٢٤٤- آخر: الحمد لله الذي حقّق أملي فيك، وصدّق ظنّي بك، وذخر المنّة وأخّرها حتى كانت منك، وخصّك بوضع الصنيعة عندي، ودفع المكروه، فلم يسبقك أحد إلى الإحسان إليّ، ولم يحاصّك في الإنعام عليّ، ولم تنقسم الأيادي بشكري فهو لك موفّر عتيد، ولم يخلق وجهي فهو بك مصون جديد، ولم يزل ذمامي مضاعا حتى رعيته، وحقّي مبخوسا حتى قضيته، وأنصفتني من دهر طالما ظلمني، ووترني وعدل بالحظّ عني، وأنقذتني من لؤم غلبته، وأجرتني من تعدّيه وسطوته، وسررت بي الوليّ الودود، وأرغمت بي العدوّ الحسود، وأخذت بيدي من المذلّة، وأنهضتني من العثرة، ورفعت أملي بعد انخفاضه، وبسطت رجائي بعد انقباضه، فلست أعتدّ يدا إلا لك، ولا معروفا إلّا منك، ولا أوجّه رغبة إلّا إليك، فصانك الله عن شكر ما سواه، كما صنتني عن شكر من سواك، وبلّغك من الدنيا والآخرة غاية أملك ومنتهى رضاك.
٢٤»
- قال إسماعيل بن غزوان: لا تثقنّ بشكر من تعطيه حتى تمنعه، فالصابر هو الذي يشكر، والجازع هو الذي يكفر.
[عود إلى الشعر]
«٢٤٦» - وقال البحتري: [من الطويل]
إذا أنا لم أشكر لنعماك جاهلا ... فلا نلت نعمى بعدها توجب الشكرا
«٢٤٧» - وقال أيضا: [من الطويل]
ألنت لي الأيام من بعد قسوة ... وعاتبت لي دهري المسيء فأعتبا
стр. 1472
وألبستني النّعمى التي غيّرت أخي ... عليّ فأضحى نازح الودّ أجنبا
فلا فزت من مرّ الليالي براحة ... إذا أنا لم أصبح بشكرك متعبا
وتمثّل بهذه الأبيات شرف الدين أبو القاسم علي بن طراد الزينبي لما خلع عليه المسترشد وقلّده وزارته.
«٢٤٨» - وقال آخر: [من الوافر]
ولي في راحتيك غدير نعمى ... صفت جنباه واطّرد الحباب
وظلّ لا يمازجه هجير ... وصحو لا يكدّره ضباب
وأيام حسنّ لديّ حتى ... تساوى الشّيب فيها والشباب
«٢٤٩» - وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: [من الكامل]
إني لشاكر أمسه ووليّه ... في يومه ومؤمل منه غدا
«٢٥٠» - وقال أبو فراس ابن حمدان: [من الطويل]
وإنّك للمولى الذي بك أقتدي ... وإنّك للنجم الذي بك أهتدي
وأنت الذي بلّغتني كلّ رتبة [١] ... مشيت إليها فوق أعناق حسّدي
فيا ملبسي النّعمى التي جلّ قدرها ... لقد أخلقت تلك الثياب فجدّد
«٢٥١» - وقال إبراهيم بن المهدي: [من البسيط]
ما زلت في سكرات الموت مطّرحا ... ضاقت عليّ وجوه الأمر والحيل
стр. 1473
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي أجلي
«٢٥٢» - وقال آخر: [من البسيط]
وكيف أنساك لا نعماك واحدة ... عندي ولا بالذي أوليت من قدم
«٢٥٣» - قال عبد الأعلى بن حماد الزيني: دخلت على المتوكل فقال: يا أبا يحيى، قد هممنا أن نصلك بخير، فتدافعت الأمور، فقلت: يا أمير المؤمنين:
بلغني عن جعفر بن محمد الصادق: من لم يشكر الهمّة لم يشكر النعمة، وأنشدته البيتين، قال الباهلي: [من البسيط]
لأشكرنّك معروفا هممت به ... إنّ اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إذ لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف
«٢٥٤» - وقال ابن الرومي: [من الكامل]
كم من يد بيضاء قد أسديتها ... تثني إليك عنان كلّ وداد
شكر الإله صنائعا أوليتها ... سلكت مع الأرواح في الأجساد
«٢٥٥» - وقال آخر: [من الطويل]
وأحسن ما قال امرؤ فيك مدحة ... تلاقت عليها منّة وقبول
وشكر كأنّ الشمس تعنى بنشره ... ففي كلّ أرض مخبر ورسول
стр. 1474
«٢٥٦» - وقال البحتري: [من البسيط]
أمّا أياديك عندي فهي واضحة ... ما إن تزال يد منها تسوق يدا
لم لا أمدّ يدي حتى أنال بها ... مدى النجوم إذا ما كنت لي عضدا
«٢٥٧» - وقال السري الرفاء: [من الوافر]
فكنت كروضة سقيت سحابا ... فأثنت بالنسيم على السّحاب
«٢٥٨» - وقال أيضا: [من البسيط]
أصبحت أظهر شكرا عن صنائعه ... وأضمر الودّ فيه أيّ إضمار
كيانع النخل يبدي للعيون ضحى ... طلعا نضيدا ويخفي غضّ جمّار
«٢٥٩» - كتب كاتب: ما أنتهي إلى غاية من شكرك إلّا وجدت وراءها حاديا من برّك، فلا زالت ممدودة بين أمل تبلغه، وأمل فيك تحقّقه، حتى تتملّى من الأعمار أطولها، وتنال من الدرجات أفضلها.
«٢٦٠» - وقال الأقرع بن معاذ القشيري يشكر برّ ابنه: [من الطويل]
رأيت رباطا إذ علتني كبرة ... وشاب لداتي [١] ليس في برّه عتب
إذا كان أولاد الرجال حزازة ... فأنت الحلال الحلو والبارد العذب
стр. 1475
لنا جانب منه دميث وجانب ... إذا رامه الأعداء متلفة [١] صعب
وتأخذه عند المكارم هزّة ... كما اهتزّ تحت البارح الغصن الرّطب
وثوب إلى الأضياف في ليلة الصبّا ... إذا اجتمع السفّار والبلد الجدب [٢]
«٢٦١» - وقال بكير بن الأخنس: [من الطويل]
نزلت على آل المهلّب شاتيا ... غريبا عن الأوطان في زمن محل
ويروى: فقيرا بعيد الدار في سنة محل (زمن المحل)
فما زال بي إلطافهم وافتقادهم [٣] ... وبرّهم حتى حسبتهم أهلي
«٢٦٢» - وقال في كلمة أخرى له: [من الطويل]
وقد كنت شيخا ذا تجارب جمّة ... فأصبحت فيهم كالصبيّ المدلّل
٢٦٣- قيل: إذا قصرت يدك عن المكافأة فليطل لسانك بالشكر.
«٢٦٤» - وقيل: للشكر ثلاث منازل: ضمير القلب، ونشر اللسان، ومكافأة اليد.
стр. 1476
«٢٦٥» - أبو نواس: [من الطويل]
أخذت بحبل من حبال محمد ... أمنت به من نائب الحدثان
تغطيت من دهري بظلّ جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام باسمي لما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني
أذلّ صعاب المكرمات محمد ... وأصبح ممدوحا بكلّ لسان
[رسالة لابن نصر في الشكر]
٢٦٦- ابن نصر الكاتب: إنّما يشكر على النعمة، ويعرف أوقات المواهب والمنحة، من يطرقه الإحسان، ويزوره الإنعام إغبابا [١] ، فيجد فرجة من الآلاء، يسدّها بمتابعة الشكر والثناء. فأما من يعمّه الإفضال، ويطمّه النوال، وتسابق الفوائد إليه، وتزاحم العطايا عليه، تصبّحه مغادية، وتعقبه مراوحة، وتحلّ إليه مضحية ومظهرة، وتفقّده معصرة ومعتمة، فلا يعرف لها مدة تحصى، ولا يغيب لها عن طرفه شخصا، فقصاراه الإقرار بالتقصير، وحماداه الاعتراف بالتعذير، وهجّيراه الدعاء بالمعونة على ما أنهض بحقوق النعمة، ولوازم الخدمة.
