← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

الرياسات. فالحمد لله على أن جعله لها نصابا تستقرّ فيه، وملاذا تعتصم به، وكفؤا كريما تؤثره ولا تفركه، وتأوي إليه ولا تنشز عنه. وعرّفه الله بركة مقدمها بعد الاغتراب، واستيطانها بعد التقلّب والاضطراب، ولا أعدمه النهوض بأعبائها، ولا عرّى مناكبه من ردائها، وأعانه فيها على اكتساب المكارم، وادّخار المثاوب، مشتملا عليها حائزا، ومستبدّا بها فائزا، ليكون فناؤه [١]- عمره الله- سوقا لبضائعها، وأيامه- أطالها الله- موسما لوفودها، فيسعد بعاجل ثمرها وجناها، ويحظى بآجل ذكرها وثناها، بمنّه. ٤١٤- سعيد بن حميد: النعمة فيك أجلّ من أن يقضى حقّها بالقول دون الاجتهاد في كلّ ما يرضي الله من الفعل. ولكنّ الله جعل تقديم الحمد عند المنعم عليه علامة من علامات الشكر، وفرقا بين العالم بالحقّ والجاهل به [٢] . والحمد لله رب العالمين حمد معترف لله بأن أقصى ما يبلغه من الشكر مقصّر عن أداء ما تطوّل به من نعمه، وصلّى الله على محمد عبده ورسوله صلاة تبقى بعد موت قائلها، ويتّصل على طول الأيام تتابعها، وأسأل الله الذي بيده ملكوت كلّ شيء وهو على كلّ شيء قدير أن يتولّاك بالتوفيق للشكر [٣] ، فإنّ كلّ نعمة خلت من الشكر فإنّ اسم البليّة أولى بها، وأن يمدّك بالمزيد، ويحرسك من الغير، ويحسن لك العواقب، ويبسط يدك ولسانك بأجمل القول والفعل، فإنّ أولى الدعاء بالإجابة دعاء خرج من نيّة صادقة وطويّة صحيحة، والله يعلم كيف النيّة لك، والشكر لسالف بلائك، والعلم بفضلك على كثير من أهل دهرك بل على من تقدّمهم من أهل الدهور المذكورة بالخير، الموصوفة بالفضل. ٤١٥- كاتب [٤] آخر: لو أمسكت عن التهنئة بما جدده الله من هذه النعمة

стр. 1542

اعتمادا عليك بالنية [١] ومشاركتي إياك في السرور بكلّ ما خصّك الله به من الكرامة، وخلطت بذلك ذكر ما أنا متصرّف فيه من المحنة [٢] التي تحول بيني وبين كثير من الفرض والنافلة، لكنت في ذلك على سبيل [٣] يجب بها العذر، وتزول معها الحجة؛ لكنّي كرهت الإخلال بالعادة، وإضاعة ما جرت به السنّة، فأقتصر على ما حضرني من القول والدعاء الذي أرجو من الله الإجابة لأنه يخرج عن إخلاص [٤] من السريرة وصدق من النيّة؛ وأنا أسأل الله المتطوّل بالنعم قبل الاستحقاق لها، والهادي إلى شكرها ليوجب بذلك المزيد منها، أن يصلّي على محمد عبده ورسوله، فإنّ ذلك أولى ما تفتتح به المسألة، وتستنجح به الطّلبة، وأن يتولّاك في لطيف أمورك وجليلها بالحياطة، ولا يخليك من جميل الصنّع والكفاية، فإنه لا ضيعة على من تولّاه، ولا خوف على من حاطه وكفاه، وأن يقرن لك رأيك بالتوفيق، فإنه خير قائد وقرين، ويصل أمرك بالتسديد، فإنه أفضل صاحب ومعين، ولا يكلك إلى نفسك [٥] في قريب من الأمر ولا بعيد، فإنه من وكل إلى نفسه فقد وكل إلى غير كاف، وأسلم إلى أضعف ناصر [٦] ، وأن يصحبك في أمرك كلّه العافية، ويختم لك بحسن العاقبة [٧] . ولم أكن أكلّفك أعزّك الله [٨] الجواب في أوقات الفراغ، إبقاء عليك من الأذى، وعلى نفسي من مزلّة التثقيل [٩] ، فكيف أكلّفك ذلك مع اتصال الشغل والعمل؟.

стр. 1543

[كتاب لعبد الحميد] «٤١٦» - كتب عبد الحميد عن مروان بن محمد إلى الوليد بن يزيد يهنّئه بالخلافة: أصلح الله أمير المؤمنين وبارك له في ما صار إليه من ولاية عباده، ووراثة بلاده، فإنه لم يقم محمّل قطّ بمثقل أعباء الخلافة أنهض بها ولا أقوى عليها من أمير المؤمنين، زاد الله في عمره، وازداد لنا من جميل رأيه. ومنها: حتى آزره الله بأكرم مناطق الخلافة، وردّاه بأبهى أرديتها، وقلّده أعزّ سيوفها، وعطف عليه المجتنبة من قلوب رعيّته وأهل بيته، فقام بما رآه الله أهله، ثم حوى على منفسها، ونهض بمثقلها مستقلّا بما حمل منها، ولو رامها سواه قعدت به واهيات القوى ضعيفات الحيل ومذمات [١] السجايا وفواضح [٢] الهمم، مثبتة [٣] له ولايته في سابق القدر. فالحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لخلافته، وقلّده وثائق عرى دينه، إحياء لشرائعه، وذبّا له عمّن كاده فيه الظالمون له، القاطعون لرحمه، ثم جعل سعيه في ذلك خسرا عليهم وحسرة لهم، إلى أن رفعه ووضعهم، وأعزّه وأذلّهم، وأكرمه وأهانهم. فمن أقام على تلك الخسيسة من الأمر أوبق [٤] نفسه، وأوتغ دينه [٥] ، وأسخط ربّه، وعادى خليفته، ومن عدلت به التوبة نازعا عن باطل إلى حقّ، ومنصرفا عن ضلالة إلى هدى، وجد الله توّابا رحيما.

стр. 1544

[كتاب لابن نصر] ٤١٧- كتب ابن نصر تهنئة لوزير: إنما التهنئة- أطال الله بقاء الوزير- لمن يترقى المنازل [١] ، ويتسنّم ذروة الفضائل، فيخصّ بها لما استفاده من الكسب الطارف، واستجدّه من العزّ الآنف، وحازه من النّسب الذي عزي له وكان غريبا منه، وقدّم إليه وكان بعيدا عنه. فأما الذي تصعد المناقب إلى علائه، وتعرج الرّتب إلى سمائه، وتعلق منه الرياسة بسبب، وتجتمع معه السيادة في نسب، فالتهنئة للكافّة لما تيسّر لها من ولايته، وتسهّل من رياسته عليها وإيالته التي [بها] تبلغ الآمال، وفيها تمرع الأحوال، وعليها يرفرف الإقبال. فهنأ الله الفضل وذويه، والزمان ومن فيه، بما اختاره لهم من نظر الوزير في أمورهم، وتملّكه أزمّة تدبيرهم، وجعل التوفيق لأفعاله مصاحبا، ولعزائمه مواكبا، وبإيجابه موكولا، وبتمام أغراضه كفيلا، فلا يحاول أمرا بعيدا مناله إلّا دنا وأقبل، ولا مطلبا صعبا قياده إلّا استجاب وتذلّل، ولا إرادة إلّا أكثبت، ولا مشيئة إلّا نفذت، وخصّنا معاشر أوليائه، والمعرقين في نسب ولائه، بإدامة أيامه، وملاحظة إنعامه، والمزيد من شرف اهتمامه، ومدّ علينا سابغ ظلاله، وأسكننا طيب آصاله، إنه على كلّ شيء قدير. ٤١٨- دخل إسماعيل بن عبد الله القسري على المهدي لما أفضت الخلافة إليه فقال: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي قصم بك أنياب الكفرة، وأزال بك سلطان الغصبة، وزلزل بك جبال الفجرة [٢] ، وأعذب بك الآجن، وشفى صدور المسلمين. ولسنا نصفك بشيء إلا وأنت فوقه، ولا نقدر من بلوغ شكرك على ما تغمّدتنا به نعمك، غير أنك قد زنت الملك ولم يزنك، وشرّفته ولم يشرّفك، وإنك فاروق هذه الأمة، ووليّ هذه النعمة، جمع الله بك الشمل، وآمن بك السبل، فالناس جميعا يوجبون حقّك، ويعرفون فضلك، فيتذكرون مثلك في من مضى فلا يعرفونه، ولا في الذين غبروا يرتجونه، قد أخصب لهم جنابك،

