إلى الصّلاح مذهبا وخليقة، وأحواهم للخلال التي أجمعوا على تمييزك بها عنهم وانفرادك، واستحقاقك للاسعاف من بينهم بمأمولك ومرادك، وكونك [١] حاليا بشروط الجثلقة المتعارفة عندهم بأدواتها، مشهودا لك بنعوتها الكاملة وصفاتها، وحضر جماعة من النصارى الذين يرجع إليهم في استعلام سيرة أمثالك، واستطلاع أنباء مضارعيك وأشكالك، وذكروا أنهم تصفّحوا أحوال ذوي الديانات فيهم، واستثبتوا باديهم منها وخافيهم، بحكم مساس حاجتهم إلى جاثليق ينظر في أمورهم، ويراعي مصالح جمهورهم، فاتفقوا باجتماع من آرائهم، والتئام من قلوبهم وأهوائهم، على اختيارك لرياسة دينهم، ومراعاة شؤونهم، وتدبير وقوفهم، والتسوية في عدل الوساطة بين قويّهم، وضعيفهم، وسألوا إمضاء نصّهم [٢] عليك بالاذن الذي به تستقرى قواعده، وتصدق مواعده، وتستحكم مبانيه، وتقوى أواخيه، فأوعز باسعافهم في ما سألوه بالإيجاب، وإلحافهم في ما طلبوه جناح الاطلاب. وبرز الاذن الامامي الأشرف، لا زالت أوامره بالتوفيق معضودة، بترتيبك جاثليقا لنسطور النصارى بمدينة السلام، ومن تضمّه منهم ديار الاسلام، وزعيما لهم ولمن عداهم من الروم واليعاقبة والملكية في جميع البلاد، وكلّ حاضر من هذه الطوائف وباد، وانفرادك عن كافّة أهل نحلتك، بتقمص أهبة الجثلقة المتعارفة في أماكن صلواتكم، ومجامع عباداتكم، غير مشارك في هذا اللباس، ولا مسوّغ في التحلّي به لمطران أو أسقف أو شماس، حطّا لهم عن رتبتك، ووقوفا بهم دون محلّك الذي خصصت به ومنزلتك. وإن ولج أحد من المذكورين باب المجاذبة لك والخلاف، وراع سرب المتابعة لك وأخاف، وأبى النزول على حكمك، وعدل إلى حربك عن سلمك، كانت المقابلة به لاحقة، والعقوبة به على شقائقه حائقة، حتى تعتدل قناته، وتلين بالقرع صفاته، ويزدجر أمثاله عن مثل مقامه،
стр. 1297
وينحرس قانونك مما يقدح في نظامه.
وأمر بحملك على مقتضى الأمثلة الامامية في حقّ من تقدّمك من الجثالقة وسبقك، وإجراء أمرك عليه ومن تلاك منهم ولحقك، والحياطة لك ولاهل ملّتك في الأنفس والأموال، والحراسة الكافلة لكم بصلاح الأحوال، واتباع العادة المستمرة في مواراة أمواتكم، وحماية بيعكم ودياراتكم، والعمل في ذلك على الشاكلة التي عمل عليها الخفاء الراشدون مع من قبلكم، ورعى بها الأئمة السابقون رضوان الله عليهم عهدكم وإلّكم. وأن يقتصر في استيفاء الجزية على تناولها من العقلاء الواجدين من رجالكم دون النساء ومن لم يبلغ الحلم من أطفالكم. ويكون استيفاؤها مرة واحدة في كلّ سنة، من غير عدول في قبضها عن قضيّة الشرع المستحسنة. وفسح في الجاثليق أن يتوسّط طوائف النصارى في محاكماتهم، فيأخذ النّصف من القويّ للمستضعف، ويقود إلى الحقّ من مال إلى القسط والجنف، وينظر في وقوفهم نظرا يقوم بحقوق الأمانة وأشراطها، ويمضي على واضح حدودها وسويّ سراطها. فقابل هذا الانعام الذي شملك، وحقّق مناك في ما ناجتك به نفسك وأمّلك، بدعاء ينبي عن الاعتراف ويعرب، ويبدع في الاخلاص ويغرب. وسبيل كافة المطارنة والقسيسين والأساقفة من الطوائف المذكورة أن يحتذوا المأمور به في هذا المثال، ويتلقّوه بالانقياد والامتثال، إن شاء الله تعالى.
стр. 1298
نوادر في الوصايا والعهود
«١٠٢٦» - لما حضرت الحطيئة الوفاة اجتمع إليه قومه فقالوا: يا أبا مليكة أوص، قال: ويل للشعر من رواة [١] السّوء. قالوا: أوص يرحمك الله يا حطيء.
قال: من الذي يقول: [من الطويل]
إذا أنبض الرّامون عنها ترنّمت ... ترنّم ثكلى أوجعتها الجنائز
قالوا: الشماخ. قال: أبلغوا غطفان أنّه أشعر العرب. قالوا: ويحك أهذه وصية؟! أوص بما ينفعك. قال: ابلغوا أهل ضابىء انه شاعر حيث يقول:
[من الطويل]
لكلّ جديد لذّة غير أنني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ
قالوا: اتّق الله ودع عنك هذا. أوص بما ينفعك. قال: أبلغوا اهل امرىء القيس أنه أشعر العرب حيث يقول: [من الطويل]
فيا لك من ليل كأنّ نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
قالوا اتق الله ودع عنك هذا. قال: أبلغوا الأنصار أنّ صاحبهم أشعر العرب حيث يقول: [من الكامل]
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل
стр. 1299
قالوا: إن هذا لا يغني عنك من الله شيئا فقل غير ما أنت فيه، فقال:
[من الرجز]
الشعر صعب وطويل سلّمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلّت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه
قالوا: هذا مثل الذي كنت فيه. فقال: [من الرجز]
قد كنت أحيانا شديد المعتمد ... وكنت ذا خصم على الناس ألدّ
فوردت نفسي وما كادت ترد
قالوا: يا ابا مليكة، الك حاجة؟ قال: لا والله، ولكن أجزع للمديح الجيد يمدح به من ليس له أهلا. قالوا: فمن أشعر الناس؟ فأومى بيده إلى فيه وقال:
هذا الجحير إذا طمع في خير. واستعبر باكيا فقالوا له: قل لا إله إلا الله، فقال:
[من الرجز]
قالت وفيها حيدة وذعر ... عوذ بربي منكم وحجر
فقيل له: ما تقول في عبيدك وإمائك؟ قال: هم عبيد قنّ ما عاقب الليل النهار. قالوا: فأوص للفقراء بشيء. قال: أوصيهم بالالحاح في المسألة فانها تجارة لا تبور، واست المسؤول أضيق. قالوا: فما تقول في مالك؟ قال: للأنثى من ولدي مثل [١] حظّ الذكرين. قالوا: ليس هكذا قضى الله، قال: لكنّي هكذا قضيت. قالوا: فما توصي لليتامى؟ قال: كلوا أموالهم ونيكوا أمّهاتهم. قالوا:
فهل شيء تعهد به غير هذا؟ قال: نعم، تحملوني على أتان، وتتركوني راكبها حتى أموت، فان الكريم لا يموت على فراشه، والأتان مركب لم يمت عليه كريم قطّ. فجعلوه على أتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون عليها حتى مات وهو يقول: [من الرجز]
стр. 1300
لا أحد الأم من حطيّه ... هجا بنيه وهجا المريّه
من لؤمه مات على فريّه
«١٠٢٧» - خطب الحجاج لما أراد الحجّ فقال: أيّها الناس، إني أريد الحجّ، وقد استخلفت عليكم ابني هذا، وأوصيته بخلاف وصية النبي ﷺ في الأنصار، فانه أمر أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم. ألا وإني قد أوصيته أن لا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم. ألا وإنكم ستقولون بعدي: لا أحسن الله له الصحابة [١] ، ألا وإني معجّل لكم الجواب: لا أحسن الله عليكم الخلافة.