وهو لذلك مواصل، وفضل الله تعالى بالإجابة كافل. ووصل البرّ تشرق تباشيره، وصدر إلينا تضحك أساريره، والله على المقابلة معين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[فصل للحسن بن وهب]
«٢٦٧» - فصل للحسن بن وهب: من شكر لك على درجة رفعته إليها، أو ثروة أفدته إيّاها، فإنّ شكري لك على مهجة أحييتها، وحشاشة أبقيتها، ورمق أمسكته، وقمت بين التّلف وبينه. ولكلّ نعمة من نعم الدنيا حدّ ينتهى
стр. 1477
إليه، ومدى يوقف عليه [١] ، وغاية من الشكر يسمو إليها الطّرف، خلا هذه النعمة التي قد فاقت الوصف، وطالت الشكر، وتجاوزت كلّ قدر، وأنت من وراء كلّ غاية ردّت عنّا كيد العدوّ، وأرغمت أنف الحسود، فنحن نلجأ منها إلى ظلّ ظليل، وكنف كريم، فكيف يشكر الشاكر، وأين يبلغ جهد المجهود.
٢٦٨- قال عمر بن عبد العزيز ﵁ لرجل من أهل الشام:
كيف عمّالنا قبلكم؟ قال: يا أمير المؤمنين إذا طابت العين عذبت الأنهار.
«٢٦٩» - الرضي: [من الكامل المرفل]
ألبستني نعما على نعم ... ورفعت لي علما على علم
وعلوت بي حتى مشيت على ... بسط من الأعناق والقمم
فلأشكرنّ نداك ما شكرت ... خضر الرياض مصانع الدّيم
فالحمد يبقي ذكر كلّ فتى ... ويبين قدر مواقع الكرم
والشكر مهر للصنيعة إن ... طلبت مهور عقائل النّعم
٢٧٠- أبو إسحاق الصابي: [من مخلع البسيط]
ودونك الشكر من صديق ... واظب ودّا وزار غبّا
[الحطيئة وبني مقلد]
«٢٧١» - نزل الحطيئة، وقد أقحمته السنة، ببني مقلّد بن يربوع، فمشى
стр. 1478
بعضهم إلى بعض وقالوا: إنّ هذا الرجل لا يسلم على لسانه أحد، فتعالوا حتى نسأله عما يحبّ فنفعله، وعمّا يكره فنجتنبه. فأتوه فقالوا: يا أبا مليكة، أنت اخترتنا على سائر العرب، ووجب حقّك علينا، فمرنا بما تحبّ أن نفعله، ولما تكره أن نتناهى عنه، فقال: لا تكثروا زيارتي فتملّوني، ولا تقطعوها فتوحشوني، ولا تجعلوا فناء بيتي مجلسا لكم، ولا تسمعوا بناتي غناء شبيبتكم، فإنّ الغناء رقية الزّنا. قال: فأقام عندهم، وجمع كلّ رجل منهم ولده وقال: على أمكم الطلاق لئن تغنّى أحد منكم والحطيئة بين أظهرنا لأضربنّه ضربة بسيفي؛ فلم يزل مقيما فيما يرضى حتى انجلت السنة، وارتحل وهو يقول: [من الكامل]
جاورت آل مقلّد فحمدتهم ... إذ ليس كلّ أخي جوار يحمد
أزمان من يرد الصنيعة يصطنع ... فينا ومن يرد الزهادة يزهد
«٢٧٢» - ومن مليح ما جاء في الشكر ومخرجه مخرج الديانة أنّ عديّ بن أرطأة لما احتفر نهر عدي بالبصرة كتب إلى عمر بن عبد العزيز: إني احتفرت لأهل البصرة نهرا أعذب به مشربهم، وجادت عليه أموالهم، فلم أر لهم في ذلك شكرا، فإن أذنت لي قسمت عليهم ما أنفقته عليه، فكتب إليه عمر: إني لا أحسب أهل البصرة عند حفرك لهم هذا النهر خلوا من رجل قال الحمد لله، وقد رضي الله بها شكرا من جنّته فارض بها شكرا من نهرك.
[الفضل بن سهل وملك التبت]
«٢٧٣» - أدخل على الفضل بن سهل ملك التبت وهو أسير، فقال: أما ترى الله قد أمكن منك بغير عهد ولا عقد؟ فما شكرك إن صفحت عنك، ووهبت لك نفسك؟ فقال: أجعل النفس التي أبقيتها بذلة متى أردتها، فقال
стр. 1479
الفضل: شكر والله. وكلّم المأمون فيه فصفح عنه.
«٢٧٤» - وشكر أبو العيناء الطائيّ فقال: هذا رجل إذا رضي عشنا في نوافل فضله، وإذا غضب تقوّتنا بقايا برّه.
[من كتاب للصابي]
٢٧٥- من كتاب للصابي يذكر فيه صمصام الدولة وصنيعه إليه بعد نكبة أبيه عضد الدولة: وإليه الرغبة في إطالة [عمر] مولانا عالي الكعب، قاهرا للخطب، مالكا للأمر، حاكما على الدهر، وأن يتولّى عنّي مجازاته بأفضل ما جازى به قويّا عن ضعيف، ومغيثا عن لهيف، ومنعما عن شاكر، ومحسنا عن ناشر.
«٢٧٦» - شاعر: [من الكامل]
ومن الرزيّة أنّ شكري صامت ... عما فعلت وأنّ برّك ناطق
أأرى الصنيعة منك ثم أسرّها ... إني إذن ليد الكريم لسارق
[المبرد يشكر عيسى بن فرخانشاه]
«٢٧٧» - ودخل المبرد إلى عيسى بن فرخانشاه فشكره على رضاه عنه بعد أن كان قد غضب عليه، فقال: أعزّك الله، لولا تجرّعك مرارة الغضب ما التذذت حلاوة الرضا، ولا يحسن مدح الصّفو إلّا عند ذمّ الكدر، ولقد أحسن البحتريّ في قوله: [من البسيط]
ما كان إلّا مكافاة وتكرمة ... هذا الرضى وامتحانا ذلك الغضب
وربّما كان مكروه الأمور إلى ... محبوبها سببا ما مثله سبب
стр. 1480
فقال له عيسى: أطال الله بقاءك، وأحسن عنّا جزاءك، فإنك كما قال أبو نواس: [من الرجز]
من لا يعدّ العلم إلّا ما عرف ... كنّا متى نشاء منه نغترف
رواية لا تجتنى من الصّحف
وأنا أصل البحتريّ لتمثّلك بشعره. ووصله بنحو [١] من صلته.
[أشعار في الشكر]
«٢٧٨» - قال رجل من بني الحارث بن كعب: [من الطويل]
وما يبلغ الإنعام في النفع غاية ... على المرء إلّا مبلغ الشكر أفضل
ولا بلغت أيدي المنيلين بسطة ... من الطّول إلّا بسطة الشكر أطول
ولا رجحت في الشكر يوما صنيعة ... على المرء إلا وهي بالشكر أثقل
فمن شكر المعروف يوما فقد أتى ... أخا العرف من حسن المكافاة من عل [٢]
«٢٧٩» - وقال رجل من غطفان: [من البسيط]
الشكر أفضل ما حاولت ملتمسا ... به الزيادة عند الله والناس
[القطامي وزفر]
«٢٨٠» - أسرت قيس القطاميّ في بعض حروبها مع تغلب، فأرادوا قتله،
стр. 1481
فخلّصه زفر بن الحارث الكلابي، وقام دونه وحماه وحمله وكساه وأعطاه مائة ناقة، فقال القطاميّ يشكره: [من البسيط]
من مبلغ زفر القيسيّ مدحته ... عن القطاميّ قولا غير إفناد
إني وإن كان قومي ليس بينهم ... وبين قومك إلّا ضربة الهادي
مثن عليك بما استبقيت معرفتي ... وقد تعرض مني مقتل باد
فلن أثيبك بالنعماء مشتمة ... ولن أبدّل إحسانا بإفساد
لولا كتائب من عمرو تصول بها ... أوديت يا خير مندوّ له النادي
إذ الفوارس من قيس بشكّتها ... حولي شهود وما قومي بشهّاد
إذ يعتريك رجال يسألون دمي ... ولو أطعتهم أبكيت عوّادي
وقد عصيتهم والحرب مقبلة ... لا بل قدحت زنادا غير أصلاد
«٢٨١» - قال فيلسوف: من مدحك بما ليس فيك، فلا تأمن بهته، ومن شكر ما لم تأت إليه فاحذر أن يكفر نعمتك.