стр. 1545

واحلولى لهم ثوابك، وكرمت مقدرتك، وحسنت نظرتك، وجبر الكسير [١] الفقير، وفككت الأسير، فأنت يا أمير المؤمنين كما قال الأول [٢] : [من المنسرح] ما زلت في البذل للنوال وإط ... لاق لعان بجرمه غلق حتى تمنّى البراء أنهم ... عندك أمسوا في القدّ والحلق «٤١٩» - كان خالد بن عبد الله القسري أخا هشام بن عبد الملك من الرّضاعة، وكان يقول: إني لأرى فيك مخايل الخلافة، ولا تموت حتى تليها. قال: فإن وليتها فلك العراق. فلما ولي أتاه فقام بين السماطين فقال: يا أمير المؤمنين، أعزّك الله بعزّته، وأيّدك بملائكته، وبارك لك في ما ولّاك، ورعاك في ما استرعاك، وجعل ولايتك على أهل الإسلام نعمة، وعلى أهل الشرك نقمة، لقد كانت الولاية إليك أشوق منك إليها، وأنت لها أزين منها لك، وما مثلك ومثلها إلّا كما قال الأحوص: [من الخفيف] وإذا الدّر زان حسن وجوه ... كان للدرّ حسن وجهك زينا وتزيدين أطيب الطيب طيبا ... أن تمسّيه أين مثلك أينا «٤٢٠» - قال رجل من بني تميم في المهدي لما ولي العهد: [من الكامل] يا ابن الخليفة إنّ أمّة أحمد ... تاقت إليك بطاعة أهواؤها

стр. 1546

ولتملأنّ الأرض عدلا كالذي ... كانت تحدّث أمة علماؤها حتى تمنّى لو ترى أمواتها ... من عدل حكمك ما ترى أحياؤها وعلى أبيك اليوم بهجة ملكها ... وغدا عليك إزارها ورداؤها

стр. 1547

الفصل الثالث الخلع وما كتب فيها ٤٢١- كتب الصابي في حمل بعض الملوك على فرس: جعل الله الخير معقد ناصيته، والإقبال غرّة وجهه، وإدراك المطالب تحجيل قوائمه، ونيل الأماني طلق شدّه، وفتح الفتوح غاية شأوه، وسلامة العواقب مثنى عنانه. «٤٢٢» - أبو الحسن السلامي يذكر خلعة الطائع على عضد الدولة: [من الكامل] متسوّرا بأهلّة متطوّقا ... بالشمس أو بالبدر أو بإطاره في خلعة صبغ الشباب بلونها ... فالخلق قد جبلوا على إيثاره

стр. 1548

الفصل الرابع الولد وما كتب فيه «٤٢٣» - ولد للحسن بن أبي الحسن غلام فقال له بعض جلسائه: بارك الله لك في هبته، وزادك في أحسن نعمته. فقال الحسن: الحمد لله على كلّ حال حسنة، ونسأل الله الزيادة في كلّ نعمة، ولا مرحبا بمن إن كنت مقلّا أنصبني، وإن كنت غنيّا أذهلني، لا أرضى بسعيي له في الحياة سعيا، ولا بكدّي له في الحياة كدّا، حتى أشفق عليه من الفاقة بعد وفاتي، وأنا في حال لا يصل إليّ من همّه حزن، ولا من فرحه سرور. «٤٢٤» - زوّج الصاحب ابن عباد ابنته من بعض العلويين فأولدها، فذكر ذلك بعض العلويين وهنأ الصاحب بالولد فقال: [من البسيط] بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا ... وكوكب المجد في أفق العلا صعدا وقد تفرّع في أرض الوزارة عن ... دوح الرسالة غصن مورق رشدا لله آية شمس للعلا ولدت ... نجما وغابة عزّ أطلعت أسدا فليهنا الصاحب المولود لم تزل ال ... سعود تجلو عليه الفارس النّجدا لم يتخذ ولدا إلّا مبالغة ... في صدق توحيد من لم يتخذ ولدا

стр. 1549

٤٢٥- ولد لجابر الفزاري بعد ما كبر غلام له إبهامان في يد فقال: [من الرجز] الحمد لله العليّ الماجد ... أعطى على رغم العدوّ الحاسد بعد مشيب الرأس ذا الزوائد ... ليثا يرى السبعة مثل الواحد «٤٢٦» - وقال آخر: [من الرجز] مدّ لك الله البقاء مدّا ... حتى ترى نجلك هذا جدّا مؤزّرا بمجده مردّى ... ثم يفدّى مثلما تفدّى كأنه أنت إذا تبدّى ... شمائلا محمودة وقدّا ٤٢٧- كاتب: تفضل الله بإبقائه وإنمائه، كما تفضّل بإبدائه وإنشائه. [كتاب لابن نصر] ٤٢٨- ابن نصر الكاتب عن بعض الملوك تهنئة إلى دار الخلافة بولد. انتهى إلينا من نبأ الأمير الوارد فرع الدولة القائمية وسنخ المنتظرين من أبنائها ما أضاءت به ظلم الأيام، وأشرقت معه أنوار الإسلام، واستحكمت به مرائر الدين، وقرّت بمطلعه عيون المسلمين، وشهد بدوام الإقبال، وتكفّل ببلوغ المنى والآمال، وتطامن معه منكب العدوّ الراصد، وعزّ به جانب الوليّ الذائد. وعلم أنّ لله عزّ اسمه عناية [١] بهذه الدعوة الميمونة لا تزال معها حتى يكثر عديدها، وينصر وحيدها، ويضمن لها الدوام، ويورثها الأيام، فلا يعترضها ثلم إلا سدّته، ولا يذوي لها غصن إلا أخلفته، لطفا من الله تعالى في حفظ نظام الألفة، وحسم مادّة الفرقة، وجمعا لشتات الكلمة والآراء، وضمّا لبدائد

стр. 1550

الأغراض والأهواء. والحمد لله الذي أطلع بالأمير الوارد نجما لا تخبو أنواره، وشام به عضبا لا ينبو غراره، وجدّد به أملا لا تخلف أنواؤه، وعقد بمكانه عزّا لا يخلق لواؤه، وهنأ الله الحضرة النبوية الموهبة الجليلة بمقدمه، وأسعد أقطار الأرض بمواطىء قدمه، وجعل ميامنه عليها غادية رائحة، وبركاته لديها سانحة بارحة، حتى يصير لدولتها يدا ناصرة، ويرى من أبنائه ذريّة طاهرة، إنه على كلّ شيء قدير. «٤٢٩» - الرضيّ يهنّىء بمولود: [من الطويل] ليهنك مولود يولّد فخره ... أب بشره للسائلين ذرائع وليد لو أنّ الليل ردّي بوجهه ... لما جاورته بالجنوب المضاجع ومبتسم يرتجّ في ماء حسنه ... له من عيون الناظرين مواقع رمى الله [١] منه كلّ قلب من العدا ... بسهم نضا أحقادهم وهو وادع يودّون أن لو كان بين قلوبهم ... مع الحقد حتى لا تراه المجامع «٤٣٠» - وقال يهنّىء بمولودة: [من المتقارب] بمولد غرّاء أعطيتها ... بدوّ الأهلّة بعد السّرار ولا عجب أن ترى مثلها ... وزندك في كرم العرق وار نثرنا عليها سواد القلوب ... وكان الهنا في خلال النثار ولو أنصف الدهر لم يقتنع ... بغير قلوب النجوم الدراري وذلّت عمائم قوم بها ... كما أنها شرف للخمار [٢]

