فلا هاجرات القول يؤثرن عنده ... ولا كلمات النصح مقصى مشيرها
«٢٦» - وقال جرير: [من الطويل]
فيومان من عبد العزيز تفاضلا ... ففي أيّ يوميه تلوم عواذله
فيوم تحوط المسلمين جياده ... ويوم عطاء ما تغبّ نوافله
فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله
«٢٧» - وقال أبو زياد الأعرابي: [من الوافر]
[له نار تشبّ بكلّ واد ... إذا النيران ألبست القناعا]
ولم يك أكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أرحبهم ذراعا
«٢٨» - وقال ذو الرّمّة: [من الطويل]
من آل أبي موسى ترى الناس حوله ... كأنّهم الكروان أبصرن بازيا
مرمّين من ليث عليه مهابة ... تفادى الأسود الغلب منه تفاديا
فما يغربون الضّحك إلّا تبسّما ... ولا ينبسون القول إلّا تناجيا
لدى ملك يعلو الرجال بضوئه ... كما يبهر البدر النجوم السواريا
فلا الفحش منه يرهبون ولا الخنا ... عليهم ولكن هيبة هي ما هيا
«٢٩» - وقال مزاحم العقيليّ: [من الطويل]
ترى في سنا الماذيّ كلّ عشيّة ... على غفلات الزيّ والمتحمّل
стр. 1402
وجوها لو أنّ المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدّجى حتى ترى الليل ينجلي
«٣٠» - قال يعقوب بن داود: ذمّ رجل الأشتر فقال له رجل من النّخع:
اسكت فإنّ حياته هزمت أهل الشام، وموته هزم أهل العراق.
[زوجة عروة بن الورد]
«٣١» - أغار عروة بن الورد على بعض أحياء العرب فأصاب امرأة منهم فنكحها فأولدها: ثم انه فادى بها من بعد، وخيّرها بين المقام مع ولدها والرجوع إلى قومها، فاختارت قومها. ثم أقبلت عليه وقالت: يا عروة، إني أقول فيك وإن فارقتك الحقّ، والله ما أعلم امرأة من العرب وضعت سترها على بعل خير منك: أغضّ طرفا، وأقلّ فحشا، وأجود يدا، وأحمى لحقيقة. وما مرّ يوم مذ كنت عندك إلّا والموت فيه أحبّ إليّ من الحياة بين قومك، لأني لم أكن أشاء أن أسمع امرأة من قومك [١] تقول: قالت أمة عروة كذا وكذا إلا سمعته، والله لا أنظر في وجه غطفانيّة أبدا، فارجع راشدا إلى ولدك وأحسن إليهم.
«٣٢» - وقال عمر بن الخطاب ﵁ لمتمم بن نويرة: صف لي أخاك، فإني أراك تمدحه، قال: كان أخي يجلس بين المزادتين النضوحين في الليلة القرّة معتقلا الرمح الخطل، عليه الشملة الفلوت، يقود الفرس الحرون، فيصبّح أهله ضاحكا مستبشرا.
الخطل: الطويل المضطرب. الفلوت: التي لا تنضمّ على الرجل لقصرها.
стр. 1403
«٣٣» - وقال آخر: [من الوافر]
إذا لبسوا عمائمهم طووها ... على كرم وإن سفروا أناروا
يبيع ويشتري لهم سواهم ... ولكن بالطعان [١] هم تجار
إذا ما كنت جار بني تميم [٢] ... فأنت لأكرم الثقلّين جار
«٣٤» - وقال آخر: [من الطويل]
إذا ما تراآه الرجال تحفّظوا ... فلم تنطق العوراء وهو قريب
حبيب إلى الزوار غشيان بيته ... جميل المحيّا شبّ وهو أديب
«٣٥» - وقال آخر: [من الوافر]
وكنت جليس قعقاع بن شور ... ولا يشقى بقعقاع جليس
ضحوك السنّ إن نطقوا بخير ... وعند الشرّ مطراق عبوس
«٣٦» - وقال إبراهيم بن هرمة: [من البسيط]
стр. 1404
قوم لهم شرف الدنيا وسؤددها ... صفو على الناس لم يخلط بهم رنق
إن حاربوا وضعوا أو سالموا رفعوا ... أو عاقدوا ضمنوا أو حدّثوا صدقوا
[ابن هرمة والمنصور]
«٣٧» - ولما مدح ابن هرمة المنصور أمر له بألفي درهم فاستقلّها، وبلغ ذلك المنصور فقال: أما يرضى أنّي حقنت له دمه وقد استوجب إراقته، ووفّرت ماله وقد استحقّ تلفه، وأقررته وقد استأهل الطرد، وقرّبته وقد استحقّ البعد. أليس هو القائل في بني أمية: [من المتقارب]
إذا قيل من عند ريب الزمان [١] ... لمعترّ فهر ومحتاجها
ومن يعجل الخيل عند الوغى ... بإلجامها قبل إسراجها
أشارت نساء بني مالك ... إليك به قبل أزواجها
قال إبراهيم بن هرمة: فإني قد قلت فيك أحسن من هذا. قال: هاته، فقال: [من المتقارب]
إذا قيل أيّ فتى تعلمون ... أهشّ إلى الطعن بالذابل
وأضرب للقرن عند الوغى ... وأطعم في الزّمن الماحل
أشارت إليك أكفّ العباد ... إشارة غرقى إلى الساحل
قال المنصور: أما هذا الشعر فمسروق، وأما نحن فما نكافىء إلّا بالتي هي أحسن، وأمر بالإحسان إليه.