«٢٨٢» - روى نصر بن سيار عن عكرمة عن ابن عباس عن النبيّ ﷺ : من أنعم على رجل نعمة فلم يشكر له فدعا عليه استجيب له؛ ثم قال نصر: اللهمّ إني قد أنعمت على آل بسّام فلم يشكروا، اللهمّ فاقتلهم، فقتلوا كلّهم.
[رجل طلق امرأته]
«٢٨٣» - طلق رجل امرأته فلما أراد الارتحال قال: اسمعي، وليسمع من حضر. إني والله اعتمدتك برغبة، وعاشرتك بمحبة، ولم توجد منك زلّة، ولم تدخلني عنك ملّة، ولكنّ القضاء كان غالبا. فقالت المرأة: جزيت من صاحب ومصحوب خيرا، فما استرثت خيرك، ولا شكوت ضيرك، ولا
стр. 1482
تمنّيت غيرك، ولم أزد إليك إلا شرها، ولم أجد لك في الرجال شبها، وليس لقضاء الله مدفع، ولا من حكمه علينا ممتنع.
«٢٨٤» - البحتري: الشكر نسيم النعم.
[عود إلى الشعر]
«٢٨٥» - إبراهيم بن العباس في أحمد بن أبي دواد: [من الطويل]
أتيتك شتّى الرأي لابس حيرة ... فسدّدتني حتى رأيت العواقبا
على حين ألقى الرأي دوني حجابه ... فجبت خطوبا واعتسفت المذاهبا
«٢٨٦» - المتنبي: [من الطويل]
تركت السّرى خلفي لمن قلّ ماله ... وأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا
وقيّدت نفسي في هواك [١] محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيّدا
«٢٨٧» - أبو الحسين الكاتب المغربي: [من الطويل]
سأشكر نعماك التي انبسطت بها ... يدي ولساني فهو بالمجد ينطق
وأثني بما أوليتني من صنيعة ... ومن منّة تغدو عليّ وتطرق
وكلّ امرىء يرجو نداك موفّق ... وكلّ امرىء يثني عليك مصدّق
«٢٨٨» - بعض المغاربة: [من البسيط]
стр. 1483
يا مانع الدهر أن يسطو عليّ لقد ... علقت منك بحبل ليس ينصرم
ما أطيب العيش في دنيا تصرّفها ... بالعطف منك وإن لم تدننا رحم
كأنها نعمة الأخرى فليس بها ... على المطيعين تنكيد ولا ألم
«٢٨٩» - ابن رشيق المغربي: [من الخفيف]
خذ ثناء عليك غبّ الأيادي ... كثناء الرّبى على الأمطار
سقط الشكر وهو موجب نعما ... ك سقوط الأنواء بالأثمار
«٢٩٠» - مسلم بن الوليد: [من الوافر]
جلبت لك الثناء فجاء عفوا ... ونفس الشكر مطلقة العقال
ويرجعني إليك إذا نأت بي ... دياري عنك تجربة الرجال
стр. 1484
نوادر في الشكر
٢٩١- سأل أبو العيناء رجلا ممن كان يصحب الحسن بن مخلد عن حاله فأقبل يشكره، فقال له أبو العيناء: لسان حالك يكذّب لسان شكرك.
«٢٩٢» - قدم أبو نخيلة على أبان بن الوليد فامتدحه فكساه ووهب له جارية جميلة، فخرج يوما من عنده فلقيه رجل من قومه فقال له: كيف وجدت أبان ابن الوليد؟ فقال: [من الرجز]
أكثر والله أبان ميري ... ومن أبان الخير كلّ الخير
ثوب لجلدي وحر لأيري
٢٩٣- تكلّم رجل عند عبد الله بن العباس فأكثر الخطأ، فدعا بغلام له فأعتقه، فقال له الرجل: ما سبب هذا الشكر؟ فقال: إذ لم يجعلني مثلك.
«٢٩٤» - قيل لأعرابيّ في الشتاء: أما تصلّي؟ قال: البرد شديد وما عليّ كسوة أصلّي فيها، وقال: [من الطويل]
إن يكسني ربي قميصا وريطة ... أصلّ وأعبده إلى آخر الدهر
وإن لم يكن إلّا بقايا عباءة ... مخرّقة ما لي على البرد من صبر
стр. 1485
«٢٩٥» - السريّ الرفاء الموصلي: [من المنسرح]
من ذمّ إدريس في قيادته ... فإنني حامد لإدريس
كلّم لي عاصيا فكان له ... أطوع من آدم لإبليس
وكان في سرعة المجىء به ... آصف في حمل عرش بلقيس
стр. 1486
الفصل الثاني الاعتذار والاستعطاف
[أحاديث وأقوال حكمية في هذا الفصل]
«٢٩٦» - وثمرتهما العفو والصفح، وهما خير مندوب إليه، وأحسن محضوض عليه، قال الله : وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ
(النور: ٢٢) .
«٢٩٧» - وقال رسول الله ﷺ : أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلّا من الحدود.
«٢٩٨» - وقال ﷺ : من اعتذر إليه أخوه المسلم فلم يقبل لم يرد عليّ الحوض.
«٢٩٩» - وقال علي ﵇: أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة.
«٣٠٠» - وقال أيضا: العفو زكاة الظّفر.
«٣٠١» - وقال أيضا: إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه.
٣٠٢- وقال الحسن بن علي ﵉: لا تعاجل الذنب بالعقوبة
стр. 1487
واجعل بينهما للاعتذار طريقا.
٣٠٣- وقال أيضا: أوسع ما يكون الكريم بالمغفرة إذا ضاقت بالذنب المعذرة.
٣٠٤- وقال جعفر بن محمد: شفيع المذنب إقراره، وتوبة المجرم اعتذاره.
٣٠٥- وقال رجل من بني تميم لقومه: ألا أدلّكم على ما هو أفضل من الحقّ؟ قالوا: وما هو؟ قال: العفو.
«٣٠٦» - وقال الشاعر: [من الطويل]
فإن كنت ترجو في العقوبة راحة ... فلا تزهدن عند التجاوز في الأجر
«٣٠٧» - وقال الحسن بن أبي الحسن ﵁: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلّا العافون عن الناس، وتلا قوله تعالى: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
(الشورى: ٤٠) .
