٨٤»
- وقال جعفر بن محمد ﵉: ثلاث قليلهنّ كثير: النار والفقر والمرض.
«٨٤٧» - خرجت قرحة في كف محمد بن واسع فقيل له: إنّا نرحمك منها، فقال: وأنا أشكر الله إذ لم تخرج في عيني.
«٨٤٨» - قيل للربيع بن خثيم: لو تداويت، فقال: قد عرفت أنّ الدواء حقّ، ولكنّ عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا كانت فيهم الأوجاع، وكانت لهم الأطباء، فما بقي المداوي ولا المداوى.
٨٤٩- دخل ابن السمّاك على الرشيد [١] في عقب مرض فقال: يا أمير المؤمنين إنّ الله ذكرك فاذكره، وأطلقك فاشكره.
«٨٥٠» - دخل عليّ ﵇ على صعصعة بن صوحان عائدا فقال له:
والله ما علمتك إلّا خفيف المؤونة، حسن المعونة، فقال صعصعة: وأنت يا أمير المؤمنين إنّ الله في عينك لعظيم، وإنك بالمؤمنين لرحيم، وإنك بكتاب الله لعليم.
فلما قام ليخرج قال: يا صعصعة لا تجعل عيادتي فخرا على قومك، فإنّ الله لا يحبّ كلّ مختال فخور. وروي: لا تتخذها أبّهة على قومك أن عادك أهل بيت نبيّك.
«٨٥١» - اعتلّ المسور فجاءه ابن عباس نصف النهار يعوده، فقال المسور: هلّا ساعة غير هذه؟ قال: إنّ أحبّ الساعات إليّ أن أؤدّي فيها
стр. 1717
الحقّ إليك أشقّها عليّ.
«٨٥٢» - عاد سفيان فضيلا فقال: يا أبا محمد وأيّ نعمة في المرض لولا العوّاد؟ قال: وأيّ شيء تكره من العوّاد؟ قال: الشكيّة.
٨٥٣- قيل لرجل من عبد القيس في مرضه أوصنا، قال: أنذركم سوف ...
٨٥٤- اعتلّ الفضل بن يحيى فكان إسماعيل بن صبيح الكاتب إذا أتاه عائدا لم يزد على السلام والدعاء، ويخفف الجلوس، ثم يلقى حاجبه فيسأله عن حاله ومأكله ومشربه ونومه، وكان غيره يطيل الجلوس، فلما أفاق قال: ما عادني في علتي هذه إلا إسماعيل بن صبيح.
«٨٥٥» - قال قبيصة بن ذؤيب: كنّا نسمع نداء عبد الملك من وراء الحجرة في مرضه: يا أهل النعم لا تستقلّوا شيئا من النعم مع العافية.
«٨٥٦» - وروي أنه لما حضرته الوفاة أمر فصعد به إلى أعلى سطح في داره فقال: يا دنيا ما أطيب ريحك، يا أهل العافية لا تستقلّوا منها شيئا.
«٨٥٧» - علي بن العبّاس النوبختي: [من المنسرح]
كيف رأيت الدواء أعقبك ال ... له شفاء به من السّقم
أئن تخطّت إليك نائبة ... مشت جميع القلوب بالألم
فالدهر لا بدّ محدث طبعا ... في صفحتي كلّ صارم خذم
«٨٥٨» - القصافي في الفصد: [من الطويل]
أرقت دما لو تسكب المزن مثله ... لأصبح وجه الأرض أخضر زاهيا
стр. 1718
دما طيبا لو يطلق الدين شربه ... لكان من الأسقام للناس شافيا
«٨٥٩» - أبو النجم العجلي [١] : [من الرجز]
والمرء كالحالم في المنام ... يقول إني مدرك أمامي
من قابل ما فاتني في العام ... والمرء يدنيه إلى الحمام
مرّ الليالي السود والأيام ... إنّ الفتى يصبح للأسقام
كالغرض المنصوب للسهام ... أخطأ رام وأصاب رام
«٨٦٠» - وقال محمد بن هانىء في الفصد: [من الكامل]
ما حقّ كفّك أن تمدّ لمبضع ... من بعد زعزعة القنا الأملود
ما كان ذاك جزاءها بمجالها ... بين الندى والطعنة الأخدود
لو ناب عنها فصد شيء غيرها ... لوقيت معصمها بحبل وريدي
стр. 1719
نوادر من هذا الباب
«٨٦١» - كان بالمدينة عجوز شديدة العين لا تنظر إلى شيء تستحسنه إلا عانته، فدخلت على أشعب وهو مريض في الموت، وهو يقول لبنته: يا بنيّة إذا متّ فلا تندبيني والناس يسمعونك، وتقولين واأبتاه أندبك للصوم والصلاة، للفقه والقرآن، فيكذّبك الناس ويلعنوني. والتفت أشعب فرأى المرأة فغطّى وجهه بكمّه وقال لها: يا فلانة، بالله إن كنت استحسنت شيئا مما أنا فيه فصلّي على النبي ﵇ ولا تهلكيني، فغضبت المرأة وقالت: سخنت عينك، وفي أيّ شيء أنت مما يستحسن؟ أنت في آخر رمق، قال: قد علمت، ولكن قلت لا تكونين قد استحسنت خفّة الموت عليّ وسهولة النزع، فيشتدّ ما أنا فيه.
فخرجت من عنده وهي تشتمه، وضحك من كان حوله من كلامه، ثم مات.
٨٦٢- كان لنا صديق يعرف بأبي نصر الكلوذاني ويلقّب بالرّفشعر- جمعا بين رفاء وشاعر- مرض بواسط فأشفى، وسمع أخوه وهو ببغداد خبره فانحدر ظنّا أنه يموت فيحوز ميراثه، فلما وصل إليه وجده قد أبلّ فقال: يا أخي ما جاء بك؟ قال: سمعت بمرضك فجئت أعودك وأمرّضك، فقال: عد يا أخي فإنّ الحاجة ما قضيت.
٨٦٣- مرض الأعمش فعاده رجل وأطال الجلوس، فقال: يا أبا محمد ما أشدّ شيء مرّ عليك في علتك هذه؟ قال: دخولك اليّ، وقعودك عندي.
стр. 1720
«٨٦٤» - ودخل عليه أبو حنيفة يعوده فقال له: يا أبا محمد لولا أنه يثقل عليك لعدتك في كلّ يوم، فقال له: أنت تثقل عليّ وأنت في بيتك فكيف في بيتي؟
٨٦٥- وعاده آخر فقال له: كيف نجدك؟ فقال: في جهد من رؤيتك، قال: ألبسك الله العافية، قال: نعم منك.
«٨٦٦» - مرض مزيد فعاده رجل فقال له: احتم، قال: يا هذا أنا ما أقدر على شيء إلا على الأماني أفأحتمي منها؟! «٨٦٧» - دخل على الجماز رجل يعوده من مرضه، فلما نهض قال للجمّاز:
تأمر بشيء؟ قال: نعم، بترك العودة.
٨٦٨- كان إسماعيل بن عليّة أحمق، فعاد مريضا، وقد كان مات لأهل المريض [١] رجل فلم يعلموه بموته، فقال إسماعيل: يهون عليكم إذا مات هذا أن لا تعلموني أيضا؟! «٨٦٩» - أصابت سعيدا الدارمي قرحة في صدره، فدخل عليه بعض أصدقائه يعوده، فرآه قد نفث نفثا أخضر، فقال له: أبشر فقد اخضرّت القرحة وعوفيت، فقال: هيهات والله لو نفثت كلّ زمرّدة في الأرض ما أفلتّ منها.