стр. 1405
[أشعار في المدح]
«٣٨» - وقال آخر: [من الطويل]
فلو كنت أرضا كنت ميثاء سهلة ... ولو كنت ليلا كنت ضاحية البدر
ولو كنت ماء كنت ماء غمامة ... ولو كنت نوما كنت تعريسة الفجر
«٣٩» - وقالت ليلى الأخيلية: [من الكامل]
لا تقربنّ الدهر آل مطرّف ... لا ظالما أبدا ولا مظلوما
قوم رباط الخيل حول بيوتهم ... وأسنّة زرق يخلن نجوما
ومخرّق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما
حتى إذا رفع اللواء رأيته ... تحت اللواء على الخميس زعيما
«٤٠» - وقال آخر: [من الوافر]
متى تهزز بني قطن تجدهم ... سيوفا في عواتقهم سيوف
جلوس في مجالسهم رزان ... وإن ضيف ألمّ فهم وقوف
إذا نزلوا فإنهم بدور ... وإن ركبوا فإنهم حتوف
«٤١» - وقال الكميت بن معروف: [من الطويل]
بطاء عن الفحشاء لا يحضرونها ... سراع إلى داعي الصباح المثوّب
مناعيش للمولى مساميح بالقرى ... مصاليت تحت العارض المتلهّب
стр. 1406
«٤٢» - وقال الكروّس بن سليم اليشكريّ: [من الطويل]
هم في الذّرى من فرع بكر بن وائل ... وهم عند إظلام الأمور بدورها
يطيب تراب الأرض إن نزلوا بها ... وأطيب منه في الممات قبورها
إذا أخمد النيران من خشية القرى ... هدى الضيف ليلا من حنيفة نورها
«٤٣» - وقال عبد الملك بن مروان لأسيلم بن الأحنف الأسدي: ما أحسن ما مدحت به؟ فاستعفاه فأبى أن يعفيه، وهو معه على سرير، فلما أبى إلا أن يخبره، قال: قول القائل: [من الطويل]
ألا أيها الركب المخبّون هل لكم ... بسيّد أهل الشام تحبوا وترجعوا
من النّفر البيض الذين إذا اعتزوا ... وهاب رجال حلقة الباب قعقعوا
إذا النّفر السود اليمانون تمموا ... له حوك برديه أرقّوا وأوسعوا
جلا المسك والحمام والبيض كالدّمى ... وفرق المداري رأسه فهو أنزع
فقال له عبد الملك: ما قال أخو الأوس أحسن مما قال فيك: [من السريع]
قد حصّت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع
«٤٤» - وكان كثير يقول: لوددت أنّي كنت سبقت العبد الأسود إلى هذين البيتين، يعني نصيبا في قوله: [من الطويل]
стр. 1407
من النّفر البيض الذين إذا انتجوا ... أقرّت لنجواهم لؤيّ بن غالب
يحيّون بسّامين طورا وتارة ... يحيّون بسّامين شوس الحواجب
٤٥- شاعر: [من الطويل]
فتى مثل صفو الماء أمّا لقاؤه ... فبشر وأمّا وعده فجميل
غنيّ عن الفحشاء أمّا لسانه ... فعفّ وأمّا طرفه فكليل
«٤٦» - آخر: [من الطويل]
إذا ما أتاه السائلون توقّدت ... عليه مصابيح الطلاقة والبشر
وأنعمه في الناس فوضى كأنها ... مواقع ماء المزن في البلد القفر
«٤٧» - وقال ابن عنقاء: [من الطويل]
غلام رماه الله بالخير يافعا ... له سيمياء لا تشقّ على البصر
كأنّ الثريّا علّقت في جبينه ... وفي خده الشعرى وفي وجهه القمر
إذا قيلت العوراء أغضى كأنّه ... ذليل بلا ذلّ ولو شاء لانتصر
ولما رأى المجد استعيرت ثيابه ... تردّى رداء واسع الذيل واتّزر
فقلت له خيرا وأثبتّ فعله ... وأوفاك ما أسديت من ذمّ أو شكر
«٤٨» - وقال الأخطل: [من الطويل]
стр. 1408
إذا متّ مات الجود وانقطع الندى ... من الناس إلّا في قليل مصرّد
وردّت أكفّ السائلين وأمسكوا ... من الدين والدنيا بخلف مجدّد
٤٩- وقال الأعرابي: [من البسيط]
لا يبعد الله قوما إن سألتهم ... أعطوا وإن قلت يا قوم انصروا نصروا
وإن ألمّت بهم نعماء ظاهرة ... لم يبطروها وإن نابتهم صبروا
[أخوا صعصعة بن صوحان]
«٥٠» - سأل عبد الله بن عباس صعصعة بن صوحان العبدي عن أخويه فقال:
أما زيد فكما قال أخو غنيّ: [من الطويل]
فتى لا يبالي أن يكون بوجهه ... إذا نال خلّات الكرام شحوب
وهي أبيات. ثم قال: كان والله يا ابن عباس عظيم المروّة، شريف الأبوة، جليل الخطر، بعيد الأثر، كميش العروة، زين الندوة، سليم جوانح الصّدر، قليل وساوس الفكر، ذاكرا لله طرفي النهار وزلفا من الليل، الجوع والشّبع عنده سيّان، لا منافس في الدنيا، ولا غافل عن الآخرة. يطيل السكوت، ويديم الفكر، ويكثر الاعتبار، ويقول الحقّ، ويلهج بالصدق. ليس في قلبه غير ربه، ولا يهمّه غير نفسه. فقال ابن عباس: ما ظنّك برجل سبقه عضو منه إلى الجنة؛ رحم الله زيدا. فأين كان عبد الله منه؟ قال: كان عبد الله سيدا شجاعا سخيّا مطاعا، خيره وساع، وشرّه دفاع، قلّبيّ [١] النحيزة، أحوذيّ الغريزة، لا ينهنهه منهنه عما أراده، ولا يركب إلّا ما اعتاده، سمام العدا، فيّاض النّدى، صعب
стр. 1409
المقادة، جزل الرّفادة، أخا إخوان، وفتى فتيان. ثم ذكر شعر حسان بن ثابت في عبد الله بن العباس: [من الطويل]
إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فصلا
قضى فشفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي إربة في القوم جدّا ولا هزلا
«٥١» - جرير: [من البسيط]
الله أعطاك فاشكر فضل نعمته ... أعطاك تلك [١] التي ما فوقها شرف
هذي البرية ترضى ما رضيت لها ... إن سرت ساروا وإن قلت اربعوا وقفوا
هو الخليفة فارضوا ما قضى لكم ... بالحقّ يصدع ما في قوله جنف
أنت المبارك والميمون غرّته [٢] ... لولا تقوّم درء الناس لاختلفوا
سربلت سربال ملك غير مبتدع ... قبل الثلاثين إنّ الخير مؤتنف
«٥٢» - وصف رجل رجلا [٣] فقال: كان إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا أسر أطلق.
«٥٣» - حميد بن ثور: [من الطويل]
قليل المعا إلّا مصيرا [٤] يبلّه ... دم الجوف أو سؤر من الحوض ناقع
стр. 1410
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
[وصف ضرار لعلي (ع) ]
«٥٤» - دخل ضرار بن ضمرة الكنانيّ على معاوية، فقال له: صف لي عليّا، فقال: أوتعفيني. قال: لا أعفيك، قال: أمّا إذ لا بدّ فإنه كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته. كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلّب كفّيه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن. كان والله كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه [١] ، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقرّبه إلينا وقربه منّا لا [نكاد] نكلّمه هيبة له، فإن تبسّم فعن لؤلؤ منظوم، يعظّم أهل الدين ويحبّ المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، ولا يأيس الضعيف من عدله. (هذه أوصاف حقيقة، وهي مدح يتجاوز قدر المادح. وتمام الكلام والخبر) : فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأنّي أسمعه اليوم وهو يقول يا ربّنا، يا ربّنا، يتضرّع إليه ثم يقول للدنيا: إليّ تعرضت؟ إليّ تشوفت؟ هيهات هيهات، غيري غرّي، قد بتتّك ثلاثا. فعمرك قصير، وخطرك كثير [٢] . آه من قلّة الزاد وبعد السّفر ووحشة الطريق.
فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، وجعل ينشّفها بكمّه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال: كذا كان أبو الحسن ﵀. كيف وجدك عليه يا
стр. 1411
ضرار؟ قال: وجد من ذبح واحدها في حجرها لا يرقأ دمعها، ولا يسكن حزنها. ثم قام فخرج.
«٥٥» - وكان الحجاج يستثقل زياد بن عمرو العتكي، فلما أتت الوفود على الحجاج عند الوليد بن عبد الملك، والحجاج حاضر عنده، قال زياد بن عمرو:
يا أمير المؤمنين، إنّ الحجاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم. فحسن موقع هذا المدح منه، فلم يكن بعد أخفّ منه على قلب الحجاج.
«٥٦» - قال بدر بن سعد [١] الفقعسي: [من البسيط]
مخدّمون ثقال في مجالسهم ... وفي الرحال إذا صاحبتهم خدم
وما أصاحب من قوم فأذكرهم ... إلّا يزيدهم حبّا إليّ هم
«٥٧» - وقال محمد بن زياد الحارثيّ: [من الطويل]
تخالهم للحلم صمّا عن الخنا ... وخرسا عن الفحشاء عند التهاجر [٢]
ومرضى إذا لوقوا حياء وعفة ... وعند اللقاء كالليوث الخوادر
стр. 1412
لهم عزّ إنصاف وذلّ [١] تواضع ... بهم ولهم ذلّت رقاب المعاشر
كأنّ بهم وصما يخافون عاره ... وما وصمهم إلّا اتّقاء المعاير
[مدائح بين نثر وشعر]
«٥٨» - ذكر أعرابيّ رجلا فقال: كان ينطق ليفهم، ويخالط ليعلم، ويصمت ليسلم، ويخلو ليغنم، لا يخصّ بأمانته الأصدقاء، ولا يكتم شهادته الأعداء، ولا يعمل بشيء من الحقّ رئاء، ولا يتركه حياء، إن زكّي خاف ما يقولون، واستغفر الله لما لا يعلمون.
