٢٤»
- ومن العبث بالهجو ما روي أنّ الحطيئة همّ بهجاء فلم يدر من يستحقّه فجعل يجول ويقول: [من الطويل]
أبت شفتاي اليوم إلّا تكلّما ... بسوء فما أدري لمن أنا قائله
ثم اطلع في ركيّ فرأى وجهه فقال:
أرى لي وجها شوّة الله خلقه ... فقبّح من وجه وقبّح حامله
وهجا أباه وأمه فقال: [من الكامل]
ولقد رأيتك في النساء فسؤتني ... وأبا بنيك فساءني في المجلس
٢٤٨- ومن هذا الفن أنّ شاعرا في زماننا هجا بعض الأعيان بأبيات مطبوعة تداولها الناس فحبس وعزّر. وأراد الوزير أبو علي ابن صدقة أن يستكفّه عن الزيادة فقال له: ما أردت إلى هجاء هذا الرجل؟ هل اجتديته فمنعك، أو مدحته فحرمك، أو كانت لك حكومة فمال فيها عليك؟ قال: كلّ ذلك لم يكن، بل قطع كان على عرضه وقفاي.
«٢٤٩» - وضدّ هذا العبث بالأعراض قول صخر بن عمرو بن الشريد السّلميّ، وقد قتلت بنو مرّة أخاه معاوية بن عمرو، فقال له قومه: ألا تهجوهم؟ فقال: ما بيننا أجلّ من القذع، ولو لم أكفّ عن هجائهم إلّا رغبة بنفسي عن الخنا لكففت. وقال: [من الطويل]
تقول ألا [١] تهجو فوارس هاشم ... وما لي إذا أهجوهم ثم ما ليا
أبى الشتم أني قد أصابوا كريمتي ... وأن ليس إهداء الخنا من شماليا
стр. 1857
وذي إخوة قطّعت أقران بينهم ... كما تركوني واحدا لا أخا ليا
فأمسك عن هجائهم، وقد وتروه، صيانة وتكرّما.
٢٥٠- وكانت العرب في جاهليتها وإسلامها تتّقي الهجاء أشدّ من اتقائها السلاح، حيث كانت تحامي عن أحسابها، وترغب في اقتناء [١] المحامد الباقي ذكرها على أعقابها. ولذلك قال رسول الله ﷺ وحسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وغير هما من الصحابة يهجون مشركيّ قريش: لهو أشدّ عليهم من وقع النبل.
«٢٥١» - وكان أحدهم في الفلاة القفر لا أنيس بها معه ولا قرين، يحمي نفسه عن كلمة يعاب بها حتى كأنه يتعبّد بذلك من لا يخفى عليه خافية. فمن ذلك أنّ حذيفة بن بدر لما فرّ في حرب عبس وذبيان، ونزل وأصحابه إلى جفر الهباءة يتبرّدون في حمارّة القيظ، اقتصّ قيس بن زهير أثرهم حتى وقف عليهم في عدّة فوارس، وهم في الجفر، فأيقنوا بالهلاك فقال حذيفة: يا بني عبس فأين العقول والأحلام؟ فضرب حمل بن بدر بين كتفيه وقال: إياك ومأثور الكلام.
فانظر إلى هذه الحمية والنفس الأبية، منعه أن يستعطف ابن عمّه، وهم متوقعون للقتل لئلّا يؤثر عنهم ضراعة ورقة عند الموت. وأمثال ذلك كثير، وليس هذا موضع إيراده.
«٢٥٢» - ومن مراقبتهم للشعر ما روي عن عبد الملك بن مروان أنه قال لولده
стр. 1858
حين حضرته الوفاة: أوصيكم بحسن جوار [١] الشعراء، فإن للشعر مواسم لا تزداد على اختلاف الجديدين إلا جدّة، وأيم الله ما أودّ أني هجيت بمثل قول الأعشى:
[من الطويل]
فما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمكم ... وبحرك ساج لا يواري الدّعامصا
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
وأني ازددت إلى نعمتي أضعافها، ولوددت أني مدحت بهذه الأبيات من قول زهير: [من البسيط]
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا
وأني زلت عن نعمتي كلها.
«٢٥٣» - وقد قال أبو مسلم: ألأم الأعراض عرض لا يرتعي فيه حمد ولا ذم. وتلك أمة قد خلت وملة قد نسخت: [من الكامل المجزوء]
جدّت أكفّ ليس ين ... بط ماءها إلا المساحي
وجلود قوم ليس تأ ... لم غير أطراف الرماح
ما شئت من مال حمى ... يأوي إلى عرض مباح
«٢٥٤» - والهجاء إنما يضع من النمرقة الوسطى. أما الخمول فلا يقع الهجاء فيه موقعا يضرّ، كما لا يرفعه المديح [٢] . قال رجل ما أبالي أهجيت أم مدحت، فقال له الأحنف بن قيس: أرحت نفسك من حيث [٣] تعب الكرام.
وقال بعض النبط لبشار إن هجوتني تخرب ضيعتي؟ قال: لا، قال: فتموت
стр. 1859
عيشونة ابنتي؟ قال: لا، قال: فرجلي مع ساقي إلى حلقي في حر أمك قال:
ولم تركت رأسك؟ قال لأنظر إلى ما تصنع. وقال دعبل بل يروى لمسلم:
[من الكامل]
فاذهب فأنت طليق عرضك إنه ... عرض عززت به وأنت ذليل
وقال إبراهيم بن العباس: [من المتقارب]
نجابك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذره أن ينالا
وإنما ألمّا فيه بقول عويف القوافي: [من البسيط]
قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا ... من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا
«٢٥٥» - وأما من علت درجته، وشاعت فضيلته، فلا يفسده الهجاء، ولا يضع من شرفه؛ وقد مثلوا بمن هجي من العرب على هذه المنازل قالوا:
لم يفسد الهجاء بني بدر، وبني عدس، وبني عبد المدان، وغيرهم من أشراف العرب. هجيت فزارة بأكل أير الحمار وبكثرة شعر القفا كقول الحارث بن ظالم: [من الوافر]
فما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشّعر الرقابا
فلم يضرهم ذلك. ثم افتخر مفتخرهم به ومدحهم الشاعر به. قال مزرد بن ضرار: [من الوافر]
منيع بين ثعلبة بن سعد ... وبين فزارة الشّعر الرقاب
فما من كان بينهما بنكس ... لعمرك في الخطوب ولا بكاب
стр. 1860
وأما قصة أير الحمار فإنما اللوم على المطعم لرفيقه ما لا يعرفه، فهل كان على الفزاري في حقّ الأنفة أكثر من قتل من أطعمه الجردان من حيث لا يدري.
وقد هجيت الحارث بن كعب، وكتب الهيثم بن عدي فيهم كتابا، فما وضع ذلك منهم حتى كأنه قد كتبه لهم. ولما كانت نمير دون هؤلاء في الشرف وضعهم قول جرير: [من الوافر]
فغضّ الطرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
قال أبو عبيدة كان الرجل من بني نمير اذا قيل له: ممن الرجل؟ قال نميري كما ترى، حتى قال جرير بيته هذا فصار الرجل من بني نمير إذا قيل له: ممن الرجل؟
قال: من بني عامر. فعند ذلك قال الشاعر يهجو قوما آخرين: [من الوافر]
وسوف يزيدكم ضعة هجائي ... كما وضع الهجاء بني نمير
ولما هجاهم أبو الردينيّ العكلي، فتوعدوه بالقتل، قال أبو الرديني:
[من الوافر]
توعّدني لتقتلني نمير ... متى قتلت نمير من هجاها
فشدّ عليه رجل منهم فقتله.
وما لقيت قبيلة من العرب مهجوة ما لقيت نمير من بيت جرير هذا.
«٢٥٦» - ومن متوسطي الشرف في القبائل: عنزة وجرم وسلول وباهلة وغنيّ، وهذه قبائل فيها فضل كثير، ومنها شعراء وفصحاء وفرسان مذكورون، فمحا ذلك الفضل هجاء الشعراء وغضّ منهم.
ومن الحبطات حسكة بن عتّاب وعبّاد بن الحصين وولده وهم من الأشراف
стр. 1861
ففضح هذه القبيلة قول الشاعر: [من الوافر]
رأيت الحمر من شرّ المطايا ... كما الحبطات شرّ بني تميم
وكذلك أفسد ظليم البراجم قول الشاعر: [من الرجز]
إن أبانا فقحة لدارم ... كما الظليم فقحة البراجم
وأهلك بني العجلان قول الشاعر: [من الطويل]
إذا الله عادى أهل لؤم وقلّة ... فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل
قبيّلة لا يغدرون بذمّة ... ولا يظلمون الناس حبّة خردل
ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الورّاد عن كلّ منهل
وأما قول الأخطل: [من الطويل]
وقد سرّني من قيس عيلان أنني ... رأيت بني العجلان سادوا بني بدر
فإن هذا البيت لم ينفع بني العجلان، كما لم يضرّ بني بدر، لأنه أخرجه مخرج الشماتة لأن صارت الذّنابى قادة للرؤوس.
الشماتة لأن صارت الذّنابى قادة للرؤوس.
٢٥٧- فأما من سلم من آفة الهجاء بالخمول فمثل غسّان وعيلان من قبائل عمرو بن تميم، وثور إخوة عكل. وابتليت عكل لأنها أنبه منها سببا [١] ، وثور خاملة، ولعلها لولا سفيان الثوري والربيع بن خثيم ما عرفت.
«٢٥٨» - قال الشعبي: شهدت زيادا وأتاه عامر بن مسعود بأبي علاثة
стр. 1862
التيمي فقال إنه هجاني قال: وما قال لك؟ قال، قال: [من الطويل]
وكيف أرجّي ثروها ونماءها ... وقد سار فيها خصية الكلب عامر
فقال أبو علاثة: ليس هكذا قلت، قال: فكيف قلت؟ قال: قلت:
وإني لأرجو ثروها ونماءها ... وقد سار فيها يأخذ الحقّ عامر
فقال زياد: قاتل الله الشاعر، ينقل لسانه كيف شاء؛ والله لولا أن يكون سنة لقطعت لسانك. فقام قيس بن فهد [١] الأنصاري فقال: أصلح الله الأمير، ما أدري من الرجل، فإن شئت حدثتك عن عمر بما سمعت منه، قال: وكان زياد يعجبه أن يسمع الحديث عن عمر، قال هاته، قال: شهدته وأتاه الزبرقان بن بدر بالحطيئة فقال: هجاني، قال: وما قال لك؟ قال: [من البسيط]
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
فقال عمر: ما أسمع هجاء ولكنها معاتبة، فقال الزبرقان: أو ما بلغ من مروءتي إلا أن آكل وأشرب؟ فقال عمر: عليّ بحسان، فجيء به، فسأله فقال: لم يهجه ولكن سلح عليه.
ويقال سأل لبيدا فقال: ما يسرني أنه لحقني من هذا الشعر ما لحقه وأنّ لي حمر النّعم. فأمر به عمر فجعل في نقير في بئر، ثم ألقي عليه شيء فقال:
[من البسيط]
ماذا تقول لأفراخ بذي أمر ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسيهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
فأخرجه ثم قال: إياك وهجاء الناس. قال: إذن يموت عيالي جوعا؛
стр. 1863
مكسبي هذا ومنه معاشي. قال: إياك والمقذع من القول، قال: وما المقذع؟
قال: أن تخاير بين الناس فتقول فلان خير من فلان، وآل فلان خير من آل فلان، قال: فأنت والله أهجى مني. ثم قال: لولا أن تكون سنّة لقطعت لسانه، ولكن اذهب فأنت له يا زبرقان خذه، فألقى الزبرقان في عنقه عمامة فاقتاده بها، وعارضته غطفان فقالوا: يا أبا شذرة، إخوتك وبنو عمك، هبه لنا، فوهبه لهم.
فقال زياد لعامر بن مسعود قد سمعت ما روي عن عمر، وإنما هي السنن، فاذهب به فهو لك، فألقى في عنقه حبلا أو عمامة، وعارضته بكر بن وائل فقالوا له: إخوتك وجيرانك، فوهبه لهم.
«٢٥٩» - وقال الأخطل، واسمه غياث بن غوث من بني تغلب:
[من البسيط]
ما زال فينا رباط الخيل معلمة ... وفي كليب رباط الذلّ والعار
النازلين بدار الذلّ إن نزلوا ... وتستبيح كليب حرمة الجار
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولي على النار
وهذا أهجى بيت قالته العرب، فإنه مع ما وصفهم به من اللؤم والدناءة وابتذال الأم جعل نارهم ضئيلة حقيرة تطفئها البولة.
«٢٦٠» - وقال الأخطل أيضا: [من الوافر]
فلا تدخل بيوت بني كليب ... ولا تقرب لهم أبدا رحالا
ترى فيها لوامع بارقات ... يكدن ينكن بالحدق الرجالا
قصيرات الخطى عن كلّ خير ... إلى السّوءات مسمحة عجالا
стр. 1864
«٢٦١» - وقال أيضا: [من الطويل]
ونحن رفعنا عن سلول رماحنا ... وعمدا رغبنا عن دماء بني نصر
ولو ببني ذبيان بلّت رماحنا ... لقرّت بهم عيني وباء بهم وتري
شفى النفس من قتلى سليم وعامر ... ولم يشفها قتلى غنيّ ولا جسر
ولا جشم شرّ القبائل إنها ... كبيض القطا ليست بسود ولا حمر
لعمري لقد لاقت سليم وعامر ... على جانب الثّرثار راغية البكر
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر
«٢٦٢» - وقال أيضا: [من الطويل]
لعمرك إنّا من زهير بن جندب ... لدانون لو أنّ القرابة تنفع
معاشر أمّا الخير منهم فمكفأ [١] ... وأمّا إناء الشرّ منهم فمترع
«٢٦٣» - وقال أيضا: [من البسيط]
سود الوجوه وراء القوم مجلسهم ... كأنّ قائلهم في القوم مسترق
البائتون قريبا دون أهلهم ... ولو يشاءون آبوا الحيّ أو طرقوا
«٢٦٤» - وقال جرير: [من الطويل]
أقول وذاكم للعجيب الذي أرى ... أمال بن مال ما ربيعة والفخر
محالفهم [٢] فقر قديم وذلّة ... وبئس الحليفان المذلة والفقر
стр. 1865
«٢٦٥» - وقال أيضا: [من الطويل]
ألم تر أنّ الله أخزى مجاشعا ... إذا ما أفاضت في الحديث المجالس
فما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا عن المجد حابس
«٢٦٦» - وقال أيضا: [من الطويل]
ولا تعرفون [١] الشرّ حتى يصيبكم ... ولا تعرفون الأمر إلا تدبّرا
«٢٦٧» - آخر: [من الوافر]
فما إن في الحريش ولا عقيل ... ولا أولاد جعدة من كريم
أولئك معشر كبنات نعش ... رواكد لا تسير مع النجوم
«٢٦٨» - لما فارقت عروة بن الورد امرأته الغفارية، وأثنت عليه بما أثنت، ورجعت إلى قومها، تزوجها [٢] رجل من بني عمها، فقال لها يوما من الأيام: يا سلمى أثني عليّ كما أثنيت على عروة، وقد كان قولها شهر فيه، فقالت: لا تكلّفني ذلك فإني إن قلت الحقّ غضبت، ولا والّلات والعزّى لا أكذب. فقال:
عزمت عليك لتأتيني في مجلس قومي فلتثنينّ عليّ بما تعلمين. وخرج وجلس في نديّ القوم، وأقبلت، فرماها الناس بأبصارهم، فوقفت عليهم وقالت: أنعموا صباحا، إنّ هذا عزم عليّ أن أثني عليه بما أعلم، ثم أقبلت فقالت: والله إن
стр. 1866
شملتك لالتحاف، وإنّ شربك لاشتفاف، وإنك لتنام ليلة تخاف، وتشبع ليلة تضاف، وما ترضي الأهل ولا الجانب [١] ، ثم انصرفت. ولامه قومه وقالوا: ما كان أغناك عن هذا القول منها.
«٢٦٩» - وقال الأخطل: [من الكامل]
وإذا سما للمجد فرعا وائل ... واستجمع الوادي عليك فسالا
كنت القذى في سيل أكدر مزبد ... قذف الأتيّ به فضلّ ضلالا
«٢٧٠» - وقال أيضا: [من البسيط]
قبيلة كشراك النعل دارجة ... إن يهبطوا العفو لا يوجد لهم أثر
محلّهم من بني تيم وإخوتهم ... حيث يكون من الحمارة الثفر
«٢٧١» - وقال الحكم بن عبدل الأسدي: [من الوافر]
نكهت عليّ نكهة أخدريّ ... شتيم أعصل الأنياب ورد
فما يدنو إلى فيه ذباب ... ولو طليت مشافره بقند
«٢٧٢» - وقال ذو الإصبع العدواني: [من الكامل المجزوء]
لو كنت ماء كنت لا ... عذب المذاق ولا مسوسا
ملحا بعيد القعر قد ... فلّت حجارته الفؤوسا
стр. 1867
منّاع ما ملكت يدا ... ك وسائلا لهم لحوسا
وتبعه الشعراء في معنى البيت الأول فأكثروا؛ قال الآخر: [من الرجز]
لو كنت ماء كنت غير عذب ... أو كنت سيفا كنت غير عضب
أو كنت عيرا كنت عير ندب ... أو كنت لحما كنت لحم كلب
وقال الآخر: [من الرجز]
لو كنت ماء لم تكن طهورا ... أو كنت بردا كنت زمهريرا
أو كنت ريحا كانت الدّبورا ... أو كنت مخّا كنت مخاريرا
«٢٧٣» - وقال ابن بسام في أخيه: [من الخفيف]
يا طلوع الرقيب ما بين إلف ... يا غريما أتى على ميعاد
يا ركودا في يوم غيم وصيف ... يا وجوه التّجار يوم الكساد
«٢٧٤» - ولابن الرومي في مثله: [من الخفيف]
يا أبا القاسم الذي لست أدري ... أرصاص كيانه أم حديد
أنت عندي كماء بئرك في الصي ... ف ثقيل يعلوه برد شديد
«٢٧٥» - وله أيضا في مثله: [من الخفيف]
وثقيل جليسه في سياق ... ساعة منه مثل يوم الفراق
قد قضى الله موته منذ حين ... فاحتوى الموت روحه وهو باق
«٢٧٦» - ولآخر مثله: [من البسيط]
стр. 1868
يمشي على الأرض مجتازا فأحسبه ... لبغض طلعته يمشي على بصري
«٢٧٧» - وقال أبو نواس في معناه: [من المتقارب]
لطلعته وخزة في الفؤاد ... كوخز المشارط في المحتجم
أقول له إذ أتى لا أتى ... ولا نقلته إلينا قدم
فقدت خيالك لا من عمى ... وصوت كلامك لا عن صمم
٢٧٨- وقال الناجم في هذا الفن: [من الرجز]
يا ابن أبي النجم تسمّع في مهل ... طريفة أهديتها على عجل
من نكت الشعر الرصين المنتخل ... يغرف من بحر خضمّ لا وشل
يا شبه ماء البئر بردا وثقل ... يا ليلة المهجور هجران الملل
يا كرب الطّلق ويا ثقل الجبل ... يا حيرة المملق أعيته الحيل
يا قوة اليأس ويا ضعف الأمل ... يا ضيقة الرزق ويا وشك الأجل
يا ياسمين السقم لا ورد الخجل ... أقسم لولا أنّ لي عنك شغل
لجدّ فيك الشعر طورا وهزل ... ممزقا عرضك تمزيق السمل
«٢٧٩» - ولابن الحجاج قصيدة في عيسى بن مروان الكاتب النصراني أطال فيها جدا، وسلك فيها هذه السبيل وتغلغل في معانيها والآفات التي جرت عادته بابتداعها، وهي مشهورة اقتصرت منها على قوله: [من الكامل المجزوء]
يا هيضة عرضت لشي ... خ مقعد زمن ضرير
يا نتن ريح خرا اليهو ... د الفجّ في عيد الفطير
وفسا النصارى في التنه ... هس [١] قبل صومهم الكبير
стр. 1869
وجشا شيوخ [١] المسلمي ... ن البخر في وقت السحور
يا عثرة القلم المرشّ ... ش بين أثناء السطور
يا ذلّ عان موثق ... في القدّ مغلول أسير
وقعت عليه بنو كلا ... ب والمشوم بلا خفير
يا ذلّة المظلوم الأصم ... بح وهو معدوم النّصير
يا فجأة المكروه في ال ... يوم العبوس القمطرير
يا حيرة الشيخ الأصم ... م وحسرة الحدث الضرير
يا قرحة في ناظر ... غطوا عليها بالذرور
يا طول حمّى الرّبع تق ... طع قوّة الشيخ الكبير
يا ضجرة المحموم بال ... غدوات من ماء الشعير
يا خيبة الأمل الطوي ... ل اغترّ بالعمر القصير
يا وحشة الموتى إذا ... صاروا إلى ظلم القبور
يا مأتما فيه تذا ... ل وجوه ربّات الخدور
كلّت مقاريض النوا ... ئح فيه من جزّ الشعور
خذها فقد ثبتت بلا ... ء يا [٢] ابن يعقوب المدير
مثل السجلّ كتابه ... يبقى إلى يوم النشور
أحببت أن تحظى بها ... فخرجت فيها من قشوري
«٢٨٠» - وقال أبو نواس: [من الطويل]
بنيت بما خنت الأمين سقاية ... فلا شربوا إلّا أمرّ من الصّبر
стр. 1870
فما كنت إلا مثل بائعة استها ... تعود على المرضى به طلب الأجر
«٢٨١» - وله: [من البسيط]
لو أن عرضك في تطهير قدرك ما ... داناك في المجد لا كعب ولا هرم
«٢٨٢» - وقال الأخطل: [من الطويل]
إذا ما التقينا عند بشر رأيتهم ... يغضّون دوني الطرف بالحدق الخزر [١]
وأوجه موتورين فيها كآبة ... فرغما على رغم ووقرا على وقر
«٢٨٣» - وقال: [من البسيط]
الآكلون خبيث الزاد وحدهم ... والسائلين بظهر الغيب ما الخبر
قوم تناهت إليهم كلّ فاحشة ... وكل مخزية سبّت بها مضر
وأقسم المجد حقا لا يحالفهم ... حتى يحالف بطن الراحة الشعر
النصف الثاني من البيت الأول فيه معنى قول جرير: [من الوافر]
وإنك لو رأيت عبيد تيم ... وتيما قلت أيّهما العبيد
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود
وقريب منه [٢] قول أوس بن حجر: [من الطويل]
معازيل حلّالون بالغيب وحدهم ... بعمياء حتى يسألوا الغد ما الأمر
стр. 1871
فلو كنتم من الليالي لكنتم ... كليلة سرّ لا هلال ولا بدر
٢٨٤- وقال الأخطل: [من الوافر]
تعوذ هوازن بابني دخان ... هوازن إنّ ذا لهو الصغار
ابنا دخان: غني وباهلة ابنا يعصر وهو لقب لهم، ومثله: [من الطويل]
لقد خزيت قيس وذلّ نصيرها
«٢٨٥» - وقال طارق بن أثال الطائي: [من البسيط]
ما إن يزال ببغداد يزاحمنا ... على البراذين أشباه البراذين
أعطاهم الله أموالا ومنزلة ... من الملوك بلا عقل ولا دين
ما شئت من بغلة سفواء ناجية ... ومن ثياب وقول غير موزون
٢٨٦- وذم رجل ابن التوأم فقال: رأيته مشحّم النّعل، درن الجورب، مغضّن الخفّ، دقيق الجربّان.
«٢٨٧» - وقال العلاء بن المنهال [١] الغنوي: [من الوافر]
فليت أبا شريك كان حيّا ... فيقصر حين يبصره شريك
ويترك من تدرّيه علينا ... إذا قلنا له هذا أبوك
ويحتمل خطأ هذا الشاعر في العروض لرشاقة الشعر، فإن عروضه من الوافر ويتم الوزن بحرف النفاذ، فإن فعل ذلك كان البيت الأول مرفوعا والثاني منصوبا، وهذا لم تستعمله العرب في إقوائها المستهجن، فكيف يكون في مثل
стр. 1872
هذا الشعر اللين؟ وإن وقف على السكون كان الجزء الأخير من الوافر فعول، وهو غير جائز ولم يسمع.
«٢٨٨» - ضاف أبو السّليل العنزيّ بني حكم فخذا من عنزة فقال:
[من الوافر]
أراني في بني حكم قصّيا ... على قتر أزور ولا أزار
أناس يأكلون اللحم دوني ... وتأتيني المعاذر والقتار
«٢٨٩» - وقال آخر: [من البسيط]
شتّى مراجلهم فوضى نساؤهم ... وكلهم لأبيه ضيزن سلف
«٢٩٠» - وقال آخر: [من البسيط]
لو كنت أحمل خمرا يوم زرتكم ... لم ينكر الكلب أنّي صاحب الدار
لكن أتيت وريح المسك تفغمني ... والعنبر الورد أذكيه على النار
فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني ... وكان يعرف ريح الزقّ والقار
«٢٩١» - وقال عليّ بن جبلة العكوّك: [من الوافر]
أقاموا الديدبان على يفاع ... وقالوا لا تنم للديدبان
فإن آنست شخصا من بعيد ... فصفّق بالبنان على البنان
стр. 1873
تراهم خشية الأضياف خرسا ... يقيمون الصلاة بلا أذان
«٢٩٢» - وقال أبو مهوش الأسدي: [من الكامل]
وبنو الفقيم قليلة أحلامهم ... ثطّ اللحى متشابهو الألوان
لو يسمعون بأكلة أو شربة ... بعمان أضحى جمعهم بعمان
متأبطين بنيهم وبناتهم ... صعر الأنوف لريح كلّ دخان
«٢٩٣» - وقال آخر: [من البسيط]
وجيرة لن ترى في الناس مثلهم ... إذا يكون لهم عيد وإفطار
إن يوقدوا يوسعونا من دخانهم ... وليس يدركنا ما تنضج النار
«٢٩٤» - وأنشد ثعلب: [من الوافر]
فتى لرغيفه قرط وشنف ... ومرسلتان من خرز وشذر
إذا كسر الرغيف بكى عليه ... بكا الخنساء إذ فجعت بصخر
ودون رغيفه قلع الثنايا ... وحرب مثل وقعة يوم بدر
«٢٩٥» - وقال دعبل: [من الطويل]
رأيت أبا عمران يبذل عرضه ... وخبز أبي عمران في أحرز الحرز
يحنّ إلى جاراته بعد شبعه ... وجاراته غرثى تحنّ إلى الخبز
стр. 1874
«٢٩٦» - وقال أيضا: [من البسيط]
فضيف عمرو وعمرو يسهران معا ... عمرو لبطنته والضيف للجوع
«٢٩٧» - وقال آخر، ويروى لبعض آل المهلب: [من البسيط]
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار
لا يقبس الجار منهم فضل نارهم ... ولا تكفّ يد عن حرمة الجار
«٢٩٨» - وقال الفرزدق: [من الطويل]
وما لكليب حين تذكر أوّل ... ولا لكليب حين تذكر آخر
«٢٩٩» - وقال ابن أبي عيينة: [من المنسرح]
لا تعدم العزل يا أبا الحسن ... ولا هزالا في دولة السّمن
ولا انتقالا من دار عافية ... إلى ديار البلاء والفتن [١]
ولا خروجا إلى القفار من ال ... أرض وترك الأحباب والوطن
«٣٠٠» - وقال أيضا في عيسى بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان تزوج فاطمة بنت عمر بن حفص هزارمرد، وهو من ولد قبيصة بن أبي صفرة أخي المهلب: [من الطويل]
стр. 1875
أفاطم قد زوّجت عيسى فأيقني ... لديه بذلّ عاجل غير آجل
فإنك قد زوّجت عن غير خبرة ... فتى من بني العباس ليس بعاقل
فإن قلت من رهط النبيّ فإنه ... وإن كان حرّ الأصل عبد الشمائل
فقد ظفرت كفّاه منك بطائل ... وما ظفرت كفّاك منه بطائل
لعمري لقد أثبتّه في نصابه ... بأن رحت منه في محلّ الحلائل
«٣٠١» - وزوّج إبراهيم بن النعمان بن بشير الأنصاري ابنته من يحيى بن أبي حفصة مولى عثمان بن عفان على عشرين ألف درهم، فقال قائل يعيره:
[من الطويل]
لعمري لقد جلّلت نفسك خزية ... وخالفت فعل الاكثرين الأكارم
ولو كان جدّاك اللذان تتابعا ... ببدر لما راما صنيع الألائم
«٣٠٢» - ويحيى هذا هو جدّ مروان بن أبي حفصة الشاعر. ويزعم النسابون ان أباه كان يهوديا أسلم على يد عثمان بن عفان، وكان ذا يسار. وتزوج يحيى هذا خولة بنت مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم سيد أهل الوبر، ومهرها خرقا، ففي ذلك يقول القلاخ بن حزن: [من الطويل]
لم أر أثوابا أجرّ لخزية ... وألأم مكسوّا وألأم كاسيا
من الخرق اللائي صببن عليكم ... بحجر فكنّ المبقيات البواليا
وقال القلاخ أيضا: [من البسيط]
стр. 1876
نبّئت خولة قالت حين أنكحها ... لطالما كنت منك العار أنتظر
أنكحت عبدين ترجو فضل مالهما ... في فيك مما رجوت الترب والحجر
لله درّ جياد أنت سائسها [١] ... برذنتها وبها التحجيل والغرر
«٣٠٣» - وقال آخر: [من الطويل]
ألا يا عباد الله قلبي متيّم ... بأحسن من صلّى وأقبحهم بعلا [٢]
يدبّ على أحشائها كلّ ليلة ... دبيب القرنبى بات يقرونقا سهلا
القرنبي دويبة حمراء على هيئة الخنفس منقطة الظهر، وربما كان في ظهرها نقطة حمراء، وفي قوائمها طول على الخنفس، وهي ضعيفة المشي.
وهذه المقطعات المتناسبة المعاني ليست من فاخر الهجاء وانما هي في معنى شاذ ربما يتفق مثله [٣] فيتمثل بها فيه، فأتيت بها على ما شرطت في الكتاب.
«٣٠٤» - وقال بشار: [من الطويل]
خليليّ من كعب أعينا أخاكما ... على دهره إن الكريم معين
ولا تبخلا بخل ابن قزعة إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين
كأن عبيد الله لم يلق ماجدا ... ولم يدر أين المكرمات تكون
стр. 1877
فقل لأبي يحيى متى تدرك العلى ... وفي كلّ معروف عليك يمين
إذا جئته في حاجة سدّ بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين
قوله: في كل معروف عليك يمين مأخوذ من قول جرير: [من الطويل]
ولا خير في مال عليه أليّة ... ولا في يمين عقّدت بالمآثم
«٣٠٥» - لما عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق ووليها عمر بن هبيرة قال الفرزدق: [من الكامل]
راحت بمسلمة البغال عشيّة ... فارعي فزارة لا هناك المرتع
ولقد علمت إذا فزارة أمّرت ... أن سوف تطمع في الامارة أشجع
وأرى الأمور تنكرت أعلامها ... حتى أمية عن فزارة تنزع
فلما ولي خالد بن عبد الله القسري العراق بعد ابن هبيرة قال بعض بني أسد:
[من الكامل]
بكت المنابر من فزارة شجوها ... فاليوم من قسر تذوب وتجزع
«٣٠٦» - وقال المبّرد: أنشدني رجل من عبد القيس: [من المتقارب]
أباهل ينبحني كلبكم ... وأسدكم ككلاب العرب
ولو قيل للكلب يا باهليّ ... عوى الكلب من لؤم هذا النسب
«٣٠٧» - وقال المساور بن هند: [من الوافر]
زعمتم أنّ إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف
стр. 1878
أولئك أومنوا جوعا وخوفا ... وقد جاعت بنو أسد وخافوا
«٣٠٨» - وقال آخر: [من البسيط]
إن يسمعوا ريبة طاروا لها فرحا ... عنّي وما سمعوا من صالح دفنوا
صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
جهلا علينا وجبنا عن عدوّهم ... لبئست الخلّتان الجهل والجبن
«٣٠٩» - وقال أبو الأسد في الحسن بن رجاء لما تولى الجبل: [من الكامل]
فلأنظرنّ إلى الجبال وأهلها ... وإلى منابرها بطرف أخزر
ما زلت تركب كلّ شيء قائم ... حتى اجترأت على ركوب المنبر
«٣١٠» - وقال إسماعيل بن عمار الأسدي: [من الطويل]
بكت دار بشر شجوها إذ تبدّلت ... هلال بن مرزوق [١] ببشر بن غالب
وهل هي إلا مثل عرس تبدّلت ... على رغمها من هاشم في محارب [٢]
«٣١١» - وقال آخر [٣] : [من الطويل]
كاثر بسعد إن سعدا كثيرة ... ولا تبغ من سعد وفاء ولا غدرا
стр. 1879
«٣١٢» - وقال آخر: [من الطويل]
فسادة عبس في الحديث نساؤها ... وسادة عبس في القديم عبيدها
«٣١٣» - وقال آخر: [من البسيط]
أقول حين أرى كعبا ولحيته ... لا بارك الله في بضع وستين
من السنين تملّاها بلا حسب ... ولا حياء ولا عقل ولا دين
«٣١٤» - وقال آخر: [من الوافر]
أقام اللؤم وسط بني رياح ... مطيّته وأقسم لا يريم
كذلك كلّ ذي سفر إذا ما ... تناهى عند غايته مقيم
«٣١٥» - وقال آخر: [من الطويل]
ترى الشيخ منهم يمتري الأير باسته ... كما يمتري الثدي الصبيّ المجوّع
«٣١٦» - خاصم أبو الحويرث السحيمي حمزة بن بيض إلى المهاجر بن عبد الله في طويّ له، فقال أبو الحويرث: [من البسيط]
غمّضت في حاجة كانت تؤرّقني ... لولا الذي قلت فيها قلّ تغميضي
قال: وما قلت لك؟ قال:
حلفت بالله لي أن سوف تنصفني ... فساغ في الحلق ريق بعد تجريض
قال: وأنا أحلف بالله لأنصفنك. قال:
стр. 1880
فاسأل ألى عن ألى أن ما خصومهم ... أو كيف أنت وأصحاب المعاريض
قال: أوجعهم ضربا. قال:
واسأل لجيما إذا وافاك جمعهم ... هل كان بالبئر حوض قبل تحويضي
قال: فتقدمت الشهود فشهدت لأبي الحويرث فالتفت إلى ابن بيض فقال:
أنت ابن بيض لعمري لست أنكره ... حقّا يقينا ولكن من أبو بيض
إن كنت أنبضت لي قوسا لترميني ... فقد رميتك رميا غير تنبيض
أو كنت خضخضت لي وطبا لتسقيني ... فقد سقيتك وطبا غير ممخوض
فأمسك عنه ابن بيض، فقيل له: ألا تجيبه؟ فقال: والله لو قلت: أبو بيض عبد المطلب بن هاشم لم ينفعني ذلك.
«٣١٧» - ذكر عند العباس بن علي رجل قد فارقه، فقال: دعوني أتذوق طعم فراقه، فهو والله الذي لا تشجى له النفس، ولا تدمع له العين، ولا يكثر في أثره الالتفات، ولا يدعى له عند فراقه بالسلامة.
«٣١٨» - وكتب كاتب في ذمّ وال: خورا عند الأكفاء، وعجزا عن الأعداء، وإسراعا إلى الضعفاء، وكلبا على الفقراء، وإقداما على البرية، واحتياجا للرعية.
«٣١٩» - وقال الطرماح: [من البسيط]
لو كان يخفى على الرحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد
قوم أقام بدار الهون أوّلهم ... كما أقام عليه جذمة الوتد
стр. 1881
ومن أبيات الطرماح [١] :
لو حان ورد تميم ثم قيل لها ... حوض الرسول عليه الأزد لم ترد
لو [٢] أنزل الله وحيا أن يعذّبها ... ان لم تعد لقتال الأزد لم تعد
لا عزّ نصر امرىء أضحى له فرس ... على تميم يريد النصر من أحد
«٣٢٠» - وقال ابن أبي عيينة: [مخلع البسيط]
هل كنت الا كلحم ميت ... دعا إلى أكله اضطرار
وقريب من هذا المعنى قول الآخر: [من الوافر]
وما أهجوك أنّك كفؤ شعري ... ولكنّي هجوتك للكساد
وقول آخر: [من المنسرح]
غير اختيار قبلت برّك بي ... والجوع يرضي الأسود بالجيف
«٣٢١» - وقال آخر: [من البسيط]
ألهى بني جشم عن كلّ مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أوّلهم ... يا للرّجال لفخر غير مسؤوم
إن القديم إذا ما ضاع آخره ... كساعد فلّه الأيام محطوم
٣٢٢- وقال عرفجة بن شريك في أمية بن عبد الله بن خالد:
стр. 1882
[من الطويل]
فلا غرو إلا من أمية إنه ... يمتّ بآباء كرام المحاتد [١]
فلله آباء أمية نسلهم ... لقد شانهم أفعاله في المشاهد
«٣٢٣» - وقال سليمان بن قتة في سعيد بن عثمان بن عفان: [من الطويل]
وكم من فتى كزّ اليدين مذمّم ... وكان أبوه عصمة الناس في المحل
ومثله قول الآخر [٢] : [من البسيط]
لئن فخرت بآباء ذوي حسب ... لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا
واحتذى ابن سكرة هذا الغرض فقال: [من المتقارب]
فإن كنت من هاشم في الذّرى ... فقد ينبت الشوك وسط الاقاحي
«٣٢٤» - وقال لقيط بن زرارة: [من الطويل]
أغرّكم أني بأكرم شيمة ... رفيق وأني بالفواحش أخرق
وأنّك قد باذذتني فغلبتني ... هنيئا مريئا أنت بالفحش أحذق
«٣٢٥» - وقال أعرابي: [من الطويل]
كأني ونضوي عند باب ابن مسمع ... من القرّ ذئبا قفرة هلعان
أبيت وصنّبر الشتاء ينوشني ... وقد مسّ برد ساعدي وبناني
стр. 1883
فما اضرموا نارا ولا عرضوا قرى ... ولا اعتذروا من عسرة بلسان
«٣٢٦» - وقال الفرزدق: [من الوافر]
ولو يرمى بلؤم بني كليب ... نجوم الليل ما وضحت لسار
ولو لبس النهار بني كليب ... لدنّس لؤمهم وضح النهار
وما يغدو عزيز بني كليب ... ليطلب حاجة الا بجار
«٣٢٧» - وقال أيضا: [من الكامل]
قوم إذا احتضر الملوك وفودهم ... نتفت شواربهم على الأبواب
«٣٢٨» - وقال أيضا: [من الطويل]
فإن تهج آل الزبرقان فإنما ... هجوت الطوال الشمّ من هضب يذبل
وقد ينبح الكلب النجوم ودونه ... فراسخ تنضي الطرف للمتأمل
أرى الليل يجلوه النهار ولا أرى ... عظام المخازي عن عطيّة تنجلي
٣٢٩- وقال آخر: [من الطويل]
وما يك من خير فلا تستطيعه ... وما يك من شرّ فإنّك صاحبه
«٣٣٠» - وقال يزيد بن المهلب: [من الطويل]
لقد سرّني للنفع أنك شافعي ... وقد ساءني للدهر أنك تشفع
«٣٣١» - وقال زياد الأعجم: [من البسيط]
ماذا يقول لهم من كان هاجيهم ... لا يبلغ الناس ما فيهم وإن جهدوا
стр. 1884
«٣٣٢» - وقال الخزرجي: [من الكامل]
أيزيد إنك لم تزل في ذلّة ... حتى لففت أباك في الأكفان
فاشكر بلاء الموت عندك إنه ... أودى بلؤم الحيّ من شيبان
«٣٣٣» - وقال يحيى بن نوفل: [من الطويل]
فواعجبا حتى سعيد بن خالد ... له حاجب بالباب من دون حاجب
«٣٣٤» - وقال نهار بن توسعة: [من البسيط]
كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها ... وكلّ باب من الخيرات مفتوح
فبدّلت بعده قردا نطوف [١] به ... كأنما وجهه بالخلّ منضوح
٣٣٥- وقال الأشهب بن رميلة النهشلي: [من الطويل]
ألم ينه عني غالبا أنّ غالبا ... من اللؤم أعمى ضلّ كلّ سبيل
وإني من القوم الحداد سيوفهم ... وسيفك الا في العلاة كليل
العلاة: السندان.
«٣٣٦» - وقال زياد الأعجم: [من المتقارب]
قبيّلة خيرها شرّها ... وأصدقها الكاذب الآثم
وضيفهم وسط أبياتهم ... وإن لم يكن صائما صائم
стр. 1885
«٣٣٧» - وقال أعرابي، وتروى لدعبل: [من البسيط]
أضياف عمران في خصب وفي دعة ... وفي عطاء كثير غير ممنوع
وضيف عمرو وعمرو يسهران معا ... عمرو لبطنته والضيف للجوع
«٣٣٨» - وقال جميل بن معمر: [من الطويل]
أبوك حباب سارق الضيف برده ... وجدّي يا حجّاج فارس شمّرا
بنو الصالحين الصالحون ومن يكن ... لآباء صدق يلقهم حيث سيّرا
فإن تغضبوا من قسمة الله حظّكم ... فلله إذ لم يرضكم كان أبصرا
«٣٣٩» - وقال زهير بن أبي سلمى وقد أسر الحارث بن ورقاء عبدا له وحبسه عنده: [من الوافر]
إذا طمحت نساؤكم إليه ... أشظّ كأنه مسد مغار
ولولا عسبه لرددتموه ... وشرّ منيحة أير معار
«٣٤٠» - وقال آخر: [من السريع]
بنو عمير مجدهم دارهم ... وكلّ قوم لهم مجد
كأنهم فقع بدوّيّة ... ليس لهم قبل ولا بعد
«٣٤١» - ذم أعرابي رجلا فقال: صغير القدر، قصير الشبر، لئيم النّجر، عظيم الكبر.
стр. 1886
٣٤٢- وذم آخر رجلا فقال: ما الحمام على الاصرار، والدّين على الاقتار، وشدة السقم في الأسفار، بأشدّ من لقاء فلان.
٣٤٣- وذم الجاحظ رجلا فقال: أنت والله أحوج إلى هوان من كريم إلى إكرام [١] ، ومن علم إلى عمل، ومن قدرة إلى عفو، ومن نعمة إلى شكر.
«٣٤٤» - وقال أحمد بن المعذل لأخيه عبد الصمد: أنت كالاصبع الزائدة إن تركت شانت وإن قطعت آلمت [٢] .
«٣٤٥» - وقال آخر في قوم يصف حلوقهم بالدقة، وإنما يريد بذاك لؤمهم لأنّ السيد عند العرب يكون جهير الصوت: [من الطويل]
كأن بني رالان إذ جاء جمعهم ... فراريج ألقي بينهنّ سويق
«٣٤٦» - وأنشد الجاحظ: [من الطويل]
حديث بني قرط إذا ما لقيتهم ... كنزو الدّبا في العرفج المتقارب
«٣٤٧» - وقال آخر في خطيب: [من الطويل]
مليء ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل أصابع
٣٤٨- وأنشد ابن الأعرابي: [من الرجز]
فذاك نكس لا يبضّ حجره ... مخرّق العرض جديد ممطره
стр. 1887
في ليل كانون شديد خصره ... عضّ بأطراف الزّبانى قمره
٣٤٩- وقال آخر في أسود: [من السريع]
يا مشبها في لونه فعله ... لم تعد ما أوجبت [١] القسمه
خلقك من خلقك مستخرج ... والظلم مشتقّ من الظلمه
«٣٥٠» - مدح دعبل أبا نصر ابن حميد الطوسي فقصّر في أمره، فقال يهجوه: [من البسيط]
أبا نصير تحلحل عن مجالسنا ... فإن فيك لمن جاراك منتقصا
أنت الحمار حرونا ان رفقت به ... فإن قصدت إلى معروفه قمصا
إني هززتك لا آلوك مجتهدا ... لو كنت سيفا ولكنّي هززت عصا
٣٥١- مرّ ابن الخياط بدار رجل كان يعرفه قبل ذلك بالضعة وخساسة الحال، وقد شيّد ذلك الرجل بابه فطوّح بناءه فقال: [من الطويل]
أطله فما طول البناء بنافع ... إذا كان فرع الوالدين قصيرا
«٣٥٢» - محمد بن وهيب الحميري في علي بن هشام، وكان قصده فلم يجد عنده ما أحبّ وتتايه عليه، والأبيات كثيرة نذكر مختارها: [من البسيط]
لم تند كفّك من بذل النوال كما ... لم يند سيفك مذ قلّدته بدم
كنت امرءا رفعته فتنة فعلا ... أيامها غادرا بالعهد والذمم
стр. 1888
حتى اذا انكشفت عنه غياهبها [١] ... ورتّب الناس بالأحساب والقدم
مات التخلّق وارتدتك مرتجعا ... طبيعة نذلة الأخلاق والشيم
كذاك من كان لا رأس ولا ذنب ... كزّ اليدين حديث العهد بالنعم
هيهات لست بحمّال الديات ولا ... معطي الجزيل ولا المرهوب في النقم
ولما بلغت هذه الابيات علي بن هشام ندم على ما كان منه وجزع وقال: لعن الله اللجاج فإنه شر ما تخلقه الناس. ثم أقبل على أخيه الخليل بن هشام فقال: الله يعلم إني لأدخل على الخليفة وعليّ السيف وأنا مستحي، أذكر قول ابن وهيب فيّ:
لم تند كفّك من بذل النوال كما لم ... يند سيفك مذ قلّدته بدم
«٣٥٣» - قال الفرزدق: لما اطردني زياد أتيت المدينة، وعليها مروان بن الحكم، فبلغه أني خرجت من دار ابن صياد، وهو رجل يزعم أهل المدينة أنه الدجال، فليس يكلّمه أحد ولا يجالسه، ولم أكن عرفت خبره. فأرسل إليّ مروان فقال: أتدري ما مثلك؟ حديث تحدث به العرب: أن ضبعا مرّت بحيّ قوم قد رحلوا، فوجدت مرآة فنظرت إلى وجهها فيها وقالت: من شرّ ما طرحك أهلك. ولكن من شرّ ما طردك أميرك، فلا تقيمنّ بالمدينة بعد ثلاثة أيام. قال: فخرجت أريد اليمن، حتى إذا صرت بأعلى ذي قسيّ، وهو طريق اليمن من البصرة، إذا رجل مقبل فقلت: من اين أوضع الراكب؟ قال: من البصرة. قلت: ما الخبر وراءك؟ قال: أتانا أن زيادا مات بالكوفة. قال:
стр. 1889
فنزلت [١] عن راحلتي مسرعا وسجدت وقلت: لو رجعت فمدحت عبيد الله بن زياد وهجوت مروان فقلت: [من الطويل]
وقفت بأعلى ذي قسيّ مطيتي ... أميّل في مروان وابن زياد
فقلت عبيد الله خيرهما أبا ... وأدناهما من رأفة وسداد
ومضيت لوجهي حتى أتيت بلاد بني عقيل، فوردت ماء من مياههم، فإذا بيت عظيم، وإذا امرأة سافر لم أر كحسنها وهيئتها قط، فدنوت فقلت: أتأذنين في الظلّ؟ فقالت: انزل فلك الظلّ والقرى. فأنخت وجلست إليها؛ قال: فدعت جارية لها سوداء كالراعية فقالت: ألطفيه شيئا واسعي إلى الراعي فردّي عليه شاة فاذبحيها له، وأخرجت إليّ تمرا وزبدا قال: وحادثتها فما رأيت والله مثلها قط، فما أنشدتها شعرا إلّا أنشدتني أحسن منه، فأعجبني المجلس والحديث، إذ أقبل فتى بين بردتين، فلما رأته رمت ببرقعها على وجهها وجلست، وأقبلت عليه بوجهها وحديثها، ودخلني من ذلك غيظ فقلت للحين: يا فتى هل لك في الصراع؟ فقال: سوأة لك إنّ الرجل لا يصارع ضيفه. قال: فألححت فقالت له: ما عليك لو لاعبت ابن عمك؟ فقمت وقام، فلما رمى بردتيه إذا خلق عجيب، فقلت: هلكت وربّ الكعبة. فقبض عليّ ثم اختلجني إليه فصرت في صدره، ثم احتملني، فو الله ما اتقيت الأرض إلا بظهر كتدي، وجلس على صدري، فما ملكت نفسي أن ضرطت ضرطة منكرة، وثرت إلى جملي، فقال: أنشدك الله، فقالت المرأة: عافاك الله إنه الظلّ والقرى، فقلت: أخزى الله ظلكم وقراكم. فمضيت فبينا أنا أسير إذ لحقني الفتى يجنب نجيبا برحله وزمامه، ورحله من أحسن الرحال، فقال: يا هذا إنه ما سرّني ما كان، وقد أراك أبدعت، أي كلّت ركابك، فخذ هذا النجيب وإياك أن تخدع عنه، فقد والله أعطيت به مائتي دينار قلت: نعم آخذه، فأخبرني من أنت، ومن هذه المرأة
стр. 1890
قال: أنا توبة بن الحميّر وتلك ليلى الأخيلية. وقال الفرزدق: والله ما بي أن صرعتني ولكن كأنّي بابن الأتان، يعني جريرا، وقد بلغه خبري هذا فقال فيّ يهجوني: [من الطويل]
جلست إلى ليلى لتحظى بقربها ... فخانك دبر لا يزال خؤون
فلو كنت ذا حزم شددت وكاءها ... كما سدّ خرقاء الدلاص قيون [١]
قال: فو الله ما مضى إلا أيام [٢] حتى بلغ جريرا الخبر فقال هذين البيتين.
«٣٥٤» - انصرف [٣] الفرزدق من عند بعض الأمراء في غداة باردة، وأمر بجزور فنحرت ثم قسمها وأغفل امرأة من بني فقيم قسمها [٤] ، فرجزت به فقالت: [من الرجز]
فيشلة هدلاء ذات شقشق ... مشرفة اليافوخ والمحوّق
مدمجة ذات حفاف [٥] أحلق ... نيطت بحقوي قطم عشنّق
أولجتها في سبّة الفرزدق
قال أبو عبيدة: فبلغني أنه هرب فدخل في بيت حمّاد بن الهيثم. ثم إن الفرزدق قال فيها بعد ذلك: [من الطويل]
قتلت قتيلا لم ير الناس مثله ... أقلّبه كالتومتين مسوّرا
стр. 1891
حملت إليه [١] طعنتي فطعنته ... فغادرته بين الحشايا مكوّرا
ترى جرحه من بعد ما قد طعنته ... يفوح كمثل المسك خالط عنبرا
وما هو يوم الزحف بارز قرنه ... ولا هو ولّى يوم لاقى فأدبرا
بني دارم ما تأمرون بشاعر ... برود الثنايا ما يزال مزعفرا
إذا ما هو استلقى رأيت جهازه ... كمقطع عنق الناب أسود أحمرا
وكيف أهاجي شاعرا رمحه استه ... أعدّ ليوم الروع درعا ومجمرا
فقالت المرأة: ألا أرى الرجال يذكرون مني هذا. فعاهدت الله ألا تقول شعرا، فسقطت.
«٣٥٥» - قال أبان بن عبد الله النميري يوما لجلسائه، وفيهم أبو نخيلة: والله لوددت أنه قيل فيّ ما قيل في جرير بن عبد الله: [من الرجز]
لولا جرير هلكت بجيله ... نعم الفتى وبئست القبيله
وأني أثيب على ذلك. فقال أبو نخيلة: هلم الثواب، فقد حضرني من ذلك ما تريد، فأمر له بدراهم فقال: اسمع يا طالب ما يخزيه: [من الرجز]
لولا أبان هلكت نمير ... نعم الفتى وليس فيها خير
٣٥»
- كان عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير يهاجي فروة بن خميصة الأسدي؛ قال عمارة: فكنت يوما جالسا مع المأمون فإذا أنا بهاتف يهتف بي من خلفي ويقول: [من البسيط]
стр. 1892
نجّى عمارة منّا أنّ مدّته ... فيها تراخ وركض السابح النّقل
ولو ثقفناه أوهينا جوانحه ... بذابل من رماح الخطّ معتدل
فإنّ أعناقكم للسيف مجلبة ... وإن مالكم المرعيّ كالهمل
قال: وهذا الشعر لفروة بن خميصة فيّ. قال: فدخلني من ذلك ما قد علمه الله، وما علمت أن شعر فروة وقع إلى ما هناك. ثم خرج عليّ عليّ بن هشام من المجلس وهو يضحك فقلت: أبا الحسن تفعل بي مثل هذا وأنا صديقك؟ فقال:
ليس عليك في هذا شيء. قلت: من أين وقع لك؟ فقال: وهل بقي كتاب إلا وهو عندي؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أأهجى وأنا في دارك وبحضرتك؟ فضحك، فقلت: يا أمير المؤمنين أنصفني، فقال: دع هذا وأخبرني بخبر هذا الرجل، وما كان بينك وبينه. فأنشدته قصيدتي فيه، فلما انتهيت إلى قولي: [من الكامل]
ما في السويّة أن تكرّ عليهم ... وتكون يوم الرّوع أوّل صادر
أعجب المأمون هذا البيت فقال لي: ألهذه القصيدة نقيضة؟ قلت: نعم، قال:
فهاتها، فقلت: أوذي سمعي بلساني؟ فقال: على ذلك، فأنشدته إياها، فلما بلغت إلى قوله:
وابن المراغة جاحر [١] من خوفنا ... بالوشم منزلة الذليل الصاغر
يخشى الرماح بأن تكون طليعة ... أو أن تحلّ به عقوبة قادر
قال: أوجعك يا عمارة، قلت: ما أوجعته أكثر.
وقيل إن البيت من شعر عمارة كان سبب قتل فروة، ولما أنشده قال: والله لا قتلني إلّا هذا البيت. فلما تكاثرت عليه الخيل يوم قتل قيل له: انج بنفسك قال: كلّا والله، لا حققت قول عمارة، فصبر حتى قتل. وكان أحسن الناس
стр. 1893
شعرا ووجها وقدا، لو كان امرأة لاشتجرت [١] عليه بنو أسد. وقيل لعمارة:
أقتلت فروة؟ فقال: والله ما قتلته، ولكني أقتلته، أي سببت له سببا قتل به.
«٣٥٧» - وكان عمارة يقول: ما هاجيت أحدا قطّ إلا كفيت مؤونته في سنة أو أقل من سنة، إما أن يموت أو يقتل أو أفحمه، حتى هاجاني أبو الرديني العكلي فخنقني بالهجاء، ثم هجا بني نمير فقال: [من الوافر]
أتوعدني لتقتلني نمير ... متى قتلت نمير من هجاها
فكفانيه بنو نمير وقتلوه، فقتلت به عكل، وهم يومئذ ثلاثمائة رجل، أربعة آلاف رجل من بني نمير، وقتلت لهم شاعرين: رأس الكبش وشاعرا آخر.
«٣٥٨» - وهجا عمارة امرأة ثم أتته في حاجة بعد ذلك فجعل يعتذر إليها فقالت له: خفّض عليك، فلو قتل الهجاء أحدا لقتلك وقتل أباك وجدّك.
«٣٥٩» - أبو الأسد في أحمد بن أبي داود: [من الكامل]
أنت امرؤ غثّ الصنيعة رثّها ... لا تحسن النّعمى إلى أمثالي
نعماك لا تعدوك إلا في امرىء ... في مسك مثلك من ذوي الأشكال
فإذا نظرت إلى صنيعك لم أجد [٢] ... أحدا سموت به إلى الافضال
فاسلم لغير سلامة ترجى لها ... إلّا لسدّك خلّة الأنذال
«٣٦٠» - وقال دعبل [٣] : [من البسيط]
стр. 1894
أنت الحمار حرونا إن رفقت به ... وان قصدت إلى معروفه قمصا
اني هززتك لا آلوك مجتهدا ... لو كنت سيفا ولكني هززت عصا
«٣٦١» - دعبل [١] : [من المتقارب]
وضعت رجالا فما ضرّهم ... وشرّفت قوما فلم ينبلوا
٣٦٢- أعرابي: [من الرجز]
لا يوقدون النار إلا بسحر ... ويسترون النار من غير حذر
ثمّت لا توقد إلّا بالبعر
«٣٦٣» - بعث محمد بن حميد الطائي إلى محمد بن حازم الباهليّ بعد أن كان قد هجاه وشهره بألف درهم وعشرة أثواب، فردّها عليه وكتب إليه:
[من الكامل المرفل]
ولقد جنحت إلى مسالمتي ... وأنبت [٢] عند تفاقم الأمر
وحذوت حذو ابن المهلب إذ ... قصد الفرزدق بالنّدى الغمر
وبعثت بالأموال ترغبني ... كلّا ورب الشّفع والوتر
لا ألبس النعماء من رجل ... ألبسته عارا مدى الدهر
٣٦٤- قال أعرابي لابن عم له: والله ما جفانكم بعظام، ولا أجسامكم
стр. 1895
بوسام، ولا بدت لكم قط نار، ولا طولبتم بثار.
«٣٦٥» - عاب أعرابي قوما فقال: أقلّ الناس ذنوبا إلى أعدائهم، وأكثرهم إجراما إلى أصدقائهم، يصومون عن المعروف، ويفطرون على الفحشاء.
«٣٦٦» - بشر: [من الوافر]
فإنكم ومدحكم بجيرا ... أبا لجأ كما امتدح الألاء
يراه الناس أخضر من بعيد ... وتمنعه [١] المرارة والاباء
«٣٦٧» - عبد الرحمن بن حسان: [من الطويل]
ذممت ولم تحمد وأدركت حاجتي ... تولّى سواكم شكرها واصطناعها
أبى لك فعل الخير رأي [٢] مقصّر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا هي حثّته على الخير مرّة ... عصاها وإن همّت بسوء أطاعها
٣٦٨- ابن وكيع: [من الطويل]
لئن نلت ما أملت منك فسرّني ... لقد ساءني أن صرت ممن يومّل
٣٦٩- آخر: [من الطويل]
شنئتكم حتى كأنكم الغدر ... وعفتكم حتى كأنكم الهجر