«٥٦٥» - أعشى همدان: [من الطويل]
فإن يك عتّاب مضى لسبيله ... فما مات من يبقى له مثل خالد
«٥٦٦» - أنشدت لأبي الفضل ابن الخازن من شعراء عصرنا وكتّابه هذه الأبيات، ثم وجدتها في أمالي أبي علي القالي قال، أنشدني إسحاق بن الجنيد قال، أنشدني أحمد الجوهري، ولم يذكر شاعرها، فإمّا وهم الراوي عن ابن الخازن أو يكون انتحلها: [مخلع البسيط]
وا حربا من فراق قوم ... هم المصابيح والحصون
والأسد والمزن والرواسي ... والخفض والأمن والسّكون
لم تتنكّر لنا الليالي ... حتى توفّتهم المنون
فكلّ نار لنا قلوب ... وكلّ ماء لنا عيون
«٥٦٧» - المتنبي يرثي فاتكا الكبير: [من الكامل]
الحزن يقلق والتجمّل يردع ... والدمع بينهما عصيّ طيّع
يتنازعان دموع عين مسهّد ... هذا يجيء بها وهذا يرجع
النوم بعد أبي شجاع نافر ... والليل معي والكواكب ظلّع
إني لأجبن من فراق أحبّتي ... وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقّع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
стр. 1612
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع
تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
المجد أخسر والمكارم صفقة ... من أن يعيش لها الكريم الأروع
ولقد أراك وما تلمّ ملمّة ... إلّا نفاها عنك قلب أصمع
ما زلت تدفع كلّ أمر فادح ... حتى أتى الأمر الذي لا يدفع
بأبي الوحيد وجيشه متكاثر ... يبكي ومن شرّ السلاح الأدمع
وإذا حصلت من السلاح على البكا ... فحشاك رعت به وخدّك تقرع
«٥٦٨» - وله: [من الوافر]
نعدّ المشرفيّة والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال
ونرتبط السوابق مقربات ... وما ينجين من خبب الليالي
ومن لم يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسّرت النصال على النصال
«٥٦٩» - أبو العيزار [١] : [من الكامل]
يدنو وترفعه [٢] الرماح كأنه ... شلو تنشّب في مخالب ضار
فثوى صريعا والرماح تنوشه ... إنّ الشراة قصيرة الأعمار
стр. 1613
«٥٧٠» - الرضي يرثي عبد العزيز بن يوسف: [من الكامل]
من يشرق الخصم الألدّ بريقه ... عيّا ويقدع منه ما لم يقدع
بنوافذ للقول يبلغ وقعها ... ما ليس يبلغ بالرماح الشّرّع
حتى يقول الغابطون [١] وقد رأوا ... فعلاته زاحم بجدّ أو دع [٢]
ويودّ من حمل القنا لو أصبحت ... تلك الأداة على الكميّ الأروع
إلا تكن في الجمع أمضى طعنة ... فلأنت أمضى خطبة في المجمع
«٥٧١» - وقال: [من الطويل]
ألا ناشد [٣] ذاك الجناب الممنّعا ... وجردا يناقلن الوشيج المزعزعا
ومن يملأ الأيام بأسا ونائلا ... وتثنى له الأعناق خوفا ومطمعا
أجلّى إليه ذلك الخطب مقدما ... وقد كان لا يلقاه إلا مروّعا
وجاز أضاميم الجياد مغيرة ... وحيّي [٤] نزار حاسرين ودرّعا
وسمر عقيل تحمل الموت أحمرا ... وبيض عقيل تقطر السمّ منقعا
ولم يخش من حدّ الصوارم مضربا ... ولم يلق من أيدي القبائل مدفعا
رأى ورق البيض الخفاف هشائما ... وشوك العوالي ناصلا ومنزّعا [٥]
هو القدر الألوى الذي يقص [٦] القنا ... ويلوي من الجبّار جيدا وأخدعا
стр. 1614
وأبيض من عليا معدّ سما به ... إلى السّورة العليا أب غير أضرعا
كأنك تلقى سنّة البدر طالعا ... إذا ابتدر القوم الرواق المرفّعا
فإن ألهبت فيه الحفيظة خلته ... وراء اللثام الأرقم المتطلّعا
يقوم اهتزاز الرمح خبّت [١] كعوبه ... ويقعد إقعاء ابن غيل تسمّعا
ضمام عن [٢] الهمّ الذي بات ضيفه ... جموع على الأمر الذي كان أزمعا
صليب على قرع الخطوب كأنما ... يرادين طودا من عماية أفرعا
فبعدا لطيب العيش بعد فراقكم ... ولا أسمع الداعي إليه ولا دعا
ألا أسفا للدهر إن صدّ مؤيسا ... ولا مرحبا بالدهر إن عاد مطمعا
وإن عثر الأحياء من بعد يومكم ... فلا دعدعا للعاثرين ولا لعا
«٥٧٢» - وقال يرثي إبراهيم بن ناصر الدولة الحسن بن حمدان وقد قتله أبو الذواد محمد بن المسيّب العقيلي: [من الكامل]
ألقي الرماح ربيعة بن نزار ... أودى الردى بقريعك المغوار
وترجّلي عن كلّ أجرد سابح ... ميل الرقاب نواكس الأبصار
ودعي الأعنّة من أكفّك إنها ... فقدت مصرّفها ليوم مغار
وتجنبي جرّ القنا فلقد مضى ... عنهنّ كبش الفيلق الجرّار
اليوم صرّحت النوائب كيدها ... فينا وبان تحامل الأقدار
أين الجياد مللن من طول السرّى ... يقذفن بالمهرات والأمهار
في معشر غلب الرقاب جحاجح ... غلبوا على الأقدار والأخطار
стр. 1615
من كلّ أروع طاعن أو ضارب ... أو واهب أو خالع أو قار
ركبوا رماحهم إلى أغراضهم ... أمم العلى وجروا بغير عثار
واستنزلوا أرزاقهم بسيوفهم ... فغنوا بغير مذلّة وصغار
كانوا هم الحيّ اللّقاح وغيرهم ... ضرع على حكم المقاول جار
لا ينبذون إلى الخلائف طاعة ... بقعاقع الإيعاد والإنذار
عقدوا لواءهم ببيض أكفّهم ... كبرا عن العقّاد والأمّار
واستفظعوا خلع الملوك وأيقنوا ... أنّ اللباس لها ادّراع العاري
كثر النصير لهم فلما جاءهم ... أمر الرّدى وجدوا بلا أنصار
هم أعجلوا داعي المنون تعرّضا ... للطعن بين ذوابل وشفار
أوليس يكفينا تسلّط بأسها ... حتى نسلّطها على الأعمار
نزلوا بقارعة تشابه عندها ... ذلّ العبيد وعزّة الأحرار
خرس قد اعتنقوا الصفيح وطالما اع ... تنقوا الصفائح والدماء جوار
شرفا بني حمدان إنّ نفوسكم ... من خير عرق ضارب ونجار
أنفت من الموت الذليل فأشعرت ... جلدا على وقع القنا الخطّار
«٥٧٣» - تتابع أهلي فمات منهم أحد عشر من عصبتي وجماعة من إخواني في مدة تقاربها فرثيتهم بهذه الأبيات: [من الطويل]
يقولون صبرا عن محبتك الألى ... دعا بهم داعي المنون إلى القبر
أبي وبنيّ ابني وولدي تتابعوا ... سراعا وإخواني فعزّ بهم صبري
فلو أنّ ميتا يرتجى منه أوبة ... صبرت ولكن لا إياب إلى الحشر
وهم سلكوا نحو الردى فتتابعوا ... إليه كما انفضّ الجمان من النحر
стр. 1616
إذا أنست نفسي الأسى عزّ فقدهم ... بحيّهم أخنت عليه يد الدهر