[عمر بن حبيب العدوي يحدث المنصور]
٣٠٨- وقال عمر بن حبيب العدوي: كنت في وفد أهل البصرة لما قدموا على المنصور يسألونه أن يولّي عليهم قاضيا، فبينا نحن عنده إذ جيء برجل مصفّد يحمل في الحديد، فوقف بين يديه فغلّوا يده إلى عنقه، فساء له طويلا ثم بسط له نطع وأقعد عليه، ونحن ننظر إليه، فأمر بضرب عنقه، والرجل يحلف له وهو يكذّبه، ولم يتكلّم أحد من الجمع. فقمت وكنت أحدثهم سنّا، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في الكلام؟ فقال: قل. قلت: يروى عن ابن عمك رسول الله ﷺ أنه قال: من اعتذر إليه أخوه المسلم فلم يقبل عذره لم يرد عليّ الحوض، وقد اعتذر إليك فاقبل عذره. فقال: يا غلام اضرب عنقه. فقلت: إنّ أباك
стр. 1488
حدثني عن جدك عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم القيامة نادى مناد تحت العرش ليقم من كان له عند الله يد فلا يقوم إلا من عفا عن أخيه المسلم، فقال: آلله أنّ أبي حدّثك عن جدي عن ابن عباس عن النبي ﷺ بهذا؟
فقلت: آلله إن أباك حدثني عن جدك عن ابن عباس عن النبي ﷺ بهذا. فقال أبو جعفر: صدق أبي عن جدي عن ابن عباس بهذا. يا غلام خلّ عنه، وأمر له بجائزة وولّاني قضاء البصرة.
[المأمون والعفو]
«٣٠٩» - وأتي المأمون برجل يريد أن يقتله، وعليّ بن موسى الرضا جالس، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: أقول إنّ الله تعالى لا يزيدك بحسن العفو إلّا عزّا، فعفا عنه.
«٣١٠» - وكان المأمون مؤثرا للعفو كأنه خلق غريزة له، وهو القائل: لقد حبّب إليّ العفو حتى أظنّ أني لا أثاب عليه. وسأذكر جملا من أخباره فيه هاهنا.
«٣١١» - وقع جعفر بن يحيى في رقعة معتذر: قد تقدّمت طاعتك ونصيحتك، فإن بدرت منك هفوة فلن تغلب سيئة حسنتين.
«٣١٢» - وقال الشاعر: [من الخفيف]
ارض للسائل الخضوع وللقا ... رف ذنبا خصاصة الاعتذار
[اعتذارات النابغة]
«٣١٣» - وكان النابغة الذبياني مجيدا في الاعتذار حتى قيل إنه أشعر الناس إذا رهب، ومشهورة قصائده متضمنة الاعتذار إلى النعمان بن المنذر، فمن ذلك
стр. 1489
قوله: [من البسيط]
أنبئت أنّ أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد
فلا لعمر الذي قد زرته حججا [١] ... وما هريق على الأنصاب من جسد
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه [٢] ... إذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي
هذا لأبرأ من قول قذفت به ... طارت نوافذه حرّا على كبدي [٣]
«٣١٤» - ومن ذلك قوله: [من الطويل]
وعيد أبي قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس والضواجع
فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة ... من الرّقش في أنيابها السمّ ناقع
يسهّد من نوم العشاء [٤] سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع
تناذرها الراقون من سوء سمّها ... تطلّقه طورا وطورا تراجع
أتوعد عبدا لم يخنك أمانة ... وتترك عبدا ظالما وهو ضالع
حملت عليّ ذنبه وتركته ... كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمدّ بها أيد إليك نوازع
стр. 1490
«٣١٥» - ومن ذلك قوله: [من الطويل]
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلّغت عنّي خيانة ... لمبلغك الواشي أغشّ وأكذب
ولكنني كنت امرءا لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما لقيتهم [١] ... أحكّم في أموالهم وأقرّب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم [٢] ... فلم ترهم في مثل ذلك أذنبوا
فلا تتركنّي بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطليّ به القار أجرب
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أيّ الرجال المهذّب
[اعتذارات طريح الثقفي]
«٣١٦» - وقال طريح بن إسماعيل الثقفي يعتذر إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك: [من البسيط]
أمشمت أنت أقواما صدورهم ... عليّ فيك الى الأذقان تلتهب
إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... شرّا أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا
رأوا صدودك عنّي في اللقاء فقد ... تحدّثوا أنّ حبلي منك منقضب
وأنّ سخطك شيء لم أناج به ... نفسي ولم يك مما كنت أحتسب [٣]
قد كنت أحسب أني قد لجأت إلى ... حرز وأن لا يضروني وإن ألبوا
стр. 1491
فإن وصلت فأهل العرف أنت وإن ... تدفع يديّ فلي بقيا ومنقلب
إني كريم كرام عشت في أدب ... نفى العيوب وخير الشيمة الأدب
قد يعلمون بأنّ العزّ منقطع ... عني [١] وأنّ الغنى لا بدّ منقلب
لا يفرحون إذا ما الدهر طاوعهم ... يوما بيسر ولا يشكون إن نكبوا
«٣١٧» - وقال أيضا: [من الخفيف]
فإليك ارتحلت يشفع لي قر ... بي ونصح لكم وغيب سليم
فاكسني البشر إنه شاهد العر ... ف كما شاهد القنوط الوجوم
«٣١٨» - وقال أيضا: [من الكامل]
نام الخليّ من الهموم وبات لي ... ليل أكابده وهمّ مضلع
أبغي وجوه مخارجي من تهمة ... أزمت عليّ وسدّ منها المطلع
جزعا لمعتبة الوليد ولم أكن ... من قبل ذاك من الحوادث أجزع
فلأنزعنّ عن الذي لم تهوه ... إن كان لي- ورأيت ذلك- منزع
إن كنت في ذنب عتبت فإنني ... عما كرهت لنازع متورّع
فاعطف فداك أبي عليّ توسّعا ... وفضيلة فعلى الفضيلة تتبع
[اعتذارات البحتري]
«٣١٩» - وكان البحتري نابغي الاعتذار، فمن جيد قوله فيه: [من الطويل]
عذيري من الأيام رنّقن مشربي ... ولقّينني نحسا من الطير أشأما
стр. 1492
وأكسبنني سخط امرىء بتّ موهنا ... أرى سخطه ليلا من [١] الليل مظلما
تبلّج عن بعض الرضى وانطوى على ... بقيّة عتب شارفت أن تصرّما
إذا قلت يوما قد تجاوز حدّها ... تلبّث في أعقابها وتلوّما
وأصيد إن نازعته الطّرف ردّه ... كليلا وإن راجعته القول جمجما
ثناه العدا عنّي فاصبح مشرعا [٢] ... وأوهمه الواشون حتى توهّما
وقد كان سهلا واضحا فتوعّرت ... رباه وطلقا ضاحكا فتجهّما
أمتّخذ عندي الإساءة محسن ... ومنتقم مني امرؤ كان منعما
ومكتسب فيّ الملامة ماجد ... يرى الحمد غنما والملامة مغرما
[يخوفني من سوء رأيك معشر ... ولا خوف إلّا أن تجور وتظلما]
أعيذك أن أخشاك من غير حادث ... تبيّن أو جرم إليك تقدّما
وأكبر ظنّي أنّك المرء لم تكن ... تحلّل بالظنّ الذمام المحرّما
ولو كان ما خبّرته أو سمعته ... لما كان غروا أن ألوم وتكرما
لي الذنب معروفا وإن كنت جاهلا ... به ولك العتبى عليّ وأنعما
[الجاحظ وابن أبي دواد]
«٣٢٠» - أتي بالجاحظ بعد هلاك ابن الزيات، وكان من المنقطعين إليه، إلى ابن أبي دواد، وهو مقيّد وفي عنقه سلسلة، فقال له ابن أبي دواد: والله ما علمتك إلا متناسيا للنعم، كفورا للصنيعة، معدّدا للمساوىء، وما فتّني باستصلاحي لك، ولكنّ الأيام لا تصلح منك لفساد طويّتك، ورداءة دخلتك، وسوء اختيارك، فقال الجاحظ: خفّض عليك، والله لأن يكون الأمر لك عليّ خير من أن يكون لي عليك، ولأن أسيء وتحسن أجمل في الأحدوثة عنك من
стр. 1493
أن أحسن وتسيء، ولأن تعفو في حال قدرتك أجمل من أن تنتقم مني. فقال ابن أبي دواد: والله ما علمتك إلا كثير تزويق اللسان، وقد جعلت بيانك أمام قلبك، واصطنعت فيه النّفاق. يا غلام، صر به إلى الحمام وأمط عنه الأذى.