٨٧٠- أصاب حمزة بن بيض حصر، فدخل عليه قوم يعودونه وهو في
стр. 1721
كرب القولنج، إذ ضرط رجل منهم فقال حمزة: من هذا المنعم عليه؟
«٨٧١» - رأى رجل قوما يعودون عليلا فعزاهم فقالوا: لم يمت بعد، فقام وهو يقول: يموت إن شاء الله.
«٨٧٢» - مرض حماد عجرد فعاده أصدقاؤه جميعا إلّا مطيع بن إياس، وكان خاصّا به، فكتب إليه: [من الوافر]
كفاك عيادتي من كان يرجو ... ثواب الله في صلة المريض
فإن تحدث لك الأيّام سقما ... يحول جريضه دون القريض
يكن طول التأؤّه منك عندي ... بمنزلة الطنين من البعوض
«٨٧٣» - دخل عبد الله بن جعفر على عبد الملك بن مروان وهو يتأوّه فقال: يا أمير المؤمنين لو أدخلت عليك من يؤنسك بأحاديث العرب وفنون الأسمار.
قال: لست صاحب هزل، والجدّ مع علّتي أحجى بي، قال: وما علّتك يا أمير المؤمنين؟ قال: هاج بي عرق النّسا في ليلتي هذه فبلغ منّي، قال: فإنّ بديحا أرقى الخلق منه، فوجّه إليه عبد الملك. فلما مضى الرسول إليه أسقط في يدي ابن جعفر وقال: كذبة قبيحة عند خليفة؛ فما كان بأسرع من أن طلع بديح، فقال له عبد الملك: كيف رقيتك من عرق النّسا؟ قال: أرقى الخلق يا أمير المؤمنين. فسرّي عن عبد الله بن جعفر لأنّ بديحا كان صاحب فكاهة يعرف بها، فمدّ رجله فتفل عليها ورقاها مرارا؛ فقال عبد الملك: الله أكبر وجدت والله خفّا، يا غلام ادع فلانة حتى تكتب الرقية فإنّا لا نأمن من هيجها بالليل، فلا نذعر بديحا. فلما جاءت الجارية قال بديح: يا أمير المؤمنين امرأته الطلاق إن
стр. 1722
كتبتها حتى تعجّل حبائي، فأمر له بأربعة آلاف درهم. فلما صارت بين يديه قال: وامرأته الطلاق إن كتبتها حتى يصير المال في منزلي؛ فلما أحرزه قال: يا أمير المؤمنين وامرأته الطلاق إن كنت قرأت على رجلك إلا أبيات نصيب: [من الطويل]
ألا إنّ ليلى العامرية أصبحت ... على النأي مني ذنب غيري تنقم
وهي أبيات مشهورة. قال: ويلك ما تقول؟ قال: امرأته الطلاق إن كان رقاك إلّا بما قال، قال: فاكتمها عليّ. قال: وكيف وقد سارت بها البرد إلى أخيك بمصر، فضحك عبد الملك حتى فحص برجله.
«٨٧٤» - دخل على محمد بن مغيث المغربي بعض إخوانه يعوده في مرضه الذي مات فيه، وكان ابن مغيث مستهترا [١] بالخمر، فقال له: هل تقدر على النهوض لو رمته؟ فقال: لو شئت مشيت من ها هنا إلى حانوت أبي زكريا النباذ، قال: فألّا قلت إلى الجامع؟ قال: لكلّ امرىء ما نوى، قال: ولكلّ امرىء من دهره ما تعوّدا.
٨٧٥- دخل ابن مكرم على أبي العيناء يعوده فقال: ارتفع فديتك، فقال:
رفعك الله إليه، أي أماتك.
«٨٧٦» - كان لرجل غلام من أكسل الناس، فأمره بشراء عنب وتين، فأبطأ ثم جاء بأحدهما، فضربه وقال: ينبغي لك إذا استقضيتك حاجة أن تقضي حاجتين. ثم مرض فأمره أن يأتي بطبيب، فجاء به وبرجل آخر، فسأله: من هذا فقال: أما ضربتني وأمرتني أن أقضي حاجتين في حاجة؟ جئتك بطبيب
стр. 1723
فإن رجاك وإلا حفر هذا قبرك، فهذا طبيب وهذا حفّار.
«٨٧٧» - عاد أعرابيّ أعرابيّا فقال له: بأبي أنت وأمي بلغني أنك مريض، فضاق عليّ والله الفضاء لعريض، فأردت إتيانك فلم يكن بي نهوض، فلما حملتني رجلاي، ولساء ما تحملان، جئتك بجرزة شيح ما مسّها عرنين قطّ، فاشممها واذكر نجدا، فهو الشفاء بإذن الله.
«٨٧٨» - ابن الحجاج: [من الرمل المجزوء]
أيها النزلة بيني ... واصعدي [١] فوق لهاتي
ودعي حلقي بحقي ... فهو دهليز حياتي
٨٧٩- دخل الخليل على مريض نحوي وعنده أخ له فقال للمريض: افتح عيناك، وحرّك شفتاك، فإنّ أبو محمد جالسا، فقال: إني أرى أنّ أكثر علّة أخيك من كلامك [٢] .
стр. 1724
الباب الحادي والعشرون في المودّة والإخاء والمعاشرة والاستزارة
стр. 1725
[خطبة الباب]
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) *
(بّ أعن [١] ) الحمد لله جامع أهواء القلوب بعد شتاتها، وواصل حبال المودّة بعد بتاتها، الذي منّ على المؤمنين بأن جعلهم بعد الفرقة إخوانا، ووعدهم على التآلف مغفرة ورضوانا، وبعث رسوله من أكرم محتد وأطهر ميلاد، فأطفأ ببعثته نيران الإحن والأحقاد؛ أرسله والكفر ممتدّ الرواق، والعرب قائمة حربها على ساق، قد جبلت قلوبها على الافتراق، ودانت فيما بينها بالتباين والشّقاق، فدعاهم إلى منار الهدى، وأنقذهم من هوّة الرّدى، لاءم بين نفوس أعيت من قبله على داعيها، واستقاد بعد النفرة عاصي شاردها وآبيها، فجمعهم على المودّة والصفاء، وأزال عنهم كلفة الضغينة والشحناء، فأصبحوا بنعمة الله إخوانا، وعادوا بفضله بعد العداء خلّانا، صلّى الله عليه وعلى آله، صلاة تضاهي شرف مبعثه ومآله.
стр. 1726
(الباب الحادي والعشرون في المودة والإخاء والمعاشرة والاستزارة)
[أحاديث وأقوال في المودة والإخاء]
٨٨٠- المودة والإخاء سبب للتآلف، والتآلف سبب القوة، والقوة حصن منيع وركن شديد، بها يمنع الضيم، ويدرك الوتر، وتنال الرغائب، وتنجح المطالب. وقد امتنّ الله على قوم وذكّرهم نعمته عندهم بأن جمع قلوبهم على الصفاء، وردّها بعد الفرقة إلى الألفة والإخاء، فقال: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
(آل عمران: ١٠٣) ، ووصف نعيم الجنة وما أعدّ فيها من الكرامة لأوليائه فكان منها أن جعلهم إخوانا على سرر متقابلين.
«٨٨١» - قال رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله: أكثروا من إلاخوان فإنّ ربّكم حييّ كريم يستحي أن يعذّب عبده بين إخوانه.
