← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

٧٢» - والصبر صبران: صبر على ما يكره، وصبر عمّا يحبّ، والثاني أشدهما على النفوس، وفنون ذلك تجده في باب الآداب الدينية. ونذكر هاهنا الصبر على المكاره واحتمال الفوادح. «٧٣٠» - قال الشاعر: [من الطويل] تعزّ فإنّ الصبر بالحرّ أجمل ... وليس على ريب الزمان معوّل فلو كان يغني أن يرى المرء جازعا ... لحادثة أو كان يغني التذلّل لكان التعزّي عند كلّ مصيبة ... ونائبة [١] بالحرّ أولى وأجمل فكيف وكلّ ليس يعدو حمامه ... وما لامرىء عما قضى الله مزحل فإن تكن الأيّام فينا تبدّلت ... بئيسا بنعمى والحوادث تفعل فما ليّنت منا قناة صليبة ... ولا ذلّلتنا للّذي ليس يجمل ولكن رحلناها نفوسا كريمة ... تحمّل ما لا يستطاع فتحمل وقينا بحسن الصبر منّا نفوسنا ... فصحّت لنا الأعراض والناس هزّل «٧٣١» - وروي أنّ جابر بن عبد الله استأذن على معاوية فلم يؤذن له أياما ثم دخل فمثل بين يديه فقال: يا معاوية أشهد أني سمعت المبارك ﷺ يقول: ما من أمير احتجب عن الفقراء إلّا احتجب الله عنه يوم يفتقر إليه. فغضب معاوية وقال: يا جابر، ألست ذكرت عن رسول الله ﷺ أنه قال: يا معشر الأنصار، سيصيبكم بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض؟ قال: قد سمعت الطيب

стр. 1682

المبارك ﷺ يقوله. قال معاوية: فألّا صبرت؟ قال: إذن والله أصبر كما صبرت حين ضربت أنفك وأنف أبيك حتى دخلتما في الإسلام كارهين؛ ثم انصرف وهو يقول: [من الطويل] إني لأختار البلاء على الغنى ... وأجزا بالماء القراح عن المحض وأدّرع الإملاق صبرا وقد أرى ... مكان الغنى أن لو أهين له عرضي فناشده معاوية أن يأخذ صلته، وبعث في أثره يزيد بن معاوية، فقال: والله لا يجمعني وإياه بلد أبدا. فلما خرج لقي عبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن سابط، فقال له ابن عباس: قد بلغني ما كان من ابن آكلة الأكباد، وكهف النفاق، ورأس الأحزاب. هلمّ إليّ أشاطرك مالي كما قاسمتني مالك، ولك نصف داري كما أسكنتني دارك، فقال جابر: ثمّر الله مالك، وبارك لك في دارك، فقد أثبتّ ما أنت أهله، وقال معاوية ما كان [١] يشبهه. ٧٣٢- وقال بعض الحكماء: امتحن صبر العباد بالعلّة، وشكرهم بالعافية. «٧٣٣» - وقال جهم بن مسعدة الفزاري متسلّيا عن انهدامه: [من الرجز] إني وإن أفنى الزمان نحضي ... وابتزّني بعضي وأبقى بعضي وأسرعت أيامه في نقضي ... بمجحفات وأمور تمضي حتى حنت طولي وضمّت عرضي ... وقصّرت رجلاي دون الأرض

стр. 1683

وهمّ أهل ثقتي برفض ... ينفع حبّي ويضرّ بغضي «٧٣٤» - وقال الفرزدق متأسّيا بالشامت: [من الوافر] إذا ما الدهر جرّ على أناس ... كلاكله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا «٧٣٥» - وقال الأحوص بن محمد الأنصاري: [من الطويل] فمن يك أمسى سائلا عن شماتة ... بما ساءني أو شامتا غير سائل فقد عجمت منّي الحوادث ماجدا ... صبورا على عضّات تلك الزلازل [١] إذا سرّ لم يفرح وليس بنكبة ... ألمّت به بالخاشع المتضائل ومعنى هذا البيت مطروق متداول، فالأول فيه قول النابغة: [من الطويل] ولا يحسبون الخير لا شرّ بعده ... ولا يحسبون الشرّ ضربة لازب وتبعه كثير فقال: [من الطويل] فما فرح الدنيا بباق لأهله ... ولا شدة البلوى بضربة لازم

стр. 1684

وقال طريح مثله: [من البسيط] لا يفرحون إذا ما الدهر طاوعهم ... يوما بيسر ولا يشكون إن نكبوا وقال النابغة الجعدي: [من المتقارب] إذا مسّه الشرّ لم يكتئب ... وإن مسّه الخير لم يعجب وقال عبد الرحمن بن يزيد الهمداني: [من الكامل] باق على الحدثان غير مكذّب ... لا كاسف بالي ولا متلهّف إن نلت لم أفرح بشيء نلته ... وإذا سبقت به فلا أتلهّف وقال هدبة بن خشرم: [من الطويل] ولست بمفراح إذا الدهر سرّني ... ولا جازع من صرفه المتقلّب «٧٣٦» - وكان الأحوص جلدا حين ابتلي: وفد على الوليد بن عبد الملك فامتدحه، فأنزله منزلا وأمر بمطبخه أن يمال عليه. ونزل على الوليد شعيب بن عبد الله بن عمرو بن العاص فكان الأحوص يراود وصفاء للوليد خبّازين على أنفسهم، وكان شعيب قد غضب على مولى له ونحّاه. فلما خاف الأحوص أن يفتضح بمراودته الغلمان اندسّ بمولى شعيب ذلك فقال له: ادخل على أمير المؤمنين فاذكر له أنّ شعيبا أرادك على نفسك؛ فالتفت الوليد إلى شعيب فقال: ما يقول هذا؟ فقال: لكلامه غور يا أمير المؤمنين فاشدد به يديك يصدقك، فشدّ عليه فقال: أمرني بذلك الأحوص. فقال قيّم الخبازين: أصلحك الله، إنّ الأحوص يراود غلمانك على أنفسهم. فأرسل به الوليد إلى ابن حزم بالمدينة وأمره أن يجلده مائة، ويصبّ على رأسه زيتا، ويقيمه على البلس، فقال وهو على البلس أبياته النونيّة التي فيها: [من الكامل]

стр. 1685

إني على ما تعلمون محسّد ... أنمي على البغضاء والشنآن ما من مصيبة نكبة أمنى بها [١] ... إلّا تشرّفني وترفع شاني وتزول حين تزول عن متخمّط ... تخشى بوادره على الأقران إني إذا خفي الرجال وجدتني ... كالشمس لا تخفى بكلّ مكان «٧٣٧» - ومن التسلّي الحسن قول مجنون: ليس في الدنيا أجلّ منّي، لا حاسب في الدنيا ولا في الآخرة. «٧٣٨» - وقال أبو الشغب في حبس خالد بن عبد الله القسري: [من الطويل] ألا إنّ خير الناس قد تعلمونه ... أسير ثقيف موثقا في السلاسل لعمري لئن أعمرتم السجن خالدا ... وأوطأتموه وطأة المتثاقل لقد كان نهّاضا بكلّ ملمّة ... ومعطي اللهى غمرا كثير النوافل [٢] فإن تسجنوا القسريّ لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل [أشعار في الحبس] «٧٣٩» - وقال علي بن الجهم لما حبسه المتوكل: [من الكامل] قالت حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي وأيّ مهنّد لا يغمد أوما رأيت الليث يألف غيله ... كبرا وأوباش السباع تردّد والبدر يدركه السّرار فتنجلي ... أيامه وكأنّه متجدّد والشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد

