الأسود في ذلك: [من الطويل] لعمري لقد أفشيت يوما فخانني ... إلى بعض من لم أخش سرّا ممنّعا فمزّقه مزق العمى وهو غافل ... ونادى بما أخفيت منه فأسمعا حديثا أضعناه كلانا فلن أرى ... وأنت نجيّا آخر الدهر أجمعا وكنت إذا ضيّعت سرّك لم تجد ... سواك له إلّا أشتّ وأضيعا «٤٨٤» - كان مسلم بن الوليد جالسا بين يدي يزيد بن مزيد فأتاه كتاب فيه مهمّ له فقرأه ثم أراد القيام، فقال له مسلم: [من البسيط] الحزم تخريقه إن كنت ذا حذر ... وإنما الحزم سوء الظنّ بالناس لقد أتاك وقد أدّى أمانته ... فاجعل أمانته في بطن أرماس قال فضحك يزيد وقال: صدقت لعمري، وخرّق الكتاب. «٤٨٥» - قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: من سمع بفاحشة فأفشاها فهو الذي أتاها. ٤٨٥ ب- أبو تمام: [من الطويل] منيع نواحي السرّ منه حصينها «٤٨٦» - المتنبي: [من الطويل] وللسرّ مني موضع لا يناله ... نديم ولا يفضي إليه شراب

стр. 1096

«٤٨٧» - ابن نباتة: [من الطويل] أكاتم قلبي رأي عيني وإنه ... ليكتم عنّي سرّ كلّ خليل «٤٨٨» - الأحوص: [من الطويل] كريم يميت السرّ حتى كأنه ... عم بنواحي أمره وهو خابر ٤٨٩- دنا رجل من آخر فكلّمه فقال: ليس ها هنا أحد فقل، فقال: من حقّ السرّ التداني. «٤٩٠» - شاعر في ضد ذلك: [من الطويل] فلا تودعي الأسرار أذني فإنما ... تصبّين ماء في إناء مثلّم «٤٩١» - آخر: [من الطويل] أمنت على السرّ امرءا غير حازم ... ولكنّه في النصح غير مريب أذاع به في الناس حتى كأنّه ... بعلياء نار أوقدت بثقوب «٤٩٢» - ليم بعضهم على إفشاء السرّ فقال: المصدور إذا لم ينفث جوي، والمهجور إذا لم يشك وري. «٤٩٣» - قال الزبير: لما وفدت على المتوكل قال لي: ادخل إلى أبي عبد الله

стр. 1097

يعني المعتز، فدخلت إليه وهو صبيّ فحدثته وأنشدته، وسألني عن الحجاز وأهله، ثم نهضت لأنصرف فعثرت فسقطت فقال لي المعتز: يا زبير: [من الطويل] كم عثرة لي باللسان عثرتها ... تفرّق من بعد اجتماع من الشمل يموت الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرجل

стр. 1098

نوادر من هذا الباب ٤٩٤- عوتب رجل على إظهار ما في نفسه فقال: لا بدّ للملآن أن يفيض. ٤٩٥- وعوتب آخر فقال: من طال صبره ضاق صدره. ٤٩٦- وقال آخر: راحة ذي الأحزان في شكواه. «٤٩٧» - وقيل: كان أبو إسحاق النظام أضيق الناس صدرا بحمل سرّ، وكان شرّ ما يكون إذا يؤكد [١] عليه صاحب السرّ، وكان إذا لم يؤكد عليه [ربما] نسي القصة، فسلم عليه صاحب السرّ؛ فقال له قاسم التمار: سبحان الله ما في الأرض أعجب منك، أودعتك سرّا فلم تصبر عن نشره يوما واحدا، والله لأشكونّك في الناس. فقال: يا هؤلاء سلوه، نممت عليه مرة ومرتين وثلاثا وأربعا، فلمن الذنب الآن؟ فلم يرض بأن يشاركه في الذنب حتى صيّر الذنب كلّه لصاحب السرّ. «٤٩٨» - وقال شاعر: [من الطويل] لا أكتم الأسرار لكن أنمّها ... ولا أترك الأسرار تغلي على قلبي فإنّ قليل العقل من بات ليله ... تقلّبه الأسرار جنبا إلى جنب

стр. 1099

«٤٩٩» - وقال آخر: [من الوافر] وأمنع جارتي من كلّ خير ... وأمشي بالنميمة بين صحبي «٥٠٠» - ضرط رجل بحضرة عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، فلما حضرت الصلاة قال عمر: عزمت على من كانت هذه الضرطة منه إلّا توضّأ، فقال جرير بن عبد الله البجلي: لو عزمت علينا جميعا أن نتوضّأ كان أستر للرجل وأكرم في الفعل. فقال عمر: جزاك الله خيرا، فلقد كنت سيّدا في الجاهلية، وأنت سيّد في الاسلام، عزمت عليكم إلّا توضّأتم. ثم قاموا جميعا، وسترت على الرجل. «٥٠١» - وضرط أبو الأسود الدؤلي بحضرة معاوية فقال: اكتمها عليّ، وكانا خاليين. ثم دخل عليه الناس فأحبّ أن يضع منه فأشاعها، فقال أبو الأسود: إنّ رجلا اؤتمن على ضرطة فلم يكتمها لحريّ أن لا يؤتمن على أمر الأمّة. «٥٠٢» - كان المتوكل على بركة يصيد السمك وعنده عبادة المخنّث، فتحرك المتوكل فخرجت منه ريح، فقال لعبادة: اكتمها عليّ فإنّك إن ذكرتها ضربت عنقك. ودخل الفتح فقال: أيّ شيء صدتم اليوم؟ فقال له عبادة: ما صدنا شيئا، والذي كان معنا أفلت. «٥٠٣» - قيل للوطيّ: ويحك، إنّ من الناس من يسرق ويزني ويعمل العظائم سنين كثيرة وأمره مستور، وأنت إنما لطت منذ شهور، وقد شهرت

стр. 1100

وافتضحت. فقال: من يكون سرّه عند الصبيان كيف تكون حاله؟! «٥٠٤» - كان ببغداد رجل يتعبّد اسمه رويم، فولي القضاء، فلقيه جنيد فقال: من أراد أن يستودع سرّه من لا يفشيه فعليه برويم، فإنه كتم حبّ الدنيا أربعين سنة حتى قدر عليها. «٥٠٥» - انقطع عبد الملك بن مروان عن أصحابه فانتهى إلى أعرابيّ فقال له: أتعرف عبد الملك؟ قال: نعم جائر بائر، قال: ويحك، أنا عبد الملك بن مروان، قال: لا حيّاك الله ولا بيّاك ولا قرّبك، أكلت مال الله وضيّعت حرمته، قال: ويلك أنا أضرّ وانفع، قال: لا رزقني الله نفعك، ولا دفع عني ضرّك. فلما وصلت خيله قال: يا أمير المؤمنين، اكتم ما جرى فالمجالس بالأمانة [١] . يتلوه: باب في العدل والجور.

