«٦٤٩» - وكان أبو بكر ﵁ إذا عزّى رجلا قال: ليس مع العزاء مصيبة، ولا مع الجزع فائدة، والموت أشدّ ما قبله وأهون ما بعده، واذكروا فقد رسول الله ﷺ ، تذلّ عندكم مصيبتكم، وعظّم الله أجركم.
«٦٥٠» - وكتب إبراهيم بن المهدي في تعزية: أما الصبر فمصير كلّ ذي مصيبة، غير أنّ الحازم يقدّم ذلك عند اللوعة طلبا للمثوبة، والعاجز يؤخر ذلك إلى السلوة فيكون مغبونا نصيب الصابرين. ولو ان الثواب الذي جعل الله تعالى لنا على الصبر كان لنا على الجزع لكان ذلك أثقل علينا، لأنّ جزع الإنسان قليل وصبره طويل، والصبر في أوان الجزع أيسر مؤونة من الجزع بعد السّلوة.
«٦٥١» - وقال ابن الرومي: [من الطويل]
شجى أن أروم الصبر عنك فيلتوي ... عليّ ولؤم أن يساعدني الصبر
فيا حسرتا ألّا سلوّ يطيعني ... ويا سوءتا من سلوتي إنها غدر
٦٥٢- قال ابن السماك: كان يجلس إليّ رجل مسنّ فبلغتني شكايته فأتيته أعوده، فإذا هو قد نزل به الموت، وإذا أمّ له عجوز كبيرة، ولم أكن أظنّ أنّ له أمّا يومئذ. قال: فجعلت تنظر إليه حتى أغمض وعصّب وسجّي. قال: ثم قالت: رحمك الله قد كنت بنا برّا وعلينا شفيقا، فرزق الله عليك الصبر، وقد كنت تطيل القيام وتكثر الصيام، لا حرمك الله ما أمّلت من رحمته، وأحسن عنك العزاء. قال: ثم نظرت إليّ فقالت: أيها القاعد قد رأيت واعظا ونحن معك، ولو بقي أحد لأحد لبقي، فقلت في نفسي: تقول لبقي ابني لحاجتي إليه، فقالت: لبقي رسول الله ﷺ وآله لأمته. فخرجت وأنا أقول: ما رأيت
стр. 1647
امرأة أجزل منها ولا أجلّ.
«٦٥٣» - لما دخل المأمون بغداد دخلت عليه أمّ جعفر فقالت: يا أمير المؤمنين أهنيك بخلافة قد هنأت بها نفسي عنك قبل أن أراك، ولئن فقدت ابنا خليفة لقد عوّضت ابنا خليفة لم ألده، وما خسر من اعتاض مثلك، ولا ثكلت أمّ ملأت يدها منك، فأسأل الله تعالى أجرا على ما أخذ وإمتاعا بما وهب.
«٦٥٤» - ولما قتل الفضل بن سهل دخل المأمون إلى أمّه يعزيها فيه فقال: يا أمّه لا تحزني على الفضل فإني خلف لك منه، فقالت له: وكيف لا أحزن على ولد عوّضني خلفا مثلك؟ فتعجّب المأمون من جوابها، وكان يقول: ما سمعت جوابا قط كان أحسن منه [١] ولا أخلب للقلب.
«٦٥٥» - مرّ رجل بامرأة من غاضرة وإذا ابن لها مسجّى بين يديها وهي تقول: يرحمك الله يا بنيّ، فو الله ما كان مالك لبطنك، ولا أمرك لعرسك، ولقد كنت لي ليّن العطفة، يرضيك أقلّ مما يسخطك. قال، فقلت لها: يا أمه ألك منه خلف؟ قالت: بلى ما هو خير منه، ثواب الله تعالى والصبر على المصيبة.
٦٥٦- لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أمّ عليّ ﵇، وهي أوّل هاشمية ولدت هاشميّا، دخل عليها رسول الله ﷺ فجلس عند رأسها فقال:
رحمك الله، بأبي كنت وأمي تجوعين وتشبعينني، وتعرين وتكسينني، وتمنعين نفسك طيّب الطعام وتطعمينني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة. ثم أمر أن تغسل ثلاثا، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه ﷺ بيده ثمّ خلع
стр. 1648
قميصه وألبسها إيّاه، وكفّنها فوقه، ثم دعا أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاريّ وعمر بن الخطاب وغلاما أسود يحفرون قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله ﷺ ، وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل ﷺ فاضطجع فيه ثم قال: الحمد لله الذي يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت؛ اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقّنها حجّتها، ووسّع عليها مدخلها، بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين. وكبّر عليها أربعا وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق.
«٦٥٧» - قال أبو عبيدة: لما قتل جعفر بن علبة الحارثيّ قودا قام نساء الحيّ يبكين عليه، وقام أبوه إلى كلّ شاة وناقة فنحر أولادها وألقاها بين أيديها وقال: ابكين معنا على جعفر، فما زالت النوق ترغو والشاء تثغو والنساء يصحن ويبكين وهو يبكي معهنّ، فما رؤي يوم كان أوجع وأحرق مأتما في العرب من يومئذ.
«٦٥٨» - الشمردل بن شريك اليربوعي يرثي أخويه قدامة ووائلا:
[من الطويل]
أعاذل كم من روعة قد شهدتها ... وغصّة حزن من فراق أخ جزل
إذا وقعت بين الحيازيم أسدفت ... عليّ الضحى حتى يثبّتني [١] أهلي
أقول إذا عزّيت نفسي عن اخوة ... مضوا لا ضعاف في الحياة ولا عزل
أبى الموت إلا أن كلّ بني أب ... سيمسون شتّى غير مجتمعي الشمل
سبيل حبيبيّ اللذين تبرّضا ... دموعي حتى أسرع الحزن في عقلي
كأن لم نسر يوما ونحن بغبطة ... جميعا وينزل بين رحليهما رحلي
стр. 1649
خليليّ من دون الأخلّاء أصبحا ... رهيني ثواء من وفاة ومن قتل
فلا يبعدا للراغبين إليهما ... إذا اغبرّ آفاق السماء من المحل
فقد عدم الأضياف بعدهما القرى ... وأخمد نار الليل كلّ فتى وغل [١]
«٦٥٩» - وله يرثي أخاه وائلا ويذكر سامة [٢] : [من الطويل]
لعمري لئن غالت أخي دار فرقة ... وآب إلينا سيفه ورواحله
وحلّت به أثقالها الأرض وانتهى ... بمثواه منها وهو عفّ مآكله
لقد ضمنّت جلد القوى كان يتّقى ... به جانب الثغر المخوف زلازله
وصول إذا استغنى وإن كان مقترا ... من المال لم يخف الصديق مسائله
وصول لأضياف الشتاء كأنما ... هم عنده أيتامه وأرامله
رخيص نضيج اللحم مغل بنيّه ... إذا بردت عند الصّلاء أنامله
أقول وقد رجّمت عنه فأسرعت ... إليّ بأخبار اليقين مخايله [٣]
إلى الله أشكو لا إلى الناس فقده ... ولوعة حزن أوجع القلب داخله
وتحقيق رؤيا في المنام رأيتها ... فكان أخي رمحي ترفّض عامله
قيل: كان الشمردل رأى في منامه كأنّ سنان رمحه سقط منه فعبرّه فقيل له:
تصاب بمن في بقائه عزّ، فأتاه نعي أخيه.