стр. 1551

الفصل الخامس النكاح «٤٣١» - ابن الرومي: [من السريع] زفّت إلى بدر الدّجى الشمس ... ولاح سعد وخبا نحس وأقبلت نفسي إلى منية ... بمثلها تغتبط النّفس وذاك عرس الدهر من أجله ... حنّ غد والتفت الأمس ٤٣٢- الصابي: [من الكامل] عرس يعرّس عنده الإقبال ... وتنال في جنباته الآمال بدر يزفّ عليه وسط سمائه ... شمس عليها بهجة وجمال وإذا تقاربت السعود فعندها ... يرجى الصلاح وتحسن الأحوال

стр. 1552

الفصل السادس المواسم ٤٣٣- هنأ رجل رجلا في يوم فطر فقال: قبل الله منك الفرض والسنة، واستقبل منك الخير والنعمة. «٤٣٤» - ابن الرومي: [من الخفيف] قد مضى الصوم صاحبا محمودا ... وأتى الفطر صاحبا مودودا ذهب الصوم وهو يحكيك نسكا ... وأتى الفطر وهو يحكيك جودا «٤٣٥» - وقال يهنىء أبا الصقر بيوم أضحى هو يوم النيروز: [من البسيط] عيدان أضحى ونيروز كأنهما ... يوما فعالك من بؤس وإنعام كذاك يوماك يوم سيبه ديم ... على العفاة ويوم سيفه دام أولها: اسعد بعيد أخي نسك وإسلام ... وعيد لهو طليق الوجه بسّام لا يبعد الله أياما لنا جمعت ... إلى سكون ليال أنس أيام

стр. 1553

«٤٣٦» - الصابي: [من الكامل المجزوء] يا سيدا أضحى الزما ... ن بأنسه [١] منه ربيعا أيام دهرك لم تزل ... للناس أعيادا جميعا حتى لأوشك بينها ... عيد الحقيقة أن يضيعا «٤٣٧» - أبو بكر الخالدي: [من المتقارب] رأى العيد وجهك [٢] عيدا له ... وإن كان زاد عليه جمالا وكبّر حين رآك الهلال ... كفعلك حين رأيت الهلالا رأى منك ما منه أبصرته ... هلالا أضاء ووجها تلالا «٤٣٨» - وقال السري الرفاء: [من الرمل] قد تقضّى الصوم محمودا فعد ... لهوى يحمد أو راح تسرّ أنت والعيد الذي عاودته ... غرّتا هذا الزمان المعتكر لذّ فيك المدح حتى خلته ... سمرا لم أشق فيه بسهر [تهنئة لابن نصر] ٤٣٩- ابن نصر الكاتب تهنئة بمهرجان: كتابي- أطال الله بقاء مولانا- يوم المهرجان، أسعده الله بمورده، وبكلّ زمان يأتي من بعده، وأحياه لأمثاله، في سبوغ من نعمه وأفضاله، ولا زالت الأيام ترد إليه بها مرسلة، وتصدر عنه غرّاء محجّلة، قد وسمها بفخره، وأنا بما آمله من خدمته الشريفة رضيّ البال،

стр. 1554

ولما أرجوه من المثول بحضرته العزيزة منفسح الآمال، وما زال هذا اليوم الميمون مطلعه، المأمول مرجعه، مكرّما على الأيام، معظّما بين الأنام، يرونه عيدا، ويعتقدون له مزيّة ومزيدا، حتى عادل بينها عدله، وماثل بين رتبتها إنعامه وفضله، فصار وإياها سيّان، وغدا وإحسانه فيها كفرسي رهان، فلم يبق فناء إلّا أمرع، ولا رجاء إلّا أينع، ولا نعمة إلّا سبغت، ولا أمنية إلّا بلغت، ولا زند منصلت [١] إلّا وري لقادحه، ولا باب خير مقفل إلّا استجاب لفاتحه، وخلص لخدمته بالدعاء، وصفا للتوفّر على الحمد والثناء، واشتغل المتقرّب إليه، بتجهيز ما ينفق من البضائع عليه. ٤٤٠- وكتب أيضا تهنئة لوزير بتحويل سنته: أما بعد فإنّ اتصال النّعم يؤذن برضى المنعم، وامتداد الشكر مظهر لموضع البرّ، وقد منحنا الله في الوزير- أطال الله مدّته وكمّل سعادته- منحة غادرتنا [٢] قرناء ذكرها، وأسراء شكرها، خلفه عامه الماضي عطرا بطيب [٣] خلاله، وتقمّصه حوله الثاني مستبشرا بوصاله. فأسبغ الله علينا معاشر أوليائه، نعمته العامّة ببقائه، وموهبته الخاصة في حفظ نعمائه، حتى يخلق جدّة الدهور [٤] ، ويفني مدة العصور، حاميا حوزة الدين [٥] ، ناهضا بأعباء المؤمنين. [كتاب لابي الخطاب الصابي] ٤٤١- كتب أبو الخطاب الصابي تهنئة بإقبال السنة: يومنا هذا- أطال الله بقاء سيدي- مفتتح الحول الجديد، وغرّة العام المقبل وعيد، قد اعتاد أسلافنا تعظيمه، وألف أوائلنا تبجيله وتكريمه، وسنّوا فيه التواصل بأنواع التحف، والتقابل بصنوف اللّطف، تيمّنا بمنجمه، وتبرّكا [٦] بمقدمه،

стр. 1555

واستبشارا بمطلعه، واغتباطا بعودته، ومحبة لتلقيه بما يزيد التصافي بينهم خلوصا، والأحوال لطفا [١] وخصوصا، وتفاؤلا بالمسرّة التي توافي بها الطرفة [٢] عند حضورها، وتشكر لها التحفة مع بكورها، لأنّ أوائل العصور، وفواتح [٣] الأمور، دلائل يعلم منها ما تؤذن به أواخرها، وشواهد تتيح ما تنكشف عنه عواقبها، كما يعد الوسميّ العجول بالوليّ المتتابع، ويدلّ العارض المخيل على الغيث الهامع. ولما أراني الله هذا العيد الذي عرفت بركته من سبوغ النعمة لديك، وضفوّ [٤] ملابسها عليك، فكرت في ما أقيم به رسم المؤانسة، وأحيي معه سنّة المباسطة، وأجري على عادة من مضى من السلف، وبقي من الخلف، في توفيته على الدنيا كما يوفّى حقّ الدين وعمارته بالتواصل كما يعمل بالقروض، فتساوى عندي ما أتكلّفه من قليل البرّ وكثيره، وصغيره وكبيره، قصورا عن علوّك، وانحطاطا عن سموّك، وزاد عليه وإن جلّ محلّك الباسق، وفرعه وإن فخم موضعك السامق، فعدلت إلى الدعاء الذي يستوي فيه ما أضمر وأظهر، ويتوارى ما أبطن وأعلن منه، ويكون الزعيم [٥] بسماعه والكفيل بتمامه أولى مخبر بالوفاء، وأحرى بالملاء، وقريب من دقيق الألطاف، ما جعلته شعارا للاقتداء بالأسلاف، وتوخّيت في أسمائه وأوصافه وصوره وهيئاته أن يكون فألها مؤذنا باستجابة ما قدّمته من الدعاء، ومحقّق ما أسلفته من الرجاء. وأنا أسأل الله الذي كلّ خير بيديه، ومتوجّه الرغبات إليه، أن يعظّم يمن هذا اليوم عليك، ويضاعف المواهب فيه لديك، ويتقبّل أعمالك من فرض ونفل، ويزكّي قرباتك من قول وفعل، ويبقيك بقاء تتوالى فيه البركات طلقا، وتنتظم فيه السعادات

