له: ما منعك من القيام مع الناس حين رأيتني؟ قال: خفت أن يسألني الله عنه لم فعلت، ويسألك عنه لم رضيت، وقد كرهه رسول الله ﷺ ، فسكن غضبه وقضى حوائجه.
«٣٦٠» - قال المأمون لاسحاق بن العباس: لا تحسبنّي أغفلت إجلابك مع ابن المهدي وتأييدك لرأيه، وإيقادك لناره، قال: والله يا أمير المؤمنين لإجرام قريش إلى رسول الله ﷺ أعظم من جرمي إليك، ولرحمي أمسّ من أرحامهم، وقد قال كما قال يوسف لإخوته لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
(يوسف: ٩٢) وأنت يا أمير المؤمنين أحقّ وارث لهذه الأمة وممتنّ بها. قال: هيهات، تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام، وجرمك في إسلامك، وفي دار خلافتك. قال: والله يا أمير المؤمنين للمسلم أحقّ بالإقالة وغفران الزلّة من الكافر. هذا كتاب الله بيني وبينك. يقول الله : سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
إلى قوله تعالى: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
(آل عمران: ١٣٣- ١٣٤) والناس يا أمير المؤمنين سمة دخل فيها المسلم والكافر، والشريف والمشروف. قال: صدقت، اجلس، وري بك زنادي، ولا برح بإزائي من الغابرين من أهلك أمثالك.
«٣٦١» - وقال عمرو بن عبيد للمنصور، وأراد عقوبة رجل: يا أمير المؤمنين، الانتقام عدل، والتجاوز فضل، والمتجاوز قد جاوز حدّ المنصف، ونحن نعيذ أمير المؤمنين أن يرضى لنفسه بأوكس الفضلين دون أن يبلغ أرفع الدرجتين.
стр. 1507
«٣٦٢» - قال المنصور لرجل كان واجدا عليه: تكلّم بحجتك. قال: لو كان لي ذنب لتكلمت بعذري، وعفو أمير المؤمنين أحبّ إليّ من براءتي.
«٣٦٣» - كان النّخعي يكره أن يعتذر إليه ويقول: اسكت معذورا فإنّ المعاذير يحضرها الكذب.
[عتبة يخاطب أهل مصر]
«٣٦٤» - رقي عتبة بن أبي سفيان في مرض موته فقال: يا أهل مصر، قد تقدّمت لي فيكم عقوبات كنت يومئذ أرجو الأجر فيها، وأنا اليوم أخاف الوزر عليّ منها، فليتني لم أكن اخترت دنياي على معادي، ولم أصلحكم بفسادي، وأنا أستغفر الله منكم وأتوب إليه فيكم، ولقد هلك من شقي بين عفو الله ورحمته.
[أشعار في الاعتذار]
«٣٦٥» - وكان كعب بن جعيل شاعر معاوية [يمدحه] ويذم غيره، فقال معتذرا: [من الطويل]
ندمت على شتم العشيرة بعد ما ... مضى واستتبّت للرواة مذاهبه
فأصبحت لا أسطيع ردّ الذي مضى ... كما لا يردّ الدرّ للضرع [١] حالبه
٣٦٦- أبو نواس: [من الوافر]
أقلني قد ندمت على الذنوب ... وبالإقرار عذت من الجحود
стр. 1508
أنا استدعيت [١] عفوك من قريب ... كما استعفيت سخطك من بعيد
فإن عاقبتني فبسوء فعلي ... فما ظلمت عقوبة مستقيد
وإن تغفر فإحسان جديد ... سبقت به إلى شكر جديد
«٣٦٧» - المتنبي: [من الوافر]
وكيف يتمّ بأسك في أناس ... تصيبهم فيؤلمك المصاب
ترفّق أيها المولى عليهم ... فإنّ الرفق بالجاني عتاب
وإنهم عبيدك حيث كانوا ... إذا تدعو لمظلمة [٢] أجابوا
وعين المخطئين هم وليسوا ... بأول معشر خطئوا فتابوا
وجرم جرّه سفهاء قوم ... فحلّ بغير جانيه [٣] العذاب
«٣٦٨» - اعتذر رجل إلى المنصور فقال: أتراني أتجاوز بك حكم الله حيث يقول: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ، وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
(الأحزاب: ٥) .
«٣٦٩» - ومن كلام روح بن زنباع: لا تشمتنّ بي عدوّا أنت وقمته، ولا تسوءنّ بي صديقا أنت سررته، ولا تهدمنّ ركنا أنت بنيته.
[الاعتذار بين المنصور والمأمون وقصة إبراهيم بن المهدي]
«٣٧٠» - لما ظفر المأمون بابراهيم بن المهدي أحبّ أن يوبّخه على رؤوس
стр. 1509
الناس، قال: فجيء بابراهيم يحجل في قيوده، فوقف على طرف الإيوان فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال المأمون: لا سلّم الله عليك ولا حفظك ولا كلأك ولا رعاك يا إبراهيم، فقال له: على رسلك يا أمير المؤمنين، فلقد أصبحت وليّ ثأري، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مدّ له الاغترار في الأمل هجمت به الأناة على التلف، وقد أصبح ذنبي فوق كلّ ذنب، كما أنّ عفوك فوق كلّ عفو. فإن عاقبت فبحقّك، وإن تعف فبفضلك.
قال: فأطرق مليّا ثم رفع رأسه وقال: إنّ هذين أشارا عليّ بقتلك؛ فإذا المعتصم والعباس بن المأمون، فقال له: يا أمير المؤمنين، أمّا حقيقة الرأي في معظم تدبير الخلافة والرياسة فقد أشارا به عليك، وما غشّاك إذ كان منّي ما كان، ولكن الله تعالى عوّدك من العفو عادة جريت عليها، دافعا ما تخاف بما ترجو، فكفاك الله يا أمير المؤمنين.
فتبسّم المأمون ثم قال لثمامة: إنّ من الكلام ما يفوق الدرّ ويغلب السحر، وإنّ كلام عمي منه. أطلقوا عن عمي قيوده وردّوه إليّ مكرّما. فلما ردّ إليه قال: يا عمّ صر إلى الأنس وارجع إلى المنادمة، فلن ترى أبدا منّي إلّا ما تحبّ.
«٣٧١» - وحدّث محمد بن الفضل الهاشمي قال: لما فرغ المأمون من خطابه دفعه إلى ابن أبي خالد الأحول وقال: هو صديقك فخذه إليك، فقال: وما تغني صداقتي عنه وأمير المؤمنين ساخط عليه؟! أما إني وإن كنت صديقا له لا أمتنع من قول الحقّ فيه. قال له: قل فإنّك غير متهم، فقال- وهو يريد التسلق على العفو عنه-: إن قتلته، فقد قتل الملوك قبلك أقلّ جرما منه، وإن عفوت عنه
стр. 1510
عفوت عمّن لم يعف من قبلك عن مثله. فمكث المأمون ساعة ثم قال:
[من الكامل المرفل]
فلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
خذه إليك يا أحمد مكرّما. فانصرف به. ثم كتب إبراهيم إلى المأمون قصيدته العينيّة التي يقول فيها: [من الكامل]
الله يعلم ما أقول فإنها ... جهد الأليّة من حنيف راكع
قسما فما أدلي إليك بحجة ... إلّا التضرّع من مقرّ خاشع
ما إن عصيتك والغواة تمدّني ... أسبابها إلّا بنيّة طائع
يقول فيها:
وعفوت عمّن لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع
إلّا العلوّ عن العقوبة بعدما ... ظفرت يداك بمستكين خاضع
[الرشيد والعتابي]
«٣٧٢» - وجد الرشيد على العتّابي، فدخل سرّا مع المتظلّمين بغير إذن، فمثل بين يدي الرشيد وقال: يا أمير المؤمنين، قد أدّبني [١] الناس لك ولنفسي فيك، وردّني ابتلاؤهم إلى شكرك، وما مع تذكّرك قناعة بأحد غيرك، ونعم الصائن لنفسي كنت لو أعانني عليك الصبر، ولذلك أقول: [من الطويل]
أخضني المقام الغمر إن كان غرّني ... سنا خلّب أو زلّت القدمان
أتتركني جدب المعيشة مقترا ... وكفّاك من ماء النّدى تكفان
стр. 1511
وتجعلني سهم المصائب [١] بعدما ... بللت يميني بالنّدى ولساني
فخرج وعليه الخلع وقد أمر له بجائزة.
«٣٧٣» - وقال العتابي لرجل اعتذر إليه: إن لم أقبل عذرك كنت الأم منك، وقد قبلت عذرك، [فدم على لوم نفسك في جنايتك، تزد في قبول عذرك] والتجافي عن زلّتك.