بمثوى غريب ليس منّا مزاره ... بدان ولا ذو الودّ منا مواصله
стр. 1650
إذا ما أتى يوم من الدهر بيننا ... فحيّاك عنّا شرقه وأصائله
تحية من أدّى الرسالة حبّبت ... إلينا ولم ترجع بشيء رسائله
أبى الصبر أنّ العين بعدك لم يزل ... يخالط جفنيها قذى ما تزايله
وكنت أعير الدمع قبلك من بكى ... فأنت على من مات بعدك شاغله
يذكّرني هيف الجنوب ومنتهى ... نسيم [١] الصّبا رمسا عليه جنادله
وهاتفة فوق الغصون تفجعّت ... لفقد حمام أفردتها حبائله
وسورة أيدي القوم إذ حلّت الحبى ... حبى الشيب واستغوى أخا الحلم جاهله
فعينيّ إذ أبكا كما الدهر فابكيا ... لمن نصره قد بان منّا ونائله
إذا استعبرت عوذ النساء وشمّرت ... مآزر يوم لا توارى خلاخله
وأصبح بيت الهجر قد حال دونه ... وغال امرءا ما كان يخشى غوائله
وثقن به عند الحفيظة فارعوى ... إلى صوته جاراته وحلائله
إلى ذائد في الحرب لم يك خاملا ... إذا عاذ بالسيف المجرّد حامله
كما ذاد عن عرّيسة الغيل مخدر ... يخاف الرّدى ركبانه ورواحله
فما كنت ألقى لامرىء عند موطن ... أخا بأخي لو كان حيا أبادله
وكنت به أغشى القتال فعزّني ... عليه من المقدار ما لا أقاتله
لعمرك إنّ الموت منّا لمولع ... بمن كان يرجى نفعه ونوافله
فما البعد إلا أننا بعد صحبة ... كأن لم نبايت وائلا أو نقابله
سقى جدثا أعراف غمرة دونه ... ببيشة ديمات الربيع ووابله
وما بي حبّ الأرض إلا جوارها ... صداه وقول ظنّ أني قائله [٢]
стр. 1651
«٦٦٠» - لما كانت وقعة بدر فقتل فيها عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة بن ربيعة، أقبلت هند بنت عتبة ترثي أباها وعمّها وأخاها، وتقول فيهم الأشعار، وبلغها تسويم الخنساء هودجها بالموسم ومعاظمتها العرب بمصيبتها، وقد كانت أصيبت بأبيها عمرو بن الشريد وأخويها صخر ومعاوية، فجعلت تشهد المواسم وتبكيهم [١] وقد سوّمت هودجها براية؛ وكانت تقول أنا أعظم العرب مصيبة، وعرفت لها العرب بعض ذلك. فلما أصيبت هند بنت عتبة بما أصيبت وبلغها ما تصنع الخنساء قالت: أنا أعظم من الخنساء مصيبة، فأمرت بهودجها فسوّم براية، وشهدت الموسم بعكاظ، وكانت سوقا يجتمع إليها العرب، فقالت: اقرنوا [٢] جملي بجمل الخنساء، ففعلوا، فلما دنت منها قالت لها الخنساء: من أنت يا أخيّة؟ قالت: أنا هند بنت عتبة بن ربيعة، وأنا أعظم العرب مصيبة، وقد بلغني أنك تعاظمين العرب بمصيبتك [فبم تعاظمينهم؟
فقالت الخنساء: بعمرو بن الشريد وصخر ومعاوية ابني عمرو] . فبم تعاظمينهم أنت؟ قالت هند: بأبي عتبة بن ربيعة وعمّي شيبة وأخي الوليد.
قالت الخنساء: أوسواء هم عندك؟ ثم أنشأت تقول: [من الطويل]
أبكّي أبي عمرا بعين غزيرة ... قليل إذا نام العيون [٣] هجودها
وصنويّ لا أنسى معاوية الذي ... له من سراة الحرّتين وفودها
وصخرا ومن ذا مثل صخر إذا غدا ... بسلهبة الأبطال قبّ يقودها
فذلك يا هند الرزيّة فاعلمي ... ونيران حرب حين شبّ وقودها
стр. 1652
فقالت هند مجيبة لها: [من الطويل]
أبكّي عميد الأبطحين كليهما ... وحاميهما من كلّ باغ يريدها
أبي عتبة الخيرات ذلك فاعلمي ... وشيبة والحامي الحقيق وليدها
أولئك آل المجد من آل غالب ... وفي العزّ منها حين ينمي عديدها
ولم تزل الخنساء تبكي على أخويها وأبيها في الجاهلية حتى أدركت الاسلام، فأقبل بها بنو عمها إلى عمر بن الخطاب وهي عجوز كبيرة، فقالوا: يا أمير المؤمنين هذه الخنساء لم تزل تبكي على أبيها وأخويها في الجاهلية حتى ذهبت عيناها، وأدركت الاسلام وهي تبكي، وقد قرحت مآقيها كما ترى، فلو نهيتها رجونا أن تنتهي. فقال عمر لها: حتى متى يا خنساء؟ اتقي الله وأيقني بالموت، فقالت: إني أبكي أبي وخيري مضر: معاوية وصخرا، وإني لموقنة بالموت يا ابن الخطاب، فكأنّ عمر ﵀ رقّ لها وقال: خلّوا سبيل عجوزكم لا أبا لكم، فإنّ كلّ امرىء يبكي شجوه، نام الخليّ عن بكاء الشجيّ.
стр. 1653
الفصل الثالث ما جاء من المراثي والتعازي في الصغار والأطفال
«٦٦١» - عزّى عبد الله بن عبّاس عمر بن الخطّاب ﵃ على بنيّ له فقال: عوّضك الله منه ما عوّضه منك. وهذا الصبي هو الذي قال فيه عمر ﵁: ريحانة أشمّها، وعن قريب ولد بارّ أو عدوّ حاضر.
«٦٦٢» - وقال علي بن عبيدة لرجل يعزّيه عن ابنه: كان أبوك أصلك، وابنك فرعك، فما بقاء شيء ذهب أصله ولم يبق فرعه؟
«٦٦٣» - وقال أبو الشغب: [من البسيط]
قد كان شغب لو انّ الله عمّره ... عزّا تزاد به في عزّها مضر
فارقت شغبا وقد قوّست من كبر ... بئس الحليفان طول الحزن والكبر
ليت الجبال تداعت عند مصرعه ... دكّا فلم يبق من أركانها حجر
«٦٦٤» - وقال آخر: [من الطويل]
تعزّ أمير المؤمنين فإنّه ... لما قد ترى يغذى الصغير ويولد
هل ابنك إلّا من سلالة آدم ... لكلّ على حوض المنيّة مورد
стр. 1654
«٦٦٥» - وقال أبو حكيم المرّي: [من الطويل]
وكنت أرجّي من حكيم قيامه ... عليّ إذا ما النعش زال ارتدانيا
فقدّم قبلي نعشه فارتديته ... فيا ويح نفسي من رداء علانيا
«٦٦٦» - وقال العتبيّ: [من الطويل]
وقاسمني دهري بنيّ مشاطرا ... فلما تقضّى شطره عاد في شطري
ألا ليت أمي لم تلدني وليتني ... سبقتك إذ كنّا على غاية نجري
وكنت به أكنى فأصبحت كلّما ... كنيت به فاضت دموعي على نحري
وقد كنت ذا ناب وظفر على العدا ... فأصبحت لا يخشون نابي ولا ظفري
«٦٦٧» - وقال الفرزدق: [من الوافر]
ولو أنّ البكاء يردّ شيئا ... على الباكى بكيت على صقوري
بنيّ أصابهم قدر المنايا ... وما منهنّ من أحد مجيري
ولو كانوا بني جبل فماتوا ... لأضحى وهو مختشع الصخور
إذا حنّت نوار يهيج مني ... حزازا مثل ملتهب السعير
حنين الوالهين إذا ذكرنا ... فؤادينا اللّذين مع القبور
«٦٦٨» - وقال أيضا: [من الطويل]
أسنّة أرماح تخرّمن بعد ما ... أقيمت عواليها وسنّت حرابها
إذا ذكرت عيني الذين هم لها ... قذى هيج منّي بالبكاء انسكابها
стр. 1655
بنو الأرض قد كانوا بنيّ فعزّني ... عليهم بآجال المنايا كتابها
وداع عليّ الله لو متّ قد رأى ... بدعوته ما يتّقى لو يجابها
ومن متمنّ أن أموت وقد بنت ... حياتي له شمّا عظاما قبابها
فنيت وأبقت من قناتي مصيبتي ... عشوزنة زوراء صمّا كعابها
على حدث لو أنّ سلمى أصابها ... بمثل بنيّ انفضّ منها هضابها
«٦٦٩» - وقال: [من الطويل]
بفي الشامتين الترب [١] إن كان مسنّي ... رزيّة شبلي مخدر في الضراغم