стр. 1101

الباب الثّاني عشر ما جاء في العدل والجور

стр. 1102

[خطبة الباب] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) * الحمد لله المقسط في قضائه العادل، الحكيم بين عباده الفاصل، مجزل العطاء الفاضل، ودافع البلاء النازل، مبيد الظلم وأهله، ومبير الجور وفعله. وعد على العدل أحسن الجزاء والثواب، وتوعّد الظالم المسيء بأليم العقاب. سوّى بين المشركين والقاسطين فجعلهم لجهنّم حطبا ووقودا، وأخزاهم فيها خامدين لا يستطيعون عنها حولا ولا محيدا، كافى بين الدّماء فلم يكن لملك على سوقة فيها اختصاص، وحكم بأنّ الجروح وإن اختلفت المنازل قصاص، تعديلا بين القويّ والمستضعف، وحجزا عن العدوان والتحيّف، يمهل الكافرين إذا عدلوا حتى يستوفوا أجلهم، ويعجّل للظالمين وإن أسلموا رحمة لعباده وانتقاما لهم. فله الحمد منعما ومنتقما، ولإحسانه الشكر منتصرا وراحما. والصلاة على محمد المختار للرسالة المرتضى، المأمور بالعدل في الغضب والرضى، وعلى آله ما حسر الضياء ثوب الظلام ونضا.

стр. 1103

(الباب الثاني عشر في العدل والجور) [آيات وأحاديث وحكم] ٥٠٦- العدل شيمة تستوجب الصفة بالكمال، ومن أوتيها ملك نفسه، ومن ملكها نجا. وقد ندب الله إليه فعلا وقولا وخلقا، قال الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى) (النحل: ٩٠) وقال سبحانه: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (المائدة: ٤٢) وكفى شرفا فضيلة يحبّ الله فاعلها. وقال : (وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) (الأنعام: ١٥٢) وقال ﵎ (وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً) (الفرقان: ٦٧) والآيات في ذلك وفي ذمّ الجور والوعيد عليه أكثر من أن تحصى، قال الله تعالى (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود: ١٨) وقال َ أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً) (الجن: ١٥) وقال سبحانه (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ) (ابراهيم: ٤٢) قيل هذه تعزية للمظلوم ووعيد للظالم. وقال تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً) (الكهف: ٢٩) وقال تعالى: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (الشعراء: ٢٢٧) . ومن أمره بالعدل قوله سبحانه (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (ص: ٢٦) . ٥٠٧- وسئل رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: من أفضل الناس؟ قال:

стр. 1104

أكثرهم ذكرا لله؛ قيل فمن أكرم الناس؟ قال: أتقاهم لله؛ قيل: فمن المؤمن؟ قال: من يخشى الله بالغيب، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويؤدي الأمانة إلى أهلها، ويتّقي دعوة المظلوم، ويعدل لسانه عند الرضى والغضب. ٥٠٨- وقال له رجل: يا رسول الله أيّ الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حقّ عند سلطان جائر. «٥٠٩» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: أشدّ الناس عذابا يوم القيامة إمام جائر. وفي لفظ آخر: إنّ أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدّهم عذابا إمام جائر. «٥١٠» - وقال ﷺ : لا قدّست أمّة لا تأخذ للضعيف حقّه غير متعتع. «٥١١» - وروي عن عبادة بن الصامت انه قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة وعلى أن نقول الحقّ أيضا حيثما كنّا لا نخاف في الله لومة لائم. «٥١٢» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: إنّ الله تعالى مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تخلّى الله منه ولزمه الشيطان. «٥١٣» - وروي عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وعلى آله أنه قال: إنّ الله نظر إلى أهل عرفات فباهى بهم الملائكة، فقال: انظروا إلى عبادي شعثا غبرا أقبلوا يضربون إليّ من كلّ فجّ عميق، فاشهدوا أني قد غفرت لهم إلّا التبعات التي بينهم.

стр. 1105

«٥١٤» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: رحم الله عبدا كان لأخيه قبله مظلمة في عرض أو مال، فأتاه فتحلّله منها قبل أن يأتي يوم ليس معه دينار ولا درهم. «٥١٥» - وعنه صلّى الله عليه وعلى آله أنه قال: نفس المؤمن معلّقة بدينه حتى يقضى عنه. ٥١٦- وجاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وعلى آله فقال: أرأيت إن ضربت بسيفي هذا في سبيل الله محتسبا مقبلا غير مدبر، أتكفّر خطاياي؟ قال: نعم. فلما أدبر قال: تعال، هذا جبريل ﵇ يقول إلا أن يكون عليك دين. «٥١٧» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: من اقتطع حقّ امرىء مسلم أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة. فقال رجل: يا رسول الله ولو كان شيئا يسيرا؟ قال: ولو كان قضيبا من أراك. «٥١٨» - وجاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وعلى آله تقاضاه فأغلظ له، فهمّ أصحابه به، فنهاهم وقال: ألا كنتم مع الطالب؟ ثم قال: دعوه فإنّ لصاحب الحقّ مقالا، واشتروا له بعيرا. فلم يجدوا له إلّا فوق سنّه فقال: اشتروا له فوق سنّه، فأعطوه، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أخذت حقّك؟ قال: نعم، قال: كذلك افعلوا، خيركم أحسنكم قضاء. «٥١٩» - وقيل: مرّ عليّ ﵇ في سوق الكوفة ومعه الدرّة، وهو يقول: يا معشر التجّار، خذوا الحقّ وأعطوا الحقّ تسلموا، لا تردّوا قليل الربح