«٥٩» - وقال أبو دهبل يمدح ابن الأزرق: [من الكامل المرفل]
عقم النساء فما يلدن شبيهه ... إنّ النساء بمثله عقم
متهلّل بنعم وغير مباعد ... سيّان منه الوفر والعدم
نزر الكلام من الحياء تخاله ... ضمنا وليس بجسمه سقم
«٦٠» - وقال النابغة الذبيانيّ: [من الطويل]
لله عينا من رأى أهل قبّة ... أضرّ لمن عادى وأكثر نافعا
وأعظم أحلاما وأكثر سيّدا ... وأكرم مشفوعا إليه وشافعا
متى تلقهم لا تلق للبيت غرّة ... ولا الجار محروما ولا الأمر [٢] ضائعا
стр. 1413
«٦١» - وقال أيضا: [من البسيط]
حطّت إلى ملك كالبدر سنّته ... ضخم الدسيعة برّ غير غدّار
كم قد أحلّ بدار الفقر بعد غنى ... غمر وكم راش قوما بعد إقتار
يريش قوما ويبري آخرين بهم ... لله من رائش عمرو ومن باري
[عود إلى مدائح زهير]
«٦٢» - وقال زهير بن أبي سلمى: [من البسيط]
من يلق يوما على علّاته هرما ... يلق السماحة منه والنّدى خلقا
قد جعل المبتغون الخير في هرم ... والسّائلون إلى أبوابه طرقا
وليس مانع ذي قربى ولا رحم ... يوما ولا معدما من خابط ورقا
ليث بعثّر يصطاد الرجال إذا ... ما الليث كذّب عن أقرانه صدقا
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطّعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
فضل الجواد على الخيل البطاء فلا ... يعطي بذلك ممتنّا ولا نزقا
لو نال حيّ من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفّه الأفقا
«٦٣» - وقال أيضا: [من الطويل]
إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية ... من المجد من يسبق إليها يسوّد
سبقت إليها كلّ طلق مبرّز ... سبوق إلى الغايات غير مجلّد
كفضل جواد الخيل- يسبق عفوه الس ... راع وإن يجهدن يجهد ويبعد
«٦٤» - دخلت فاطمة بنت الحسين مع أختها سكينة على هشام بن عبد
стр. 1414
الملك، فقال هشام لفاطمة: صفي لي يا ابنة الحسين [١] ولدك من ابن عمّك، وصفي لنا ولدك من ابن عمنا؛ قال: فبدأت بولد الحسن فقالت: أما ولد الحسن: عبد الله فسيّدنا وشريفنا المطاع فينا، وأما الحسن فلساننا ومدرهنا. وأما إبراهيم فأشبه الناس برسول الله ﷺ ، إذا مشى تقلّع فلا يكاد عقباه يقعان على الأرض. وأمّا اللذان من ابن عمّك فإنّ محمدا جمالنا الذي نباهي به، والقاسم عارضتنا التي نمتنع بها، وأشبه الناس بأبي العاص ابن أمية عارضة ونفسا.
فقال: والله لقد أحسنت صفاتهم يا بنت حسين، ثم وثب؛ فجذبت سكينة بردائه وقالت: والله يا أحول لقد أصبحت تهكّم بنا. أما والله ما أبرزنا لك إلّا يوم الطفّ. قال: أنت امرأة كثيرة الشرّ.
[النساء والمدح]
«٦٥» - قالت امرأة من بني نمير وقد حضرتها الوفاة وأهلها مجتمعون؛ من الذي يقول: [من الوافر]
لعمرك ما رماح بني نمير ... بطائشة الصدور ولا قصار
قالوا: زياد الأعجم. قالت: أشهدكم أنّ له الثلث من مالي، وكان كثيرا.
«٦٦» - ذكر نسوة أزواجهن، فقالت إحداهن: زوجي عوني في الشدائد، والعائد دون كلّ عائد، إن غضبت عطف، وإن مرضت لطف. وقالت الأخرى: زوجي لما عناني كاف، ولما أسقمني شاف، عناقه كالخلد، ولا يملّ طول العهد. وقالت الأخرى: زوجي الشعار حين أصرد، والأنس حين أفرد، والسّكن حين أرقد.
стр. 1415
[الأصمعي وأعرابي]
«٦٧» - قال الأصمعيّ: حججت فبينا أنا بالأبطح إذا بشيخ في سحق عباءة، صعل الرأس ثطّ أخزر أزرق، كأنما ينظر من فصّ زجاج أخضر، فسلّمت فردّ عليّ التحية، فقلت: ممن الشيخ؟ قال: أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. قلت: فما الاسم؟ قال: قبيصة بن مازن [١] . ثم قال: أعربي أنت؟
قلت: نعم. قال: من أية العرب أنت؟ قلت: من أهل البصرة. قال: فإلى من تعتزي؟ قلت: إلى قيس بن عيلان. قال: فأيهم؟ قلت: أحد بني يعصر [٢] ، وأنا أقلب ألواحا معي. فقال: ما هذه الخشبات المقرونات؟ قلت: أكتب فيهنّ ما سمعت [٣] من كلامكم. قال: وإنكم مختلّون إلى ذلك؟ قلت: نعم وأي خلّة. ثم صمت مليّا، ثم قال في وصف قومه: كانوا كالصخرة الصّلدة تنبو عن صفحتها المعاول، ثم زحمها الدهر بمنكبه فصدعها صدع الزجاجة ما لها من جابر، فأصبحوا شذر مذر أيادي سبا. وربّ يوم والله عارم قد أحسنوا تأديبه، ودهر غاشم قد قوّموا صعره، ومال صامت قد شتّتوا تألّفه، وخطة بوس قد حسمها أسوهم، وحرب عبوس ضاحكتها أسنّتهم. أما والله يا أخا قيس لقد كانت كهولهم جحاجح، وشبّانهم مراجح، نائلهم مسفوح، وسائلهم ممنوح، وزمانهم ربيع، وجارهم منيع.
فنهضت لأنصرف فأخذ بمجامع ذيلي وقال: اجلس، فقد أخبرتك عن قومي حتى أخبرك عن قومك. فقلت في نفسي: إنّا لله، سينشد في قيس وصمة تبقى على الدهر، فقلت: حسبي لا حاجة بي إلى ذكرك قومي، قال: بلى. هم والله هضبة ململمة العزّ أركانها، والمجد إحصانها، تمكنت في الحسب العدّ،
стр. 1416
تمكّن الأصابع في اليد. فقمت مسرعا مخافة أن يفسد عليّ ما سمعت.
[مدائح نثرية]
«٦٨» - علّم المنصور ابنه صالحا خطبة، فقام بها في الناس في مجلسه، فلم يشيع كلامه أحد خوفا من المهديّ، فبدر شبيب بن عقال [١] المجاشعي من الصفّ فقال: والله ما رأيت كاليوم خطبة أبلّ ريقا، ولا أغمض عروقا، ولا أثبت جنانا، ولا أذرب لسانا، وقليل ذلك ممن كان أمير المؤمنين أباه والمهديّ أخاه، وهو كما قال الشاعر: [من البسيط]
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهل ... بمثل ما قدّما [٢] من صالح سبقا
«٦٩» ذكر رجل رجلا فقال: هو من أفصح خلق الله تعالى كلاما إذا تحدّث، وأحسنهم استماعا إذا حدّث، وأمسكهم عن الملاحاة إذا خولف، يعطي صديقه النافلة ولا يسأله الفريضة، له نفس عن العوراء محصورة، وعلى المعالي مقصورة، كالذهب الإبريز الذي لا يتغيّر كل زمان [٣] ، والشمس المنيرة التي لا تخفى بكلّ مكان، هو النجم المضيء للحيران، والبارد العذب للعطشان.
