← Адаб

Адаб · id 10646

التذكرة الحمدونية

ابن حمدون

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

[٥٣٢]- وأنشد لأبي العتاهية ويروى لأبي نواس: [من الكامل] . والموت لا يخفى على أحد ... ممن أرى وكأنه يخفى ولقد مررت على القبور فما ... ميّزت بين العبد والمولى [٥٣٣]- وقال سليمان بن الوليد «١» : [من المديد] . ربّ مغروس يعاش به ... عدمته كفّ مغترسه وكذاك الدهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه [٥٣٤]- من كلام سفيان الثوري فيما أوصى به عليّ بن الحسين «٢» السلمي: عليك بالصدق في المواطن كلّها، وإياك والكذب والخيانة ومجالسة أصحابها، فإنها وزر كله، وإياك يا أخي والرياء في القول والعمل، فإنه شرك بعينه، وإياك والعجب فإنّ العمل الصالح لا يرفع وفيه عجب، ولا تأخذنّ دينك إلّا ممن هو مشفق على دينه، فإن مثل الذي هو غير مشفق على دينه «٣» كمثل طبيب به داء لا يستطيع أن يعالج داء نفسه وينصح لنفسه، كيف يعالج

стр. 212

داء الناس وينصح لهم؟ فهذا الذي لا يشفق على دينه كيف يشفق على دينك؟ وليكن جليسك من يزهّدك في الدنيا ويرغّبك في الآخرة، وإياك ومجالسة الذين يخوضون في حديث الدنيا «١» فإنهم يفسدون عليك دينك وقلبك، وأكثر ذكر الموت؛ وأكثر الاستغفار ممّا قد سلف من ذنوبك، وسل الله السلامة لما بقي من عمرك، وانصح لكلّ مؤمن إذا سألك في أمر دينه، وإياك أن تخون مؤمنا فمن خان مؤمنا «٢» فقد خان الله ورسوله. وإذا أحببت أخاك في الله فابذل له نفسك ومالك، وإياك والخصومات والجدل والمراء فإنك تصير ظلوما خوّانا أثيما، وعليك بالصبر في المواطن كلها، وإياك والحدّة والغضب فإنهما يجرّان إلى الفجور، والفجور يجرّ إلى النار، ولا تمارينّ عالما فيمقتك، وإن الاختلاف إلى العلماء رحمة والانقطاع عنهم سخط الرحمن. ودع كثيرا مما يريبك إلى ما لا يريبك تكن سليما، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر تكن حبيب الله، وأقلل الفرح والضحك بما تصيب من الدنيا تزدد قوة عند الله، واعمل لآخرتك يكفك الله أمر دنياك، وأحسن سريرتك يحسن الله علانيتك، وإذا هممت بأمر من أمر الآخرة فشمّر إليها وأسرع من قبل أن يحول بينك وبينها الشيطان. كن طاهر القلب، نقيّ الجسد من الذنوب والخطايا، نقيّ اليدين من المظالم، سليم القلب من الغشّ والمكر والخيانة، خالي البطن من الحرام، فإنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت. كفّ بصرك عن الناس. ولا تمشينّ لغير حاجة. أقل العثرة، واقبل المعذرة، ولا تبغض أحدا ممن يطيع الله. صل من قطعك وصل رحمك، وتجاوز عمّن ظلمك تكن رفيق الأنبياء والشهداء، وأقلّ دخول السوق فإنهم ذئاب عليهم «٣» ثياب وفيها مردة الشياطين من الجنّ والإنس، وإذا دخلتها لزمك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنك لا ترى

стр. 213

فيها إلا منكرا، فقم على طرقها فقل: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير كلّه، وهو على كلّ شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم» ، فقد بلغنا أنه يكتب لقائلها بكلّ من في السوق، عجميّ أو فصيح، عشر حسنات، ولا تجلس فيها، واقض حاجتك وأنت قائم يسلم لك دينك، وإياك أن يفارقك الدسم «١» فإنه أتمّ لعقلك، ولا تمنعنّ «٢» نفسك من الحلاوة فإنها تزيد في الحلم، وعليك باللحم ولا تدم عليه ولا تدعه أربعين يوما فإنه يسيء خلقك، وعليك بالعدس فإنه يعزر الدموع ويرقّ القلب، وعليك باللباس الخشن تجد حلاوة الإيمان. وعليك بقلة الأكل تملك سهر الليل «٣» ، وعليك بالصوم فإنه يسدّ عنك باب الفجور ويفتح عليك باب العبادة، وعليك بقلة الكلام يلن قلبك، وعليك بطول الصمت تملك الورع. ولا تكوننّ حريصا على الدنيا، ولا حاسدا، ولا تكن طعانا تنج من ألسن الناس، وكن رحيما تكن محببا إلى الناس، وارض بما قسم الله تكن غنيا، وتوكل على الله تكن قويا، ولا تنازع أهل الدنيا في دنياهم يحبك الله ويحبك أهل الأرض، وكن متواضعا تستكمل أعمال البّر. ولا تدع أيامك ولياليك وساعاتك تمرّ عليك باطلا، وعليك بذكر الموت يهّون الله عليك أمر الدنيا. اشتق إلى الجنة يوفّق الله لك الطاعة، وأشفق من النار يهوّن الله عليك المصائب، ولا تحقرنّ شيئا من المعروف. انظر يا أخي أن يكون أول أمرك تقوى الله في السّر والعلانية، واخش خشية من قد علم أنه ميت ومبعوث ثم الحشر ثم الوقوف بين يدي الجبار ، ومحاسب بعملك ثم المصير إلى إحدى الدارين: إما إلى جنة ناعمة خالدة «٤» ، وإمّا إلى نار فيها ألوان