стр. 1686

والزاعبيّة لا يقيم كعوبها ... إلا الثقاف وجذوة تتوقد والنار في أحجارها مخبوءة ... لا تصطلى إن لم تثرها الأزند والحبس ما لم تغشه لدنيّة ... شنعاء نعم المنزل المتورّد بيت يجدّد للكريم كرامة ... ويزار فيه ولا يزور ويحمد لو لم يكن في الحبس إلا أنّه ... لا تستذلّك بالحجاب الأعبد غير الليالي باديات عوّد ... والمال عارية يعار وينفد ولكلّ حين معقب ولربّما ... أجلى لك المكروه عما تحمد لا يؤيسنّك من تفرّج نكبة ... خطب رماك به الزمان الأنكد كم من عليل قد تخطّاه الرّدى ... فنجا ومات طبيبه والعوّد صبرا فإنّ اليوم يعقبه غد ... ويد الخلافة لا تطاولها يد «٧٤٠» - ولما حبسه بلغه أنه هجاه، فنفاه إلى خراسان، وكتب إلى طاهر بن عبد الله بن طاهر بأن يصلب إذا وردها يوما إلى الليل، فصلب مجرّدا ثم أنزل فقال: [من الكامل] لم ينصبوا بالشاذياخ عشية ال ... إثنين مغمورا ولا مجهولا نصبوا بحمد الله ملء قلوبهم ... كرما وملء صدورهم تبجيلا ما عابه أن بزّ عنه ثيابه ... والسيف أهول ما يرى مسلولا إن يبتذل فالبدر لا يزري به ... أن كان ليل تمامه مبذولا أو يسلبوه المال يحزن فقده ... ضيفا ألمّ وطارقا ونزيلا «٧٤١» - وقال أبو إسحاق الصابي وحبسه عضد الدولة ونكبه:

стр. 1687

[من الطويل] يعيّرني بالحبس من لو يحلّه ... حلولي طالت واشمخرّت مراتبه وربّ طليق أعتق الذلّ رقّه ... ومعتقل عان وقد عزّ جانبه وإن يك قد أودت بمالي نكبة ... نظيري فيها كلّ قرم أناصبه فما كنت كالقسطار يثري بكيسه ... ويملق أن أنحى على الكيس سالبه ولكن كليث الغيل إن رام ثروة ... حوتها له أنيابه ومخالبه يبيت خميصا طاويا ثم يغتدي ... مباحا له من كلّ طعم أطابيه كذلك مثلي نفسه رأس ماله ... بها يدرك الربح الذي هو طالبه ولي بين أقلامي ولبّي ومنطقي ... غنى قلّ ما يشكو الخصاصة صاحبه «٧٤٢» - وكتب إليه ابنه أبو علي المحسّن في نكبته هذه يسلّيه عنها: [من البسيط] لا تأس للمال إن غالته غائلة ... ففي حياتك من فقد اللهى عوض إذ أنت جوهرنا الأعلى وما جمعت ... يداك من طارف أو تالد عرض «٧٤٣» - قيل لرجل كفّ بصره: قد سلبت حسن وجهك، فقال: صدقت غير أني منعت النظر إلى ما يلهي، وعوّضت الفكرة فيما يجدي. فحكي ذلك لبعض الخلفاء فقال: العفا على التعزّي إلا بمثل هذا الكلام. «٧٤٤» - وقال الجنيد: بصرت أبا عبد الله الأشناني وكان ضريرا فقرأ قارىء يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (غافر: ١٩) فقال سقط عني نصف العمل وبقي عليّ نصفه وهو ما تخفي الصدور.

стр. 1688

«٧٤٥» - ومما يروى [١] لعبد الله بن عبّاس: [من البسيط] إن يأخذ الله من عينيّ نورهما ... ففي لساني وسمعي منهما نور قلبي ذكيّ وعقلي غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور «٧٤٦» - ولأبي علي البصير الأنباري: [من الطويل] لئن كان يهديني الغلام لوجهتي ... ويقتادني في السير إذ أنا راكب لقد يستضيء القوم بي في وجوههم ... ويخبو ضياء العين والقلب ثاقب «٧٤٧» - استقبل الخثعميّ مالك بن طوق وقد عزل عن عمل فقال مسلّيا له عن العزل: [من الطويل] فلا يحسب الواشون عزلك مغنما ... فإنّ إلى الإصدار ما غاية الورد وما كنت إلا السيف جرّد للوغى ... فأحمد فيها ثم عاد إلى الغمد «٧٤٨» - وقال أبو عثمان الخالدي يسلّي نفسه عن الفقر: [من الكامل المجزوء] صدّت مجانبة نوار ... ونأى بجانبها ازورار يا هذه إن رحت في ... سمل فما في ذاك عار هذي المدام هي الحيا ... ة قميصها طين [٢] وقار

стр. 1689

«٧٤٩» - وأنشد الأصمعيّ لامرأة من العرب مفجّعة بالحوادث لم تيأس ولم تسل: [من الطويل] أنوح على دهر مضى بغضارة ... إذ العيش غضّ والزمان موات أبكّي زمانا صالحا قد فقدته ... تقطّع قلبي إثره زفرات أيا زمنا ولّى على رغم أهله ... ألا عد كما قد كنت مذ سنوات تمطّى عليّ الدهر في متن قوسه ... فأقصدني منه بسهم شتات «٧٥٠» - وقال تاج الدولة أبو الحسين أحمد بن عضد الدولة وقد عدم عزاءه عن نكبته: [من الطويل] هب الدهر أرضاني وأعتب صرفه ... وأعقب بالحسنى من الحبس والأسر فمن لي بأيام الهموم التي مضت ... ومن لي بما أنفقت في الحبس من عمري «٧٥١» - كتب محمد بن الحنفية إلى عبد الله بن عبّاس حين سيّره ابن الزبير إلى الطائف يسلّيه عن فعله به: أما بعد، فإنه بلغني أنّ لبن الزبير سيّرك إلى الطائف، فأحدث الله بذلك ذخرا حطّ به عنك وزرا. يا ابن عمّ إنّما يبتلى الصالحون وتعدّ الكرامة للأخيار، ولو لم تؤجر إلا فيما تحبّ لقلّ الأجر. وقد قال الله تعالى: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ (البقرة: ٢١٦) عزم الله لنا ولكم بالصبر على البلاء، والشكر على النعماء، ولا أشمت بنا عدوّا، والسلام.

стр. 1690

[صبر عروة بن الزبير] «٧٥٢» - وكان عروة بن الزبير صبورا حين ابتلي. خرج إلى الوليد بن عبد الملك فوطىء عظما فلم يبلغ دمشق حتى ذهب به كلّ مذهب. فجمع الوليد الأطباء فأجمع رأيهم على قطعها، فقالوا له: اشرب مرقّدا، فقال: ما أحبّ أن أغفل عن ذكر الله تعالى. فأحمي له منشار، وكان قطعا وحسما، فما توجّع وقال: ضعوها [١] بين يديّ، لئن كنت ابتليت في عضو لقد عوفيت في أعضاء. فبينا هو على ذلك أتاه نعي ابنه محمد، وكان قد اطّلع من سطح على دوابّ الوليد فسقط بينها فخبطته، فقال عروة: الحمد لله لئن أخذت واحدا لقد أبقيت جماعة. ولما عاد من سفره أتاه المعزّون وفيهم عيسى بن طلحة فقال: يا أبا عبد الله ما كنّا نعدّك للسباق، وما فقدنا منك إلّا أيسر ما فيك، إذ أبقى الله لنا سمعك وبصرك وعقلك. «٧٥٣» - وقدم على الوليد وفد من عبس فيهم شيخ ضرير، فسأله عن حاله وذهاب عينيه فقال: بتّ ليلة في بطن واد ولا أعلم عبسيّا يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيل فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد غير صبيّ صغير وبعير، وكان صعبا، فندّ فوضعت الصبيّ عن منكبيّ وتبعت البعير، فلم أجاوز حتى سمعت صيحة الصبيّ، فرجعت إليه ورأس الذئب في بطنه يأكله، فاستدرت بالبعير لأحبسه فنفحني برجله فحطّم وجهي فذهبت عيناي، فأصبحت لا عين ولا أهل ولا مال ولا ولد. فقال الوليد: اذهبوا به إلى عروة ليعلم أنّ في الدنيا من هو أعظم مصيبة منه، ويتسلى.