«٧٠» - وقال رجل للرشيد عام حجّ: قد أصبح المختلفون مجتمعين على تقريظك ومدحك، حتى أنّ العدوّ يقول اضطرارا ما يقوله المولى اختيارا،
стр. 1417
والبعيد يثق من إنعامك عامّا بما يثق به القريب خاصّا.
[أشعار في المدح]
«٧١» - ابن قيس الرقيّات: [من البسيط]
لولا الإله ولولا مصعب لكم ... بالطفّ قد ضاعت الأحساب والذمم
أنت الذي جئتنا والدين مختلس ... والحرّ معتبد والمال مقتسم
ففرّج الله غمّاها وأنقذنا ... بسيف أروع في عرنينه شمم
من هبرزيّ قريش يستضاء به ... مبارك صرّحت عن وجهه الظلم
«٧٢» - قيل للخنساء: ما مدحت أخاك حين هجوت أباك، فقالت:
[من الكامل المرفل]
جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر
حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزّت هناك العذر بالعذر
وعلا هتاف الناس أيّهما ... قال المجيب هناك لا أدري
برزت [١] صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري
أولى وأولى أن يساويه ... لولا جلال السنّ والكبر
وهما كأنهما وقد برزا ... صقران قد حطّا إلى وكر
وقولها: لولا جلال السن والكبر، من قول زهير: [من الوافر]
стр. 1418
ويقدمه إذا اختلفت عليها [١] ... تمام السنّ منه والذّكاء
وزهير أوّل من نهج سبيل هذا المعنى، وقد تقدّمت له الأبيات القافية، [وقوله أيضا] : [من البسيط]
دون السماء وفوق الأرض قدرهما ... عند الذّنابى فلا فوت ولا درك
وتبعه الشعراء:
«٧٣» - قال عبّاد بن شبل: [من الطويل]
إذا اخترت من قوم خيار خيارهم ... فكلّ بني عبد المدان خيار
جروا بعنان واحد فضل بينهم ... بأن قيل قد فات العذار عذار
«٧٤» - وقال البحتري: [من الكامل]
وإذا جرى من غاية وجرت من ... أخرى التقى شأواكما في المنصف
«٧٥» - وقال أيضا: [من الكامل]
وإذ رأيت شمائل ابني صاعد ... أدّت إليك شمائل ابني مخلد
كالفرقدين إذا تأمّل ناظر ... لم يعد موقع فرقد من فرقد
[طاهر يثني على ابنه عبد الله]
«٧٦» - كتب المأمون إلى طاهر بن الحسين يسأله عن استقلال ابنه عبد الله،
стр. 1419
فكتب إليه طاهر: عبد الله يا أمير المؤمنين، ابني إن مدحته ذممته، وإن ذممته ظلمته، ولنعم الخلف هو لأمير المؤمنين من عبده.
فكتب إليه المأمون: ما رضيت أن قرّظته في حياتك، حتى وصّيتنا به بعد وفاتك.
[المفاضلة بين جرير والفرزدق والأخطل]
٧٧- وصف أعرابيّ رجلا فقال: يشرق بعزم لا يدجو معه خطب، ويومض بصواب لا يلبس عنده صعب، حتى يغادر المستعجم معجما، والمشكل مشكولا.
«٧٨» - قال هشام بن عبد الملك لشبة بن عقال، وعنده جرير والفرزدق والأخطل، وهو يومئذ أمير: ألا تخبرني عن هؤلاء الذين مزّقوا أعراضهم، وهتكوا أستارهم، وأغاروا بين عشائرهم في غير خير ولا برّ ولا نفع، أيّهم أشعر؟ قال شبّة: أما جرير فيغرف من بحر، وأما الفرزدق فينحت من صخر، وأما الأخطل فيجيد المدح وصفة الخمر. فقال هشام: ما فسرت لنا شيئا نحصله، فقال: ما عندي غير ما قلت. فقال لخالد بن صفوان: صفهم لنا يا ابن الأهتم، قال: أما أعظمهم فخرا، وأبعدهم ذكرا، وأحسنهم عذرا، وأشردهم مثلا، وأقلّهم غزلا، وأحلاهم عللا، الطامي إذا زخر، والحامي إذا زأر، والسامي إذا خطر، الذي إذا هدر قال، وإذا خطر صال، الفصيح اللسان، الطويل العنان، فالفرزدق. وأما أحسنهم نعتا، وأمدحهم بيتا، وأقلّهم فوتا، الذي إذا هجا وضع، وإذا مدح رفع، فالأخطل. وأما أغزرهم بحرا، وأرقّهم شعرا، وأهتكهم لعدوّه سترا، الأغرّ الأبلق، الذي إن طلب لم يسبق، وإن طلب لم يلحق، فجرير. وكلّهم ذكيّ الفؤاد، رفيع العماد، واري الزناد.
فقال مسلمة بن عبد الملك: ما سمعنا بمثلك يا خالد في الأوّلين والآخرين.
стр. 1420
وأشهد أنّك أحسنهم وصفا، وألينهم عطفا، وأعفّهم مقالا، وأكرمهم فعالا.
فقال خالد: أتمّ الله عليكم نعمه، وأجزل لديكم قسمه، وأنّس بكم القربة، وفرّج بكم الكربة. وأنت والله، ما علمت أيها الأمير، كريم الغراس عالم بالناس، جواد في المحل [١] ، بسّام عند البذل، حليم عند الطيش، في ذروة من قريش، ولباب عبد شمس، ويومك خير من أمس. فضحك هشام وقال: ما رأيت كتخلّصك يا ابن صفوان في مدح هؤلاء ووصفهم، حتى أرضيتهم جميعا وسلمت عليهم.
[قيس بن عاصم وامرأته]
«٧٩» - أسلم قيس بن عاصم المنقري وعنده امرأة من بني حنيفة، فلم تسلم معه وطالبته بالفرقة ففارقها. فلما احتملت لتلحق بأهلها قال لها قيس: أما والله لقد صحبتني سارّة، ولقد فارقتني غير عارّة، لا صحبتك مملولة، ولا أخلاقك مذمومة، ولولا أمر الله [٢] ما فرّق بيننا إلّا الموت، ولكنّ أمر الله ورسوله أحقّ أن يطاع. فقالت له: أبنت عن حسبك وفضلك، وأنت والله كنت الدائم المحبة، الكثير المقة، القليل اللائمة، المعجب الخلوة، البعيد النبوة، لتعلمنّ أني لا أسكن إلى زوج بعدك.
«٨٠» - قال قتيبة لنهار بن توسعة: لست تقول فينا كما كنت تقول في آل المهلّب، قال: والله إنهم كانوا أهدافا للشعر. قال: هذا والله أمدح ممّا قلت فيهم أول.