стр. 214

العذاب مع خلود لا موت فيه، وارج رجاء من يعلم أنه يعفو «١» أو يعاقب. [٥٣٥]- يقال إنه «٢» كان في عضد بزرجمهر مكتوب: إن كانت الحظوظ بالجدود فما الحرص؟ وإن كانت الأشياء غير دائمة فما السرور؟ وإن كانت الدنيا غرّارة فما الطمأنينة؟ [٥٣٦]- روى عمر البناء البغدادي قال: لما كانت محنة غلام الخليل ونسب الصوفية إلى الزندقة أمر الخليفة بالقبض عليهم، فأخذ فيهم أبو الحسين أحمد بن محمد المعروف بالنوري، وكان صوفيا متكلما، فأدخلوا على الخليفة فأمر بضرب أعناقهم، فتقدم النوريّ مبتدرا إلى السيّاف ليضرب عنقه، فقال له: ما دعاك إلى الابتدار إلى القتل من بين أصحابك؟ فقال: آثرت حياتهم على حياتي هذه اللحظة، فتوقّف السياف والحاضرون عن قتله، ورفع أمرهم إلى الخليفة، فردّهم إلى قاضي القضاة، وهو يومئذ إسماعيل بن إسحاق، فسأل النوريّ عن مسائل في العبادات من الطهارة والصلوات فأجابه، ثم قال: وبعد هذا لله عباد «٣» يسمعون بالله، وينطقون بالله، ويصدرون بالله، ويوردون بالله، ويأكلون بالله، ويلبسون بالله، فلما سمع إسماعيل كلامه بكى بكاء طويلا، ثم دخل على الخليفة فقال: إن كان هؤلاء زنادقة فليس في

стр. 215

الأرض موحّد، فأمر بتخليتهم؛ وسأله السلطان يومئذ من أين تأكلون؟ قال: لسنا نعرف الأسباب التي تستجلب بها الأرزاق، نحن قوم مدبّرون. [٥٣٧]- قال يزيد بن الصقيل «١» العقيليّ، وكان لصا فتاب: [من الطويل] . وإن امرءا ينجو من النار بعد ما ... تزوّد من أعمالها لسعيد إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت ... حميمك فاعلم أنها ستعود [٥٣٨]- وقال الحسين بن مطير الأسدي: [من الطويل] . وقد تخدع الدنيا فيمسي غنّيها ... فقيرا ويغني بعد بؤس فقيرها فلا تقرب الأمر الحرام فإنه ... حلاوته تفنى ويبقى مريرها وكم قد رأينا من تكدّر عيشة ... وأخرى صفا بعد اكدرار غديرها وكم طامع في حاجة لا ينالها ... ومن آيس منها أتاه يسيرها [٥٣٩]- كعب بن زهير: [من البسيط] . لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... فالنفس واحدة والهمّ منتشر

стр. 216

والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر ويروى مجمّو «١» له القدر، أي مجموع من قولك جممت «٢» الماء في الحوض إذا جمعته. [٥٤٠]- وقال آخر: [من الطويل] . ومن يحمد الدنيا لعيش يسرّه ... فسوف لعمري عن قليل يلومها إذا أدبرت كانت على المرء حسرة ... وإن أقبلت كانت كثيرا همومها [٥٤١]- وقال آخر: [من الكامل] . إنّ المساءة للمسرّة موعد ... أختان رهن للعشيّة أو غد فإذا سمعت بهالك فتيقّنن ... أن السبيل سبيله فتزوّد [٥٤٢]- قال المسيّب بن واضح «٣» : صحبت ابن المبارك مقدمه من الحجّ فقال لي يا مسيّب: ما أتى فساد العامة إلا من قبل الخاصة، قلت: وكيف ذاك رحمك الله؟ قال لأنّ أمة محمد ﷺ على طبقات خمس: فالطبقة الأولى هم الزهاد، والثانية العلماء، والثالثة الغزاة، والرابعة التجّار، والخامسة الولاة. فأما الزهاد فهم ملوك هذه الأمة، وأما العلماء فهم ورثة الأنبياء، وأما الغزاة فهم سيوف الله ، وأما التجار فهم الأمناء، وأما الولاة فهم الرعاة.

стр. 217

فإذا كان الزاهد طامعا فالتائب بمن يقتدي؟ وإذا كان العالم راغبا فالجاهل بمن يهتدي؟ وإذا كان الغازي مرائيا فمتى يظفر بالعدوّ؟ وإذا كان التاجر خائنا فعلام يؤتمن الخونة؟ وإذا كان الراعي ذئبا فالشاة من يحفظها؟. [٥٤٣]- قال عمرو بن عبيد للمنصور في موعظة له طويلة مشهورة: إن الله تعالى أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها، وإن هذا الذي أصبح في يديك لو بقي في يدي من كان قبلك لم يصر إليك، فاحذر ليلة تمخّض بيوم هو آخر عمرك. فبكى المنصور وقال له: سل حاجتك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، لا تعطني حتى أسألك، ولا تدعني حتى أجيئك. [٥٤٤]- قيل لزاهد كيف سخت نفسك عن الدنيا؟ قال: أيقنت أني خارج عنها كارها فأحببت أن أخرج منها طوعا. [٥٤٥]- قال الفضيل: يا ربّ إني لأستحيي أن أقول توكلت عليك، لو توكلت عليك لما خفت ولا رجوت غيرك. [٥٤٦]- وسئل الفضيل عن الزهد فقال: هو حرفان في كتاب الله : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ (الحديد: ٢٣) .

стр. 218

[٥٤٧]- وقف أعرابيّ على قبر هشام، وخادم له يقول: ما لقينا بعدك؟ فقال: إيها عليك، أما إنه لو نشر لأخبرك أنه لقي أشدّ مما لقيتم. [٥٤٨]- قال مطرّف: لأن يسألني ربّي ألا فعلت، أحبّ إليّ من أن يسألني لم فعلت. [٥٤٩]- وقف بعضهم على قبر بعض الجبابرة فقال: أيها الجبار كم نفس قتلتها طلبا للراحة منها أصبحت اليوم وهي أكبر شغلك؟ [٥٥٠]- كان ابن الفضيل يوما خلف الامام، وسمع سورة الرحمن فجعل يتلوّى وأبوه ينادي: أما سمعت قوله: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (الرحمن: ٧٢) فقال ابنه: يا أبة لكنّي سمعت يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (الرحمن: ٤١) . [٥٥١]- دخل لصّ على بعض الزهاد فلم ير في داره شيئا فقال له: يا هذا أين متاعك؟ قال: حوّلته إلى الدار الأخرى. [٥٥٢]- قال بعضهم: رأيت صوفيا بالبادية فقلت له: أين الزاد؟ فقال: قدّمته إلى المعاد.