стр. 1556

نسقا، ويكون آتيه زائدا في الخير على ماضيه، وخاليه مقصرا في اليمن عن جائيه، ويومه أفضل من أمسه، وغده أرجى من يومه، حتى يكون خير أيامك يوم لقائك إياه [١] ، وأسعد أوقاتك يوم قدومك عليه، ويتّصل لك الحظ الفاني بالباقي، ويؤديك النعيم الأمدي إلى الأبدي، إنه جواد كريم. وقد أنفذت إليك مع هذه الرقعة ما اقتديت فيه بأحرار فارس، وهو السكّر والدرهم، فأما السكّرة فلما في مذاقها من الحلاوة التي أرجو أن تصحبك بها الأيام، وتنتظم بامتدادها لك الأعوام، فيحلولي لك جناها، ويمرع عندك مرعاها، وتجعلك السلامة أبدا في ضمانها، وتمرّ لك الليالي عقد أمانها، وتجري الأقدار فيها بمشيئتك، وتتصرّف الأقضية على طاعتك، وتأوي من أيدي الحوادث إلى معقل عزيز، وتعتصم من سهام النوائب بموئل حريز، فلا تختلك بغامض كيدها، ولا تقصفك بهائض أيدها، ويتصل ذلك ببلوغ الأماني العذاب، ونيل العطايا الرّغاب، والحياة إلى أنفس مدّد الأجل، وأرخى مدد المهل. وأما الدرهم فإنه شعار النصر، وأمارة القهر، وعلم النجاح، وعنوان الفلاح، والرائد الذي لا يخيب سعيه، والقاصد الذي لا تردّ رايته، والذريعة التي لا تخفق، والوسيلة التي لا تكدي، والشافع الذي لا تبور شفاعته، والخصم الذي لا تدحض حجته، ولسان العي الذي أفحم عن الخطاب، وهادي الغي الذي ضلّ عن الصواب، وسيف الجبان الذي خام عن القراع، ولأمة الهدان الذي أحجم عن المصاع. فتفاءلت أن يكسوك الله محبته في النفوس، ويرزقك قربه من القلوب، ويعزّك عزّه في الأقطار، ويبلّغك مبلغه من الأوطار، ويعلي ذكرك علوّ ذكره عند الأمم، ويشهر فضلك شهرته بين العرب والعجم. وأضفت إليهما أقلاما تفؤلا [٢] بأن ينفذ أمرك في الأقاليم، وتجري لك سعود

стр. 1557

النجوم بخيرتها سليمة من المعايب، مبرّأة من المثالب، جمّة المحاسن، بعيدة عن المطاعن، لم يزر بها طول ولا قصر، ولم ينقصها ضعف ولا خور، ولم يشبها لين ولا رخاوة، ولم يعمّها كزازة ولا قساوة، فهي آخذة بالفضائل من جميع جهاتها، مستوفية للممادح بسائر صفاتها، صلبة المعاجم، لدنة المقاطع، مؤنقة القدود والألوان، محمودة المخبر والعيان، قد استوى في الملامسة خارجها وداخلها، وتناسب في السلاسة عاليها وسافلها، وتعاصي الكاسر المعاسر، وتمانع المغامر المكاثر [١] ، حتى إذا انتحتها مدى التقويم، وتباشرتها شفار التعليم، أقام التثقيف أودها، وهدى التسديد زيغها، نبتت بين الشمس والظلّ، واختلف عليها الحرّ والقرّ، فلاحها وقدان الهواجر، وسفعها سماء شهر ناجر، ووقذها الشّفان بصرده، وقذفها الغمام ببرده، وصابتها الأنواء بصيبها، واستهلّت عليها السحائب بشآبيبها، فاستمرّت مرائرها على إحكام، واستحصد سحيلها بالإبرام، وجاءت شتى الشّيات، متغايرة الهيئات، متباينة المنابت والأوطان، مختلفة المحالّ والبلدان، تختلف بتباعد ديارها، وتأتلف بكرم نجارها، فمن أنابيب قنا ناسبت رماح الخطّ في أجناسها، وشابهت [٢] أسود الغيل في أخياسها، وشاكلت المذهب في ألوانها، وضاهت الحرير في لمعانها، كأنها الأميال استواء، والآجال مضاء، بطيئة الحفا، ممرّة القوى، لا يشظّيها القطّ، ولا يتشعّب بها الخط: من مصريّة بيض كأنها قباطيّ مصر نقاء، وغرقىء البيض صفاء، غذاها الصعيد من ثراه بلبّه، وسقاها النيل من نميره وعذبه، لم يضوها عطش ولم يشرقها ري، فجاءت ملتئمة الأجزاء، سليمة من الالتواء، تستقيم شقوقها في أطوالها، ولا تنكب عن يمينها ولا شمالها، يقترن بها صفر كأنها معها عقيان قرن بلجين، أو ورق خلط بعين، وكأنما أشربت ماء الجساد، أو صبغت بالخلوق قبل المداد، تختال في صفر ملاحفها، وتميس في

стр. 1558

مذهب مطارفها، بلون غياب الشمس، وصبغ ثياب الورس. ومن منقوشة تروق العين وترقّ النفس، ويهدي حسنها الأريحية إلى القلوب، ويحلّ الطرب لها حبية الكريم [١] اللبيب، كأنها اختلاف الزّهر اللامع، وأصناف الثمر اليانع، تقول إذا رأيتها متأمّلا، ونظرت فيها متفرّسا، أهدت لها الأنوار الأنواء، أو حبتها بالبرود صنعاء. ومن بحرية موشّية اللّيط، رائقة التخطيط، كأنّ داخلها نضرة دم، أو حاشية رداء معلم، وكأنّ خارجها إهاب أرقم، أو متن واد مفعم، قصر باطنها عن حوّة [٢] العظلم، وضاهى ظاهرها صبغ عندم، وتشرّبت ألوانا [٣] تزري بورد الخدود، وأبدت قامات تفضح تأوّد القدود، إن امتدّ وشيها قلت تثنّي ثعبان، [أو] اعوجّ قلت: مناقذ [٤] بغدان، وقرنت بها مدية حديد كأنّ القدر سابقها، والأجل سائقها، بنت سيف يمان، أو سليلة نصل هندوان [٥] ، وهي تنزع بطيب [٦] أعراقها وتحزّ بكرم سنخها، كأنها الحسام القاطع والعضب الباتر، لا يتوى رميّه، ولا ينبو عن ضريبة؛ مرهفة الصدر، مخطفة الخصر، ممهاة الشّفر، مطلقة الظّبة، رقيقة الحد، ملسة الطرف، يجول عليها فرند العقيق، ويترقرق فيها ماء الجوهر، كأنّ المنيّة تبرق من حدّها، والأجل يلمع في متنها، ركّبت على نصاب آبنوس، كأنما ناسب سواده خافية الغراب، واستعيد لونه من شرخ الشباب، وكأنّ الحدق نفضت عليها صبغها، وحبّ القلوب كستها لباسها، فهي آنق في العين من كلّ مرأى أنيق، وألوط بالقلب من كلّ قدّ رشيق، أخذ لها حديدها الناصع بحظّ من الروم، وضرب لها نصابها الحالك بسهم من الزّنج. وكأنها ليل من تحت نهار، أو نجم أبدى سنا نار.