«٣٧٤» - وأنكر على صديق له شيئا فكتب إليه: إمّا أن تقرّ بذنبك فيكون إقرارك حجة علينا في العفو عنك، وإلّا فطب نفسا بالانتصاف منك فإنّ الشاعر يقول: [من البسيط]
أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزنا ... عنه فإنّ جحود الذنب ذنبان
«٣٧٥» - عاتب المهديّ مطيع بن أياس في شيء بلغه عنه، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن كان ما بلغك عنّي حقّا فما تغني المعاذير، وإن كان باطلا فما تضرّ الأباطيل. فقبل عذره وقال: إنّا ندعك على جملتك ولا نكشفك.
[الكميت وهشام بن عبد الملك]
«٣٧٦» - لما دخل الكميت بن زيد على هشام بن عبد الملك معتذرا مما كان طلبه لأجله، سلّم ثم قال: يا أمير المؤمنين، غائب أناب [٢] ، ومذنب تاب، محا بالإنابة ذنبه، وبالصدق كذبه، والتوبة تذهب الحوبة، ومثلك حلم عن ذي الجريمة، وصفح عن ذي الرّيبة. فقال له هشام: ما الذي نجّاك من اللغويّ [٣]
стр. 1512
فقال: صدق النية في التوبة. قال: ومن سنّ لك الغيّ وأورطك فيه؟ قال: الذي أغوى آدم فنسي ولم يجد له عزما.
[أبو نخيلة]
«٣٧٧» - كان أبو نخيلة منقطعا إلى مسلمة بن عبد الملك، فلما جاءت دولة بني هاشم خافهم وبعد حتى علم أنّ السفاح قد عفا عمّن هو أعظم جرما منه وأكبر محلّا، فلما وقف بين يديه سلّم عليه ودعا وأثنى، ثم استأذن في الإنشاد، فقال له: ومن أنت؟ قال: عبدك يا أمير المؤمنين أبو نخيلة الحمّاني، فقال له: لا حيّاك الله ولا قرّب دارك يا نضو السوء، ألست القائل في مسلمة بن عبد الملك بالأمس: [من الطويل]
أمسلم إني يا ابن كلّ خليفة ... ويا جبل الدنيا ويا ملك الأرض
أما والله لولا أني قد أمّنت نظراءك لما ارتدّ إليك طرفك حتى أخضبك بدمك.
فقال: [من الرجز]
كنّا أناسا نرهب الأملاكا ... إذ ركبوا الأعناق والأوراكا
ثم ارتجينا زمنا أباكا ... ثم ارتجينا بعده أخاكا
ثم ارتجيناك لها إياكا ... وكان ما قلت لمن سواكا
زورا فقد كفّر هذا ذاكا
فتبسم أبو العباس وقال له: أنت شاعر وطالب خير، وما زال الناس يمدحون الملوك في دولتهم، والتوبة تكفّر الخطيئة، والظفر يزيل الحقد، وقد عفونا عنك، واستأنفنا الصنيعة لك. وأنت الآن شاعرنا فتسمّ بذلك لتزول عنك سمة بني مروان، فقد كفّر هذا ذلك، كما قلت.
стр. 1513
نوادر في الاعتذار والاستعطاف
«٣٧٨» - قال المدائني: ورد على المنصور كتاب من مولى له بالبصرة أنّ سلما ضربه بالسياط، فاستشاط المنصور غضبا وقال: أعليّ يجترىء سلم؟ والله لأجعلنّه نكالا يتّعظ به غيره. فأطرق جلساؤه جميعا، وأراد ابن عياش أن يعتذر عنه، وكان أجرأهم على المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأينا من غضبك على سلم ما شغل قلوبنا، وإنّ سلما يضرب مولاك لا بقوّته ولا قوة أبيه، ولكنّك قلّدته سيفك، وأصعدته منبرك، فأراد مولاك أن يطامن منه ما رفعت، ويفسد ما صنعت، فلم يحتمل له ذلك. يا أمير المؤمنين، إنّ غضب العربيّ في رأسه، فإذا غضب لم يهدأ حتى يخرجه بلسان أو يد، وإنّ غضب النبطيّ في استه فإذا خرىء ذهب عنه غضبه؛ فضحك المنصور وكفّ عن ذكر سلم.
٣٧٩- قدّم إلى عبد الله بن علي أسير من بني أمية فأمر بقتله، فلما وقف على رأسه بالسيف ضرط، فوقع السيف من يد الرجل المأمور بقتله، فضحك عبد الله وعطف عليه وقال: خلّوا سبيله. فقال الأموي: وهذا أيضا من الادبار، كنّا ندفع الموت بأسيافنا، صرنا ندفعه بأستاهنا.
٣٨٠- بلغ أبا إسحاق النحويّ المعروف بالهدهد أنّ أبا إسحاق الزجاج
стр. 1514
عاتب عليه، وكان الهدهد أعمى، فقال لقائده: قفني على حلقة الزجّاج في الجامع، فوقفه فصاح به وقال: يا أبا إسحاق أنت مني بمرأى أو مسمع؟
فقال: نعم، فقال: أنشدني وإياك المبرد: [من الرمل المجزوء]
غضبت هند وصدّت ... بعرة في المدّ الاكبر
ثم انصرف.
«٣٨١» - اعتذر رجل إلى يحيى بن خالد فأساء، فقال له يحيى: ذنبك يستغيث من عذرك.
«٣٨٢» - اعتذر رجل إلى ابن أبي خالد فأساء، فقال لأبي عبادة: ما تقول فيه؟ قال: يوهب له جرمه، ويضرب لعذره أربعمائة.
٣٨٣- شاعر: [من الكامل]
ارفق بعبدك إنّ فيه بلادة ... جبليّة ولك العراق ومأوه
تمّ الباب السابع عشر في المدح والثناء والشكر، والحمد لله وحده، وصلواته على نبينا محمد وآله وسلم.
стр. 1515
الباب الثامن عشر في التّهاني
стр. 1516
[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
الحمد لله مبدي الأمم ومعيدها، ومهنّىء النّعم ومفيدها، ومعطي الرّغاب ومجزلها، ومسنّي المواهب ومفضلها، جاعل الخير والشرّ لعباده بلوى وفتنة، وقاسمها بينهم اختبارا ومحنة، فجازع شقيّ وصابر سعيد، وجاحد قصيّ وشاكر مستزيد. أمر المؤمنين بالتواصل والتزاور، ونهاهم عن التقاطع والتدابر، وندبهم إلى التساهم في الرخاء، والاشتراك في السرّاء، ليشكر كلّ واحد منهم النعمة في أخيه، ويجمعهما الوفاق في المحبوب والمكروه.
أحمده على تهنئة العطاء حمدا يبلغ رضاه، وأشكره شكر معترف بأياديه ونعماه، وأسأله الصلاة على رسوله المصطفى الهادي، ونبيّه الداعي إلى سبل الرشاد، وعلى آله المرتضعين درّة التوفيق والسداد، المتعاطين بينهم كأس التهاني بالصفاء والاتحاد، وسلّم تسليما كثيرا.
стр. 1517
(الباب الثامن عشر في التهاني)
[فصول الباب الثامن عشر]
وفيه فصول تسعة: الفتوح- الولاية- الخلع- الولد- النكاح- المواسم- الاياب- الشواذ- النوادر.
٣٨٤- قد جاء في كتاب الله تعالى ما يماثل هذا المعنى ويضاهيه، ويتضمّن البشرى بما أتيح للسعيد من مآل الخير، كقوله سبحانه حكاية عن أهل الجنة وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
(فاطر: ٣٤) وكقوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ
(الزمر: ٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
(الأعراف: ٤٣) وقوله : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ
(التوبة: ٢١) .
стр. 1518
الفصل الأول فى الفتوح
«٣٨٥» - كتب طاهر بن الحسين إلى المأمون لما فتح بغداد وقتل محمدا الأمين: أما بعد، فإنّ المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين في النّسب واللّحمة، لقد فرّق الله بينه وبينه في الولاية والحرمة، لمفارقته عصمة الدين، وخروجه عن الأمر الجامع للمسلمين. قال الله : يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
(هود: ٤٦) ولا صلة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة في ذات الله. وكتبت إلى أمير المؤمنين وقد قتل المخلوع، وردّاه الله برداء نكثه، وأحمد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له ما ينتظر من صادق وعده، والحمد لله المتولي لأمير المؤمنين بنعمته، والراجع إليه بمعلوم حقّه، والكايد له ممن ختر عهده ونكث عقده، حتى ردّ له الألفة بعد تفرّقها، وأحيا الأعلام بعد دروس أثرها، ومكّن له في الأرض بعد شتات أهلها، والسلام.
وبعث إليه بالبردة ورأس الأمين، وكتب إليه قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
(آل عمران: ٢٦) .
«٣٨٦» - وكتب المهلّب إلى الحجّاج في حرب الأزارقة: أما بعد، فالحمد لله الذي لا تنقطع موادّ نعمه من خلقه، حتى تنقطع موادّ الشكر. وإنا وعدوّنا كنّا
стр. 1519
على حالتين، يسرّنا فيهم أكثر مما يسوءنا، ويسوءهم منّا أكثر مما يسرّهم. فلم يزل الله يزيدنا وينقصهم، ويعزّنا ويذلّهم، ويؤيّدنا ويخذلهم، ويمحّصنا ويمحقهم، حتى بلغ الكتاب أجله فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
(الأنعام: ٤٥) .