стр. 1106

فتحرموا كثيره، ما منع مال من حقّ إلّا ذهب في باطل أضعافه. ٥٢٠- وقال رسول الله ﷺ : لا تغبطنّ ظالما بظلمه فإنّ له عند الله طالبا حثيثا ثم قرأ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (الإسراء: ٩٧) . «٥٢١» - وقال ﵇: يا عليّ إيّاك ودعوة المظلوم فإنما يسأل حقّه، وإنّ الله لا يمنع من ذي حقّ حقّه. «٥٢٢» - وقال ﷺ : من روّع مسلما لرضى سلطان جيء به معه يوم القيامة. «٥٢٣» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: من تزوّج امرأة بصداق ينوي أن لا يؤديه إليها فهو زان، ومن ادّان دينا لا ينوي أن يقضيه فهو سارق. «٥٢٤» - قال الأحنف: إذا دعتك نفسك إلى ظلم الناس فاذكر قدرة الله على عقوبتك، وانتقام الله لهم منك، وذهاب ما أتيت إليهم عليك. «٥٢٥» - ويقال: ما أنعم الله على عبد نعمة فظلم بها إلا كان حقيقا على الله أن يزيلها. ٥٢٦- وقال أبو سعيد: بينما النبي صلّى الله عليه وعلى آله يقسم شيئا إذ أكبّ عليه رجل فطعنه النبي ﷺ بعرجون معه، فصاح الرجل، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله: تعال فاستقد، فقال الرجل: بل قد عفوت يا رسول الله. ٥٢٧- وخبر عكاشة مشهور وله موضع آخر من هذا الكتاب.

стр. 1107

[أخبار في العدل والجور] «٥٢٨» - وقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام. «٥٢٩» - وقال ﷺ : من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله فقد حادّ الله في ملكه، ومن أعان على خصومة بغير علم فقد باء بسخط الله [١] . «٥٣٠» - وقال ﷺ : من أعان على باطل ليدحض بباطله حقا فقد برىء من ذمّة الله وذمة رسوله. «٥٣١» - قال يوسف بن أسباط: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحبّ أن يعصى الله. «٥٣٢» - وروي عن جعفر بن محمد أنه قال: قال الله : وعزتي لأجيبنّ دعوة المظلوم وإن كان كافرا، كفره على نفسه وإزالة الظلم عليّ. «٥٣٣» - وعنه قال: ما من عبد ظلم فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: أي ربّ، عبدك! ظلمت فلم أنتصر إلّا بك، إلّا قال الله : لبيك عبدي حقا، لأنصرنّك ولو بعد حين. ٥٣٤- وروي أنّ رجلا من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله جلس بين يديه وقال: يا رسول الله إنّ لي مملوكين يخونونني ويعصونني ويكذبونني، فأين أنا منهم؟ فقال ﷺ : يحسب ما خانوك وعصوك وكذّبوك وعقابك

стр. 1108

إياهم، فإن كان ذلك بقدر ذنوبهم كان ذلك كفافا لا لك ولا عليهم، وإن كان أكثر من ذنوبهم اقتصّ لهم منك. فبكى الرجل، فقال ﷺ : أما تقرأ (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) (الأنبياء: ٤٧) فقال الرجل: والله يا رسول الله ما لي في صحبة هؤلاء من خير، أشهدك أنهم أحرار كلهم. ٥٣٥- قيل أوحى الله إلى نبيّ من بني إسرائيل أن مر ملوك بني إسرائيل أن ينزلوا الجدب وينزلوا الرعيّة الخصب، ويشربوا الرّنق ويسقوا الرعيّة الصّفو، وإلّا حاسبتهم بالذرّة والشعرة. «٥٣٦» - سأل الاسكندر حكماء أهل بابل: أيّما أبلغ عندكم الشجاعة أم العدل؟ قالوا: إذا استعملنا العدل استغنينا عن الشجاعة. «٥٣٧» - ويقال: عدل السلطان أنفع من خصب الزمان. «٥٣٨» - وتزعم الفرس أنّ فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور كان عادلا إلّا أنّه كان مشؤوما على رعيّته، فقحط الناس في زمانه سنين، وغارت الأنهار والعيون والقنيّ، وقحلت الأشجار والغياض، وتماوتت الوحوش والطيور، وصارت الدوابّ والأنعام لا تطيق حمولة، فأحسن إلى الناس، وكفّ عن الجباية، وقسم ما في بيت الأموال، وأمر بإخراج ما في الهري والمطامير من الطعام، وترك الاستئثار به، وتساوى فيه غنيّهم وفقيرهم، وأخبرهم أنه متى بلغه أنّ إنسيّا مات جوعا عاقب أهل تلك المدينة أو القرية ونكّل بهم أشدّ النكال. فيقال إنه لم يهلك في تلك المجاعة واللّزبة إلّا رجل واحد من رستاق كورة أردشير. فقام عدله في الرعيّة مقام الخصب.