وما أحد كان المنايا وراءه ... ولو عاش أياما طوالا بسالم
أرى كلّ حيّ ما تزال طليعة ... عليه المنايا من ثنايا [٢] المخارم
يذكّرني ابنيّ السما كان موهنا ... إذا ارتفعا فوق النجوم العواتم [٣]
وقد رزىء الأقوام قبلي بنيهم ... وإخوانهم فاقني حياء الأكارم [٤]
وما ابناك إلا من بني الناس فاصبري ... فلن يرجع الموتى حنين المآتم
«٦٧٠» - وقال ابراهيم بن المهدي يرثي بنيا له: [من الطويل]
وإني وإن قدّمت قبلي لعالم ... بأنّي وإن أبطأت منك قريب
وإنّ صباحا نلتقي في مسائه ... صباح إلى قلبي الغداة حبيب
стр. 1656
«٦٧١» - وقال رجل من قريش في مثله: [من الكامل]
بأبي وأمّي من عبأت حنوطه ... بيدي وودّعني بماء شبابه
كيف السلوّ وكيف صبري بعده ... وإذا دعيت فإنّما أكنى به
«٦٧٢» - وقال أبو تمام يعزّي عبيد الله بن طاهر عن ابنين طفلين ماتا في يوم واحد: [من الكامل]
لهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أمهلت حتى تكون شمائلا
لغدا سكونهما حجى وصباهما ... حلما وتلك الأريحيّة نائلا
إنّ الهلال إذا رأيت نموّه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا
نجمان شاء الله ألّا يطلعا ... إلا ارتداد الطّرف حتى يافلا
إنّ الفجيعة بالرياض نواضرا ... لأجلّ منها بالرياض ذوابلا
لو ينسآن لكان هذا غاربا ... للمكرمات وكان هذا كاهلا
«٦٧٣» - بعث معاوية بسر بن أرطأة أحد بني عامر بن لؤي، بعد تحكيم الحكمين، لقتل شيعة عليّ فمرّ في البلاد يشنّ الغارات، ولا يكفّون أيديهم عن النساء والصبيان، ففعل ذلك بالمدينة ومكة والسّراة ونجران واليمن. وكان عبيد الله بن العباس عاملا لعليّ على اليمن وكان غائبا، وقيل بل هرب من بسر، ووجد صبيين له فذبحهما ذبحا بمدية، ثم انكفا راجعا إلى معاوية. وأصاب أمّ الصبيين، واسمهما عبد الرحمن وقثم، وهي أمّ حكيم بنت فارط [١] ، على ابنيها
стр. 1657
كالجنون، فكانت لا تعقل ولا تصغي إلى قول من أعلمها أنهما قد قتلا، ولا تزال تطوف في الموسم تنشد الناس أبياتا منها: [من البسيط]
يا من أحسّ بنّييّ اللذين هما ... كالدرّتين تشظّى عنهما الصّدف
يا من أحسّ بنّييّ اللذين هما ... سمعي وقلبي فقلبي اليوم مختطف
نبئت بسرا وما صدّقت ما زعموا ... من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا
أنحى على ودجي ابنيّ [١] مرهفة ... مشحوذة وكذاك الإثم يقترف
حتى لقيت رجالا من أرومته ... شمّ الأنوف لهم في قومهم شرف
فالآن ألعن بسرا حقّ لعنته ... هذا لعمر أبي بسر هو السّرف
ولما بلغ عليا قتل الصبيين جزع ودعا على بسر فقال: اللهمّ اسلبه دينه، ولا تخرجه من الدنيا حتى تسلبه عقله؛ فأصابه ذلك وفقد عقله، فكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زقّ منفوخ، فلا يزال يضربه ما شاء حتى مات.
ولما كانت الجماعة واستقرّ الأمر على معاوية دخل عليه عبيد الله بن العباس وعنده بسر بن أرطأة، فقال له عبيد الله: أأنت القاتل للصبيين أيها الشيخ؟
فقال بسر: نعم أنا قاتلهما، فقال له عبيد الله: لوددت أنّ الأرض أنبتتني عندك، فقال له بسر: فقد أنبتتك الآن عندي، فقال عبيد الله: ألا سيف؟
فقال بسر: هاك سيفي، فلما أهوى عبيد الله إلى السيف ليتناوله أخذه معاوية ثم قال لبسر: أخزاك الله شيخا قد كبرت وذهب عقلك، تعمد إلى رجل من بني هاشم قد وترته وقتلت ابنيه تدفع إليه سيفك؟ إنّك لغافل عن قلوب بني هاشم، والله لو تمكّن منه لبدأ بي قبلك. فقال عبيد الله: أجل والله ثم لثنيّت به.
стр. 1658
«٦٧٤» - وقال الأصمعي: سمع رجل من اليمن، وقد قدم مكة، امرأة عبيد الله تندب ابنيها فرقّ لها وتوصّل إلى أن اتصل ببسر وخدمه، فلما وثق به احتال لقتل ابنيه، فخرج بهما إلى وادي أوطاس فقتلهما وهرب، وقال أبياتا منها: [من البسيط]
فاشرب بكأسيهما ثكلا كما شربت ... أمّ الصبيّين أو ذاق ابن عبّاس
«٦٧٥» - وقال إبراهيم بن العبّاس: [من الطويل]
لئن كنت زينا للعيون وقرّة ... لقد صرت سقما للنفوس الصحائح
وهوّن وجدي أنّ يومك مدركي ... وأني غدا من أهل تلك الضرائح
٦٧٦- مات ولد لأبي العباس أحمد بن المختار بن أبي الجبر، وعمي عقيب فقده فقال: [من الكامل المجزوء]
عيني وفت فكأنّما ... حلفت يمينا فيه برّه
ألّا ترى من بعده ... أحدا فما سمحت بنظره
٦٧٧- قال دعبل: كنت عند حميد الطوسي وقد أصيب بطفل له، فعزم على دفنه في داره، إذ أتاه بعض الخدم فقال: ليهنك الفارس أيها الأمير، فقال: يا دعبل أتعرف في الشعر صفة ما نحن فيه؟ فقلت: نعم، قول القائل: [من الكامل]
ذهب الذين تكمّلوا آجالهم ... ومضوا وحان من آخرين ورود
يمضي الصغير إذا انقضت أيامه ... إثر الكبير ويولد المولود
والناس في قسم المنيّة بينهم ... كالزّرع منه قائم وحصيد
стр. 1659
٦٧٨- كتب رجل إلى صديق له ولد له مولود فمات من يومه فجزع عليه: [من الطويل]
فإن كنت تبكيه اطّلابا لنفعه ... فقد نال جنّات الخلود مسارعا
وإن كنت تبكي أنّه فات عوده ... عليك بنفع فاسل قد صار شافعا
«٦٧٩» - وقال المتنبي: [من الطويل]
فإن تك في قبر فإنّك في الحشا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
ومثلك لا يبكى على قدر سنّه ... ولكن على قدر المخيلة والأصل
بدا وله وعد السحابة بالرّوى ... وصدّ وفينا غلّة البلد المحل
هل الولد المحبوب إلّا تعلّة ... وهل خلوة الحسناء إلّا أذى البعل
«٦٨٠» - وقال محمد بن هاني: [من الرمل]
نافس الدهر عليه يعربا ... ورأى موضع حقد فحقد
هاب أن يجري عليه حكمه ... فنوى الغدر له يوم ولد
حين لم ينظر به ريعانه ... إنما استعجله قبل الأمد
«٦٨١» - وقال الرضي في موت مولود: [من الطويل]
فلا تحسبن رزء الصغائر هيّنا ... فإنّ وجى الأخفاف ينضي الغواربا
стр. 1660
الفصل الرابع مراثي النساء
«٦٨٢» - قال الوليد بن يزيد بن عبد الملك يرثي امرأته سلمى، وكان هويها وتحته أختها سعدة، فطلّق أختها حتى تزوجها، فلمّا دخل بها لبثت عنده أياما وماتت: [من الكامل]
يا سلم كنت كجنّة قد أطعمت ... أقناؤها دان جناها مونع
أربابها شفقا عليها نومهم ... تحليل مرضعة ولما يهجعوا
حتى إذا فسح الربيع ظنونهم ... نثر الخريف ثمارها فتصدّعوا
«٦٨٣» - وماتت امرأة الفرزدق بجمع فقال: [من الطويل]
وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي جوفه من دارم ذو حفيظة ... لو أنّ المنايا أنشأته لياليا
يقال: ماتت المرأة بجمع وجمع إذا ماتت وولدها في بطنها.