стр. 1691

٧٥٤- وقيل: الحوادث الممضّة مكسبة لحظوظ جزيلة منها ثواب [١] مدّخر، وتطهير من ذنب، وتنبيه من غفلة، وتعريف لقدر النعمة، ومرون على مقارعة الدهر. ومن ولج في النائبة صابرا خرج منها مثقفا [٢] . [أسماء وابنها عبد الله] «٧٥٥» - ومن التأسي العجيب والاحتساب الجميل ما فعلته أسماء بنت أبي بكر ﵄ في حرب ابنها عبد الله بن الزبير: دخل عليها في اليوم الذي قتل فيه فقال: يا أمّه، خذلني الناس حتى أهلي وولدي ولم يبق إلا اليسير ومن لا دفع عنده أكثر من صبر ساعة من النهار، وقد أعطاني القوم ما أردت من الدنيا فما رأيك؟ قالت: إن كنت على الحقّ وتدعو إليه فامض عليه فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكّن من رقبتك غلمان بني أميّة فيتلعبوا بك، وان قلت إني كنت على حقّ فلما وهن أصحابي ضعفت نيتي ليس هذا فعل الأحرار، ولا فعل من فيه خير. كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن ما [٣] نقع به يا ابن الزبير. والله لضربة بالسيف في عزّ أحبّ إليّ من ضربة بسوط في ذلّ. قال لها: هذا والله رأيي الذي قمت به داعيا إلى الله، والله ما دعاني إلى الخروج إلّا الغضب لله تعالى، أن تهتك محارمه. ولكني أحببت أن أطّلع رأيك فزدتني [٤] قوّة وبصيرة مع قوتي وبصيرتي [٥] . والله ما تعمدت إتيان منكر، ولا عملا بفاحشة، ولم أجر في حكم، ولم أغدر في أمان، ولم يبلغني عن عمّالي ظلم فرضيت به، بل أنكرت ذلك، ولم يكن شيء عندي آثر من رضى ربي ، اللهمّ إني لا أقول ذلك

стр. 1692

تزكية لنفسي ولكن أقوله تعزية لأمّي لتسلو عني. قالت له: والله إني لأرجو أن يكون عزائي فيك حسنا بعد أن تقدمتني، فإنّ في نفسي منك حوجاء حتى أنظر إلى ما يصير أمرك. ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة وبرّه بأمّه. اللهمّ إني قد سلمت فيه لأمرك، ورضيت منك بقضائك، فأثبني في عبد الله ثواب الشاكرين. فودّعها فوجدت مسّ الدّرع تحت ثوبه. فقالت: ما هذا فعل من يريد ما تريد. فقال: إنما لبسته لأشدّ منك. قالت: فإنه لا يشدّ منّي. وقال لها فيما خاطبها به: إني ما أخاف القتل وإنما أخاف المثلة، فقالت: يا بنيّ إنّ الشاة لا تبالي بالسّلخ بعد الموت. وكانت تقف على خشبته وهو مصلوب فتقول: لقد قتلوك صوّاما قوّاما ظمآن الهواجر، ومن قتل على باطل فقد قتلت على حقّ؛ وما ينزل [١] من عينها قطرة. ووقفت عليه بعد مدة من صلبه فقالت: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟! [أحاديث وأشعار في الصبر] «٧٥٦» - ومن عظيم صبر النساء وعجيبه ما كان من أمر أمّ سليم امرأة أبي طلحة الأنصاريّ: مرض ابنها منه فمات، فسجّته في المخدع ثم قامت فهيأت لأبي طلحة إفطاره، كما كانت تهيىء له كل ليلة، فدخل أبو طلحة وقال لها: كيف الصبيّ؟ قالت: بأحسن حال بحمد الله، ثم قامت فقربت إلى أبي طلحة إفطاره، ثم قامت إلى ما تقوم إليه النساء، فأصاب أبو طلحة من أهله، فلما كان في السحر قالت: يا أبا طلحة ألم تر آل فلان استعاروا عارية فلما طلبت منهم شقّ عليهم، فقال: ما أنصفوا، قالت: فإنّ ابنك كان عارية من الله وإنّ الله قد قبضه

стр. 1693

إليه، فحمد الله واسترجع، ثم غدا على رسول الله ﷺ فقال له: يا أبا طلحة بارك الله لكما في ليتكما. «٧٥٧» - ومن ذلك خبر الأنصارية لما كان [١] يوم أحد، حاص أهل المدينة حيصة وقالوا: قتل محمد حتى كثرت الصوارخ في نواحي المدينة، فخرجت امرأة من الانصار فاستقبلت بأخيها وابنها وزوجها وأبيها قتلى، فلما مرّت بهم قالت: ما فعل النبيّ ﷺ ؟ قالوا: أمامك، حتى ذهبت إليه فأخذت بناحية ثوبه ثم جعلت تقول: بأبي وأمي يا رسول الله لا أبالي إذا سلمت من عطب. «٧٥٨» - قال المدائني: أتى عبيد الله بن زياد بامرأة من الخوارج فقطع رجلها وقال لها: كيف ترين؟ قالت: إن في الفكر في هول المطلع لشغلا عن حديدتكم هذه. ثم قطع رجلها الأخرى وجذبها فوضعت يدها على فرجها فقال: إنك لتسترينه، فقالت: لكن سمية أمّك لم تستره. «٧٥٩» - أتى البرد على زرع عجوز في البادية، فأخرجت رأسها من الخباء ونظرت الى الزرع وقد احترق فقالت، ورفعت رأسها إلى السماء: اصنع ما شئت فان رزقي عليك. «٧٦٠» - قال آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: [من الوافر]

стр. 1694

وإن قالت رجال قد تولى ... زمانكم وذا زمن جديد فما ذهب الزمان لنا بمجد ... ولا حسب اذا ذكر الجدود وما كنّا لنخلد إذ ملكنا ... وأيّ الناس دام له الخلود «٧٦١» - وقيل لأخيه، بعد أن رأوه حمّالا: لقد حطّك الزمان، وعضّك الحدثان، فقال: ما فقدنا من عيشنا إلا الفضول. «٧٦٢» - وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ: [من البسيط] وليلة من ليالي الدهر كالحة ... باشرت في هولها مرأى ومستمعا ونكبة لو رمى الرامي بها حجرا ... أصمّ من جندل الصمّان لانصدعا مرّت عليّ فلم أطرح لها سلبي ... ولا اشتكيت لها وهنا ولا جزعا ما سدّ من مطلع يخشى الهلاك به ... إلا وجدت بظهر الغيب مطلعا لا يملا الهول قلبي قبل وقعته ... ولا يضيق به صدري إذا وقعا «٧٦٣» - وقال أبو هفّان: [من الطويل] لعمري لئن بيّعت في دار غربة ... ثيابي أن عزّت عليّ المآكل فما أنا إلّا السيف يأكل جلده ... له حلية من نفسه وهو عاطل «٧٦٤» - وقال البحتريّ يسلّي محمد بن يوسف عن حبسه: [من الطويل]