فقدت بهم أنس الصديق وراحة ال ... رفيق وريحان العشا وقوى الأزر
غنينا زمانا في سرور وغبطة ... وعيش رخيّ غير ضنك ولا وعر
تطالعنا الأيام لا تستطيعنا ... ويرنو إلينا الدهر بالنظر الشزر
تسر الأودّا بالسلامة والغنى ... وتعتبر الأعداء بالعدد الدثر
فما برحت زرق العيون تصيبنا ... إلى أن أصابت عندنا سالف الوتر
إلى الله أشكو يوم أهلي ومعشري ... وعادية ضاقت لها ساعة الصبر
فيا رب أنت العدل في ما قضيته ... فلا تحبطن في لوعتي بهم أجري
أسرّ إذا نوديت حبا إليهم ... سرور رياض آنست نبأة القطر
стр. 1617
الفصل الثاني مراثي الأهل والإخوان
«٥٧٤» - تمثّل عليّ كرّم الله وجهه عند قبر فاطمة ﵍:
[من الطويل]
لكلّ اجتماع من خليلين فرقة ... وكلّ الذي دون الممات قليل
وإنّ افتقادي واحدا بعد واحد [١] ... دليل على أن لا يدوم خليل
تروى لشقران السلاماني وأوّلها:
ذكرت أبا أروى فبتّ كأنني ... بردّ الهموم الماضيات كفيل
«٥٧٥» - وقال النابغة الذبيانّي: [من البسيط]
حسب الخليلين نأي الأرض بينهما ... هذا عليها وهذا تحتها بال
«٥٧٦» - وقال بعض العرب يرثي قومه: [من الطويل]
أبعد بني عمرو على دارة النّقا ... يرجّى البنون [٢] أو تطيب الموارث
أرى الأرض مذ حلّوا ثراها بسيطة ... وقد قلبت عنها الجبال المواكث
стр. 1618
وأستجدب الدار الخصيبة بعدهم ... وفيها الغوادي والرياض الأثائث [١]
لعمر الأكفّ الضارحات لحودهم ... لقد زلّ عنهنّ النجوم الغوائث
لقد غادروني بعدهم لحمة العدى ... وطعمة ما تبغي الخصوم العوائث
أضام فلا يأوي لضيمي مانع ... وأظلم لا يأتي بصوتي غائث
وأعطي بكفّي للقليل من الأذى ... وقد كنت يخشاني الالدّ المماغث [٢]
وحيدا بنفسي لا ألايم منزلا ... كما اعتزل النسك النساء الطوامث
إذا ضافني همّ وضقت بذرعه ... ظهرت بأين المصرخون المغاوث
ولا خير في فرع تجاذبه الصّبا ... إذا ذهبت عنه الأصول اللوابث
ورثتكم [٣] الملح الأجاج على الصدى ... وإن قيل أثرى أو تمتع وارث
أمصغية أحداثكم فأزيزها [٤] ... منادب فيها للدموع بواعث
وأصدر حاجات عنيت بحملها ... فقد يمحق الهمّ الأنيس المنافث
وما كنت أرضى بالغمام لتربكم ... لو انبعثت عني العروق الفوارث
وإنّي مذ أمهلت نفسي بعدكم ... فواقا لمضعوف الوثيقة ناكث
«٥٧٧» - وقال صخر بن عمرو أخو الخنساء يرثي أخاه معاوية:
[من الطويل]
إذا ما امرو أهدى لميت تحيّة ... فحيّاك ربّ الناس عنّي معاويا
стр. 1619
وهوّن وجدي [١] أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل عليه بماليا
وذي إخوة قطّعت أقران بينهم ... كما تركوني واحدا لا أخا ليا
«٥٧٨» - وقال آخر: [من الطويل]
ومن عجب أن بتّ مستشعر الثّرى ... وبتّ بما زوّدتني متمتّعا
ولو أنني أنصفتك الودّ لم أبت ... خلافك حتى ننطوي في الثّرى معا
«٥٧٩» - وقال آخر: [من الطويل]
أبعد الذي بالنعف نعف كويكب ... رهينة رمس ذي تراب وجندل
أذكّر بالبقيا على من أصابني ... وبقياي أنّي جاهد غير مؤتلي
«٥٨٠» - وقال لبيد بن ربيعة يرثي أخاه أربد: [من الطويل]
لعمري لئن كان المخبّر صادقا ... لقد رزئت في حادث الدهر جعفر
أخ لي أمّا كلّ شيء سألته ... فيعطي وأمّا [٢] كلّ شيء فيغفر
فإن يك نوء من سحاب أصابه ... فقد كان يعلو في اللقاء ويظفر
«٥٨١» - وقال دريد بن الصمّة: [من الطويل]
стр. 1620
تقول ألا تبكي أخاك وقد أرى ... مكان البكا لكن بنيت على الصبر
فقلت أعبد الله أبكي أم الذي ... له الجدث الأعلى قتيل أبي بكر
وعبد يغوث أو خليلي خالدا ... وعزّ مصابا حثو قبر على قبر
أبى القتل إلا آل صمّة إنهم ... أبوا غيره والقدر يجري إلى القدر
يغار علينا واترين فيشتفى ... بنا إن أصبنا أو نغير على وتر
بذاك قسمنا [١] الدهر شطرين بيننا ... فما ينقضي إلا ونحن على شطر
«٥٨٢» - وقال دريد أيضا: [من الطويل]
أعاذلتي كلّ امرىء وابن أمّه ... متاع كوعد الراكب المتزوّد
أعاذل إنّ الرزء أمثال خالد ... ولا رزء فيما أهلك المرء عن يد
دعاني أخي والخيل بيني وبينه ... فلما دعاني لم يجدني بقعدد
فما زلت حتى جرّحتني رماحهم ... وغودرت أكبو في القنا المتقصّد
قتال امرىء آسى أخاه بنفسه ... ويعلم أنّ المرء غير مخلّد
قليل التشكّي للمصيبات حافظ ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد
«٥٨٣» - وقال إبراهيم بن العباس يرثي ابنه: [من الكامل المجزوء]
كنت السواد لمقلة [٢] ... تبكي عليك وناظر
стр. 1621
من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر
وهو مأخوذ من قول أبي نواس: [من الطويل]
طوى الموت ما بيني وبين محمد ... وليس لما تطوي المنية ناشر
وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر
وقول الآخر: [من الطويل]
أجاري ما أزداد إلا صبابة ... عليك وما تزداد إلا تنائيا
أجاري لو نفس فدت نفس ميّت ... فديتك مسرورا بنفسي وماليا
وقد كنت أرجو أن أملّاك حقبة ... فحال قضاء الله دون رجائيا
إلا ليمت من شاء بعدك إنما ... عليك من الأقدار كان حذاريا
«٥٨٤» - وقالت فاطمة بنت الأحجم: [من الكامل]
قد كنت لي جبلا ألوذ بظلّه ... فتركتني أضحى [١] بأجرد ضاح
قد كنت ذات حميّة ما عشت لي ... أمشي البراز وكنت أنت جناحي
فاليوم أخضع للذليل وأتّقي ... منه وأدفع ظالمي بالراح
وأغضّ من بصري وأعلم أنه ... قد بان حدّ فوارسي ورماحي
«٥٨٥» - وقالت صفية الباهلية: [من البسيط]
كنا كغصنين في جرثومة سمقا ... حينا بأحسن ما يسمو له الشّجر
стр. 1622
حتى إذا قيل قد طالت فروعهما ... وطاب فيئهما واستنظر الثمر
أخنى على واحدى ريب الزمان وما ... يبقي الزمان على شيء ولا يذر
فاذهب حميدا على ما كان من حدث ... فقد ذهبت وأنت السمع والبصر [١]
كنّا كأنجم ليل بينها قمر ... يجلو الدّجى فهوى من بيننا [٢] القمر
«٥٨٦» - كان المأمون يحب أخاه أبا عيسى بن الرشيد حبا شديدا ويعدّه للأمر بعده، فمات في سنة تسع ومائتين، فقال المأمون: حال القدر دون الوطر.