٦٨»
- هوي يعقوب بن الربيع جارية فطالبها سبع سنين يبذل فيها جاهه وماله وإخوانه حتى ملكها، وأقامت عنده ستة أشهر، ثم ماتت فقال فيها أشعارا كثيرة فمنها: [من الكامل المرفل]
стр. 1661
لله آنسة فجعت بها ... ما كان أبعدها من الدّنس
أتت البشارة والنعيّ معا ... يا قرب مأتمنا من العرس
يا ملك نال الدهر فرصته ... فرمى فؤادا غير محترس
كم من دموع لا تجفّ ومن ... نفس عليك طويلة النّفس
ما بعد فرقة بيننا أبدا ... في لذة درك لملتمس
«٦٨٥» - ومن شعره فيها: [من الخفيف]
وأتاني النعيّ منك مع البش ... رى فيا قرب أوبة من ذهاب
«٦٨٦» - وفيها: [من الكامل]
حتى إذا فتر اللسان وأصبحت ... للموت قد ذبلت ذبول النرجس
وتسهّلت منها محاسن وجهها ... وعلا الأنين تحثّه بتنفس
رجع اليقين مطامعي يأسا كما ... رجع اليقين مطامع المتلمّس
٦٨٧- وقال شاعر لرجل ماتت له جارية، وولد له تلك الليلة ولد، فهنّأه وعزّاه في حالة واحدة: [من الكامل]
أوما رأيت الدهر أقبل معتبا ... متنصّلا بالعذر لما أذنبا
بالأمس أذوى في رياضك أيكة ... واليوم أطلع في سمائك كوكبا
«٦٨٨» - وقال الأعين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سهيل بن عمرو يرثي امرأته: [من الطويل]
لعمرك إني يوم زيل بنعشها ... ولم تتّبعها مهجتي لصبور
стр. 1662
كذوب الصفاء يوم ذاك موكّل ... بباقي الحياة والحياة غرور
«٦٨٩» - وقال محمد بن عبد الملك الزيات: [من الطويل]
يقول لي العذّال لو زرت قبرها ... فقلت وهل غير الفؤاد لها قبر
على حين لم أحدث فأجهل فقدها ... ولم أبلغ السنّ التي معها الصبر
«٦٩٠» - وقال الناجم يرثي عجائب جارية ابن مروان: [من الكامل المجزوء]
أضحى الثرى بجوارها ... عطر المسالك والمسارب
حلّت حفيرتها حلو ... ل المسلك من سرر الكواعب
يا درّة كانت تضي ... ىء لناظر من كلّ جانب
والفلاسفة يقولون: المدورة لا أول لها [١] ، وعلى ذلك قول إبراهيم بن العباس: [من الخفيف]
درّة حيث ما أديرت أضاءت ... ومشمّ من حيث ما شمّ فاحا
«٦٩١» - وقال ابن الرومي يرثي جارية لابن الراس: [من المنسرح]
واها لذاك الغناء من طبق ... على جميع القلوب مقتدر
أضحت من الساكني حفائرهم ... سكنى الغوالي مداهن السّرر
يا مشربا كان لي بلا كدر ... يا سمرا كان لي بلا سهر
يا طفلة السنّ يا صغيرته ... أصبحت إحدى المصائب الكبر
стр. 1663
«٦٩٢» - وقال إسحاق بن خلف يرثي ابنة أخته وكان تبنّاها: [من البسيط]
يا شقّة النفس إنّ النفس والهة ... حرّى عليك ودمع العين منسجم
قد كنت أخشى عليها أن تقدمني ... إلى الحمام فيبدي وجهها العدم
فالآن نمت فلا همّ يؤرّقني ... تهدا العيون إذا ما أودت الحرم
للموت عندي أياد كنت أشكرها [١] ... أحيا سرورا وبي مما أتى ألم
«٦٩٣» - كانت لمسلم بن الوليد زوجة من أهله، وكانت تكفيه أمره، فماتت فجزع عليها، وتنسّك مدة طويلة، وعزم على ملازمة ذلك، فأقسم عليه بعض إخوانه ذات يوم أن يزوره ففعل، فأكلوا وقدّموا الشراب فامتنع منه وأباه، وأنشأ يقول: [من الطويل]
بكاء وكأس كيف يجتمعان [٢] ... سبيلاهما في القلب مختلفان
دعاني وإفراط البكاء فإنّني ... أرى اليوم فيه غير ما تريان
غدت والثرى أولى بها من وليّها ... إلى منزل ناء لعينك دان
فلا حزن حتى تنزف [٣] العين ماءها ... وتعترف الأحشاء بالخفقان
وكيف بدفع اليأس والوجد بعدها ... وهمّاهما في القلب يعتلجان
«٦٩٤» - كتب عبد الحميد عن مروان بن محمد إلى هشام بن عبد الملك يعزّيه
стр. 1664
بامرأة من نسائه رسالة من جملتها: إنّ خير نعم الله على خلفائه ما رزقهم الشكر عليه، وكلّ ما اختار الله لخليفته من أمر وهبه له أو قبضه منه خير له؛ والدنيا دار متاع وبلغة، وما فيها عواريّ بين أهلها، ثم منقول عنهم سروره إن كان سارا أو مكروهه إن كان لهم ضارا. إنّ الله أمتع أمير المؤمنين من مؤنسته وقرينته متاعا بمدة إلى أجل مسمّى، فلما تمّت مواهب الله وعاريته قبض إليه العارية وليّها، وكان أحقّ بها، ثم أعطى عليها أنفس منها في المنقلب، وأرجح في الميزان، وأكفى في العوض، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. احتسب مصيبتك يا أمير المؤمنين على الله فإنه وليّك فيها وفي كلّ أمر إذا تصفّحت عواقب قضائه أسهلت بك عوائد خياره إلى المنجيات من المخاوف، والدرك للفوز من المطلب، والحرز من ظلم المهالك؛ والله وليّك فيما اختار لك وقضى عليك. إن تكن يا أمير المؤمنين أرضيت الله في شكرك إياه على الهبة وصبرك على الرزيّة، فإنّ مواهب الله لك أجزل، وثواب الله لك أفضل. فامض على رويّتك في الخير فان ما عند الله لا يبلغه كتاب، ولا يحصيه حساب، وتاليات المزايد مقرونات بشكر العباد بضمان أوفى واعد وأكرم مثيب.
«٦٩٥» - نعيت إلى ابن عباس بنت له في طريق مكة، فنزل عن دابته فصلّى ركعتين، ثم رفع يده وقال: عورة سترها الله، ومؤونة كفاها الله، وأجر ساقه الله؛ ثم ركب ومضى.
«٦٩٦» - ماتت لبعض ملوك كندة بنت فوضع بدرة بين يديه وقال: من أبلغ في التعزية فهي له، فدخل أعرابيّ فقال: عظّم الله أجر الملك، كفيت المؤونة وسترت العورة، ونعم الختن القبر، فقال: أبلغت وأوجزت؛ وأعطاه البدرة.
стр. 1665
الفصل الخامس شواذ المراثي والتعازي
«٦٩٧» - قال ابن سيابة، ويروى لأبي الأسد، يرثي إبراهيم الموصليّ:
[من الوافر]
تولّى الموصليّ فقد تولّت ... بشاشات المزاهر والقيان
وأيّ بشاشة بقيت فتبقى ... حياة الموصليّ على الزمان
ستبكيه المزاهر والملاهي ... وتسعدهنّ عاتقة الدنان
وتبكيه الغويّة إذ تولّى ... ولا تبكيه تالية القران
٦٩٨- وقال آخر فيه أيضا: [من الخفيف]
بكت المسمعات حزنا عليه ... وبكاه الهوى وصفو الشراب
وبكت آلة المجالس حتى ... رحم العود دمعة المضراب
«٦٩٩» - ابن بسام يرثي عبد الله بن المعتز: [من البسيط]
لله درّك من ميت بمضيعة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب
ما فيه لولا ولا ليت فتنقصه ... وإنما أدركته حرفة الأدب
стр. 1666
٧٠٠- ابن طباطبا: [من الطويل]
إذا فجع الدهر امرءا بخليله ... تسلّى ولا يسلى [١] لفقد الدفاتر
٧٠١- منيع بن كوثل السّلمي، وكان يقطع الطريق فقطع فقال يرثي يده [من الطويل]
هل أنت على باقي جناح كسرته ... وريش الذّنابى مستقلّ فطائر
وكيف يطير الصقر أودى جناحه ... كسيرا وغالت دابريه المقادر
لقد كنت مما أحدث الدهر آمنا ... ألا ليتني ضمّت عليّ المقابر
٧٠٢- حنظلة بن عرارة [٢] التميمي في يزيد بن معاوية: [من الكامل]
طرقت منيّته وعند وساده ... كوب وزقّ راعف مرثوم
ومرنّة تبكي على نشواته ... بالصبح تقعد تارة وتقوم
стр. 1667
الفصل السادس نوادر التعازي والمراثي
«٧٠٣» - دخل أبو دلامة على أمّ سلمة يعزّيها بأبي العباس السفاح زوجها، فبكى وبكت، ثم قال: [من الكامل]
ولقد أردت الصبر عنك فلم يكن ... جزعي ولا صبري عليك جميلا
يجدون أبدالا سواك وإنني ... لو عشت دهري ما أصبت بديلا
فقالت أمّ سلمة: ما أصيب به غيري وغيرك، فقال: لا والله ولا سواء رحمك الله، لك منه ولد وليس لي أنا منه ولد، فضحكت منه أمّ سلمة، ولم تكن ضحكت قبل ذلك، وقالت: لو حدّث الشيطان لأضحكه.
٧٠٤- وكان ابن الجصّاص الموصوف باليسار مغفّلا، فعزّى رجلا عن بنت له ماتت فقال له: من أنت حتى لا تموت بنتك البظراء؟! قد ماتت عائشة بنت النبي ﷺ .
