تقليده السند مكان بشر بن داود بن يزيد. فتكلّم كلّ فريق منهم في مدحه بما عنده. وقال أحمد بن يوسف: هو يا أمير المؤمنين رجل محاسنه أكثر من مساويه، لا ينصرف به أمر إلّا تقدّم فيه، ومهما تخوّف عليه فإنه لم يأت أمرا يعتذر منه، لأنّه قسم أيامه بين أيام الفضل فجعل لكلّ خلق نوبة، إذا نظرت في أمره لم تدر أيّ حالاته أعجب: ما هداه إليه عقله أم ما اكتسبه بأدبه. فقال المأمون: لقد مدحته على سوء رأيك فيه، فقال: لأني فيه كما قيل: [من الوافر]
كفى ثمنا لما أسديت أنّي ... نصحتك في الصديق وفي عدائي
وأني حين تندبني لأمر ... يكون هواك أغلب من هوائي
فأعجب المأمون ذلك منه.
[مراوحة بين الثناء شعرا ونثرا]
«١٣٠» - أبو الحسين بن أبي البغل البغدادي [١] يمدح أبا القاسم ابن وهب:
[من البسيط]
إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر
وإن أضاء لنا نور بغرّته ... تضاءل النيران: الشمس والقمر
وإن بدا رأيه أو حدّ عزمته ... تأخّر الماضيان: السيف والقدر
ينال بالظنّ ما كان اليقين به ... والشاهدان عليه: العين والأثر
كأنه وزمام الدهر في يده ... يدري عواقب ما يأتي وما يذر
معنى البيت الرابع مأخوذ من بيت أنشده أبو محلم: [من الطويل]
стр. 1437
يرى عاقبات الرأي والرأي مقبل ... كأنّ له في اليوم عينا على غد
«١٣١» - ذكر أعرابيّ رجلا فقال: لا تراه الدهر إلّا كأنه لا غنى به عنك وإن كنت إليه أحوج، وإن أذنبت إليه غفر كأنّه المذنب، وإن احتجت إليه أعطاك وكأنه السائل.
«١٣٢» - وذكر آخر واليا فقال: إذا ولي لم يطابق بين جفونه، وأرسل العيون على عيونه، فهو غائب عنهم شاهد معهم، فالمحسن آمن والمسيء خائف.
«١٣٣» - أحمد بن محمد المصيصي المعروف بالنامي في سيف الدولة ابن حمدان: [من الوافر]
له نعم تؤوب بآمليه ... إذا آبت إلى أحلى مآب
ألذّ من انتصار بعد ظلم ... وأحلى من دعاء مستجاب
«١٣٤» - الخوارزمي: [من المتقارب]
كأنّ مواهبه في المحو ... ل آراؤه عند ضيق الحيل
فلو كان غيثا لعمّ البلاد ... ولو كان سيفا لكان الأجل
ولو كان يعطي على قدره ... لأغنى النفوس وأفنى الأمل
«١٣٥» - الفيض بن أبي صالح في أبي عبيد الله كاتب المهدي: [من البسيط]
فالصمت في غير عيّ من سجيّته ... حتى يرى موضعا للقول يستمع
стр. 1438
لا يرسل القول إلّا في مواضعه ... ولا يخاف إذا حلّ الحبى الجزع
«١٣٦» - كتب ابن مكرم إلى ابن المدبر: إنّ جميع أكفائك ونظرائك يتنازعون الفضل، فإذا انتهوا إليك أقرّوا لك، ويتنافسون في المنازل، فإذا بلغوك وقفوا دونك، فزادك الله وزادنا بك وفيك، وجعلنا ممن يقبله رأيك، ويقدمه اختيارك، ويقع في الأمور بموافقتك، ويجري منها على سبيل طاعتك.
«١٣٧» - كان مصعب بن الزبير من أجمل الرجال، فبينا هو جالس بفنائه بالبصرة إذ وقفت عليه امرأة من طيء تنظر إليه فقال: ما وقوفك عافاك الله؟
فقالت: طفىء مصباحنا فجئنا نقتبس من وجهك مصباحا.
١٣٨- شاعر: [من الكامل المجزوء]
وكأنّ بهجته اكتست ... حسن الإقالة للذنوب
«١٣٩» - وصف المأمون ثمامة فقال: إنه يتصرّف في القلوب تصرّف السحاب مع الجنوب.
«١٤٠» - قال عبد الله بن عروة لابنه: إنه والله ما بنت الدنيا شيئا إلّا هدمه الدين، ولا بنى الدين شيئا فاستطاعت الدنيا هدمه. ألا ترى إلى عليّ ما يقول فيه خطباء بني أميّة من ذمّه وعيبه؛ والله لكأنما كانوا يأخذون بناصيته إلى السماء؛ أو ما رأيت ما يندبون به موتاهم؛ والله لكأنما يندبون به جيفا [١] .
стр. 1439
«١٤١» - صاح أعرابي بعبد الله بن جعفر: يا أبا الفضل، فقيل له: ليست كنيته، قال: إن لم تكن كنيته فإنها صفته.
«١٤٢» - وقال زياد الأعجم في محمد بن القاسم الثقفي: [من الكامل]
قاد الجيوش لخمس عشرة حجّة ... ولداته عن ذاك في أشغال
قعدت بهم أهواؤهم [١] وسمت به ... همم الملوك وسورة الأبطال
«١٤٣» - وله فيه [٢] : [من الكامل]
إنّ المنابر أصبحت مختالة ... بمحمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشرة حجة ... يا قرب سورة سؤدد من مولد
«١٤٤» - منصور النمري في الرشيد: [من الطويل]
وليس لأعباء الأمور إذا عرت ... بمكترث لكن لهنّ صبور
يرى ساكن الأوصال باسط وجهه ... يريك الهوينا والأمور تطير
«١٤٥» - الغريبي الكوفي، غلب عليه طلب الغريب فنسب إليه، يمدح
стр. 1440
بعض الكتّاب: [من الكامل]
إن كنت تقصدني بظلمك عامدا ... فحرمت نفع صداقة الكتّاب
السائقين إلى الصديق ثرى الغنى ... الناعشين لعثرة الأصحاب
والناهضين بكلّ عبء مثقل ... والناطقين بفصل كلّ خطاب
والقاطعين على الصديق بفضلهم ... والطيبين روائح الأثواب
ولئن جحدتهم الثناء فطالما ... جحد العبيد تفضّل الأرباب
«١٤٦» - محمد بن أمية الكاتب: [من الوافر]
لطافة كاتب وخشوع صبّ ... وفطنة شاعر عند الجواب
«١٤٧» - خارجة بن فليح المللي (وملل [١] : مكان) : [من الطويل]
كأنّ على عرنينه وجبينه ... شعاعين لاحا من سماك وفرقد
هو التابع التالي أباه كما تلا ... أبوه أباه سيدا وابن سيّد
[المأمون والطعام]
«١٤٨» - وضع على مائدة المأمون يوم عيد أكثر من ثلاثمائة لون، فكان يذكر منفعة كلّ لون ومضرّته وما يختصّ به، فقال يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين، إن خضنا في الطبّ فأنت جالينوس في معرفته، أو في النجوم فأنت هرمس في حسابه، أو في الفقه فأنت عليّ بن أبي طالب في علمه، أو في السخاء فأنت حاتم في صفته، أو في صدق الحديث فأنت أبو ذرّ في لهجته، أو في الوفاء
стр. 1441
فأنت السموأل بن عاديا في وفائه، فسرّ بكلامه وقال: يا أبا محمد إنّ الإنسان إنما يفضل غيره بعقله، ولولا ذاك لم يكن لحم أطيب من لحم، ولا دم أطيب من دم.