«١٠٢٨» - كتب أبو العيناء إلى صديق له تولّى ناحية: أما بعد فأنّي لا أعظك موعظة الله تعالى لأنك غنيّ عنها ولأنّك أعلم منّي بها، ولا أرغّبك في الآخرة لمعرفتي بزهدك فيها، ولكنّي أقول كما قال الشاعر- وهي أبيات لأبي الأسود الدؤلي يقولها لحارثة بن بدر لما ولي رامهرمز: [من الطويل]
أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
وكاثر تميما بالغنى إن في الغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق
واعلم أنّ الخيانة فطنة، والأمانة خرق، والجمع كيس، والمنع صرامة،
стр. 1301
وليست كلّ يوم ولاية. فاذكر ايام العطلة، ولا تحقرنّ صغيرا، فمن الذّود إلى الذود إبل، والولاية رقدة فتنبّه قبل أن تنبّه: [من الرمل المجزوء]
وأخو السلطان أعمى ... عن قليل سوف يبصر
وما هذه الوصيّة التي أوصى بها يعقوب بنيه، ولكنّي رأيت [الحزم] أخذ العاجل وترك الآجل.
١٠٢٩- احتضر بعض المجّان فقالت له زوجته: أوص، قال: وتقبلين مني؟ قالت: نعم. قال: إذا أنا متّ فادفني معي زنبيل الدقيق ودبّة البزر حتى تلحقهما ضغطة القبر فانّهما أكلا كبدي في الدنيا.
«١٠٣٠» - بلغ أبا الأغرّ أنّ أصحابه بالبادية قد وقع بينهم شرّ، فأرسل ابنه الأغرّ وقال: يا بني، كن يدا لأصحابك على من قاتلهم، وإياك والسيف فانه ظلّ الموت، واتّق الرمح فانه رشاء المنية، ولا تقرب السهام فانها رسل لا تؤامر مرسلها. قال: فبماذا أقاتل؟ قال: بما قال الشاعر: [من الطويل]
جلاميد أملاء الأكفّ كأنّها ... رؤوس رجال حلّقت في المواسم
«١٠٣١» - أوصت أعرابية ابنتها عند إهدائها فقالت: اقلعي زجّ رمحه، فان أقرّ فاقلعي سنانه، فان أقرّ فاكسري العظام بسيفه، فان أقرّ فاقطعي اللحم على ترسه، فان أقرّ فضعي الإكاف على ظهره فانه حمار.
«١٠٣٢» - ومما ينسب إلى تميم بن مرّ انه وصّى بنيه فقال: يا بنيّ عليكم ب «لا» فانها ترفع اللحيين، وإياكم و «نعم» فانها ترخي اللحيين، وعليكم بالمسألة فان است المسؤول أضيق، ولا تحقروا اليسير أن تأخذوه فان اليسير إلى اليسير
стр. 1302
كثير، واستعيروا ولا تعيروا، وأظهروا للناس الحاجة لكي لا تسألوا فتمنعوا فتكون أستاهكم هي الضيقة. وإن وعدتم الناس شيئا فاكذبوهم وامطلوهم، فإن الذي يصدق في الوعد وان مطل، وهو مقلّ، يكون حريا بالنجح في الموعد إذا أمكنته المقدرة. وابدأوا الناس بالشرّ يردد عنكم الشرّ، وإياكم والوهن فيجترأ عليكم. ولا تشتطّوا في مهور النساء فان ذلك آكد لأياماكم، جمع الله أمركم.
«١٠٣٣» - أوصى وكيع بن حسّان بن سود فقال: يا بنيّ، إن أبي والله ما ورثني إلا درعا سحقا ورمحا خطلا، وما ورّثني دينارا ولا درهما. وقد جمعت لكم هذا المال الذي ترون من حلّه وحرامه؛ فإياكم إذا أنا متّ أن تأتيكم هذه الباعة من أهل الأسواق فيقولون: لنا على ابيكم دين. يا بني، إن كان الله تعالى يريد أن يغفر لي فوالله ما ديني في ذنوبي إلا كشعرة بيضاء في ثور أسود، وإن كان لا يريد أن يغفر لي، فو الله ما ديني في تلك الذنوب إلا كحصاة رمي بها في بحر. شدّوا أيديكم على مالكم واحفظوه ولا تقضوا عني شيئا. ثم مات.
«١٠٣٤» - وروي أن أبا النجم العجلي أنشد هشاما:
والشمس قد صارت كعين الأحول
لما ذهب به الرويّ عن الفكر في عين هشام فأغضبه فأمر به فطرد، فأمّل أبو النجم رجعته، فكان يأوي إلى المسجد. فأرق هشام ذات ليلة فقال لحاجبه: ابغني رجلا عربيا فصيحا يحادثني وينشدني، فطلب له ما طلب فوقف على أبي النجم فأتي به، فلما دخل عليه قال: أين تكون منذ أقصيناك؟ قال: بحيث ألفتني رسلك. قال: فمن كان أبا مثواك؟ قال: رجلين: كلبيا وتغلبيا أتغدى عند
стр. 1303
أحدهما وأتعشّى عند الآخر. فقال له: ما لك من الولد؟ قال: ابنتان. فقال:
أزوّجتهما؟ قال: لا، زوّجت إحداهما. قال: فبم أوصيتها. قال: قلت لها ليلة أهديتها: [من الرجز]
سبّي الحماة وابهتي عليها ... وإن نأت فازدلفي إليها
ثم اقرعي بالودّ مرفقيها ... وركبتيها واقرعي كعبيها [١]
وجددي الحلف به عليها [٢] لا تخبري الدهر بذاك ابنيها قال: أفأوصيتها بغير هذا؟ قال: نعم، قلت: [من الرجز]
وصيّت من برّة قلبا حرّا ... بالكلب خيرا والحماة شرّا
لا تسأمي نهكا لها وضرّا ... والحيّ عمّيهم بشرّ طرّا
وإن كسوك ذهبا [٣] ودرّا ... حتى يروا حلو الحياة مرّا
قال هشام: ما هكذا أوصى يعقوب ولده. قال أبو النجم: ولا أنا كيعقوب، ولا بني كولده. قال: فما حال الأخرى؟ قال قد درجت بين بيوت الحيّ ونفعتنا في الرسالة والحاجة. قال: فما قلت فيها؟ قال: قلت:
[من الرجز]
كأنّ ظلّامة أخت شيبان ... يتيمة ووالداها حيّان
الرأس قمل كلّه وصئبان ... وليس في الرجلين إلا خيطان
فهي التي يذعر منها الشيطان
قال: فقال هشام: يا غلام [٤] ما فعلت الدنانير المختومة التي أمرتك بقبضها؟
стр. 1304
قال: هي عندي، وزنها خمسمائة. قال: فادفعها إلى أبي النجم ليجعلها في رجل ظلّامة مكان الخيطين. وزيد في رواية أخرى: [من الرجز]
أوصيك يا بنتي فاني ذاهب ... أوصيك أن يحمدك الأقارب
والجار والضيف الكريم الساغب ... لا يرجع المسكين وهو خائب [١]
ولا تني أظفارك السّلاهب ... لهنّ في وجه الحماة كاتب
والزوج إن الزوج بئس الصاحب
«١٠٣٥» - قال لبطة بن الفرزدق: لما احتضر أبي قال: ابغني كتابا أكتب فيه وصيتي، فأتيته فكتب وصيته: [من الوافر]
أروني من يقوم لكم مقامي ... إذا ما الأمر جلّ عن الخطاب
إلى من ترجعون إذا حثوتم ... بأيديكم عليّ من التراب
فقالت مولاة قد كان اوصى لها بوصية: إلى الله . فقال: يا لبطة، امحها من الوصيّة.
«١٠٣٦» - مرض أبو دهمان مرضا أشفى منه [على الموت] وأملى وصيّته على كاتبه، وأوصى فيها بعتق غلام كان واقفا. فلما فرغ غدا الغلام بالرقعة فأتربها، ونظر إليه أبو دهمان فقال: أتربها يا ابن الزانية حتى تكون أنجح للحاجة.