стр. 1559

وأشهد لقد جئنك يا سيدي شوقا، وبادرن نحوك توقا، واستشعرن إليك ارتياحا، واكتسبن بك مراحا، حتى كأنها اشتاقت من أناملك أخواتها، وحنّت من دويّك إلى أمّهاتها، ولقد ردّت القوس إلى باريها، وهديت العروس إلى واليها، لأنك بحمد الله ومنّه الوثّاب للجراثيم، والخرّاج من الأضاميم، والشهاب الثاقب علما، والطّود الراسب حلما، ومن يوسعها اللؤلؤ فذّا وتؤاما، والعقود نسقا ونظاما، فتدرّ لها أخلاف البلاغة، وتسيل عليها شعاب الكتابة، وتجلو بلسانها الشبهات، وتكشف ببيانها الغمرات. لا أعدمك الله موادّ الفضل المنصبّة إليك، وجلائل المنح المقصورة عليك، بقوّته وحوله، وكرمه وطوله. [كتاب لأخي المؤلف] ٤٤٢- وكتب أخي ﵀ نسخة لما يبرز به التوقيع الإماميّ في عيد الفطر: الحمد لله الواجب شكره، الغالب أمره، المنصور حزبه، المثبور حربه، الدالّ على وحدانيته ببدائع فطرته، المانع [١] بعجائب صنعه من أن يتقرّر في الأوهام كنه معرفته، الذي أرسل محمدا إلى كافّة الأمم، وجلا بضياء نبوّته حنادس الظّلم، وبعثه رسولا بالحقّ صادعا، ولعرانين الشرك جادعا، حتى استعلت كلمة الايمان واتّضح مناره، وكبا زناد الباطل وخبت ناره. فصلّى الله عليه ما طرف ناظر، ورفّ غصن ناضر، والحمد لله على أن أصار إلى أمير المؤمنين ميراث الطاهرين من آبائه، وخصّه بما حاز له منه بجزيل منّه وحبائه، وحقّق للدولة القاهرة العباسية وعد النبي ﷺ إذ يقول لعمّه العباس رضوان الله عليه: ألا أبشّرك يا عمّ، بي ختمت النبوّة، وبولدك تختم الخلافة، إلى غير هذا من الأخبار التي ضلّ من أضمر عناد شيء منها وأسرّ خلافه. وجعل أيامه بالعدل آهلة، ومن مشارب الأمن ناهلة، والرعية في ظلّ إيالته الوارف وادعة، وسيرته لروائع الجور عنها وازعة. والحمد لله الذي منح عباده المؤمنين منائح من نعمه

стр. 1560

تستوعب الشكر، وتستوجب الإذاعة لها والنشر، فجعل لهم من أيامهم مواسم يكفّر بطاعته فيها سيئاتهم، ويرفع بتوفيقهم لصالح العمل عنده درجاتهم. وخصّ شهر رمضان بالصيام الذي ختمه لهم بعيد يبشرهم بالقبول، يتقارضون فيه التهاني بدرك المأمول. وأمرهم باتخاذ الزينة وإظهارها، وإراحة النفوس بقضاء المباح من لذّاتها وأوطارها، تكميلا لنعمته في الصوم المفضي بهم عاجله إلى آجل الفوز والرضوان، وإخراجه لهم من ضيقه إلى سعة الفطر المريح لما أجهده من الأبدان. بكلّ ذلك يجزل ثوابهم، ويحسن مآبهم، ويعرّفهم مواقع لطفه، ويريهم دلائل رحمته وعطفه، فله على ذلك حمد يمتري المزيد من آلائه، ويستدعي الإجراء على عادة إحسانه وبلائه. وقد عرف ما أنهي من حضور جماعة الأولياء، وإفاضتهم والحاضرين معهم في صالح الدعاء، الموجب لهم شرف الملاحظة والإرعاء، وأذن لهم بعد إشعارهم بتحقيق خدمتهم في الانكفاء، والسلام. «٤٤٣» - قال البحتري: [من الطويل] مضى الشهر محمودا ولو قال مخبرا ... لأثنى بما أوليت أيّامه الشّهر عصمت بتقوى الله والورع الذي ... أتيت فلا لغو لديك ولا هجر وقدّمت سعيا صالحا لك ذخره ... وكلّ الذي قدّمت من صالح ذخر وحال عليك الحول بالفطر مقبلا ... فباليمن والإقبال [١] قابلك الفطر «٤٤٤» - الرضي يهنّيء نصرانيّا بيوم السعانين [٢] : [من البسيط]

стр. 1561

وربّ يوم صقيل الوجه تحسبه ... مرصّعا بجباه الخرّد العين أتاك يقتاد عيدا في حقائبه ... زاد السرور على الطير الميامين فالبس جلابيبه البيض التي شرفت ... واخرج عن الصوم من أثوابه الجون جاءت تهنّيك بالودّ الذي علقت ... منا الضمائر لا يوم السعانين

стр. 1562

الفصل السابع الإياب «٤٤٥» - قدم المطلب بن عبد الله بن مالك الخزاعي من الحج فتلقاه محمد بن وهيب الحميري مستقبلا مع من تلقّاه، وأنشده في اليوم الثالث: [من الطويل] وما زلت أسترعي لك الله غائبا ... وأظهر إشفاقا عليك وأكتم وأعلم أنّ الجود ما غبت غائب ... وأنّ النّدى في حيث كنت مخيّم إلى أن زجرت الطير سعدا سوانحا ... وحمّ لقاء بالسعود ومقدم فظلّ يناجيني بمدحك خاطر ... وليلي ممدود الرواقين أدهم وقال طواه الحجّ فاخشع لفقده ... فلا عيش حتى يستهلّ المحرم سيفخر ما ضمّ الحطيم وزمزم ... بمطّلب لو أنّه يتكلّم أعدت إلى أكناف مكة بهجة ... خزاعية كانت تجلّ وتكرم فلو نطقت بطحاؤها وحجونها ... وخيفا منى والمأزمان وزمزم إذن لادّعت أجزاء جسمك كلّها ... تنافس في أقسامه أو تحكّم ولو ردّ مخلوق إلى بدء خلقه ... إذن كنت جسما بينهنّ يقسّم سما بك منه كلّ خيف وأبطح ... نصابك منه الجوهر المتقدّم وحنّ إليك الركن حتى كأنّه ... وقد جئته خلّ عليك مسلّم

стр. 1563

«٤٤٦» - ابن الرومي: [من الطويل] قدمت قدوم البدر بيت سعوده ... وأمرك عال صاعد كصعوده لبست سناه واعتليت اعتلاءه ... ونأمل أن تحظى بمثل خلوده «٤٤٧» - الصابي: [من الكامل] أهلا بأشرف أوبة وأجلّها ... لأجلّ ذي قدم يلاذ بنعلها فرشت لك الترب التي باشرتها ... بشفاهها من كهلها أو طفلها لم تخط فيها خطوة إلا وقد ... وضعت لرجلك قبلة من قبلها وإذا تذلّلت الرّقاب تقرّبا ... منها إليك فعزّها في ذلّها [كتاب لابن نصر] ٤٤٨- عليّ بن نصر الكاتب يهنىء بعض إخوانه وقد قدم من سفر في زمن فتنة: ما زلت- أطال الله بقاء سيدنا- أتنسّم بركات هذا اليوم منذ تنفّس صبحه، وأتوسّمه بادية ميامنه ونجحه، وأرى في أثنائه سعودا، وفي ضيائه مزيدا، حتى باين الأيام الخالية، ونافى الأزمان الماضية، وأنا أستطرف ما أجده، استطراف من عدم منه ما يعهده، حتى إذا هزم نهاره، واستغرق بياضه اصفراره، أتت الأنباء مبشّرة بمقدمه، فظهرت العلّة الغامضة، وزالت الشبّهة العارضة، وعلمت أنه أقدم بقدومه سعدا غائبا، وأغرب بطلوعه نحسا راتبا، واستصحب الإقبال متمسكا بأذياله أين نحا ويمّم، متفيّئا بظلاله أين سار وخيّم، والله تعالى ذكره يسعده بهذا الورود، سعادة تقضي له بالبقاء والخلود، ويبلّغه فيه وفي كلّ أمر يحاوله ويبتغيه أقصى مطارح همته، وأنأى مسارح أمنيته. ولست محيلا في التأخر عن الخدمة والتباطؤ عن المشافهة بالتهنئة على قاطع علّة ولا مانع