стр. 219

[٥٥٣]- ودخل قوم منزل عابد فلم يجدوا شيئا يقعدون عليه، فلما خرجوا قال لهم: لو كانت دار مقام لا تّخذنا لها أثاثا. [٥٥٤]- قال ابن السماك: خف الله كأنك لم تطعه، وارج الله تعالى كأنك لم تعصه. [٥٥٥]- وقال آخر: ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يردّه عليك الفوت، وتفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت؟! [٥٥٦]- كتب آخر إلى عابد: بلغني تفرّغك للعبادة، فما سبب المعاش؟ فكتب إليه: [يا بطّال، يبلغك عنّي أنني منقطع إلى الله وتسألني عن المعاش؟!] . [٥٥٧]- قال سفيان: إذا أردت أن تعرف الدنيا فانظر عند من هي. [٥٥٨]- وقال آخر: اعمل للدنيا على قدر مكثك فيها وللآخرة كذلك. [٥٥٩]- قال يحيى بن معاذ: الوعد حقّ الخلق على الله فهو أحقّ من وفى، والوعيد حقّه على الخلق فهو أحق من عفا.

стр. 220

[٥٦٠] قيل لبعضهم: كيف أصبحت؟ قال: آسفا على أمسي، كارها ليومي، متّهما لغدي. [٥٦١]- قيل «١» لآخر: لم تركت الدنيا؟ قال: لأني أمنع من صافيها وأمتنع من كدرها. [٥٦٢]- وقيل لآخر: ما الذي تطلب؟ قال: الراحة، قيل: فهل وجدتها؟ قال: قد وجدت أني لا أجدها في الدنيا. [٥٦٣]- كان يحيى بن معاذ يقول: يا أيها الناس لا تكونوا ممن يفضحكم يوم موتكم ميراثه، ويوم القيامة ميزانه. [٥٦٤]- وقال آخر: اصبروا عباد الله على عمل لا غنى بكم عن ثوابه، واصبروا «٢» عن عمل لا صبر لكم على عقابه. [٥٦٥]- وكان بعض التابعين يقول: أصبحت في أجل منقوص، وعمل محفوظ، والموت في رقابنا، والنار من ورائنا، ولا ندري ما يفعل الله بنا.

стр. 221

[٥٦٦]- قال أبو حازم: عجبا لقوم يعملون لدار يرحلون عنها كلّ يوم مرحلة، ويتركون أن يعملوا لدار يرحلون إليها كلّ يوم مرحلة. [٥٦٧]- قال مطرف بن عبد الله: لا تنظروا إلى خفض عيشهم ولين لباسهم؛ ولكن انظروا إلى سرعة ظعنهم وسوء منقلبهم. [٥٦٨]- قال قتادة: يعطي الله العبد على نية الآخرة ما شاء من الدنيا، ولا يعطيه على نية الدنيا إلا الدنيا. [٥٦٩]- وقال آخر: إذا ابتليت أن تدخل مع الناس إلى سلطان فإذا أخذوا في الثناء فخذ في الدعاء. [٥٧٠]- كتب ناسك إلى ناسك يستوصفه الدنيا والآخرة فكتب إليه: الدنيا حلم والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، ونحن في أضغاث ننقل إلى أجداث. [٥٧١]- رأى بعض العبّاد رجلا يضرب غلامه فوعظه ونهاه، فقلب السوط، وأخذ يضرب العابد، وتسارع الناس إليه فقال: دعوه فقد أمرت

стр. 222

بالمعروف ونهيت عن المنكر وأحتاج الآن أن أصبر على ما أصابني، فبذلك نطق الكتاب. [٥٧٢]- كان معروف الكرخي يقول: ليكن الله جليسك وأنيسك وموضع شكواك، فإن الناس لا ينفعون ولا يعطون ولا يحرمون، وإن شفاء ما ينزل بك من المصائب كتمانه. [٥٧٣]- بنى ملك في بني إسرائيل مدينة فتأنّق «١» في بنائها، ثم صنع للناس طعاما، ونصب على باب المدينة من سأل عنها، فلم يعبها أحد، إلا ثلاثة نفر عليهم الأكسية، فإنهم قالوا: رأينا عيبين، فسألهم فقالوا: تخرب ويموت صاحبها، فقال: فهل تعلمون دارا تسلم من هذين العيبين؟ قالوا: نعم، الآخرة. فخلّى ملكه وتعبّد معهم زمانا، ثم ودّعهم فقالوا: هل رأيت منا ما تكرهه؟ قال: لا لكن عرفتموني فأنتم تكرمونني فأصحب من لا يعرفني. [٥٧٤]- قال الحسن: لقد وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج، قيل له فإن كلام الحجاج ليقذك؟ قال: نعم، سمعته يقول على هذه الأعواد: إن امرءا ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحريّ أن تطول عليها حسرته. [٥٧٥]- وقال المدائني: حجّ الحجاج فنزل بعض المياه، ودعا بالغداء