«٣٨٧» - وكتب إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة حين ولي العراق من قبل ابن الزبير يخبره بهزيمة الخوارج: أما بعد، فإنّا مذ خرجنا نؤمّ هذا العدوّ في نعم من الله متصلة علينا، ونقمة من الله متتابعة عليهم، نقدم ويحجمون، ونحلّ ويرحلون، إلى أن حللنا بسوق الأهواز، والحمد لله رب العالمين.
«٣٨٨» - وكتب إليه بعد هذا الكتاب: أمّا بعد، فإنّا لقينا الأزارقة المارقة [١] بحدّ وجدّ، وكانت في الناس [٢] جولة، ثم ثاب أهل الحفاظ والصبر بنيّات صادقة، وأبدان شداد، وسيوف حداد، فأعقب الله خير عاقبة، وجاوز بالنعمة مقدار الأمل، فصاروا دريئة رماحنا، وضرائب سيوفنا، وقتل الله أميرهم ابن الماحوز، وأرجو أن يكون آخر هذه النعمة كأوّلها، والسلام.
٣٨٩- كاتب في فتح: نعمة جسيمة جمع الله بها الألفة، وأمّن بها من الخلاف والفرقة، وجعل لأهل دينه سكنا وثقة، وأمنا وعصمة، فلم تعر منها خاصّة ولا عامّة، ولم تخل من سعادتها قاصية ولا دانية.
٣٩٠- فصل من كتاب بذكر فتح [٣] : فأبي إلّا جماحا في غوايته، وتماديا في ضلالته، وتولّيا بركنه، وتعزّزا بحصنه، فلما سفه نفسه، وجهل حظّه،
стр. 1520
وغمط العافية المعرضة له، وتبيّنت أن لا فيئة عنده يراجع بها رشده، فعلت.
ولجأ إلى مكان كذا مقموعا قد أكذب الله ظنّه، وأحاط به مكره، وما الله بظلّام للعبيد، فالحمد لله الفتّاح العليم، المنّان الكريم، ذي الفضل العظيم والبلاء الجسيم، الذي أنجز وعده، ونصر حقّه، حمدا يزيد ولا يبيد دون أداء حقّه وبلوغ ما يجب له.
٣٩١- آخر في مثله: فلما التقت الفئتان [١] ، وتدانى الفريقان، أتبعتهم الموعظة، وجدّدت لهم المعذرة، ليستبين جائر، ويهتدي حائر، ويقبل مدبر، ويزداد مستبصر، فمجّتها أسماعهم، ولفظتها قلوبهم، وغلبهم على أنفسهم سفه رأيهم، وصادق القول [٢] عليهم، وخرجوا يدعون إلى البراز، فأخرجت إليهم أندادهم أولياء أمير المؤمنين، موقنين أنهم من أمرهم بين حسنيين، ومن قضاء الله بين خيرتين، عاجل الفلج والظفر، وآجل السعادة وكرم المنقلب، فصدقوهم القتال في المجالدة، ونشبت الحرب وحمي وطيسها، ودارت على قطبها، ودرّت على أخلافها، وجال خطامها، فمن ضارب ونابل وطاعن، وكفّ نادرة، وقدم بائنة، ومضرّج بدمه، ومغرّر بنفسه، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
(الحشر: ٤) .
٣٩٢- أحمد بن سعد [٣] من كتاب تهنئة: وواصل لك الفتوح شرقا وغربا، وطال [٤] رقاب الأعداء سلما وحربا، وقاد لك أزمة الملك طوعا وكرها ورعبا ورهبا [٥] .
٣٩٣- آخر: وإني لما آثرت الأناة في أمره، والإعذار في الموعظة إليه،
стр. 1521
وعاودت إنذاره والاحتجاج عليه، وعرّفته نوازل العبر وعواقب البطر، وصرّفت له القول في الترغيب والترهيب، ووصلت له الوعد بالوعيد، فلما أبى إلا جماحا في غيّه، ثانيا لعطفه، توكلت على الله في مناجزته، فزحفت إليه في من اخترته، وبرز إليّ في أصحابه، فما استقروا في موقفهم حتى زلزل الله أقدامهم ونخب [١] قلوبهم، وأسكن الرعب حوباءهم [٢] ، فنكصوا على أدبارهم، ووضع الأولياء سلاحهم حيث شاءوا منهم [٣] ، وأتوا عليهم من عند آخرهم، وأخذ الحائن أسيرا مقهورا من غير عهد يعصمه، ولا عقد يحقن دمه، فالحمد لله الفتّاح العليم، المنّان الكريم، الذي لا يعجزه شيء أراده، ولا يتكاءده أمر طلبه، حمدا يوازي آلاءه، ويكافىء نعماءه.
«٣٩٤» - لما فتح الرشيد هرقلة عاد إلى الرقّة فدخلها آخر يوم من شهر رمضان، وعيّد، ثم جلس للشعراء، فبدرهم أشجع السلميّ فأنشده:
[من البسيط]
لا زلت تنشر أيّاما وتطويها ... تمضي بها لك أيام وتمضيها [٤]
مستقبلا زينة الدنيا وبهجتها ... أيّامها لك نظم في لياليها
العيد والعيد والأيام مقبلة ... إليك بالنصر معقود نواصيها
أمست هرقلة تهوي من جوانبها ... وناصر الدين والإسلام يرميها
стр. 1522
ملكتها وقتلت الناكثين بها ... بنصر من يملك الدنيا وما فيها
ما روعي الدين والدنيا على قدر [١] ... بمثل هارون راعيه وراعيها
فأمر له بألف دينار وقال: لا ينشدني أحد بعده، فقال أشجع: والله لأمره أن لا ينشده أحد بعدي أحبّ إليّ من صلته.
«٣٩٥» - ولما فتح المعتصم عمورية أكثر الشعراء ذكر هذا الفتح، وهو من أعظم فتوح الإسلام، فمن ذلك قول الحسين بن الضحاك: [من الكامل]
قل للألى صرفوا الوجوه عن الهدى ... متعسّفين تعسّف المرّاق
إني أحذّركم بوادر ضيغم ... درب بحطم موائل الأعناق
متأهّب لا يستفزّ جنانه ... زجل الرعود ولا مع الابراق
لم يبق من متعرّمين تواثبوا ... بالشام غير جماجم أفلاق
من بين منجدل تمجّ عروقه ... علق الأخادع أو أسير وثاق
وثنى الخيول إلى معاقل قيصر ... يختال بين أحزّة ورقاق
يحملن كلّ غشمشم [٢] متغشّم ... ليث هزبر أهرت الأشداق
حتى إذا أمّ الحصون منازلا ... والموت بين ترائب وتراق
هرّت بطارقها هرير قساور ... بدهت بأكره منظر ومذاق
ثم استكانت للحصار ملوكها ... ذللا وناط حلوقها بخناق
هربت وأسلمت الصليب حماتها ... لم يبق غير حشاشة الأرماق
стр. 1523
«٣٩٦» - ومن ذلك قول أبي تمام الطائي، وهي من عيون شعره، اقتصرت منها على ما يتعلق بالفتح وأولها: [من البسيط]
السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب
بيض الصّفائح لا سود الصحائف في ... متونهنّ جلاء الشكّ والرّيب
والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب
ومنها:
فتح الفتوح تعالى أن يحيط به ... نظم من الشّعر أو نثر من الخطب
فتح تفتّح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب [١]
يا يوم وقعة عمّوريّة انصرفت ... عنك المنى حفّلا معسولة الحلب
أبقيت جدّ بني الإسلام في صعد ... والمشركين ودار الشرك في صبب
أمّ لهم لو رجوا أن تفتدى جعلوا ... فداءها كلّ أمّ حرّة وأب
وبرزة الوجه قد أعيت رياضتها ... كسرى وصدّت صدودا عن أبي كرب
بكر فما افترعتها كفّ حادثة ... ولا ترقّت إليها همّة النّوب
من عهد اسكندر أو قبل ذلك قد ... شابت نواصي الليالي وهي لم تشب
حتى إذا مخض الله السنين لها ... مخض الحليبة [٢] كانت زبدة الحقب
أتتهم الكربة السوداء سادرة ... منها وكان اسمها فرّاجة الكرب
جرى لها الفأل برحا يوم أنقرة ... إذا غودرت وحشة الساحات والرّحب
لما رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الجرب
стр. 1524
ومنها:
لم يغز قوما ولم ينهد إلى بلد ... إلّا تقدّمه جيش من الرّعب
لو لم يقد جحفلا يوم الوغى لغدا ... من نفسه وحدها في جحفل لجب
رمى بك الله برجيها فهدّمها ... ولو رمى بك غير الله لم تصب
من بعد ما أشّبوها واثقين بها ... والله مفتاح باب المعقل الأشب
لبيت صوتا زبطريّا هرقت له ... كأس الكرى ورضاب الخرّد العرب
كانت الروم قد فتحت زبطرة، فصاحت امرأة من المسلمين بها: وا محمداه، وا معتصماه! فلما ورد الخبر إلى المعتصم ركب لوقته يؤمّ الشام وصاح: لبيك، وألحّ على حصون الروم حتى فتح أنقرة وعمورية.