[الكميت والهاشميات]
«٨١» - لما قال الكميت بن زيد الهاشميّات كتمها وسترها، ثم أتى الفرزدق
стр. 1421
ابن غالب فقال له: يا أبا فراس، إنك شيخ مضر وشاعرها، وأنا ابن أخيك الكميت بن زيد الأسديّ، قال: صدقت أنت ابن أخي فما حاجتك؟ قال:
نفث على لساني فقلت شعرا وأحببت أن أعرضه عليك، فإن كان حسنا أمرتني بإذاعته، وإن كان قبيحا أمرتني بستره، وكنت أولى من ستره عليّ. فقال الفرزدق: أما عقلك فحسن وإني لأرجو أن يكون شعرك على قدر عقلك، فأنشدني ما قلت، فأنشده قوله: [من الطويل]
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب
قال فقال لي: مما تطرب يا ابن أخي؟ فقلت:
ولا لعبا مني وذو الشوق يلعب
قال: بلى، فالعب يا ابن أخي فإنك في أوان اللعب، فقال:
ولم تلهني دار ولا رسم منزل ... ولم يتطرّفني بنان مخضّب
فقال: ما يطربك يا ابن أخي، فقال:
ولا السانحات البارحات عشيّة ... أمرّ سليم القرن أم مرّ أعضب
قال: أجل فلا تتطيّر، فقال:
ولكن إلى أهل الفضائل والتقى ... وخير بني حوّاء والخير يطلب
قال: ومن هؤلاء ويحك؟ فقال:
إلى النفر البيض الذين بحبّهم ... إلى الله في ما نابني أتقرّب
فقال: أرحني ويحك، من هؤلاء؟ فقال:
بني هاشم رهط النبيّ فإنني ... لهم وبهم أرضى مرارا وأغضب
خفضت لهم مني جناحي مودّة ... إلى كنف عطفاه أهل ومرحب
стр. 1422
وكنت لهم من هؤلاء وهؤلاء ... مجنا على أنّي أذمّ وأقصب
وأرمى وأرمي بالعداوة أهلها ... وإني لأوذى فيهم وأؤنّب
فقال له الفرزدق: يا ابن أخي أذع، أذع، فأنت والله أشعر من مضى وأشعر من بقي.
[نثر وشعر في المدح]
«٨٢» - وصف رجل رجلا فقال: كان والله سمحا سحّا سهلا، بينه وبين القلب نسب، وبينه وبين الحياة سبب، إنما هو عيادة مريض، وتحفة قادم، وواسطة قلادة.
«٨٣» - وصف أعرابي رجلا فقال: كان والله مطلول المحادثة، ينبذ إليك الكلام على أدراجه [١] ، كأنّ في كلّ ركن من أركانه قلبا يقد.
٨٤- سحيم بن وثيل الرياحي: [من الكامل المرفل]
من دونهم إن جئتهم سحرا ... عزف القيان ومجلس غمر
لذّ بأطراف الحديث إذا ... ذكر النّدى وتنوزع الفخر
هضم إذا حبّ القتار وهم ... نصر إذا ما استبطىء النصر
«٨٥» - جميل في عبد العزيز بن مروان: [من الوافر]
أبا مروان أنت فتى قريش ... وكهلهم إذا عدّ الكهول
تولّيه العشيرة ما عناها ... فلا ضيق الذراع ولا بخيل
إليك تشير أيديهم إذا ما ... رضوا أو نابهم أمر جليل
стр. 1423
كلا يوميه بالمعروف طلق ... وكلّ بلائه حسن جميل
«٨٦» - لما قام الخطيب بولاية عليّ بن موسى الرضى العهد قال: أيّها الناس أتدرون من أصبح وليّ عهدكم؟ علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: [من السريع]
ستة آباء وهم ما هم ... هم خير من يشرب ماء الغمام
وهو من أبيات للنابغة الذبياني يقولها في النعمان بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبي شمر الغساني.
«٨٧» - مروان بن أبي حفصة: [من البسيط]
له خلائق بيض لا يغيّرها ... صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب
وقد قيل: ليس في شعر مروان بيت يستشهد به غير هذا البيت، ولعله مأخوذ من قول طريح بن اسماعيل الثقفي: [من المتقارب]
خلائقه كسبيك النّضا ... ر لا يعمل الدهر فيها فسادا
«٨٨» - أبو عبد الله القزاز المغربي: [من الخفيف]
ولنا من أبي الربيع ربيع ... ترتعيه هوامل الآمال
راحة تمطر النّوال وتكفي ... معتفيه بالبذل ذلّ السؤال
стр. 1424
يصغر الفضل عنده فيظنّ ال ... بحر والجود لمعة من آل
[من رسالة لابن نصر]
٨٩- ابن نصر الكاتب من رسالة: حتى إذا برزت باهرا للعيون، عابرا مطارح الظنون، تزفّك الرّتب والأقدار، وتحفّك السكينة والوقار، أطرق الرامق، وأرمّ الناطق، وتحرّكت الأفئدة لك محبة في إعظام، وإجلالا في غرام، وحقّ لمن كذّب الآمال بالمزيد، وكفى المادح هجنة التقليد، وأحبّ المواساة والإيثار، وأبغض التفرّد والاستئثار، وعفا عالما بقدر الإجرام، وحلم قادرا على الإنتقام، ومنع عرضه اللائم، وأباح غديره الحائم، أن ينزل بحبوحة الصدور، ويتبوّأ حبّات القلوب، ويعدّ من الأيام مجيرا، وعلى النفوس أميرا، والله تعالى يحرسك ظلّا ممدودا على الأنام، وسترا ممدودا على عورة الأيام.
[جروة بنت مرة تحدث معاوية]
«٩٠» - احتجم معاوية بمكة فأمسى أرقا فقال: من يقرب منّا من فصحاء العرب [١] ؟ فقالوا: جروة بنت مرّة، من بني تميم، وكانت مجاورة. فأرسل إليها فجاءته، فلما دخلت قال: مرحبا يا بنت مرة، أرعناك. قالت: أي والله، لقد طرقت في ساعة لا تطرق فيها الطير في أو كارها، فأرعت قلبي، وريع صبياني، وأفزعت عشيرتي، فتركت بعضهم يموجون في بعض، يديرون الكلام فرقا منك وشفقة عليّ. قال: ليفرخ روعك، ولتطب نفسك، فإنّ الأمر يجري على محبتك، قالت: أحسن الله بشارتك، وأدام لنا سلامتك. قال لها: إني احتجمت الليلة فأعقبني ذاك أرقا فأرسلت إليك لأستمتع بكلامك. قالت:
أحسن الله أبدا استمتاعك، وأطال بالسلامة إمتاعك. قال: أخبريني عن قومك. قالت: عن أيّهم تسألني؟ قال: عن بني تميم. قالت: إنهم أكثر الناس
стр. 1425
عددا، وأوسعهم بلدا، وأبعدهم أمدا. هم الذهب الأحمر، والعدد الأكثر، والجند [١] الأفخر. قال: صدقت فنزّليهم منازلهم. قالت: أما بنو عمرو بن تميم فأصحاب بأس ونجدة، وتحاشد وشدة، لا يتخاذلون عند اللقاء، ولا يطمع فيهم الأعداء. سلمهم فيهم، وسيفهم على عدوّهم. قال: صدقت، ونعم القوم لأنفسهم. قالت: وأما بنو سعد بن زيد مناة ففي العدد الأكثرون، وفي النسب الأطيبون. يضيرون إذا غضبوا، ويدركون إن طلبوا، أصحاب سيوف وحجف، ونزال ودلف. على أنّ بأسهم فيهم، وسيفهم عليهم. وأما حنظلة فالبيت الرفيع، والحسب الدسيع، والعز المنيع، والشرف البديع؛ المكرمون للجار، الطالبون للثار، الناقضون للأوتار. قال: إنّ حنظلة شجرة تفرّعت.
قالت: صدقت، أما بنو طهيّة فقروم سرج، وأقران لجج [٢] . وأما البراجم فأصابع مجتمعة، وأكفّ ممتنعة. وأما بنو ربيعة فصخرة صمّاء، وحيّة رقشاء، يغزون بغيرهم، ويفخرون بقومهم. وأما بنو يربوع ففرسان الرماح، وأسود الصباح، يعتنقون الأقران ويقتلون الفرسان. وأما بنو مالك فجمع غير مفلول، وعزّ غير مخذول، وليوث هرّارة، وخيول كرّارة. وأما بنو دارم فكرم لا يدانى، وشرف لا يبارى، وعزّ لا يوازى.