стр. 1109

«٥٣٩» - ويقال: إذا رغب الملك عن العدل رغبت رعيّته عن طاعته. ٥٤٠- موت الملك الجائر خصب شامل. ٥٤١- قيل: أيّ شيء أرفع لذكر الملوك؟ قيل: تدبيرهم أمر البلاد بعدل، ومنعهم إياها بعزّ. ٥٤٢- وكان بعضهم يوصي عمّاله فيقول: سوسوا الناس بالمعدلة، واحملوهم على النّصفة، واحذروا أن تلبسونا جلودهم، أو تطعمونا لحومهم، أو تسقونا دماءهم. ٥٤٣- ذكر أعرابيّ السلطان فقال: أما والله لئن عزّوا في الدنيا بالجور، لقد ذلّوا في الآخرة بالعدل. ٥٤٤- قال الشعبيّ: كان بين عبد الله بن شريح وبين قوم خصومة، فقال: يا أبت إنّ بيني وبين قوم خصومة، فإن كان الحقّ لي خاصمتهم. قال: اذكر لي قصتك. فذكرها له، فقال: ائتني بهم، فلما أتاه بهم قضى على ابنه؛ فلما رجع قال: يا أبت لو لم أخبرك بقصتي كان أعذر لك عندي، فقال: يا بنيّ أنت أعزّ عليّ من ملء الأرض مثلهم، والله تعالى أعزّ عليّ منك. كرهت أن أخبرك أنّ القضاء عليك فتصالحهم. «٥٤٥» - وانصرف شريح يوما من مجلس القضاء، فلقيه رجل فقال: أما حان لك يا شيخ أن تخاف الله تعالى وتستحيي؟ قال: ويلك من أيّ شيء؟ قال: كبرت سنّك، وفسد ذهنك، وكثر نسيانك، وأدهن كاتبك، وارتشى ابنك، فصارت الأمور تجوز عليك. قال: لا والله لا يقولها لي بعدك أحد، واعتزل عن القضاء ولزم بيته. وقضى شريح بالكوفة ستين سنة، ولّاه عمر بن الخطاب ﵁ وبقي إلى أيّام الحجاج.

стр. 1110

٥٤٦- ولّى الرشيد عاملا خراج طساسيج السواد، فقال لجعفر ويحيى: أوصياه؛ فقال جعفر: وفّر واعمر، وقال يحيى أنصف وانتصف، وقال الرشيد: يا هذا أحسن واعدل. ففضّل الناس كلام الرشيد، فقيل لهما: لم نقص كلامكما عن كلامه؟ فقال جعفر: لا يعتدّ هذا نقصانا إلّا من لا يعرف ما لنا وما علينا، إنما أمرنا بما علينا أن نأمر به، وأمر أمير المؤمنين بما له أن يأمر به. «٥٤٧» - وقع جعفر بن يحيى إلى عامل له: أنصف من وليت أمره، وإلّا أنصفه منك من ولي أمرك. «٥٤٨» - ووقّع إلى أحمد بن هشام في قصة متظلّم: اكفني أمر هذا، وإلّا كفيته أمرك. ٥٤٩- كتب الفضل بن يحيى إلى عامل له: بئس الزاد إلى المعاد، العدوان على العباد. «٥٥٠» - تنازع إبراهيم بن المهدي وبختيشوع المتطبّب بين يدي أحمد بن أبي دواد القاضي في مجلس الحكم في عقار بناحية السواد، فأربى عليه ابن المهدي وأغلظ له بين يدي ابن أبي دواد، فأحفظه ذلك فقال: يا إبراهيم إذا نازعت أحدا في مجلس الحكم فلا أعلمنّ ما رفعت عليه صوتا، ولا أشرت بيدك، وليكن قصدك [١] أمما، وطريقك ثبجا [٢] ، وريحك ساكنة. ووفّ

стр. 1111

مجالس الحكومة [١] حقّها من التوقير والتعظيم والتوجيه إلى الواجب، فإنّ ذلك أشبه [٢] بك، وأجمل لمذهبك في محتدك وعظيم قدرك [٣] ، ولا تعجل فربّ عجلة تعقب ريثا، والله يعصمك من الزلل، وخطل القول والعمل، ويتمّ نعمته عليك كما أتمّها على أبويك من قبل. قال إبراهيم: أصلحك الله، أمرت بسداد، وحضضت على رشاد، ولست بعائد إلى ما يثلم مروءتي [٤] ، ويسقطني من عينك، ويخرجني عن مقدار الواجب إلى الاعتذار؛ فها أنا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقرّ بذنبه، باخع بجرمه، فإنّ الغضب لا يزال يستفزّني بهواه [٥] ، فيردّني مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندنا، وحسبنا الله ونعم الوكيل؛ وقد وهبت حقي [٦] في هذا العقار لبختيشوع، فليت ذلك يقوم بأرش الجناية، ولم يتلف مال أفاد موعظة، وبالله التوفيق. «٥٥١» - كتب المنصور إلى سوّار بن عبد الله القاضي في مال كان له على سلمة بن سعيد، لما مات سلمة، وكان عليه ديون للناس وللمنصور، فكتب إليه: استوف لأمير المؤمنين دينه، وفرّق ما يبقى بين الغرماء. فلم يلتفت إلى كتابه وضرب للمنصور بسهم من المال كما ضرب لواحد من الغرماء، ثم كتب إليه: إني رأيت أمير المؤمنين غريما من الغرماء. فكتب إليه المنصور: ملئت الأرض بك عدلا.

стр. 1112

«٥٥٢» - قيل: أول من أظهر الجور في القضاء في الحكم بلال بن أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري، وكان أمير البصرة وقاضيها. كان يقول: إنّ الرجلين يتقدّمان إليّ فأجد أحدهما أخفّ على قلبي فأقضي له. «٥٥٣» - وخاصم خالد بن صفوان إليه رجلا فقضى على خالد، فقام خالد وهو يقول: سحابة صيف عن قليل تقشّع. فقال بلال: أما إنها لا تقشّع حتى يصيبك منها شؤبوب برد، وأمر به إلى الحبس [١] . فقال خالد: علام تحبسني فو الله ما جنيت جناية، فقال بلال: يخبرك عن ذلك باب مصمت، وأقياد ثقال، وقيّم يقال له حفص. «٥٥٤» - وخطب بلال بالبصرة فعرف أنهم قد استحسنوا كلامه فقال: لا يمنعنّكم ما تعلمون فينا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منّا. «٥٥٥» - تقدّم المأمون بين يدي يحيى بن أكثم مع رجل ادّعى عليه ثلاثين ألف دينار، فطرح المأمون مصلّى يجلس عليه، فقال يحيى: لا تأخذ على خصمك [٢] شرف المجلس. ولم يكن للرجل بيّنة، فحلف المأمون، فلما فرغ وثب يحيى فقام على رجليه فقال: ما أقامك؟ فقال: إني كنت في حقّ الله تعالى حتى أخذته منك، وليس الآن من حقّك أن أتصدّر عليك. فأعطى الرجل ما ادّعاه، وهو ثلاثون ألف دينار، وقال: خذه، والله إني ما كنت لأحلف على فجرة ثم أسمح لك بالمال فأفسد ديني ودنياي. وو الله ما دفعت إليك هذا المال