стр. 1695

وما هذه الأيّام إلّا منازل ... فمن منزل رحب ومن منزل ضنك وقد هذّبتك الحادثات وإنما ... صفا الذهب الإبريز قبلك بالسّبك أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوسا على الظّلم والإفك أقام جميل الصبر في السجن برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك «٧٦٥» - ومن الرضا بالموت وإيثاره لمعنى لطيف قول يزيد [١] بن أسد، ودعا له رجل فقال: أطال الله بقاءك، قال يزيد [٢] : دعوني أمت وفيّ بقيّة تبكون بها عليّ. «٧٦٦» - ووصف الحسن بن سهل المحن فقال: فيها تمحيص للذنب، وتنبيه من الغفلة، وتعريض للثواب بالصبر، وتذكير بالنعمة، واستدعاء للتوبة، وفي نظر الله وقضاياه بعد الخيار. «٧٦٧» - سئل بزرجمهر في نكبته عن حاله فقال: عوّلت على أربعة أشياء قد هوّنت عليّ ما أنا فيه، أوّلها: أني قلت القضاء والقدر لا بدّ من جريانهما، والثاني: أني قلت إن لم أصبر فما أصنع؟ والثالث: قلت قد كان يجوز أن يكون أشدّ من هذا، والرابع: قلت لعلّ الفرج قريب وأنت لا تدري. ٧٦٨- قال عليّ بن الحسين ﵉: من هوان الدنيا على الله أنّ

стр. 1696

يحيى بن زكريا ﵉ أهدي رأسه إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل في طست من ذهب، وفيه تسلية لحرّ فاضل يرى الناقص الذي يظفر من الدنيا بالحظّ السنيّ. «٧٦٩» - قال أبو العتاهية: حبسني الرشيد لما تركت قول الشعر فأدخلت السجن وأغلق الباب عليّ، فدهشت كما يدهش مثلي لتلك الحال، وإذا أنا برجل جالس في جانب الحبس مقيّد، فجعلت أنظر إليه ساعة ثم تمثل: [من الطويل] تعودّت مسّ الضرّ حتى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر وصيّرني يأسي من الناس راجيا ... لحسن صنيع الله من حيث لا أدري فقلت: أعد أعزّك الله هذين البيتين، فقال لي: ويلك يا أبا العتاهية ما أسوأ أدبك، وأقلّ عقلك، دخلت عليّ الحبس فما سلّمت تسليم المسلم على المسلم، ولا سألت مسألة الحرّ للحرّ، ولا توجّعت توجّع المبتلى للمبتلى، حتى إذا سمعت بيتين من الشعر الذي لا فضل فيك غيره لم تصبر عن استعادتهما، ولم تقدّم قبل مسألتهما عذرا لنفسك في طلبهما. فقلت: يا أخي إني دهشت لهذه الحال، فلا تعذلني واعذرني متفضّلا بذلك. فقال: أنا أولى بالدّهش والحيرة منك، لأنك حبست في أن تقول شعرا به ارتفعت وبلغت، فإذا قلت أمنت، وأنا مأخوذ بأن أدلّ على ابن رسول الله ﷺ ليقتل أو أقتل دونه، وو الله لا أدلّ عليه أبدا. والساعة يدعى بي فأقتل، فأيّنا أحقّ بالدّهش؟ فقلت: أنت أولى سلّمك الله وكفاك [١] ، ولو علمت أنّ هذه حالك

стр. 1697

ما سألتك. فقال: فلا نبخل عليك إذن، ثم أعاد البيتين حتى حفظتهما، فسألته من هو؟ فقال: أنا حاضر، داعية عيسى بن زيد وابنه أحمد. ولم نلبث أن سمعنا صوت الأقفال، فقام فسكب عليه ماء كان عنده في جرّ، ولبس ثوبا نظيفا، ودخل الحرس والجند معهم الشمع، فأخرجنا جميعا، وقدّم قبلي إلى الرشيد، فسأله عن أحمد بن عيسى فقال: لا تسألني عنه واصنع ما أنت صانع، فلو أنه تحت ثوبي هذا ما كشفته عنه؛ فأمر بضرب عنقه فضربت، ثم قال لي: أظنّك قد ارتعت يا إسماعيل، فقلت: دون ما رأيته تسيل منه النفوس، فقال: ردّوه إلى محبسه، فرددت وانتحلت البيتين وزدت فيهما: إذا أنا لم أقبل من الدهر كلّ ما ... تكرّهت منه طال عتبي على الدهر «٧٧٠» - قال أحمد الأحول: لما قبض على محمد بن عبد الملك الزيات تلطّفت في الوصول إليه فرأيته في حديد ثقيل، فقلت: أعزز عليّ بما أرى، فقال: [من الرمل] سل ديار الحيّ ما غيّرها ... وعفاها ومحا منظرها وهي الدنيا إذا ما انقلبت ... صيّرت معروفها منكرها ٧٧١- قال عمر بن الخطاب ﵁: ما أبالي على أيّ حال أصبحت: على ما أحبّ أو على ما أكره، لأني لا أدري الخيرة في أيّهما. «٧٧٢» - قال حكيم: أشدّ الناس مصيبة مغلوب لا يعذر، ومبتلى لا يرحم. ٧٧٣- سئل عليّ ﵇: أيّ شيء أقرب إلى الكفر؟ فقال: ذو فاقة

стр. 1698

«٧٧٤» - أبو جلدة [١] اليشكري: [من البسيط] ما عضّني الدهر إلّا زادني كرما ... ولا استكنت له إن خان أو خدعا وما تزيد [٢] على العلّات معجمتي ... في النائبات إذا ما سيء طبعا ولا يؤبّس [٣] من عودي خوالفه ... إذا المغمّر منها خان [٤] أو خضعا ما يسرّ الله من خير قنعت به ... ولا أموت على ما فاتني جزعا [٥] «٧٧٥» - المتنبي: [من الطويل] كثير حياة المرء مثل قليلها ... يزول وباقي عمره مثل ذاهب إليك فإني لست ممن إذا اتقى ... عضاض الأفاعي نام فوق العقارب «٧٧٦» - أبو الفتح البستي: [من الطويل] فلا تعتقد للحبس غمّا ووحشة ... فأوّل كون المرء في أضيق الحبس ٧٧٧- عبد الله بن المعتز بن المعتز: [من الطويل] وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت صبري على الذلّ ذلّت فقلت لها يا نفس موتي كريمة ... فقد كانت الدنيا لنا ثمّ ولّت