وصلّى عليه ونزل في قبره وبكى ساعة ثم مسح عينيه وتمثّل: [من الطويل]
سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض ... فحسبك مني ما تجنّ الجوانح
كأن لم يمت حيّ سواك ولم يقم [٣] ... على أحد إلا عليك النوائح
وهي من أبيات لأشجع السلميّ قد ذكرتها في موضعها. ثم التفت إلى أحمد ابن أبي داود مستنطقا فقال: هيه يا أحمد، فتمثّل بقول عبدة بن الطبيب: [من الطويل]
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما
تحية من أوليته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلّما
стр. 1623
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما
فبكى ساعة ثم التفت إلى عمرو بن مسعدة فقال: هيه يا عمرو فقال:
[من الكامل]
بكّوا حذيفة لن تبكّوا مثله ... حتى تعود قبائل لم تخلق
قال: فإذا عريب وجوار معها يسمعن ما يدور بينهم، فقالت: اجعلوا لنا معكم في القول نصيبا، فقال المأمون: قولي فربّ صواب منك كثير، فقالت:
[من الطويل]
كذا فليجلّ الخطب أو يفدح الأمر ... فليس لعين لم يفض ماؤها عذر
كأنّ بني العباس يوم وفاته ... نجوم سماء خرّ من بينها البدر
«٥٨٧» - لما دفن سليمان بن عبد الملك ابنه أيوب وقف على قبره ينظر إليه ثم قال: [من السريع]
كنت لنا أنسا ففارقتنا ... فالعيش من بعدك مرّ المذاق
ثم قرّب دابته فركب وقال: [من الطويل]
وقوف على قبر مقيم بقفرة ... متاع قليل من حبيب مفارق
ثم قال السلام عليك، ثم عطف دابته وقال: [من البسيط]
فإن صبرت فلم ألفظك من شبع ... وإن جزعت فعلق منفس ذهبا
«٥٨٨» - وقال سليمان عند موت ابنه لعمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة:
إني لأجد في كبدي جمرة لا يطفئها إلا عبرة، فقال عمر: اذكر الله يا أمير المؤمنين
стр. 1624
وعليك بالصبر. فنظر إلى رجاء بن حيوة كالمستريح إلى مشورته فقال رجاء: أفضها يا أمير المؤمنين فما بذاك من بأس، فقد دمعت عينا رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم وقال: العين تدمع، والقلب يوجع، ولا نقول ما يسخط الربّ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون. فأرسل سليمان عينه فبكى حتى قضى أربا ثم أقبل عليهما وقال: لو لم أنزف هذه العبرة لا نصدعت كبدي، ثمّ لم يبك بعدها.
«٥٨٩» - قال أبو ذؤيب الهذلي: [من الطويل]
يقولون لي لو كان بالرمل لم يمت ... نشيبة والطرّاق يكذب قيلها
ولو أنني استودعته الشمس لارتقت ... إليه المنايا عينها ورسولها
٥٩٠- وقال معن بن زائدة يرثي ابن المقفّع: [من البسيط]
كذبتك الودّ لم تقطر عليك دما ... عيني ولم تنقطع نفسي من الحزن
٥٩١- عزّى عبد الرحمن بن أبي بكرة سليمان بن عبد الملك فقال: إنّه من طال عمره فقد الأحبّة، ومن قصر عمره كانت مصيبته في نفسه.
٥٩٢- وكتب محمد بن عيسى الكاتب إلى صديق له: من سرّه امتداد عمره، ساءته فجائع دهره، بفقد حميم أو طارق هموم، عادة للزمان مألوفة، وسنّة للحدثان معروفة، وأحق من سلّم للأقضية من وهب الله تعالى له جميل الاصطبار، فإن أصابته مصيبة تلقاها مصطبرا، وإن نابته نائبة وجدته محتسبا.
«٥٩٣» - لما مات ذرّ بن عمر بن ذرّ الهمذاني، وكان موته فجاءة، أتاه أهل بيته يبكونه فقال: ما لكم؟ إنّا والله ما ظلمنا ولا قهرنا، ولا ذهب لنا بحقّ، ولا
стр. 1625
أخطىء بنا، ولا أريد غيرنا، وما لنا على الله معتب. فلما وضعه في قبره قال:
رحمك الله يا بنيّ، والله لقد كنت بي بارّا، ولقد كنت عليك حدبا، وما بي إليك من وحشة، ولا لي إلى أحد بعد الله فاقة، ولا ذهبت لنا بعزّ، ولا أبقيت علينا من ذلّ. ولقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك. يا ذرّ لولا هول المطّلع ومحشره لتمنيت ما صرت إليه، فليت شعري يا ذرّ ماذا قيل لك وماذا قلت؟ ثم قال: اللهمّ إنك وعدتني الثواب بالصبر على ذرّ، اللهمّ فعلى ذرّ صلواتك ورحمتك، اللهمّ إني قد وهبت ما جعلت لي من أجر على ذرّ لذرّ صلة منّي له؛ فلا تعرفه قبيحا وتجاوز عنه فإنك أرحم الراحمين. اللهمّ وإني قد وهبت لذرّ إساءته إليّ فهب له إساءته إليك، فإنك أجود مني وأكرم. فلما ذهب لينصرف قال: يا ذر قد انصرفنا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك.
«٥٩٤» - وقال شاعر: [من الطويل]
إذا ما دعوت الصبر بعدك والبكا ... أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر
فإن ينقطع منك الرجاء فإنه ... سيبقى عليك الحزن ما بقي الدهر
«٥٩٥» - وقال هشام أخو ذي الرمّة: [من الطويل]
تعزّيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاء وجفن العين ملان مترع
نعى الركب أوفى حين آبت ركابهم ... لعمري لقد جاءوا بشرّ فأوجعوا
نعوا باسل الأفعال لا يخلفونه ... تكاد الجبال الشمّ منه تصدّع
فلم ينسني أوفى المصيبات بعده ... ولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع
стр. 1626
«٥٩٦» - وقال حريث بن زيد الخيل: [من الطويل]
ألا بكر الناعي بأوس بن خالد ... أخي الشّتوة الغبراء والزمن المحل
فلا تجزعي يا أمّ أوس فإنه ... تصيب المنايا كلّ حاف وذي نعل
ولولا الأسى ما عشت في الناس ساعة ... ولكن إذا ما شئت جاوبني مثلي
والبيت الأخير يروى للشمردل بن شريك.
«٥٩٧» - ومثله لنهشل بن حريّ: [من الطويل]
أغرّ كمصباح الدجنة يتقي ... قذى الزاد حتى تستفاد أطايبه
وهوّن وجدي عن خليلي أنه ... إذا شئت لاقيت امرءا مات صاحبه
أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد ... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه
«٥٩٨» - وروي [١] أنّ الاسكندر كتب إلى أمه قبل وفاته بقليل: إذا وصل إليك كتابي هذا فاجمعي أهل بلدك، وأعدّي لهم طعاما، ووكّلي بالأبواب من يمنع من أصابته مصيبة في أب أو أمّ أو أخ أو أخت أو ابن أو أهل أو حبيب أو صديق من حضور ذلك الطعام، ولا يحضرنه إلّا من لم يصب بمصيبة قط في أحد. فلما ورد الكتاب عليها أمرت بالطعام فاصطنع، ووكلت [٢] بالأبواب قوما لا يأذنون لأحد إلّا بعد أن يسألوه عن مصابه في أهله وناسه، فصدر الناس ولم
стр. 1627
يبق أحد. فلما رأت ذلك تعزّت وصبرت وأيقنت بالحال [١] وقالت: إنّ الاسكندر عزّاني عن نفسه.
٥٩٩- لما مات العباس بن المأمون جزع عليه المعتصم جزعا شديدا وامتنع من الطعام، وأمر أن لا يحجب عنه أحد للتعزية. فدخل أعرابيّ في غمار الناس فأنشده: [من الكامل]
اصبر نكن لك تابعين وإنما ... صبر الجميع بحسن صبر الراس
خير من العباس أجرك بعده ... والله خير منك للعباس
فتسلى ودعا بالطعام.