стр. 1113

الساعة إلّا خوفا من هذه العامة فلعلها ترى أني تناولتك من جهة القدرة، ومنعتك حقّك بالاستطالة عليك. فأما الآن فإنها تعلم أنّي ما كنت لأسمح باليمين والمال، وأمر ليحيى بثلاثين ألف دينار، وتصدّق بثلاثين ألف دينار. «٥٥٦» - وكان أبو خازم [١] عبد الحميد بن عبد العزيز السّكونيّ قاضيا للمعتضد، مات في أيامه الضّبعيّ صاحب الطعام، وله أطفال، وعليه للمعتضد دين قدره أربعة آلاف دينار. فقال المعتضد لعبيد الله بن سليمان: قل لعبد الحميد أن يدفع إلينا هذا المال من تركة الضبعي، فذكر له ذلك، فقال أبو خازم: إنّ المعتضد كأسوة الغرماء في تركة الضبعي. فقال له عبيد الله: أتدري ما تقول؟ فقال أبو خازم: هو ما قلت لك. وكان المعتضد يلحّ على عبيد الله في اقتضاء المال، وعبيد الله يؤخر ما قال له أبو خازم، فلما ألحّ عليه أخبره بما قال أبو خازم، فأطرق المعتضد ثم قال: صدق عبد الحميد هو كما قال: نحن كسائر الغرماء وأسوتهم. «٥٥٧» - أخذ عمر بن الخطاب، ﵁، من رجل فرسا على سوم، فحمل عليه رجلا فعطب الفرس، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلا، فقال له الرجل: أجعل بيني وبينك شريحا العراقيّ. فقال: يا أمير المؤمنين أخذته صحيحا سليما فعليك أن تردّه كما أخذته، فأعجبه ما قال، وبعث به قاضيا. ثم قال: ما وجدته في كتاب الله سبحانه فلا تسأل عنه أحدا، وما لم يستبن في كتاب الله فالزم السنّة، فإن لم يكن في السنة فاجتهد رأيك.

стр. 1114

«٥٥٨» - وقال له عمر حين استقضاه: لا تشارّ ولا تضار، ولا تشتر ولا تبع، فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين: [من الرجز] إنّ القضاة إن أرادوا عدلا ... ودفعوا قول الخصوم فصلا وزحزحوا بالحكم عنهم جهلا ... كانوا كغيث قد أصاب محلا «٥٥٩» - ويقال: إنّ شريحا عاش مائة وستّ سنين، فقضى منها ستين سنة. «٥٦٠» - قال مسروق: لأن أحكم يوما بحقّ أحبّ إليّ من أن أغزو سنة في سبيل الله. «٥٦١» - سمع ابن شبرمة ينشد: [من الطويل] يمنّونني الأجر الجزيل وليتني ... أجوز [١] كفافا لا عليّ ولا ليا ٥٦٢- قال أحمد بن وزير القاضي: لما ولّاني المعتزّ القضاء قال لي: يا أحمد قد ولّيتك القضاء، وإنما هي الدماء والفروج والأموال ينفذ فيها حكمك، ولا يردّ أمرك، فاتّق الله وانظر ما أنت صانع. «٥٦٣» - قال القاضي أبو عمر، وقدم خادم من وجوه خدم المعتضد بالله إلى يوسف بن يعقوب- يعني أباه- في حكم فجاء فارتفع في المجلس، وأمره الحاجب بموازاة خصمه فلم يفعل إدلالا بعظم محلّه من الدولة، فصاح القاضي

стр. 1115

عليه وقال: قفاه، أتؤمر بموازاة خصمك فتمتنع؟! يا غلام عمرو بن أبي عمرو النخاس لتقدم إليه الساعة ببيع هذا العبد وحمل [١] ثمنه إلى أمير المؤمنين. ثم قال لحاجبه: خذ بيده، وسوّ بينه وبين خصمه؛ فأخذ كرها وأجلس مع خصمه. فلما انقضى الحكم انصرف الخادم، فحدّث المعتضد بالحديث وبكى بين يديه، فصاح عليه المعتضد وقال: لو باعك لأجزت بيعه، وما رددتك إلى ملكي أبدا، وليس خصوصيّتك بي تزيل مرتبة الحكم فإنه عمود السلطان وقوام الأديان. «٥٦٤» - قال الأحنف: ما عرضت الإنصاف قطّ على رجل فقبله إلّا هبته، ولا أباه إلّا طمعت فيه. «٥٦٥» - كتب المنصور إلى سوّار في شيء كان الحقّ في خلافه، فلم ينفذ سوّار كتابه وأمضى الحكم عليه، فتغيّظ المنصور عليه وتوعّده. فقيل له: يا أمير المؤمنين إنما عدل سوّار لك ومضاف إليك وزين خلافتك، فأمسك عنه. «٥٦٦» - وكتب المهديّ إلى عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة أن ينظر الأنهار التي كانت في أيام عمر وعثمان، ﵄، فيأخذ الصدقة منها، نحو نهر معقل ونهر الأبلّة وما أشبههما، ويأخذ من الأنهار التي أحدثت بعد ذلك الخراج، فلم ينفذ كتابه، فتوعّده، فلما بلغ عبيد الله الخبر أحضر أشراف أهل البصرة من أهل العلم بالقضاء، وأشهدهم أنه قد قضى لأهل الأنهار كلّها التي بجزيرة العرب بالصدقة، فلم يردد المهديّ شيئا عليه من فعله.