стр. 1699

«٧٧٨» - قال الشيباني: أخبرني صديق لي قال: سمعني شيخ وأنا أشتكي بعض ما غمّني إلى صديق، فأخذ بيدي وقال: يا ابن أخي إياك والشكوى إلى غير الله، فإنه لا يخلو من تشكو إليه أن يكون صديقا أو عدوّا، فأمّا الصديق فتحزنه ولا ينفعك، وأمّا العدوّ فيشمت بك. انظر إلى عيني هذه، وأشار إلى إحدى عينيه، والله ما أبصرت بها شخصا ولا طريقا مذ خمس عشرة سنة، وما أخبرت بها أحدا إلى هذه الغاية. أما سمعت قول العبد الصالح نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ (يوسف: ٨٦) فاجعله مشتكاك ومفزعك عند كلّ نائبة، فإنه أكرم مسؤول وأقرب مدعوّ إليه. «٧٧٩» - ومثله ما روي عن الأحنف بن قيس قال: شكوت إلى عمّي صعصعة ابن معاوية وجعا في بطني، فهزّني ثم قال: يا ابن أخ، إذا نزل بك شيء فلا تشكه إلى أحد، فإنما الناس رجلان: صديق تسوءه وعدوّ تسرّه، والذي بك لا تشكه إلى مخلوق مثلك لا يقدر على دفع مثله عن نفسه، ولكن إلى من ابتلاك به وهو قادر أن يفرّج عنك. يا ابن أخي إحدى عينيّ هاتين ما أبصر بها سهلا ولا جبلا من أربعين سنة وما أطلعت على ذلك امرأتي ولا أحدا من أهلي. «٧٨٠» - شكا رجل إلى آخر الفقر فقال له فضيل: يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك. «٧٨١» - قال الأصمعي: مررت بأعرابية وبين يديها فتى في السّياق، ثم

стр. 1700

رجعت فرأيت بيدها قدح سويق تشربه، فقلت لها: ما فعل الشابّ؟ قالت: واريناه، قلت: ما هذا السويق؟ فقالت: [من الطويل] على كلّ حال يأكل المرء زاده ... على البؤس والضّرّاء والحدثان «٧٨٢» - حدّث معقل بن عليّ قال: كان عندنا بالمدينة رجل من ولد كثير بن الصلت، حسن الوجه، نظيف الثياب، كثير المال، ملازم لمسجد رسول الله ﷺ ، فغلبت عليه المرّة فأحرقته وذهبت بعقله، فكان بعد ذلك يتتبّع المزابل فمررت به يوما وهو على رماد حمّام فقلت: يا ابن كثير عزّ عليّ ما أرى بك فقال: الحمد لله الذي لم يجعلني ساخطا لقضائه وقدره يا أخا الأنصار. «٧٨٣» - روى أهل العراق أنّ عطاء الخراساني كان يغازيهم في سبيل الله، فيقوم الليل، حتى إذا انفجر الصبح نادى بأعلى صوته: يا عبد الرحمن بن يزيد ويا هشام بن الغاز قوموا فصلّوا فإنّ مكابدة هذا الليل الطويل خير من مفظعات [١] النيران والسلاسل والأغلال. النجاء، الوحى الوحى، فلعلّ يا أخا الأنصار ما أنا فيه بدل [٢] من النار. «٧٨٤» - قال أبو القاسم الحسن بن حبيب النيسابوري: دخلت بهراة دار المرضى فإذا شيخ مسلسل، فقلت له: يا شيخ أتريد النجاة مما أنت فيه؟ قال: لا، قلت: ولم؟ قال: لأنّ القلم مرفوع عني فيما أتعاطاه، فإذا نجوت من هذه البليّة أجري عليّ القلم؛ وقد حبست وأطلق عنك وستحبس ويطلق عني.

стр. 1701

«٧٨٥» - سعية [١] بن عريض اليهودي: [من الكامل] إنّ امرءا أمن الحوادث وارتجى ... طول الحياة كضارب بقداح إن أمس قد سدّت عليّ مذاهبي ... أو أمس قد جمدت عليّ لقاحي فلقد أجرّ الخصم يخشى ذرعه ... وأردّ فضل جماحه بجماحي [٢] «٧٨٦» - سعيد بن حميد الكاتب: [من الكامل المجزوء] لا تعتبنّ على النوائب ... فالدهر يرغم كلّ عاتب واصبر على حدثانه ... إنّ الأمور لها عواقب كم نعمة مطوية ... لك أثناء النوائب ومسرّة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب «٧٨٧» - أيوب ﵇ قالت له امرأته: لو دعوت الله أن يشفيك، قال: ويحك كنا في النعماء سبعين عاما، فهلمّي نصبر على الضرّاء مثلها. فلم ينشب إلا يسيرا أن عوفي. ٧٨٨- أعرابيّ: كن حلو الصبر عند مرّ النازلة. «٧٨٩» - العتابي: [من الكامل المرفل]

стр. 1702

اصبر إذا بدهتك نائبة ... ما عال منقطع إلى صبر الصبر أولى ما اعتصمت به ... ولنعم حشو جوانح الصّدر ٧٩٠- قال الملك لبزرجمهر: ما علامة الظفر بالأمور المستصعبة؟ قال: المحافظة على الصبر، وملازمة الطلب، وكتمان السرّ. «٧٩١» - قال الأحنف: لست حليما إنّما أنا صبور. «٧٩٢» - أبو حية النميري: [من البسيط] إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر وقلّ من جدّ في أمر يطالبه ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر «٧٩٣» - يقال: (١) اصبر على عمل لا غنى بك عن ثوابه، وعن عمل لا صبر بك على عقابه. (٢) من لم يتلقّ نوائب الدهر بالصبر طال عتبه عليه. (٣) اصبر لحكم من لا تجد معوّلا إلا عليه ولا مفزعا إلّا إليه. (٤) المحنة إذا تلقيت بالرضى والصبر كانت نعمة دائمة، والنعمة إذا خلت من الشكر كانت نقمة لازمة. ٧٩٤- رستم: حسن الصبر طليعة الظفر. ٧٩٥- علي ﵇: إن كنت جازعا على ما يفلت من يديك فاجزع على كلّ ما لم يصل إليك.

стр. 1703

٧٩٦- أغارت الروم على أربعمائة جاموس لبشير الطبري، فلقيه عبيده الذين كانوا يرعونها ومعهم عصيّهم فقالوا: ذهبت الجواميس، قال: فاذهبوا أنتم معها، أنتم أحرار لوجه الله، وكانت قيمتهم ألف دينار، فقال له ابنه: قد أفقرتنا [١] فقال: اسكت يا بنيّ إنّ الله اختبرني فأحببت أن أزيده. «٧٩٧» - لما دفن عمر بن عبد العزيز ابنه عبد الملك رأى رجلا يتكلّم ويشير بشماله، فصاح به: إذا تكلمت فأشر بيمينك. فقال الرجل: ما رأيت كاليوم رجلا دفن أعزّ الناس عليه ثم هو يهمّه يميني من شمالي. فقال عمر: إذا استأثر الله بشيء فاله عنه. «٧٩٨» - خرج معاوية يوما يسير ومعه عبد العزيز بن زرارة الكلابي، وكان مقدّما في فهمه وأدبه إلى شرفه ومنصبه، فقال له: يا عبد العزيز أتاني نعي سيد شباب العرب، فقال: ابني أم ابنك؟ قال: بل ابنك؟ قال: للموت ما تلد الوالدة. ٧٩٩- هلك لأعرابيّ إبل فقال: إنّ موتا تخطّاني إلى مالي لعظيم النعمة عليّ. «٨٠٠» - هلال بن نضلة الرّبعي: [من الطويل] سبّحت واسترجعت من بعد صدمة ... لها رجفت كبدي ومسّت فؤاديا صبرت فكان الصبر أدنى إلى التقى ... على حزّة قد يعلم الله ما هيا