«١٤٩» - قيل لفيلسوف: فلان يحسن القول فيك، قال: سأكافيه. قيل:
بماذا؟ قال: بأن أحقّق قوله.
[مدح هشام بن عبد الملك]
«١٥٠» - مدح رجل هشام بن عبد الملك فقال: يا هذا إنه قد نهي عن مدح الرجل في وجهه، فقال له: ما مدحتك، وإنما ذكرت نعم الله عليك لتجدّد لها شكرا.
أشار هشام بن عبد الملك إلى الخبر عن النبيّ ﷺ : إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب؛ قال العتبي: هو المدح الباطل والكذب، وأما مدح الرجل بما هو فيه فلا بأس به، وقد مدح أبو طالب والعباس وكعب وحسّان وغيرهم رسول الله ﷺ ولم يبلغنا أنه حثا في وجوههم ترابا. ومدح هو ﷺ المهاجرين والأنصار، ومدح نفسه وقال: أنا سيّد ولد آدم. وقال يوسف ﵇ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
(يوسف: ٥٥) . وفي حثو التراب معنيان [١] : أحدهما التغليظ في الردّ عليه، والثاني: أن يقال له بفيك التراب.
«١٥١» - قال أنوشروان: من أثنى عليك بما لم توله، فغير بعيد أن يرميك [٢] بما لم تجنه.
стр. 1442
«١٥٢» - وقال وهب بن منبه: من مدحك بما ليس فيك فلا تأمن أن يذمّك بما ليس فيك.
«١٥٣» - وقال شاعر: [من الوافر]
إذا ما المدح سار بلا نوال ... من الممدوح كان هو الهجاء
«١٥٤» - القاسم بن أمية بن أبي الصلت الثقفي: [من الكامل]
قوم إذا نزل الحريب بدارهم ... تركوه ربّ صواهل وقيان
وإذا دعوتهم ليوم كريهة ... سدّوا شعاع الشمس بالخرصان
لا ينقرون الأرض عند سؤالهم ... لتطلّب العلّات بالعيدان
بل يبسطون وجوههم فترى لها ... عند السؤال كأحسن الألوان
[الطرب على الثناء الحسن]
«١٥٥» - حكى الجاحظ عن إبراهيم بن السندي: قلت في أيام ولايتي الكوفة لرجل من وجوهها كان لا يجفّ لبده، ولا يستريح قلمه، ولا تسكن حركته في طلب حوائج الناس وإدخال السرور على قلوبهم، والمرافق على الضعفاء، وكان عفيف الطّعمة، وجيها مفوّها: خبّرني عما هوّن عليك النّصب، وقوّاك على التّعب، قال: قد والله سمعت غناء الأطيار بالأسحار على الأشجار وسمعت خفق الأوتار، وتجاوب العود والمزمار، فما طربت من صوت حسن كطربي من ثناء حسن على رجل قد أحسن، فقلت: لله أبوك، لقد حشيت كرما.
стр. 1443
[مدحه وهو معزول]
«١٥٦» - قيل للجمل المصريّ: هلّا مدحت سليمان بن وهب وهو وال، ومدحته وهو معزول، فقال: عزله أكرم من ولاية غيره، وإنما أمدح كرمه لا عمله، وكرمه معه عمل أم عزل.
«١٥٧» - المخبّل السعديّ: [من البسيط]
إني رأيت بني سعد بفضلهم ... كلّ شهاب على الأعداء مصبوب
إلى تميم حماة العزّ نسبتهم ... وكلّ ذي حسب في الناس منسوب
قوم إذا صرّحت كحل بيوتهم ... عزّ الذليل ومأوى كلّ قرضوب [١]
ينجيهم من دواهي الشرّ إن أزمت ... صبر عليها وفيض غير محسوب
«١٥٨» - ذو الرّمّة: [من الطويل]
يطيب تراب الأرض أن تنزلوا بها ... وتختال أن تعلو عليها المنابر
وما زلت تسمو للمعالي وتجتبي ... جبا المجد مذ شدّت عليك المآزر
إلى أن بلغت الأربعين فألقيت ... إليك جماهير الأمور الأكابر
فأحكمتها لا أنت في الحكم عاجز ... ولا أنت فيها عن هدى الحقّ جائر
«١٥٩» - أبو نواس: [من الطويل]
إليك ابن مستنّ البطاح رمت بنا ... مقابلة بين الجديل وشدقم [٢]
مهاري إذا أشرعن بحر مفازة ... كرعن جميعا في إناء مقسّم
стр. 1444
نفخن اللّغام الجعد ثم ضربنه ... على كلّ خيشوم نبيل المخطّم
حدابير ما ينفكّ في حيث برّكت ... دم من أظلّ أو دم من مخدّم [١]
[أشعار متتابعة في المدح]
«١٦٠» - ابن الرومي من غرائب معانيه: [من الكامل]
ما أنت بالمحسود لكن فوقه ... إنّ المبين الفضل غير محسّد
يتحاسد القوم الذين تقاربت ... طبقاتهم وتقاربوا في السؤدد [٢]
فإذا أبرّ كريمهم وبدا لهم ... تبريزه في فضله لم يحسد
«١٦١» - الشريف الرضي: [من المنسرح]
يا مخرس الدهر عن مقالته ... كلّ زمان عليك متّهم
شخصك [٣] في وجه كلّ داجية ... ضحى وفي كلّ مجهل علم
«١٦٢» - القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز: [من الوافر]
معادن حكمة وغيوث جدب ... وأنجم خبرة وصدور ناد
١٦٣- آخر: [من البسيط]
تخالف الناس إلّا في محبّته ... كأنّما بينهم في ودّه رحم
стр. 1445
١٦٤- وقال آخر: [من الكامل]
فرواؤه ملء العيون وفضله ... ملء القلوب وسيبه ملء اليد
«١٦٥» - وقال أبو الحسن السلامي: [من الطويل]
إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر
وكنت وعزمي والظلام وصارمي ... ثلاثة أشباه كما اجتمع النسر
وبشّرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر
«١٦٦» - وقال: [من البسيط]
وليلة لا ينال الفكر آخرها ... كأنّما طرفاها الصبر والجزع
أحييتها ونديمي في الدجى أمل ... رحب الذّرى وسميري خاطر صنع
حتى تبسّم إعجابا بزينته ... لفظ بديع ومعنى فيك مخترع
«١٦٧» - محمد بن خليفة السّنبسي من شعراء عصرنا: [من الطويل]
جميل المحيّا والفعال كأنّما ... تمنّته أمّ المجد لما تمنّت
«١٦٨» - ومن شعره يمدح صدقة بن منصور بن دبيس بن مزيد [١] :
[من الطويل]
إذا زرته لم تلق من دون نيله [٢] ... حجابا ولم تدخل عليه بشافع
стр. 1446