стр. 223

فقال لحاجبه: اطلب «١» من يتغدى معي واسأله عن بعض الأمر، فنظر الحاجب فإذا هو بأعرابيّ في شملتين من شعر نائم، فضربه برجله وقال: إيت الأمير، فأتاه فقال له الحجاج: اغسل يديك للغداء قال: إنه دعاني من هو خير منك فأجبته، قال: من هو؟ قال: الله تعالى، دعاني إلى الصوم فصمت، قال: أوفي مثل هذا اليوم الحار؟ قال: نعم ليوم هو أحرّ منه، قال: فافطر وصم «٢» غدا، قال: إن ضمنت لي البقاء، قال: ليس ذلك إلي، قال: فكيف تسألني آجلا لعاجل لا تقدر عليه؟ قال: إنه طعام طيب قال: إنك لم تطيبه ولا الخباز ولكن تطيّبه العافية. [٥٧٦]- ذكرت الدنيا عند الحسن فقال: [من الكامل] . أحلام نوم أو كظلّ زائل ... إن الليب بمثلها لا يخدع «٣» [٥٧٧]- وكان يتمثل: [من الكامل] . اليوم عندك دلّها وحديثها ... وغدا لغيرك كفّها والمعصم [٥٧٨]- قال عبد الله بن المخارق الشيباني: [من البسيط] . كم من مؤمّل شيء ليس يدركه ... والمرء يزري به في دهره الأمل ترجو الثراء وترجو الخلد مجتهدا ... ودون ما ترتجي الأقدار والأجل

стр. 224

[٥٧٩] قال محمد بن الحسين الأسدي «١» : [من الوافر] . إذا طمحت إلى أمل وطيّ ... تعرّض دونه أجل قريب [٥٨٠]- قال عبدة بن الطبيب: [من الكامل] . إن الحوادث يخترمن وإنما ... عمر الفتى في أهله مستودع يسعى ويجمع جاهدا مستهترا ... جدا وليس بآكل ما يجمع [٥٨١]- وقال الجراح بن عمرو: [من الطويل] . يرجّون أيام السلامة والغنى ... وتغتالهم دون الرجاء غوائله [٥٨٢]- روي أن عابدا قدم قرصيه ليتعشّى فعرض له سائل فأعطاه أحدهما ثم قال: ما ذاك بمشبعه ولا هذا بمشبعي، ولأن يشبع واحد خير من أن يجوع اثنان «٢» ، ثم ناوله القرص «٣» الآخر فلما نام أتي في منامه، فقيل له: سل حاجتك؟ فقال: أن يغاث الناس. [٥٨٣]- وكان أبو عمران الجوني يقول: لا يغرّنكم من ربكم طول النسيئة وحسن الطلبة «٤» فإنّ أخذه أليم شديد. [٥٨٤]- قال مجاهد في قوله :

стр. 225

سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ (الفتح: ٢٩) هو الخشوع. [٥٨٥]- قالت أعرابية في الموقف: سبحانك ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله، وأوحشه على من لم تكن أنيسه. [٥٨٦]- قيل لأعرابي: كيف أصبحت؟ قال: كيف يصبح من يفنى ببقائه؟! [٥٨٧]- سمع يحيى بن خالد نوح بن قدامة العدوي «١» ينشد في صفة الدنيا: [من البسيط] . حتوفها رصد وشربها رنق ... وعيشها نكد وملكها دول فقال: لقد انتظم هذا الشعر صفة هذه الغرّارة.

стр. 226

الباب الثّاني في الآداب والسّياسة الدنيويّة ورسوم الملوك والرّعيّة

стр. 227

(بسم الله الرحمن الرّحيم) الحمد لله مبدع الأشياء بمتقن فطرته، ومودعها لطائف حكمته، ومصرّف الأقدار على مشيئته، ومدبّرها بقدرته، خلق خلقه أغيارا وأخيافا، «١» ورتّبهم منازل وأصنافا، وجعل بعضهم لبعض سخريّا، وفضّلهم في الرزق فكانوا فقيرا وغنيا، وأرضى كلّا «٢» بما قسم فسكنوا إليه متبوعا وتبعا، وشرع لهم في دينهم سياسة أمرهم باتّباعها شرعا، حتى دانت الرعية لملوكها وقادتها، وأعطت طوعا وكرها ذليل مقادتها، فانتظم بذلك فيهم التدبير وتمّ، وجرى عليهم حكم القضاء فحتم. أحمده على ما بطن من نعمه وظهر، وأشكر له على ما أعلن من مواهبه وأسرّ، حمد راض بما سنّي من فضله ويسّر، شاكرا لما عمّ من جوده ونشر، وأستمدّ منه صدق البصيرة فيما أدّبنا به من الأمثال والحكمة، وحسن السريرة فيما ألزمنا به من طاعة الولاة والأئمة، وأسأله الصلاة على نبيّه خير البشر، وخاتم الأنبياء والنّذر، أقام في أمته سائسا ومدبّرا، وداحضا كيد الكفر وله مدمّرا، ومجاهدا في دينه مشمّرا، وأوجب عليهم استخلاف قائم من بعده احتياطا لهم ونظرا، وجمع بذلك أمرهم فلم يجعله هملا ولا نشرا، وعلى آله وأصحابه، الناطقين برشد الحكم وصوابه.

стр. 228

(الباب الثاني في الآداب والسياسة الدنيوية ورسوم الملوك والرعية) هذا الباب يشتمل على بدائع الحكم وفوائد الآداب التي نطق بها العلماء والحكماء ضياء للقلوب «١» ، وشفاء للألباب، وأصناف السياسة التي هي قوام العالم، وبها انتظام مصالحهم، وما يلزم منها طبقات الناس على اختلافها وتنوعها، وما جاء في ذلك من تمثيل الحكماء وأخبار ولاة الأمور في آدابهم وسياستهم، ومن تلاهم من أتباعهم وغيرهم؛ وهو ستة فصول: الفصل الأول: فيه «٢» الحكم والآداب التي نطق بها الحكماء والعلماء تهذيبا للنفوس، يشترك فيها السائس والمسوس. الفصل الثاني: فيه السياسة والآداب الملكية، وما يجب عليهم من حقوق الرعية، ويلزمهم من تقيّل الأخلاق المرضيّة. الفصل الثالث: فيه سياسة وزراء الملوك وأتباع السلطان وآدابهم «٣» على اختلافهم. الفصل الرابع: فيه الآداب والسياسة التي تصلح للجمهور. الفصل الخامس: أخبار في السياسة والآداب يقتدى بها، وتكون مثالا لمن طلبها. الفصل السادس: نوادر تتعلق بهذا الباب «٤» على قلّتها فيه وبعدها عنه «٥» .