لا شفاني الله إن أنجحت. وأمر به فأخرج من وقته وبيع.
стр. 1305
«١٠٣٧» - أوصى بدويّ ابنه فقال: يا بني، كن سبعا خالسا، أو ذئبا خانسا، أو كلبا حارسا، ولا تكن إنسانا ناقصا.
[مقامة الوصية للهمذاني]
«١٠٣٨» - من كلام أبي الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني المعروف بالبديع في ما أنشأه من المقامات: يا بنيّ، انا وإن وثقت بمتانة عقلك، وطهارة أصلك، فاني شفيق، والشفيق يسيء [١] الظنّ. ولست آمن عليك النفس وسلطانها، والشهوة وشيطانها [٢] ، فاستعن عليها نهارك بالصوم، وليلك بترك النوم [٣] ، إنه لبوس ظهارته الجوع وبطانته الهجوع، ما لبسها أسد إلا لانت سورته، أفهمتها يا ابن الخبيثة؟ وكما أخشى عليك ذاك فما آمن عليك لصّين [٤] : أحدهما القرم والآخر [٥] الكرم. فاياك وإياهما. إن الكرم أسرع في المال من السوس، وان القرم أشأم من البسوس. ودعني من قولهم إن الله كريم. إنها خدعة الصبيّ عن اللبن.
بلى إن الله لكريم، ولكن كرم الله تعالى يزيدنا ولا ينقصه، وينفعنا ولا يضره، ومن كانت هذه حاله فلتكرم خصاله. فأمّا كرم لا يزيدك حتى ينقصني، ولا يريشك حتى يبريني، فخذلان، ولا أقول عبقريّ، ولكن أقول [٦] بقريّ. أفهمتها يا ابن المشومة؟ إنما يخرج للتجارة، لينبط [٧] الماء من الحجارة، وبين الأكلة
стр. 1306
والأكلة ريح البحر بيد أن لا خطر، والصين، غير أن لا سفر. أفتتركه وهو معرض، ثم تتركه [١] وهو معوز؟ أفهمتها لا أمّ لك!! إنه المال عافاك الله، فلا تنفقنّ إلا من الربح، وعليك بالخبز والملح، ولك في البصل والخلّ رخصة، ما لم تدمنهما ولم تجمع بينهما؛ واللحم لحمك وما أراك تأكله، والحلواء [٢] طعام من لا يبالي على أيّ جنبيه وقع [٣] ، والوجبات عيش الصالحين. والأكل على الجوع واقية الفوت، وعلى الشّبع داعية الموت. ثم كن مع الناس كلاعب الشطرنج، خذ كلّ ما معهم واحفظ كل ما معك. يا بني قد أسمعت وأبلغت، فان قبلت فالله حسبك، وإن أبيت فالله خصمك [٤] .
[عهد لطفيلي]
«١٠٣٩» - كتب علي بن نصر الكاتب على بعض الطفيليين عهدا يوصي فيه بالنّهم والأكل: هذا كتاب من فلان في صحّة من فهمه، وسقم من جسمه، وضعف من عزمه، وأسف على هضمه، واستكلاب من شهوته، وانتكاس من علّته، عند آخر ساعة من ساعات دنياه، وأول وقت من أوقات أخراه، ومن النصيحة والصدق، والفيئة من الباطل إلى الحقّ- إلى جماعة الأكلة المتصوّفين، وذوي النّهم المتطفّلين، وأولي الطواحين الدائرة، والشّهوات الثائرة، والأشداق الفسيحة، والمبالع الصحيحة: سلام عليكم، فاني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، خالق الأنياب الحداد، والأضراس الشّداد، واللهى الواسعة، والحلاقم
стр. 1307
البالعة، وأسأله الصلاة على رسوله المبعوث بالاسلام، والآمر بافشاء السلام، وصلات الأرحام، وبذل الطعام، صلّى الله عليه وعلى آله وشرّف وكرّم.
أما بعد: فاني رأيت أهل هذه الصناعة قد قلّوا، ومحّصوا حتى ذلّوا، فلم يبق لهم ذكر إلا خمل، ولا نجم إلّا أفل، ولا علم إلا فقد، ولا نهم إلا أتخم واستشهد، فصار لا يوجد منهم في البلد العظيم، والإقليم بعد الاقليم، أحد مقيم بحقوقها، ومستقلّ بأعباء علومها، ويعرف ما يعترضها من العلل [١] ، ويخبر ما فيها من المكر والحيل، وكيف التوصّل إلى الولائم المشهودة، والهجوم على الموائد المنصوبة. وإنما قصار الواحد منهم أن يأنس ببعض كرماء دهرنا بواسطة الاتّفاق، وحسبك ضيق المذاق والأخلاق، فيحضر طبقه إما مستأذنا في الوصول، أو متسببا في الحصول [٢] . فاذا جلس شمّر عن ساعده تنظّفا، ورفع أذيال ثوبه تظرّفا، وأظهر أن الطعام بأنملته، لا يلتصق بحافّة من حافات شفته، مقتصرا من آلة حرفته وأداة صناعته على تجريد اللحم، وتجويد اللّقم، حتى إذا أكل المختار الطيّب، وتناول المقدار المستقرب [٣] ، زعم الانتهاء، وادّعى الشّبع والاكتفاء، وجعل ما يستمدّه من بعد على وجه التملّح والتعجيب، وطريق التنادر والتقريب. وعساه لا يبلغ في الاستزادة والاكثار، أقصى مدى تلك السادة الأبرار. وهذا أيدكم الله الذي أبطل صناعتكم وعفّى آثارها، وأفسد نظامها وأطفأ أنوارها. فصار الناشىء فيها غير عارف بقوانينها، ولا واجد بصيرا بأفانينها، فهو يخبط العشواء [٤] منقبضا تارة ومنبسطا، ويخلط ما جاء صوابا مرّة وغلطا، لا يعرف فضل المستكره على المختار، ولا ميزة [٥] الهاجم على
стр. 1308
المستزار، ولا يعلم أنّ المغافصة والمغالبة، والمجاحشة والمواثبة، مذاهب الأشياخ القدماء، وعادات أهل الصنعة الألبّاء، إلى غير ذلك من شرائط هذا العمل الجليل، وسنن كلّ وقاح أكيل.
ونحن ننطق في كتابنا هذا إليكم بلسان الشّره المليم، ونستمدّ لكم التوفيق من شيطان المعدة الرجيم. فأول ما أفهمكم إياه، وأنفعكم معناه، معاشر الإخوان، ورفقاء المائدة والخوان، أن تعلموا أن من صفق وجهه رقّ عيشه، ومن سعت قدمه طاب مطعمه، ومن أساء أدبه بلغ أربه، ومن قلّ حياؤه ساعدته أهواؤه.
وهذه وصيّة نبذت إليكم حكمها، وفرضت عليكم تعلّمها.
وأن تديموا دخول الحمّام، في صبيحة كلّ يوم من الأيام، فتمرّخوا المعدة، وتطلبوا التقلّب والتمدّد، ففي ذلك راحة من كد السّهر، وحدر لبقايا الطعام المعتكر. وتعقّبوه بتناول الجوارشنات، والسفوفات الفاتقة للشهوات، ثم تطرحوا أفكاركم يمنة ويسرة، وعيونكم خفية وجهرة، فتوكدوا الوصاة [١] عليهم، وتوثّقوا في العهود إليهم: لا تتركوا بابا لمنقية ولا دربا لمنقين، ولا سفينة [٢] ولا موضعا موسوما [٣] بكراء الحمير، ولا صقعا معروفا بالخانات والمواخير، إلا اخترقتموه مساء وصباحا، وطرحتموه غدوة ورواحا. وتتبعوا ولائم الإعذار [٤] ، ودور الورّاث والقمار، وحمالي الفرض، وشواني الربض، وحلق الممخرقين، ومقامات المثاقفين، ومظانّ مناطح الكباش، ومواطن التنازق والهراش، وتسترشدوا قوّام المشاهد، وصالحي المساجد، وعجائز العكاكيز، وروائح الدهاليز. ولا يجوز أن يخفى عليكم حينئذ خافية، ولا تستر دونكم عورة دانية ولا قاصية، فاذا عادوا بالنبأ الواضح، وفازوا بالخبر الصالح،
стр. 1309
استخرتم الله مفكّرين في بعد الطريق أو قربها، فانها إن دنت أدنت البغية، وإن نأت هيّجت الشهوة، وأن لا تخفّفوا الأكل مما حضر، طمعا في ما يأتي وينتظر، وإن كنتم له محققّين، ومن وروده على يقين، فللطعام اغتنامات، وللتأخير آفات، وربما أفسد الطبّاخ ما تراعون، وطرقت صاحب المنزل نائبة في عرض ما تأكلون، وأخطأتم في الحساب، وحصلتم على تجويع الارتقاب.