كماء الفرات الجمّ أعرض ورده ... لكلّ أناس فهو سهل الشّرائع
تراه إذا ما جئته متهللا ... تهلّل أبكار الغيوث الهوامع [١]
١٦٩- ومن مديحه في محمد بن صدقة: [من الطويل]
فتى مثل صدر الرمح يهفو قميصه ... على ليّن الأعطاف كالغصن النّضر
إذا ما مدحناه تبلّج وجهه ... تبلّج إيماض السحاب على القطر
وتأخذه عند الندى أريحيّة ... كما اهتزّ غصن البان في الورق الخضر
قليل رقاد العين ثبت جنانه ... أخو عزمات لا ينام على وتر
«١٧٠» - محمد بن الحسين الآمدي [٢] من أهل النيل: [من الطويل]
من القوم لما استغرب المجد غيرهم ... من الناس أمسوا فيه فوق الغوارب [٣]
إذا سالموا كانوا صدور مراتب ... وإن حاربوا كانوا قلوب مواكب
جواد مدى لو رامت الريح شأوه ... كبت دون مرمى خطوه المتقارب
وبحر ندى لو زاره البحر حدّثت ... عجائبه عن فعله بالعجائب
[عبد الله بن الزبير وأبو صخر]
«١٧١» - لما ظهر عبد الله بن الزبير بالحجاز وغلب عليها بعد موت يزيد بن معاوية، وتشاغل بنو أمية بالحرب بينهم في مرج راهط وغيره، دخل عليه أبو صخر الهذلي [٤] في هذيل وقد جاءوا ليقبضوا عطاءهم، وكان عارفا بهواه في بني
стр. 1447
أمية، فمنعه عطاءه فقال له: علام تمنعني حقّا لي، وأنا امرؤ مسلم ما أحدثت في الإسلام حدثا، ولا أخرجت من طاعة يدا، قال: عليك ببني أمية فاطلب عندهم عطاءك. قال: إذن أجدهم سباطا أكفّهم، سمحة أنفسهم، بذلا لأموالهم، وهّابين لمجتديهم، كريمة أعراقهم، شريفة أصولهم، زاكية فروعهم، قريبا من رسول الله ﷺ وعلى آله نسبهم وسببهم، ليسوا إذا نسبوا بأذناب ولا وشائط ولا أتباع، ولا هم من قريش كفقعة القاع، لهم السؤدد في الجاهليّة والملك في الإسلام، لا كمن لا يعدّ في عيرها ولا نفيرها، ولا حكم آباؤه في نقيرها ولا قطميرها، ليس من أحلافها المطّيّبين، ولا من ساداتها المطعمين، ولا جودائها [١] الوهّابيين، ولا من هاشمها المنتخبين، ولا عبد شمسها المسوّدين، وكيف تقاس الرءوس بالأذناب، وأين النّصل من الجفن، والسّنان من الزّجّ، والذّنابى من القدامى، وكيف يفضّل الشحيح على الجواد، والسّوقة على الملك، والمجيع بخلا على المطعم فضلا؟! فغضب ابن الزبير حتى ارتعدت فرائصه وعرق جبينه، واهتزّ من فرعه إلى قدمه، وامتقع لونه ثم قال: يا ابن البوّالة على عقبيها، يا جلف، يا جاهل، أما والله لولا الحرمات الثلاث: حرمة الإسلام، وحرمة الحرم، وحرمة الشهر الحرام لأخذت الذي فيه عيناك؛ ثم أمر به إلى سجن عارم.
وله بعد ذلك خبر مع عبد الملك حين ملك وقتل ابن الزبير، ليس هذا موضع ذكره.
[مديح أعرابي]
«١٧٢» - مدح أعرابيّ رجلا فقال: هو والله فصيح النسب، فسيح الأدب، من أيّ أقطاره أتيته انثنى إليك بكرم المقال وحسن الفعال.
стр. 1448
[بدائع من مدائح المتنبي]
«١٧٣» - وهذه بدائع من مدائح المتنبي وأمثال شوارد من شعره، جمعتها متصلة متتالية: [من البسيط]
ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليب وأهل الأعصر الأول
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل
وقد وجدت مكان القول ذا سعة ... فإن وجدت لسانا قائلا فقل
«١٧٤» - وله في سيف الدولة: [من الطويل]
ولما تلقّاه السّحاب بصوبه ... تلقّاه أعلى منه كعبا وأكرم
فباشر وجها طال ما باشر القنا ... وبلّ ثيابا طال ما بلّها الدم
تلاك وبعض الغيث يتبع بعضه ... من الشام يتلو الحاذق المتعلّم
وكلّ فتى للحرب فوق جبينه ... من الضّرب سطر بالأسنّة معجم
ومنها:
وأدّبها طول الطّراد [١] فطرفه ... يشير إليها من بعيد فتفهم
تجانف عن ذات اليمين كأنّها ... ترقّ لميافارقين وترحم
ولو زحمتها بالمناكب زحمة ... درت أيّ سوريها الضعيف المهدّم
على كلّ طاو تحت طاو كأنّه ... من الدم يسقى أو من اللحم يطعم
لها في الوغى زيّ الفوارس فوقها ... فكلّ حصان دارع متلثّم
وما ذاك بخلا بالنفوس على القنا ... ولكنّ صدم الشرّ بالشرّ أحزم
стр. 1449
ومنها:
أخذت على الأرواح كلّ ثنيّة ... من العيش تعطي من تشاء وتحرم
فلا موت إلا من سنانك يتّقى ... ولا رزق إلّا من يمينك يقسم
«١٧٥» - وله: [من الطويل]
ألذّ من الصهباء بالماء ذكره ... وأحسن من يسر تلقّاه معدم
سنيّ العطايا لو رأى نوم عينه ... من اللّوم آلى أنّها لا تهوّم
«١٧٦» - وله: [من الكامل]
قاد الجياد إلى الطّعان ولم يقد ... إلّا إلى العادات والأوطان
كلّ ابن سابقة يغير بحسنه ... في قلب صاحبه على الأحزان
إن خلّيت ربطت بآداب الوغى ... فدعاؤها يغني عن الأرسان
في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنما ينظرن بالآذان
يرمي بها البلد البعيد مظفّر ... كلّ البعيد له قريب دان
ومنها:
المخفرين بكلّ أبيض صارم ... ذمم الدروع على ذوي التيجان
متصعلكين على كثافة ملكهم ... متواضعين على عظيم الشان
يتقيّلون ظلال كلّ مطهّم ... أجل الظليم وربقة السّرحان
ومنها:
وفوارس يحيي الحمام نفوسها ... فكأنّها ليست من الحيوان
ما زلت تضربهم دراكا في الذرى ... ضربا كأنّ السيف فيه اثنان
стр. 1450
خصّ الجماجم والوجوه كأنّما ... جاءت إليك جسومهم بأمان