стр. 229

مقدّمة «١» قد حوى كتاب الله من فنون السياسة وأقسامها ما يغني متدبّره ويكفي متأمله: كالقصاص الذي جعل الله لنا فيه الحياة، والحدود التي عصم بها الأنفس والأموال والأعراض من تسرّع الجناة، والزكاة العائدة بفضل الأغنياء على الفقراء، منّة منه ليجعلهم فيما أنزل عليهم من رزقه شركاء، وكالطاعة المفترضة على الرعيّة للرّعاة، والمعدلة الموجبة لهم على الولاة، وكحقوق النساء من القسمة والتعديل على الرجال، وما يلزمهنّ لهم من حفظ الفروج ولزوم الحجال «٢» ، وغير ذلك مما يخرج من هذا الكتاب ولا يليق إيراده به. وهو بحر الحكمة التي جعلها شفاء للأسقام والأوصاب، وجلاء للأفهام والألباب، لا يدرك قراره، ولا تحصى آثاره. فمن الآيات التي فيها أدب يتّبع قوله : يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ

стр. 230

مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (لقمان: ١٧- ١٩) . وقوله : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ. (الإسراء: ٢٩) . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً (الحجرات: ١٢) . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (الممتحنة: ١٣) . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (الحجرات: ٦) . كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ* (الروم: ٣٢) . إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (القصص: ٧٦) . وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها (النحل: ١٨) . وتقصّي ذلك وترتيبه يخرج الكتاب عن نمطه الموضوع له.

стр. 231

الفصل الأول في الحكم والآداب التي نطق بها الحكماء والعلماء [٥٨٨]- قال رسول الله ﷺ : الحكمة ضالّة المؤمن. [٥٨٩]- وقال علي ﵇: لكلّ جواد كبوة، ولكلّ حكيم هفوة، ولكلّ نفس ملّة فاطلبوا لها طرائف الحكمة. [٥٩٠]- وقال: الفكر يورث نورا، والغفلة ظلمة، والجهالة ضلالة.

стр. 232

[٥٩١] قال ابن مسعود ﵁: العلم أكثر من أن يحصى فخذوا من كلّ شيء أحسنه. [٥٩٢]- وقال رسول الله ﷺ : انظروا إلى من تحتكم ولا تنظروا إلى من فوقكم. [٥٩٣]- وقال أيضا ﷺ : جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها. [٥٩٤]- ومن كلامه أيضا: (١) - كرم الرجل دينه ومروءته عقله، وحسبه عمله. (٢) - خير الأمور أوسطها. (٣) - كلّ ميسّر لما خلق له.

стр. 233

(٤) - زر غبّا تزدد حبّا. (٥) - الوحدة خير من جليس السوء. (٦) - البركة في الحركة. (٧) - بلّوا أرحامكم ولو بسلام. (٨) - من كثّر سواد قوم فهو منهم. (٩) - ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى. (١٠) - ليس الغنى كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس. [٥٩٥]- ويقارب هذا المعنى قول علي بن أبي طالب ﵇: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكنّ الخير أن يعظم حلمك ويكثر علمك. [٥٩٦]- وقال أبو بكر ﵁: صنائع المعروف تقي مصارع السّوء.

стр. 234

[٥٩٧] وقال علي بن أبي طالب ﵇: استغن عمن شئت فأنت نظيره، واحتج إلى من شئت فأنت أسيره، وأفضل على من شئت فأنت أميره. أخذ هذا «١» المعنى الأول الشاعر فقال: [من الخفيف] وإذا ما الرجاء أسقط بين النا ... س فالناس كلّهم أكفاء [٥٩٨]- قال لقمان لابنه: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا في الحرب إذا لاقى الأقران، ولا أخوك إلا عند حاجتك إليه. [٥٩٩]- قال عمر بن الخطاب ﵁: أحبّكم إلينا قبل أن نخبركم أحسنكم صمتا، فإذا تكلّم فأثبتكم منطقا، فإذا اختبرناكم فأحسنكم فعلا. (وفي رواية: أحبّكم إلينا أحسنكم اسما، فإذا رأيناكم

стр. 235

فأجملكم منظرا، فإذا اختبرناكم فأحسنكم مخبرا) . [٦٠٠]- من كلام الجاحظ، وينسب إلى غيره: خير الدنيا والآخرة التقوى والغنى، وشرّ الدنيا والآخرة الفقر والفجور. [٦٠١]- قال الحارث بن أسد المحاسبي: الظالم نادم وإن مدحه الناس، والمظلوم سالم وإن ذمّه الناس، والقانع غنيّ وإن جاع، والحريص فقير وإن ملك. [٦٠٢]- وقال يحيى بن معاذ الرازي: لا يعجبك حلم امرىء حتى يغضب، ولا أمانته حتى يطمع، فإنك لا تدري على أيّ شقيّه يقع. [٦٠٣]- خطب علي ﵇ يوما فقال في خطبته: وأعجب ما في الإنسان قلبه، وله موادّ في الحكمة وأضداد «١» من خلافها، فإن سنح له الرجاء هاج به الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتدّ به الغيظ، وإن أسعد بالرضي نسبي التحفّظ، وإن ناله «٢» الخوف شغله الحزن «٣» ، وإن أصابته مصيبة قصبه «٤» الجزع، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عضّته فاقة شغله البلاء، وإن جهد