стр. 1116

٥٦٧- وقيل: كان حفص [١] بن عتاب جالسا في الشرقية يقضي، فأنفذ الخليفة يستدعيه، فقال للرسول: أفرغ من أمر [٢] الخصوم، إذ كنت أجيرا لهم، وأصير إلى أمير المؤمنين. ولم يقم حتى تفرّق الخصوم. «٥٦٨» - حدث وكيع القاضي قال: كنت أتقلّد لأبي خازم وقوفا في أيام المعتضد، منها وقوف الحسن بن سهل، فلما استكثر المعتضد من عمارة القصر الحسنيّ أدخل إليه بعض وقوف الحسن بن سهل التي كانت في يدي [٣] ، وبلغت السّنة آخرها وقد جبيت مالها إلّا ما أخذه المعتضد، فجئت إلى أبي خازم فعرّفته اجتماع مال السنة، واستأذنته في قسمته في سبله وعلى أهل الوقف، فقال لي: فهل جبيت ما على أمير المؤمنين؟ فقلت له: ومن يجسر على مطالبة الخليفة؟ قال: والله لا قسمت الارتفاع أو تأخذ ما عليه؛ والله لئن لم يزح العلة لا وليت له عملا، ثم قال: امض إليه الساعة وطالبه، فقلت من يوصلني؟ قال: امض إلى صافي الحرمي وقل له إنك رسول أنفذتك في مهمّ، فإذا وصلت فعرّفه ما قلت لك. فجئت إلى صافي فأوصلني، وكان آخر النهار، فلما مثلت بين يدي الخليفة ظنّ أنّ أمرا عظيما قد حدث، وقال: هي قل، كأنه متشوّق، فقلت له: إني ألي لعبد الحميد قاضي أمير المؤمنين وقوف الحسن بن سهل، وفيها ما قد أدخله أمير المؤمنين إلى قصره، ولما جبيت مال هذه السنة امتنع من تفرقته إلى أن أجبي ما [٤] على أمير المؤمنين، وأنفذني الساعة قاصدا بهذا السبب، وأمرني أن أقول إني

стр. 1117

حضرت في مهمّ لأصل إليك. فسكت ساعة مفكرا ثم قال: أصاب عبد الحميد، يا صافي هات الصندوق. فأحضر صندوقا لطيفا فقال: كم يجب لك؟ فقلت: الذي جبيت عام [١] أول من ارتفاع هذه العقارات أربعمائة دينار. فقال: كيف حذقك بالنّقد والوزن؟ قلت: أعرفهما. قال: هاتوا ميزانا، فجاءوا بميزان حرّانيّ عليه حلية ذهب، وأخرج من الصندوق دنانير عينا فوزن لي منها أربعمائة دينار، فانصرفت بها إلى أبي خازم فقال: أضفها إلى ما اجتمع للوقف عندك، وفرّقه في غد في سبله، ففعلت. «٥٦٩» - وكان عافية القاضي يتقلّد للمهديّ أحد جانبي بغداد، وكان عالما زاهدا، فصار إلى المهدي في وقت الظهر في يوم من الأيام وهو خال، فاستأذن عليه فأدخله، وإذا معه قمطره، فاستعفاه من القضاء واستأذنه في تسليم القمطر إلى من يأمره بذلك. فظنّ أنّ بعض الأولياء قد غضّ منه أو أضعف يده في الحكم، فقال له في ذلك فقال: ما جرى من هذا شيء فقال: ما سبب استعفائك؟ فقال: كان يتقدّم إليّ خصمان موسران وجيهان مذ شهران في قصة معضلة مشكلة، وكلّ يدّعي بيّنة وشهودا، ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمّل وتثبت. فرددت الخصوم رجاء أن يصطلحوا أو يعنّ لي وجه فصل ما بينهما. قال: فوقف أحدهما من خبري على أني أحبّ الرّطب السكر، فعمد في وقتنا وهو أول أوقات الرطب إلى أن جمع من الرطب السكر ما لا يتهيأ في زماننا جمع مثله إلّا لأمير المؤمنين، وما رأيت أحسن منه، ورشا بوّابي جملة دراهم على أن يدخل

стр. 1118

الطبق إليّ ولا يبالي أن يردّ. فلما أدخل إليّ أنكرت ذلك وطردت بوّابي وأمرت بردّ الطبق. فلما كان اليوم تقدم إليّ مع خصمه فما تساويا في قلبي ولا في عيني. وهذا يا أمير المؤمنين ولم أقبل، فكيف تكون حالي لو قبلت؟ ولا آمن أن تقع عليّ حيلة في ديني فأهلك. وقد فسد الناس. فأقلني أقالك الله وأعفني، فأعفاه. [صفة الإمام العادل عند للحسن البصري] «٥٧٠» - نادى رجل سليمان بن عبد الملك وهو على المنبر: أيا سليمان، أيا سليمان، اذكر يوم الأذان، فنزل عن المنبر ودعا بالرجل فقال له سليمان: فما يوم الأذان؟ فقال: (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (الأعراف: ٤٤) قال: فما ظلامتك؟ قال: أرضي بمكان كذا أخذها وكيلك، فكتب إلى وكيله أن ادفع إليه أرضه وأرضي مع أرضه. ٥٧١- واستؤمر عمر بن عبد العزيز في البسط على العمّال فقال: يلقون الله بجناياتهم أحبّ إليّ من أن ألقى الله بدمائهم. «٥٧٢» - كتب عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة إلى الحسن البصري أن يكتب إليه بصفة الإمام العدل، فكتب إليه الحسن: اعلم يا أمير المؤمنين أنّ الله تعالى جعل الإمام العدل قوام كلّ مائل، وقصد كلّ جائر، وصلاح كلّ فاسد، وقوة كلّ ضعيف، ونصفة كلّ مظلوم، ومفزع كلّ ملهوف. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الحازم الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المراعي ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السّباع، ويكنفها من أذى الحرّ والقرّ. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده: يسعى لهم صغارا، ويعلّمهم كبارا، يكسب لهم في حياته، ويدّخر لهم بعد وفاته. والإمام العدل يا