فأخذ الحديد عنه، وأدخل الحمام، وحمل إليه تخت ثياب وطويلة وخفّ، فلبس ذاك، وانكفأ إليه، فصدّره في مجلسه، وأقبل عليه بوجهه، وقال: هات حديثك يا أبا عثمان. فقال: من أقرب ذاك أنك فككتني من الاسار، وعرّضتني لليسار، وأدخلتني في شكرك من باب الاضطرار، واستأنفت لي حياة كنت يئست منها، وصرفت عني شماتة كنت التبست بها، فرحمك الله بي كما رحمني بك، وأمتعك بنعمتك التي أعارك.
[عبد الملك يوبخ أهل المدينة]
«٣٢١» - قدم عبد الملك بن مروان حاجّا سنة خمس وسبعين، وذلك بعد ما اجتمع الناس عليه بعامين. فجلس على المنبر وشتم أهل المدينة ووبّخهم، ثم قال: إنّي والله يا أهل المدينة قد بلوتكم فوجدتكم تنفسون القليل [١] ، وتحسدون على الكثير، وما وجدت لكم مثلا إلّا ما قال مخنثكم وأخوكم الأحوص:
[من الطويل]
وكم نزلت بي من خطوب ملمّة ... صبرت عليها ثم لم أتخشّع
فأدبر عنّي شرّها لم أبل به ... ولم أدعكم في كربها المتطلّع
فقام إليه نوفل بن مساحق فقال: يا أمير المؤمنين، أقررنا بالذنب وطلبنا المعذرة، فعد بحلمك فذلك ما يشبهنا منك وما يشبهك منّا، فقد قال من ذكرت بعد بيتيه الأوّلين:
стр. 1494
وإني لمستأن ومنتظر بكم ... وإن لم تقولوا في الملمّات دع دع
أؤمّل منكم أن تروا غير رأيكم ... وشيكا وكيما تنزعوا خير منزع
[الحسين الخليع والمأمون]
«٣٢٢» - كان الحسين بن الضحاك المعروف بالخليع مدّاحا للأمين، ولما قتل أفرط في الجزع عليه وهجا المأمون وترك بغداد مخافة، واجتهد في استعطافه، وسأل ابن البواب الحاجب حتى أنشده شعره الذي يقول فيه: [من الطويل]
رأى الله عبد الله خير عباده ... فملّكه والله أعلم بالعبد
وما زال يلطف له حتى أوصله إلى المأمون، فلما سلّم عليه ردّ ردّا جافيا وقرّعه بأشعاره فيه وفي أخيه فقال: يا أمير المؤمنين، لوعة غلبتني، وروعة فاجأتني، ونعمة سلبتها بعد أن غمرتني، وإحسان شكرته فأنطقني، وسيّد فقدته فأقلقني، فإن عاقبت فبحقّك، وإن عفوت فبفضلك، فدمعت عين المأمون وقال: قد عفوت عنك وأمرت بإدرار أرزاقك عليك، وإعطائك ما فات منها، وجعلت عقوبة ذنبك امتناعي من استخدامك.
«٣٢٣» - أمر بعض ملوك العجم بقتل رجل غضب عليه، فقال الرجل: أيها الملك إن قتلتني وأنا صادق عظم جرمك، وإن تركتني وأنا كاذب قلّ وزرك، وأنت من وراء ما تريد، والعجلة موكّل بها الزّلل، فعفا عنه.
٣٢٤- كتب أبو طالب الجراحي من آل علي بن عيسى: فإن رأى أن ينظر نظر راحم متعطّف، إلى خادم متلهّف، ويجعل العفو عن فرطته وكفرانه، صدقة عن بسطته وسلطانه، فأجدر الناس بالاغتفار أقدرهم على الانتصار، فعل، إن شاء الله تعالى.
стр. 1495
«٣٢٥» - وقال شاعر: [من الطويل]
لئن سمتني ذلّا فعفت حياضه ... سخطت ومن يأت المذلّة يعذر
فها أنا مسترضيك لا من جناية ... جنيت ولكن من تجنّيك فاغفر
«٣٢٦» - وقال سعيد بن حميد: [من المنسرح]
لم آت ذنبا فإن زعمت بأن ... أتيت ذنبا فغير معتمد
قد تطرف الكفّ عين صاحبها ... فلا يرى قطعها من الرّشد
[رب ذنب أحسن من الاعتذار]
٣٢٧- ذكر عند الحسين بن علي ﵉ اعتذار عبد الله بن عمرو ابن العاص من مشهده بصفين فقال: ربّ أحسن من الاعتذار منه؛ فنظر إلى هذا المعنى محمود الوراق فقال: [من الطويل]
إذا كان وجه العذر ليس بواضح ... فإنّ اطّراح العذر خير من العذر
«٣٢٨» - واعتذر رجل إلى سلم بن قتيبة من أمر بلغه عنه فعذره ثم قال له: يا هذا لا يحملنّك الخروج من أمر تخلّصت منه إلى الدخول في آخر لعلّك لا تخلص منه.
[أشعار في العفو]
«٣٢٩» - وقال علي بن الجهم: [من الخفيف]
ليس عندي وإن تغضّبت إلا ... طاعة حرّة وقلب سليم
стр. 1496
وانتظار الرضى فإنّ رضى السا ... دات عزّ وعتبهم تقويم
«٣٣٠» - وقال آخر: [من الطويل]
وكنت إذا ما جئت أدنيت مجلسي ... ووجهك من ماء البشاشة يقطر
فمن لي بالعين التي كنت مرة ... إليّ بها في سالف الدهر تنظر
«٣٣١» - وقال السريّ الرفّاء في العفو: [من الكامل]
تلك المكارم لا أرى متأخّرا ... أولى بها منه ولا متقدّما
عفوا أظلّ ذوي الجرائم كلّهم ... حتى لقد حسد المطيع المجرما
ألّم فيه بقول أبي دهبل الجمحي: [من المنسرح]
ما زلت في العفو للذنوب وإط ... لاق لعان بجرمه غلق
حتى تمنّى البراء أنّهم ... عندك أمسوا في القدّ والحلق
«٣٣٢» - وقال محمد بن أبي زرعة الدمشقيّ: [من الخفيف]
لا ملوم مستقصر أنت في الجو ... د ولكن مستعطف مستزاد
قد يهزّ الهنديّ وهو حسام ... ويحثّ الجواد وهو جواد
٣٣٣- وقال أبو الحسن ابن منقذ: [من الكامل]
أخلاقك الغرّ السجايا ما لها ... حملت قذى الواشين وهي سلاف
стр. 1497
ومرأة رأيك في عبيدك ما لها ... صدئت وأنت الجوهر الشفّاف
«٣٣٤» - ولأبي العلاء ابن حسول [١] في الاعتذار: [من الكامل]
قد صدّني رمد ألمّ بناظري ... عن قصد خدمة بابه ولقائه
أو يستطيع الرّمد أن يستقبلوا ... لمعان نور الشمس في لألائه
[من مليح الاعتذار]
«٣٣٥» - ومن مليح الاعتذار لمسيء قول شمعل بن الحصين التغلبي، وكان خاطب عبد الملك بن مروان بكلام أغلظه [٢] فرماه بشيء أصاب ساقه: [من الطويل]
أمن ضربة بالرجل مني تباشرت ... عداي فلا عار عليّ ولا سخر
وإنّ أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر لا عار بما فعل الدهر
«٣٣٦» - عربد غلام هاشميّ على جيرانه فشكوه إلى عمه، فأراد أن يتناوله بالأدب فقال له: يا عمّ، إني أسأت وليس معي عقلي، فلا تسىء ومعك عقلك، فصفح عنه.