стр. 1704

٨٠١- قال المحاسبي [١] : لكلّ شيء جوهر، وجوهر الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر. ٨٠٢- بثّ رجل في وجه أبي عبيدة مكروها فقال: [من الطويل] فلو أنّ لحمي إذ وهى لعبت به ... سباع كرام أو ضباع وأذؤب لهوّن وجدي أو لسلّى مصيبتي ... ولكنّ ما أودى بلحمي أكلب «٨٠٣» - آخر: [من الوافر] عذرت البزل إن هي خاطرتني ... فما بالي وبال ابن اللبون ٨٠٤- آخر: [من الطويل] ولا غرو أن يبلى شريف بخامل ... فمن ذنب التنّين تنكسف الشمس «٨٠٥» - بلغ عمرو بن عتبة شماتة قوم به في مصائب فقال: والله لئن عظم مصابنا بموت رجالنا لقد عظمت النعمة علينا بما أبقى الله لنا: شبّانا يشبّون الحروب، وسادة يسدون المعروف، وما خلقنا ومن شمت بنا إلا للموت. «٨٠٦» - السمهري العكلي: [من الطويل] إذا حرسيّ قعقع الباب أرعدت ... فرائص أقوام وطارت قلوبها فإن تك عكل سرّها ما أصابني ... فقد كنت مصبوبا على من يريبها

стр. 1705

«٨٠٧» - الرضيّ: [من الكامل] ولربّما ابتسم الفتى وفؤاده ... شرق الجنان برنّة وعويل ولربما احتمل اللبيب مموّها ... عضّ الزمان ببشره المبذول «٨٠٨» - وله من قصيدة كتب بها إلى الصابي يواسيه وقد ناله ألم المفاصل: [من الطويل] لئن رام قبضا من بنانك حادث ... لقد عاضنا منك انبساط جنان وإن أقعدتك النائبات فطالما ... سرى موقرا من مجدك الملوان وإن هدمت منك الخطوب بمرّها ... فثمّ لسان للمناقب بان وما زلّ منك الرأي والحزم والحجى ... فتأسى إذا ما زلّت القدمان ولو أنّ لي يوما على الدهر إمرة ... وكان لي العدوى على الحدثان خلعت على عطفيك برد شبيبتي ... جوادا بعمري واقتبال زماني وحمّلت ثقل الشيب عنك مفارقي ... وإن قلّ من غيري وغضّ عناني «٨٠٩» - وقال يسلّي أباه عن الحبس: [من الخفيف] ظنّ بالعجز أنّ حبسك ذلّ ... والمواضي تصان بالأغماد ظنّ أنّ المدى يطول وفي الآ ... مال ما لا يعان بالأجداد كلّ حبس يهون عند الليالي ... بعد حبس الأرواح في الأجساد «٨١٠» - الخريمي: [من الطويل] لقد وقّرتني الحادثات فما أرى ... لنائبة من ريبها أتوجّع

стр. 1706

نوادر من هذا الفصل «٨١١» - لما ذهب بصر عمرو بن هدّاب، ودخل عليه الناس يعزّونه، دخل فيهم إبراهيم بن جامع، فقام بين يدي عمرو فقال: يا أبا أسيد لا تجزعنّ من ذهاب عينيك وإن كانتا كريمتيك، فإنك لو رأيت ثوابهما في ميزانك تمنّيت أن يكون الله تعالى قد قطع يديك ورجليك، ودقّ ظهرك، وأدمى ظلفك. قال: فصاح به القوم، وضحك بعضهم، فقال عمرو: معناه صحيح ونيّته حسنة، وإن كان قد أخطأ في اللفظ. «٨١٢» - كان لمحمد بن عبد الملك الزيات برذون أشهب لم ير مثله فراهة وحسنا، فسعي به إلى المعتصم فأخذه منه، فقال محمد بن عبد الملك فيه: [من الكامل] كيف العزاء وقد مضى لسبيله ... عنّا فودّعنا الأحمّ الأشهب دبّ الوشاة فأبعدوك وربّما ... بعد الفتى وهو الأحبّ [١] الأقرب لله يوم نأيت عني ظاعنا ... وسلبت قربك أيّ علق يسلب نفس مقرّبة [٢] أقام فريقها ... ومضى لطيّته فريق يجنب فالآن إذ كملت أداتك كلّها ... ودعا العيون إليك لون [٣] معجب واختير من شرّ الحديد وخيره ... لك خالصا ومن الحليّ الأغرب

стр. 1707

وغدوت طنّان اللجام كأنما ... في كلّ عضو منك صنج يضرب وكأنّ سرجك إذ علاك غمامة [١] ... وكأنما تحت الغمامة كوكب ورأى عليّ بك الصديق جلالة [٢] ... وغدا العدوّ وصدره يتلهّب أنساك لا زالت إذن منسيّة ... نفسي ولا زالت بمثلك تنكب أضمرت فيك اليأس حين رأيتني ... وقوى حبالي من حبالك تقضب ورجعت حين رجعت منك بحسرة ... لله ما فعل الأصمّ الأشيب [٣] ٨١٣- لما خلع المستعين قيل له: اختر بلدا تحلّه، فاختار البصرة، فقيل: هي حارّة، فقال: أترونها أحرّ من فقد الخلافة. ٨١٤- نفق دابة لجنديّ فقيل له: لا تغتمّ فلعلّه خيرة، فقال: لو كان خيرة لكان حيّا وإلى جنبه بغل. ٨١٥- أنشد ابن الأعرابيّ: [من الطويل] وليس بتعزير الأمير خزاية ... عليّ ولا عار إذا لم يكن حدّا وما الحبس إلا ظلّ بيت دخلته ... وما السّوط إلا جلدة صادفت جلدا [٤]

стр. 1708

الباب العشرون ما جاء في العيادة والمرض

стр. 1709

[خطبة الباب] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) * (ربّ أعن واختم بخير [١] ) الحمد لله خالق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا، ومصيب عبده بقضائه المحتوم قدرا منه مقدورا، ومنقله بين السلامة والسقم اختبارا وابتلاء، وجاعل حاليه من نعمة وضرّ علاجا لأدواء القلوب وداء؛ نصب المرء لسهام الرزايا هدفا وغرضا، وبلاه باختلاف أطواره صحة ومرضا، فكان الصابر الراضي أحمدهما عاقبة وأكرمهما عوضا؛ إن أسدى نعمة فبكرمه يوليها، وإن اختبر عباده بنقمة يحلها ضمّن الصلاح في مطاويها؛ وأحمده على تظاهر آلائه، والعافية من عدواء الدهر ولأوائه؛ وأسأله الصلاة على محمد خير أنبيائه، المصطفى من أكرم عنصر بشرف اصطفائه، والمخصوص بكرم اختياره واجتبائه، متخذ التواضع خلقا وطبعا، وعايد الإخوان تكرمة لهم ورفعا، وسنّة يهدي إليها من ائتمّ بهداه، واقتدى بشرف سجاياه، وعلى آله وصحبه، ما همى صيّب من فتوق سحبه.