وهذا سفه في العقل، وركوب غرر في فوت الأكل.
وأن تتخيّروا من المواضع أفسحها، ومن المجالس أفيحها، لتكون معدكم مطمئنة هادية، وأيديكم ذاهبة جائية، فلا يتعذّر عليكم، تناول ما قرب من الأطعمة إليكم. وإن كان لأحدكم قريب، وولد أو نسيب، قرب منه أو بعد، فلا يتنغّص له، ويتمنّى أن يشاركه في ما أكله، فان ذلك مشغلة عن الاستكثار، ومقطعة عن الاحتكار، ودلالة على وهي العزم وضعفه، وإظهار لقلة [١] الرأي وسخفه، بل يستجدّ لذكراه أكلة مفردة، ويستأنف من جرّاه شهوة مجددة، فإنّ ذلك أدخل في باب التطفيل، وأولى بذوي الرأي الأصيل.
وان تجعلوا السكباج مفتاح الفم، وتعظموها تعظيم الأب والأمّ، فإنها القدر المحبوبة، والشهوة المطلوبة، والعلق الصّبور، واللون الذي لا يبور.
وأن تبالغوا في الإمعان، عند حضور الفرصة والإمكان، في أفخاذ الفراريج ولصيقها، وصدور الدراريج بعد تعليقها، فانها المنظر الأنيق لذي عين، واللذة القصوى لصاحب ماضغين. وأن تعتمدوا أكل الهرائس، عاريات من الملابس، خاليات من الجزمازج والجرادق، منقولات بالأصابع والملاعق، فإن فيها معنى الخبز [٢] ، من لباب البرّ والأرزّ، ولا فائدة في هذا التكرار، العائد بالتملّي والاستضرار [٣] .
стр. 1310
واستوصوا بالصاعديّات خيرا، وبغلائلها المصبوغة حمرا، فأكبّوا على فرّوجها وعصفورها، واستكثروا من كبابها ومضفورها [١] ، وواظبوا على قرنائها وأخواتها، وبنات عمها وعمّاتها، من الاسفيذباجات والنرجسيات والمحرّقات.
فكلوا أكل الأيامى فقدوا [٢] الصاحب، واليتامى عدموا الكاسب [٣] ، وواصلوا المضاير إذا بدت إلية الحمل، واستدارت هامة البصل، فانها طعام السّلف الماضين، وأهل السنّة المتزهدين، وبها باع الناس قديما صلاتهم وصيامهم، ولها فارقوا خليفتهم وإمامهم، ومن أجلها دفعوا عن المحال وذبّوا، وأجابوا داعي الضلال ولبّوا.
وكونوا لذوات المرق إخوانا، فإن لها أنواعا من الطعوم وألوانا، وفضلا على غيرها ورجحانا، فثردها قوام الظّرف وكماله، وسنام العرف وجماله، وهي عزاء الصدور، ودواء المخمور. ولا تهملوا الحرص على لحمها المجزّع، من البشمازج والأضلع. ولفّوا لقلاياها لفّا، واستفّوا لحمها سفّا، استراحة من ناشفها إلى ممرّقها، ومراوحة من محمّصها إلى محرّقها، فانها قراضة الإبريز، وطراز المأكل الوجيز. ولا تحقروا الانتفاع بالأصباغ فنعم ظهير الأكل ومعينه، ونصيح المستكثر وأمينه. وبادروا الحلواء ساعة طلوعها في جاماتها، كالبدور في هالاتها، غير محفلين بما يقطر من أدهانها على العنافق، ويجري من مرقها على المرافق. فكلّ ذلك هيّن في جنب الظّفر بمنية النفس، وبلوغ شهوة الضّرس، ولا تستكثروا من الأنبذة فانها تضعف الشّهوة، ولذلك سمّيت الخمرة قهوة، ومن أصغر تأثيرها التملّي المانع، والخمار القاطع. وعليكم منها بما يعين المعدة على غذائها، ويكون سببا لسرعة نقائها. ولا تصغوا إلى عاذل مقبّح، ولائم متنصّح، فما ذاك إلا حسد على ما أنالكم الله من فضله: القدرة على كشف
стр. 1311
أغراضكم، ولا تستقلّوا في نيل إرادتكم بكل كلح الحجاب، أو ردّة البواب، ولا تستبعدوا فتح الباب وإن أبهمت أعلاقه، وتسلّق بنيان وإن أحكم وثاقه، فطال ما خاصمت وخوصمت، وزاحمت وزوحمت، وصادمت وصودمت، ولا كمت ولو كمت، فما ترى بي أثرا، إلا أنبأتك عنه خبرا، حتى صلع رأسي فما ينبت شعرة، وعمشت عيني فما تدرك نظرة، وكسر فكّي فما آكل إلا استراطا، واسترخى جانبي فما أتمالك ضراطا، وكل هذا قد يستسهل، في بلوغ لذة المأكل. وبه أوصيكم جماعة الأودّاء [١] والاخوان، وبحفظ ما رويته لكم عن المشاهدة والعيان، والله خليفتي على فكوككم القوية، ومعدكم النارية.
وكتب يوم عيد النحر ساعة توزيع لحم الأضحيات، ووقت إدراك الهرائس والوديات، وهو حسبي ونعم الوكيل.
«١٠٤٠» - مساور الوراق يقول لابنه يوصيه: [من الكامل]
شمّر قميصك واستعد لقائل ... واحكك جبينك للشهود بثوم
واجعل صحابك كلّ حبر ناسك ... حسن التعهّد للصلاة صؤوم
وعليك بالغنويّ فاجلس عنده ... حتى تصيب وديعة ليتيم
«١٠٤١» - إسحاق الخاركي: [من الطويل]
стр. 1312
ولا تبق في وقت السّلامة ساعة ... تفوتك لم تسعد بها وتمتّع
فانّك لاق كلّما شئت ليلة ... ويوما يغصّان العيون بأدمع
تم باب الوصايا والعهود بحمد الله وعونه وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما.
стр. 1313
الباب السّادس عشر في الفخر والمفاخرة
стр. 1314
[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
الحمد لله الماجد القّهار، العزيز الجبار، الذي يفتخر بطاعته ذوو الفخار، ويشرف بعبوديته أولو الأخطار. تعنو له الملوك صاغرة، إذا اختالت عند غيره فاخرة، وتذلّ لعزّته مسكينة محتقرة، إذا عدّت على من سواه باذخة مستكبرة.
أحمده معترفا بأياديه شاكرا، وأعبده خاضعا لعظمته صاغرا، وأسأله الصلاة على رسوله المصطفى المختار، مقتدى العالم، وسيد ولد آدم، خلع مع ذلك رداء الكبر، وقال حيث أنبأ عن محلّه «ولا فخر» صلّى الله عليه وعلى آله وعترته المؤمنين، وعلى من تلاهم بمصاحبته ومتابعته إلى يوم الدين.