٣٣٧- وقال شاعر في هفوة الكأس يعتذر عنها: [من الطويل]
متى شربت ماء الحياة وجوهنا ... تنقّل عنها ماؤها وحياؤها
إذا كانت الصهباء شمسا فإنما ... يكون أحاديث الرجال هباؤها
[كتاب للصاحبن بن عباد]
«٣٣٨» - وكتب الصاحب أبو القاسم ابن عباد في مثل ذلك: سيدي أعرف
стр. 1498
بأحكام المروّة من أن يهدى إليها، وأحرص على عمارة سبل الفتوّة من أن يحضّ عليها، وقديما حملت أوزار السكر على ظهور الخمر، وطوي بساط الشراب على ما فيه من خطإ وصواب، واستعفيت السقاة غير دفعة فأبوا إلا إلحاحا [١] عليّ، وإتراعا إليّ، وكرهت الامتناع خشية أن أوقع الكساد في سوق الأنس، وتفاديا من أن يعقد عليّ خنصر الثّقل. فلما بلغت الحدّ الذي يوجب الحدّ، بدر مني ما يبدر ممّن لا يصحبه لبّه، ولا يساعده عقله وقلبه، ولا غرو فموالاة الأرطال، تدع الشيوخ كالأطفال. فإن رأى قبول عذري، في ما جناه سكري، وأن يهب لي جرمي لمعرفته بنيّتي في صحوي، وإن أبى إلّا معاقبتي جعلها قسمين بين المدام وبيني، فعل، إن شاء الله.
٣٣٩- واعتذر كاتب من مكاتبة بعض إخوانه في ظهر فقال:
[من البسيط]
العذر في الظهر عند الحرّ منبسط ... إذ رأى سطوات الدهر بالنّعم
وما أضنّ بخدّي لو جرى قلمي ... عليه طرسا ولو أنّ المداد دمي
[المأمون والاعتذار]
«٣٤٠» - عتب المأمون على إسحاق بن إبراهيم الموصليّ في شيء فكتب إليه رقعة وأوصلها إليه من يده، ففتحها المأمون فإذا فيها: [من البسيط]
لا شيء أعظم من جرمي سوى أملي ... بحسن عفوك عن جرمي وعن زللي
فإن يكن ذا وذا في القدر قد عظما ... فأنت أعظم من جرمي ومن أملي
فضحك وقال: يا إسحاق، عذرك أعلى قدرا من جرمك، وما جال
стр. 1499
بفكري، ولا خطر بعد انقضائه على بالي [١] .
«٣٤١» - لما ركب المأمون إلى المطبق لقتل ابن عائشة، لقيه العباس بن الحسن العلوي عائدا، فقال له: الله الله يا أمير المؤمنين في الدماء التي لا بقيّة معها ولا عقوبة بعدها؛ والبس رداء العفو الذي ألبسك الله تعالى إياه، وجمّلك به، وأسعدك باستعماله، فإنّ الملك إذا قتل أغري بالقتل حتى يصير عادة من عاداته، ولذة من لذّاته، فقال: والله يا أبا الفضل لو سمعت هذا منك قبل قتلي لابن عائشة ما كنت قتلته.
[إبراهيم بن المهدي والمأمون]
«٣٤٢» - لما دخل إبراهيم بن المهدي على المأمون عند الظفر به سلّم عليه وقال له: يا أمير المؤمنين، وليّ الثأر محكّم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومن مدّ له في الأناة حسن عنده الذنب، وقد جعلك الله فوق كلّ ذنب، كما جعل كلّ ذي ذنب دونك، فإن عاقبت فبحقّك، وإن عفوت فبفضلك؛ فقال المأمون: يا إبراهيم إنّي شاورت العباس ابني، وأبا أسحاق أخي، في أمرك فأشارا عليّ بقتلك، إلّا أنّني وجدت قدرك فوق ذنبك، فكرهت القتل للازم حرمتك.
فقال: يا أمير المؤمنين، قد نصح المشير بما جرت به العادة في السياسة وحياطة
стр. 1500
الخلافة، إلّا أنك أبيت أن أطلب النصر إلّا من حيث عوّدته من العفو، فإن عاقبت فلك نظير، وإن عفوت فلا نظير لك، فإنّ جرمي أعظم من أن أنطق فيه بعذر، وعفو أمير المؤمنين أجلّ من أن يفي به شكر. فقال المأمون: مات الحقد عند هذا العذر. فاستعبر إبراهيم، فقال المأمون: ما شأنك؟ قال: الندم، إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته في الإنعام عليّ. ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنه وإن بلغ جرمي استحلال دمي فحلم أمير المؤمنين وفضله يبلّغاني عفوه، وإنّ لي الشفعة:
الإقرار بالذنب، وحق العمومة بعد الأب، فلا يسقط عن كرمك عمّك، ولا يقع دون عفوك عبدك. فقال: لو لم يكن في حقّ نسبك حقّ الصفح عنك لبلّغك ما أمّلت حسن تنصّلك، ولطف توصّلك. ثم أمره بالجلوس وقال له: ما البلاغة يا إبراهيم؟ قال: أن يكون معناك يجلّي عن مغزاك. فقال المأمون: هذا كلام يشذّر بالذهب؛ لقد أذهبت به وغرا كان في صدري.
«٣٤٣» - اعتذر كاتب إلى صديق له فأجابه: أنت في أوسع العذر عند ثقتي، وفي أضيق العذر عند شوقي.
[كتاب من ابن مقلة إلى ابن الفرات]
٣٤٤- كتب أبو علي ابن مقلة إلى أبي الحسن ابن الفرات يستعطفه:
اقتصرت- أطال الله بقاء الوزير- على الاستعطاف والشكوى، على تناهي المحنة والبلوى، في النفس والمال، والجسم والحال، إلى ما فيه شفاء للمنتقم، وتقويم للمجترم، وحتى أفضيت إلى الحيرة والتبلد، وعيالي إلى الهلكة والتلدّد، وما أقول إنّ حالا أتاها الوزير أيده الله في أمري إلا بحقّ واجب، وظنّ صادق غير كاذب؛ إلّا أنّ القدرة تذهب الحفيظة، والاعتراف يزيل الاقتراف، وربّ المعروف يؤثره أهل الفضل والدين، والإحسان إلى المسيء من أفعال المتقين.
وعلى كلّ حالة فلي ذمام وحرمة، وتأميل وخدمة، إن كانت الإساءة تضيعها، فرعاية الوزير تحفظها.
стр. 1501
[وفد الشام يعتذر إلى المنصور]
«٣٤٥» - وفد وفد من أهل الشام على المنصور بعد انهزام عبد الله بن علي، وفيهم الحارث بن عبد الله بن ربيعة في عدة منهم، ثم قام الحارث فقال: أصلح الله أمير المؤمنين [١] ، لسنا وفد مباهاة، ولكنّا وفد قربة، وإنّا ابتلينا بفتنة استفزّت كريمنا واستخفّت حليمنا، فنحن معترفون، ومما سلف معتذرون، فإن تعاقبنا فقد أجرمنا، وإن تعف عنا فبفضلك علينا. فاصفح إذ ملكت، وامنن إذ قدرت، وأحسن فطالما أحسن الله إليك. فقال المنصور: قد فعلت ذلك بخطيبكم وأمر بردّ قطائعه.
[رسائل في الاعتذار والاستعطاف]
٣٤٦- ومن الاعتذار: إنك- أعزّك الله- بحسن معاشرتك للنعم، واستدامتك لها، واجتلابك ما بعد منها بشكر ما قرب، واستعمالك الصفح عن المجرم لما في عاقبته من جميل الذكر، وجزيل الأجر، تقبل العذر على معرفتك بشناعة الذّنب، وتقيل العثرة وإن لم تكن على يقين من صدق النيّة، وتدفع السيئة بالتي هي أحسن.
«٣٤٧» - ومن الاستعطاف [٢] : شفع إبراهيم بن المهدي إلى المأمون في محبوس فقال: يا أمير المؤمنين، ليس للعاصي بعد القدرة عليه ذنب، ولا للمعاقب بعد الملكة عذر؛ قال: صدقت، ووهبه له.