«٧٠٥» - وذكر محمد بن إبراهيم اليزيدي أنه كان عند أبي إسحاق الزجّاج النحوي يعزّيه عن أمه، وعنده جماعة من الوجوه والرؤساء، إذ دخل ابن الجصّاص ضاحكا وهو يقول: الحمد لله يا أبا إسحاق، قد والله سرّني، فدهش الزجاج ومن حضر، فقال له بعضهم: كيف سرّك ما غمّه وغمّنا له؟ قال:
ويحك بلغني أنه هو الذي، فلما صحّ عندي أنها هي التي، سرّني؛ فضحك الناس.
стр. 1668
«٧٠٦» - أصيب إسحاق بن محمد بن الصباح الكندي بابن له فجزع عليه، فدخل أهل الكوفة يعزّونه وفيهم بهلول، فقال: أيسرّك أنه بقي وأنّه مثلي؟
قال: لا والله، وإنّها لتعزية.
«٧٠٧» - ماتت أمّ ابن عياش فأتاه سيفويه القاصّ معزّيا فقال: يا أبا محمد عظم الله مصيبتك، فتبسّم ابن عيّاش وقال: قد فعل، فقال: يا أبا محمد هل كان لأمك ولد؟ فقام ابن عيّاش عن مجلسه وضحك حتى استلقى على قفاه.
«٧٠٨» - أصيب الحجاج بصديق له وعنده رسول لعبد الملك شاميّ، فقال الحجاج: ليت إنسانا يعزّينا بأبيات، فقال الشامي: أقول؟ قال: قل، فقال:
كلّ خليل سوف يفارق خليله بموت أو بصلب أو وقوع من فوق البيت، أو وقوع البيت عليه، أو سقوط في بئر، أو يكون بشيء لا يعرفه. قال الحجاج:
قد سلّيتني عن مصيبتي بأعظم منها في أمير المؤمنين إذ يوجّه مثلك رسولا.
«٧٠٩» - صارت عجوز إلى قوم تعزّيهم في ميت، فرأت عندهم عليلا، فلما أرادت أن تقوم قالت: والحركة تغلظ عليّ في كلّ وقت، فأعظم الله أجركم في هذا العليل فلعلّه يموت.
«٧١٠» - عزّى إنسان ابن الجصاص عن ميّت له وقال: لا تجزع واصبر، فقال: نحن قوم لم نتعوّد أن نموت.
«٧١١» - عبد الصمد بن المعذل يرثي بعض الطفيليين: [من البسيط]
стр. 1669
أحزان نفسي عنها غير منصرمه ... وأدمعي من جفوني الدهر منسجمه
على صديق ومولى لي فجعت به ... ما إن له في جميع الصالحين لمه
كم جفنة مثل جوف الحوض مترعة ... كوماء جاء بها طبّاخها رذمه
قد كلّلتها شحوم من قليّتها ... ومن سنام جزور عبطة سنمه
غيّبت عنها فلم تعرف لها خبرا ... لهفي عليك وعولي يا أبا سلمه
ولو تكون لها حيّا لما بعدت ... عليك يوما ولو في جاحم حطمه
قد كنت أعلم أنّ الأكل يقتله ... لكنني كنت أخشى ذاك من تخمه
إذا تعمّم في شبيله ثم أتى ... فإن حوزة من يأتيه مصطلمه
«٧١٢» - أبو الشبل يرثي طبيبا: [من الخفيف]
قد بكاه بول المريض بدمع ... واكف فوق مقلتيه ذروف
ثم شقّت جيوبهنّ القواري ... ر عليه ونحن نوح اللهيف
يا كساد الخيار شنبر والأق ... راص طرّا ويا كساد السفوف
«٧١٣» - وكان لأبي الشبل كبش يعلفه ويسمّنه للأضحى، فأفلت يوما على قنديل له وسراج وقارورة للزيت فنطحه وكسره أجمع، فذبح الكبش قبل الأضحى، وقال يرثي سراجه: [من المنسرح]
يا عين بكّي لفقد مسرجة ... كانت عمود الضياء والنّور
كانت إذا ما الظلام ألبسني ... من حندس الليل ثوب ديجور
شقّت بنبراسها غياطله ... شقّ دجى الليل بالتباشير
صينية الصين حين أبدعها ... مصوّر الحسن بالتصاوير
стр. 1670
وقيل ذا بدعة أتيح لها ... من عقب الدهر قرن يعفور
فإن تولّت عني لقد تركت ... ذكرا سيبقى على الأعاصير
من ذا رأيت الزمان ياسره ... فلم يشب يسره بتعسير
ومن أتاح الزمان صفوته ... فلم يشب صفوه بتكدير
مسرجتي كم كشفت من ظلم ... جلّيت ظلماءها بتنوير
من لي إذا ما النديم دب إلى الن ... دمان في ظلمة الدياجير
وقام هذا يبوس ذاك وذا ... ينيك هذا بغير تقدير
وازدوج القوم في الظلام فما ... يسمع إلّا الرشاء في البير
إن كان أودى بك الزمان فقد ... أبقيت منك الحديث في الدور
دع ذكرها واهج قرن ناطحها ... وانشر أحاديثه بتفسير
كان حديثي أني اشتريت فلا اش ... تريت كبشا سليل خنزير
فلم أزل بالنوى أسمنّه ... والتبن والقتّ والأثاجير
أبرّد الماء في القلال له ... وأتّقي فيه كلّ محذور
فلم يزل يغتذي السرور وما ال ... محزون في عيشه كمسرور
حتى عدا طوره وحقّ لمن ... يكفر نعمى بقرب تغيير
فمدّ قرنيه نحو مسرجة ... تعدّ في صون كلّ مذخور
شدّ عليها بقرن ذي حنق ... معوّد للنطاح مشهور
وليس يقوى بروقه جبل ... صلد من الشمّخ المناكير [١]
فكيف يبقى [٢] عليه مسرجة ... أرقّ من جوهر القوارير
أديل منه فباكرته يد ... من المنايا بحدّ مطرور
стр. 1671
ومزّقته المدى فما تركت ... كفّ القرى منه غير تعشير
واغتاله بعد كسرها قدر ... صيّره نهزة السنانير
واختلسته الحداء خلسا مع ال ... غربان لم يزدجر بتطيير [١]
وصار حظ الكلاب أعظمه ... تهشم أنحاءها بتكسير
كم كاسر نحوه وكاسرة ... سلاحها في شغا المناقير
«٧١٤» - كتب أحمد بن يوسف الكاتب إلى عمرو بن سعيد بن سلم يرثي ببغاء له ماتت: [من الخفيف]
عجبا للمنون كيف أتتها ... وتخطّت عبد الحميد أخاكا
شملتنا المصيبتان جميعا ... فقدنا هذه ورؤية ذاكا
«٧١٥» - أبو بكر ابن العلاف من مرثيّة الهرّ المشهورة: [من المنسرح]
يا من لذيذ الفراخ أوقعه ... ويحك هلّا قنعت بالغدد
أطعمك الغيّ لحمها فرأى ... قتلك أربابها من الرّشد
ولم تزل للحمام مرتصدا ... حتى سقيت الحمام بالرّصد
ما كان أغناك عن تسلّقك ال ... برج ولو كان جنّة الخلد
لم يرحموا صوتك الضعيف كما ... لم ترث منها لصوتها الغرد
стр. 1672
أذاقك الموت من أذاق كما ... أذقت أطياره يدا بيد
لا بارك الله في الطعام إذا ... كان هلاك النفوس في المعد
عاقبة البغي لا تنام وإن ... تأخّرت مدّة من المدد
كم دخلت أكلة حشا شره ... فأخرجت روحه من الجسد
إنّ الزمان استقاد منك ومن ... يظلم بعين الزمان يستقد
٧١٦- قيل لرجل: مات فلان، فقال: من لم تنفع حياته لم يجزع لوفاته: [من الوافر]
فبعدا لا انقضاء له وسحقا ... فغير مصابه الخطب العظيم
«٧١٧» - وقف شاطر على قبر سارق فقال: رحمك الله فقد والله كنت أحمر الإزار، حادّ السكين، إن نقبت فجرذ، وإن تسلّقت فسنّور، وإن استلبت فحدأة، وإن ضربت فأرض، وإن شربت فحبّ؛ ولكنّك اليوم وقعت في زاوية سوء.
٧١٨- أصيب أحمد بن الخصيب بمصيبة، فخرج إلى الحاضرين لتعزيته وهو يعصر عينيه ويقول: [من الكامل]
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
فقال أحدهم: ما هذا؟ فقال: لما رأيت النساء يبكون ويلطمون حضرني هذا البيت، فقيل له: هذا لجرير، فقال: لعله اتّفاق.