قال: أنت أعلم الناس ببني تميم فكيف علمك بقيس؟ قالت: كعلمي بقومي [٣] . قال: فأخبريني عنهم. قالت: أما غطفان فأكثر الناس سادة، وأمنعهم قادة. وأما فزارة فبيتها المشهور وحسبها المذكور. وأما ذبيان فخطباء شعراء، أعزّة أقوياء. وأما عبس فجمرة لا تطفأ، وعقبة لا تعلى، وحيّة لا ترقى. وأما هوازن فحلم ظاهر، وعزّ قاهر، وأما سليم ففرسان الملاحم، وأسود ضراغم.
стр. 1426
وأما نمير فشوكة مسمومة، وهامة مدمومة [١] ، وراية مرفوعة، وعزة ممنوعة. وأما هلال فاسم فخم، وعزّ ضخم. وأما بنو كلاب فعدد كثير، وحلم كبير، وقمر منير.
قال: لله أبوك، فما قولك في قريش؟ قالت: هم ذروة الإسلام وأصله، وبيانه وفصله، وسادة الأنام وفضله. قال: فما قولك في عليّ؟ قالت: جاز في الشرف حدّ الوصف، وما له غاية تعرف، وبالله أسألك إعفائي مما أتخوّف.
قال: فعلت، وأجازها.
[أخت عمرو بن ذي الكلب]
«٩١» - قالت فهر [٢] لأخت عمرو بن ذي الكلب: قد طلبنا أخاك، فقالت:
والله لئن طلبتموه [٣] لتجدنّه منيعا، ولئن أردتموه لتجدنّه سريعا [٤] . قالوا لها: فهذا سلبه. قالت: ولئن سلبتموه لما وجدتم حجزته جافية، ولا ضالته كافية، ولا نيّته وافية. ولربّ ضبّ منكم قد احترشه، ونهب منكم قد اقترشه، وثدي منكم قد افترشه.
قولها: ما وجدتم حجزته جافية أي كان خميص البطن، والحجزة التي تسميها العامة الحزة من السراويل والمئزر. وضالته يعني قوسا عملت من ضال، وهو السدر البري؛ وكافية: مكفوة أي معلومة. والنية هاهنا الغاية. وافية:
طويلة. تقول إنه يتعاهدها أي يستحد كثيرا مخافة أن يقتل. ويوسد فيغير إذا نظر إليه، وضب احترشه: أي رب رجل منكم صاده كما يحرش الضب ويؤخذ، واقترشه أي اكتسبه من التقرش وهو الاكتساب.
стр. 1427
«٩٢» - وقال مسلم بن الوليد: [من الكامل]
فلأنت أمضى في اللقاء وفي النّدى ... من باسل ورد وغاد مرعد
أعطيت حتى ملّ سائلك الغنى ... وعلوت حتى ما يقال لك ازدد
ما قصّرت بك غاية عن غاية ... اليوم مجدك فوق [١] مجدك في غد
أقدمت والمهجات [٢] تلفظ والردى ... متحيّر بين الأسنّة مهتد
حتى تمخّضت المنون لهمّها ... وتعضّلت بالناكث المتمرّد
دعم الإمام به دعائم [٣] ملكه ... ولقد تطرّقها انتكاث الملحد
ما غاب حتى آب تحت لوائه ... رأب الثأى وصلاح أمر مفسد [٤]
«٩٣» - وقال بكر بن النطاح: [من الخفيف]
يتلقّى النّدى بوجه حييّ ... وصدور القنا بوجه وقاح
٩٤- ومن كلام لعمارة بن حمزة: ومن فلان؟ محسد [٥] عطاء، وكاشف غمّاء، ومردى حرب، ومدره خصوم، وهو الذي زاحم أركان الزمان بركن شديد، وأناخ على معسر الأمر برأي صليب، حتى بذّ الأقران في نباهة الذكر وإحراز الشّرف.
стр. 1428
[أمداح لأبي نؤاس]
«٩٥» - وقال الحسن بن هانىء: [من الطويل]
ترى الناس أفواجا على باب داره ... كأنهم رجلا دبا وجراد
فيوم لإلحاق الفقير بذي الغنى ... ويوم رقاب بوكرت بحصاد
«٩٦» - وقال أيضا: [من الطويل]
إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني
«٩٧» - وقال أيضا: [من المديد]
وإذا مجّ القنا علقا ... وتراءى الموت في صوره
راح في ثنيي مفاضته ... أسد يدمى شبا ظفره
تتأيّا الطير غدوته ... ثقة بالشّبع من جزره
قد لبست الدهر لبس فتى ... أخذ [١] الآداب عن غيره
«٩٨» - وقال في الفضل بن الربيع: [من البسيط]
لقد نزلت أبا العباس منزلة ... ما إن ترى خلفها الأبصار مطّرحا
وكلت بالدهر عينا غير غافلة ... بجود كفّك تأسو كلّ ما جرحا
«٩٩» - وقال حبيب بن أوس: [من المنسرح]
إذا أناخوا ببابه أخذوا ... حكمتهم [٢] من لسانه ويده
стр. 1429
«١٠٠» - ومثله له أيضا: [من المنسرح]
نرمي بأشباحنا إلى ملك ... نأخذ من ماله ومن أدبه
[إبراهيم بن العباس الصولي وغيره]
«١٠١» - وقال إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول: [من الوافر]
ولكنّ الجواد أبا هشام ... وفيّ العهد مأمون المغيب
بطيء عنك ما استغنيت عنه ... وطلّاع إليك مع الخطوب
وتمثل بهذين البيتين عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو بن ركن الدولة بن بويه، وقد استنجد به عز الدولة بختيار حين خرج عليه سبكتكين في الأتراك مماليك أبيه، وخلعوه من الإمارة، فتوجّه إليه عضد الدولة منجدا له، وكتب إليه بها من طريقه، وجعل مكان أبي هشام أبا شجاع.
«١٠٢» - وقال إبراهيم أيضا: [من المتقارب المجزوء]
لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل
فباطنها للنّدى ... وظاهرها للقبل
وبسطتها للغنى ... وسطوتها للأجل
«١٠٣» - فأخذ هذا المعنى ابن الرومي فقال: [من الكامل]
أصبحت بين خصاصة وتجمّل ... والمرء بينهما يموت هزيلا
فامدد إليّ يدا تعوّد بطنها ... بذل النوال وظهرها التقبيلا
стр. 1430
«١٠٤» - وألمّ به ابن دريد فقال: [من الكامل]
يا من يقبّل كفّ كلّ ممخرق ... هذا ابن يحيى ليس بالمخراق
قبّل أنامله فلسن أناملا ... لكنهنّ مفاتح الأرزاق
«١٠٥» - ولابراهيم بن العباس: [من الرمل]
أسد ضار إذا هيّجته [١] ... وأب برّ إذا ما قدرا
يعرف الأبعد إن أثرى ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقرا
«١٠٦» - وقال أيضا: [من الكامل]
تلج السنون بيوتهم وترى لها ... عن جار بيتهم ازورار مناكب
وتراهم بسيوفهم وشفارهم ... مستشرفين لراغب أو راهب
حامين أو قارين حيث لقيتهم ... نهب العفاة ونهزة للراغب
«١٠٧» - وقال العتابي: [من الطويل]
إمام له كفّ يضمّ بنانها ... عصا الدين ممنوع من البري عودها
وعين محيط بالبريّة طرفها ... سواء عليه قربها وبعيدها
стр. 1431
«١٠٨» - ذكرت أعرابية إسحاق بن إبراهيم الموصلي فقالت: والذي يعلم مغزى كلّ ناطق، لكأنّك في علمك ولدت فينا ونشأت معنا. ولقد أريتني نجدا بفصاحتك، وأحللتني الربيع بسماحتك، فلا أطربني قول إلّا شكرتك، ولا نسمت لي ريح إلّا ذكرتك.