كذا وجدت الخبر وأظنّه سهوا، فإنّ العباس مات في حبس المعتصم، فكيف يجزع عليه هذا الجزع وهو كان المتّهم بقتله، وخبره حيث أراد الفتك بالمعتصم ومواطأة عجيف عليه مشهور، وأظنّه العبّاس بن الفضل بن الربيع، والمعزّى به أبوه.
«٦٠٠» - وقال البراء بن ربعي: [من الطويل]
أبعد بني أمّي الذين تتابعوا ... أرجّي الحياة أم من الموت أجزع
ثمانية كانوا ذؤابة قومهم ... بهم كنت أعطى ما أشاء وأمنع
أولئك إخوان الصفاء رزئتهم ... وما الكفّ إلا إصبع ثم إصبع
стр. 1628
«٦٠١» - وقال الغطمّش الضبيّ: [من الطويل]
إلى الله أشكو لا إلى الناس أنني ... أرى الأرض تبقى والأخّلاء تذهب
أخلّاي لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الدهر معتب
«٦٠٢» - وقال أرطأة بن سهيّة المرّي: [من الطويل]
هل أنت ابن ليلى إن نظرتك رائح ... مع الركب أم غاد غداة غد معي
وقفت على قبر ابن ليلى فلم يكن ... وقوفي عليه غير مبكى ومجزع
عن الدهر فاصفح إنه غير منته [١] ... وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع
«٦٠٣» - وقال آخر: [من الطويل]
عجبت لصبري بعده وهو ميّت ... وكنت له أبكي دما وهو غائب
على أنها الأيام قد صرن كلّها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب
٦٠٤- وقال رجل [٢] يرثي أباه: [من الطويل]
تحلّ رزيّات وتغزو مصائب ... ولا مثل ما أنحت علينا يد الدهر
لقد عركتنا للزمان ملمّة ... أذمّت بمحمود الجلادة والصبر
стр. 1629
«٦٠٥» - لما أتى معاوية موت عتبة أخيه تمثّل: [من الطويل]
إذا سار من خلف امرىء وأمامه ... وأوحش من أصحابه فهو سائر
فلما أتاه موت زياد تمثل: [من الطويل]
وأفردت سهما في الكناية واحدا ... سيرمى به أو يكسر السهم كاسر
«٦٠٦» - تمثلت عائشة عند قبر عبد الرحمن بن أبي بكر بقول متمم بن نويرة: [من الطويل]
وكنّا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتبّعا
فلمّا تفرّقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
«٦٠٧» - وروي أنّ متمما صلّى مع أبي بكر ﵁ الفجر في عقب قتل أخيه، فلما صلّى أبو بكر قام متمم بحذائه فاتكأ على سية قوسه ثم قال:
[من الكامل]
نعم القتيل إذا الرياح تناوحت ... خلف البيوت قتلت يا ابن الأزور
أدعوته بالله ثم غدرته ... لو هو دعاك بذمة لم يغدر
وكان خالد بن الوليد أمر ضرار بن الأزور بقتله، في خبر طويل وأومأ متمم إلى أبي بكر فقال أبو بكر: والله ما دعوته ولا غدرته. ثم أتمّ شعره فقال:
[من الكامل]
стр. 1630
لا يمسك الفحشاء تحت ثيابه ... حلو شمائله عفيف المئزر
ولنعم حشو الدرع كنت وحاسرا ... ولنعم مأوى الطارق المتنوّر
ثم بكى وانحطّ على سية قوسه، وكان أعور دميما، فما زال يبكي حتى دمعت عينه العوراء، فقام إليه عمر بن الخطاب ﵁ فقال: لوددت أني أشعر فكنت أرثي أخي زيدا مثلما رثيت به أخاك مالكا. فقال: يا أبا حفص، والله لو علمت أنّ أخي صار بحيث صار أخوك ما رثيته. فقال عمر: ما عزّاني أحد عن أخي بمثل تعزيته. وجاء في لفظ آخر: إن أخي قتل في عميته.
وروي أنّ متمما رثى زيدا أخا عمر فلم يجد، فقال له عمر: لم ترث زيدا كما رثيت مالكا فقال: إنه والله ليحركني لمالك ما لا يحركني لزيد.
«٦٠٨» - وقال متمم يرثي مالكا أيضا: [من الطويل]
جميل المحيّا ضاحك عند ضيفه ... أغرّ جميع الرأي مشترك الرّحل
وقور إذا القوم الكرام تقاولوا ... فحلّت حباهم واستطيروا من الجهل
وكنت إلى نفسي أشدّ حلاوة ... من الماء بالماذي من عسل النحل
وكلّ فتى في الناس بعد ابن أمه ... كساقطة إحدى يديه من الخبل
وبعض الرجال نخلة لا جنى لها ... ولا ظلّ إلا أن تعدّ من النخل
«٦٠٩» - وقال لبيد بن ربيعة يرثي أخاه أربد وأحرقته صاعقة، وخبره في موضع آخر: [من المنسرح]
стр. 1631
أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السّماك والأسد
فجّعني البرق والصواعق بال ... فارس يوم الكريهة النجد
يا عين هلّا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام العدوّ في كبد
ما إن تعريّ المنون من أحد ... لا والد مشفق ولا ولد
«٦١٠» - وقال أيضا: [من الكامل]
يا أربد الخير الكريم جدوده ... غادرتني أمشي بقرن أعضب
إنّ الرزية لا رزية مثلها ... فقدان كلّ أخ كضوء الكوكب
«٦١١» - وقال رجل من قريش تتابع له بنون: [من الطويل]
لقد شمت الأعداء بي وتغيرت ... عيون أراها بعد موت أبي عمرو
تجرا عليّ الدهر لما فقدته ... ولو كان حيا لا جترأت على الدهر
وقاسمني دهري بنيّ مشاطرا ... فلما توفّى شطره مال في شطري
«٦١٢» - وقال أبو ذؤيب الهذلي يرثي بنيه وتتابعوا: [من الكامل]
أمن المنون وريبها تتوجّع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع
قالت أمامة ما لجسمك شاحبا ... منذ ابتدلت ومثل مالك ينفع
أم ما لجسمك لا يلائم مضجعا ... إلا أقضّ عليك ذاك المضجع
فأجبتها اما لجسمي إنه ... أودى بنيّ من البلاد فودّعوا
أودى بنيّ وأعقبوني حسرة ... بعد الرقاد وعبرة ما تقلع
стр. 1632
فالعين بعدهم كأنّ حداقها ... سملت بشوك فهي عور تدمع
سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم ... فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع
وتجلّدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع
«٦١٣» - كان لزهير بن أبي سلمى ابن يقال له سالم، جميل الوجه، حسن الثغر، وبعث إليه رجل ببردتين فلبسهما الفتى وركب فرسا، فمرّ بامرأة من العرب فقالت: ما رأيت كاليوم قطّ رجلا ولا بردتين ولا فرسا، فعثرت به الفرس فاندقّ عنق الفرس وعنق سالم وانشقّت البردتان، فقال زهير يرثي ابنه سالما: [من الطويل]