«٨٨٢» - وقد سنّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم الإخاء وندب إليه إذ آخى بين أصحابه. روى زيد بن أبي أوفى قال: دخلت على رسول الله ﷺ مسجده
стр. 1727
فقال: أين فلان بن فلان؟ فجعل ينظر في وجوه أصحابه ويتفقدهم ويبعث إليهم حتى توافوا عنده، فلما توافوا عنده حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنّي محدّثكم حديثا فاحفظوه وعوه، وحدّثوا به من بعدكم. إنّ الله اصطفى من خلقه خلقا يدخلهم الجنة ثم تلا اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ
(الحج: ٧٥) وإني أصطفي منكم من أحبّ أن أصطفيه، ومواخ بينكم كما آخى الله بين ملائكته. قم يا أبا بكر فاجث بين يديّ، فإنّ لك عندي يدا الله يجزيك بها، فلو كنت متخذا خليلا لاتخذتك خليلا، فأنت مني بمنزلة قميصي من جسدي. ثم تنحّى أبو بكر، ثم قال: ادن يا عمر، فدنا منه فقال:
لقد كنت شديد الشغب علينا أبا حفص، فدعوت الله أن يعزّ الإسلام بك أو بأبي جهل بن هشام، ففعل الله ذلك بك، وكنت أحبّ إلى الله، فأنت معي في الجنة ثالث ثلاثة من هذه الأمة. ثم تنحّى عمر ثم آخى بينه وبين أبي بكر. ثم دعا عثمان فقال: ادن أبا عمرو، ادن أبا عمرو، ادن أبا عمرو، فلم يزل يدنو منه حتى ألصق ركبتيه بركبتيه، فنظر رسول الله ﷺ إلى السماء فقال: سبحان الله العظيم، ثلاث مرات، ثم نظر إلى عثمان وكانت أزراره محلولة فزرّها رسول الله ﷺ بيده ثم قال: اجمع عطفي ردائك على نحرك. ثم قال: إنّ لك شأنا في أهل السماء، أنت ممن يرد عليّ حوضي وأوداجه تشخب دما، فأقول: من فعل بك هذا؟ فتقول: فلان وفلان، وذلك كلام جبريل، إذا هاتف يهتف من السماء فقال: ألا إنّ عثمان أمير على كلّ مخذول. ثم تنحّى عثمان، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: ادن يا أمين الله، أنت أمين الله وتسمّى في السماء الأمين، يسلطك الله على مالك بالحق. أما إنّ لك عندي دعوة قد وعدتكها وقد أخرّتها. قال خر لي يا رسول الله، قال: حملتني يا عبد الرحمن أمانة. ثم قال: إنّ لك شأنا يا عبد الرحمن، أما إنه أكثر الله مالك، وجعل يقول بيده هكذا وهكذا، ووصف حسين بن محمد: جعل يحثو بيده ثم تنحّى عبد الرحمن، ثم آخى بينه وبين عثمان. ثم دعا طلحة والزبير فقال لهما: ادنوا مني
стр. 1728
فدنوا منه فقال لهما: أنتما حواريّ كحواريّ عيسى بن مريم، ثم آخى بينهما.
ثم دعا عمار بن ياسر وسعدا فقال: يا عمار، تقتلك الفئة الباغية، وآخى بينه وبين سعد. ثم دعا عويمر بن زيد أبا الدرداء وسلمان الفارسي فقال: يا سلمان، أنت منا أهل البيت، وقد آتاك الله العلم الأوّل والآخر والكتاب الآخر، ثم قال: ألا أرشدك يا أبا الدرداء؟ قال: بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال:
إن تنتقدهم ينتقدوك [١] ، وإن تتركهم لا يتركوك، وإن تهرب منهم يدركوك [٢] ، فاقرضهم عرضك ليوم فقرك، واعلم أنّ الجزاء أمامك، ثم آخى بينه وبين سلمان. ثم نظر في وجوه أصحابه فقال: أبشروا وقرّوا عينا، أنتم أوّل من يرد عليّ حوضي وأنتم في أعلى الغرف. ثم نظر إلى عبد الله بن عمر فقال: الحمد لله الذي يهدي من الضلالة، ويلبس الصلاة على من يحبّ. فقال عليّ: لقد ذهب روحي وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت بأصحابك ما فعلت غيري، فإن كان هذا من سخط عليّ فلك العتبى والكرامة، فقال رسول الله ﷺ : والذي بعثني بالحقّ ما أخّرتك إلّا لنفسي، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبيّ بعدي، وأنت أخي ووارثي. قال: وما أرث منك يا نبيّ الله؟ قال: ما ورثت الأنبياء من قبلي. قال: وما ورثت الأنبياء من قبلك؟ قال: كتاب ربهم وسنّة نبيّهم، وأنت معي في قصري في الجنة مع فاطمة ابنتي، وأنت أخي ورفيقي. ثم تلا رسول الله ﷺ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ
(الحجر: ٤٧) المتحابين في الله ينظر بعضهم إلى بعض.
«٨٨٣» - وقال ﷺ : المؤمن مرآة أخيه المؤمن، لا يخذله ولا يخونه ولا يعيبه
стр. 1729
ولا يمكر به، ولا يدفعه مدفع سوء ليغشّه فيه، ولا يحلّ له من ماله إلّا ما أعطاه من طيبة نفسه. وتمام الخبر في غير المعنى.
«٨٨٤» - وقال ﷺ : إنما المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى عضو من أعضائه اشتكى له جسده أجمع، وإذا اشتكى المؤمن اشتكى له المؤمنون.
«٨٨٥» - وفي خبر عن النبيّ ﷺ : المرء كثير بأخيه.
[إخوان السوء وإخوان الخير]
«٨٨٦» - وقال عمر بن الخطاب ﵁: عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء وعدّة في البلاء.
«٨٨٧» - وحقّ ما قيل: القرابة تفتقر إلى المودّة، وليست المودّة مفتقرة إلى القرابة، فإنّ المودة إذا صدقت لم يكن بين الخليلين امتياز في مال ولا جاه، ولا مسرّة ولا مساءة. والقرابة إذا خلت من الودّ استدعت القطيعة، فكانت العداوة بها أشدّ من عداوة الأباعد. وما أجود قول أبي فراس ابن حمدان في نحو هذا المعنى: [من الطويل]
وهل أنا مسرور بقرب أقاربي ... إذا كان لي منهم قلوب الأباعد
ومن هذا المعنى قول جعفر بن محمد: ولائي لأمير المؤمنين عليّ ﵇ أحبّ إليّ من ولادتي منه.
стр. 1730
«٨٨٨» - وقد قال محمد بن علي بن الحسين يوما لأصحابه: أيدخل أحدكم يده في كمّ صاحبه فيأخذ حاجته من الدنانير والدراهم؟ قالوا: لا، قال: فلستم إذن بإخوان.
«٨٨٩» - وقال جعفر بن محمد: من حقّ أخيك أن تحمل له الظلم في ثلاث مواقف: عند الغضب، وعند الدالة، وعند الهفوة. وروي نحوه عن الأحنف بل هو المعنى بعينه.
٨٩٠- ونظر فيثاغورس الحكيم إلى رجلين لا يكادان يفترقان فقال: أيّ قرابة بين هذين؟ فقيل له: ليس بينهما قرابة ولكنهما متصادقان، قال: فلم صار أحدهما فقيرا والآخر غنيّا؟ يريد لو كانا صديقين لتواسيا.
«٨٩١» - وإلى هذا المعنى نظر إبراهيم بن العباس في قوله: [من الطويل]
ولكنّ عبد الله لما حوى الغنى ... وصار له من بين إخوانه [١] مال
رأى خلّة من حيث يخفى مكانها ... فساهمهم حتى استوت بهم الحال
«٨٩٢» - وقال علي بن أبي طالب ﵇: لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته، وغيبته، ووفاته. هذه هي الخلة المحمودة والمودة المندوب إليها والمحافظة عليها.