стр. 1119

أمير المؤمنين كالأمّ الشفيقة، البرّة الرفيقة بولدها، حملته كرها، ووضعته كرها، وربّته طفلا، تسهر لسهره، وتسكن لسكونه، ترضعه تارة، وتفطمه أخرى، وتفرح لعافيته، وتغتمّ بشكاته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوارح، تصلح الجوارح بصلاحه، وتفسد بفساده. والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد لله ويقودهم. فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيّده، واستحفظه ماله وعياله، فبدّد المال، وشرّد العيال، فأفقر أهله، وأهلك ماله. واعلم يا أمير المؤمنين أنّ الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها؟ وأنّ الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتصّ لهم؟ [١] [مالك وابن طاوس عند المنصور] «٥٧٣» - قال مالك بن أنس: بعث إليّ أبو جعفر المنصور وإلى ابن طاووس، فدخلنا عليه وهو جالس على فرش قد نضدت، وبين يديه أنطاع قد بسطت، وجلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسا، فجلسنا وأطرق عنّا طويلا. ثم التفت إلى ابن طاووس فقال له: حدثني عن أبيك؛ قال: نعم، سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله، قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن يملأني دمه. ثم التفت إليه أبو جعفر فقال: عظني يا ابن طاووس، قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنّ الله تعالى يقول: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ. إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ) إلى قوله (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ)

стр. 1120

(الفجر: ٦- ١٤) قال مالك: فضممت ثيابي أيضا مخافة أن يملأني من دمه. فأمسك ساعة حتى اسودّ ما بيننا وبينه، ثم قال: يا ابن طاووس ناولني هذه الدواة، فأمسك. قال: ما يمنعك أن تناولنيها؟ قال: أخشى أن تكتب بها معصية لله فأكون شريكا [١] فيها؛ فلما سمع ذلك قال: قوما عنّي. قال ابن طاووس: (ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ) [٢] (الكهف: ٦٤) قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاووس فضله. [عود إلى الأقوال والأخبار] «٥٧٤» - قال محمد بن حريث: بلغني أنّ نصر بن عليّ أرادوه على القضاء بالبصرة، واجتمع الناس إليه فكان لا يجيبهم، فلما ألّحوا عليه دخل بيته ونام على ظهره وألقى ملاءته على وجهه وقال: اللهمّ إن كنت تعلم أني لهذا كاره فاقبضني إليك، فقبض. «٥٧٥» - كتب عبيد بن ثابت مولى بني عبس إلى عليّ بن ظبيان قاضي بغداد: بلغني أنك تجلس للحكم على باريّ، وكان من قبلك من القضاة يجلسون على وطاء ويتكئون، فكتب إليه: والله إني لأستحيي إن جلس بين يديّ رجلان حرّان مسلمان على باريّ وأنا على وطاء، لست أجلس إلّا على ما يجلس عليه الخصوم. «٥٧٦» - أراد عثمان استقضاء عبد الله بن عمر فقال: أليس سمعت النبيّ ﷺ يقول: من استعاذ بالله فقد عاذ بمعاذ، قال: بلى، قال: فإني أعوذ بالله منك أن تستقضيني.

стр. 1121

«٥٧٧» - بينا داود ﵇ جالسا على باب داره، جاء رجل فاستطال عليه، فغضب له إسرائيليّ كان معه فقال: لا تغضب فإنّ الله إنما سلّطه عليّ لجناية جنيتها. فدخل فتنصّل إلى ربّه، فجاء الرجل يقبّل رجليه ويعتذر إليه. «٥٧٨» - قال سقراط: ينبوع فرح الإنسان القلب المعتدل، وينبوع فرح العالم الملك العادل، وينبوع حزن الإنسان القلب المختلف المزاج، وينبوع حزن العالم الملك الجائر. «٥٧٩» - لما جيء بالهرمزان ملك خوزستان أسيرا إلى عمر، لم يزل الموكّل به يقتفي أثر عمر حتى عثر عليه في المسجد نائما متوسّدا درّته. فلما رآه الهرمزان قال: هذا هو الملك، عدلت فأمنت فنمت؛ والله إني قد خدمت أربعة من ملوك الأكاسرة أصحاب التيجان فما هبت أحدا منهم هيبتي لصاحب هذه الدرّة. «٥٨٠» - مرّ عامر بن بهدلة برجل قد صلبه الحجاج فقال: يا ربّ إنّ حلمك عن الظالمين قد أضرّ بالمظلومين، فرأى في منامه أنّ القيامة قد قامت، وكأنه قد دخل الجنة، فرأى المصلوب فيها في أعلى علّيين، وإذا مناد ينادي: حلمي عن الظالمين أحلّ المظلومين في أعلى علّيين. «٥٨١» - بعث رسول الله ﷺ جيشا وأمّر عليهم رجلا، قيل هو عبد الله بن محرز، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأجّج نارا وأمرهم أن يقتحموا فيها، فأبى قوم أن يدخلوها وقالوا: إنما فررنا من النار. وأراد قوم أن يدخلوها، فبلغ

стр. 1122

ذلك النبيّ ﵇ فقال: لو دخلوها لم يزالوا فيها. وقال: لا طاعة لمخلوق في معصية الله، إنّما الطاعة في المعروف. «٥٨٢» - ومن الإنصاف في الأقوال [١] : أغلظ رجل للمهلب فحلم عنه، فقيل له جهل عليك وتحلم عنه؟! فقال: لم أعرف مساوئه فكرهت أن أبهته بما ليس فيه. «٥٨٣» - قال ابن دريد، قال أبو حاتم: فاتني نصف العلم، فقيل له: وكيف ذاك؟ قال تصدّرت ولم أكن للتصدّر أهلا، واستحييت أن أسأل من دوني، واختلف إليّ من فوقي، فذلك الجهل في نفسي إلى اليوم. «٥٨٤» - وقال ابن المنجم: كنت أحضر وأنا صغير مجلس ثعلب، فأراه ربّما سئل عن خمسين مسألة وهو يقول: لا أدري، لا أعلم، لم أسمع. «٥٨٥» - وقال اليوسفي الكاتب: كنت يوما عند أبي حاتم السجستاني إذ أتاه شابّ من أهل نيسابور فقال له: يا أبا حاتم إنّي قدمت بلد كم وهو بلد العلم والعلماء، وأنت شيخ أهل المدينة، وقد أحببت أن أقرأ عليك كتاب سيبويه. فقال له: الدين النصيحة، إن أردت أن تنتفع بما تقرأه فاقرأ على هذا الغلام محمد ابن يزيد، فتعجبت من ذلك. [الأحنف عند معاوية] ٥٨٦- جلس معاوية يوما وعنده وجوه الناس وفيهم الأحنف، إذ دخل رجل من أهل الشام، فقام خطيبا، فكان آخر كلامه أن لعن عليا ﵇.