رأت رجلا لاقى من العيش غبطة ... سلامة أعوام له وغنائم
فأصبح محبورا ينظر حوله ... بمغبطة لو أنّ ذلك دائم
وعندي من الأيام ما ليس عنده ... فقلت تعلّم إنما أنت حالم
لعلك يوما أن تراعي بفاجع ... كما راعني يوم النّساءة سالم
«٦١٤» - وقالت ليلى الأخيلية: [من الطويل]
آليت أبكي بعد توبة هالكا ... وأحفل من دارت عليه الدوائر
«٦١٥» - وقالت امرأة ترثي زوجها ولم يكن دخل بها: [من المنسرح]
أبكيك لا للنعيم والأنس ... بل للمعالي والرمح والفرس
стр. 1633
أبكي على فارس فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس
يا فارسا بالعراء مطّرحا ... خانته قوّاده مع الحرس
من لليتامى إذا هم شغبوا ... وكلّ عان وكلّ محتبس
أمّن لبّر أمّن لفائدة ... أمّن لذكر الإله في الغلس
٦١٦- وقالت الذلفاء بنت الأبيض ترثي زوجها وابن عمها نجدة:
[من البسيط]
يا قبر نجدة لم أهجرك مقلية ... ولا سلوتك عن صبر ولا جلد
لكن بكيتك حتى لم أجد مددا ... من الدموع ولا عونا على الكمد
وأيأستني جفوني من مدامعها ... فقلت للعين جودي من دم الكبد
فلم أزل بدمي أبكيك جاهدة ... حتى بقيت بلا روح ولا جسد
٦١٧- وقالت أيضا ترثيه: [من الطويل]
سئمت حياتي يوم فارقت نجدة ... ورحت وماء العين ينهلّ هامله
ولم أر مثل الموت للنفس راحة ... يعاجلها من بعده أو تعاجله
«٦١٨» - وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ترثي زوجها عبد الله بن أبي بكر الصديق ﵄: [من الطويل]
آليت لا تنفكّ عيني حزينة ... عليك ولا ينفكّ جلدي أغبرا
فلله عينا من رأى مثله فتى ... أكرّ وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا أشرعت فيه الأسنّة خاضها ... إلى الموت حتى يترك الجون أشقرا
стр. 1634
وكان عبد الله بن أبي بكر يجد بعاتكة وجدا شديدا، فاجتاز به أبوه راجعا من الجمعة وعبد الله يناغيها، فقال: يا عبد الله أجمعت؟ قال: أوصلّى الناس؟
قال: نعم؛ وقد كانت شغلته عن سوق وتجارة كان فيها، فقال له أبو بكر: قد شغلتك عاتكة عن المعاش والتجارة، وقد ألهتك عن فرائض الله، طلّقها، فطلّقها تطليقة، وتحوّلت إلى ناحية الدار، فبينا أبو بكر يصلّي على سطح له في الليل إذ سمعه وهو يقول: [من الطويل]
أعاتك لا أنساك ما ذرّ شارق ... وما ناح قمريّ الحمام المطوّق
لها خلق جزل ورأي ومنصب ... وخلق سويّ في حياء ومصدق
فلم أر مثلي طلّق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير شيء تطلّق
فرق له أبو بكر وقال: يا عبد الله راجع عاتكة، فقال: أشهدك أني قد راجعتها.
وأشرف على غلام له يقال له أيمن فقال: يا أيمن أنت حرّ لوجه الله، أشهدك أني قد راجعت عاتكة. ثم خرج يجري إليها وأعطاها حديقة حين راجعها على أن لا تتزوّج بعده.
فلما قتل عبد الله من السّهم الذي أصابه بالطائف خطبها عمر بن الخطّاب فذكرت له أمر الحديقة فاستفتى لها عليّ بن أبي طالب فقال: ردّي الحديقة على أهله وتزوّجي، ففعلت. دعا عمر ﵁ جماعة من أصحاب النبي ﵇ فيهم عليّ بن أبي طالب، فقال له عليّ: إنّ لي إلى عاتكة حاجة أريد أن أذكّرها إياها، فقل لها تستتر حتى أكلّمها. فقال لها عمر: استتري يا عاتكة فإنّ ابن أبي طالب يريد أن يكلّمك، فأخذت مرطها فلم يظهر منها إلا ما بدا من براجمها، فقال يا عاتكة: [من الطويل]
فأقسمت لا تنفكّ عيني سخينة ... عليك ولا ينفكّ جلدي أصفرا
فقال له: يرحمك الله، وما أردت إلى هذا؟ فقال علي: وما أرادت إلى أن
стр. 1635
تقول ما لا تفعل، وقد قال الله : كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
(الصف: ٣) هذا شيء كان في نفسي أحببت أن يخرج، فقال عمر:
ما حسّن الله فهو حسن.
ولما قتل عنها عمر تزوجت الزبير بن العوّام، فلما قتل تزوجت بعده الحسين ابن علي، فكانت أوّل من رفع خدّه من التراب يوم قتل. وتأيّمت بعده فخطبها مروان بن الحكم فقالت: ما كنت لأتخذ حموا بعد رسول الله ﷺ . ولها في كلّ واحد من أزواجها مراث مشهورة.
ولما قتل عنها الزبير خطبها عليّ ﵇ فقالت: إني لأضنّ بك يا ابن عمّ رسول الله عن القتل. وكان عبد الله بن عمر يقول من أراد الشهادة فليتزوّج عاتكة.
٦١٩- كاتب: ولكنّه أمر الله الذي لا مدفع له، وحكمه الذي لا حيف فيه، وقدره الذي سوّى فيه بين عباده، فليس للساخط فيه عتبى، ولا للراضي منه منجى، وليس إلا الانقياد فيه لنازل القضاء. جعلك الله ممّن يتلقّى أمره بالقبول، وأقداره بالتسليم، وأصحبك في هذه الحال وفي كلّ حال التوفيق والتسديد حتى تجوز في المحنة ثواب الصابرين، وفي النعمة مزيد الشاكرين.
٦٢٠- آخر [١] : أعقبك الله من فراقه عظيم الثواب، وأعقبه من دنياه حسن المآب.
«٦٢١» - لما قتل ابراهيم بن عبد الله بن الحسن وحمل رأسه إلى المنصور، أنفذه المنصور مع الربيع إلى أبيه وعميّه إدريس ومحمد، وكانوا في حبسه، فوضعه
стр. 1636
بين أيديهم، وكان أبوه عبد الله قائما يصلّي، فقال له محمد: أوجز في صلاتك، فأوجز وسلّم وأخذ الرأس فوضعه في حجره وقال: أهلا وسهلا يا أبا القاسم، والله لقد كنت من الذين قال الله فيهم الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
(الرعد: ٢٠- ٢١) ثمّ قبّله وأنشد: [من الطويل]
فتى كان يحميه من العار سيفه ... ويكفيه سوءات الأمور اجتنابها
ثم قال للربيع: قل لصاحبك [١] قد مضى من بؤسنا أيام، ومن نعيمك أيام، والملتقى بين يدي الله في غد، فما رؤي في المنصور انكسار [٢] مثل ذلك اليوم.