رفعت بك العرب العماد وصيّرت ... قمم الملوك مواقد النيران
أنساب فخرهم إليك وإنما ... أنساب أصلهم إلى عدنان
يا من يقتّل من أراد بسيفه ... أصبحت من قتلاك بالإحسان
«١٧٧» - وقال: [من الطويل]
وما كنت ممّن أدرك الملك بالمنى ... ولكن بأيّام أشبن النّواصيا
عداك تراها في البلاد مساعيا ... وأنت تراها في السماء مراقيا
لبست لها كدر العجاج كأنما ... ترى غير صاف أن ترى الجوّ صافيا
وقدت إليها كلّ أجرد سابح ... يؤدّيك غضبانا ويثنيك راضيا
«١٧٨» - محمد بن أحمد الحرون [١] يمدح ويستزيد ويصف شعره:
[من البسيط]
يا مؤنس الملك والأيام موحشة ... ورابط الجأش والآجال في وجل
ما لي وللأرض لم أوطن بها وطنا ... كأنّني بكر معنى سار في مثل
لو أنصف الدهر أو لانت معاطفه ... أصبحت عندك ذا خيل وذا خول
لله لؤلؤ ألفاظ أساقطها ... لو كنّ للغيد لاستأنسن بالعطل
ومن عيون معان لو كحلت بها ... نجل العيون لأغناها عن الكحل
سحر من الفكر لو دارت سلافته ... على الزمان تمشّى مشية الثّمل
стр. 1451
[شعراء آخرون]
«١٧٩» - إدريس بن أبي حفصة: [من البسيط]
أمامها منك نور يستضاء به ... ومن رجائك في أعجازها حاد
لها أحاديث من جدواك تذهلها ... عن الربوع وتلهيها عن الزاد
١٨٠- آخر: [مجزوء الوافر]
فتى ما شئت من أدب [١] ... يزين فعاله الكرم
إذا أثرى فليس يضي ... ع في أمواله الذّمم
وإن قعد الزّمان به ... أقامت نفسه الهمم
رفيع [٢] القدر متّسع ... تحبّ جواره النّعم
وما نزلت به النّكبا ... ت إلّا وهو مبتسم
يهوّنها وإن عظمت ... ويعلم أنّها قسم
«١٨١» - محمد بن هانىء: [من الطويل]
أغير الذي قد خطّ في اللّوح أبتغي ... مديحا له إنّي إذن لعنود
وما يستوي وحي من الله منزل ... وقافية في الغابرين شرود
«١٨٢» - وقال أيضا: [من الطويل]
مقلّد وضّاء [٣] من الحقّ صارم ... ووارث مسطور من الآي محكم
стр. 1452
غنيّ بما في الطبع عن مستفاده ... له كرم الأخلاق دون التكرّم
إذا جمح الأعداء ردّ جماحهم ... إلى جذع يزجي الحوادث أزلم
فسار بهم سير الكواكب لينة [١] ... وشلّهم شلّ الطليح المسدّم
لقد رتعت آمالنا من جنابه ... بغير وبيّ المكرع المتوخّم
بحيث يكون الماء غير مكدّر ... وحيث يكون الحوض غير مهدّم
«١٨٣» - وقال أيضا: [من الطويل]
أطافت بخرق يسبق القول فعله ... فليس ليوميه وعيد ولا وعد
وليس له في غير طرف أريكة ... وليس له في غير سابغة سرد
فتى يشجع الرّعديد من ذكر بأسه ... ويشرف من تأميله الرجل الوغد
[الجاحظ يمدح الكتاب]
«١٨٤» - الجاحظ في مدح كتاب: متى رأيت بستانا يحمل [٢] في ردن، أو روضة تتقلّب [٣] في حجر؟ من لك بزائر إن شئت جعل زيارته غبّا، ووروده خمسا، وإن شئت لزمك لزوم الظلّ، وكان منك مكان بعضك؟ الكتاب هو الذي إن نظرت فيه بجّح نفسك، وعمّر صدرك، وعرفت به في شهر ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر. ولو لم يكن من فضله عليك وإحسانه إليك، إلّا منعه لك من الجلوس على بابك والنظر إلى المارّة بك، مع ما في ذلك من التعرّض
стр. 1453
للحقوق التي تلزم، ومن فضول النظر، ومن عادة الخوض [فيما لا يعنيك] ، ومن حضور ألفاظ الناس الساقطة ومعانيهم الفاسدة، وأخلاقهم الردية، وجهالاتهم المذموتة، لكان في ذلك السلامة ثم الغنيمة.
«١٨٥» - خطب رجل جارية فردّ عنها وقيل: أما سمعت ما قيل فيها:
[من البسيط]
يظلّ خطّابها ميلا عمائمهم ... كأنّ أنضاءها أنضاء حجاج
لها أب سيّد ضخم وإخوتها ... مثل الأسنّة يستثنيهم الهاجي
«١٨٦» - شاعر يمدح مناظرا: [من الطويل]
إذا قال بذّ القائلين مقاله ... ويأخذ من أكفائه بالمخنّق
«١٨٧» - آخر في مثله: [من الكامل]
يتقارضون إذا التقوا في مجلس ... نظرا يزيل مواضع الأقدام
«١٨٨» - البحتري: [من الكامل]
أحضرتهم حججا لو اجتلبت بها ... عصم الجبال لأقبلت تتنزّل
«١٨٩» - أبو تمام: [من البسيط]
ثبت الخطاب إذا اصطكّت بمظلمة ... في رحله ألسن الأقوام والرّكب
стр. 1454
لا المنطق اللغو يزكو في مقاومه ... يوما ولا حجّة الملهوف تستلب
«١٩٠» - الأنصاري: [من الطويل]
مجالسهم خفض الحديث وقولهم ... إذا ما قضوا في الأمر وحي المخاصر
«١٩١» - نظر الحسن بن رجاء إلى خطّ حسن فقال: هو متنزّه الألحاظ، ومجتنى الألفاظ.
«١٩٢» - ونظر أعرابيّ كاتبا يكتب بين يدي المأمون فقال: ما رأيت أطيش من قلمه، ولا أثبت من حلمه.
«١٩٣» - ابن المعتزّ: [من الطويل]
إذا أخذ القرطاس خلت يمينه ... تفتّح نورا أو تنظّم جوهرا
«١٩٤» - قيل لبعضهم: كيف ترى إبراهيم الصولي؟ فقال: [من البسيط]
يولّد [١] اللؤلؤ المنثور منطقه ... وينظم الدرّ بالأقلام في الكتب
стр. 1455
١٩٥- قال عبد الملك لغيلان: أخبرني عن أفضل البنين فقال: الساتر البارّ، المأمون منه العار. قال: فأفضل البنات. قال: المتعجّلة إلى القبر، المفيدة أباها سنيّ الأجر. قال: فأفضل الإخوان. قال: الشديد العضد، الكريم المشهد، الذي إذا شهد سرّك، وإذا غاب برّك. قال: فأفضل الأخوات. قال:
التي لا تفضح أخاها ولا تكسو عارا أباها. فقال عبد الملك: لله أمّ درّت عليك.