стр. 1315
(الباب السادس عشر في الفخر والمفاخرة)
[آيات وأحاديث]
«١٠٤٢» - إلى الرسول ﷺ منتهى الفخار، يدلنا على ذلك قوله تعالى (وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ)
(الأنبياء: ٣٤) فبين أنّه الغاية ولم يخلد، فكيف يخلد غيره. ومن شواهد المفاخرة قوله تعالى: (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً. لا يَسْتَوُونَ)
(السجدة: ١٨) نزلت في عليّ بن ابي طالب ﵇ وعقبة بن أبي معيط وكانا تفاخرا. وقوله تعالى: (أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ)
(فصلت: ٤٠) في أبي جهل وعمار بن ياسر. والنسب إليه أشرف الأنساب، كما قال أبو الحسن الرضيّ: [من الخفيف]
وإذا الناس أدركوا غاية الفخ ... ر شآهم من قال جدّي الرسول
«١٠٤٣» - وقد قال الرسول ﷺ : أنا سيّد ولد آدم ولا فخر.
١٠٤٤- وقد نفى الله الفخر بالأنساب بقوله: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ)
(الحجرات: ١٣) فالفخر في دار الاسلام بالتقوى.
стр. 1316
«١٠٤٥» - وقال ﷺ : الناس لآدم وحواء كطفّ الصاع لن تملؤه. إن الله لا يسأل عن أحسابكم ولا يسأل إلا عن [١] أعمالكم. إن أكرمكم عند الله أتقاكم.
«١٠٤٦» - وقال ﷺ : إن نبيكم واحد، وإن أباكم واحد، وإنه لا فضل للأسود على الأحمر ولا عربي [٢] على عجمي إلا بالتقوى. هل بلغت.
«١٠٤٧» - وروى أبو هريرة عنه ﷺ قال: ان الله قد أذهب عنكم عبّية الجاهلية وفخرها بالآباء. الناس بنو آدم، وآدم من تراب، مؤمن تقي، وفاجر شقي. ولينتهين أقوام يفخرون برجالهم، إنما هم فحم من فحم جهنم. أو ليكونن أهون [٣] على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها. وقد قال الله : (يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ)
(هود: ٤٦) .
١٠٤٨- وقال ﷺ : إيتوني بأعمالكم ولا تأتوني بأنسابكم.
[أخبار في الباب]
١٠٤٩- وقال عمر ﵁: الكرم التقوى، والحسب المال. لست بخير من فارسي [٤] ولا نبطي إلا بالتقوى [٥] .
«١٠٥٠» - ورأى رجلا يخطر بيده ويقول: أنا ابن بطحاء مكة، كديّها
стр. 1317
وكدائها، فقال له: إن يكن لك دين فلك كرم، وان يكن لك عقل فلك مروّة، وإن يكن لك مال فلك شرف، وإلا فأنت والحمار سواء.
١٠٥١- وقال علي بن الحسين: لا يفخر أحد على أحد فانكم عبيد والمولى واحد.
«١٠٥٢» - وقال العتابي: العجب ضربان: مفترض ومطّرح، فأما المفترض فان يعظّم الرجل [١] نعم الله عليه، ويفرح باحسانه اليه؛ وأما المطرح فعجب الاستطالة الذي نهى الله تعالى عنه. الا ترى إلى النبي ﷺ يقول: أنا سيد ولد آدم ولا فخر، فجهر بعجب الشكر، وأسقط استطالة الكبر. وقد قيل لحكيم: ما الشيء الذي لا يحسن أن يقال وإن كان حقا؟ فقال مدح الرجل نفسه والفخر.
«١٠٥٣» - وإن نهت عنه الأخبار النبوية وهجّنه العقل، فان العرب كانت تفتخر بما فيها من البيان طبعا لا تكلفا، وجبلّة لا تعلما، وتعتد ذلك مقارعة عن الأحساب، ومنازعة على شرف الأنساب، وتراه إرهابا للعدو في المنازلة واللقاء، ونشرا للفضيلة عند الأقران والاكفاء. ولم يكن لهم من ينطق بفضلهم إلا هم، ولا ينبه على مناقبهم سواهم. وقد كان أعرابي ليم بمدح [٢] نفسه فقال: فإلى من أكلها إذن؟
وكان كعب بن زهير إذا أنشد شعرا قال لنفسه: أحسنت والله وجاوزت الاحسان، فيقال له: أتحلف على شعرك؟ فيقول: لأني أبصر به منكم.
وكان الكميت إذا قال قصيدة صنع لها خطبة في الثناء عليها، وكان يقول عند
стр. 1318
إنشادها: لله درّي أيّ علم بين جنبيّ، وأيّ لسان بين فكي؟
وقال الجاحظ: لو لم يصف الطبيب مصالح دوائه للمتعالجين لما كان له طالب، ولا فيه راغب.
ولما أبدع ابن المقفع في رسالته سماها «اليتيمة» تنزيها لها عن المثل؛ ولو لم ينحلها هذا الاسم لكانت كسائر رسائله، فسكنت من النفوس موضع إرادته من تعظيمها.
وسأذكر في هذا الباب ما نطق به البلغاء نظما ونثرا في مفاخرهم، وما ورد فيها من أخبارهم، ومن الله تعالى أستمد العصمة، وإياه أشكر على ما أولى من النعمة.
[أشعار في الفخر]
«١٠٥٤» - قال أبو بكر الهذلي: سرت مع المنصور وسايرته يوما فعرض لنا رجل على ناقة حمراء، تذهب في الأرض، وعليه جبّة خزّ وعمامة عدنية، وفي يده سوط يكاد يمسّ به الأرض، سويّ الهيئة، فلما رآه أمرني بدعوته، فسألته عن نسبه وبلاده، وعن باديته وقومه، وعن ولاة الصدقة، فأحسن الجواب، فأعجبه ما رأى منه، فقال: أنشدني، فأنشده شعرا لأوس بن حجر وغيره من الشعراء من بني عمرو بن تميم، وحدّثه حتى أتى على شعر لطريف بن تميم [١] العنبري وهو قوله: [من البسيط]
إن قناتي لنبع لا يؤبّسها [٢] ... غمز الثقاف ولا دهن ولا نار
متى أجر خائفا تأمن مسارحه ... وإن أخف آمنا تقلق به الدار
إنّ الامور إذا أوردتها صدرت ... إن الأمور لها ورد وإصدار
стр. 1319
قال: ويحك، وما كان طريف فيكم حيث قال هذا الشعر؟ قال: كان أثقل العرب على عدوّه وطأة إذا نهد إليهم بثار، وأيمنهم نقيية، وأعساهم قناة على من رام هضمه، وأقراهم لضيفه، وأحوطهم من وراء جاره. اجتمعت العرب بعكاظ وكلهم أقرّ له بهذه الخلال، غير أن من اراد أن ينقص [١] به قال: والله ما أنت ببعيد النجعة ولا قاصد الرمية، فدعاه ذلك إلى أن جعل على نفسه ألا يأكل إلا لحم قنص يقتنصه، ولا ينزع كلّ عام عن غزوة يبعد فيها أثره. قال: يا أخا بني تميم، لقد أحسنت إذ وصفت صاحبك، ولكني أحق ببيته منه، أنا ذاك الذي وصفت لا هو.
«١٠٥٥» - تكلم الوفود عند عبد الملك حتى بلغ الكلام إلى خطيب الأزد، فقام فقبض على قائم سيفه ثم قال: قد علمت العرب أنّا حيّ فعال ولسنا حيّ مقال، وأنّا نأبى الحيف، ونعمل السيف، فمن مال قوّم السيف أوده، ومن نطق قمع الحقّ لدده؛ ثم جلس، فحفظت خطبته دون كلّ خطبة.
وفي رواية: وأنا نجزي بفعلنا عند أحسن قولهم. إن السيوف [٢] لتعرف الفنا، وان الموت ليستعذب أرواحنا، وقد علمت الحرب الزّبون أنّا نقدع جماحها ونحلب صراها.