стр. 236

به الجوع أقعده الضعف، وكلّ تقصير به مضّر، وكلّ إفراط له مفسد. [٦٠٤]- ومن كلام له ﵇: فرض الله تعالى الإيمان تطهيرا من الشرك، والصلاة تنزيها من الكبر، والزكاة سببا «١» للرزق، والصيام ابتلاء لإخلاص الخلق، والحج تقوية للبدن «٢» ، والجهاد عزا للاسلام، والأمر بالمعروف مصلحة للعوام، والنهي عن المنكر ردعا للسفهاء، وصلة الرحم منماة للعدد، والقصاص حقنا للدماء، وإقامة الحدود إعظاما للمحارم، وترك شرب الخمر تحصينا للعقل، ومجانبة السرقة إيجابا للعفة، وترك الزنا تصحيحا للنسب، وترك اللواط تكثيرا للنسل، والشهادات استظهارا على المجاحدات، وترك الكذب تشريفا للصدق، والسلام أمانا من المخاوف، والأمانة نظاما للأمّة، والطاعة تعظيما للإمامة. [٦٠٥]- وقال أيضا: صديق الجاهل في تعب. [٦٠٦]- وقال أيضا: (١) استدلّ على ما لم يكن بما قد كان فإن الأمور أشباه. (٢) من تعدّى الحقّ ضاق مذهبه. (٣) من اقتصر على قدره كان أبقى له. (٤) هلك امرؤ لم يعرف قدره. (٥) المرء مخبوء تحت لسانه.

стр. 237

(٦) قيمة كلّ امرىء ما يحسنه. (٧) بقية السيف أبقى عددا وأكثر ولدا. (٨) ربما أخطأ البصير قصده وأصاب الأعمى رشده. (٩) قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل. (١٠) إذا تغيّر السلطان تغيّر الزمان. (١١) نعم طارد الهمّ اليقين. [٦٠٧]- قيل لبعض العلماء: من أسوأ الناس حالا؟ قال: من قويت شهوته، وبعدت همّته، واتسعت معرفته، وضاقت مقدرته. [٦٠٨]- قال يحيى بن طالب: [من الطويل] إذا أنت لم تفكر لنفسك خاليا ... أحاط بك المكروه من حيث لا تدري

стр. 238

[٦٠٩] وقال قيس بن الخطيم: [من الطويل] وإني لأغنى الناس عن متكلّف ... يرى الناس ضلّالا وليس بمهتد وما المال والأخلاق إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود متى ما تقد بالباطل الحقّ يأبه ... وإن قدت بالحقّ الرواسي تنقد «١» إذا ما أتيت الأمر من غير بابه ... ضللت وإن تدخل من الباب تهتد [٦١٠]- قال عمر بن الخطاب ﵁: إذا كان الشّغل مجهدة فإن الفراغ مفسدة. [٦١١]- قال سقراط: السبب الذي به أدرك العاجز حاجته هو الذي أقعد الحازم عن طلبته. [٦١٢]- وقال فرفوريوس: لو تميّزت الأشياء بأشكالها لكان الكذب مع الجبن، والصدق مع الشجاعة «٢» ، والراحة مع اليأس، والتعب مع الطمع، والحرمان مع الحرص، والعزّ مع القناعة، والأمن مع العفاف، والسلامة مع الوحدة.

стр. 239

[٦١٣] وقال أيضا: لا يرفع أحد فوق درجته إلا فسد، ألا ترى إلى دودة النحل إذا جعلت في العسل كيف تموت؟! [٦١٤]- وقال آخر: السهر ألذّ للمنام كما أن الجوع أزيد في طيب الطعام؛ وهذا مطّرد في كلّ نعمة تزداد طيبا وموقعا إذا جاءت بعد ضدها. [٦١٥]- وقال «١» آخر: من عرف الأيام لم يغفل الاستعداد. [٦١٦]- وقال حكيم من اليونانيين: السعادات كلها في سبعة أشياء: حسن الصورة، وصحة الجسم، وطول العمر، وكثرة العلم، وسعة ذات اليد، وطيب الذكر، والتمكن من الصديق والعدو. [٦١٧]- وقال معاوية: الدنيا بحذافيرها الخفض والدّعة. [٦١٨]- وقال بعض الادباء، وقد سئل عن العيش: العيش في الغنى فإني رأيت الفقير لا يلتذّ بعيش أبدا؛ وقال السائل زدني، قال: الصحة، فإني رأيت المريض لا يلتذ بعيش أبدا، قال: زدني، قال: الأمن فإني رأيت الخائف لا يلتذّ بعيش أبدا، قال: زدني، قال: لا أجد مزيدا. فهذا الكلام على كمال تقسيمه واستغراقه المعنى إنما أخذه من كلام النبي ﷺ الذي هو أصل كلّ حكمة ومآلها: من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، له قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدنيا بحذافيرها.

стр. 240

[٦١٩] قيل لسقراط: ما الشيء الذي لا يستغنى عنه؟ قال: التوفيق، قيل: ولم لم تقل «١» العقل؟ قال: العقل بما هو عقل لا يجدي عاجلا وآجلا دون التوفيق الذي به يهتدى إلى ثمرة العقل وينال درجة «٢» الانتفاع به. [٦٢٠]- قال صالح بن جناح العبسي: [من الطويل] ألا إنما الإنسان غمد لقلبه ... ولا خير في غمد إذا لم يكن نصل [٦٢١]- قال فيلسوف: كثير من الأمور لا تصلح إلا بقرنائها: لا ينفع العلم بغير ورع، ولا الحفظ بغير عقل، ولا الجمال بغير حلاوة، ولا الحسب بغير أدب، ولا السرور بغير أمن، ولا الغنى بغير كفاية، ولا الاجتهاد بغير توفيق. [٦٢٢]- قال علي ﵇: من كشف ضره هانت عليه نفسه. [٦٢٣]- ومن كلامه، الفقر يخرس الفطن عن حجته. المقلّ غريب في

стр. 241

وطنه. العجز آفة. الورع جنّة. نعم القرين الرضى. العلم وراثة كريمة. البشاشة حبالة المودة. إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه. ما أضمر أحدكم شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه؛ (وقد روي لنا هذا الكلام عن النبي ﷺ ومثله قول زهير: [من الطويل] ومهما تكن عند امرىء من خليقة ... وإن خالها تخفى عن الناس تعلم [٦٢٤]- ومن كلامه: امش بدائك ما مشى بك. قلوب الرجال وحشية فمن تألّفها بالإحسان أقبلت إليه. من حذّرك كمن بشّرك. أوضع العلم ما وقف على اللسان وأرفعه ما ظهر في الجوارح والأركان. إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا به، ثم تلا: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُ (آل عمران: ٦٨) الآية. ثم قال: إن وليّ محمد من أطاع الله وإن بعدت لحمته، وإن عدوّ محمد من عصى الله وإن قربت قرابته. [٦٢٥]- وقال في صفة الغوغاء: هم الذين إذا اجتمعوا ضروا وإذا تفرقوا نفعوا، فقيل: قد علمنا مضرة اجتماعهم فما منفعة افتراقهم؟ قال:

стр. 242

يرجع أصحاب المهن إلى مهنهم فينتفع الناس بهم، كرجوع البناء إلى بنائه، والنسّاج إلى نسجه، والخبّاز إلى مخبزه. [٦٢٦]- ومن كلامه كرم الله وجهه: (١) من لان عوده كثفت أغصانه. (٢) في تقلّب الأحوال علم جواهر الرجال. (٣) من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة (معناه أن ما ينفقه في سبل الخير والبر وإن كان يسيرا فإن الله يجعل الجزاء عليه عظيما كثيرا) . (٤) الحجر الغصب في الدار رهن على خرابها. (وقد روي ذلك عن رسول الله ﷺ . (٥) إذا ازدحم الجواب خفي الصواب. (٦) الحظّ يأتي من لا يأتيه. (٧) قليل تدوم عليه أرجى من كثير مملول. (٨) كلّ معاجل يسأل الإنظار وكلّ مؤجّل يتعلّل بالتسويف. (٩) كفى بالأجل حارسا. [٦٢٧]- وقال لسائل سأله عن معضلة: سل تفقها ولا تسأل تعنتا، فإن الجاهل المتعلم شبيه بالعالم، وإن العالم المتعنت «١» شبيه بالجاهل.

стр. 243

[٦٢٨] وقال كرم الله وجهه: قيام الدنيا «١» بأربعة: عالم يستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف من التعلم، وغني «٢» لا يبخل بمعروفه، وفقير لا يبيع دينه «٣» . فإذا لم يستعمل العالم علمه استنكف الجاهل من التعلم عنه «٤» ، وإذا بخل الغنيّ بماله شره الفقير إلى الحرام، ففسدت الدنيا بكثرة الجهال والفجار. [٦٢٩]- وقال ﵇: (١) الفقيه الذي لا يقنط الناس من رحمة الله ولا يؤمّنهم من مكر الله، ولا يؤيسهم من روح الله، ولا يرخّص لهم في «٥» معاصي الله تعالى. (٢) لكل امرىء في ماله شريكان: الحوادث والوارث. (٣) صواب الرأي بالدول ويذهب بذهابها. (٤) العفاف زينة الفقر. (٥) الشكر زينة الغنى. (٦) من نظر في عيب نفسه اشتغل عن

стр. 244

عيب غيره، ومن رضي برزق الله لم يحزن على ما فاته، ومن سلّ سيف البغي قتل به ومن كابد الأمور عطب، ومن اقتحم اللّجج غرق، ومن دخل مداخل السوء اتهم، ومن كثر كلامه كثر خطأه، ومن كثر خطأه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قلّ ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار، ومن طلب شيئا ناله أو بعضه. [٦٣٠]- وقال أيضا: ألا إنّ من البلاء الفاقة، وأشدّ من الفاقة مرض البدن، وأشدّ من مرض البدن مرض القلب. ألا وإنّ من النعم سعة المال، وأفضل من سعة المال صحّة البدن، وأفضل من صحّة البدن تقوى القلب. المنية ولا الدنيّة، التقلّل ولا التوسّل. [٦٣١]- وسئل أيّهما أفضل: العدل أم الجود؟ فقال: العدل سائس عام، والجود عارض خاصّ، فالعدل أشرفهما وأفضلهما. [٦٣٢]- وقال: يغلب المقدار على التقدير حتى تكون الآفة في التدبير. وقد قارب ابن الرومي هذا المعنى في قوله: [من الكامل] غلط الطبيب عليّ غلطة مورد ... عجزت محالته عن الإصدار والناس يلحون الطبيب وإنما ... غلط الطبيب إصابة المقدار [٦٣٣]- وقال: إذا انقضت المدة كان الهلاك في العدة.

стр. 245

[٦٣٤] وروي أن يحيى بن خالد دخل إلى الرشيد في أوّل ما ابتدأت حاله في الفساد فرآه متخلّيا فرجع، فاستعاده الرشيد، فقال: يا يحيى رأيتني خاليا فاتهمتني قال: والله يا أمير المؤمنين ما اعتمدت إلا مسرّتك، ولكن إذا انقضت المدّة كان الحتف في الحيلة «١» . [٦٣٥]- قال عمرو «٢» بن مروان بن محمد: عرض أبي بظهر الكوفة ثمانين ألف عربي، ثم قال بعد أن وثق في نفسه بكثرة العدد والعدد: إذا انقضت المدة لم تغن العدّة. [٦٣٦]- وقال علي ﵇: ربّ مفتون بحسن القول فيه. [٦٣٧]- ومن كلامه ﵇: منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا. [٦٣٨]- وقالت القدماء: الدنيا كالماء المالح متى يزدد صاحبه منه شربا يزدد عطشا وظمأ.