عداك حرّ الثغور المستضامة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الحصب
ومنها:
لم ينفق الذهب المربي بكثرته ... على الحصى وبه فقر إلى الذهب
إنّ الأسود أسود الغاب همّتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
خليفة الله جازى الله سعيك عن ... جرثومة الدين والإسلام والحسب
بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها ... تنال إلّا على جسر من التعب
إن كان بين صروف الدهر من رحم ... موصولة أو ذمام غير منقضب
فبين أيامك اللائي نصرت بها ... وبين أيام بدر أقرب النسب
[مكاتبات للصابي في الفتوح]
(وللصابي مكاتبات في الفتوح) تدل على مكانه من الكتابة والبلاغة، وفيها إطالة كرهت لها أن تنقل على جهتها، فأوردت منها ما جاز، وتخيّرت من فصولها الأوجز والأفصح:
٣٩٧- فمن ذلك كتابه عن صمصام الدولة إلى فخرها يذكر هزيمة
стр. 1525
القرامطة وفتح الكوفة: كتابي- أطال الله بقاء مولانا- والسلامة لمولانا أمير المؤمنين شاملة، والكفاية بحوزته كاملة، فظلّه على الأمير السيد وعليّ ظليل [١] ، ورأيه فينا حسن جميل، وأنا للنعمة في ذلك مبد معيد، ومنها بالشكر مستمدّ ومستزيد، والحمد لله رب العالمين. وإذا قضى الله لي- أطال الله بقاء مولانا- بعلوّ يد على مطاوليها، وظهور راية على منازليها، وحلول نقمة بالمتمرسين بي، وامتناع جانب على المتطرفين لي، رأيت أنّ الموهبة في ذلك بادئة به قبلي، وواصلة إليه ثم إليّ، لتمسّكي بطاعته وولائه، واستئثاري على الأقران بحسن معتقده ورائه، ولأنّ الحضرة التي أنا مدبّرها دار أمير المؤمنين وحماه، وظل السلطان وذراه، فبصلاحها تصلح الأوساط والأطراف، وبصيانتها تصان الأثباج والأكناف؛ هذا إلى اجتماعي معه في ذروة مفخرنا الأفخم، وذؤابة بيتنا الأعظم، الذي حصّنه الله بجلالة الأسلاف، ونجابة الأخلاف، وكرم القديم، وشرف الحديث، وتكفّلي بحياطة ما يليني من الممالك التي ينادى بشعاره في أرجائها، وتمتنع بذكره على أعدائها. وجميع هذه المنح كالثمرات المجتناة من تقوى الله وطاعته، والتحدّث [٢] بآلائه ونعمه، والإقرار بالضّعف لولا أن أيّدنا الله، وبالضعة لولا أن أنهضنا، واللياذ به في كلّ أمر أهمّنا وملمّ طرقنا، وعلى حسب هذه الاستكانة منّا له، والإخبات لكبريائه وعظمته استكبار أعدائنا واستعلاؤهم، وسعيهم علينا وإجلابهم، ومخالفتهم في معاندتنا ومجاذبتنا [٣] إرادة الله سبحانه فينا، إذ مكّن لنا في الأرض، وفضّلنا على كثير من الخلق؛ لا جرم أنه عزّ وجهه يحكم لنا عليهم حكومة باطنها باطن عدل وإنصاف، وظاهرها ظاهر حيف وإجحاف، لأنّ العاقبة تكون لنا على المداومة لا المداولة، والدائرة تدور عليهم على المتواترة لا على المناوبة؛ وكان الأولى بهم إذ لم يكفّهم
стр. 1526
العلم والمعرفة أن تكفّهم العادة الجارية، وإذ لم يحجزهم التأمل والروية أن تحجزهم التجربة المتكررة. وكفى بنا وبهم استطالة عليهم منّا، وانحطاطا منهم عنّا، أنّا على ذلك نكافحهم مراقبين لله تعالى، ويواجهونا محتربين [١] على الله، حتى كأنّ تلك العادة لهم جرت لا لنا، وكأنّ بأس الله حلّ بنا لا بهم، فلهذا تنجلي عواقب ما بيننا وبينهم عن قهر جميعهم، وفضّ جموعهم، والاستظهار عليهم، والإحاطة بهم. فالحمد لله رب العالمين حمدا عائدا آخره إلى الابتداء، ومستمرّا لا إلى غاية وانتهاء. وذلك أبلغ ما يقوله ذو الأجل المحدود، في شكر المنعم المتفرّد بالخلود. ووفّر الله حظّ مولانا من دعائي هذا وكلّ دعاء صالح سمع مرفوعه وأجاب مسموعه، بمنّه وطوله، وقدرته وحوله.
وكان إسحاق وجعفر الهجريّان، ومن وراءهما من الأهل والأقران، أظهروا ما أظهر أشياخهم قبلهم من شعار المسلمين، وأقاموا الدعوة لمولانا أمير المؤمنين، وعقد بيني وبينهم ذمام اقتضاني الوفاء والمحافظة عليه، والرجوع في كلّ ما يجري بيني وبينهم إليه. فلما كان مذ مديدة بلغني أنّ هذين المسمّين منهم سارا إلى البصرة في جموع أكثفاها، وطوائف حشراها [٢] ، ثم نحيا إلى الكوفة، فقدّرت أنّهما مجتازان عليها الى بعض الفلوات، لمطالبة سكّانها من العرب الذين على طاعتهم بالاتاوات، على عادة لهم بذلك قد عرفت، وسنّة قد ألفت، فلم يكن عندي من الاهتمام بأمرهما والاستعداد لهما إلا ما يجب للضيف الطارق والزائر الوافد، من مكاتبة العمال بإحسان عشرتهما وإجمال معاملتهما، وإقامة الأزواد لهما ولمن في جملتهما. فحين أناخا من الكوفة بالفناء، وخالطا من كان بها من العمّال والأولياء، تأوّلا بصغائر من الأمور لا عذر للمعتذر بها، ولا حجّة للمعوّل عليها، فخلعا الرّبق المحيطة بالأعناق، وأبديا الصفحة بالعناد والشقاق، وغيّرا الخطبة عن رسمها، وأقاماها على خلاف واجبها، وانتميا إلى طاعة بعض
стр. 1527
الأهل تمويها على الأولياء، واجتذابا لهم إلى الازورار والالتواء، ولم يعلما أنّهما في ذلك يستهيجانهم فضل استهاجة، ويستزيدان من استثارتهم لدفعهما لما يعتقدونه في طاعتي من مصارمة كلّ مصارم لي وإن مسّ نسبه، وعداوة كلّ معاد وإن قرب منتسبه، ولأنهم كانوا يلقونها لو تركا هذا الاعتزاء، واطّرحا هذا الانتماء، بالقليل من الفكر فيهما، والكثير من الاستهانة بهما، فكأنّهما بما لجآ إليه من تلك الدعوى الباطلة، إنما استكثرا من حتفهم، واستوفرا من بأسهم، كل ذلك زلل في الرأي وخلل، وخطا في التدبير وخطل، فما تركت مع أول معرفتي بما فعلاه التمسك بالمعتقد الصحيح، والجري على الخلق السجيح، أن تقدمت إلى أبي الريان حمد بن محمد- أدام الله عزه- بمكاتبتهما بما دعيا فيه إلى رشدهما، واستنزلا به عن مركب غيّهما، وعرّفا أنّي أسعفهما بشيء إن كانا يسألانه، وأجيبهما إلى ما تجوز الإجابة إليه مما يلتمسانه، إذا تلافيا ما أقدما عليه، وعفّيا على ما أجريا إليه، فما ازدادا بذلك إلّا إصرارا على المنافرة، واستبصارا في المجاهرة، اغترارا بقوتهما، وكانت ألوفا من الرجال، وبمن التفّ إليهما من عشائر السواد ودعّار البلاد، وهم نحو عشرين ألف رجل. فأمرت حينئذ أبا الريان بالانتقال في مخاطبتهما عن التأنّس إلى التحمّس، وعن التلطّف إلى التعسّف، تقديما للنذر ونبذا للعذر، زمجرة الليث قبل الافتراس، ونضنضة الصلّ قبل الانتهاس، وانباض النابل للنذير، وإيماض السائف للتحذير، فأبيا إلّا تهافتا على الشرّ، كتهافت الفراش على الشّهاب، وهجوما على الأولياء كهجوم النّقد على ليوث الغاب.