«٧١٩» - سرق من أبي الشبل ثلث قرطاس فقال يرثيه: [من الخفيف]
стр. 1673
فكر تعتري وحزن طويل ... وسقيم أنحى عليه [١] النحول
ليس يبكي رسما ولا طللا مح ... ح كما تندب الربى والطّلول
إنما حزنه على ثلث كا ... ن لحاجاته فغالته غول
كان للسرّ والأمانة والكت ... مان إن باح بالحديث الرسول
كان مثل الوكيل في كلّ سوق ... إن تلكّا أو ملّ يوما وكيل
كان للهمّ إن تراكم في الصد ... ر فلم يشف من غليل غليل
كان لا يتقي الحجاب من الحج ... جاب إن قيل ليس فيها دخول
يقف الناس وهو أول من يد ... خله القصر غادة عطبول
فإذا أبرزته فاح به في ال ... قصر مسك وعنبر معلول
كان مع ذا عدل الشهادة مقبو ... لا إذا عزّ شاهدا تعديل
وإذا ما التوى الهوى بالأليفي ... ن فلم يرع واصلا موصول
فهو الحاكم الذي قوله بي ... ن الأليفين جائز مقبول
٧٢٠- مات ولد لأعرابيّ فصلّى عليه وقال: اللهمّ إن كنت تعلم أنه كريم الجدّين، سهل الخدّين، فاغفر له، وإلا فلا.
[لابن نصر تعزية بعنز]
٧٢١- كتب ابن نصر الكاتب يعزي بعنز ماتت عند الولادة: أحقّ الناس، أيها الحاجب، بالأنين من ألم محنته، وأخلقهم بفضل الحنين إلى نعمته، وأولاهم بالحزن الطويل، وأحراهم بالبكاء والعويل، وأشدّهم تصعيدا لأنفاسه، وأعذرهم في تناول أخدعه وراسه، من عجز بعد القدرة، وأترب بعد الثروة، وفارق السعة واليسار، ولابس الإضاقة والاقتار، وعدم ماله الزائد النامي، وفقد حرثه الرائع الزاكي. وبلغني مصابك بالعنز التي كانت لك من أعظم جاه وعزّ، وانها قبضت نفساء بمرأى عينيك، واعتبطت منقلبة
стр. 1674
على صفحتي يديك [١] ، فقلقت بما طرقك قلق المساهم في الوجد بها، المهتم بتشعّث حالك من بعدها، العالم بعدم النظير لها. وأين لك مثلها في قناء الأنف وإنافته، وانتصاب القرن وصلابته، وحمرة اللون وكمتته، وزرقة العين واتساعها، وكبر الضروع وانسدالها، والدرّ الذي لا ينزف، والإتآم الذي لا يخلف. وكيف لا تكون كربتك لازمة، وحسرتك دائمة، وقد عدمت بها جاها عريضا، وذكرا مستفيضا، وجلاء للقلب والنظر، وقضاء للشهوة والوطر، ومادة معينة على الاتصال [٢] ، وسببا ينصرك [٣] بأهل البذل والنوال، فألطافك منها مشتهاة محبوبة، وتحفك بها مستدعاة مطلوبة، وهداياك مشهورة على الأطباق، وتحاياك موصوفة بالقبول نصبتها نصب الدّبق، وجعلتها سلّم الرزق، فهي تستأذن لك إذا طرقت، وتؤمّنك التثقيل إذا أشفقت. فأنت بها صاحب سرّ الكيمياء، والظافر عنها بحصول الكفاف والثراء. لكنها الأيام ذات الألوان والتبدل، والحؤول والتنقّل، فالإنسان منها بعرضة المخاوف والأخطار، وعلى فرصة أحكام تجري وأقدار، لذّتها منقطعة زائلة، وسعودها غائرة آفلة، بينما ترضعه درّها مختارة طائعة، وتلبسه زينتها رائقة ناصعة، وتجنح إليه مساعدة موثرة، وتقبل عليه ضاحكة مستبشرة، حتى يمرّ مذاقها فلا يساغ، ويذهب رونقها فلا يراغ، وتجمح نافرة فلا ترجع، وتعرض مزورّة فلا تعطف، عادة جارية مستقرة، وسنّة ماضية مستمرة. فاسترجع أيها الحاجب- أيّدك الله- تذكّرا واستبصارا، واصطبر تفكّرا واعتبارا، وإن غلبتك الدموع فأجرها استرواحا، وإن هممت بالصلف فرفقا لا اعتسافا، فبماء العين تطفأ نار الوجد، وبصكّ الأخدعين يشفى غليل القلب. وكلّ ذاك حقير في جنب ما لحقك، ويسير في عظيم ما طرقك.
стр. 1675
فماذا يصف الواصف من عنزك ونبلها، ويعدّد من خيرها وفضلها: أخلاقها الطيّبة أم آدابها المعجزة، أم ذكاءها عند الرجعة من الرعي، ووقوفها على بابك بالسكون والهدي، حتى إذا فتح لها ولجته ذاهبة إلى مربطها، منقادة لقائدها. فمهما تنس لا تنس أيها الحاجب لبأها المزعفر عند الولاد، ووطبها الملفّف في البجاد، والائتدام بلبنها إذا أعوز الإدام، ورواسلها العامرة للمنزل، وأنيابها المشيدة بذكرك في المحفل، وأمصالها المتناقلة بين الدور، وأبعارها الساجرة للتنّور. وكائن من عنز حاولت اللحاق بها فنكلت، ورامت المماثلة لها فعجزت؛ هذا وقد عدمت من فضلات ألبانها الوسيعة، وأثمان عنقها المبيعة، ما كان عدّتك في عامّة أمورك، ومادّتك في ملبسك وبخورك. وكم جدي لها أكرم عن الذبح، واستخلص للقراع والنّكح، قد نتج أولادا أنجابا يعرفون بك ويعزون إليك، ويحيلون بصريح نسبهم في التيوسة عليك، وهذه فضيلة مغفول عن ذكرها، ومنقبة يقصّر لسانك عن شكرها، وكأني بك متى لقيت من أسباطه نجيبا، وجارا لخصييه ينبّ نبيبا، خار صبرك وقلبك، وطار حلمك ولبّك، وتذكّرت ما يبكيك، ونسيت عند رؤيته ما كان يسليك، وحقّ لك، غير أنّ الثواب المكتسب أجلّ الأعواض عنها، والأجر المذخور خير لك منها، فلا مردّ للقضاء المحتوم فقد فقد الناس الأغنام، ومارسوا الضرورة والإعدام، ثم جبر الله المصائب، وعوّض عن الفائت الذاهب. فأحسن الله لك العزاء عن عنزك وجديك، وخفّف ثقل أسفك عليهما ووجدك، ودمل بالتسلّي خموش وجهك وخدّك، وربط على قلبك بالصبر عند مشاهدة مربطها، وآنسك بالسّلوة عن عطاسها وضرطها، ولا أخلاك من قرينة تسدّ مسدّها في عمارة خلّتك، وتقوم مقامها في مطاعمك وأغذيتك، وألحقها بالأغنام الشهداء، وجمع بينها وبين قرابين الأولياء، وحشرها مع الأضحيات، ورفعها إلى منازل الهدايا المشعرات، ووفّر أجرك عليها من متوفاة، ولا أجرى دمعك بعدها على شاة، إنه
стр. 1676
على كلّ شيء قدير.