стр. 1456
نوادر في المدح
«١٩٦» - قال السريّ الرّفّاء يصف طبيبا: [من السريع]
كأنّه من لطف أفكاره ... يجول بين الدم واللحم
إن غضبت روح على جسمها ... ألّف [١] بين الروح والجسم
«١٩٧» - وقال الجمل المصري في مثله: [من المنسرح]
إذا سقام عراك نازله ... فاندب أبا جعفر لنازله
يعرف ما يشتكيه صاحبه ... كأنما جال في مفاصله
١٩٨- وقال أبو الحسن التغلبيّ في مدح الصغار: [من الكامل]
وإذا رميت بلحظ طرفك في العلا ... نجما صغيرا فهو فوق الأنجم
وصغيرة الخمس الأصابع إنّها ... أولى بزينة خاتم المتختّم
والرمح أصغر عقدة فيه التي ... عند السنان وذاك صدر اللهذم
وكذلك الدينار يصغر حجمه ... وهو الثمين تراه فوق الدرهم
стр. 1457
«١٩٩» - وقال سويد بن أبي كاهل يمدح وضحا: [من الرمل]
هو زين الوجه للمرء كما ... زيّن الطّرف تحاسين البلق
«٢٠٠» - ومثله لعليّ بن جبلة: [من البسيط]
الناس كالخيل إن ذمّوا وإن مدحوا ... قدر الشباب كذا الأوضاح في الناس
«٢٠١» - عقبة الأسديّ يقوله لهند بنت أسماء لما تزوجها الحجاج:
[من الوافر]
جزاك الله يا أسماء خيرا ... كما أرضيت فيشلة الأمير
بصدع قد يفوح المسك منه ... عليه مثل كركرة البعير
إذا أخذ الأمير بمثعبيها [١] ... سمعت لها أزيزا كالصرير
إذا نفحت بأرواح تراها ... تجيد الرهز من فوق السرير
«٢٠٢» - نزل أبو نخيلة بسليمان بن صعصعة فأمر غلامه أن يتعاهده، فكان يغاديه ويراوحه بالخبز واللحم، فقال يمدح الخباز: [من الرجز]
بارك ربّي فيك من خبّاز ... ما زلت مذ كنت على أوفاز
تنصبّ باللحم انصباب البازي
стр. 1458
٢٠»
- ونزل أبو نخيلة على الربيع فأمر غلامه السائس أن يتفقّد فرسه، فمدح الربيع بأرجوزة، ومدح فيها معه سائسه فقال: [من الرجز]
لولا أبو الفضل ولولا فضله ... ما اسطيع باب لا يسنّى قفله
ومن صلاح راشد إصطبله ... نعم الفتى وخير فعل فعله
يسمن منه طرفه وبغله
فضحك الربيع وقال له: يا أبا نخيلة، أترضى أن تقرن بي السائس في مديح، كأنك لو لم تمدحه كان يضيع فرسك.
٢٠٤- وقد مدح السوداوي الفارقيّ سائسا بمثل هذا فقال وأجاد:
[من الكامل]
وقّاك ربّك رمح كلّ حصان ... وكفى محسّك طارق الحدثان
وأمنت من حنق الخيول إذا سطت ... وتصاهلت حنقا على الغلمان
فلقد حوت منك الأواخي سيدا ... في طرح مرشحة وحزم بطان
بركات كفّك للبهائم نعمة ... تغني عن الشّعران والأتبان
وإذا كشفت جلالها وتخالفت ... بغرائب الأجناس والألوان
ظنّ المحدّق أنّ بؤبؤ عينه ... متنزّه في روضة البستان
فتبيت نفسك في القماط نزاهة ... من أن يقال غلام رحل فلان
وهي طويلة أنشدنيها الشيخ الزاهد أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الفارقي، قال: أنشدنيها أبو علي ولد شاعرها.
٢٠٥- باع رجل من النمر بن تولب ناقة ثم اجتاز بها وهي خلف باب تحنّ، فسمع صوتها فقال: [من الطويل]
стр. 1459
حلفت يمينا للوضاحيّ برّة ... وأخرى على أمثالها أنا حالف
لقد شاقني تحنان عجلى ودونها ... من البيت قفل مغلق وسقائف
لعمري لئن أصبحت في دار تولب ... يغنّيك بالأسحار ديك مساعف
لقد طالما طوّفت في الشّول لم تري ... دجاجا ولم يعلفك في المصر عالف
فكلّ المطايا بعد عجلى ذميمة ... تلائدها والناجيات الطرائف [١]
فكم من خليل قد أزرت خليله ... وذي كربة نجّيته وهو خائف
فلولا ديون من عروضك قضّيت ... وميرة صبيان وفقر محالف
لكان بعيدا أن تكوني بعيدة ... ولو نقد المال الكثير الصيارف
فلما سمع النمر بذلك أعادها ووهب له ثمنها.
«٢٠٦» - أبو نواس يذكر كلبا: [من الرجز]
أنعت كلبا أهله في كدّه ... قد سعدت جدودهم بجدّه
فكلّ خير عندهم من عنده ... يظلّ مولاه له كعبده
يبيت أدنى صاحب من مهده ... وإن عرى جلّله ببرده
ذا غرّة مجلّلا بزنده ... تلذّ منه العين حسن قدّه
تأخير شدقيه وطول خدّه ... تلقى الظباء عنتا من طرده
يشرب كأس شدّها بشدّه ... يصيدنا عشرين في مرقدّه
يا لك من كلب نسيج وحده
الزّند: عظم الساق هاهنا، وهو في غيره عظم الساعد. ومرقده من الارقاد وهو الإسراع.
стр. 1460
«٢٠٧» - سمع أعرابيّ قوله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً
(التوبة:
٩٧) فامتعض ثم سمع وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
(التوبة: ٩٩) فقال: الله أكبر، هجانا الله ثم عاد مدحنا، وكذلك فعل الشاعر حيث يقول:
[من الطويل]
هجوت زهيرا ثم إني مدحته ... وما زالت الأشراف تهجى وتمدح
«٢٠٨» - أعرابيّ يمدح ماتحا: [من الرجز]
يزعزع الدلو وما يزعزعه ... يكفيه من جمع البنان إصبعه
تكاد آذان الدلاء تتبعه
«٢٠٩» - دخل بدويّ حماما فاستطابه فقال لصاحبه: [من الرمل المجزوء]
إنّ حمّامك هذا ... غير مذموم الجوار
ما رأينا قبل هذا ... جنّة في وسط نار
«٢١٠» - رفع إلى الحسن بن سهل أنّ الدواب وبئت فماتت ببغداد فوقّع بقتل الكلاب، فقال أبو العواذل: [من الوافر]
له يومان من خير وشرّ ... يسلّ السيف فيه من القراب
فأما الجود فيه فللنصارى ... وأمّا شرّه فعلى الكلاب
وكانت أكلت لحوم الدوابّ فكلبت على الناس فاضطروا إلى قتلها وعلموا معنى توقيع الحسن.