стр. 1564

رحلة. غير أني أرهب هذا المرهب المستجدّ في فتنتنا هذه، وقى [١] الله شرّها، ودفع أذاها وضرّها، من إرجال الفرسان، وإعراء الأجسام. وهذا أمر لا يصبر عليه حرّ، وعذر لا يشبهه عذر، فإن رأى استماعه وبسطه، وإعطاءه من القبول حكمه وشرطه، فعل، إن شاء الله تعالى. «٤٤٩» - وقال الرضي: [من الكامل] قدم السرور بقدمة لك بشّرت ... غرر العلا وعوالي التيجان قلقت ظبا الأسياف منك بفرحة ... فتكاد تنهضها من الأجفان وأتى الزمان مهنئا يحدو به ... غلّ المشوق وغلّة اللهفان قد كان هذا الدهر يلحظ جانبي ... عن طرف ليث ساغب ظمآن فالآن حين قدمت عدن صروفه ... يرمقنني بنواظر الغزلان

стр. 1565

الفصل الثامن شواذ التهاني ٤٥٠- حضر أعرابيّ وليمة فرأى نعمة فقال: النعم ثلاث: نعمة في حال كونها، ونعمة ترجى مستقبلة، ونعمة تأتي غير محتسبة، فأدام الله لك ما أنت فيه، وحقّق ظنّك في ما ترجوه، وتفضّل عليك بما لا تحتسبه. «٤٥١» - كتب جعفر بن يحيى إلى صديق له: ما جاوزتني نعمة خصصت بها، وما قصّرت دوني ما كان محلّها بك. «٤٥٢» - وكتب أبو إسحاق الصابي إلى رجل زوّج أمّه: قد جعلك الله- وله الحمد- من أهل التحصيل، والرأي الأصيل، وصحة الدين، وخلوص اليقين، فكما أنك لا تتبع الشهوة في محظور تحلّه، فكذلك لا تطيع الأنفة في مباح تحظره. وتأدّى إليّ من اتصال الوالدة- نفّس الله لها في مدتها ومدّتك، وأحسن في البقية منها إمتاعك- بأبي فلان، أعزّه الله، ما علمت فيه أنك بين طاعة للديانة توخّيتها، ومشقة فيها تجشّمتها، وأنك جدعت أنف الغيرة لها، وأضرعت خدّ الحميّة فيها، وأسخطت نفسك بإرضائها، وعصيت هواك إليها. فنحن نهنئك بعزيمة صبرك، ونعزّيك عن فائت مرادك، ونسأل الله الخيرة لك فيه، وأن يجعلها أبدا معك في ما شئت وأتيت، وتجنّبت وأبيت.

стр. 1566

«٤٥٣» - ولكاتب متقدم في المعنى: الرضى بما يبيحه حكم الشريعة أولى من الامتعاض مما تحظره أنفة الحمية، ولا قبح في ما أحلّ الله، كما لا جمال في ما حرم الله، فعرّفك الله الخيرة في ما اختارته من طهارة العفاف ونبل الحصانة، وعطفك من برّها على ما تؤدّي به حقها، وما ألزمك من المعروف في مصاحبتها. «٤٥٤» - البحتري يهنىء الفتح بن خاقان بسلامته من الغرق: [من الكامل] بعدوّك الحدث الجليل الواقع ... ولمن يكايدك الحمام الفاجع قلنا لعا لما عثرت ولا تزل ... نوب الليالي وهي عنك رواجع ولربّما عثر الجواد وشأوه ... متقدّم ونبا الحسام القاطع لن يظفر الأعداء منك بزلّة ... والله دونك حاجز ومدافع إحدى الحوادث شارفتك فردّها ... صنع الإله ولطفه المتتابع [١] وفضيلة لك أن منيت بمثلها [٢] ... فنجوت مبتدئا وقلبك جامع حتى برزت لنا وجأشك ساكن ... من نجدة وضياء وجهك ساطع ما حال لونك [٣] عند ذاك ولا هفا ... عزم ولا راع الجوانح رائع «٤٥٥» - فرّ أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد من أبي فديك الخارجي، فدخل إليه أهل البصرة فلم يدروا كيف يكلّمونه، ولا ما يلقونه به من القول،

стр. 1567

يهنئونه أم يعزّونه، حتى دخل عبد الله بن الأهتم فاستشرف الناس له وقالوا: ما عسى أن يقول لمنهزم؟ فسلّم وقال: مرحبا بالصابر المخذول، والحمد لله الذي نظر لنا عليك ولم ينظر لك علينا، فقد تعرّضت للشهادة جهدك، ولكنّ الله علم حاجة أهل الإسلام إليك، فأبقاك لهم بخذلان من معك. فقال أمية: ما وجدت أحدا أخبرني عن نفسي غيرك. «٤٥٦» - عزل الرشيد الفضل بن يحيى عن عمل وقلّده جعفرا أخاه، فكتب يحيى إلى الفضل: قد رأى أمير المؤمنين أن تحول الخاتم من شمالك إلى يمينك. فأجاب الفضل: سمعا لأمير المؤمنين وطاعة، وما انتقلت عني نعمة صارت إلى أخي. «٤٥٧» - كتب عامل إلى المصروف به: قد قلّدت العمل بناحيتك، فهنّاك الله تجدّد ولايتك، وأنفذت خليفتي لخلافتك، فلا تخله من هدايتك إلى أن يمنّ الله بزيارتك. فأجابه: ما انتقلت عني نعمة صارت إليك، ولا خلوت من كرامة اشتملت عليك، وإني لأجد صرفي بك ولاية ثانية، وصلة من الوزير وافية، لما أرجو لمكانك من حسن الخاتمة ومحمود العاقبة، والسلام. ٤٥» - إبراهيم ابن عيسى الكاتب يهنّىء إبراهيم بن المدبّر بالعزل عن عمل: [من الطويل] لتهن أبا إسحاق أسباب نعمة ... مجدّدة بالعزل والعزل أنبل شهدت لقد منّوا عليك وأحسنوا ... لأنّك يوم العزل أعلى وأفضل «٤٥٩» - آخر في ما يشبهه: [من الكامل المجزوء]

стр. 1568

إنّ الأمير هو الذي ... يضحي أميرا عند عزله إن زال سلطان الولا ... ية فهو في سلطان فضله ٤٦٠- وصف للمتوكل كلب بأرمينية يفترس الأسد فأرسل من جاء به، فقال له الطريحيّ: يا أمير المؤمنين هناك الله ما خصّك به من نيل مباغيك، وإدراك محابّك، فما شيء يصغر مع طلب أمير المؤمنين عن أن يهنّأ به، ويرغب إلى الله في زيادته. فقال له المتوكل: هو لك جزاء عن هذه التهنئة، فبعه منّي بحكمك. فباعه منه بألفي دينار، فألقاه على أسد فتواثبا وتناهشا حتى وقعا ميتين. [كتاب لأخي المؤلف] «٤٦١» - كتب أخي ﵀ تهنئة بالسلامة من حريق وقع في دار الخلافة: الدنيا- أعزّ الله أنصار المواقف الشريفة- دار الامتحان والاختبار، ومجاز الابتلاء والاعتبار، ولله تعالى في ما نزل فيها إلى عباده من نعمه، وتخوّله من مواهبه وقسمه، عادات يقتضيها بالغ حكمته، وماضي إرادته ومشيئته، ليستيقظ الذاهل، ويعرف الجاهل، ويزداد العالم اللبيب اعتبارا، ويستفيد العاقل الأريب تفكّرا واستبصارا، فلا يغفل عن واجب الشكر إذا سيقت النعمة إليه، ولا يلهو عن استدعاء المزيد منها بالاعتراف إذا سبغت عليه، وهو أنّ الباري سبحانه إذا تابع آلاءه إلى عبده ووالاها، وهنأها له من الشوائب وأخلاها، وأماط عن مشاربها أكدار الدنيا المطبوعة على الكدر، وعمر مساربها بالأمن من طوارق الغير، خيف عليها الانتقاض والزوال، وتوقّع لها الانتهاء والانتقال. ومن ذلك الخبر المروّي أنه لما أنزل الله قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (المائدة: ٣) ابتهج الصحابة ﵃، واعتقدوا التهنئة واستشعروا، ما عدا عمر بن الخطاب ﵁ فإنه بكى من بينهم. فقالوا له: ما يبكيك وقد أكمل الله