стр. 1731
٨٩٣- ومن كلامه ﵇: أيها الناس إنه لا يستغني الرجل وإن كان ذا مال عن عشيرته، ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم، وهم أعظم الناس حيطة من ورائه، وألمهم لشعثه، وأعطفهم عليه عند نازلة إن نزلت به. ألا لا يعدلنّ أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدّها بالذي لا يزيده إن أمسكه، ولا ينقصه إن أهلكه، ومن يقبض يده عن عشيرته فإنما يقبض عنهم يدا واحدة وتقبض منهم عنه أيد كثيرة. ومن لم يلن جانبه لم يستدم [١] من قومه المودة. فرأى حفظ العشيرة وتألّفها بالمودة.
«٨٩٤» - وكذلك أوصى عبد الملك بن مروان عند موته بنيه لما رأى أنّ الرحم لا تنفعهم إلا بالتآلف والتوازر، والقرابة لا يحفظها إلا التودّد والتناصر، وأنشدهم متمثلا: [من الكامل]
انفوا الضغائن والتحاسد بينكم ... عند المغيب وفي حضور المشهد
بصلاح ذات البين طول بقائكم ... إن مدّ في عمري وإن لم يمدد
فلمثل ريب الدهر ألّف بينكم ... بتواصل وتراحم وتودّد
إنّ القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو حنق وبطش أيّد
عزّت فلم تكسر وإن هي بدّدت ... فالوهن والتكسير للمتبدّد
«٨٩٥» - قال عبد الله بن شداد بن الهاد لابنه: لا تؤاخ أحدا حتى تعاشره،
стр. 1732
وتتفقد موارد أمره ومصادره، فإذا استطبت العشرة، ورضيت بالخبرة، فآخه على إقالة العثرة، والمواساة في العشرة، وكن كما قال أبو يزيد [١] العدوي (ويروى لعبد الله بن معاوية الجعفري) : [من الكامل]
ابل الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسّمنّ أمورهم وتفقّد
فإذا ظفرت بذي الديانة والتّقى ... فبه اليدين قرير عين فاشدد
ومتى يزلّ ولا محالة زلّة ... فعلى أخيك بفضل حلمك فاردد
«٨٩٦» - وكان عمر بن عبد العزيز ينشد في ذلك: [من الكامل المرفل]
وإذا أخ لي حال عن خلق ... داويت منه ذاك بالرّفق
إنّي لأمنح من يواصلني ... مني صفاء ليس بالمذق
والمرء يصنع نفسه ومتى ... ما تبله ينزع إلى العرق
«٨٩٧» - وقال علي ﵇: المودة قرابة مستجدّة. وقد ذكر الله أهل جهنم وما يلقون فيها من الحسرة والأسف، ويعانون من الكمد واللهف، إذ يقولون فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ
(الشعراء: ١٠٠- ١٠١) .
«٨٩٨» - وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس.
стр. 1733
٨٩٩- وقال أنس بن مالك: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعليّ ﵇: يا عليّ استكثر من المعارف من المؤمنين، فكم من معرفة في الدنيا بركة في الآخرة. فمضى عليّ فأقام حينا لا يلقى أحدا إلّا اتخذه للآخرة، ثم جاء بعد، فقال له رسول الله ﷺ : ما فعلت فيما أمرتك؟ قال: قد فعلت يا رسول الله، فقال له: اذهب فابل أخبارهم، فأتى عليّ النبيّ ﷺ وهو منكس رأسه، فقال له، وتبسّم: ما أحسب يا عليّ ثبت معك إلّا أبناء الآخرة، فقال له عليّ: لا والذي بعثك بالحقّ، فقال له النبي ﵇: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
(الزخرف: ٦٧) يا عليّ أقبل على شأنك، واملك لسانك، واعقل من تعاشر من أهل زمانك، تكن سالما غانما.
٩٠٠- قال صاحب كليلة ودمنة: لا يحقرنّ الكبير مودة صغير المنزلة، فإنّ الصغير ربما عظم فعظّم، كالعقب يؤخذ من الميتة فإذا عملت به القوس أكرمت، واتخذها الملك لبأسه.
«٩٠١» - وقال عليّ بن الحسين ﵉: لا تعادينّ أحدا وإن ظننت أنّه لا يضرّك، ولا تزهدنّ في صداقة أحد وإن ظننت أنه لا ظننت أنه لا ينفعك، فإنك لا تدري متى ترجو صديقك، ولا تدري متى تخاف عدوّك، ولا يعتذر إليك أحد إلّا قبلت عذره، وإن علمت أنّه كاذب.
«٩٠٢» - وقال الشاعر: [من المتقارب]
وما المرء إلّا بأعوانه ... كما تقبض الكفّ بالمعصم
ولا خير في الكفّ مقطوعة ... ولا خير في الساعد الأجذم
«٩٠٣» - وقال آخر: [من الطويل]
стр. 1734
تثاقلت إلّا عن يد أستفيدها ... وخلّة ذي ودّ أشدّ به أزري
«٩٠٤» - ونظر إلى معنى [١] كلام فيثاغورس بعض العرب فقال: [من الطويل]
عجبت لبعض الناس يبذل ودّه ... ويمنع ما ضمّت عليه الأصابع
إذا أنا أعطيت الخليل مودّتي ... فليس لمالي بعد ذلك مانع
«٩٠٥» - واختر صديقك ملائما لشكلك، مناسبا لطبعك، فإنّ التباين والتنائي لقاح المقت وداعية القلى؛ وقد قيل: الصاحب كالرقعة في الثوب فاطلبه مشاكلا.
«٩٠٦» - وقال عبد بني الحسحاس: [من الطويل]
فإن تقبلي بالودّ أقبل بمثله ... وإن تدبري أدبر على حال باليا
ألم تعلمي أنّي قليل لبانتي ... إذا لم يكن شيء لشيء مؤاتيا
«٩٠٧» - وارتده قليل التلوّن، فإنّ الزمان لا يثبت على حالة، وأخلق به إذا لم يكن محافظا أن يدور مع الدهر كيفما دار، واحذر أن تكون منه على قول زهير: [من الوافر]
لعمرك والخطوب مغيّرات ... وفي طول المعاشرة التّقالي
«٩٠٨» - وسأل رجل عليّا ﵇ عن الإخوان فقال: الإخوان
стр. 1735
صنفان: إخوان الثقة، وإخوان المكاثرة؛ فأما إخوان الثقة فهم الكهف والجناح والأهل والمال، فإذا كنت من صاحبك على حدّ الثقة فابذل له مالك ويدك، وصاف من صافاه، وعاد من عاداه، واكتم سرّه وغيبه، وأظهر منه الحسن.
واعلم أيّها السائل أنهم أقلّ من الكبريت الأحمر. وأما إخوان المكاثرة فإنّك تصيب منهم لذّتك، فلا تقطعنّ ذلك فيهم، ولا تطلبنّ ما وراء ذلك من ضميرهم، وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان.
«٩٠٩» - ومن دواعي الودّ ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ثلاث يثبتن لك الودّ في صدر أخيك: أن تبدأه بالسلام، وتوسّع له في المجلس، وتدعوه بأحبّ الأسماء إليه. وقول عليّ كرّم الله وجهه من لانت كلمته وجبت محبته. وقول جعفر بن محمد: داو المودّة بكثرة التعاهد فإن قدرت على أن يكون من تؤاخيه كما قال الشاعر: [من الطويل]
أخ لي كذوب الشّهد طعم إخائه ... إذا اشتبهت بيض الليالي وسودها
كأمنية الملهوف بذلا ونائلا ... وعونا على عمياء أمر يكيدها
له نعم عندي بعلت بشكرها ... على أنّه في كلّ يوم يزيدها
وإلّا فاقنع بالهوينا، واقبل منه عفوه، واعتذر لهفوته: [من الطويل]
فلست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أيّ الرجال المهذّب
ومن لك بأخيك كلّه. وقد قال محمد بن علي: من لم يرض من أخيه بحسن النية لم يرض بالعطية. وقال طلحة: كلّ أحد يتمنّى صديقا على ما يصفه، ولا يكون هو لصديقه على ما يقترحه، فلهذا يطول التشكّي ويقوى الأسف.