стр. 1461
٢١١- شتم رجل الأرضة فقال له بكر بن عبد الله المزني: مه فهي التي أكلت الصحيفة التي تعاقد المشركون فيها على رسول الله ﷺ ، إلا ذكر رسول الله ﷺ ، وبها تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ... الآية.
«٢١٢» - وقال السريّ يمدح مزينا: [من المتقارب]
له راحة سيرها راحة ... تمرّ على الرأس مرّ النسيم
إذا لمع البرق في كفّه ... أفاض على الرأس ماء النعيم
٢١٣- وقال آخر يمدح ابن حائك: [من المنسرح]
يا ابن الذي قد زكت صنائعه ... في كلّ مصر بذاك منعوت
لولا مساعي أبيك يرحمه ال ... له لكنّا كصاحب الحوت
«٢١٤» - وقال عتبة الأعور في ابن حجام: [من المنسرح]
أبوك أوهى النجاد عاتقه ... كم من كميّ دمّى ومن بطل
يأخذ من ماله ومن دمه ... لم يمس من ثأره على وجل
«٢١٥» - ركب غيلان بن حرشة الضبيّ مع عبد الله بن عامر بن كريز فمرّا على نهر عبد الله الذي يشق البصرة، فقال عبد الله: ما أصلح هذا النهر لأهل هذا المصر!! قال غيلان: أصلح الله الأمير، يتعلم صبيانهم فيه العوم، وهو لسقائهم ومسيل مياههم، وتأتيهم فيه ميرتهم. ثم مرّ غيلان بعد ذلك وهو يساير زيادا،
стр. 1462
وهو مجانب لابن عامر، فقال زياد: ما أضرّ هذا النهر بأهل هذا المصر. قال غيلان: أجل أصلح الله الأمير، تنزّ منه دورهم، وتغرق فيه صبيانهم، ومن أجله يكثر بعوضهم. فصرف غيلان لسانه مدحا وذمّا كما شاء.
٢١٦- ويشبهه أنّ خالد بن صفوان قال لجاريته: هاتي جبنا فإنه يهيج المعدة ويشهّي الطعام، وهو حمض العرب. قالت: قد كان ونفد. قال: لا عليك، فإنه يقدح في الأسنان، ويستولي على البطن، وهو من عمل أهل الذمة.
«٢١٧» - أثنى رئيس وفد على ملك، فإنه لكذلك إذ أفلتت منه ضرطة، فالتفت إلى استه وقال يخاطبها: مثل هذا الملك يصلح أن يثننى عليه بجميع الجوارح، ولكن إذا رأيت اللسان يتكلّم فاسكتي أنت. فضحك الملك وقضى حوائجهم.
٢١٨- حدثني أبو المكارم محمد بن الحسين الآمدي الشاعر قال: حضرت مرجّى بن نبيه خال ابن أبي الخير صاحب البطيحة، وكان هجّاء خبيث اللسان، وقد قال لعمر القلانسي وهو أكبر قوّاد البطيحة: إني قد مدحتك يا أصفهسلّار بشعر جيد، فقال: أسمعنيه فقال: [من مخلع البسيط]
في عمر ألف ألف خير ... تمحو له ألف ألف ذنب
فقال له في النصف الأول: تقول بفضلك هذا، فلما أتمّ البيت قال له: بشّرك الله بخير، فقال مرجّى:
واحدة أنه حمار ... بغير مكر وغير خبّ
فقال له عمر: صدقت، والله ما عندي لا خبّ ولا مكر، ولو مدحتني بهذا
стр. 1463
بمحضر الأمير، يعني ابن أبي الخير، لكان أنفع لي وأوقع عندي.
«٢١٩» - قال ابن كناسة: لما جاءت المسوّدة سخّروا المستهلّ بن الكميت بن زيد وحملوا عليه حملا ثقيلا وضربوه، فمرّ ببني أسد فقال: أترضون أن يفعل بي هذا الفعل؟ فقالوا: هؤلاء الذين يقول فيهم أبوك: [من الخفيف]
والمصيبون باب ما أخطأ النا ... س ومرسو قواعد الإسلام
قد أصابوا فيك فلا تكذب أباك.
«٢٢٠» - سأل رجل أبا أيوب المكي، وهو يتولّى ديوان الخراج أيام المنصور، حاجة فمنعه منعا قبيحا، فقال له أحد جلسائه: قد وفّقت، فإنّ هذا الرجل قوّاد، فقال له: وهذا عندك عيب؟! قال: وأيّ عيب أكبر منه [١] ؟ قال أبو أيوب: أتدري ما كانت العرب تسمّي القواد وما هو عندهم؟ قال: لا أدري.
قال أبو أيوب: كانوا يسمّونه الحكيم، وذلك أنه يأتي إلى الصعب يذلّله، والحزن يسهّله، والبعيد يقرّبه، والقريب فيباعده، والخائف فيؤمّنه، والجازع فيصبّره، والآيس فيطمعه، والمغلق فيفتحه، والمتحيّر فيرشده، والضعيف فيؤيّده، يحيي نفسين، ويجمع بين محبّين، وله يتطأطأ الممتنع، ويبرز المصون المحتجب، وبه يسهل الصعب المتوعّر، وقد مدح عمر بن أبي ربيعة قوادة فقال:
[من الرمل]
فأتتها طبّة عالمة ... تخلط الجدّ مرارا باللعب
стр. 1464
تغلظ القول إذا لانت لها ... وتراخي عند سورات الغضب
وقال آخر: [من البسيط]
في فمها من رقى إبليس مفتاح
وقال ابن الرومي: [من الرمل المجزوء]
لو يشا ألّف ضبا ... حسن تأليف بحوت
ويقود الجمل الصع ... ب بخيط العنكبوت
وقال آخر: [من الوافر]
يقود من الفراهة ألف بغل ... بها حرن بخيط العنكبوت
وقال الفرزدق: [من الطويل]
فغلغل [١] وقّاع إليها فأقبلت ... تخوض [٢] خداريّا من الليل أخضرا
لطيف إذا ما انفكّ [٣] أدرك ما ابتغى ... إذا هو للظبي [٤] المخوف تقتّرا
يزيد على ما كنت أوصيته به ... فإن ناكرته لان ثمّت أنكرا
«٢٢١» - قال الأصمعي: كنت بالبادية، فرأيت امرأة تبكي على قبر وتقول:
[من المتقارب]
стр. 1465
فمن للسّؤال ومن للنّوال ... ومن للمقال ومن للخطب
ومن للحماة ومن للكماة ... إذا ما الكماة جثوا للرّكب
إذا قيل مات أبو مالك ... فتى المكرمات قريع العرب
قال: فملت إليها فقلت: من هذا الذي مات هؤلاء الخلق بموته؟ فقالت:
أما تعرفه؟ قلت: اللهمّ لا. فأقبلت ودموعها تنحدر، وإذا هي مقّاء برشاء ثرماء، فقالت: فديتك، هذا أبو مالك الحجّام ختن أبي منصور الحائك.