«١٠٩» - وقال له عبد الله بن طاهر: يا أبا محمد إنّ فضائلك لتتكاثر عندنا كما قال الشاعر في إبله: [من الرجز]
إذا أتاها طالب يستامها ... تكاثرت في عينه كرامها
«١١٠» - وقال ابن أبي السمط: [من الطويل]
فتى لا يبالي المدلجون بنوره ... إلى بابه ألّا تضيء الكواكب
له حاجب من كلّ أمر يشينه ... وليس له عن طالب العزّ حاجب
[أقوال نثرية في المدح]
«١١١» - قال أبو العيناء لمحمد بن خالد الشيباني: لئن كان آدم ﵇ أساء إلى نفسه في إخراجنا من الجنة، لقد أحسن إلينا أنّه ولدك.
١١٢- قال عبد العزيز الحمصي يمدح العزيز صاحب مصر: وجهه صباح البشرى، ومفتاح النّعمى، وطلعة الخير، وعنوان الرحمة، وعذر الزمان المذنب. تستولي على الأمد وأنت وادع، وتلحق الطريدة وأنت ثان من عنانك، تمشي رويدا وتكون أولا.
١١٣- آخر: ما أساء دهر أنت من محاسنه، ولا آلم وأنت تنهض بنوائبه، وتأسو كلوم حوادثه، وحسبه من كلّ إساءة أن يعتذر بك، ومن أشبه أباه فما ظلم.
стр. 1432
١١٤- آخر: بغداد مطبّقة بظلام وقتام وحشة لفراقك، إلّا ما يطلع ضياؤه من خلال الغمام بمقام أبي فلان، فإنه ملجأ المستوحش، ومشتكى المحزون، تتجلّى فيه فضائلك، وتشاهد منه شمائلك.
١١٥- آخر: قد أمّن عزّوجلّ سائلك من بخلك، وخائفك من ظلمك، والعائذ بك من منعك، والمسترفد لك من عللك.
١١٦- آخر: وفي رأيك عوض من كلّ حظّ، ودرك لكلّ أمل أبطأ، وثقة بنيل ما يرجى، ودفع ما يخشى.
«١١٧» - آخر: رأيتني في ما أصف من مجدك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر، والقمر الزاهر، الذي لا يخفى على ناظر. وأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز، مقصّر عن الغاية، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.
١١٨- آخر: القدرة لأهل الفضل عزّ ومغنم، ولغيرهم عار ومغرم. فذو الفضل معترض أيام قدرته لابتداء عارفة وإبداء مكرمة يزكيان فضله ويشيدان بقية الأيام ذكره، يرى ذلك أطيب مكاسبه، وأعودها في عاجله وآجله. ومن لا فضل له جاهل بدهره، عادم لرشده، مطيع لغوايته، معذور لغباوته. وأنت بالفضل أولى.
١١٩- آخر: ما اختلفت كلمة إلّا اتّفقت عليك، ولا تشتّت نظام جماعة إلّا ائتلف بك، ولا مرقت مارقة فكان صلاحها إلا على يديك، ولا استعرت نار الحرب فأطفأها الله إلا بتدبيرك، ولا انتقضت سرائر الملك في دولة غيرك إلّا شدّ الله قواها في أيامك، وحاز شرفها ومكرمتها لك، وولي الأثام والغلول والندامة فيها سواك. وإنما كانت وزارتك للأمير في فواتح النصر وبوادي الصنع، وافقت
стр. 1433
أحوالا شتّى من حبل مضطرب، ونظام منتشر، وعدوّ للسطان أخذ بمكاظمه، وقعد على مراصده، فقارعت ذلك كلّه بنفسك، وأعملت فيه جدّك، ووفرت عليه سعيك، واكتنفتك فيه معاون الله التي استدعيتها من الجميل بنيتك والخالص من سريرتك. فما كان إلّا ريثما وفر الله على الملك حقّه، وحاط له أمره، وأهاب بالناكص منه إلى حظه، وردّ العدوّ بغيظه، وعادت أركان الملك إلى مراكزها، واستقرّت على قواعدها.
١٢٠- آخر: فلا أعدمك الله النية في اعتقاد خوالد المنن في أعناق الرجال، ولا أذخرك القدرة على ادّخار رغائب الكنوز في قلوب الإخوان، ولا أحوجك إلى ثمرة ذلك منهم إلّا بالرغبة في ما ينشر [١] لك عنهم من إخلاص الدعاء وحسن الثناء، كما انتشر لك عن جملة صنائعك، وحفظة ودائعك الذين ما أخليتهم عن خلال [٢] فضلك، ولا أعريتهم من لباس عزّك، فأصبحوا في زهرة رياضك راتعين، وفي غمرة حياضك شارعين، فإن هززتهم لضريبة فروها بألسنة حداد، وسواعد شداد، وقلوب متناصرة، وأيد مترادفة، وإن استغنيت- دام لك الغنى عن العالمين- كانوا لك رصدا فوق أعناق الحاسدين، بصول أدفع من صواعق الموت اللهام، وقول أنفذ من نيران الحريق في الآجام، بصراء بمواسم الازدحام، وعلماء بمواضع الأقدام.
«١٢١» - البحتري: [من البسيط]
ومصعد هضبات الموت [٣] يطلعها ... كأنه لسكون الجأش منحدر
ما زال يسبق حتى قال حاسده ... له طريق إلى العلياء مختصر
стр. 1434
[عود إلى الشعر]
١٢٢- وقال أبو ذفافة [١] المصري: [من البسيط]
وما السحاب إذا ما انجاب عن بلد ... ولم يلمّ به يوما بمذموم
إن جدت فالجود شيء قد عرفت به ... وإن تجافيت لم تنسب إلى لوم
«١٢٣» - وقال ابن الرومي: [من البسيط]
وقلّ من ضمنت خيرا طويّته ... إلّا وفي وجهه للبشر عنوان
تلقاه [٢] وهو مع الإحسان معتذر ... وقد يسيء مسيء وهو منّان
إذا بدا وجه ذنب فهو ذو سنة ... وإن بدا وجه خطب فهو يقظان
إذا تيمّمك العافي فكو كبه ... سعد ومرعاه في واديك سعدان
أحيا بك الله هذا الخلق كلّهم ... فأنت روح وهذا الخلق جثمان
«١٢٤» - كتب أبو العيناء إلى بعض الرؤساء: نحن أعزّك الله إذا سألنا الناس كفّ الأذى، سألناك بذل الندى، وإذ سألناهم العدل سألناك الفضل، وإذا سررناهم ببسط العذر، سررناك باستدعاء البرّ.
«١٢٥» - إبراهيم بن العباس: [من الطويل]
إذا السّنة الشهباء مدّت سماءها ... مددت سماء دونها فتجلّت
وعادت بك الريح العقيم لدى القرى ... لقاحا فدرّت عن نداك وطلّت
стр. 1435
«١٢٦» - قال أبو العتاهية: [من الطويل]
وهارون ماء المزن يشفى به الصّدى ... إذا ما الصّدي بالريق غصّت حناجره
وأوسط عزّ [١] في قريش لبيته ... وأوّل عزّ في قريش وآخره
وزحف له تحكي البروق سيوفه ... وتحكي الرعود القاصفات زماجره
إذا حميت شمس النهار تضاحكت ... إلى الشمس فيه بيضه ومغافره
ومن ذا يفوت الموت والموت مدرك ... كذا لم يفت هارون ضدّ ينافره [٢]
«١٢٧» - وقال دعبل: [من الكامل]
زمني بمطّلب سقيت زمانا ... ما كنت إلّا روضة وجنانا
كلّ النّدى إلّا نداك تكلف ... لم أرض بعدك كائنا من كانا
أصلحتني بالبرّ بل أفسدتني ... فتركتني أتسخّط الإحسانا
«١٢٨» - وقال ابن نباتة: [من الطويل]
ولكنّني لا أظلم المجد حقّه ... محلّك أعلى في القلوب وأكبر
أحلّك أطراف الذّرى وأحلّهم ... بطون الثرى والله بالناس أبصر
[أحمد بن يوسف وغسان بن عباد]
«١٢٩» - كان أحمد بن يوسف يوما بحضرة المأمون في جماعة من خواصه، فقال لهم: أخبروني عن غسّان بن عباد، فإنّي أريده لأمر جسيم، وكان عزم على
стр. 1436
تقليده السند مكان بشر بن داود بن يزيد. فتكلّم كلّ فريق منهم في مدحه بما عنده. وقال أحمد بن يوسف: هو يا أمير المؤمنين رجل محاسنه أكثر من مساويه، لا ينصرف به أمر إلّا تقدّم فيه، ومهما تخوّف عليه فإنه لم يأت أمرا يعتذر منه، لأنّه قسم أيامه بين أيام الفضل فجعل لكلّ خلق نوبة، إذا نظرت في أمره لم تدر أيّ حالاته أعجب: ما هداه إليه عقله أم ما اكتسبه بأدبه. فقال المأمون: لقد مدحته على سوء رأيك فيه، فقال: لأني فيه كما قيل: [من الوافر]
كفى ثمنا لما أسديت أنّي ... نصحتك في الصديق وفي عدائي
وأني حين تندبني لأمر ... يكون هواك أغلب من هوائي
فأعجب المأمون ذلك منه.