стр. 1736
«٩١٠» - وقال صاحب كليلة ودمنة: المودة بين الصالحين بطيء انقطاعها، سريع اتصالها، كآنية الذّهب: بطيئة الانكسار، هيّنة الإعادة. والمودة بين الأشرار سريع انكسارها، بطيء اتصالها، كالآنية من الفخّار، يكسرها أدنى علّة ثم لا وصل لها.
«٩١١» - وسئل رسول الله صلّى الله عليه وآله: أيّ الأصحاب خير؟ قال:
صاحب إن ذكرت أعانك، وإن نسيت ذكّرك. قيل: فأيّ الأصحاب شرّ؟
قال: صاحب إن نسيت لم يذكّرك، وإن ذكرت لم يعنك.
«٩١٢» - وقيل: صاحب من ينسى معروفه عندك ويتذكّر حقوقك عليه.
«٩١٣» - وقيل لخالد بن صفوان: أيّ إخوانك أحبّ إليك؟ قال: الذي يسدّ خللي، ويغفر زللي، ويقبل عللي.
«٩١٤» - افتقد عبد الله بن جعفر صديقا له من مجلسه ثم جاءه فقال: أين كانت غيبتك؟ فقال: خرجت إلى عرض من أعراض المدينة مع صديق لي، فقال له عبد الله: إن لم تجد من صحبة الرجل بدّا فعليك بصحبة من إذا صحبته زانك، وإن خففت له صانك، وإن احتجت إليه مانك، وإن رأى منك خلّة سدّها، أو حسنة عدّها، وإن وعدك لم يحرضك، وإن كثّرت عليه لم يرفضك، وإن سألته أعطاك، وإن أمسكت عنه ابتداك.
стр. 1737
٩١٥- وقال ابن عباس ﵁: من لم يكن فيه ثلاث خصال فلا تؤاخه: ورع يحجزه عن معاصي الله ، وحلم يطرد به فحشه، وخلق يعيش به في الناس.
٩١٦- وقال حكيم لابنه: يا بنيّ، المدبر لا يوفّق لطرق المراشد، فإيّاك وصحبة المدبر، فإنك إن صحبته علق بك إدباره، وإن تركته بعد صحبتك إياه تتّبعت نفسك آثاره.
«٩١٧» - وقال عمرو بن مسعدة أو ثابت أبو عباد: لا تستصحب من يكون استمتاعه بمالك وجاهك أكثر من إمتاعه لك بشكر لسانه وفوائد علمه. ومن كانت غايته الاحتيال على مالك وإطراءك في وجهك فإنّ هذا لا يكون إلّا رديء الغيب سريعا إلى الذمّ.
«٩١٨» - وقال عليّ ﵇: لا تؤاخ الفاجر فإنّه يزيّن لك فعله، ويحبّ لو أنك مثله، ويحسّن لك سوء خصاله، ومخرجه من عندك ومدخله شين وعار.
«٩١٩» - وقال: لا تؤاخ الأحمق فإنّه يجهد لك نفسه ولا ينفعك، وربّما أراد أن ينفعك فضرّك، فسكوته خير من نطقه، وبعده خير من قربه، وموته خير من حياته. ولا تؤاخ الكذّاب فإنّه لا ينفعك معه عيش: ينقل حديثك وينقل الحديث إليك حتى إنّه ليحدّث بالصدق ولا يصدّق.
«٩٢٠» - وقيل: إخوان السوء كشجرة النار يحرق بعضها بعضا.
стр. 1738
«٩٢١» - ومن كلام جمعه عبد الله بن المعتز: إخوان الخير يسافرون في طلب المودّة حتى يبلغوا الثقة؛ فتطمئن أبدان، وتؤمن خبايا الضمائر، وتلقى ملابس التخلق، وتحلّ عقد التحفّظ. وإخوان السوء ينصرفون عند النكبة، ويقبلون مع النعمة، ومن شأنهم التوسّل بالإخلاص والمحبة إلى أن يظفروا بالأنس والثقة، ثم يوكّلون الأعين بالأفعال، والأسماع بالأقوال، فإن رأوا خيرا أو نالوه لم يذكروه ولم يشكروه، وعملوا على أنهم خدعوا صاحبهم عنه وقمروه، وإن رأوا شرّا أو ظنّوه أذاعوه ونشروه، فإن أدمت مواصلتهم فهو الداء المماطل، المخوف [على المقاتل] وإن استرحت إلى مصارمتهم ادّعوا الخبرة بك لطول العشرة، فكان كذب حديثهم مصدّقا، وباطله محقّقا.
٩٢٢- وروي أنه جلس أبو إسحاق الفزاري وابن عيينة وابن المبارك يتذاكرون فقال ابن المبارك: قال داود ﵇: يا ربّ أعوذ بك من جليس مماكر، عينه تراني، وقلبه يرعاني، إن رأى حسنة كتمها، وإن رأى سيئة أذاعها.
فقال أبو إسحاق: نعم الجليس هذا، فقال ابن عيينة: يا أبا إسحاق، داود نبيّ الله يتعوّذ من هذا وأنت تقول: نعم الجليس؟ قال: نعم هذا الذي ينتظر حتى يرى منّي زلّة، ليت أنه لا يرميني [١] بها قبل أن يراها مني.
«٩٢٣» - وقال الشاعر: [من الوافر]
صديقك حين تستغني كثير ... وما لك عند [٢] فقرك من صديق
стр. 1739
فلا تغضب على أحد إذا ما ... طوى عنك الزيارة عند ضيق
٩٢٤- وقيل: ليس كلّ من حنت عليه النفس يستحقّ هبة المودة، ولا يؤتمن [١] على المؤانسة، فالبسوا للناس الحشمة في الباطن، وعاشروهم بالبشر في الظاهر حتى تختبرهم المحن.
«٩٢٥» - وقال جعفر بن محمد ﵉: من لم يقدّم الامتحان قبل الثقة، والثقة قبل الأنس، أثمرت مودّته ندما.
«٩٢٦» - وقال: من لم يؤاخ إلّا من لا عيب فيه قلّ صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلّا بإيثاره إياه على نفسه دام سخطه، ومن عاتب على كلّ ذنب كثر تعتبه؛ وقريب منه قول الشاعر: [من الطويل]
ومن لم يغمّض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يعش وهو عاتب
٩٢٧- وقال محمد بن علي بن موسى لبعض الثقات عنده، وقد أكثر من تقريظه: أقلل من ذلك، فإنّ كثرة الملق تهجم على الظّنّة، وإذا حللت من أخيك في الثقة فاعدل عن الملق إلى حسن النيّة.
«٩٢٨» - وقال أسماء بن خارجة: إذا قدمت المودّة سمج الثناء.
стр. 1740
«٩٢٩» - وقال عليّ ﵇: من ضيعه الأقرب أتيح له الأبعد؛ ومنه قول الشاعر: [من الكامل المجزوء]
ولقد يكون لك الصدي ... ق أخا ويقطعك الحميم
«٩٣٠» - وقال ﵇: أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم.