فقلت: عليك لعنة الله، والله ما ظننت إلّا أنّه سيّد من سادات العرب.
стр. 1466
الفصل الأول في الشكر
[أقوال في الشكر]
«٢٢٢» - قيل: اشكر المنعم عليك، وأنعم على الشاكر لك، تستوجب من ربّك الزيادة، ومن أخيك المناصحة.
«٢٢٣» - وقال علي بن أبي طالب ﵇: لا يزهدنّك في المعروف من لا يشكرك عليه، فقد يشكرك عليه من لا يستمتع بشيء منه، وقد يدرك من شكر الشاكر أكثر مما أضاع الكافر، والله يحبّ المحسنين.
«٢٢٤» - ومما تعزيه الفرس إلى اسفنديار: الشكر أفضل من النعمة لأنه يبقى وتلك تفنى.
«٢٢٥» - وقال موسى بن جعفر: المعروف غلّ لا يفكّه إلا المكافأة أو الشكر.
«٢٢٦» - وقال أيضا: قلة الشكر تزهّد في اصطناع المعروف. (وليس في هذا مناقضة لكلام جده علي ﵇ لأنه فيما أخبر عن عادة النفس فيه ولم يأمر بالزهد في المعروف لقلة الشكر) .
стр. 1467
«٢٢٧» - وقال رجل لسعيد بن جبير: هذا المجوسيّ يوليني خيرا فأشكره ويسلم عليّ فأردّ عليه، فقال سعيد: سألت ابن عباس عن نحو هذا فقال: لو قال لي فرعون خيرا لرددته عليه.
٢٢٨- وقيل: ارع حقّ من عظمك بغير فاقة إليك، بإعطائه إيّاك ما تحبّ، واستعن على شكره بإخوانك، فإنّ ذلك من حقّ الحريّة عليك.
[أشعار في الشكر]
«٢٢٩» - قال الأخطل: [من البسيط]
لألجأتني قريش خائفا وجلا ... وموّلتني قريش بعد إقتار
المنعمون بنو حرب وقد حدقت ... بي المنية واستبطأت أنصاري
«٢٣٠» - وقال جرير: [من البسيط]
نفسي الفداء لقوم زيّنوا حسبي ... وإن مرضت فهم أهلي وعوّادي
إن يجر طير بأمر فيه عافية ... أو بالفراق فقد أحسنتم زادي
«٢٣١» - وقالت امرأة من العرب: [من الكامل المرفل]
كم نعمة لك أخرست كرما ... صرف الزمان وألسن العسر
ألبستني نعما خلعت بها ... عني ثياب مذلّة الفقر
ماذا أقول لمن محاسنه ... غطّت عليّ مساوىء الدهر
«٢٣٢» - وقال أبو نخيلة: [من الطويل]
أمسلم إنّي يا ابن كلّ خليفة ... ويا جبل الدنيا ويا زينة الأرض
стр. 1468
شكرتك إنّ الشكر حبل من التقى ... وما كلّ من أوليته نعمة يقضي
ونبهت لي ذكري وما كان خاملا ... ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض
«٢٣٣» - وقال آخر: [من الطويل]
سأشكر عمرا ما تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلّت
رأى خلّتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلّت
«٢٣٤» - وقال يزيد المهلبي: [من الطويل]
رهنت يدي بالعجز عن نيل شكره ... وما فوق شكري للشكور مزيد
ولو كان مما يستطاع استطعته ... ولكنّ ما لا يستطاع شديد
«٢٣٥» - وقال أبو تمام: [من السريع]
كم نعمة منك تسربلتها ... كأنها طرّة برد قشيب
من اللواتي إن ونى شاكر ... قامت لمسديها مقام الخطيب
نظر فيه إلى قول نصيب: [من الطويل]
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
стр. 1469
«٢٣٦» - وقال عمارة بن عقيل: [من الطويل]
بدأتم فأحسنتم فأثنيت جاهدا ... فإن عدتم أثنيت والعود أحمد
[رسائل في الشكر]
«٢٣٧» - كتب رجل إلى بعض الملوك: حمّلت حاجتي فلانا لا أنّ شكري ضعف عن حمل أياديك، بل أحببت أن يكون إخواني أعوانا على شكرك، وشهودا على فضلك.
٢٣٨- وكان جعفر بن يحيى يصل القاسم بن يحيى البصري ويلاطفه ويبرّه، ويكاتبه برقاع مختصرة مختومة، فيجيبه برقاع مستوفاة منشورة، فقال له الواشي: إنّ فلانا يريد الزّراية عليك بما تفعله في مكاتبتك. فقدح ذلك فيه عنده فعاتبه عليه، فقال القاسم: أيها الوزير، رقاعك تشمل على برّ ورقاعي تشمل على واجب شكر، وأنت تكتم تفضّلك، وأنا أنشر تطوّلك، وقال: [من الطويل]
وكم لك عندي من عطاء أذيعه ... بجودك في الدنيا فإنك ساتره
ومن نائل أوليتنيه مهنّأ ... فلا أنا أنساه ولا أنت ذاكره
«٢٣٩» - وقال أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة المهلبي: [من البسيط]
يا ذا اليمينين قد أوليتني مننا ... تترى هي الغاية القصوى من المنن
ولست أسطيع من شكر أجيء به ... إلّا استطاعة ذي روح وذي بدن
لو كنت أعرف فوق الشكر منزلة ... أوفى من الشكر عند الله في الثمن
أخلصتها لك من قلبي مهذّبة ... حذوا على مثل ما أوليت من حسن
стр. 1470
«٢٤٠» - وقال الحسن بن هانىء: [من الكامل المرفل]
قد قلت للعبّاس معتذرا ... من ضعف [١] شكريه ومعترفا
أنت امرؤ جلّلتني نعما ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا
لا تسدينّ إليّ عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
«٢٤١» - وقال الحسين بن الضحاك للواثق من أبيات: [من الطويل]
إذا كنت من جدواك في كلّ نعمة ... فلا كنت إن لم أفن عمري بشكركا
فقال الواثق: لله درّك يا حسين ما أقرب قلبك من لسانك، فقال: يا أمير المؤمنين، جودك ينطق المفحم بالشعر، والجاحد بالشكر.
٢٤٢- كتب أبو إسحاق الصابي إلى الصاحب أبي القاسم ابن عباد من كتاب: كتبت وليس مني جارحة إلّا ناطقة بشكرك وحمدك، ولا في الدهر جارحة إلا عافية بفضلك ورفدك، وأنا مستمرّ على دعائي لك لو خلوت من أن يكون عائدا بصلاحي ورائشا لجناحي لالتزمته عن الأحرار العائشين في نداه، المستظلّين بذراه، فكيف وأنا أول سائم في مراتعه، ووارد لشريعته.
٢٤٣- كاتب: فإنّ الشكر تجارة رابحة جعله الله مفتاحا لخزائن رزقه، وبابا إلى مزيد فضله، فأقيموا لله تجارة الشكر يقم لكم أرباح المزيد، فإنّ الله يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
(إبراهيم: ٧) .