٣٤٨- كتب إبراهيم بن عبد الله اليقطيني إلى محمد بن ثوابة: إن كان ما أسخطك- أعزّك الله- من جرمي دون مقدار حرمتي، فالصفح عنه واجب لي، وإن كان موازيا فالحسنة تذهب السيّئة، وإن كان فوقه فإنّ الله يقول
стр. 1502
وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ
(البقرة: ٢٣٧) والفضل أعلى منزلة من الحقّ، وأولى بأهل الفضل والمجد. ومن قدّم- أعزّك الله- حرمة ترعى، أو ختم بإقرار وإعتاب [١] يروى لم يكن لسيّئة منه واسطة بين حسنتين جزاء من العقوبة ولا موضع من الحفيظة.
٣٤٩- كتب محمد بن عبد كان عن أحمد بن طولون إلى ابنه العباس بن أحمد حين عصى عليه: قد كتبت إليك يا بنيّ كتابا يصل بوصول هذه الرقعة، وعظتك فيه بالعظات النوافع، واحتججت عليك فيه بالحجج البوالغ، وذكّرتك بالدنيا والدين، وخلطت لك الغلظة باللين: أردت بالغلظة تسكين نفارك، وباللين أن أثني إليّ قيادك، فلا تحسب الغلظة يا بنيّ دعتني إليها فظاظة، ولا اللين حملتني عليه ضراعة. وكن على أوثق الثقة وأصحّ المعرفة بأنّ قلبي لك سليم وأنك عليّ كريم.
٣٥٠- فصل لأحمد بن يوسف: إنّ عذر المعتذر يكاد أن يلحق بمنزلة المذنب عند أكثر الناس، ولولا جلالة حقّك، ومخافة سخطك، لم أتشبّه في الاعتذار بأهل الذنوب.
«٣٥١» - وكتب سعيد بن حميد إلى سليمان بن وهب: إنما يطالب الناس- أعزّك الله- بالإنصاف على قدر منازلهم في المعرفة بفضله، وتلزمهم الحجة فيه على حسب ما عندهم من العلم بشرف محلّه؛ ووردت الكتب عنه بالاستبطاء لي، وتجاوزت فيها إلى ما أستحقّ غيره بإخلاصي وميلي وصدق محبتي. فإن كان ما كتبت به- أعزّك الله- حقّا، فلست أحتشم أن أقول:
стр. 1503
قد وقع الأمر في ذلك موقع الظلم لعلّتين: إحداهما أنه كان ينبغي أن تتقدّم إليّ بما تحبّ لأتّبعه وما تكره لأجتنبه، فإن ملت عن الواجب في أحد الأمرين فالعتب حينئذ واقع موقعه، وإلا فما الحجة عليّ، قال الله وهو أولى من اتّبع علمه وأطيع أمره وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ
(التوبة: ١١٥) اللهمّ إلا أن تكون عاتبا بسبب فلان، وقد رددت الحكم فيه إليك، فإن خفّ الكتاب عليك نفذت لأمرك، وإن ثقل حملت نفسي على ما تحبّ، وإن نالني ما أكره. وكان ينبغي أن تنتظر بالعتاب رجوع الجواب، فإن خالفت أمرك فأنا أسرع إلى الحكم لك على نفسي منك. وقد أنصفت أخت جسّاس في قولها: [من الرمل]
يا ابنة الأقوام إن شئت فلا ... تعجلي باللوم حتى تسألي
فإذا أنت تيقّنت التي ... عندها اللوم فلومي واعذلي
ولست بحمد الله ممن يعيب وليه ولا يغتنم زلّته وهفوته، بل يبسط العذر حين لا عذر له، ويقيم الحجة إن وجبت له عليه. وفي دون ما قلت ما أغنى، لأنّ الاختصار إذا لم يكن كافيا، فإنّ الإكثار أحرى أن لا يكفي.
٣٥٢- قيل: وجد حماد بن أبي سليمان [١] أستاذ أبي حنيفة زلّة كانت منه إليه، فأظهر الإعراض عنه، فكتب إليه أبو حنيفة رقعة يقول فيها: من كان ذنبه إلى الكرام، والعفو عنه في أبدي الصالحين، وتوبته إلى الرحماء، وجنايته إلى الحكماء، كان حريّا بالسلامة، وجديرا بالتخلّص من الملامة، وكان ذلك من سعادة جدّه، ومن التوفيق الذي لا يسلمه إلى أشدّ [٢] عاقبة أمره.
فلما قرأها حماد صفح عن زلّته، وأعاده إلى رتبته.
стр. 1504
«٣٥٣» - خرج محمد بن البعيث بن حلبس الرّبعي على المتوكل، فأخذه وحبسه، فهرب من الحبس وعاد إلى ما كان عليه، فجيء به وقدّم ليضرب عنقه، فقال له المتوكل: يا محمد، ما حملك على ما صنعت؟ قال: الشقوة يا أمير المؤمنين، وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه، وإنّ لي بك لظنّين، أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك، وهو العفو.
«٣٥٤» - كتب أبو محمد المهلبي: أوجست مني [١] إبعادا لك وانعطافا عنك:
[من البسيط]
وهل يباعد عذب الماء ذو غصص ... أو ينثني عن لذيذ الزاد منهوم
«٣٥٥» - عبد العزيز بن الطارقي المغربي: [من الطويل]
تمنّيت أنّ الدهر أبقاك عصمة ... يفوت بها الراجي مدى كلّ أعصما
وإن عرضت دون الرضى منك نبوة ... وكادت وجوه البشر أن تتجهّما
وأخفق حسن الظنّ إلّا تعلّة ... يراقب حكم الودّ أن يتلوّما
فيا للنّهى هل من عذير لمشفق ... تجشّم ذنب الدهر في ما تجشّما
«٣٥٦» - كتب ابن المعتز جوابا عن كتاب اعتذار: والله لا قابل إحسانك
стр. 1505
مني كفر، ولا تبع إحساني إليك منّ، ولك عندي يدان: يد لا أقبضها عن نفعك، وأخرى لا أبسطها إلى ضرّك، فتجنّب ما يسخطني [١] فإني أصون وجهك عن ذلّ الاعتذار.
«٣٥٧» - وقال ابن شهاب: دخلت على عبد الملك بن مروان في رجال من أهل المدينة، فرآني أحدثهم سنّا، فقال لي: من أنت؟ فانتسبت له، فقال: كان أبوك وعمّك يخبّان في فتنة ابن الزبير، قلت: يا أمير المؤمنين، إنّ مثلك إذا عفا لم يعدّد، وإذا صفح لم يثرّب؛ فأعجبه ذلك.
[الاعتذار بين المنصور والمأمون]
٣٥٨- سعي بعبد الملك بن الفارسي إلى المأمون، فقال له المأمون: إنّ العدل من عدّله أبو العباس، وقد كان وصفك بما وصفك به [٢] ثم أتتني الأنباء بخلاف ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الذي بلغك حمل عليّ، ولو كان كذلك لقلت نعم كما بلغك [٣] ، فأخذت بحقي من الله في الصدق، واتكلت على أمير المؤمنين في سعة عفوه؛ قال: صدقت.
«٣٥٩» - أقبل المنصور يوما راكبا، والفرج بن فضالة جالس على [٤] باب الذهب، فقام الناس إليه ولم يقم، فاستشاط المنصور غضبا وغيظا، ودعا به فقال
стр. 1506
له: ما منعك من القيام مع الناس حين رأيتني؟ قال: خفت أن يسألني الله عنه لم فعلت، ويسألك عنه لم رضيت، وقد كرهه رسول الله ﷺ ، فسكن غضبه وقضى حوائجه.