منها:
وتقدّم أبو مزاحم بجكم الحاجب في عقد جسر على الفرات حتى عبر، فاصطكّ الجمعان، وتطاعنا وتضارب الفريقان، واشتدّت المعركة، واحتدمت الملحمة، ثم أسفرت العاقبة، وانجلت العجاجة، عن فقد ابن الجحيش هذا مرتثّا بضربات قد أثخنته، وقتل ألوف من أصحابه، وأسر كثير من أبطاله،
стр. 1528
وحصول ثلاثة آلاف رأس من كراعهم، وثلاثة آلاف رأس من جمالهم في أيدي الأولياء وأتباعهم، سوى ما استبدت به البادية وهو أكثر من ذلك، وتفرّق الباقون في جهات المهارب، واعتصموا بالغياض والأنهار والمسارب. ووصل الفلّ إلى إسحاق وجعفر، وقد كانا بقيا في قلّ من عسكرهما، لتوجيههما جماهيره في هذه الحرب، فما تمالكا أن انهزما ناكصين خائبين، وضربا في البلاد مذعورين هاربين. وقيل إنّ مبلغ من نجا معهما من الفرسان ستمائة فارس، وصار من سواهم من تلك الجموع العظيمة والأحزاب الكثيرة بين أسير مكبّل، وقتيل مرمّل، ومستأمن داخل في الذمّة، وتائب مستقيل من العثرة، وراجل لا تحمله رجلاه، ولا يبلّغانه النجاه، وغريق في الفرات والأنهار لم يعرف خبره ولا بان أثره.
ومنها:
فالحمد لله ربّ العالمين حمدا لا يقصّر عن قضاء حقّه وأداء فرضه، واستحقاق مزيده واستنجاز وعده، وإياه أسأل أن يجعل ما أنا مصرّفه من رايات مولانا أمير المؤمنين وسيدنا الأمير منصورا على كلّ صادّ عن الحقّ بوجهه، وشامخ عليه بأنفه، ومتجاوز عنه بطرفه، ومخالف له بسرّه وجهره [١] ، ومجلب عليه بخيله ورجله، إنّ ذلك إليه وبيده، وهو المأمول المرجوّ بفضله وطوله، وقوته وحوله. فإن رأى مولانا أن يضيف هذه النعمة إلى نعم الله عنده المطيفة به، ومواهبه الراهنة [٢] عنده، ويعدّها من آيات إقباله وعلامات نصره، ويزيدها في محامد أوليائه، ومكايد أعدائه، ويأمر بإظهارها على ما جرت العادة به في أمثالها، ليأخذ منها المخالص حصّته، ويعالج بها المنافق غصتّه، وأجانبي بما أسكن إليه من أخباره وأحواله، وأمتثله من أوامره ونواهيه، فعل، إن شاء الله تعالى.
стр. 1529
٣٩٨- وكتب عن الوزير أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن الحسين بن سعدان إلى الأمير فخر الدولة عند فتح الموصل، وانهزام باد الكردي عنها: كتابي- أطال الله بقاء مولانا، ومولانا الأمير صمصام الدولة جار على أفضل حال جمع الله بينهما فيها على تمام عزّ ونصر، ونفاذ نهي وأمر، وعلوّ كلمة وراية، وسبوغ موهبة ونعمة، وشكر لله يستزيده من فضله، ويستدرّ المادة من طوله- وأنا جار في ما أحمله من أعباء خدمتها، وأتولّاه من معاظم شؤونها، على أجمل ما عوّد الله وزراء هذه المملكة المناصحين لها، وأولياءها المحامين عنها، من هداية إلى مراشد الأمور، وتوفيق لصواب التدبير، والحمد لله رب العالمين.
وقد جعل الله هذه الدولة الشريفة- أطال الله بقاء مولانا الأمير الجليل- مختوما لها بقوة الأسباب، وثبات الأطناب، وعزّ الأولياء، وذلّ الأعداء، فلم تلمّ بها ملمّة من ملمّات الزمان إلّا خفّ حملها، وقلّ لبثها، وقرب الخروج منها، وحسنت العاقبة فيها، ثم يكون مآلها إلى عزّ يتجدّد ويتمهّد، ونصر يتكرّر ويتردّد، وثيقة من الله لا تنقض عقودها، ولا تنكث عهودها، وعلى حسب ذاك تكون الجولة الجائلة من عدوّها في قصر المدّة، وانحلال العقدة، والإفضاء إلى عواقب الهلاك والبوار، وغايات الخذلان والإدبار. فأدام الله ذلك ولا قطعه، وتمّمه ولا انتقصه، وألهمنا الشكر الذي هو قيد النعم وشكالها، وحبسها وعقالها، ولا أخلانا من مواظبة عليه يتنجّز بها المزيد المضمون منه، إنّه جلّ وعزّ بذلك جدير، وعليه قدير. وقد عرف مولانا حال باد الكردي في كفر النعمة وغمطها [١] ، وإنكار الصنيعة وجحدها.
ومنها:
وكان مولانا صمصام الدولة يتأدّب في أمره بأدب الله في دعائه إلى رشده، والصدوف به عن غيّه، وتقديم الإعذار إليه، والأخذ بالوثيقة عليه،
стр. 1530
طمعا في أن يعطف إلى ما يعطف إليه التائب المنيب، والمراجع المصيب، والنازع عن الغواية، والعادل إلى سبيل الهداية، حتى إذا تقدّمت النّذر، وبلغ الإملاء إلى الحدّ المنتظر، استأنف به طريقا أخرى في الصّمد لاستئصاله، وتنجّز عادة الله في أمثاله، فجرّد إليه عسكرا استخلف صاحب الجيش أبا حرب زياد بن سهلويه [١] واستظهر في تكثيف عدده وتوفير عدده؛ فنهض إلى عدوّ الله اللعين، متوكلا على الله ربّ العالمين، ومستشعرا شعار الدولة التي عوّدها الله إعزاز المرامي عنها والمحامي من ورائها، وإذلال المحادّ لها والساعي عليها. وورد في هذا الوقت كتابه من الموصل بأنه افتتحها ودخلها بعد حروب شديدة اضطرمت، ومعاركات متّصلة احتدمت، وثبات من ذلك الحائن للمقارعة، واستبسال في المجاهدة والمصارعة.
ومنها:
ونجا بحشاشته معتدّا [٢] أن سلم [٣] بها من أعظم غنائمه، ولا سلامة لمثلها مع عظيم ما نزل عليها وأحاط بها. ووقع الاستظهار بإنفاذ من يقتصّ أثره ويأتي بإذن الله عليه، والحمد لله ربّ العالمين حمدا يكون لانعامه [٤] مجازيا، ولاحسانه موازيا، وإن كانت آلاوه لا تجازى ولا توازى، ولا تجارى ولا تبارى، ولا تقابل إلا بالانحطاط لها [٥] ، وخفض الجناح دونها، والاعتراف بالعجز عن مداها، والقصور عن منتهاها. وهنأ الله مولانا بهذا الفتح المنسوب إليه، المقصور عليه، المستثمر من بركة أيامه، المستنتج عن إقبال جدّه. وأطال الله بقاءه وبقاء مولانا صمصام الدولة لعدوّ يرغمانه، ووليّ يعزّانه، وحجة حقّ
стр. 1531
يثقبان زنادها، ويرفعان عمادها، وشبهة باطل يطفئان نارها، ويخفضان منارها، وجمع بينهما في هذه النعمة في أمثال كثيرة لها، لا يزالان يشتركان فيها، ويتناصفان الموهبة منها، ويتراجعان البشائر والتهاني بها، بمنّه وقدرته.
٣٩٩- وكتب عن صمصام الدولة أبي كاليجار إلى فخر الدولة أبي الحسن في معنى ما جرى عليه من أمر أسفار بن كردويه عند عصيانه سنة خمسين: من أعظم النعم- أطال الله بقاء مولانا- قدرا، وأسيرها ذكرا، وأسناها خطرا، وأحسنها أثرا، نعمة سكّنت ثورة، وأطفأت فورة، وعادت على الناس بجميل الصّنع، وجليل النفع، وتظاهر [١] الأمور، وصلاح الجمهور، فتلك التي يجب أن يكون الشكر عليها مترادفا، والاعتداد بها متضاعفا، بحسب ما أزالت من المضرّة، وجدّدت من المسرّة، وأماطت من المحذور، ويسّرت من المأمول.
وحقيق على الناس أن يعرفوا حقّها، ويوفوا من حمد الله قسطها، ويتنجّزوا وعده الحقّ في إدامتها وإطالة الإمتاع بها. فالحمد لله على أن جعلنا ممن يعرف ذلك ويهتدي إليه، ويعتقده وينطوي عليه، ويؤدّي فرض الاجتهاد في الاستدامة له والاستزادة [٢] منه، وأن خصّنا من هذه النعم بذوات الفضل السّابغ [٣] ، والظلّ الماتع، الجامعة لكبت العدوّ ومساته، وإبهاج الولي ومسرّته، وهو المسؤول- جلّ اسمه وعزّ ذكره- ألا يسلبنا ما ألبسناه من سرابيلها، وأحرزناه من فضل ذيولها، وعوّدنا من جلالة أقدارها، وتعاظم أخطارها؛ ولا يعدمنا معونة منه على بلوغ أقصى الوسع في الاعتداد بها، ومنتهى الطّوق في النّشر لها، بمنّه وطوله وقوّته وحوله.