стр. 1471
٢٤٤- آخر: الحمد لله الذي حقّق أملي فيك، وصدّق ظنّي بك، وذخر المنّة وأخّرها حتى كانت منك، وخصّك بوضع الصنيعة عندي، ودفع المكروه، فلم يسبقك أحد إلى الإحسان إليّ، ولم يحاصّك في الإنعام عليّ، ولم تنقسم الأيادي بشكري فهو لك موفّر عتيد، ولم يخلق وجهي فهو بك مصون جديد، ولم يزل ذمامي مضاعا حتى رعيته، وحقّي مبخوسا حتى قضيته، وأنصفتني من دهر طالما ظلمني، ووترني وعدل بالحظّ عني، وأنقذتني من لؤم غلبته، وأجرتني من تعدّيه وسطوته، وسررت بي الوليّ الودود، وأرغمت بي العدوّ الحسود، وأخذت بيدي من المذلّة، وأنهضتني من العثرة، ورفعت أملي بعد انخفاضه، وبسطت رجائي بعد انقباضه، فلست أعتدّ يدا إلا لك، ولا معروفا إلّا منك، ولا أوجّه رغبة إلّا إليك، فصانك الله عن شكر ما سواه، كما صنتني عن شكر من سواك، وبلّغك من الدنيا والآخرة غاية أملك ومنتهى رضاك.
٢٤»
- قال إسماعيل بن غزوان: لا تثقنّ بشكر من تعطيه حتى تمنعه، فالصابر هو الذي يشكر، والجازع هو الذي يكفر.
[عود إلى الشعر]
«٢٤٦» - وقال البحتري: [من الطويل]
إذا أنا لم أشكر لنعماك جاهلا ... فلا نلت نعمى بعدها توجب الشكرا
«٢٤٧» - وقال أيضا: [من الطويل]
ألنت لي الأيام من بعد قسوة ... وعاتبت لي دهري المسيء فأعتبا
стр. 1472
وألبستني النّعمى التي غيّرت أخي ... عليّ فأضحى نازح الودّ أجنبا
فلا فزت من مرّ الليالي براحة ... إذا أنا لم أصبح بشكرك متعبا
وتمثّل بهذه الأبيات شرف الدين أبو القاسم علي بن طراد الزينبي لما خلع عليه المسترشد وقلّده وزارته.
«٢٤٨» - وقال آخر: [من الوافر]
ولي في راحتيك غدير نعمى ... صفت جنباه واطّرد الحباب
وظلّ لا يمازجه هجير ... وصحو لا يكدّره ضباب
وأيام حسنّ لديّ حتى ... تساوى الشّيب فيها والشباب
«٢٤٩» - وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: [من الكامل]
إني لشاكر أمسه ووليّه ... في يومه ومؤمل منه غدا
«٢٥٠» - وقال أبو فراس ابن حمدان: [من الطويل]
وإنّك للمولى الذي بك أقتدي ... وإنّك للنجم الذي بك أهتدي
وأنت الذي بلّغتني كلّ رتبة [١] ... مشيت إليها فوق أعناق حسّدي
فيا ملبسي النّعمى التي جلّ قدرها ... لقد أخلقت تلك الثياب فجدّد
«٢٥١» - وقال إبراهيم بن المهدي: [من البسيط]
ما زلت في سكرات الموت مطّرحا ... ضاقت عليّ وجوه الأمر والحيل
стр. 1473
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي أجلي
«٢٥٢» - وقال آخر: [من البسيط]
وكيف أنساك لا نعماك واحدة ... عندي ولا بالذي أوليت من قدم
«٢٥٣» - قال عبد الأعلى بن حماد الزيني: دخلت على المتوكل فقال: يا أبا يحيى، قد هممنا أن نصلك بخير، فتدافعت الأمور، فقلت: يا أمير المؤمنين:
بلغني عن جعفر بن محمد الصادق: من لم يشكر الهمّة لم يشكر النعمة، وأنشدته البيتين، قال الباهلي: [من البسيط]
لأشكرنّك معروفا هممت به ... إنّ اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إذ لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف
«٢٥٤» - وقال ابن الرومي: [من الكامل]
كم من يد بيضاء قد أسديتها ... تثني إليك عنان كلّ وداد
شكر الإله صنائعا أوليتها ... سلكت مع الأرواح في الأجساد
«٢٥٥» - وقال آخر: [من الطويل]
وأحسن ما قال امرؤ فيك مدحة ... تلاقت عليها منّة وقبول
وشكر كأنّ الشمس تعنى بنشره ... ففي كلّ أرض مخبر ورسول
стр. 1474
«٢٥٦» - وقال البحتري: [من البسيط]
أمّا أياديك عندي فهي واضحة ... ما إن تزال يد منها تسوق يدا
لم لا أمدّ يدي حتى أنال بها ... مدى النجوم إذا ما كنت لي عضدا
«٢٥٧» - وقال السري الرفاء: [من الوافر]
فكنت كروضة سقيت سحابا ... فأثنت بالنسيم على السّحاب
«٢٥٨» - وقال أيضا: [من البسيط]
أصبحت أظهر شكرا عن صنائعه ... وأضمر الودّ فيه أيّ إضمار
كيانع النخل يبدي للعيون ضحى ... طلعا نضيدا ويخفي غضّ جمّار
«٢٥٩» - كتب كاتب: ما أنتهي إلى غاية من شكرك إلّا وجدت وراءها حاديا من برّك، فلا زالت ممدودة بين أمل تبلغه، وأمل فيك تحقّقه، حتى تتملّى من الأعمار أطولها، وتنال من الدرجات أفضلها.
«٢٦٠» - وقال الأقرع بن معاذ القشيري يشكر برّ ابنه: [من الطويل]
رأيت رباطا إذ علتني كبرة ... وشاب لداتي [١] ليس في برّه عتب
إذا كان أولاد الرجال حزازة ... فأنت الحلال الحلو والبارد العذب
стр. 1475
لنا جانب منه دميث وجانب ... إذا رامه الأعداء متلفة [١] صعب
وتأخذه عند المكارم هزّة ... كما اهتزّ تحت البارح الغصن الرّطب
وثوب إلى الأضياف في ليلة الصبّا ... إذا اجتمع السفّار والبلد الجدب [٢]
«٢٦١» - وقال بكير بن الأخنس: [من الطويل]
نزلت على آل المهلّب شاتيا ... غريبا عن الأوطان في زمن محل
ويروى: فقيرا بعيد الدار في سنة محل (زمن المحل)
فما زال بي إلطافهم وافتقادهم [٣] ... وبرّهم حتى حسبتهم أهلي
«٢٦٢» - وقال في كلمة أخرى له: [من الطويل]
وقد كنت شيخا ذا تجارب جمّة ... فأصبحت فيهم كالصبيّ المدلّل
٢٦٣- قيل: إذا قصرت يدك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر.
«٢٦٤» - وقيل: للشكر ثلاث منازل: ضمير القلب، ونشر اللسان، ومكافأة اليد.