стр. 246

[٦٣٩] وقال أبرويز: إنما الكلام أربعة: سؤالك الشيء، وسؤالك عن الشيء، وأمرك بالشيء، وخبرك عن الشيء، فهذه دعائم الكلام إن التمس إليها خامس لم يوجد، وإن نقص منها رابع لم تتم، فإذا طلبت فأسجح، وإذا أمرت فاحتم، وإذا أخبرت فحقّق، وإذا سألت فأوضح. [٦٤٠]- قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: كما أن الصديق يحول بالجفاء عدوا، كذلك العدوّ يحول بالصلة صديقا. [٦٤١]- وقال آخر: شرّ المال ما لا ينفق، وشرّ الإخوان الخاذل في الشدائد، وشرّ السلطان من خافه البريء، وشرّ البلاد ما ليس فيه خصب ولا أمن. [٦٤٢]- قال أفلاطون: لا تجبروا أولادكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم. [٦٤٣]- وقال: إذا أقبل الرئيس استجاد الصنائع، وإذا أدبر استغره

стр. 247

الأعداء. إذا خبث الزمان كسدت الفضائل وضرت، ونفقت الرذائل ونفعت، وكان خوف الموسر أشدّ من خوف المعسر. إذا بلغ المرء من الدنيا فوق مقدار نفسه تنكر على الناس. إذا استعمل الرئيس النفاق لمن دونه ضاعت عوارفه. [٦٤٤]- قيل: أحقّ الناس بالهوان المحدّث لمن لا يسمع منه، والداخل بين اثنين في حديث لم يدخلاه فيه، وآتي دعوة لم يدع إليها، وطالب المعونة من عدوّه، والمتعمّق «١» في أحواله «٢» . [٦٤٥]- وقيل: الأدب يزيد العاقل عقلا والأحمق شرّا. [٦٤٦]- قال ابن مسعود: من كان كلامه لا يوافق فعله فإنما يوبّخ نفسه. [٦٤٧]- سئلت أعرابية: ما السرور؟ فقالت: كفاية ووطن وسلامة وسكن. [٦٤٨]- وروي أن أنيسا وطارقا ابني جندل من رجال كلب وفدا إلى ملك من ملوك غسّان، وكان قد بلغه عنهما عقل وأحبّ أن يمتحنهما، فقال يا

стр. 248

أنيس ما أنكأ الأشياء للقلوب؟ قال: فقر مكبّ وضرع إلى غير محبّ، قال يا طارق: ما أضرّ الأشياء على الملوك؟ قال: عدوّ تسري مكايده، وجليس يبثّ حبائله، وصديق يودّك ظاهره ويغولك باطنه. قال: فما الداء العضال؟ قال: ابن العمّ الحسود، كالسّبع الرصيد يساء إن أثريت ويبجح إن اختبيت، قال: يا أنيس، ما الشقاء العاجل؟ قال: الحليلة الورهاء، خطابها عواء، ورضاها بكاء، وسخطها اجتراء، قال: يا طارق ما شرّ مصحوب؟ قال: اللسان الذي لا يقيّده الحجى ولا يردعه النّهى، قال: يا أنيس ما الداء الذي لا شفاء له؟ قال: الحسد الذي لا انقضاء له. قال: يا طارق ما الداء العياء؟ قال: البخل بالممكن الموجود، والأسف على الغائب المفقود. قال: يا أنيس ما العار الذي لا يرحض؟ قال: إسلام الجار، والعجز عن حماية الذّمار. قال: يا طارق ما أكرم الأخلاق؟ قال: الجود في الإثراء والإملاق. قال: يا أنيس ما الشرف؟ قال: احتمال العظائم واجتناب المحارم. قال: يا طارق ما العزّ؟ قال: حدب العشير، وكثرة النفير، والمعاونة على القليل والخطير. قال: يا أنيس ما الكرم؟ قال: الوفاء بالذمم والبذل في الأزم. قال: يا طارق ما الشجاعة؟ قال: دفاعك عمن لا يلزمك له ذمام، وإقدامك حين تكره الإقدام. قال: يا أنيس ما أجلب الأشياء للمقت؟ قال: العجب والخرق. فقال الملك: وأبيكما لقد استمجدتما «١» أدبا، وترويتما لبا، وأحسن صلتهما. [٦٤٩]- قال معاوية: آفة المروءة الكبر وإخوان السوء، وآفة العلم

стр. 249

النسيان، وآفة النسيان الكذب، وآفة الحلم الذلّ، وآفة الجود السّرف، وآفة القصد البخل، وآفة المنطق الفحش، وآفة اللبّ العجب، وآفة الظّرف الصّلف، وآفة الحياء الضعف، وآفة الجلد الكسل، وآفة الرزانة الكبر، وآفة الصمت العيّ. [٦٥٠]- قال عبد الملك بن مروان: أربعة لا يستحيى من خدمتهم: السلطان والولد والضيف والدابّة. [٦٥١]- وقال: اطلبوا معيشة لا يقدر سلطان جائر على غصبها، قيل وما هي؟ قال: الأدب. [٦٥٢]- وكان يقول: اللحن هجنة على الشريف والعجب آفة الرأي. [٦٥٣]- قال سهل بن هرون: ليس الريّ عن التشاف. من عاش غير خامل المنزلة وأفضل «١» على نفسه وأصحابه فهو وإن قلّ عمره طويل العمر، ومن كان عيشه في وحدة وضيق وقلّ خيره على نفسه وعلى الناس فهو وإن طال عمره قصير العمر. وقد يبلغ الخضم القضم، ويركب الصعب من لا ذلول له.

стр. 250

والكلام الأول والأخير من أمثال العرب. (المعنى في التشاف أن يشرب الرجل الشفافة كلها وهي بقية الماء في الإناء، يقول: قد يروى الشارب قبل بلوغ تلك، ومعنى المثلين الحضّ على الرضى بيسير الحاجة إذا أعوزه جليلها) . [٦٥٤]- قال مسلمة بن عبد الملك: ما حمدت نفسي على ظفر ابتدأته بعجز، ولا لمتها على مكروه ابتدأته بحزم. [٦٥٥]- وقال: مروءتان ظاهرتان: الرياش «١» والفصاحة. [٦٥٦]- قال أبو العباس السفاح: إذا عظمت القدرة قلّت الشهوة، وقل أن يوجد «٢» تبرع إلا ومعه حقّ مضاع. [٦٥٧]- وكان يقول: إن المقدرة تصغّر الأمنيّة، لقد كنا نستكثر أمورا أصبحنا نستقلّها لأقلّ من صحبناه؛ ثم يسجد شكرا. [٦٥٨]- قال بعضهم أنشدت المعتضد: [من الطويل] :
следующие страницы →