٩٣١- وقال ﵇: لا يكوننّ أخوك على قطيعتك أقوى منك على صلته، ولا يكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان.
٩٣٢- وقيل: لا يفسدك الظنّ على صديق قد أصلحك اليقين له. لا تقطع أخاك إلا بعد عجز الحيلة عن استصلاحه ولا تتبعه بعد القطيعة وقيعة فيه فتسدّ طريقه عن الرجوع إليك؛ ولعلّ التجارب أن تردّه عليك وتصلحه لك.
٩٣٣- وقال صاحب كليلة ودمنة: من اتخذ صديقا ثم أضاع ربّ صداقته حرم ثمرة إخائه، وآيس الإخوان من نفسه. ومثله قول محمد بن عبيد الأزدي ويروى لغيره: [من الطويل]
ولكن أواسيه وأنسى ذنوبه ... لترجعه يوما إليّ الرواجع
«٩٣٤» - وقال ديك الجن: [من الوافر]
إذا شجر المودّة لم تجده ... سماء البرّ أسرع في الجفاف
стр. 1741
٩٣٥- قال محمد بن عليّ ﵉: اعرف المودة لك في قلب أخيك بما له في قلبك.
«٩٣٦» - وقال ربيعة بن مقروم الضبي: [من الوافر]
أخوك أخوك من يدنو وترجو ... مودّته وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعادي ... وزاد سلاحه منك اقترابا
يواسي في كريهته ويدنو ... إذا ما مضلع الحدثان نابا
وكنت إذا قريني جاذبته ... حبالي مات أو تبع انجذابا
بمثلي فاشهد النجوى وعالن ... بي الأعداء والقوم الغلابا
«٩٣٧» - قال رجل لخالد بن صفوان: علّمني كيف أسلّم على الإخوان، فقال: لا تبلغ بهم النفاق، ولا تتجاوز قدر الاستحقاق.
٩٣٨- نهض هشام بن عبد الملك عن مجلسه مرّة فسقط رداؤه عن منكبه، فتناوله بعض جلسائه ليردّه إلى موضعه، فجذبه هشام من يده وقال:
مهلا إنّا لا نتّخذ جلساءنا خولا.
«٩٣٩» - وكان الصاحب أبو القاسم ابن عباد يقول لجلسائه ومعاشريه: نحن بالنهار سلطان، وبالليل إخوان.
«٩٤٠» - وقريب منه قول أبي الحسن ابن منقذ: [من الخفيف]
لست ذا ذلّة إذا عضّني الده ... ر ولا شامخا إذا واتاني
стр. 1742
أنا نار في مرتقى نفس الحا ... سد ماء جار مع الإخوان
«٩٤١» - وقال سليمان بن عبد الملك: قد أكلنا الطيّب، ولبسنا اللّين، وركبنا الفاره، وامتطينا العذراء، فلم يبق من لذتي إلّا صديق أطرح فيما بيني وبينه مؤونة التحفّظ.
«٩٤٢» - قال سالم بن وابصة: [من الطويل]
أحبّ الفتى ينفي الفواحش سمعه ... كأنّ به عن كلّ فاحشة وقرا
سليم دواعي الصّدر لا باسطا أذى ... ولا مانعا خيرا ولا قائلا هجرا
إذا ما أتت من صاحب لك زلّة ... فكن أنت محتالا لزلّته عذرا
«٩٤٣» - وقال أوس بن حجر: [من الطويل]
وليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يذمّك إن ولّى ويرضيك مقبلا
ولكنه النائي إذا كنت آمنا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا
«٩٤٤» - وقال الهذيل بن مشجعة البولاني: [من الكامل]
إني وإن كان ابن عمي غائبا ... لمقاذف من خلفه وورائه
ومفيده نصري وإن كان امرءا ... متزحزحا في أرضه وسمائه
стр. 1743
ومتى أجده في الشدائد مرملا ... ألق الذي في مزودي بوعائه
وإذا تتبّعت الجلائف ماله ... خلطت صحيحتنا إلى جربائه
فإذا أتى من وجهه بطريقة ... لم أطّلع مما وراء خبائه
وإذا اكتسى ثوبا جميلا لم أقل ... يا ليت أن عليّ فضل ردائه
وإذا غدا يوما ليركب مركبا ... صعبا قعدت له على سيسائه
«٩٤٥» - وقال بعض بني غطفان: [من الطويل]
إذا أنت لم تستبق ودّ صحابة ... على دخن أكثرت بثّ المعاتب
وإني لأستبقي امرا السوء عدّة ... لعدوة عرّيض من الناس عائب
أخاف كلاب الأبعدين ونبحها ... إذا لم تجاوبها كلاب الأقارب
٩٤٦- ابن دينار الواسطي في مدح صديق: [من الطويل]
بنفسي من صافيته فوجدته ... أرقّ من الشكوى وأصفى من الدمع
يوافقني في الجدّ والهزل طائعا ... فينظر من عيني ويسمع من سمعي
«٩٤٧» - ابن الرومي في ضدّه: [من الطويل]
وزهّدني في كلّ خلّ وصاحب ... من الناس كشفي صاحبا بعد صاحب
وما ظفرت كفّي بخلّ تسرّني ... بواديه إلّا ساءني في العواقب
ولا قلت أرجوه لدفع ملمّة ... من الدهر إلّا كان إحدى المصائب
«٩٤٨» - وقال أيضا في قلة الاحتمال للصديق: [من الخفيف]
стр. 1744
أنت عيني وليس من حقّ [١] عيني ... غضّ أجفانها على الأقذاء
٩٤٩- وقال عبد الله بن المعتز يعتذر له: ربّ صديق يوتى من جهله لا من نيته.
«٩٥٠» - قال الحسن بن وهب: كاتب رئيسك بما يستحقّ، ومن دونك بما يستوجب. وكاتب صديقك كما تكاتب حبيبك، فإنّ غزل المودّة أرقّ من غزل الصبابة.
«٩٥١» - قيل لعبد الحميد: أخوك أحبّ إليك أم صديقك؟ فقال: إنّما أحبّ أخي إذا كان صديقا.
«٩٥٢» - قيل لروح بن زنباع: ما معنى الصديق؟ قال: هو لفظ بلا معنى؛ يعني لعوزه.
«٩٥٣» - كان بعضهم يقول: اللهمّ احفظني من أصدقائي، فسئل عن ذلك فقال: إني أحفظ نفسي من أعدائي.
«٩٥٤» - قال بعضهم: أنا بالصديق آنس مني بالأخ فقال له ابن المقفع:
صدقت، الصديق نسيب الرّوح، والأخ نسيب الجسم.
«٩٥٥» - قيل: أبعد الناس سفرا من كان في طلب صديق يرضاه.
стр. 1745
٩٥٦- صن الاسترسال حتى تجد له مستحقّا، واجعل أنسك آخر ما تبذله من ودّك.
«٩٥٧» - لا تعدّنّ من إخوانك من آخاك في أيام مقدرتك للمقدرة، واعلم أنه يثقل عليك في أحوال ثلاث فيكون صديقا يوم حاجته إليك، ومعرفة يوم استغنائه عنك، ومتجنّبا يوم حاجتك إليه.