стр. 1569

لنا ديننا برحمته، وأتمّ لنا سابغ نعمته؟ فقال: يبكيني أنه ما تمّ أمر إلا بدا نقصه. فقبض رسول الله ﷺ عن قرب. وإذا كانت مشوبة برائع يتخلّل صفوها، وطارىء يجهد في بعض الأوقات عفوها، كان ذلك صارفا عنها عين الكمال، مؤذنا لها بطول الآجال، حاكما لها بتراخي عمر البقاء، دالّا على الصعود بها إلى درج المكث الطويل والارتقاء، وحكمه حكم المرض الذي تصحّ به الأجساد، ويمحّص ذنوب من يسلّط عليه من العباد: [من الطويل] فلا يبهج الأعداء سوء ظنونهم ... فلله صنع في الذي شاء ظاهر فكم طالب شيئا به الشرّ كامن ... وكم كاره أمرا به الخير وافر فالحمد لله الذي جعل ما جرت به الأقدار من الأمر الرائع ظاهره، الوجل لوقعه ناظره، لعنايته- جلّت عظمته- عنوانا، وعلى دوام نعمه دليلا واضحا وبرهانا. وإليه الرغبة في أن يجعل الديار وساكنيها، والنفائس [١] في أقاصي الدنيا وأدانيها، لشريف الحوزة التي بها صلاح العالم فداء، وعنها للمكروه وقاء، فلكلّ حادث مع دوام هذه الأيام الزاهرة خلل، وكلّ غمر من نوائب الدهر ما دافع لطف الله عنها وشل.

стр. 1570

نوادر في التهاني «٤٦٢» - مرّ أعرابي بامرأة تبكي زوجها فقال لها ما يبكيك [١] ؟ لا جمع الله بينه وبينك في الجنة. ثم مرّ بها بعد ذلك فقال: يا فلانة رفّئيني فإني قد تزوجت فقالت: نعم بالبيت المهدوم، والطائر المشؤوم، والرّحم المعقوم. ٤٦٣- وقال الجاحظ: كان لنا جار مغفّل فولد له ولد، فقيل له: ما تسمّيه؟ قال: عمر بن عبد العزيز. وهنأوه بهذا الولد فقال: هو من الله ومنكم. ٤٦٤- لما خلع على أحمد خلع الوزارة اغتمّ وانخزل، فقيل له في ذلك فقال: مثلي مثل الناقة التي تزيّن للنحر، فأخذ ابن بسام هذا المعنى فقال: [من الكامل المجزوء] خلعوا عليه وزيّنو ... هـ وهو في خير ورفعه وكذاك يفعل بالجما ... ل لنحرها في كلّ جمعه «٤٦٥» - شكا رجل إلى أبي العيناء امرأته فقال: أتحبّ أن تموت؟ قال: لا والذي لا إله إلا هو، قال: ولم يا ويحك، وأنت معذّب بها؟ فقال: أخشى والله أن أموت من الفرح.

стр. 1571

«٤٦٦» - أبو الحسن ابن سكرة الهاشمي: [من الوافر] وهنّوا بالصيام فقلت مهلا ... أما أنا طول دهري في صيام وهل فطر لمن يضحي ويمسي ... يؤمّل فضل أقوات اللئام ٤٦٧- جلس عميد الدولة أبو منصور ابن جهير للتهنئة بالوزارة قادما من سفر، فدخل عليه أبو الحسن ابن فضالة النحوي، وكان من وجوه أهل الأدب، فأنشده: [من السريع] بان هناء العيش مذ بنتا ... وعادت الأفراح مذ عدتا ما أقبح الدست إذا لم تكن ... وأحسن الدست إذا كنتا فعجب الحاضرون من إسقاطه في هذا الشعر مع مشهور فضله. «٤٦٨» - وأراد المردوسي تهنئة فقال: [من الوافر] فسبحان الذي أعطاك ملكا ... وعلّمك القعود على السرير فكان العجب من هذا التعويذ الثاني، وهو من أرباب الرتب ومقدمي الدولة، أشدّ، وانقضى المجلس على الضحك. تمّ الباب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم.

стр. 1572

الباب التّاسع عشر في المراثي والتعازي

стр. 1573

[خطبة الباب] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) * (وما توفيقي إلا بالله [١] ) الحمد لله الخالق الباعث، الرازق الوارث، الذي قدّر الحياة والموت، وجعل لهما أجلا لم يخش فيه الفوت، ونقل خلقه من دار الفناء إلى مقرّ البقاء، وقرن النعم إذا اطمأنّ إليها المغرور بالبلاء، مفرّق الألّاف بعد اجتماع، ومشتّت كلّ شمل ببين وانصداع، حكمة منه لا تدرك غايتها ومداها، ومنافع [٢] في عباده قدّرها وأحصاها، فالطائع يبلو أخباره، والعاصي يوقظه ليتقي ناره، والصابر يعجّل له الراحة ويؤجّل له الثّواب، والجازع يردّه إلى الصبر كارها غير مثاب، ونحن مع قصر الأعمار ودنوّها، في جهاد من تجبّر النفس وعتوّها، ترى المدة قريبة وهي تقنط [٣] للادّخار، والمسافة دانية وهي تستبعد الدار، فكيف بها لو طالت الآجال وامتدّت، وبلغت الآمال واطمأنت، كانت حينئذ تقسو فلا تلين، وتشحّ فلا تستكين، لا يتعلق بالأطماع صلاحها، ولا يرجى على حال فلاحها؛ فسبحان من جعل الخيرة في المكروه وله في كلّ فعل سرّ مكنون، وبكلّ غائب علم مخزون، وصلاته على رسوله الذي هو لنا قدوة، ولكلّ حيّ به في الممات أسوة، وعلى آله وأصحابه، وارثي علمه وآدابه.

стр. 1574

(الباب التاسع عشر في المراثي والتعازي) فيه ستة فصول: الملوك والرؤساء- الأهل والإخوان- الأطفال- النساء- الشواذ- النوادر. ويتّصل بهذا الباب حسن التأسّي في الشدة، والصبر والتسلّي عن نوائب الدهر. [ذكر ما جاء في جميل العزاء] ونقدم الآن ذكر ما جاء في جميل العزاء والحثّ عليه، وما أعدّ لصاحبه من جزيل الأجر وتعجّله [١] من الحظ. ٤٦٩- قد أثنى الله على قوم بقوله: وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ (الحج: ٣٥) وقال في وصية لقمان لابنه وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (لقمان: ١٧) وقال تعالى: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (البقرة: ١٥٦) . ٤٧٠- وقال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: «لا يزال الرجل يصاب في ماله وحامته حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة» . ٤٧١- وقال علقمة في قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ (التغابن: ١١) هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلّم لها ويرضى.