стр. 1710

(الباب العشرون ما جاء في العيادة والمرض) [أحاديث وأقوال في العيادة والمرض] ٨١٦- قد خفّف الله في المرض عن عباده، ورفع عنهم الجناح فيما افترضه عليهم فقال تعالى في الجهاد: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ (النساء: ١٠٢) وقال تعالى في الصيام: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (البقرة: ١٨٥) وقال في الحج: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (البقرة: ١٩٦) وقال : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ (النور: ٦١) فهذا التخفيف الذي منّ به عوضا عن البلوى وما وعد به من عوض الآخرة أجلّ وأعلى وأبقى. «٨١٧» - قال رسول الله ﷺ وعلى آله: ما من مسلم يمرض مرضا إلّا حطّ الله به عنه خطاياه كما تحطّ الشجرة ورقها. «٨١٨» - وقال أبو عثمان النهدي: دخل على رسول الله ﷺ أعرابيّ ذو جثمان عظيم فقال له: متى عهدك بالحمّى؟ قال: ما أعرفها قال:

стр. 1711

فالصداع؟ قال: ما أدري ما هو، قال: فأصبت بمالك؟ قال: لا، قال: فرزئت بولدك؟ قال: لا، قال: إنّ الله ليبغض العفرية النّفرية الذي لا يرزا في ولده ولا يصاب في ماله. ٨١٩- عاد رسول الله ﷺ مريضا من الأنصار فلما أراد الانصراف أقبل عليه فقال: جعل الله ما مضى كفّارة وأجرا، وما بقي عافية لعلة وذخرا. «٨٢٠» - وعاد صلّى الله عليه وعلى آله آخر فقال: اللهمّ آجره على وجعه، وعافه إلى منتهى أجله. «٨٢١» - وعنه ﷺ : أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له: ألم أصحّ بدنك وأروك من الماء البارد؟ «٨٢٢» - وقال ﷺ : إليك انتهت الأماني يا صاحب العافية. «٨٢٣» - وقال ﷺ : ثلاثة في ظل العرش: عائد المرضى، ومشيع الموتى، ومعزّي الثكلى. «٨٢٤» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: ثلاثة لا يعادون: صاحب الدمل، والرمد، والضرس. «٨٢٥» - دخل عبد الوارث بن سعيد على رجل يعوده فقال له: كيف أنت؟ قال: ما نمت مذ أربعون ليلة، فقال: يا هذا أحصيت أيام البلاء فهل أحصيت أيام الرخاء؟!

стр. 1712

«٨٢٦» - مرض الفضل بن سهل مدة طويلة ثم أبلّ واستقلّ وجلس للناس، فدخلوا عليه وهنّأوه بالعافية، فأنصت لهم حتى تقضّى كلامهم، ثم اندفع فقال: إنّ في العلل نعما لا ينبغي للعقلاء أن يجهلوها، منها تمحيص الذنوب، وتعريض لثواب الصبر، وإيقاظ من الغفلة، واذكار بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء للتوبة، وحضّ على الصدقة. وفي قضاء الله تعالى وقدره بعد الخيار. فانصرف الناس بكلامه وأنسوا ما قال غيره. وقد نسب هذا الكلام بعينه إلى أخيه الحسن في وصف المحن وكتبته في باب التسلّي عن الحوادث. «٨٢٧» - قال أبو بكر بن عبد الله لقوم عادوه فأطالوا القعود: المريض يعاد، والصحيح يزار. «٨٢٨» - وقال الشعبي: عيادة النوكى أشدّ على المريض من وجعه. «٨٢٩» - كاتب: اتصل بي خبر الفترة في إلمامها [١] وانحسارها، ونبأ الشكاة في حلولها وارتحالها، فكادت تعجل القلق بأوّله عن السكون لآخره، وتذهل عادية الحيرة عن عائدة المسرّة في أثنائه، وكان التصرّف في كلتا الحالتين بحسب قدرهما: ارتياعا للأولى وارتياحا للأخرى. «٨٣٠» - واعتلّ بعض إخوان الحسن بن سهل فكتب إليه الحسن: أجدني وإيّاك كالجسم الواحد إذا خصّ عضوا منه ألم عمّ سائره، فعافاني الله

стр. 1713

بعافيتك، وأدام لي الإمتاع بك. [أشعار في الفصد والدواء] «٨٣١» - دخل الأخطل على عبد العزيز بن مروان وهو مريض يعوده فقال: [من الكامل] ونعود سيّدنا وسيّد غيرنا ... ليت التشكّي كان بالعوّاد لو كان يقبل فدية لفديته ... بأناملي وبطارفي وتلادي فقال عبد العزيز: يا غلام أعطه عشرة آلاف درهم، إنّ هؤلاء والله ما يعطونا صافي ما عندهم إلا ليصيبوا خالص ما عندنا. «٨٣٢» - وقال ابن قيس الرقيّات في ابن جعفر: [من الخفيف] قد أتانا بما كرهنا أبو السل ... لاس كانت بنفسه الأوجاع قال ما قال ثم راع قليلا [١] ... أدركت نفسه المنايا السراع قال يشكو الصداع وهو مريض ... بك لا بالذي عنيت الصّداع ٨٣٣- وقال آخر في شارب دواء: [من المنسرح] لا زلت في صحّة من الزّمن ... لا يرتع [٢] السقم منك في بدن وجال نفع الدواء فيك كما ... يجول ماء الربيع في الغصن «٨٣٤» - وقال آخر: [من البسيط] يا فاصدا من يد جلّت أياديها ... ونال منها الرّدى قسرا أعاديها

стр. 1714

يد الندى هي فارفق لا ترق دمها ... فإنّ أرزاق طلّاب النّدى فيها «٨٣٥» - وقال أبو الفرج الببغاء في محبوب افتصد: [من الخفيف] باشرته كفّ الطبيب فلو نل ... ت الأماني قبّلت كفّ الطبيب فعلت في ذراعه ظبة المب ... ضع أفعال لحظه بالقلوب فأسالت دما كأنّ جفوني ... عصفرته بدمعها المسكوب طاب جدا فلو به سمع الده ... ر لأمسى عطري وأصبح طيبي «٨٣٦» - وقال أبو الحسن علي بن هارون المنجم: [من الخفيف] كيف نال العثار من لم يزل من ... هـ مقيلا في كلّ خطب جسيم أو ترقى الأذى إلى قدم لم ... تخط إلّا إلى مقام كريم «٨٣٧» - وقال أبو نواس وقد طال مرضه: [من الخفيف] شعر ميت أتاك من لفظ حيّ ... صار بين الحياة والموت وقفا أنحلت جسمه الحوادث حتى ... كاد عن أعين الحوادث يخفى «٨٣٨» - وله: [من الطويل] أراني مع الأحياء حيّا وأكثري ... على الدهر ميت قد تخرّمه الدهر فما لم يمت مني بما مات ناهض ... فبعضي لبعض دون قبر البلى قبر فيا ربّ قد أحسنت عودا وبدأة ... إليّ فلم ينهض بإحسانك الشكر فمن كان ذا عذر لديك وحجة ... فعذري إقراري بأن ليس لي عذر

стр. 1715

«٨٣٩» - عمارة بن حمزة: [من الكامل المرفل] لا تشكون دهرا صححت به ... إنّ الغنى في صحة الجسم هبك الإمام أكنت منتفعا ... بغضارة الدنيا مع السقم «٨٤٠» - زيد الخيل وقد مرض منصرفه من رسول الله ﷺ وفيها مات من أبيات: [من الطويل] هنالك لو أني مرضت لعادني ... عوائد من لم يشف منهنّ يجهد فليت اللواتي عدنني لم يعدنني ... وليت اللواتي غبن عنّي عوّدي «٨٤١» - قال لقمان: ثلاث فرق يجب على الناس مداراتهم، الملك المسلط، والمريض، والمرأة. «٨٤٢» - كان يقال إذا اشتكى الرجل فعوفي فلم يحدث خيرا ولم يكفّ عن شرّ لقيت الملائكة بعضها بعضا فقالت: إنّ فلانا داويناه فلم ينفعه الدواء. ٨٤٣- وقيل: إذا أكلت قفارك فاذكر العافية واجعلها إدامك. ٨٤٤- ويقال: البحر لا جواز له، والملك لا صديق له، والعافية لا ثمن لها. «٨٤٥» - وقال بزرجمهر: إن كان شيء فوق الحياة فالصحة، وإن كان شيء مثل الحياة فالغنى، وإن كان شيء فوق الموت فالمرض، وإن كان شيء مثل الموت فالفقر.