«١٠٥٦» - قال الأسعر ابن أبي حمران الجعفي، وإنما لقب الأسعر لقوله:
[من الطويل]
فلا يدعني قومي لسعد بن مالك ... لئن أنا لم أسعر عليهم وأثقب
стр. 1320
واسمه مرثد بن الحارث: [من الطويل]
وكنت إذا خيل لخيل تعرّضت ... أكون لدى الهيجاء أول طاعن
وإني لوصّال لمن شئت وصله ... وإني لقطّاع حبال القرائن
«١٠٥٧» - وقال الحادرة: [من الكامل]
أسميّ ويحك هل سمعت بغدرة ... رفع اللواء لنا بها في مجمع
إنّا نعفّ فلا نريب حليفنا ... ونكفّ شحّ نفوسنا في المطمع
ونقي بأيمن [١] مالنا أحسابنا ... ونجرّ في الهيجا الرماح وندّعي
ونخوض غمرة كلّ يوم كريهة ... تردي النفوس وغنمها للأشجع
ونقيم في دار الحفاظ بيوتنا ... زمنا ويظعن غيرنا للأمرع
أسميّ ما يدريك أن رب فتية ... باكرت لذّتهم بادكن مترع
بكروا عليّ بسحرة فصبحتهم ... من عاتق كدم الغزال مشعشع
ومعرّض تغلي المراجل تحته ... عجّلت طبخته لقوم جوّع
ولديّ أشعث باسط ليمينه ... قسما لقد أنضجت لم يتورّع
ومسهّدين من الكلال بعثتهم ... بعد الكلال إلى سواهم ظلّع
أودى السّفار برمّها فتخالها ... هيما مقطّعة حبال الأذرع
الهيام: داء يأخذ بالابل شبيه بالحمّى من شهوة الماء فتشرب فلا تروى، فاذا أصابها ذلك فصد لها عرق فيبرد ما بها.
стр. 1321
تخد الفيافي بالمحال [١] وكلّها ... يعدو بمنخرق القميص سميدع
ومناخ غير تأيّة عرّسته ... قمن من الحدثان نابي المضجع
التأية: التمكث، يريد أنه مخوف.
عرّسته ووساد رأسي ساعد ... خاظي البضيع عروقه لم تدسع
تدسع: تمتلىء. وخاظي: مكتنز، خظا أي كثر.
فرفعت عنه وهو أحمر قانىء [٢] ... قد بان مني غير أن لم يقطع
«١٠٥٨» - وقال الشنفرى: [من الطويل]
وإنّي لحلو إن أريدت حلاوتي ... ومرّ إذا نفس العزوف أمرّت
أبيّ لما آبى سريع مفيئتي [٣] ... إلى كلّ نفس تنتحي في مسرّتي
إذا ما أتتني ميتتي لم أبالها ... ولم تذر خالاتي الدموع وعمتي
«١٠٥٩» - وقال عبد يغوث بن وقّاص الحارثي: [من الطويل]
وقد علمت عرسي مليكة أنني ... أنا الليث معدوّا عليه [٤] وعاديا
وقد كنت نحّار الجزور ومعمل ال ... مطيّ وأمضي حيث لا حيّ ماضيا
وأنحر للشّرب الكرام مطيّتي ... وأصدع بين القينتين ردائيا
وعادية سوم الجراد وزعتها ... بكفّي وقد أنحوا إليّ العواليا
стр. 1322
كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كرّي نفّسي عن رجاليا
ولم أسبأ الزقّ الرويّ ولم أقل ... لأيسار صدق أعظموا ضوء ناريا
«١٠٦٠» - وقال ذو الاصبع العدواني: [من البسيط]
إني لعمرك ما بابي بذي غلق ... على الصديق ولا خيري بممنون
ولا لساني على الأدنى بمنطلق ... بالمنكرات [١] ولا فتكي بمأمون
لا يخرج القسر مني غير مغضبة ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني
«١٠٦١» - وقال أبو الطمحان القيني: [من الطويل]
إني من القوم الذين هم هم ... إذا مات فيهم سيد قام صاحبه
نجوم سماء كلّما غاب كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه
وما زال منهم حيث كان مسوّد ... تسير المنايا حيث سارت ركائبه
«١٠٦٢» - وقال قيس بن رفاعة الأنصاري: [من البسيط]
من يصل ناري بلا ذنب ولا ترة ... يصل بنار كريم غير غدار
стр. 1323
أنا النذير لكم منّي مجاهرة ... كي لا ألام على نهي وإنذار
فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفوا ... أن سوف تلقون خزيا ظاهر العار
لتتركنّ أحاديثا وملعبة [١] ... لهو الحديث [٢] ولهو المدلج الساري
من كان في نفسه حوجاء يطلبها ... عندي فإني له رهن باصحار
أقيم عوجته إن كان ذا عوج ... كما يقوّم قدح النبعة الباري
وصاحب الوتر ليس الدهر يدركه ... عندي وإني لطلّاب بأوتار
[عود إلى الأخبار]
«١٠٦٣» - لما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فخطب ونال من عليّ ﵇، فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنّ الله تعالى لم يبعث نبيا إلا جعل له عدّوا من المجرمين، فأنا ابن عليّ وأنت ابن صخر، وأمّك هند وأمّي فاطمة، وجدّتك قتيلة، وجدّتي خديجة، فلعن الله ألأمنا حسبا، وأخملنا ذكرا، وأعظمنا كفرا، وأشدّنا نفاقا. فصاح أهل المسجد: آمين آمين. فقطع معاوية خطبته ودخل منزله.
١٠٦»
- روي أن معاوية خرج حاجّا فمرّ بالمدينة فقسم في أهلها أموالا، ولم يحضر الحسن بن عليّ ﵇. فلما خرج من المدينة اعترضه الحسن فقال معاوية: مرحبا برجل تركنا حتى إذا نفد ما عندنا تعرّض لنا ليحلنا، فقال الحسن: ولم ينفد ما عندك وخراج الدنيا يجبى إليك؟ فقال معاوية: فاني قد أمرت لك بمثل ما قد أمرت به لأهل المدينة، وأنا ابن هند، فقال له الحسن: فاني قد رددته عليك وأنا ابن فاطمة ﵉ .
стр. 1324
١٠٦٥- نازع بشر بن عبد الله بن عمر بن الخطاب زيد بن عليّ بن الحسين، ففخر عليه زيد، فقال بشر: لا تفخر عليّ، فو الله ما رأيت أنّ لي فضلا على أحد إلا بفضلك علي.
١٠٦٦- تفاخر جرير والفرزدق عند سليمان بن عبد الملك، فقال الفرزدق: أنا ابن محيي الموتى، فأنكر سليمان قوله، فقال: قال الله تعالى (وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)
(المائدة: ٣٢) وجدّي فدى المؤودات فأحياهنّ. فقال سليمان: إنك مع شعرك لفقيه. وكان صعصعة بن ناجية جدّ الفرزدق أوّل من أحيا المؤودات، وخبره في أخبار العرب يورد.