«٦٢٢» - لأمّ [٣] معدان الأنصارية: [من البسيط]
لا يبعد الله فتيانا رزئتهم ... بانوا لوقت مناياهم فقد بعدوا
أضحت قبورهم شتّى ويجمعهم ... زوّ [٤] المنون ولم يجمعهم بلد
ميت بمصر وميت بالعراق ومي ... ت بالحجاز منايا بينهم بدد
رعوا من المجد أكنافا إلى أجل ... حتى إذا بلغت أظماوهم وردوا
كانت لهم همم فرّقن بينهم ... إذا القعادد عن أمثالها قعدوا
فعل الجميل وتفريج الجليل وإع ... طاء الجزيل إذا لم يعطه أحد
٦٢٣- وقال الأصمعي: دفعت يوما في تلمّسي بالبادية إلى واد خلاء لا
стр. 1637
أنيس به إلا بيت معتنز، بفنائه أعنز، وقد ظمئت فيمّمته فسلّمت فإذا عجوز قد برزت كأنّها نعامة راخم، فقلت: هل من ماء؟ فقالت: أو لبن؟ فقلت: ما كانت بغيتي إلا الماء فإذا يسّر الله اللبن فإني إليه فقير. فقامت إلى قعب فأفرغت فيه ماء ونظّفته وغسلته، ثم جاءت إلى الأعنز فتغبّرتهنّ حتى احتلبت قراب ملء القعب ثم أفرغت عليه ماء حتى رغا وطفت ثمالته كأنها غمامة بيضاء، ثم ناولتني إياه فشربت حتى تحببت ريّا واطمأننت فقلت: إني أراك معتنزة في هذا الوادي الموحش، والحلّة منك قريب، فلو انضممت إلى خبائهم فأنست بهم، قالت: يا ابن أخي، إني لآنس بالوحشة وأستريح إلى الوحدة، ويطمئنّ قلبي إلى هذا الوادي الموحش، فأتذكر من عهدت، فكأني أخاطب أعيانهم، وأتراءى أشباحهم، وتتخيّل إليّ أندية رجالهم، وملاعب ولدانهم، ومندّى أموالهم. والله يا ابن أخي لقد رأيت هذا الوادي بشع اللديدين بأهل أدواح وقباب، ونعم كالهضاب، وخيل كالذئاب، وفتيان كالرماح، يبارون الرياح، ويحمون الصباح، فأحال عليهم الجلاء قما بغرفة، فأصبحت الآثار دارسة، والمحالّ طامسة، وكذلك سيرة الدهر في من وثق به. ثم قالت: ارم بعينيك في هذا الملأ المتباطن، فنظرت فإذا قبور نحو من أربعين أو خمسين؛ فقالت: أترى تلك الأجداث؟ قلت: نعم. قالت: ما انطوت إلا على أخ أو ابن أخ أو عمّ أو ابن عمّ، فأصبحوا قد ألمأت عليهم الأرض، وأنا أنتظر ما غالهم. انصرف راشدا يرحمك الله.
الغريب:- المعتنز: المنفرد، والراخم: التي تحضن بيضها، وتغبرتهن:
احتلبت الغبر وهو بقية اللبن في الضرع وجمعه أغبار، وقراب وقريب واحد مثل كبار وكبير، والثمالة: الرغوة، وتحببت: امتلأت، والمندّى: المكان الذي يندّى فيه المال، وبشع: ملآن، واللديدان: الجانبان، وقما: كنسا، والقمامة:
الكناسة والمقمّة: المكنسة، والغرفة: الواحدة من الغرف وهو ضرب من الشجر، والمتباطن: المتطامن، وألمأت عليهم: احتوت عليهم، وتلمأت عليه
стр. 1638
الأرض استوت عليه ووارته.
٦٢٤- دخل قوم على سليمان بن علي يعزّونه بمصيبة نالته فكثر كلامهم فقال سليمان: إنما أموالنا وأنفسنا من مواهب الله الحسنة وعواريه الجميلة، نمتّع بما أمتع منها في سرور وغبطة، ونسلب ما سلب منها بأجر وحسبة، فمن غلب جزعه صبره حبط أجره.
٦٢٥- قال عبد الله بن يعقوب بن داود: جاءنا سفيان بن عيينة يعزّي أبي عن عمّي فقال: [من البسيط]
كيف أعزّيك والأحداث مقبلة ... فيها لكلّ امرىء في نفسه شغل
فقال له أبي: يعزّي من بلغت النّوبة إليه وأنشد: [من الطويل]
وما أنا بالمخصوص من بين من ترى ... ولكن أتتني نوبتي في النوائب
٦٢٦- مسلمة الجعفي: [من الطويل]
فتى لا يعدّ المال ربّا ولا ترى ... به جفوة إن نال مالا ولا كبرا
وكنت أرى نأيا به بين ليلة ... فكيف ببين صار ميعاده الحشرا
«٦٢٧» - كلثوم بن عمرو العتابي: [من الخفيف]
غرّ من ظنّ أن يفوت المنايا ... وعراها قلائد الأعناق
أيّنا قدّمت سهام المنايا ... فالذي أخّرت سريع اللحاق
«٦٢٨» - ندبت أعرابية ابنها فقالت: لم يكن مالك لبطنك، ولا برّك لعرسك.
стр. 1639
«٦٢٩» - أبّنت الخنساء أخاها صخرا فقالت: لقد كان كريم الجدين، واضح الخدين، يأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد.
«٦٣٠» - جزعك في مصيبة صديقك أحسن من صبرك، وصبرك في مصيبتك أحسن من جزعك.
«٦٣١» - مات عبد الله بن مطرّف فخرج مطرّف في ثياب حسنة وقد ادّهن، فأنكروا عليه، قال: أفأستكين لها وقد وعدني ربي عليها ثلاثا إحداهنّ أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
(البقرة: ١٥٧) .
٦٣٢- سمع الحسن امرأة تبكي خلف جنازة وتقول: يا أبتاه مثل يومك لم أره، فقال لها: بل أبوك مثل يومه لم يره.
«٦٣٣» - عزّت أعرابية قوما فقالت: جافى الله عن ميتكم الثرى، وأعانه على طول البلى، وآجركم ورحمه.
«٦٣٤» - الرضي: [من الطويل]
ولا عجب أن تمطر العين فوقه ... فإنّ سواد العين فيه دفين
«٦٣٥» - وقال أبو خراش الهذليّ: [من الطويل]
تقول أراه بعد عروة لاهيا ... وذلك رزء لو علمت جليل
فلا تحسبي أني تناسيت عهده ... ولكنّ صبري يا أميم جميل
стр. 1640
ألم تعلمي أن قد تفرّق قبلنا ... خليلا صفاء مالك وعقيل
«٦٣٦» - وقال الخريمي: [من الطويل]
تذكّرني شمس الضحى نور وجهه ... فلي لحظات نحوها حين تطلع
وأعددته ذخرا لكلّ ملمّة ... وسهم المنايا بالذخائر مولع
وإني وإن أظهرت مني جلادة ... وصانعت أعدائي عليه لموجع
ملكت دموع العين حين رددتها ... إلى ناظري وأعين القلب تدمع
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
وأيقنت أنّ الحيّ لا بدّ هالك ... وأنّ الفتى في أهله لا يمتّع [١]
«٦٣٧» - وقال مسلم بن الوليد في إسماعيل بن جامع: [من الطويل]
وإني وإسماعيل يوم فراقه ... لكالغمد يوم الرّوع فارقه النصل
فإن أغش قوما بعده أو أزرهم [٢] ... فكالوحش يدنيها من الأنس المحل
«٦٣٨» - وقال كعب بن سعد الغنويّ يرثي أخاه أبا المغوار: [من الطويل]
تقول سليمى ما لجسمك شاحبا ... كأنك يحميك الشراب طبيب
стр. 1641
تتابع أحداث ذهبن بجدّتي ... وشيّبن رأسي والخطوب تشيب
أتى دون حلو العيش حتى أمرّه ... نكوب على آثارهنّ نكوب
لعمري لئن كانت أصابت مصيبة ... أخي والمنايا بالرجال شعوب
لقد كان أما حلمه فمروّح ... علينا وأما جهله فعزيب
حليم إذا ما زيّن الحلم أهله ... مع الحلم في عين العدوّ مهيب
هوت أمّه ما يبعث الصبح غاديا ... وماذا يؤدّي الليل حين يؤوب
أخ كان يكفيني وكان يعينني ... على نائبات الدهر حين تنوب
هو العسل الماذيّ حلما ونائلا ... وليث إذا يلقى العدوّ غضوب
فتى لا يبالي أن يكون بوجهه ... إذا حاز خلّات الكرام شحوب
أخو القوم لا باغ عليهم بفضله ... ولا مزمهرّ في الوجوه سبوب
كعالية الرمح الردينيّ لم يكن ... إذا ابتدر القوم النهاب يصيب
يبيت الندى يا أمّ عمرو ضجيعه ... إذا لم يكن في المنديات حليب
إذا ما تراءاه الرجال تحفّظوا ... فلم تنطق العوراء وهو قريب
فتى أريحيّ كان يهتزّ للندى ... كما اهتزّ من ماء الحديد قضيب
حليف الندى يدعو الندى فيجيبه ... سريعا ويدعوه الندى فيجيب
٦٣٩- وقالت أعرابية: [من الطويل]
لقد كنت أخشى لو تملّيت خشيتي ... عليك الليالي مرّها وانفتالها
فأمّا وقد أصبحت في قبضة الرّدى ... فشأن المنايا فلتصب ما بدا لها
«٦٤٠» - وأنشد الأصمعيّ لامرأة من العرب: [من الطويل]
стр. 1642
طوى الدهر ما بيني وبين أحبّة ... بهم كنت أعطى ما أشاء وأمنع
فلا يحسب الواشون أنّ قناتنا ... تلين ولا أنّا من الموت نجزع
ولكنّ للألّاف لا بدّ لوعة ... إذا جعلت أقرانها تتقطّع
٦٤١- وقال آخر: [من الطويل]
أيا عمرو لم أصبر ولي فيك حيلة ... ولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر
تصبّرت مغلوبا وإني لموجع ... كما صبر العطشان في البلد القفر
وما كان لي حظّ من الدهر غيره ... فويحي على فقدان حظي من الدهر
«٦٤٢» - وقال أراكة يرثي ابنه عمرا: [من الطويل]
لعمري لئن أتبعت عينيك ما مضى ... به الدهر أو ساق الحمام إلى القبر
لتستنفدن ماء الجفون [١] بأسره ... وإن كنت تمريهنّ من لجج [٢] البحر
تأمّل فإن كان البكا ردّ هالكا ... على أحد فاجهد بكاك على عمرو
«٦٤٣» - لما مات ابن عمر بن عبد العزيز خطب عمر الناس فقال: الحمد لله الذي جعل الموت حتما واجبا على عباده، فسوّى فيه بين قويّهم وضعيفهم، ورفيعهم ودنيّهم، فقال ﵎: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
(آل عمران:
стр. 1643
١٨٥) فليعلم ذوو النهى منهم أنهم صائرون إلى قبورهم، مفردون بأعمالهم، واعلموا أنّ لله مسألة فاحصة [١] قال ﵎: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
(الحجر: ٩٢- ٩٣) .