стр. 1716

٨٤» - وقال جعفر بن محمد ﵉: ثلاث قليلهنّ كثير: النار والفقر والمرض. «٨٤٧» - خرجت قرحة في كف محمد بن واسع فقيل له: إنّا نرحمك منها، فقال: وأنا أشكر الله إذ لم تخرج في عيني. «٨٤٨» - قيل للربيع بن خثيم: لو تداويت، فقال: قد عرفت أنّ الدواء حقّ، ولكنّ عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا كانت فيهم الأوجاع، وكانت لهم الأطباء، فما بقي المداوي ولا المداوى. ٨٤٩- دخل ابن السمّاك على الرشيد [١] في عقب مرض فقال: يا أمير المؤمنين إنّ الله ذكرك فاذكره، وأطلقك فاشكره. «٨٥٠» - دخل عليّ ﵇ على صعصعة بن صوحان عائدا فقال له: والله ما علمتك إلّا خفيف المؤونة، حسن المعونة، فقال صعصعة: وأنت يا أمير المؤمنين إنّ الله في عينك لعظيم، وإنك بالمؤمنين لرحيم، وإنك بكتاب الله لعليم. فلما قام ليخرج قال: يا صعصعة لا تجعل عيادتي فخرا على قومك، فإنّ الله لا يحبّ كلّ مختال فخور. وروي: لا تتخذها أبّهة على قومك أن عادك أهل بيت نبيّك. «٨٥١» - اعتلّ المسور فجاءه ابن عباس نصف النهار يعوده، فقال المسور: هلّا ساعة غير هذه؟ قال: إنّ أحبّ الساعات إليّ أن أؤدّي فيها

стр. 1717

الحقّ إليك أشقّها عليّ. «٨٥٢» - عاد سفيان فضيلا فقال: يا أبا محمد وأيّ نعمة في المرض لولا العوّاد؟ قال: وأيّ شيء تكره من العوّاد؟ قال: الشكيّة. ٨٥٣- قيل لرجل من عبد القيس في مرضه أوصنا، قال: أنذركم سوف ... ٨٥٤- اعتلّ الفضل بن يحيى فكان إسماعيل بن صبيح الكاتب إذا أتاه عائدا لم يزد على السلام والدعاء، ويخفف الجلوس، ثم يلقى حاجبه فيسأله عن حاله ومأكله ومشربه ونومه، وكان غيره يطيل الجلوس، فلما أفاق قال: ما عادني في علتي هذه إلا إسماعيل بن صبيح. «٨٥٥» - قال قبيصة بن ذؤيب: كنّا نسمع نداء عبد الملك من وراء الحجرة في مرضه: يا أهل النعم لا تستقلّوا شيئا من النعم مع العافية. «٨٥٦» - وروي أنه لما حضرته الوفاة أمر فصعد به إلى أعلى سطح في داره فقال: يا دنيا ما أطيب ريحك، يا أهل العافية لا تستقلّوا منها شيئا. «٨٥٧» - علي بن العبّاس النوبختي: [من المنسرح] كيف رأيت الدواء أعقبك ال ... له شفاء به من السّقم أئن تخطّت إليك نائبة ... مشت جميع القلوب بالألم فالدهر لا بدّ محدث طبعا ... في صفحتي كلّ صارم خذم «٨٥٨» - القصافي في الفصد: [من الطويل] أرقت دما لو تسكب المزن مثله ... لأصبح وجه الأرض أخضر زاهيا

стр. 1718

دما طيبا لو يطلق الدين شربه ... لكان من الأسقام للناس شافيا «٨٥٩» - أبو النجم العجلي [١] : [من الرجز] والمرء كالحالم في المنام ... يقول إني مدرك أمامي من قابل ما فاتني في العام ... والمرء يدنيه إلى الحمام مرّ الليالي السود والأيام ... إنّ الفتى يصبح للأسقام كالغرض المنصوب للسهام ... أخطأ رام وأصاب رام «٨٦٠» - وقال محمد بن هانىء في الفصد: [من الكامل] ما حقّ كفّك أن تمدّ لمبضع ... من بعد زعزعة القنا الأملود ما كان ذاك جزاءها بمجالها ... بين الندى والطعنة الأخدود لو ناب عنها فصد شيء غيرها ... لوقيت معصمها بحبل وريدي

стр. 1719

نوادر من هذا الباب «٨٦١» - كان بالمدينة عجوز شديدة العين لا تنظر إلى شيء تستحسنه إلا عانته، فدخلت على أشعب وهو مريض في الموت، وهو يقول لبنته: يا بنيّة إذا متّ فلا تندبيني والناس يسمعونك، وتقولين واأبتاه أندبك للصوم والصلاة، للفقه والقرآن، فيكذّبك الناس ويلعنوني. والتفت أشعب فرأى المرأة فغطّى وجهه بكمّه وقال لها: يا فلانة، بالله إن كنت استحسنت شيئا مما أنا فيه فصلّي على النبي ﵇ ولا تهلكيني، فغضبت المرأة وقالت: سخنت عينك، وفي أيّ شيء أنت مما يستحسن؟ أنت في آخر رمق، قال: قد علمت، ولكن قلت لا تكونين قد استحسنت خفّة الموت عليّ وسهولة النزع، فيشتدّ ما أنا فيه. فخرجت من عنده وهي تشتمه، وضحك من كان حوله من كلامه، ثم مات. ٨٦٢- كان لنا صديق يعرف بأبي نصر الكلوذاني ويلقّب بالرّفشعر- جمعا بين رفاء وشاعر- مرض بواسط فأشفى، وسمع أخوه وهو ببغداد خبره فانحدر ظنّا أنه يموت فيحوز ميراثه، فلما وصل إليه وجده قد أبلّ فقال: يا أخي ما جاء بك؟ قال: سمعت بمرضك فجئت أعودك وأمرّضك، فقال: عد يا أخي فإنّ الحاجة ما قضيت. ٨٦٣- مرض الأعمش فعاده رجل وأطال الجلوس، فقال: يا أبا محمد ما أشدّ شيء مرّ عليك في علتك هذه؟ قال: دخولك اليّ، وقعودك عندي.

стр. 1720

«٨٦٤» - ودخل عليه أبو حنيفة يعوده فقال له: يا أبا محمد لولا أنه يثقل عليك لعدتك في كلّ يوم، فقال له: أنت تثقل عليّ وأنت في بيتك فكيف في بيتي؟ ٨٦٥- وعاده آخر فقال له: كيف نجدك؟ فقال: في جهد من رؤيتك، قال: ألبسك الله العافية، قال: نعم منك. «٨٦٦» - مرض مزيد فعاده رجل فقال له: احتم، قال: يا هذا أنا ما أقدر على شيء إلا على الأماني أفأحتمي منها؟! «٨٦٧» - دخل على الجماز رجل يعوده من مرضه، فلما نهض قال للجمّاز: تأمر بشيء؟ قال: نعم، بترك العودة. ٨٦٨- كان إسماعيل بن عليّة أحمق، فعاد مريضا، وقد كان مات لأهل المريض [١] رجل فلم يعلموه بموته، فقال إسماعيل: يهون عليكم إذا مات هذا أن لا تعلموني أيضا؟! «٨٦٩» - أصابت سعيدا الدارمي قرحة في صدره، فدخل عليه بعض أصدقائه يعوده، فرآه قد نفث نفثا أخضر، فقال له: أبشر فقد اخضرّت القرحة وعوفيت، فقال: هيهات والله لو نفثت كلّ زمرّدة في الأرض ما أفلتّ منها. ٨٧٠- أصاب حمزة بن بيض حصر، فدخل عليه قوم يعودونه وهو في
следующие страницы →