وقد عرف مولانا حال أسفار بن كردويه في اصطناع الملك السعيد عضد الدولة إياه، وجذبه بضبعه من مطارح الأصاغر إلى منازل الأكابر، ومن مزاجر
стр. 1532
المتأخرين إلى مراتب المتقدّمين، حتى جمّت عنده الأموال، وتأثّلت له الأحوال، ووطىء عقبه من الأولياء من هم أكرم منه حسبا، وأفضل أمّا وأبا، وأنني حملته على حكم الرعاية الذي لا يزال يحمل عليه، من تظاهر الصنيعة لديه، وتقادم الإحسان إليه، إيفاء به على تلك الغاية، وزيادة له في الإيجاب والعناية، وإفاضة لسجال المواهب عليه حالا بعد أخرى، وثانية تلو [١] أولى، فكان يقابل جميع هذه الحقوق بالنّكث والنّقض، والكفر المحض، إرصادا للدولة، واستعدادا للوثبة، وإسرارا للغيلة، وإعمالا للحيلة، وإفسادا لسفهاء الرجال الذين علم منهم ضعف النحائز ولؤم الغرائز، والإسفاف إلى الدنية، والإيضاع في الفتنة. وتمادت بي وبه الأيام في تناولي إياه بالتسكين والتأنيس، ومضيّه على غلوائه في الإدهان والتلبيس، إلى أن بلغت عقاربه في دبيبها إلى الأخ أبي نصر، فصادف منه حدثا غرّا، وصبيا غمرا، فأزاله عن سبيل الرشاد، واستزلّ قدمه عن مقام السّداد، وساعده على جميع ذلك أوثق كتّابي- كان- عندي، وأقدمهم رتوعا في نعمتنا، وأولاهم بالوفاء لنا، لولا أنّ البطنة نزت به، والشقوة انتحت له، فلان بن فلان.
منها:
إلى أن حكم الله بينهما حكمه العادل، وأمضى عليهما أمره النافذ، بإظهار رايتنا المنصورة، وتنكيس تلك الراية المخذولة [٢] ، فانهزم أسفار وفلان، فريدين وحيدين، واستباح الأولياء ما كان هذا اللعين اشتمل عليه من أموالنا، وحاربني به من سلاحي وكراعي، وحصل الأخ أبو نصر في قبضتي أسيرا نادما، ومتأسّفا واجما، وقتل في المعركة خلق كثير من أولئك الفسقة، واستأمن الباقون، ولجج سرعان الخيل في قصّ آثار الهاربين، ولا شكّ أنّ الله يظفر بهم أجمعين على عادة
стр. 1533
قضيته لهذه الدولة بإظهارها على كلّ غامط لها نعمة، وجارّ عليها فتنة. فالحمد لله حمدا لا تضرب عليه حدود الغايات، ولا يقف عند الأقاصي والنهايات، لكنه ينمي ويزيد، ويبدأ ويعود، حتى يبلغ رضى الله سبحانه، ويقضي حقّه ويؤدي فرضه، ويقتضي وعده، بمنّه وطوله، وإحسانه وفضله.
وهذه حال يسّرها الله بيمن مولانا، وببركة أيّامه، وإقبال دولته، وسعادة جدّه، وما يجمعني إليه من جوامع الموالاة وأسباب المشاركة، فهنأه الله إياها من نعمة جلّ موقعها، وعمّ نفعها وحسن أثرها، وعزّ الولي بها، وذلّ العدوّ لها.
ولا أخلاه من استماع البشائر بأمثالها في الاستعلاء والظهور، والابتهاج والحبور، وتذلّل الخطوب، وتأتّي المحبوب، واستقامة الأمور، ومسالمة المقدور، إنه بذلك جدير وعليه قدير.
[كتاب لعبد الحميد في الفتح]
«٤٠٠» - كتاب لعبد الحميد بن يحيى في فتح: أما بعد فالحمد لله أهل الحمد ووليّه، الذي كرّم الإسلام وفضّله، واصطفاه لنفسه، وبعث به نبيّه ﷺ واختاره لمن كرم عليه من خلقه، ورضي به لعباده دينا، ثم تولّى حفظه وإكرامه وإعزازه، ونصر أهله ومن جاهد عليه، على من زهد فيه ورغب عنه، وحادّ أولياءه وابتغى غير سبيلهم. والحمد لله الذي أكرم أمير المؤمنين بخلافته، وعرّفه في ما ولّاه واسترعاه من أمر عباده وبلاده، وابتعثه له من مجاهدة أعدائه وأهل الالحاد في دينه والمخالفة لحقه، أفضل ما أرى أحدا من خلفائه في ما ولّاهم من ذلك وابتعثهم له: من العاقبة والنصر والتمكين والفلج في كلّ موطن يجمع فيه بين أهل طاعته وأهل الخلاف عليه والمعصية. والحمد لله على ما يحدث له من نعمه، ويتابع من فتوحه وكراماته، ويعرّفه من حسن قضائه له في ما حضره وغاب عنه ويوقع بعدوّه من قوارعه وسطواته وبأسه الذي لا يردّ عن القوم المجرمين.
стр. 1534
واقتصّ الفتح ثم قال في آخره: وأمير المؤمنين يسأل الله أن يلهمه وإياكم من الشكر لنعمه، والعمل بطاعته، والمعرفة لحقه، في ما يتابع له ولكم من كراماته ونصره وفلجه وعاقبته ما يكون له رضى، ولحقّه أداء، ولكرامته ولنعمه إسباغا، وللزيادة من فضله استيجابا، فإنه وليّ ذلك والقادر عليه، والمرغوب إليه فيه، وإنه لا حول ولا قوّة لأمير المؤمنين إلّا به وحده لا شريك له، والسلام.
«٤٠١» - إبراهيم الرقيق الكاتب المغربي يذكر فتح صور: [من الكامل]
ومسائل بالثغر يقسم ظنّه ... فيه فبين مكذّب ومصدّق
سائل به البيض الصوارم تصدق ... واستنطق السّمر العوالي تنطق
أبقين صورا للنفاق كأنها ... آثار أقلام درسن بمهرق
نظم الإمام إليهم شمل الوغى ... فأصار شمل جميعهم لتفرّق
في جحفل ملأ الفضاء بعارض ... متألّق كالعارض المتألّق
أحيا بها الإسلام عزم إمامها ... من بعد ما شرقت بداء مشرق
ثم ذكر الفرار فقال:
حيران تفرق نفسه من نفسه ... فرق العدوّ من العدوّ المحنق
وغدا الفرار أبا عليه مشفقا ... لو كان ينجيه مخافة مشفق
[كتاب لأخي المؤلف]
«٤٠٢» - كتب أخي ﵀ عن ديوان الخلافة إلى الملك مسعود بن قتلمش، تهنئة بفتح، وكان الإفرنج وردوا بلاده من المغرب في عدد عظيم فبدّد
стр. 1535
الله شملهم وعادوا خائبين: كتابي- أطال الله بقاء سيدنا الملك- ومواهب الله في الجناب الأشرف آهلة الربوع، عذبة الينبوع، صافية الورود، ضافية البرود، والحمد لله ربّ العالمين.
وبعد: فهو- أدام الله علوّه- ممن اختاره الله تعالى من عباده، وجمع له بين عاجلته وخير معاده، بما جعله عن حوزه الجميل في الذبّ عن الثغور مبيّنا، وبشعار الحقّ ولو كره المشركون معلنا، فالسعادة قد حيزت له من جميع أطرارها، والمحامد منتشرة له في آفاق الأرض وأقطارها، والثناء بمناقبه زينة أحاديث الأندية وأسمارها، والمودّة له مستحكمة [١] في ضمائر القلوب على اختلافها وأسرارها.
ووردت البشائر المبهجة، والأخبار المعربة، بتلاوة سور حمده الملهجة، بما أجراه الله على يده من الفتح المبين الذي فضّ به جمع الشرك وفرّقه، وأدحض الباطل وأزهقه، وفرّق فرق الكفر الناجمة أسرا وقتلا، وسقاهم كؤوس الرّدى نهلا وعلا، ورجع آمالهم التي قدّروها خائبة، وظنونهم بالإخفاق آيبة، وجعل كيدهم في تضليل، وبوّأهم من الخذلان شرّ مقيل، فأهدى ذلك من الجذل ما يوازي عظم خطره، وحسن موقع أثره، وحلّ من المراضي الشريفة الإماميّة محلّا، هو- أدام الله علوّه- بحيازة فخره حقيق، ونسب مقاماته الغرّ في كسب [٢] مثله عريق، ورسم- أعلى الله المراسم وأمضاها- مكاتبته شكرا لله سبحانه باديا على ما سنّاه من هذه المنحة التي ثلجت لها الصدور، وابتسمت الثغور، وحيطت المعاقل الإسلامية وسكنت القلوب [٣] الواجفة والنفوس، وانجلت غياهب الضرّاء المخوفة والبوس، وصدق الله في إظهار دينه وعده، ونصر حزبه وجنده، وأعزّ الحقّ وأداله، وقهر الباطل وأزاله، جلّت عظمته ثانيا على أن سنّاها بمن أيمن الله
стр. 1536
نقيبته، وأعلى في الأولى والأخرى رتبته، وأصفى في الطاعة الإمامية عقيدته، وخصّه في نصرة الدين بكلّ مقام محمود، وموقف مشهود، وحسن بلاء مألوف منه معهود.