«٦٤٤» - قال محمد بن عبد الله العتبي يذكر ابنا له مات: [من الكامل]
أضحت بخدّي للدموع رسوم ... أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم
والصبر يحمد في المواطن كلّها ... إلا عليك فإنه مذموم
وهذا معنى متداول، وقد المّ به أبو تمام فقال: [من الطويل]
وقد كان يدعى لابس الصبر حازما ... فأصبح يدعى حازما حين يجزع
«٦٤٥» - رأى الحجاج في منامه أنّ عينيه قلعتا فطلّق الهندين: هند بنت المهلب وهند بنت أسماء بن خارجة، فلم يلبث أن جاءه نعي أخيه من اليمن في اليوم الذي مات فيه ابنه فقال: هذا والله تأويل رؤياي ثم قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، محمد ومحمد في يوم واحد. وقال: [من الطويل]
حسبي بقاء الله من كلّ ميّت ... وحسبي رجاء الله من كلّ هالك
إذا كان ربّ العرش عنّي راضيا ... فإنّ شفاء النفس فيما هنالك
وقال من يقول شعرا يسلّيني به؟ فقال الفرزدق: [من الكامل]
إنّ الرزية لا رزية مثلها ... فقدان مثل محمّد ومحمد
стр. 1644
ملكين قد خلت المنابر منهما ... أخذ الحمام عليهما بالمرصد
فقال: لو زدتني، فقال الفرزدق: [من البسيط]
إني لباك على ابني يوسف جزعا ... ومثل فقدهما للدين يبكيني
ما سدّ حيّ ولا ميت مسدّهما ... إلا الخلائف من بعد النبيين
فقال ما صنعت [١] شيئا إنما زدت في حزني، فقال: [من الطويل]
لئن جزع الحجّاج ما من مصيبة ... تكون لمحزون أجلّ وأوجعا
من المصطفى والمصطفى من خيارهم ... جناحاه لما فارقاه فودّعا
أخ كان أغنى أيمن الأرض كلّها ... واغنى ابنه أهل العراقين أجمعا
جناحا عقاب فارقاه كلاهما ... ولو نزعا من غيره لتضعضعا
قال: الآن.
«٦٤٦» - قال الرضي أبو الحسن الموسوي [٢] : [من الكامل]
برد القلوب بمن نحبّ بقاءه ... مما يجرّ حرارة الأكباد
يا ليت أني ما اتخذتك صاحبا ... كم قنية جلبت أسى لفؤادي
وأبيات الرضيّ هذه من عيون المراثي، ومنها:
مما يطيل الهمّ أنّ أمامنا ... طول الطريق وقلّة الأزواد
ولقد كبا طرف الرقاد بناظري ... أسفا عليك فلا لعا لرقادي
من للبلاغة والفصاحة إن همى ... ذاك الغمام وعبّ ذاك الوادي
стр. 1645
من للملوك تحزّ في أعدائها ... بظبا من القول البليغ حداد
من للممالك لا يزال يلمّها ... بسداد أمر ضائع وسداد
من للجحافل يستزلّ رماحها ... ويردّ رعلتها بغير جلاد
من للموارق يسترق [١] قلوبها ... بزلازل الإبراق والإرعاد
وصحائف فيها الأراقم كمّن ... مرهوبة الإصدار والإيراد
ويكون سوطا للحرون إذا ونى ... وعنان عنق الجامح المتمادي
ريّ الخدود من المدامع شاهد ... إنّ القلوب من الغليل صواد
ضاقت عليّ الأرض بعدك كلّها ... وتركت أضيقها عليّ بلادي
«٦٤٧» - وله يرثي أبا عبد الله ابن الحجاج: [من المتقارب]
وكم صاحب كمناط الفؤاد ... عناني من يومه ما عناني
قد انتزعت من يديّ المنون ... ولم يغن ضمّي عليه بناني
فزل كزيال الشباب الرّطي ... ب خانك يوم لقاء الغواني
ليبك الزمان طويلا عليك ... فقد كنت خفّة روح الزمان
«٦٤٨» - عزّى العباس بن الحسن العلوي رجلا فقال: إني لم آتك شاكا في عزمك، ولا زائدا في علمك، ولا متّهما لفهمك، ولكنه حقّ الصديق، وقول الشفيق، فاسبق السلوة بالصبر، وتلقّ الحادثة بالشكر، يحسن لك الذخر، ويكمل لك الأجر.
стр. 1646
«٦٤٩» - وكان أبو بكر ﵁ إذا عزّى رجلا قال: ليس مع العزاء مصيبة، ولا مع الجزع فائدة، والموت أشدّ ما قبله وأهون ما بعده، واذكروا فقد رسول الله ﷺ ، تذلّ عندكم مصيبتكم، وعظّم الله أجركم.
«٦٥٠» - وكتب إبراهيم بن المهدي في تعزية: أما الصبر فمصير كلّ ذي مصيبة، غير أنّ الحازم يقدّم ذلك عند اللوعة طلبا للمثوبة، والعاجز يؤخر ذلك إلى السلوة فيكون مغبونا نصيب الصابرين. ولو ان الثواب الذي جعل الله تعالى لنا على الصبر كان لنا على الجزع لكان ذلك أثقل علينا، لأنّ جزع الإنسان قليل وصبره طويل، والصبر في أوان الجزع أيسر مؤونة من الجزع بعد السّلوة.