«٩٥٨» - يحيى بن زياد: [من الكامل]
وإذا تخيّرت الرجال لصحبة ... فالعاقل البرّ السجيّة فاختر
«٩٥٩» - إبراهيم بن العباس: [من الطويل]
إذا أنت لم تملك أخاك بقلبه ... وخانتك آمال به ومطالب
غدوت به مرّ المذاق وأجلبت ... عليك به في النائبات العواقب
«٩٦٠» - بعض بني أسد: [من الطويل]
وما أنا بالنكس الدنيء ولا الذي ... إذا صدّ عني ذو المودّة أحرب
ولكنني إن دام دمت وإن يكن ... له مذهب عنّي فلي عنه مذهب
ألا إنّ خير الودّ ودّ تطوّعت ... به النفس لا ودّ أتى وهو متعب
«٩٦١» - جرير: [من الطويل]
وإنّي لسهل للصديق ملاطف ... وللكاشح العادي شجى داخل الحلق
٩٦٢- وقيل: كلّ شيء شيء، ومصافاة الملوك لا شيء.
стр. 1746
«٩٦٣» - سئل شبيب بن شبّة عن خالد بن صفوان فقال: ليس له صديق في السرّ، ولا عدوّ في العلانية.
٩٦٤- وقال آخر: إنّ من الناس ناسا ينقصونك إذا زدتهم، وتهون عليهم إذا خاصمتهم، ليس لرضاهم موضع تعرفه، ولا لسخطهم موضع تحذره، فإذا عرفت أولئك بأعيانهم فابذل لهم موضع المودة، واحرمهم موضع الخاصة، ليكون ما بذلت لهم من المودة حائلا دون شرّهم، وما حرمتهم من الخاصّة قاطعا لحرمتهم.
«٩٦٥» - صالح بن عبد القدوس: [من الطويل]
تجنب صديق السوء واصرم حباله ... فإن لم تجد عنه محيصا فداره
ولله في عرض السموات جنّة ... ولكنها محفوفة بالمكاره
٩٦٦- وقيل: دار عدوّك لأحد أمرين: إما لصداقة تؤمنك، أو فرصة تمكنك.
«٩٦٧» - شاعر: [من الطويل]
إذا كان ذوّاقا أخوك مصارما ... موجهة من كلّ أوب ركائبه
فخلّ له ظهر الطريق ولا تكن ... مطيّة رحّال كثير مذاهبه [١]
٩٦٨- آخر: [من الطويل]
أخوك الذي إن سرّك الأمر سرّه ... وإن ناب أمر ظلّ وهو حزين
стр. 1747
يقرّب من قرّبت من ذي مودّة ... ويقصي الذي أقصيته ويهين
«٩٦٩» - أراد الحسن الحجّ فطلب ثابت البنانيّ أن يصاحبه فقال: ويحك دعنا نتعايش بستر الله. إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه.
«٩٧٠» - قال المنصور: ما تلذّذت بشيء تلذّذي بمصادقة عمرو بن عبيد، ثم وليت هذا الأمر فهجرني، فوالله لساعة منه أحبّ إليّ مما أنا فيه. كنت إذا أعسرت ملأ قلبي بأنس القناعة، وإذا اغتممت آنسني بنيل الثواب.
«٩٧١» - ومن ظريف أفعال الإخوان ما روي عن ابن أبي عتيق أنّه جاء إلى الحسن والحسين ابني عليّ ﵇ وعبد الله بن جعفر وجماعة من قريش فقال لهم: إنّ لي حاجة إلى رجل أخشى أن يردّني فيها، وإني أستعين بجاهكم وأموالكم عليه. قالوا: ذلك مبذول لك. فاجتمعوا ليوم وعدهم فيه، فمضى بهم إلى زوج لبني صاحبة قيس بن ذريح الكناني، (وكانت زوجته لما طلقها قيس، وكان قيس صديق ابن أبي عتيق) [١] . فلما رآهم أعظمهم وأكبر مصيرهم إليه فقالوا: قد جئناك في حاجة لابن أبي عتيق فقال: هي مقضيّة كائنة ما كانت.
قال ابن أبي عتيق: قد قضيتها كائنة ما كانت من أهل ومال وملك؟ قال: نعم، قال: تهب لي ولهم زوجتك لبنى وتطلّقها، قال: فأشهدكم أنها طالق ثلاثا.
فاستحيا القوم واعتذروا وقالوا: والله ما عرفنا حاجته، ولو علمنا أنها هذا ما سألناك إياه. وعوّضه الحسن من ذلك مائة ألف درهم، ولما انقضت عدّتها
стр. 1748
تزوجها قيس، فقال قيس: [من الوافر]
جزى الرحمن أفضل ما يجازي ... على الإحسان خيرا من صديق
فقد جربت إخواني جميعا ... فما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدع ... ورأي جرت فيه عن الطريق
وأطفأ لوعة كانت بصدري ... أغصتّني حرارتها بريقي
فقال ابن أبي عتيق: يا حبيبي، أمسك عن هذا المديح فما يسمعه أحد إلّا ظنني قوادا.
«٩٧٢» - قال بعض بني عبد القيس: [من الطويل]
وما أنا بالناسي الخليل ولا الذي ... تغيّر إن طال الزمان خلائقه
ولست بمنّان على من أودّه ... ببرّ ولا مستخدم من أرافقه
«٩٧٣» - وقال صالح بن عبد القدوس: [من المنسرح]
إذا رضيت الصديق فاصدقه في ال ... ودّ فخير الوداد ما صدقا
«٩٧٤» - وقال آخر: [من الطويل]
وليس خليلي بالملول ولا الذي ... إذا غبت عنه باعني بخليل
«٩٧٥» - وقال كعب بن سعد الغنوي: [من الكامل]
وإذا عتبت على أخ فاستبقه ... لغد ولا تهلك بلا إخوان
стр. 1749
«٩٧٦» - وقال الجلاح بن عبد الله السدوسي: [من الطويل]
إذا المرء عادى من يودّك صدره ... وسالم ما اسطاع الذين تحارب
فلا تبله عمّا تجنّ ضلوعه ... فقد جاء منها بالشناءة راكب
٩٧٧- وقال آخر: [من الكامل]
كم من بعيد قد صفا لك ودّه ... وقريب سوء كالبعيد الأعزل
٩٧٨- وقال ابن الحمام: [من الطويل]
فلا تصفينّ الودّ من ليس أهله ... ولا تبعدنّ الودّ ممّن تودّدا
«٩٧٩» - أبو الأسود الدؤلي في صديق له فسد ما بينهما: [من الوافر]
بليت بصاحب إن أدن شبرا ... يزدني في تباعده ذراعا
أبت نفسي له إلّا اتباعا ... وتأبى نفسه إلّا امتناعا
كلانا جاهد أدنو وينأى ... فذلك ما استطعت وما استطاعا
«٩٨٠» - وقال في ابن عامر ... وكان صديقه ثم جفاه: [من الطويل]
ألم تر ما بيني وبين ابن عامر ... من الودّ قد بالت عليه الثعالب
وأصبح باقي الودّ بيني وبينه ... كأن لم يكن والدهر فيه عجائب
إذا المرء لم يحببك إلّا تكرّها ... بدا لك من أخلاقه ما يغالب
стр. 1750
«٩٨١» - وقال حماد عجرد في عيسى بن عمر: [من الكامل المرفل]
كم من أخ لك لست تنكره ... ما دمت من دنياك في يسر
متصنع لك في مودّته ... يلقاك بالترحيب والبشر
يطوي الوفاء وذا الوفاء ويل ... حى الغدر مجتهدا وذا الغدر
فإذا عدا والدهر ذو غير ... دهر عليك عدا مع الدهر
فارفض بجهد منك صحبة من ... يقلى المقلّ ويعشق المثري
وعليك من حالاه واحدة ... في العسر إما كنت واليسر
٩٨٢- قال حكيم: أنزل الصديق بمنزلة [١] العدوّ في رفع المؤونة عنه، وأنزل العدوّ بمنزلة [١] الصديق في تحمّل مؤونته.