«١٠٦٧» - افتخر على شاهفريد [١] أمّ يزيد بن الوليد نساء الوليد العربيات فقالت: ليس منكن امرأة إلا وفي عشيرتها من يفخر عليها ولا يقر لها بالشرف والفضل، وليس في الدنيا أعجمية تفخر عليّ. وكانت من أولاد يزدجرد، ولذلك يقول يزيد بن الوليد: [من الرجز]
انا ابن كسرى وأبي لمروان ... وقيصر جدّي وجدّي خاقان
«١٠٦٨» - قال أبو ذرّة الهذلي: [من الرجز]
نحن بنو مدركة بن خندف ... من يطعنوا في عينه لا يطرف
ومن يكونوا عزّه يغطرف ... كأنهم لجة ليل مسدف
стр. 1325
[عود إلى الأشعار]
«١٠٦٩» - وقال أوس بن حجر: [من الطويل]
ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم
أناة وأحلاما وكان لقاؤنا ... رهينا بيوم كاسف الشّمس مظلم
أرى حرب أقوام تدقّ وحربنا ... تجلّ فنعروري بها كلّ معظم
ترى الأرض منا بالفضاء مريضة ... معضلة منّا بجمع عرمرم
وإن مقرم منّا ذرا حدّ نابه ... تخمّط فينا ناب آخر مقرم
لنا مرجم ننفي به عن بلادنا ... وكلّ تميم يرجمون بمرجم
رأتني تميم مصحرا [١] فتناذرت ... مبادهتي أمشي براية معلم
فينهى ذوي الأحلام عنا حلومهم ... وأرفع صوتي للنعام المخزّم [٢]
متى تبغ عزّي في تميم ومنصبي ... تجد لي خالا غير مخز ولا عم
تجدني من أشرافهم وخيارهم ... حفيظا على عوراتهم غير مجرم
«١٠٧٠» - وقال تميم بن أبيّ بن مقبل: [من الطويل]
مصاليت فكّاكون للسبي بعدما ... يعضّ على أيدي السبيّ سلاسله
وكم من مقام قد شهدت بخطّة ... نشجّ ونأسو أو كريم نفاضله
وكم من كميّ قد شككنا قميصه ... بأزرق عسّال إذا هزّ عامله
وإنا لنحدو الأمر حين [٣] حدائه ... إذا عيّ بالأمر الفظيع قوابله
نعين على معروفه ونمرّه ... على شزر حتى تجال جوائله
стр. 1326
ألم تر أن الماء يخلف نسله ... ويأتي عليه حقّ دهر وباطله
«١٠٧١» - وقال الأخطل: [من الطويل]
وإنا لحيّ الصدق لا غرة بنا ... ولا مثل من يفري البكيء المصرّما
نسير فنحتلّ المخوف فروعه ... ونجمع للحرب الخميس العرمرما
وإني لحلّال بي الحقّ أتقي ... إذا نزل الأضياف أن أتجهما
إذا لم تذد ألبانها عن لحومها ... حلبنا لهم منها بأسيافنا دما
«١٠٧٢» - وقال أيضا: [من الطويل]
لعمري لئن كانت كليب [١] تتابعت ... على أمر غاويها وضلّت حلومها
لقد عجموا مني قناة صليبة ... إذا ضجّ خوّار القناة سؤومها
واني لقوام مقاوم لم يكن ... جرير ولا مولى جرير يقومها
«١٠٧٣» - وقال جرير: [من الطويل]
وإني لعفّ الفقر مشترك الغنى ... سريع إذا لم أرض داري انتقاليا
جريء الجنان لا أهال من الردى ... إذا ما جعلت السيف قبض [٢] بنانيا
وليست لسيفي في العظام بقيّة ... وللسّيف أشوى وقعة من لسانيا
«١٠٧٤» - وقال الأقرع بن معاذ القشيري: [من البسيط]
стр. 1327
فإن هلكت وريب الدهر متلفة ... فلم أكن في الذي أبليتكم ورعا [١]
وإن حييت [٢] فجلد ذو مواضحة [٣] ... أسقي العدوّ نقيع السمّ والسّلعا
أصل المواضحة تباري المستبقين ثم كثر حتى استعمل في كلّ اثنين تباريا.
ما سدّ مطّلع ضاقت ثنيّته ... إلّا وجدت وراء الضيق مطّلعا
ولا رميت على خصم بقارعة ... إلّا رميت بخصم فرّ لي جذعا [٤]
كم من عدوّ أخي ضغن يجاملني ... يخفي عداوته إذ لا يرى طمعا
حملت منه على عوراء طائشة ... لم أسر عنها ولم اكثر لها جزعا [٥]
وكم تودّعت من أمر [٦] تعرّض بي ... رفّهت عنه ولو أتبعته ظلعا
١٠٧٥- وقال الأقرع أيضا: [من الطويل]
يسود كهول الآخرين غلامنا ... وإن كان فينا مستقيدا مقدّعا
مستقيدا أي منقادا، والقدع: الكف عن الشيء، وأمة [٧] قدعة: قليلة الكلام حيية، والقدع: الخنا والفحش، وفي الحديث: من قال في الاسلام شعرا مقدعا فلسانه هدر، والكلمة تحتمل أن تكون ها هنا من هذين الأصلين.
ونجعل أحكام العشيرة بعد ما ... تهمّ قوى أسبابها أن تقطّعا
أحكام: جمع حكم، مثل جبل وأجبال، وتروى: حكام.
стр. 1328
ويتبع أطراف الأمور خطيبنا ... إذا قال حتى يبلغ القول أجمعا
يعني غاياتها ونهاياتها، يعني يبلغ أقصى القول.
إذا قال منّا قائل أنصتت له ... جماعتنا حتى يقول ونسمعا
وما ضمّ قوم أمرهم في أكفّنا ... فنترك فيه بعد للناس مصنعا
وسعنا بمال أو حكمنا حكومة ... يراها ذوو الألباب والله مقنعا
ونصرف ما في الأمر والأمر مقبل ... فتطلعنا منه المحالة مطلعا
وإنا لننطي النّصف من لو نضيمه ... بثورتنا لم يدفع الضيم مدفعا
ونعرض عن أشياء نعلم أنّها ... لنا لو أردنا خشية أن تخشعا
ونجعل للجار القليل سوامه ... سواما ونحمي سربه أن يفزّعا
إذا كان منا واحد في قبيلة ... أراد أمام القوم أن يتسرعا
وتحمي حمانا مقربات كأنها ... سعالي ترى منها صحاحا وظلّعا
إذا ركضت بالغائط السهل غادرت ... به رهجا يذري الحليّ المنزعا
عوابس يعلكن الشكيم كأنما ... يسقّين عقميا [١] من السمّ منقعا
١٠٧٦- وقال أيضا: [من الطويل]
خلقت من الأشراف من آل عامر ... كموقع أمّ الرأس فيه المسامع
فما طمع الأعداء مني بعثرة ... ولا دنّستني عند ذاك المطامع
وإني على جودي أعين سماحتي ... بمنع إذا ما قيل هل أنت مانع
١٠٧٧- وقال بعض القرشيين: [من الوافر]
لقد علمت قريش أنّ بيتي ... بحيث يكون فصل من نظام
стр. 1329
وأنّا نحن أول من بنينا [١] ... بمكّتنا البيوت مع الحمام
«١٠٧٨» - وقال النابغة الذبياني: [من البسيط]
هلّا سألت بني ذبيان ما حسبي ... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما
وهبّت الريح من تلقاء ذي أرل ... تزجي مع الليل من صرّادها صرما
ينبيك ذو علمهم [٢] عني وجاهلهم ... وليس جاهل شيء مثل من علما
إنى أتمّم أيساري وأمنحهم ... مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما
وأقطع الخرق بالخرقاء قد جعلت ... من الكلال تشكّى الأين والسأما
وغادة ذات أطفال ململمة ... شعواء تعتسف الصحراء والأكما
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت الكماة وخيل تعلك اللجما
أقدمتها ونواصي الخيل شاحبة ... تحتي مسوّمة أرمي بها قدما
«١٠٧٩» - وقالت الخرنق بنت هفان القيسية، من بني قيس بن ثعلبة:
[من الكامل المرفّل]
لا يبعدن قومي الذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر
النازلين بكلّ معترك ... والطيبين معاقد الأزر
«١٠٨٠» - وقال ربيعة بن مقروم الضبي: [من الكامل]
стр. 1330
هل نكرم الأضياف إن نزلوا بنا ... ونسود بالمعروف غير تنحّل
ونعين غارمنا ونمنع جارنا ... ونزين مولى ذكرنا في المحفل