«٦٥١» - وقال ابن الرومي: [من الطويل]
شجى أن أروم الصبر عنك فيلتوي ... عليّ ولؤم أن يساعدني الصبر
فيا حسرتا ألّا سلوّ يطيعني ... ويا سوءتا من سلوتي إنها غدر
٦٥٢- قال ابن السماك: كان يجلس إليّ رجل مسنّ فبلغتني شكايته فأتيته أعوده، فإذا هو قد نزل به الموت، وإذا أمّ له عجوز كبيرة، ولم أكن أظنّ أنّ له أمّا يومئذ. قال: فجعلت تنظر إليه حتى أغمض وعصّب وسجّي. قال: ثم قالت: رحمك الله قد كنت بنا برّا وعلينا شفيقا، فرزق الله عليك الصبر، وقد كنت تطيل القيام وتكثر الصيام، لا حرمك الله ما أمّلت من رحمته، وأحسن عنك العزاء. قال: ثم نظرت إليّ فقالت: أيها القاعد قد رأيت واعظا ونحن معك، ولو بقي أحد لأحد لبقي، فقلت في نفسي: تقول لبقي ابني لحاجتي إليه، فقالت: لبقي رسول الله ﷺ وآله لأمته. فخرجت وأنا أقول: ما رأيت
стр. 1647
امرأة أجزل منها ولا أجلّ.
«٦٥٣» - لما دخل المأمون بغداد دخلت عليه أمّ جعفر فقالت: يا أمير المؤمنين أهنيك بخلافة قد هنأت بها نفسي عنك قبل أن أراك، ولئن فقدت ابنا خليفة لقد عوّضت ابنا خليفة لم ألده، وما خسر من اعتاض مثلك، ولا ثكلت أمّ ملأت يدها منك، فأسأل الله تعالى أجرا على ما أخذ وإمتاعا بما وهب.
«٦٥٤» - ولما قتل الفضل بن سهل دخل المأمون إلى أمّه يعزيها فيه فقال: يا أمّه لا تحزني على الفضل فإني خلف لك منه، فقالت له: وكيف لا أحزن على ولد عوّضني خلفا مثلك؟ فتعجّب المأمون من جوابها، وكان يقول: ما سمعت جوابا قط كان أحسن منه [١] ولا أخلب للقلب.
«٦٥٥» - مرّ رجل بامرأة من غاضرة وإذا ابن لها مسجّى بين يديها وهي تقول: يرحمك الله يا بنيّ، فو الله ما كان مالك لبطنك، ولا أمرك لعرسك، ولقد كنت لي ليّن العطفة، يرضيك أقلّ مما يسخطك. قال، فقلت لها: يا أمه ألك منه خلف؟ قالت: بلى ما هو خير منه، ثواب الله تعالى والصبر على المصيبة.
٦٥٦- لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أمّ عليّ ﵇، وهي أوّل هاشمية ولدت هاشميّا، دخل عليها رسول الله ﷺ فجلس عند رأسها فقال:
رحمك الله، بأبي كنت وأمي تجوعين وتشبعينني، وتعرين وتكسينني، وتمنعين نفسك طيّب الطعام وتطعمينني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة. ثم أمر أن تغسل ثلاثا، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه ﷺ بيده ثمّ خلع
стр. 1648
قميصه وألبسها إيّاه، وكفّنها فوقه، ثم دعا أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاريّ وعمر بن الخطاب وغلاما أسود يحفرون قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله ﷺ ، وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل ﷺ فاضطجع فيه ثم قال: الحمد لله الذي يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت؛ اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقّنها حجّتها، ووسّع عليها مدخلها، بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين. وكبّر عليها أربعا وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق.
«٦٥٧» - قال أبو عبيدة: لما قتل جعفر بن علبة الحارثيّ قودا قام نساء الحيّ يبكين عليه، وقام أبوه إلى كلّ شاة وناقة فنحر أولادها وألقاها بين أيديها وقال: ابكين معنا على جعفر، فما زالت النوق ترغو والشاء تثغو والنساء يصحن ويبكين وهو يبكي معهنّ، فما رؤي يوم كان أوجع وأحرق مأتما في العرب من يومئذ.
«٦٥٨» - الشمردل بن شريك اليربوعي يرثي أخويه قدامة ووائلا:
[من الطويل]
أعاذل كم من روعة قد شهدتها ... وغصّة حزن من فراق أخ جزل
إذا وقعت بين الحيازيم أسدفت ... عليّ الضحى حتى يثبّتني [١] أهلي
أقول إذا عزّيت نفسي عن اخوة ... مضوا لا ضعاف في الحياة ولا عزل
أبى الموت إلا أن كلّ بني أب ... سيمسون شتّى غير مجتمعي الشمل
سبيل حبيبيّ اللذين تبرّضا ... دموعي حتى أسرع الحزن في عقلي
كأن لم نسر يوما ونحن بغبطة ... جميعا وينزل بين رحليهما رحلي
стр. 1649
خليليّ من دون الأخلّاء أصبحا ... رهيني ثواء من وفاة ومن قتل
فلا يبعدا للراغبين إليهما ... إذا اغبرّ آفاق السماء من المحل
فقد عدم الأضياف بعدهما القرى ... وأخمد نار الليل كلّ فتى وغل [١]
«٦٥٩» - وله يرثي أخاه وائلا ويذكر سامة [٢] : [من الطويل]
لعمري لئن غالت أخي دار فرقة ... وآب إلينا سيفه ورواحله
وحلّت به أثقالها الأرض وانتهى ... بمثواه منها وهو عفّ مآكله
لقد ضمنّت جلد القوى كان يتّقى ... به جانب الثغر المخوف زلازله
وصول إذا استغنى وإن كان مقترا ... من المال لم يخف الصديق مسائله
وصول لأضياف الشتاء كأنما ... هم عنده أيتامه وأرامله
رخيص نضيج اللحم مغل بنيّه ... إذا بردت عند الصّلاء أنامله
أقول وقد رجّمت عنه فأسرعت ... إليّ بأخبار اليقين مخايله [٣]
إلى الله أشكو لا إلى الناس فقده ... ولوعة حزن أوجع القلب داخله
وتحقيق رؤيا في المنام رأيتها ... فكان أخي رمحي ترفّض عامله
قيل: كان الشمردل رأى في منامه كأنّ سنان رمحه سقط منه فعبرّه فقيل له:
تصاب بمن في بقائه عزّ، فأتاه نعي أخيه.
بمثوى غريب ليس منّا مزاره ... بدان ولا ذو الودّ منا مواصله
стр. 1650
إذا ما أتى يوم من الدهر بيننا ... فحيّاك عنّا شرقه وأصائله
تحية من أدّى الرسالة حبّبت ... إلينا ولم ترجع بشيء رسائله
أبى الصبر أنّ العين بعدك لم يزل ... يخالط جفنيها قذى ما تزايله
وكنت أعير الدمع قبلك من بكى ... فأنت على من مات بعدك شاغله
يذكّرني هيف الجنوب ومنتهى ... نسيم [١] الصّبا رمسا عليه جنادله
وهاتفة فوق الغصون تفجعّت ... لفقد حمام أفردتها حبائله
وسورة أيدي القوم إذ حلّت الحبى ... حبى الشيب واستغوى أخا الحلم جاهله
فعينيّ إذ أبكا كما الدهر فابكيا ... لمن نصره قد بان منّا ونائله
إذا استعبرت عوذ النساء وشمّرت ... مآزر يوم لا توارى خلاخله
وأصبح بيت الهجر قد حال دونه ... وغال امرءا ما كان يخشى غوائله
وثقن به عند الحفيظة فارعوى ... إلى صوته جاراته وحلائله
إلى ذائد في الحرب لم يك خاملا ... إذا عاذ بالسيف المجرّد حامله
كما ذاد عن عرّيسة الغيل مخدر ... يخاف الرّدى ركبانه ورواحله
فما كنت ألقى لامرىء عند موطن ... أخا بأخي لو كان حيا أبادله
وكنت به أغشى القتال فعزّني ... عليه من المقدار ما لا أقاتله
لعمرك إنّ الموت منّا لمولع ... بمن كان يرجى نفعه ونوافله
فما البعد إلا أننا بعد صحبة ... كأن لم نبايت وائلا أو نقابله
سقى جدثا أعراف غمرة دونه ... ببيشة ديمات الربيع ووابله
وما بي حبّ الأرض إلا جوارها ... صداه وقول ظنّ أني قائله [٢]