[مراوحة بين الثناء شعرا ونثرا]
«١٣٠» - أبو الحسين بن أبي البغل البغدادي [١] يمدح أبا القاسم ابن وهب:
[من البسيط]
إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر
وإن أضاء لنا نور بغرّته ... تضاءل النيران: الشمس والقمر
وإن بدا رأيه أو حدّ عزمته ... تأخّر الماضيان: السيف والقدر
ينال بالظنّ ما كان اليقين به ... والشاهدان عليه: العين والأثر
كأنه وزمام الدهر في يده ... يدري عواقب ما يأتي وما يذر
معنى البيت الرابع مأخوذ من بيت أنشده أبو محلم: [من الطويل]
стр. 1437
يرى عاقبات الرأي والرأي مقبل ... كأنّ له في اليوم عينا على غد
«١٣١» - ذكر أعرابيّ رجلا فقال: لا تراه الدهر إلّا كأنه لا غنى به عنك وإن كنت إليه أحوج، وإن أذنبت إليه غفر كأنّه المذنب، وإن احتجت إليه أعطاك وكأنه السائل.
«١٣٢» - وذكر آخر واليا فقال: إذا ولي لم يطابق بين جفونه، وأرسل العيون على عيونه، فهو غائب عنهم شاهد معهم، فالمحسن آمن والمسيء خائف.
«١٣٣» - أحمد بن محمد المصيصي المعروف بالنامي في سيف الدولة ابن حمدان: [من الوافر]
له نعم تؤوب بآمليه ... إذا آبت إلى أحلى مآب
ألذّ من انتصار بعد ظلم ... وأحلى من دعاء مستجاب
«١٣٤» - الخوارزمي: [من المتقارب]
كأنّ مواهبه في المحو ... ل آراؤه عند ضيق الحيل
فلو كان غيثا لعمّ البلاد ... ولو كان سيفا لكان الأجل
ولو كان يعطي على قدره ... لأغنى النفوس وأفنى الأمل
«١٣٥» - الفيض بن أبي صالح في أبي عبيد الله كاتب المهدي: [من البسيط]
فالصمت في غير عيّ من سجيّته ... حتى يرى موضعا للقول يستمع
стр. 1438
لا يرسل القول إلّا في مواضعه ... ولا يخاف إذا حلّ الحبى الجزع
«١٣٦» - كتب ابن مكرم إلى ابن المدبر: إنّ جميع أكفائك ونظرائك يتنازعون الفضل، فإذا انتهوا إليك أقرّوا لك، ويتنافسون في المنازل، فإذا بلغوك وقفوا دونك، فزادك الله وزادنا بك وفيك، وجعلنا ممن يقبله رأيك، ويقدمه اختيارك، ويقع في الأمور بموافقتك، ويجري منها على سبيل طاعتك.
«١٣٧» - كان مصعب بن الزبير من أجمل الرجال، فبينا هو جالس بفنائه بالبصرة إذ وقفت عليه امرأة من طيء تنظر إليه فقال: ما وقوفك عافاك الله؟
فقالت: طفىء مصباحنا فجئنا نقتبس من وجهك مصباحا.
١٣٨- شاعر: [من الكامل المجزوء]
وكأنّ بهجته اكتست ... حسن الإقالة للذنوب
«١٣٩» - وصف المأمون ثمامة فقال: إنه يتصرّف في القلوب تصرّف السحاب مع الجنوب.
«١٤٠» - قال عبد الله بن عروة لابنه: إنه والله ما بنت الدنيا شيئا إلّا هدمه الدين، ولا بنى الدين شيئا فاستطاعت الدنيا هدمه. ألا ترى إلى عليّ ما يقول فيه خطباء بني أميّة من ذمّه وعيبه؛ والله لكأنما كانوا يأخذون بناصيته إلى السماء؛ أو ما رأيت ما يندبون به موتاهم؛ والله لكأنما يندبون به جيفا [١] .
стр. 1439
«١٤١» - صاح أعرابي بعبد الله بن جعفر: يا أبا الفضل، فقيل له: ليست كنيته، قال: إن لم تكن كنيته فإنها صفته.
«١٤٢» - وقال زياد الأعجم في محمد بن القاسم الثقفي: [من الكامل]
قاد الجيوش لخمس عشرة حجّة ... ولداته عن ذاك في أشغال
قعدت بهم أهواؤهم [١] وسمت به ... همم الملوك وسورة الأبطال
«١٤٣» - وله فيه [٢] : [من الكامل]
إنّ المنابر أصبحت مختالة ... بمحمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشرة حجة ... يا قرب سورة سؤدد من مولد
«١٤٤» - منصور النمري في الرشيد: [من الطويل]
وليس لأعباء الأمور إذا عرت ... بمكترث لكن لهنّ صبور
يرى ساكن الأوصال باسط وجهه ... يريك الهوينا والأمور تطير
«١٤٥» - الغريبي الكوفي، غلب عليه طلب الغريب فنسب إليه، يمدح
стр. 1440
بعض الكتّاب: [من الكامل]
إن كنت تقصدني بظلمك عامدا ... فحرمت نفع صداقة الكتّاب
السائقين إلى الصديق ثرى الغنى ... الناعشين لعثرة الأصحاب
والناهضين بكلّ عبء مثقل ... والناطقين بفصل كلّ خطاب
والقاطعين على الصديق بفضلهم ... والطيبين روائح الأثواب
ولئن جحدتهم الثناء فطالما ... جحد العبيد تفضّل الأرباب
«١٤٦» - محمد بن أمية الكاتب: [من الوافر]
لطافة كاتب وخشوع صبّ ... وفطنة شاعر عند الجواب
«١٤٧» - خارجة بن فليح المللي (وملل [١] : مكان) : [من الطويل]
كأنّ على عرنينه وجبينه ... شعاعين لاحا من سماك وفرقد
هو التابع التالي أباه كما تلا ... أبوه أباه سيدا وابن سيّد
[المأمون والطعام]
«١٤٨» - وضع على مائدة المأمون يوم عيد أكثر من ثلاثمائة لون، فكان يذكر منفعة كلّ لون ومضرّته وما يختصّ به، فقال يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين، إن خضنا في الطبّ فأنت جالينوس في معرفته، أو في النجوم فأنت هرمس في حسابه، أو في الفقه فأنت عليّ بن أبي طالب في علمه، أو في السخاء فأنت حاتم في صفته، أو في صدق الحديث فأنت أبو ذرّ في لهجته، أو في الوفاء