٩٨٣- من كلام الحسن: يا ابن آدم إياك والغيبة فإنها أسرع في الحسنات من النار في الحطب. يحسد أحدكم أخاه حتى يقع في سريرته، والله أعلم بعلانيته.
يتعلّم في الصداقة التي بينهما ما يعيّره به في العداوة إذا هي كانت، فما أظنّ أولئك من المؤمنين. إنّ الله لا ينظر إلى عبد يبدي لأخيه الودّ وهو مملوء غشّا، يطريه شاهدا، ويخذله غائبا، إن رأى خيرا حسده، وإن ابتلي ابتلاء خذله.
«٩٨٤» - وقد قيل: الإخوان نزهة القلوب وسلوة الهموم.
«٩٨٥» - إبراهيم بن العباس: [من مجزوء الرمل]
стр. 1751
يا أخا العرف إذا عز ... ز إلى العرف الطريق
وأخا الموتى إذا لم ... يبق للميت صديق
٩٨٦- قال إياس بن معاوية لبنيه: يا بنيّ تثبّتوا في من تؤاخون، فإن كانت المحاسن أكثر من المقابح فتقدموا، وإن كانت المقابح أكثر من المحاسن فتأخروا، فإنّ التحوّل عن الإخاء شديد، وليس الأخ كالثوب يبلى فيطرح، ولا كالعلق يزهد فيه فيستبدل به.
٩٨٧- قال بشر بن الحارث: ينبغي أن يكون للإنسان ثلاثة إخوان:
واحد لآخرته، وآخر لدنياه، وآخر يأنس به.
«٩٨٨» - المغيرة بن حبناء: [من الطويل]
خذ من أخيك العفو واغفر ذنوبه ... ولا تك في كلّ الأمور تعاتبه
فإنك لن تلقى أخاك مهذبا ... وأيّ امرىء ينجو من العيب صاحبه
أخوك الذي لا ينقض النأي عهده ... ولا عند صرف الدهر يزور جانبه
وليس الذي يلقاك بالبشر والرضى ... وإن غبت عنه لسّعتك عقاربه
٩٨٩- قال أعرابيّ لابنه: يا بنيّ ابذل المودّة الصافية تستفد إخوانا، وتتخذ أعوانا، فإنّ العداوة موجودة عتيدة، والصداقة مستعزّة بعيدة. جنّب كرامتك اللئام فإنهم إن أحسنت إليهم لم يشكروا، وإن نزلت شديدة لم يصبروا.
٩٩٠- وقال أكثم بن صيفي لبنيه: يا بنيّ تقاربوا في المودّة، ولا تتكلوا على القرابة.
٩٩١- شاعر: [من الكامل المرفل]
стр. 1752
اترك مكاشفة الصديق إذا ... غطّى على هفواته ستر
واعلم بأنك لست عاطفه ... باللوم حين يفوته العذر
«٩٩٢» - قيل لأعرابيّ: لم تقطع أخاك وهو شقيقك وابن أمك أبيك؟
فقال: والله إني لأقطع العضو النفيس من جسدي إذا فسد، وهو أقرب إليّ من أخي.
«٩٩٣» - وقال عبيد الله بن عبد الله [بن طاهر] في مثل ذلك: [من الطويل]
ألم تر أنّ المرء تدوى يمينه ... فيقطعها عمدا ليسلم سائره
فكيف به من بعد يمناه صانعا ... بمن ليس منه حين تبدو سرائره
«٩٩٤» - قيل: الإخوان كالنار قليلها مشاع وكثيرها بوار.
«٩٩٥» - وقال عمرو بن العاص: إذا كثر الإخاء كثر الغرماء. أراد بالغرماء الحقوق.
٩٩٦- وقيل: لا أنس لمن لا إخوان له، ولا ذكر لمن لا ولد له، ولا شيء لمن لا عقل له، ولا مكرمة لمن لا مال له.
٩٩٧- كتب رجل إلى أخ له: أما بعد فإن كان إخوان الثقة كثيرا فأنت أولهم، وإن كانوا قليلا فأنت أوثقهم، وإن كانوا واحدا فأنت هو.
«٩٩٨» - مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن شمس: [من الطويل]
أخوك الذي إن تجن يوما عظيمة ... بيت ساهرا والمستذيقون رقّد
стр. 1753
تمت إلى الأقصى بثديك كلّه ... وأنت على الأدنى صروم مجدّد
«٩٩٩» - شريح بن عمران اليهودي: [من الكامل المجزوء]
آخ الكرام إن استطع ... ت إلى إخائهم سبيلا
واشرب بكأسهم وإن ... شربوا بها السمّ الثميلا
١٠٠٠- قال ابن المقفع: كل مصحوب ذو هفوات، والكتاب مأمون العثرات.
١٠٠١- وقال ابن طباطبا: [من الكامل]
اجعل جليسك دفترا في نشره ... للميت من حكم العلوم نشور
ومفيد آداب ومؤنس وحشة ... وإذا انفردت فصاحب وسمير
١٠٠٢- قيل: محاسبة الصديق دناءة، وترك الحقّ للعدوّ غباوة.
«١٠٠٣» - قيل لابن السماك: أيّ الإخوان أخلق ببقاء المودّة؟ فقال: الوافر دينه، الوافي عقله، الذي لا يملّك على القرب، ولا ينساك على البعد، إن دنوت منه راعاك، وإن بعدت عنه اشتاقك، لا يقطعه عنك عسر ولا يسر، إن استعنته عضدك، وإن احتجت إليه رفدك، وتكون مودّة فعله أكثر من مودّة قوله، يستقلّ كثير المعروف من نفسه، ويستكثر قليل المودّة من صاحبه.
«١٠٠٤» - وقال بعض السلف: ابذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، ولعدوّك إشفاقك وعدلك.
стр. 1754
«١٠٠٥» - قال عليّ ﵇: احمل نفسك في أخيك عند صرامه على الصلة، وعند صدوده على اللطف، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنوّ، وعند شدّته على اللين، وعند جرمه على العذر حتى كأنّك له عبد، ولا تتخذنّ عدوّ صديقك صديقا فتعادي صديقك. وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقيّة ترجع إليها إن بدا لك يوما ما، ولا تضيعنّ حقّ أخيك اتكالا على ما بينك وبينه، فإنه ليس بأخ من ضيّعت حقّه.
«١٠٠٦» - ابن المعتزّ: [من الطويل]
وإني على إشفاق عيني من القذى ... لتجمح مني نظرة ثم أطرق
كما حلّئت عن برد ماء طريدة ... تمدّ إليها جيدها وهي تفرق
«١٠٠٧» - وكتب إلى أبي العباس ثعلب: [من الرجز]
ما وجد صاد في الحبال موثق ... بماء مزن بارد مصفّق
بالريح لم يطرق ولم يرنّق ... جادت به أخلاف دجن مطبق
في صخرة إن تر شمسا تبرق ... فهو عليها كالزجاج الأزرق
صريح غيث خالص لم يمذق ... إلّا كوجدي بك لكن أتقي
صولة من إن همّ بي لم يفرق
«١٠٠٨» - المتنبي: [من الطويل]
أقلّ اشتياقا أيها القلب إنني ... رأيتك تصفي الودّ من ليس صافيا
стр. 1755
خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبّا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
١٠٠٩- آخر: [من الخفيف]
وإذا ما جهلت ودّ صديق ... فاختبر ما جهلت في الغلمان
إنّ عين الغلام تنبىء عمّا ... في ضمير المولى من الكتمان
١٠١٠- آخر: [من الكامل]
حشم الصديق عيونهم بحّاثة ... لصديقه عن غيبه ونفاقه
فلينظرنّ المرء من غلمانه ... فهم خلائفه على أخلاقه