стр. 1123

فأطرق الناس وتكلّم الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين إنّ هذا القائل آنفا ما قال لو علم أنّ رضاك في لعن المرسلين للعنهم، فاتّق الله تعالى ودع عليا فقد لقي الله وأفرد في حفرته، وخلا بعمله، وكان والله ما علمنا المبرّز بسبقه، الطاهر في خلقه، الميمون النقيبة، العظيم المصيبة. فقال معاوية: يا أحنف لقد أغضيت العين على [١] القذى، وقلت بغير ما ترى، وأيم الله لتصعدنّ المنبر فلتلعننّه طائعا أو كارها، قال الأحنف: إن تعفني هو خير، وإن تجبرني على ذلك فو الله لا تجري به شفتاي. قال: قم فاصعد، فقال: أما والله لأنصفنّك في القول والفعل. قال معاوية: وما أنت قائل إن أنصفتني؟ قال: أصعد فأحمد الله تعالى بما هو أهله، وأصلّي على نبيّه، ثم أقول: أيها الناس إنّ معاوية أمرني أن ألعن عليا، ألا وإنّ عليا ومعاوية اختلفا واقتتلا، وادّعى كلّ واحد منهما أنه مبغيّ عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمّنوا يرحمكم الله، ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك ورسلك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية على الفئة المبغيّ عليها، آمين ربّ العالمين. فقال معاوية: إذن نعفيك يا أبا بحر. «٥٨٧» - وقيل: لما أجمع معاوية على البيعة ليزيد جمع الخطباء فتكلموا، والأحنف ساكت، فقال: يا أبا بحر ما منعك من الكلام؟ فقال: أنت أعلمنا بيزيد ليله ونهاره، وسرّه وعلانيته، فإن كنت تعلم أنها شرّ له فلا تولّه الدنيا وأنت تذهب إلى الآخرة، فإنما لك ما طاب، وعلينا أن نقول: سمعنا وأطعنا. [رقعة من أحمد بن إسماعيل إلى ابن المعتز] «٥٨٨» - كتب أحمد بن إسماعيل إلى ابن المعتز رقعة يقول فيها: ولم أر كالحقّ أصدق قائلا، ولا أفضل عاملا [٢] ، ولا أجمل ظاهرا، ولا أعزّ ناصرا، ولا أوثق

стр. 1124

عروة، ولا أحكم عقدة، ولا أعلى حجة، ولا أوضح محجة، ولا أعدل في النّصفة؛ لا يجري لأحد إلّا جرى عليه، ولا يجري على أحد إلّا جرى له، يستوي الملك والسوقة في واجبه [١] ، ويعتدل البغيض والحبيب [٢] في تحقيقه [٣] ، طالبه حاكم على خصمه، وصاحبه أمير على أمره [٤] ، من دعا إليه ظهر برهانه، ومن جاهد عليه كثر أعوانه، يمكّن رعاته من آلة القهر، ويجعل في أيديهم راية النصر، ويحكم لهم بغلبة العاجلة، وسعادة الآجلة. ولم أر كالباطل أضعف سببا، ولا أوعر مذهبا، ولا أجهل طالبا [٥] ولا أذلّ صاحبا؛ من اعتصم به أسلمه، ومن لجأ إليه خذله، يرتق فينفتق، ويرقع فينخرق؛ إن حاول صاحبه بيعه بارت سلعته، وإن رام ستره زادت ظلمته. لا يقارنه البرهان، ولا يفارقه الخذلان، قد قذف بالحقّ يدمغه ويقمعه فيمحقه، صاحبه في الدنيا مكذّب، وفي الآخرة معذّب، إن نطق دلّ على عيبه، وإن سكت تردّد في ريبه. [أشعار منصفة] «٥٨٩» - ومن أشعار العرب المنصفة قول حكمة بن قيس الكنانيّ: [من الطويل] نهيت أبا عمرو عن الحرب لو يرى ... برأي رشيد أو يؤول إلى حزم دعاني يشبّ الحرب بيني وبينه ... فقلت له لا بل هلمّ إلى السلم فلما أبي أرسلت فضلة ثوبه ... إليه فلم يرجع بحزم ولا عزم وأمهلته حتى رماني بحرّها ... تغلغل من غيّ غويّ ومن إثم

стр. 1125

فلما رمانيها رميت سواده ... ولا بدّ أن يرمى سواد الذي يرمي فبتنا على لحم من القوم غودرت ... أسنّتنا فيه وباتوا على لحم وأصبح يبكي من بنين وإخوة ... حسان الوجوه طيّبي الجسم والنسم ونحن نبكّي إخوة وبنيهم ... وليس سواء تلّ [١] حقّ على ظلم «٥٩٠» - وقال المسور بن زيادة العذري [٢] : [من الطويل] وكنّا بني عمّ جرى الجهل بيننا ... فكلّ توفّى حقّه غير وادع فنلنا من الآباء شيئا وكلّنا ... إلى حسب في قومه غير واضع فلما بلغنا الأمهات وجدتم ... بني عمّكم كانوا كرام المضاجع فما لهم عندي ولا لي عندهم ... وإن أكثر المغرور وتر لتابع ٥٩١- قال الحسن بن عبادة: وجّه إليّ الأمير وإلى ابن أبي ليلى وأبي حنيفة، فسألنا عن مسألة، فأجاب هو وابن أبي ليلى جوابا واحدا، وخالفتهما أنا، وأمر الأمير بإنفاذ قوليهما وترك قولي. فتفكّر أبو حنيفة ساعة ثم قال للأمير: جوابي خطأ، والقول ما قال الحسن. فقال لابن أبي ليلى: ما تقول؟ فلم يرجع وجعل يناظرني. ثم قال أبو حنيفة: إنّ العلم يحتاج أن يعرض على الله فلا يأنف أحد إذا أخطأ أن يرجع إلى الحقّ. «٥٩٢» - قال أبو الدرداء: إياك ودعوة اليتيم ودعوة المظلوم فإنها تسري بالليل والناس نيام.
следующие страницы →