стр. 1575

«٤٧٢» - وعزّى عليّ ﵇ الأشعث بن قيس عن ابن له فقال: يا أشعث، إن تحزن على ابنك فقد استحقّت ذلك منك الرحم، وإن تصبر ففي الله من كلّ مصيبة خلف. يا أشعث إن صبرت جرى القدر عليك وأنت مأجور، وإن جزعت جرى القدر عليك وأنت مأزور [١] ، سرّك وهو بلاء وفتنة، وحزنك وهو ثواب ورحمة. ٤٧٣- وعزّى ﵇ قوما فقال: عليكم بالصبر فإنّ به يأخذ الحازم، وإليه يرجع الجازع. ٤٧٤- وقال الحسن بن علي: المصائب مفاتيح الأجر. «٤٧٥» - وقال علي بن الحسين حين مات ابنه ولم يجزع: أمر كنّا نتوقّعه فلما وقع لم ننكره. ٤٧٦- وقال محمد بن علي بن الحسين: استتر من الشامتين بحسن العزاء عن المصائب. ٤٧٧- وقال ابن السمّاك: المصيبة واحدة، فإن كان فيها جزع فهي اثنتان. ٤٧٨- وكان محمد بن واسع يقول: المصيبة في إثر المصيبة خير حطّ للخطيئة. «٤٧٩» - وقال آخر: إنما الجزع والاشفاق قبل وقوع الأمر، فإذا وقع فالرضى والتسليم.

стр. 1576

«٤٨٠» - وقال أوس بن حجر: [من المنسرح] أيتها النفس أجملي جزعا ... إنّ الذي تحذرين قد وقعا وهي أبيات مختارة نذكر تمامها ها هنا في غير موضعه لئلا تنقطع: إنّ الذي جمّع السماحة وال ... نجدة والبرّ والتقى جمعا الألمعيّ الذي يظنّ لك ال ... ظنّ كأن قد رأى وقد سمعا والمخلف المتلف المرزّأ لم ... يمتع بضعف ولم يمت طبعا ليبكك الشّرب والمدامة وال ... فتيان طرّا وطامع طمعا والحيّ إذ حاذروا الصباح وقد ... خافوا مغيرا وسائرا قلعا وازدحمت حلقتا البطان بأق ... وام وجاشت نفوسهم جزعا ونعود إلى المعنى الذي بدأنا به. «٤٨١» - قال أبو علي الرّازي: صحبت الفضيل بن عياض ثلاثين سنة ما رأيته ضاحكا ولا متبسما إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك فقال: إنّ الله أحبّ امرا، فأحببت ما أحبّ الله. «٤٨٢» - وقال صالح المري: إن تكن مصيبتك في أخيك أحدثت لك خشية فنعم المصيبة مصيبتك، وإن تكن مصيبتك بأخيك أحدثت لك جزعا فبئس المصيبة مصيبتك.

стр. 1577

[فصول الباب] الفصل الأول مراثي الأكابر والرؤساء «٤٨٣» - وقف عليّ بن أبي طالب ﵇ على قبر رسول الله ﷺ ساعة دفن وقال: إنّ الصبر لجميل إلّا عنك، وإنّ الجزع لقبيح إلا عليك، وإنّ المصاب بك لجليل، وإنه قبلك وبعدك لجلل. «٤٨٤» - وألمّ الشعراء بهذا المعنى فأكثروا. فمن ذلك قول إبراهيم بن إسماعيل في عليّ بن موسى الرضا ﵇: [من الكامل] إنّ الرزية يا ابن موسى لم تدع ... في العين بعدك للمصائب مدمعا والصبر يحمد في المواطن كلّها ... والصبر أن يبكى عليك ويجزعا «٤٨٥» - وقال الشماخ يرثي عمر بن الخطاب ﵁: [من الطويل] جزى الله خيرا من أمير وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزّق فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ... ليلحق ما قدّمت بالأمس يسبق أتيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائج في أكمامها لم تفتق وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفي سبنتى أزرق العين مطرق

стр. 1578

«٤٨٦» - وقال زهير بن أبي سلمى يرثي النعمان بن المنذر: [من الطويل] ألم تر للنعمان كان بنجوة ... من الشرّ لو أنّ امرءا كان ناجيا فغيّر عنه رشد عشرين حجة ... من الدهر يوم واحد كان غاويا فلم أر مسلوبا له مثل قرضه ... أقلّ صديقا معطيا ومؤاسيا فأين الذين كان يعطي جياده ... بأرسانهنّ والحسان الغواليا [١] وأين الذين كان يعطيهم القرى ... بغلّاتهنّ والمئين الغواديا [٢] رأيتهم لم يشركوا بنفوسهم ... منيّته لما رأوا أنها هيا ٤٨٧- وقالت أعرابية ترثي ابن عمّها: [من الطويل] عجبت لطود للمعالي وزاخر ... من الجود أنّى صيّر اللحد مضجعا فلم يلتحد جهم وحيدا وإنما ... حوى لحده طود المكارم أجمعا ولم يخترمه الدهر فردا وإنما ... أصاب به بحر الندى والسّدى معا وقد كانت الدنيا بجهم نضيرة ... فأحر بها من بعده أن تخشّعا «٤٨٨» - وقالت ليلى بنت وهب ترثي أخاها المنتشر بن وهب الباهلي، وإنما أثبتناها في هذا الفصل لأنها أبنته تأبين الأكابر، والمقصود معنى المرثية لا من قيلت فيه، وبعض الرواة ينسبها إلى أعشى باهلة: [من البسيط] تنعى الذي لا يغبّ الحيّ جفنته ... إذا الكواكب أعمى [٣] نورها القتر

стр. 1579

من ليس في خيره شرّ [١] ينكّده ... على الصديق ولا في صفوه كدر وليس فيه إذا استنظرته عجل ... وليس فيه إذا ياسرته عسر أخو رغائب يعطيها ويسألها ... جمّ المواهب مقسوم له الظفر [٢] لم تر أرضا ولم تسمع بساكنها ... إلا بها من بوادي غزوه [٣] أثر لا يأمن القوم [٤] ممساه ومصبحه ... من كلّ أوب وإن لم يأت [٥] ينتظر يكفيه حزّة فلذ إن ألّم بها ... من الشواء ويكفي شربه الغمر لا يصعب [٦] الأمر إلا ريث يركبه ... وكلّ شيء سوى الفحشاء يأتمر فإن جزعنا فمثل الخطب [٧] أجزعنا ... وإن صبرنا فإنّا معشر صبر إن تقتلوه فقد أشجاكم حقبا ... كذلك الرمح ذو النصلين ينكسر إما سلكت سبيلا كنت سالكها ... فاذهب فلا يبعدنك الله منتشر إما علاك عدوّ في منازلة [٨] ... يوما فقد كنت تستعلي وتنتصر «٤٨٩» - وقالت الخنساء ترثي أخاها صخرا: [من الوافر] ألا يا صخر إن أبكيت عيني ... لقد أضحكتني دهرا طويلا

стр. 1580

دفعت بك الجليل وأنت حيّ ... فمن ذا يدفع الخطب الجليلا إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا «٤٩٠» - وقالت أيضا: [من الطويل] ألا هبلت [١] أمّ الذين غدوا به ... إلى القبر ماذا يحملون إلى القبر وماذا يواري القبر تحت ترابه ... من الجود يا بؤس الحوادث والدهر فشأن المنايا إذ أصابك ريبها ... لتغد على الفتيان بعدك أو تسري «٤٩١» - وقال الأبيرد الرياحي يرثي أخاه: [من الطويل] تطاول ليلي لم أنمه تقلّبا ... كأنّ فراشي حال من دونه الجمر أراقب من ليل التمام نجومه ... لدن غاب قرن الشمس حتى بدا الفجر تذكّرت قرما بان منّا [٢] بنصره ... ونائله يا حبّذا ذلك الذكر فإن تكن الأيام فرّقن بيننا ... فقد عذرتنا في صحابته العذر وكنت أرى هجرا فراقك ساعة ... ألا لا بل الموت التفرّق والهجر فتى إن هو استغنى تخرّق في الغنى ... وإن قلّ مالا لم يؤد متنه الفقر وسامى جسيمات الأمور فنالها ... على العسر حتى أدرك العسر [٣] اليسر ترى القوم في العزّاء ينتظرونه ... إذا ضلّ رأي القوم أو حزب [٤] الأمر
следующие страницы →