[الصابي يعزي عن ثور]
«٧٢٢» - كتب أبو إسحاق الصابي إلى القاضي أبي بكر ابن قريعة عن الوزير أبي طاهر ابن بقية يعزّيه عن ثور له مات:
التعزية عن المفقود- أطال الله بقاء القاضي- إنما تكون بحسب محلّه من فاقده، من غير أن تراعى قيمته [ولا قدره] ولا ذاته ولا عينه، إذ كان الغرض تبريد الغلّة، وإطفاء [١] اللوعة، وتسكين الزفرة، وتنفيس الكربة. فربّ ولد عاقّ، وشقيق مشاقّ، وذي رحم عاد لها قاطعا، وقريب قوم قلّدهم عارا، وناط بهم شنارا، فلا لوم على التارك [٢] للتعزية عنه، وأحر بها أن تستحيل تهنئة بالراحة منه. وربّ مال صامت أو ناطق كان صاحبه به مستظهرا وله مستثمرا، فالفجيعة به إذا فقد موضوعة موضعها، والتعزية عنه واقعة موقعها. وبلغني أنه كان للقاضي- أيّده الله- ثور أصيب به فجلس للعزاء عنه، وأنه أجهش عليه باكيا، والتدم عليه والها، وحكيت عنه حكايات في التأبين له، وإقامة الندبة عليه، وتعديد ما كان فيه من فضائل البقر التي تفرّقت في غيره واجتمعت فيه، فصار بها منفردا عنهم كالذي قيل فيه من الناس: [من السريع]
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
وأنه كان يكرب الأرض مغمورة، ويربّها [٣] مزروعة، ويدور [٤] في الدولاب ساقيا، وفي الرحى طاحنا، ويحمل الغلّات مستقلّا، والأثقال مستخفّا، فلا
стр. 1677
يؤوده عظيم، ولا يبهظه جسيم، ولا يجري في القران مع شقيقه، ولا في الطريق مع رفيقه، إلا كان مجلّيا لا يسبق، ومبرزا لا يلحق، وفائتا لا ينال شأوه ونهايته، وماضيا لا يدرك مداه وغايته. وأشهد الله أنّ الذي ساءه ساءني فيه، وما آلمه آلمني له، ولم يجز عندي في حكم ما بيني وبينه استصغار خطب جلّ عنده وأرمضه، ولا يهوننّ صعب بلغ منه وأمضّه؛ فكتبت هذه الرقعة قاضيا بها من الحقّ في مصابه بقدر ما أظهره من إكباره، وأبله من إعظامه. وأسأل الله أن يخصّ القاضي من المعوضة بأفضل ما خصّ به البشر عن البقر، وأن يفرد هذه العجماء بأثرة من الثواب، يضيفه بها إلى المكلّفين من ذوي الألباب، فإنها وإن لم تكن منهم فقد استحقّت أن تلحق بهم، بأن مسّ القاضي أيده الله سببها، وأن كان إليه منتسبها، حتى إذا أنجز الله ما وعد به عباده المؤمنين من تمحيص سيئاتهم، وتضعيف حسناتهم، والإفضاء بهم إلى الجنة التي جعلها الله لهم دارا، ورضيها لجماعتهم قرارا، أورد القاضي حينئذ موارد النعيم، مع أهل الصراط المستقيم، وثوره مجنوب معه مسموح له به. وكما أنّ الجنة لا يدخلها الخبث، ولا يكون من أهلها الحدث، إنما هو عرق يجري من أبدانهم، ويروي أغراضهم كالمسك، كذلك يجعل الله مجرى الأخبثين من هذا الثور يجريان للقاضي بالعنبر الشّحريّ، وماء الورد الجوريّ، فيصير ثورا له طورا، وجونة عطار طورا. وليس ذلك بمستبعد ولا مستنكر، ولا مستصعب ولا متعذّر، إذ كانت قدرة الله- جلّ ثناؤه- محيطة، ومواعيده لأمثاله ضامنة بما وعد الله في الجنة لعباده الصادقين، وأوليائه الصالحين، من شهوات نفوسهم وملاذّ أعينهم، وما هو سبحانه مع غامر فضله وفائض كرمه بمانعه ذاك مع صالح مساعيه ومحمود شيمه. وقلبي متعلّق بمعرفة خبره- أدام الله عزّه- فيما ادّرعه من شعار الصبر، واحتفظ به من صالح الأجر، ورجع إليه من التسليم لأمر الله الذي طرقه، والسكون لما أزعجه وأقلقه، فليعرّفني القاضي من ذلك ما أكون به ضاربا معه بسهم المشاركة فيه، وآخذا بقسط المساعدة عليه، إن شاء الله.
стр. 1678
الجواب من القاضي ابن قريعة:
وصل توقيع سيدنا الوزير بالتعزية عن اللاي [١] الذي كان للحرث مثيرا، وللدولاب مديرا، وبالسّبق إلى كثير من المنافع شهيرا، وعلى شدائد الزمان مساعدا وظهيرا. ولعمري لقد كان بعمله ناهضا، ولحماقات البقر رافضا، وأنّى لنا بمثله وشرواه ولا شروى له، فإنه كان من أعيان البقر، وأنفع أجناسها للبشر، مضاف ذلك إلى خلائق حميدة، وطرائق سديدة. ولولا خوفي تجديد الحزن عليه، وتهييج الجزع لفقده، لعددتها فيه ليعلم أنّ الحزين عليه غير ملوم، وكيف يلام امرؤ فقد من ماله قطعة يجب في مثلها الزكاة، ومن خدم معيشته بهيمة تعين على الصوم والصلاة. وفهمته فهم متأمّل لمراميه، وشاكر على النعمة فيه، فوجدته مسكّنا ما خاطر اللبّ وخامر القلب، ففقد هذا اللاي من شدّة الحرق، وتضاعف القلق، وتزايد اللوعة، وترادف الارتماض بعظم الروعة، فرجعت إلى أمر الله فيه من التسليم والرضا، والصبر على ما حكم وقضى، واحتذيت ما مثّله سيدنا الوزير من جميل الاحتساب، والصبر على أليم المصاب، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، قول من علم أنه سبحانه أملك بنفسه وماله وولده وأهله منه، وأنه لا يملك شيئا دونه، إذ كان جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه الملك الوهّاب، المرجع ما يعوّض عنه نفيس الثواب.
ووجدت أيّد الله سيدنا الوزير للبقر خاصّة على سائر بهيمة الأنعام [٢] التي أكثر أقوات البشر بكدّها وعلى ظهرها وحراثها إلا قليلا، قال الله سبحانه:
أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ
(الواقعة: ٦٣- ٦٤) . ولما رأى الحجاج الأسعار قد تضايقت، وقرى السواد قد خربت، حرّم لحوم البقر، لعلمه وعلم جميع الناس بما في بقائها من المنافع والمصالح. ورأيت الله تعالى قد أمر في القتيل الذي وجد في بني إسرائيل أن يضرب بقطعة من بقرة بلغ ثمنها
стр. 1679
ثلاثمائة ألف دينار؛ فلولا فضيلة البقر لما خصّت من بني الأنعام بذلك، ووجدت بني إسرائيل بعدما شاهدوه من قدرة الله جلّ وعلا في جفوف البحر ويبسه وأمر الحية والعصا، فلما غاب عنهم موسى ﵇ عبدوا عجلا.
ووجدت الحكمة في أربعة من الأمم: الهند والفرس والروم والعرب. فأما الهند فإنها تعظّم البقر تعظيما مشهورا، حتى إنها حرّمت لحمها وصارت ترى قتل من استحلّ ذبح شيء منها. ووجدنا الفرس تعظّمها وتتطهّر بأبوالها. ووجدنا الروم تعظّمها وقد جعلت لها عيدا، وتمنع من أكل لحومها. ووجدنا العرب قد جعلتها أجلّ قرباناتها إلى الله في أعيادها، وعقيقتها عن أولادها. ويروى عن النبيّ ﷺ أنه قال: إنّ ملكين من حملة العرش على صورة البقرة يدعوان الله بأرزاق البهائم، فلولا ما فيها من التكريم والتعظيم والتقديم على سائر البهائم لما خصّت بهذه المناقب العظام. ولولا إشفاقي من الخروج في الإطناب عن الغرض المطلوب، والمذهب المركوب، لزدت في إيضاح مناقبها، والإفصاح بأوصافها التي تتميّز بها عن المخلوقات المركوبات، والمثيرات والحارثات، ولكن قد مضى ما فيه كفاية، وإن لم يكن بلغ النهاية. (وبعده الدعاء) .
وهذا فصل نضمّه إلى الباب يتضمّن حسن التأسّي في الشدة، والصبر والتسلّي عن نوائب الدهر.
«٧٢٣» - ثمرة الصبر الظفر، ونتيجته الراحة. وإذا تلقّي به الحوادث فكأن لم تقع. قال عليّ ﵇: من لم ينجه الصبر أهلكه الجزع. وقال: الصبر يناضل الحدثان، والجزع من أعوان الزمان. وقال أيضا: الصبر شجاعة. وكتب إلى أخيه عقيل بن أبي طالب من كتاب له: ولا تحسبنّ ابن أبيك، ولو أسلمه الناس،
стр. 1680
متضرّعا متخشّعا، ولا مقرّا للضيم واهنا، ولا سلس الزمام للقائد، ولا وطيء الظهر للراكب، ولكنه كما قال أخو بني سليم: [من الطويل]
إن تسأليني كيف أنت فإنني ... صبور على ريب الزمان صليب
يعزّ عليّ أن ترى بي كآبة ... فيشمت عاد أو يساء حبيب
٧٢٤- وقال شاعر: [من الوافر]
ولو جعل الإله الحزن فرضا ... مكان الصبر في حال الخطوب
لكان الحزن فيها غير شك ... أشدّ المعنيين على القلوب
٧٢٥- وقال السفاح: الصبر حسن إلا على ما أوتغ [١] الدين وأوهن السلطان.