ومنها:
وما يزال له من الهمم الشريفة الإمامية أنصار وجنود، وحظّ صاحبه مغبوط محسود، ومدد لا يتقلّص عنه ظلّ بركاته، ولا يعدوه بمكانة التوفيق في سكناته وحركاته.
стр. 1537
الفصل الثاني الولاية
«٤٠٣» - تهنئة بخلافة: فإنّ أولى النعم بالدوام، وأرجاها للبقاء والتمام، وأجدرها بالخلود، وأقربها إلى المزيد، وأحراها بالسّلامة على نوب الأيام وتصاريف الأحداث، نعمة نشأت بفنائه، وسكنت ذراه، فحمدت مثواه، وساسها أولياؤها بحسن المجاورة وكرم المصاحبة، سياسة الحاني الشفيق، وكفلوها كفالة الحدب الرفيق، فزكت ونمت، وخصّت وعمّت، ثم اعترضها من ريب الزمان ما هاج سواكنها، وأزعج كوامنها، وأصارها إلى الوحشة بعد الأنس، والنفّرة بعد الإلف، تتقلقل تقلقل العوادي، وتشرد شرود الضوالّ، لافظة لها الأقطار، ونابية بها المحالّ، إلى أن أعادها الله تعالى بلطفه إلى معانها [١] المعروف، وربعها المألوف، واستقرّت بعد الاضطراب، وفاءت بعد الاغتراب، وتلك نعمة الله عند سيدنا أمير المؤمنين، بما جدّده له من كرامته، واصطفاه من خلافته، وطوّقه إياه من أمانته، وردّه إليه من تدبير الملك، واعتمد عليه من سياسة الأنام، فأحيا به السّنن القاصرة، وأزال به الرسوم الجائرة، ونهج به سبل العدل، وأقام به منار [٢] الفضل.
стр. 1538
٤٠٤- من كتاب: وكان تفويضه إليك بعد امتحانه إياك، وتسليط الحقّ على الهوى فيك، وبعد أن ميّل [١] بينك وبين الذين سموا لرتبتك، وأجروا إلى غايتك، فأسقطهم مضمارك، وخفّوا في ميزانك.
«٤٠٥» - روي أنّ الوليد قام على المنبر بعد موت عبد الملك فقال: يا لها من مصيبة ما أفجعها وأعظمها وأشدّها وأوجعها وأعمّها، موت أمير المؤمنين، ويا لها من نعمة ما أعظم المنّة من الله عليّ فيها، وأوجب الشكر له بها، خلافته التي تسربلتها. فكان أول من عزّى نفسه وهنّأها بالخلافة. فأقبل غيلان بن سلمة الثقفي فسلّم عليه بالخلافة قال: أصبحت يا أمير المؤمنين ورثت خير الآباء، وسمّيت خير الأسماء، وأعطيت أفضل الأشياء، فعزم الله لك على الرزيّة بالصبر، وأعطاك في ذلك فواضل [٢] الأجر، وأعانك في حسن ثوابه على الشكر، ثم قضى لعبد الملك بخير القضية، وأنزله المنازل المرضيّة.
فأعجبه كلامه وقال: أثقفي أنت؟ قال: نعم، وأحد بني معتّب، فسأله في كم هو من العطاء، فقال: في مائة دينار، فألحقه بشرف العطاء.
«٤٠٦» - وقال محمد بن العلاء السجزي: لما ولي عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزارة دفع إليّ عبيد الله بن عبد الله بن طاهر رقعة فيها تهنئة بالوزارة فأوصلتها إلى عبيد الله بن سليمان، وفيها: [من الطويل]
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... فأسعفنا في من نحبّ ونكرم
стр. 1539
فقلت له نعماك فيهم أتمّها ... ودع أمرنا إنّ المهمّ المقدم
فضحك وقال لي: يا أبا عليّ، ما ترى كيف لطف بشكوى حاله في تهنئته؟
امض إليه فأبلغه سلامي وجئني برقاعه في حوائجه. فمضيت وجئته برقاعه، فوقّع في جميعها بما أحب.
«٤٠٧» - البحتري: [من الكامل]
اليوم أطلع للخلافة سعدها ... وأضاء فيها بدرها المتلّل
لبست جلالة جعفر فكأنّها ... سحر تجلّله النهار المقبل
جاءته طائعة ولم يهزز لها ... رمح ولم يشهر لديها منصل
حتى أتته يقودها استحقاقه ... ويقوده حظّ إليها مقبل
«٤٠٨» - وقال أيضا: [من الخفيف]
ما تصرّفت في الولاية إلا ... فزت من حمدها [١] بحظّ جسيم
لم تزل من عيوبها أبيض الثو ... ب ومن دائها صحيح الأديم
«٤٠٩» - وقال أيضا: [من الكامل]
ولتهنك الآن الولاية إنها ... طلبتك من بلد بعيد المنزع
لم تعطها أملا ولم تشغل بها ... فكرا ولم تسأل لها عن موضع
«٤١٠» - وقال أيضا: [من الطويل]
هنيئا لأهل الشام أنّك سائر ... إليهم مسير القطر يتبعه القطر
стр. 1540
تفيض كما فاض الغمام عليهم ... وتطلع فيها مثل ما طلع البدر
ولن يعدموا حسنى إذا كنت فيهم ... وكان لهم جارين جودك والبحر
مضى الشهر محمودا ولو قال مخبرا ... لأثنى بما أوليت أيامه الشهر
«٤١١» - وقال أيضا: [من البسيط]
أرضى الإله نفوسا طالما سخطت ... وأعتب الدهر قوما طالما عتبوا
وأكسف الله بال الكاشحين على ... عمد [١] وأبطل ما قالوا وما كذبوا
«٤١٢» - طريح بن إسماعيل الثقفي في المنصور: [من المنسرح]
لما أتى الناس أنّ ملكهم ... إليك قد صار أمره سجدوا
واستبشروا بالرّضى تباشرهم ... بالخلد لو قيل إنهم خلدوا
كنت أرى أنّ ما وجدت من ال ... فرحة لم يلق مثله أحد
حتى رأيت العباد كلّهم ... قد وجدوا قاربوا فيك مثل ما أجد
قد طلب الناس ما بلغت فما ... نالوا ولا قاربوا وقد جهدوا
يرفعك الله بالتكرّم والت ... تقوى فتعلو وأنت تقتصد
قد صدّق الله مادحيك فما ... في قولهم فرية ولا فند
٤١٣- تهنئة لأبي إسحاق الصابي: أهنىء الوزير- أطال الله بقاءه- بالحال التي جدّدها الله له، كما يهنأ ناشد الضالّة إذا وجدها، أو كما يهنّا طالب الغريبة إذا ظفر بها؛ وقديما ألقت الوزارة إليه بالمقاليد، وتحمّلت به تحمّل من سواه بها، وسمت إليه سموّ غيره لها، بما جمع الله من الأدوات التي ببعضها تستحقّ
стр. 1541
الرياسات. فالحمد لله على أن جعله لها نصابا تستقرّ فيه، وملاذا تعتصم به، وكفؤا كريما تؤثره ولا تفركه، وتأوي إليه ولا تنشز عنه. وعرّفه الله بركة مقدمها بعد الاغتراب، واستيطانها بعد التقلّب والاضطراب، ولا أعدمه النهوض بأعبائها، ولا عرّى مناكبه من ردائها، وأعانه فيها على اكتساب المكارم، وادّخار المثاوب، مشتملا عليها حائزا، ومستبدّا بها فائزا، ليكون فناؤه [١]- عمره الله- سوقا لبضائعها، وأيامه- أطالها الله- موسما لوفودها، فيسعد بعاجل ثمرها وجناها، ويحظى بآجل ذكرها وثناها، بمنّه.
٤١٤- سعيد بن حميد: النعمة فيك أجلّ من أن يقضى حقّها بالقول دون الاجتهاد في كلّ ما يرضي الله من الفعل. ولكنّ الله جعل تقديم الحمد عند المنعم عليه علامة من علامات الشكر، وفرقا بين العالم بالحقّ والجاهل به [٢] . والحمد لله رب العالمين حمد معترف لله بأن أقصى ما يبلغه من الشكر مقصّر عن أداء ما تطوّل به من نعمه، وصلّى الله على محمد عبده ورسوله صلاة تبقى بعد موت قائلها، ويتّصل على طول الأيام تتابعها، وأسأل الله الذي بيده ملكوت كلّ شيء وهو على كلّ شيء قدير أن يتولّاك بالتوفيق للشكر [٣] ، فإنّ كلّ نعمة خلت من الشكر فإنّ اسم البليّة أولى بها، وأن يمدّك بالمزيد، ويحرسك من الغير، ويحسن لك العواقب، ويبسط يدك ولسانك بأجمل القول والفعل، فإنّ أولى الدعاء بالإجابة دعاء خرج من نيّة صادقة وطويّة صحيحة، والله يعلم كيف النيّة لك، والشكر لسالف بلائك، والعلم بفضلك على كثير من أهل دهرك بل على من تقدّمهم من أهل الدهور المذكورة بالخير، الموصوفة بالفضل.
٤١٥- كاتب [٤] آخر: لو أمسكت عن التهنئة بما جدده الله من هذه النعمة
стр. 1542
اعتمادا عليك بالنية [١] ومشاركتي إياك في السرور بكلّ ما خصّك الله به من الكرامة، وخلطت بذلك ذكر ما أنا متصرّف فيه من المحنة [٢] التي تحول بيني وبين كثير من الفرض والنافلة، لكنت في ذلك على سبيل [٣] يجب بها العذر، وتزول معها الحجة؛ لكنّي كرهت الإخلال بالعادة، وإضاعة ما جرت به السنّة، فأقتصر على ما حضرني من القول والدعاء الذي أرجو من الله الإجابة لأنه يخرج عن إخلاص [٤] من السريرة وصدق من النيّة؛ وأنا أسأل الله المتطوّل بالنعم قبل الاستحقاق لها، والهادي إلى شكرها ليوجب بذلك المزيد منها، أن يصلّي على محمد عبده ورسوله، فإنّ ذلك أولى ما تفتتح به المسألة، وتستنجح به الطّلبة، وأن يتولّاك في لطيف أمورك وجليلها بالحياطة، ولا يخليك من جميل الصنّع والكفاية، فإنه لا ضيعة على من تولّاه، ولا خوف على من حاطه وكفاه، وأن يقرن لك رأيك بالتوفيق، فإنه خير قائد وقرين، ويصل أمرك بالتسديد، فإنه أفضل صاحب ومعين، ولا يكلك إلى نفسك [٥] في قريب من الأمر ولا بعيد، فإنه من وكل إلى نفسه فقد وكل إلى غير كاف، وأسلم إلى أضعف ناصر [٦] ، وأن يصحبك في أمرك كلّه العافية، ويختم لك بحسن العاقبة [٧] . ولم أكن أكلّفك أعزّك الله [٨] الجواب في أوقات الفراغ، إبقاء عليك من الأذى، وعلى نفسي من مزلّة التثقيل [٩] ، فكيف أكلّفك ذلك مع اتصال الشغل والعمل؟.
стр. 1543
[كتاب لعبد الحميد]
«٤١٦» - كتب عبد الحميد عن مروان بن محمد إلى الوليد بن يزيد يهنّئه بالخلافة: أصلح الله أمير المؤمنين وبارك له في ما صار إليه من ولاية عباده، ووراثة بلاده، فإنه لم يقم محمّل قطّ بمثقل أعباء الخلافة أنهض بها ولا أقوى عليها من أمير المؤمنين، زاد الله في عمره، وازداد لنا من جميل رأيه.
ومنها:
حتى آزره الله بأكرم مناطق الخلافة، وردّاه بأبهى أرديتها، وقلّده أعزّ سيوفها، وعطف عليه المجتنبة من قلوب رعيّته وأهل بيته، فقام بما رآه الله أهله، ثم حوى على منفسها، ونهض بمثقلها مستقلّا بما حمل منها، ولو رامها سواه قعدت به واهيات القوى ضعيفات الحيل ومذمات [١] السجايا وفواضح [٢] الهمم، مثبتة [٣] له ولايته في سابق القدر. فالحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لخلافته، وقلّده وثائق عرى دينه، إحياء لشرائعه، وذبّا له عمّن كاده فيه الظالمون له، القاطعون لرحمه، ثم جعل سعيه في ذلك خسرا عليهم وحسرة لهم، إلى أن رفعه ووضعهم، وأعزّه وأذلّهم، وأكرمه وأهانهم. فمن أقام على تلك الخسيسة من الأمر أوبق [٤] نفسه، وأوتغ دينه [٥] ، وأسخط ربّه، وعادى خليفته، ومن عدلت به التوبة نازعا عن باطل إلى حقّ، ومنصرفا عن ضلالة إلى هدى، وجد الله توّابا رحيما.
стр. 1544
[كتاب لابن نصر]
٤١٧- كتب ابن نصر تهنئة لوزير: إنما التهنئة- أطال الله بقاء الوزير- لمن يترقى المنازل [١] ، ويتسنّم ذروة الفضائل، فيخصّ بها لما استفاده من الكسب الطارف، واستجدّه من العزّ الآنف، وحازه من النّسب الذي عزي له وكان غريبا منه، وقدّم إليه وكان بعيدا عنه. فأما الذي تصعد المناقب إلى علائه، وتعرج الرّتب إلى سمائه، وتعلق منه الرياسة بسبب، وتجتمع معه السيادة في نسب، فالتهنئة للكافّة لما تيسّر لها من ولايته، وتسهّل من رياسته عليها وإيالته التي [بها] تبلغ الآمال، وفيها تمرع الأحوال، وعليها يرفرف الإقبال. فهنأ الله الفضل وذويه، والزمان ومن فيه، بما اختاره لهم من نظر الوزير في أمورهم، وتملّكه أزمّة تدبيرهم، وجعل التوفيق لأفعاله مصاحبا، ولعزائمه مواكبا، وبإيجابه موكولا، وبتمام أغراضه كفيلا، فلا يحاول أمرا بعيدا مناله إلّا دنا وأقبل، ولا مطلبا صعبا قياده إلّا استجاب وتذلّل، ولا إرادة إلّا أكثبت، ولا مشيئة إلّا نفذت، وخصّنا معاشر أوليائه، والمعرقين في نسب ولائه، بإدامة أيامه، وملاحظة إنعامه، والمزيد من شرف اهتمامه، ومدّ علينا سابغ ظلاله، وأسكننا طيب آصاله، إنه على كلّ شيء قدير.
٤١٨- دخل إسماعيل بن عبد الله القسري على المهدي لما أفضت الخلافة إليه فقال: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي قصم بك أنياب الكفرة، وأزال بك سلطان الغصبة، وزلزل بك جبال الفجرة [٢] ، وأعذب بك الآجن، وشفى صدور المسلمين. ولسنا نصفك بشيء إلا وأنت فوقه، ولا نقدر من بلوغ شكرك على ما تغمّدتنا به نعمك، غير أنك قد زنت الملك ولم يزنك، وشرّفته ولم يشرّفك، وإنك فاروق هذه الأمة، ووليّ هذه النعمة، جمع الله بك الشمل، وآمن بك السبل، فالناس جميعا يوجبون حقّك، ويعرفون فضلك، فيتذكرون مثلك في من مضى فلا يعرفونه، ولا في الذين غبروا يرتجونه، قد أخصب لهم جنابك،
стр. 1545
واحلولى لهم ثوابك، وكرمت مقدرتك، وحسنت نظرتك، وجبر الكسير [١] الفقير، وفككت الأسير، فأنت يا أمير المؤمنين كما قال الأول [٢] :
[من المنسرح]
ما زلت في البذل للنوال وإط ... لاق لعان بجرمه غلق
حتى تمنّى البراء أنهم ... عندك أمسوا في القدّ والحلق
«٤١٩» - كان خالد بن عبد الله القسري أخا هشام بن عبد الملك من الرّضاعة، وكان يقول: إني لأرى فيك مخايل الخلافة، ولا تموت حتى تليها.
قال: فإن وليتها فلك العراق. فلما ولي أتاه فقام بين السماطين فقال: يا أمير المؤمنين، أعزّك الله بعزّته، وأيّدك بملائكته، وبارك لك في ما ولّاك، ورعاك في ما استرعاك، وجعل ولايتك على أهل الإسلام نعمة، وعلى أهل الشرك نقمة، لقد كانت الولاية إليك أشوق منك إليها، وأنت لها أزين منها لك، وما مثلك ومثلها إلّا كما قال الأحوص: [من الخفيف]
وإذا الدّر زان حسن وجوه ... كان للدرّ حسن وجهك زينا
وتزيدين أطيب الطيب طيبا ... أن تمسّيه أين مثلك أينا
«٤٢٠» - قال رجل من بني تميم في المهدي لما ولي العهد: [من الكامل]
يا ابن الخليفة إنّ أمّة أحمد ... تاقت إليك بطاعة أهواؤها