«٣٦٠» - قال المأمون لاسحاق بن العباس: لا تحسبنّي أغفلت إجلابك مع ابن المهدي وتأييدك لرأيه، وإيقادك لناره، قال: والله يا أمير المؤمنين لإجرام قريش إلى رسول الله ﷺ أعظم من جرمي إليك، ولرحمي أمسّ من أرحامهم، وقد قال كما قال يوسف لإخوته لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
(يوسف: ٩٢) وأنت يا أمير المؤمنين أحقّ وارث لهذه الأمة وممتنّ بها. قال: هيهات، تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام، وجرمك في إسلامك، وفي دار خلافتك. قال: والله يا أمير المؤمنين للمسلم أحقّ بالإقالة وغفران الزلّة من الكافر. هذا كتاب الله بيني وبينك. يقول الله : سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
إلى قوله تعالى: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
(آل عمران: ١٣٣- ١٣٤) والناس يا أمير المؤمنين سمة دخل فيها المسلم والكافر، والشريف والمشروف. قال: صدقت، اجلس، وري بك زنادي، ولا برح بإزائي من الغابرين من أهلك أمثالك.
«٣٦١» - وقال عمرو بن عبيد للمنصور، وأراد عقوبة رجل: يا أمير المؤمنين، الانتقام عدل، والتجاوز فضل، والمتجاوز قد جاوز حدّ المنصف، ونحن نعيذ أمير المؤمنين أن يرضى لنفسه بأوكس الفضلين دون أن يبلغ أرفع الدرجتين.
стр. 1507
«٣٦٢» - قال المنصور لرجل كان واجدا عليه: تكلّم بحجتك. قال: لو كان لي ذنب لتكلمت بعذري، وعفو أمير المؤمنين أحبّ إليّ من براءتي.
«٣٦٣» - كان النّخعي يكره أن يعتذر إليه ويقول: اسكت معذورا فإنّ المعاذير يحضرها الكذب.
[عتبة يخاطب أهل مصر]
«٣٦٤» - رقي عتبة بن أبي سفيان في مرض موته فقال: يا أهل مصر، قد تقدّمت لي فيكم عقوبات كنت يومئذ أرجو الأجر فيها، وأنا اليوم أخاف الوزر عليّ منها، فليتني لم أكن اخترت دنياي على معادي، ولم أصلحكم بفسادي، وأنا أستغفر الله منكم وأتوب إليه فيكم، ولقد هلك من شقي بين عفو الله ورحمته.
[أشعار في الاعتذار]
«٣٦٥» - وكان كعب بن جعيل شاعر معاوية [يمدحه] ويذم غيره، فقال معتذرا: [من الطويل]
ندمت على شتم العشيرة بعد ما ... مضى واستتبّت للرواة مذاهبه
فأصبحت لا أسطيع ردّ الذي مضى ... كما لا يردّ الدرّ للضرع [١] حالبه
٣٦٦- أبو نواس: [من الوافر]
أقلني قد ندمت على الذنوب ... وبالإقرار عذت من الجحود
стр. 1508
أنا استدعيت [١] عفوك من قريب ... كما استعفيت سخطك من بعيد
فإن عاقبتني فبسوء فعلي ... فما ظلمت عقوبة مستقيد
وإن تغفر فإحسان جديد ... سبقت به إلى شكر جديد
«٣٦٧» - المتنبي: [من الوافر]
وكيف يتمّ بأسك في أناس ... تصيبهم فيؤلمك المصاب
ترفّق أيها المولى عليهم ... فإنّ الرفق بالجاني عتاب
وإنهم عبيدك حيث كانوا ... إذا تدعو لمظلمة [٢] أجابوا
وعين المخطئين هم وليسوا ... بأول معشر خطئوا فتابوا
وجرم جرّه سفهاء قوم ... فحلّ بغير جانيه [٣] العذاب
«٣٦٨» - اعتذر رجل إلى المنصور فقال: أتراني أتجاوز بك حكم الله حيث يقول: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ، وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
(الأحزاب: ٥) .
«٣٦٩» - ومن كلام روح بن زنباع: لا تشمتنّ بي عدوّا أنت وقمته، ولا تسوءنّ بي صديقا أنت سررته، ولا تهدمنّ ركنا أنت بنيته.
[الاعتذار بين المنصور والمأمون وقصة إبراهيم بن المهدي]
«٣٧٠» - لما ظفر المأمون بابراهيم بن المهدي أحبّ أن يوبّخه على رؤوس
стр. 1509
الناس، قال: فجيء بابراهيم يحجل في قيوده، فوقف على طرف الإيوان فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال المأمون: لا سلّم الله عليك ولا حفظك ولا كلأك ولا رعاك يا إبراهيم، فقال له: على رسلك يا أمير المؤمنين، فلقد أصبحت وليّ ثأري، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مدّ له الاغترار في الأمل هجمت به الأناة على التلف، وقد أصبح ذنبي فوق كلّ ذنب، كما أنّ عفوك فوق كلّ عفو. فإن عاقبت فبحقّك، وإن تعف فبفضلك.
قال: فأطرق مليّا ثم رفع رأسه وقال: إنّ هذين أشارا عليّ بقتلك؛ فإذا المعتصم والعباس بن المأمون، فقال له: يا أمير المؤمنين، أمّا حقيقة الرأي في معظم تدبير الخلافة والرياسة فقد أشارا به عليك، وما غشّاك إذ كان منّي ما كان، ولكن الله تعالى عوّدك من العفو عادة جريت عليها، دافعا ما تخاف بما ترجو، فكفاك الله يا أمير المؤمنين.
فتبسّم المأمون ثم قال لثمامة: إنّ من الكلام ما يفوق الدرّ ويغلب السحر، وإنّ كلام عمي منه. أطلقوا عن عمي قيوده وردّوه إليّ مكرّما. فلما ردّ إليه قال: يا عمّ صر إلى الأنس وارجع إلى المنادمة، فلن ترى أبدا منّي إلّا ما تحبّ.
«٣٧١» - وحدّث محمد بن الفضل الهاشمي قال: لما فرغ المأمون من خطابه دفعه إلى ابن أبي خالد الأحول وقال: هو صديقك فخذه إليك، فقال: وما تغني صداقتي عنه وأمير المؤمنين ساخط عليه؟! أما إني وإن كنت صديقا له لا أمتنع من قول الحقّ فيه. قال له: قل فإنّك غير متهم، فقال- وهو يريد التسلق على العفو عنه-: إن قتلته، فقد قتل الملوك قبلك أقلّ جرما منه، وإن عفوت عنه
стр. 1510
عفوت عمّن لم يعف من قبلك عن مثله. فمكث المأمون ساعة ثم قال:
[من الكامل المرفل]
فلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
خذه إليك يا أحمد مكرّما. فانصرف به. ثم كتب إبراهيم إلى المأمون قصيدته العينيّة التي يقول فيها: [من الكامل]
الله يعلم ما أقول فإنها ... جهد الأليّة من حنيف راكع
قسما فما أدلي إليك بحجة ... إلّا التضرّع من مقرّ خاشع
ما إن عصيتك والغواة تمدّني ... أسبابها إلّا بنيّة طائع
يقول فيها:
وعفوت عمّن لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع
إلّا العلوّ عن العقوبة بعدما ... ظفرت يداك بمستكين خاضع
[الرشيد والعتابي]
«٣٧٢» - وجد الرشيد على العتّابي، فدخل سرّا مع المتظلّمين بغير إذن، فمثل بين يدي الرشيد وقال: يا أمير المؤمنين، قد أدّبني [١] الناس لك ولنفسي فيك، وردّني ابتلاؤهم إلى شكرك، وما مع تذكّرك قناعة بأحد غيرك، ونعم الصائن لنفسي كنت لو أعانني عليك الصبر، ولذلك أقول: [من الطويل]
أخضني المقام الغمر إن كان غرّني ... سنا خلّب أو زلّت القدمان
أتتركني جدب المعيشة مقترا ... وكفّاك من ماء النّدى تكفان