ونحلّ بالثغر المخوف عدوّه ... ونردّ حال العارض المتهلّل
وإذا امرؤ منّا جنى فكأنّه ... مما يخاف على مناكب يذبل
ومتى يقم عند اجتماع عشيرة ... خطباؤنا بين العشيرة تفصل
ودخلت أبنية الملوك عليهم ... ولشرّ قول المرء ما لم يفعل
«١٠٨١» - وقال زيد بن عمرو بن قيس بن عتاب: [من الطويل]
وكنت إذا ما باب ملك قرعته ... قرعت بآباء ذوي حسب ضخم
هم ملكوا أملاك آل محرّق ... وزادوا أبا قابوس رغما على رغم
وكنّا إذا قوم رمينا صفاتهم ... تركنا صدوعا في الصفاة التي نرمي
ونرعى حمى الأعداء غير محرّم ... علينا ولا يرعى حمانا الذي نحمي
«١٠٨٢» - وقال الراجز: [من الرجز]
إن تميما أعطيت تماما ... وأعطيت مآثرا عظاما
وعددا وحسبا قمقاما ... وباذخا من عزّها قدامى
في الدهر أعيا الناس أن يراما ... إذا رأيت منهم الأجساما
والدلّ والشيمة والكلاما ... وأذرعا وقصرا وهاما
عرفت أن لم يخلقوا طغاما ... ولم يكن أبو هم مسقاما
لم تر في من يأكل الطّعاما ... أقلّ منهم سقطا وذاما
стр. 1331
«١٠٨٣» - وقال عنترة: [من الكامل]
إني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري وأحمي سائري بالمنصل
وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحقت ... ألفيت خيرا من معمّ مخول
والخيل تعلم والفوارس أنني ... فرّقت جمعهم بطعنة فيصل
ولقد أبيت على الطّوى وأظلّه ... حتى أنال به كريم المأكل
بكرت تخوّفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل ... لا بدّ أن أسقى بذاك المنهل
فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل
إن المنية لو تمثّل مثّلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
والخيل ساهمة الوجوه كأنما ... يسقى فوارسها نقيع الحنظل
«١٠٨٤» - وقال أبو الطّمحان القينيّ: [من الطويل]
فكم فيهم من سيّد وابن سيد ... وفيّ بعهد الجار حين يفارقه
يكاد الغمام الغرّ يرعد إن رأى ... وجوه بني لأم وينكل بارقه
«١٠٨٥» - وقال الفرزدق: [من الطويل]
إذا اغبرّ آفاق السماء وكشّفت ... كسور بيوت الحيّ نكباء [١] حرجف [٢]
стр. 1332
وجاء قريع الشّول قبل إفالها ... يزفّ وراحت خلفه وهي زفّف [١]
وباشر راعيها الصّلا بلبانه ... وكفّيه حرّ النار ما يتحرّف [٢]
وأو قدت الشّعرى مع الليل نارها ... وأمست محولا جلدها يتوسّف [٣]
وأصبح موضوع الصقيع كأنّه ... على سروات النبت [٤] قطن مندّف [٥]
وقاتل كلب الحيّ عن نار أهله ... ليربض فيها والصّلا متكنّف
وجدت الثرى فينا إذا يبس الثرى ... ومن هو يرجو فضله المتضيّف
ترى جارنا فينا يجير وإن جنى ... ولا هو فيما ينطف الجار ينطف [٦]
ويمنع مولانا وإن كان نائيا ... بنا جاره فيما يخاف ويأنف
وقد علم الجيران أنّ قدورنا ... ضوامن للأرزاق والريح زفزف [٧]
نعجّل للضيفان في المحل بالقرى ... قدورا بمعبوط تمدّ وتغرف [٨]
تفرّغ في شيزى كأنّ جفانها ... حياض جبى منها ملاء ونصّف
ترى حولهنّ المعتفين كأنهم ... على صنم في الجاهلية عكّف
وما حلّ من جهل حبى حلمائنا ... ولا قائل المعروف فينا يعنّف
وما قام منّا قائم في نديّنا ... فينطق إلا بالتي هي أعرف
وإني لمن قوم بهم يتّقى العدا ... ورأب الثأى والجانب المتخوف
وأضياف ليل قد نقلنا قراهم ... إليهم فأتلفنا المنايا وأتلفوا [٩]
стр. 1333
قريناهم المأثورة البيض قبلها ... يثجّ العروق الأزأنيّ المثقف [١]
ولا نستجمّ الخيل حتى نعيدها ... غوائم من أعدائنا وهي زحّف
كذلك كانت خيلنا مرة ترى ... سمانا وأحيانا تقاد وتعجف
عليهنّ منا الناقصون ذحولهم ... فهنّ بأعباء المنية كنّف
وجدنا أعزّ الناس أكثرهم حصى ... واكرمهم من بالمكارم يعرف
وكلتاهما فينا إلى حيث تلتقي ... عصائب لاقى بينهنّ المعرّف [٢]
ولا عزّ إلا عزّنا قاهر له ... ويسألنا النّصف الذليل فينصف
ومنا الذي لا ينطق الناس عنده ... ولكن هو المستاذن المتنصّف [٣]
تراهم قعودا حوله وعيونهم ... مكسّرة أبصارها ما تصرّف [٤]
«١٠٨٦» - المتوكل الليثي: [من الكامل]
ولقد علمت لو ان علمك نافع ... وأتاك ما يتحدّث الأكفاء
أنّي من الحيّ الذين حصونهم ... زرق الأسنّة والحصون فضاء
والعاطفين على المصاف إذا دعا ... حتى تنفس والرماح رواء
قد يعلم الأقوام غير تنحّل ... أنا نجوم فوقهم وسماء
إنا أناس نستثير جدودنا ... ويموت أقوام وهم أحياء
стр. 1334
«١٠٨٧» - وقال [١] رؤبة بن العجاج: [من الرجز]
اذا تميم زخرت تدفّع ... كالبحر يزفيه العباب المترع
عاذوا بأحلام لهم فأوسعوا ... وما افترشنا أرض قوم أمرعوا
إلا تركنا أرضهم تصدّع ... كأننا فيها الجراد الجوّع
تصدع- بصاد غير معجمة- النبت إذا هاج [٢] .
«١٠٨٨» - وقال القليب المنقري: [من الرجز]
أنا أبو الليل إذا ادلهمّا ... فرعت كعبا وذراها الشمّا
قد ذاقنا الناس فذاقوا سما
«١٠٨٩» - علي بن محمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي: [من الطويل]
لقد فاخرتنا من قريش عصابة ... بمطّ خدود وامتداد أصابع
فلما تنازعنا الفخار قضى لنا ... عليهم بما نهوى نداء الصّوامع
ترانا سكوتا والشهيد بفضلنا ... عليهم جهير الصوت من كلّ جامع
«١٠٩٠» - وقال أيضا [٣] : [من البسيط]
стр. 1335
إني وقومي من أنساب قومهم ... كمسجد الخيف من بحبوحة الخيف
ما علّق السيف منا بابن عاشرة ... إلّا وهمّته أمضى من السيف
[التناوب بين الأخبار والأشعار]
«١٠٩١» - فاخر أسماء بن خارجة رجلا فقال: أنا ابن أشياخ الشرف، فقال له ابن مسعود: كذبت، ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، أولئك أشياخ الشرف ليسوا بآبائك.
«١٠٩٢» - قال معاوية لعبد الرحمن بن الحكم: بلغني أنك لهجت بقول الشعر، فقال: هو ذاك، فقال: إياك والمدح فانه طعمة الوقاح من الرجال، وإياك والهجاء فانك تحنق به كريما، وتستثير به لئيما، وإياك والتشبيب بالنساء فانك تفضح الشريفة وتعرّ العفيفة، ولكن افخر بمفاخر قومك وقل من الأشعار ما تزين به نفسك وتؤدّب به غيرك.
١٠٩٣- دخل بعض أولاد الزبير ﵁ [١] على محمد بن سليمان فجلس على نمرقته، فاغتاظ من ذلك وقال: من أجلسك ها هنا؟ فقال: صفيّة بنت عبد المطلب، فسكن غضبه.
«١٠٩٤» - وقال النابغة الجعدي: [من الطويل]
وإنّا لقوم ما نعوّد خيلنا ... إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا
وتنكر يوم الروع ألوان خيلنا ... من الطعن حتى تحسب الجوان أشقرا