«٧٢٦» - سئل ابن عبّاس عن الحزن والغضب فقال: أصلهما وقوع الأمر بخلاف المحبة، وفرعاهما يختلفان. فمن أتاه المكروه ممن فوقه نتج عليه حزنا، ومن أتاه ممن دونه هيج غضبا.
«٧٢٧» - وأنشد الزبير بن بكار: [من البسيط]
اصبر فكلّ فتى لا بدّ مخترم ... والموت أيسر مما أمّلت جشم
الموت أسهل من إعطاء منقصة ... إن لم تمت عبطة فالغاية الهرم
٧٢٨- وأنشد للرشيد عند موته: [من الطويل]
وإني لمن قوم كرام يزيدهم ... شماسا وصبرا شدّة الحدثان
стр. 1681
٧٢»
- والصبر صبران: صبر على ما يكره، وصبر عمّا يحبّ، والثاني أشدهما على النفوس، وفنون ذلك تجده في باب الآداب الدينية. ونذكر هاهنا الصبر على المكاره واحتمال الفوادح.
«٧٣٠» - قال الشاعر: [من الطويل]
تعزّ فإنّ الصبر بالحرّ أجمل ... وليس على ريب الزمان معوّل
فلو كان يغني أن يرى المرء جازعا ... لحادثة أو كان يغني التذلّل
لكان التعزّي عند كلّ مصيبة ... ونائبة [١] بالحرّ أولى وأجمل
فكيف وكلّ ليس يعدو حمامه ... وما لامرىء عما قضى الله مزحل
فإن تكن الأيّام فينا تبدّلت ... بئيسا بنعمى والحوادث تفعل
فما ليّنت منا قناة صليبة ... ولا ذلّلتنا للّذي ليس يجمل
ولكن رحلناها نفوسا كريمة ... تحمّل ما لا يستطاع فتحمل
وقينا بحسن الصبر منّا نفوسنا ... فصحّت لنا الأعراض والناس هزّل
«٧٣١» - وروي أنّ جابر بن عبد الله استأذن على معاوية فلم يؤذن له أياما ثم دخل فمثل بين يديه فقال: يا معاوية أشهد أني سمعت المبارك ﷺ يقول: ما من أمير احتجب عن الفقراء إلّا احتجب الله عنه يوم يفتقر إليه. فغضب معاوية وقال: يا جابر، ألست ذكرت عن رسول الله ﷺ أنه قال: يا معشر الأنصار، سيصيبكم بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض؟ قال: قد سمعت الطيب
стр. 1682
المبارك ﷺ يقوله. قال معاوية: فألّا صبرت؟ قال: إذن والله أصبر كما صبرت حين ضربت أنفك وأنف أبيك حتى دخلتما في الإسلام كارهين؛ ثم انصرف وهو يقول: [من الطويل]
إني لأختار البلاء على الغنى ... وأجزا بالماء القراح عن المحض
وأدّرع الإملاق صبرا وقد أرى ... مكان الغنى أن لو أهين له عرضي
فناشده معاوية أن يأخذ صلته، وبعث في أثره يزيد بن معاوية، فقال: والله لا يجمعني وإياه بلد أبدا. فلما خرج لقي عبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن سابط، فقال له ابن عباس: قد بلغني ما كان من ابن آكلة الأكباد، وكهف النفاق، ورأس الأحزاب. هلمّ إليّ أشاطرك مالي كما قاسمتني مالك، ولك نصف داري كما أسكنتني دارك، فقال جابر: ثمّر الله مالك، وبارك لك في دارك، فقد أثبتّ ما أنت أهله، وقال معاوية ما كان [١] يشبهه.
٧٣٢- وقال بعض الحكماء: امتحن صبر العباد بالعلّة، وشكرهم بالعافية.
«٧٣٣» - وقال جهم بن مسعدة الفزاري متسلّيا عن انهدامه: [من الرجز]
إني وإن أفنى الزمان نحضي ... وابتزّني بعضي وأبقى بعضي
وأسرعت أيامه في نقضي ... بمجحفات وأمور تمضي
حتى حنت طولي وضمّت عرضي ... وقصّرت رجلاي دون الأرض
стр. 1683
وهمّ أهل ثقتي برفض ... ينفع حبّي ويضرّ بغضي
«٧٣٤» - وقال الفرزدق متأسّيا بالشامت: [من الوافر]
إذا ما الدهر جرّ على أناس ... كلاكله أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
«٧٣٥» - وقال الأحوص بن محمد الأنصاري: [من الطويل]
فمن يك أمسى سائلا عن شماتة ... بما ساءني أو شامتا غير سائل
فقد عجمت منّي الحوادث ماجدا ... صبورا على عضّات تلك الزلازل [١]
إذا سرّ لم يفرح وليس بنكبة ... ألمّت به بالخاشع المتضائل
ومعنى هذا البيت مطروق متداول، فالأول فيه قول النابغة: [من الطويل]
ولا يحسبون الخير لا شرّ بعده ... ولا يحسبون الشرّ ضربة لازب
وتبعه كثير فقال: [من الطويل]
فما فرح الدنيا بباق لأهله ... ولا شدة البلوى بضربة لازم
стр. 1684
وقال طريح مثله: [من البسيط]
لا يفرحون إذا ما الدهر طاوعهم ... يوما بيسر ولا يشكون إن نكبوا
وقال النابغة الجعدي: [من المتقارب]
إذا مسّه الشرّ لم يكتئب ... وإن مسّه الخير لم يعجب
وقال عبد الرحمن بن يزيد الهمداني: [من الكامل]
باق على الحدثان غير مكذّب ... لا كاسف بالي ولا متلهّف
إن نلت لم أفرح بشيء نلته ... وإذا سبقت به فلا أتلهّف
وقال هدبة بن خشرم: [من الطويل]
ولست بمفراح إذا الدهر سرّني ... ولا جازع من صرفه المتقلّب
«٧٣٦» - وكان الأحوص جلدا حين ابتلي: وفد على الوليد بن عبد الملك فامتدحه، فأنزله منزلا وأمر بمطبخه أن يمال عليه. ونزل على الوليد شعيب بن عبد الله بن عمرو بن العاص فكان الأحوص يراود وصفاء للوليد خبّازين على أنفسهم، وكان شعيب قد غضب على مولى له ونحّاه. فلما خاف الأحوص أن يفتضح بمراودته الغلمان اندسّ بمولى شعيب ذلك فقال له: ادخل على أمير المؤمنين فاذكر له أنّ شعيبا أرادك على نفسك؛ فالتفت الوليد إلى شعيب فقال: ما يقول هذا؟ فقال: لكلامه غور يا أمير المؤمنين فاشدد به يديك يصدقك، فشدّ عليه فقال: أمرني بذلك الأحوص. فقال قيّم الخبازين: أصلحك الله، إنّ الأحوص يراود غلمانك على أنفسهم. فأرسل به الوليد إلى ابن حزم بالمدينة وأمره أن يجلده مائة، ويصبّ على رأسه زيتا، ويقيمه على البلس، فقال وهو على البلس أبياته النونيّة التي فيها: [من الكامل]
стр. 1685
إني على ما تعلمون محسّد ... أنمي على البغضاء والشنآن
ما من مصيبة نكبة أمنى بها [١] ... إلّا تشرّفني وترفع شاني
وتزول حين تزول عن متخمّط ... تخشى بوادره على الأقران
إني إذا خفي الرجال وجدتني ... كالشمس لا تخفى بكلّ مكان
«٧٣٧» - ومن التسلّي الحسن قول مجنون: ليس في الدنيا أجلّ منّي، لا حاسب في الدنيا ولا في الآخرة.
«٧٣٨» - وقال أبو الشغب في حبس خالد بن عبد الله القسري: [من الطويل]
ألا إنّ خير الناس قد تعلمونه ... أسير ثقيف موثقا في السلاسل
لعمري لئن أعمرتم السجن خالدا ... وأوطأتموه وطأة المتثاقل
لقد كان نهّاضا بكلّ ملمّة ... ومعطي اللهى غمرا كثير النوافل [٢]
فإن تسجنوا القسريّ لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل
[أشعار في الحبس]
«٧٣٩» - وقال علي بن الجهم لما حبسه المتوكل: [من الكامل]
قالت حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي وأيّ مهنّد لا يغمد
أوما رأيت الليث يألف غيله ... كبرا وأوباش السباع تردّد
والبدر يدركه السّرار فتنجلي ... أيامه وكأنّه متجدّد
والشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد